المبحث الأول: قدوم النبي ﷺ المدينة
١٦٩ - من حديث ابن شهاب عن : "أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله وأبا بكر ثياب بياض، ويسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يفدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانطلقوا أيضًا بعدما أطالوا انتظارهم.
فلما آووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر مبيضين، يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول. فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله ﷺ صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ ، يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك.
بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله ﷺ ، ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدًا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة. فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل، ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله ثم بناه مسجدًا، وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن في بنيانه، ويقول - وهو ينقل اللبن: هذا الحمال لا حمال … هذا أبر ربنا وأطهر
… فارحم الأنصار والمهاجرة فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي ". قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات ١ .
- ١قد جاء جزء منه حديث رقم: ١٦٥ وحديث رقم: ١٦٨، فانظر تخريجه هناك -وقد جاء من حديث عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة محمد ابن هشام في السيرة بإسناد رجاله ثقات نحو هذا: ١/ ٤٩٢.
المبحث الثاني: نزوله بفناء أبي أيوب وبناء المسجد
١٧٠ - من حديث أنس رضي الله عنه قال: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نزل في علو المدينة، في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، قال: ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، قال: فجاءوا متقلدي سيوفهم، قال: وكأني وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: فكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم. قال: ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ بني النجار فجاءوا. فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. قال: فكان فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخيل.
فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطعت، قال الصخر، وهم يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم يقولون: اللهم إنه … فاغفر للأنصار والمهاجرة ١
- ١أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب مقدم النبي وأصحاب إلى المدينة رقم: ٣٩٣٢ فتح الباري: ٢٦٥/ ٧، وفي المساجد باب هل تنبش قبور مشركي الجاهية ويتخذ مكانها مساجد، وفي فضائل المدينة باب = = حرم المدينة، وفي البيوع باب صاحب السلعة أحق بالسوم، ومسلم في المساجد باب ابتناء مسجد النبي ﷺ رقم: ٥٢٤ - أبو داود في الصلاة باب بناء المسجد: ٤٥٤، النسائي في المساجد باب نبش القبور واتخاذ أراضيها مساجد: ٢/ ٣٩ - ٤٠، ابن ماجه في المساجد باب أين يجوز بناء المساجد. ٧٤٢، وأحمد في المسند انظر الفتح الرباني: ٢١/ ٥ - ٦، ابن سعد في الطبقات: ١/ ٢٣٩ - ٢٤١، البيهقي في الدلائل: ٢/ ٥٣٩ - ٥٤٠، الطيالسي في المسند في منحة المعبود: ٢/ ٩٤ - ٩٥.
١ - خروج الناس لاستقبال الرسول عليه السلام حين قدم المدينة
١٧١ - من حديث البراء عن أبي بكر في حديث الهجرة فقال: ( ينزل عليه رسول الله ﷺ فقال: (أنزل علي بني النجار، أخوال عبد المطلب، أكرمهم بذلك) فصعد الرجال والنساء فوق البيوت وتفرق الغلمان والخدم في الطرق ينادون: يا محمَّد! يا رسول الله! يا محمَّد! يا رسول الله " ١ .
- ١أخرجه البخاري في مناقب الصحابة باب مناقب المهاجرين: ٣٦٥٢ فتح الباري: ٧/ ٨، وفي الأنبياء باب علامات النبوة في الإِسلام، وفي الأشربة باب شرب اللبن، وفي اللقطة: باب من عرف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان، ومسلم: ٢٠٠٩، ٤/ ٢٣٠٩ في الزهد والرقائق: باب في حديث الهجرة.
٢ - إضاءة المدينة لمقدمه ﷺ وإظلامها لوفاته
١٧٢ - من حديث أنس رضي الله عنه قال: "فما رأيت يومًا قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله ﷺ فما رأيت يومًا قط أظلم ولا أقبح من اليوم الذي توفي رسول الله ﷺ -فيه " ١ .
- ١أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ١٢٢، والدارمي: ١/ ٤١ في المقدمة وإسناده صحيح، والحاكم في المستدرك: ٣/ ١٢، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٥٩ - ٦٠، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
٣ - لعب الحبشة بحرابها فرحا بالرسول صلى الله عليه وسلم
١٧٣ - من حديث أنس رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله لعبت بحرابهم فرحًا لقدومه" ١ .
- ١أخرجه أبو داود في الأدب باب في الغناء: ٤٩٢٣، الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٩٠ - ٢٩١ وسنده صحيح رجاله رجال الصحيح.
المبحث الرابع: مسائل عبد الله بن سلام حبر اليهود وإسلامه
١٧٤ - من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه : ( فنزل النبي في السفل وأبو أيوب في العلو. قال: فانتبه أبو أيوب ليلة فقال: نمشي فوق رأس رسول الله، فتنحوا، فباتوا في جانب، ثم قال للنبي ﷺ . فقال النبي ﷺ (السفل أرفق) فقال: لا أعلو سقيفة أنت تحتها، فتحول النبي ﷺ في العلو وأبو أيوب في السفل. فكان يصنع للنبي ﷺ طعاما. فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه، فيتتبع موضع أصابعه، فصنع له طعاما فيه ثوم، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع النبي ﷺ ، فقيل له: لم يأكل ففزع وصعد إليه. فقال: أحرام هو؟ فقال النبي ﷺ : (لا ولكني أكرهه) قال: فإني أكره ما تكره، أو ما كرهت، قال: وكان النبي ﷺ يؤتى؟!! " ١ .
- ١أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الأشربة باب إباحة أكل الثوم وأنه ينبغي لمن أراد خطاب الكبار تركه رقم: ٢٠٥٣ - الترمذي كتاب الأطعمة باب كراهة أكل الثوم: ١٨٠٧، أحمد في المسند: ٥/ ٩٤ - ٩٥، ٩٦، ١٠٣، ١٠٦، البيهقي في الدلائل: ١٠/ ٥٠٩ - ٥١٠.
١٧٥ - من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي ﷺ المدينة، فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني به جبريل آنفًا. قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، قال: أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه. إلا الله وأنك رسول الله. قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإِسلامي، فجاءت اليهود. فقال النبي ﷺ : أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا، فقال النبي ﷺ : أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك. فخرج إليهم عبد الله. إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قالوا: شرنا وابن شرنا، وتنقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله" ١ .
- ١أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب كيف آخى النبي بين أصحابه رقم ٣٩٣٨ فتح الباري: ٧/ ٢٧٢، وكتاب مناقب الأنصار باب الهجرة رقم: ٣٩١١ فتح الباري: ٧/ ٢٤٩ - ٢٥٠.
المبحث السادس: متى دخل النبي ﷺ المدينة
١٧٦ - من حديث عاصم بن عدي رضي الله عنه قال: "قدم رسول الله ﷺ يوم الاثنين لاثنتي عشرة لية بالمدينة عشر سنين" ١ .
- ١قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٦٣ رواه الطبراني ورجاله ثقات، الطبراني في الكبير: ١٧/ ١٧٢.
المبحث السابع: المشاركة في بناء المسجد
١٧٧ - من حديث سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: "لما بنى رسول الله ﷺ المسجد، جاء أبو بكر رضي الله عنه بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه، فقال رسول الله ﷺ : (هؤلاء ولاة الأمر من بعدي) ١ .
- ١أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ١٣، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاء ووافقه الذهبي وقال صحيح.
١٧٨ - من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: " لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ ، فينفض التراب عنه ويقول: ( يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) . قال: يقول عمار: أعوذ باللهِ من الفتن" ١ .
- ١أخرجه البخاري في الصلاة باب التعاون في بناء المسجد رقم: ٤٤٧ فتح الباري: ١/ ٥٤١ ورقم: ٢٨١٢ في الجهاد. وانظر الفتح الرباني: ٢٣/ ٢٧٤ - مسلم في الفتن رقم: ٢٩١٥ - أحمد في المسند: ٣/ ٥ البيهقي في الدلائل: ٢/ ٥٤٨.
صفة مسجده
١٧٩ - من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان المسجد مبنيًّا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل" فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله ﷺ ثم غيره وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج " ١ .
- ١أخرجه البخاري في الصلاة باب بنيان المسجد رقم: ٤٤٦ فتح الباري: ١/ ٥٤٠، وانظر الفتح الرباني: ٢٣/ ٢٧٦.
المبحث الثامن: ما أصاب المهاجرين من حمى المدينة
١٨٠ - من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: " أبو بكر، واشتكى بلال، فلما رأى رسول الله ﷺ شكوى أصحابه قال: (اللهم حبب إلينا المدينة، كما حببت لنا في صاعها ومدها، وحول حماها إلى الجحفة) ١ .
- ١أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب مقدم النبي وأصحابه المدينة رقم: ٣٩٢٦ فتح الباري: ٧/ ٢٦٢ وفي الدعوات باب الدعاء برفع الوباء والوجع، وفي فضائل المدينة باب حدثنا مسدد عن يحيى عن عبد الله بن عمر، وفي المرض باب عيادة النساء الرجال، وباب من دعا برفع الوباء والحمى، ومسلم في صحيحه الحج باب الترغيب في سكنى المدينة رقم: ١٣٧٦، والفتح الرباني: ٢١/ ١٢ - ١٣.
١٨١ - من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: " المدينة فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر رضي الله عنه إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بواد وحولي أذخر وجليل وهل أردن يومًا مياه مجنة … وهل يبدون لي شامة وطفيل قالت عائشة فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها، فاجعلها بالجحفة).
وفي رواية للبخاري: "أن بلالًا قال بعد شعره " اللهم العن ، وعتبة كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء، ثم قال رسول الله ﷺ : " مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا وصححها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة). قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، قالت: فكان بطحان يجري نجلا، تعني ماء آجنًا" ١ .
- ١أخرجه البخاري في كتاب فضائل المدينة باب حدثنا مسدد عن يحيى عن عبيد الله بن عمر رقم: ١٨٨٩ وانظر التعليق السابق.
١٨٢ - من حديث رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: ( الرأس خرجت من المدينة، حتى قامت بهيعة وهي الجحفة، فأولت أن وجاء المدينة نقل إليها) ١ .
- ١أخرجه البخاري في كتاب التعبير باب إذا رأى أنه أخرج الشيء من كوة وأسكنها موضعًا آخر، وباب المرأة السوداء: ١٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦، رقم ٧٠٣٨، ٧٠٣٩، ٧٠٤٠، والترمذي كتاب الرؤيا باب ما جاء في رؤيا النبي الميزان والدلو رقم: ٢٢٩٠: وقال حسن صحيح غريب، وابن ماجه في التعبير باب تعبير الرؤيا رقم: ٣٩٢٤.
مرض عائشة بالحمى
١٨٣ - من حديث البراء عن أبي بكر رضي الله عنهما قال البراء: "فدخلت مع أبي بكر على أهله فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمى، فرأيت أباها يقبل خدها، وقال: كيف أنت يا بنية" ١ .
- ١أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب هجرة النبي وأصحابه رقم: ٣٩١٨ فتح الباري: ٧/ ٢٥٥.
المبحث العاشر: الوثيقة التي كتبها النبي في المدينة
لقد نظم النبي ﷺ العلاقات بين سكان المدينة، وكتب في ذلك كتابًا أوردته المصادر التاريخية، واستهدف هذا الكتاب أو الصحيفة توضيح التزامات جميع الأطراف داخل المدينة، وتحديد الحقوق والواجبات، وقد سميت في المصادر القديمة بالكتاب أو الصحيفة، وأطلقت عليها الأبحاث الحديثة لفظ الدستور والوثيقة.
أ - طرق ورود الوثيقة "الصحيفة"
ونظرًا لأهمية الوثيقة التشريعية إلى جانب أهميتها التاريخية، فلا بد من تحكيم مقاييس أهل الحديث فيها لبيان درجة قوتها أو ضعفها، وما ينبغي أن يتساهل فيها كما يفعل مع الروايات والأخبار التاريخية الأخرى.
أن أقدم من أورد نص الوثيقة كاملًا هو محمَّد بن إسحاق لكنه أوردها دون إسناد، ونقلها عنه ابن كثير وابن سيد الناس، وقد ذكر البيهقي إسناد ابن إسحاق للوثيقة التي تحدد العلاقات بين المهاجرين والأنصار دون البنود التي تتعلق باليهود، لذلك لا يمكن الجزم بأنه أخذها من نفس الطريق أيضًا.
وقد ذكر ابن سيد الناس أن ابن أبي خيثمة أورد الكتاب (الوثيقة) ، فأسنده بهذا الإسناد، وحدثنا أحمد بن خباب أبو الوليد، حدثنا عيسى بن يوسف، حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني، عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار فذكر بنحوه -أي بنحو الكتاب الذي أورده ابن إسحاق، ولكن يبدو أن الوثيقة وردت في القسم المفقود من تاريخ ابن أبي خيثمة إذ لا وجود لها فيما وصل إلينا منه.
كذلك وردت الوثيقة في كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام بإسناد آخر هو حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، وعبد الله بن صالح، قالا: حدثنا الليث ابن سعد، قال: حدثنا عقيل بن خالد، عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ كتب هذا الكتاب ..) وسرده.
كما وردت الوثيقة في كتاب الأموال لابن زنجويه من طريق الزهريّ أيضًا.
هذه هي الطرق التي وردت منها الوثيقة بنصها الكامل، والتطابق الكبير بين سائر الروايات سوى بعض التقديم والتأخير في العبارات، أو اختلاف بعض المفردات، أو زيادة بنود قليلة، ولا يؤثر هذا الاختلاف على مضمونها العام.
ب - مدى صحة الوثيقة
اعتمد عدد من الباحثين المعاصرين على الوثيقة فبنوا عليها دراساتهم، في حين ذهب الأستاذ يوسف العش إلى أن الوثيقة موضوعة فهو يقول: إنها لم ترد في كتب الفقه والحديث الصحيح رغم أهميتها التشريعية، بل رواها ابن إسحاق بدون إسناد، ونقلها عنه ابن سيد الناس، وأضاف أن كثير بن عبد الله بن عمرو والمزني روى هذا الكتاب عن أبيه عن جده، وقد ذكر ابن حبان البستي: أن كثير المزني روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب، ولا الرواية عنها إلا على جهة التعجب" ويرى العش أن ابن إسحاق اعتمد على رواية كثير لكنه تعمد حذف الإسناد.
لقد ذهب الأستاذ العش إلى ذلك لأنه تصور أن الوثيقة لم يروها غير ابن إسحاق، ولم يعبر على إسناد لها سوى ما ذكر ابن سيد الناس من رواية ابن أبي خيثمة لها من طريق كثير المزني.
لكن أبا عبيد القاسم بن سلام أورد الوثيقة من طريق الزهريّ وهي طريق مستقلة لا صلة لها بكثير المزني. ونظرًا لكون ابن إسحاق من أبرز تلاميذ الزهريّ، فإن ثمة احتمال لأن يكون أورد الوثيقة من طريقه، لولا أن البيهقي ذكر إسناد ابن إسحاق للوثيقة التي تحدد العلاقات بين المهاجرين والأنصار دون أن تتناول البنود المتعلقة بيهود، ولا يمكن الجزم بأن ابن إسحاق أخذ البنود المتعلقة بيهود من هذه الطريق أو من طريق أخرى. قال البيهقي: "أخبرني أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عثمان بن محمَّد بن المغيرة بن الأخنس بن شريق قال: أخذت من آل عمر بن الخطاب هذا الكتاب كان مقرونا بكتاب الصدقة" .
والحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ لأن عثمان تحملها وجادة، وفي الإسناد رجال فيهم ضعف مثل عثمان، فهو صدوق له أوهام، ويونس بن بكير يخطئ، والعطار ضعيف وتحمله للسيرة صحيح، فالرواية على ضعفها صالحة للاعتبار وقد توبعت وأن هذا النص يهدم الأساس الذي بنى عليه الأستاذ العش رأيه. كما أنه لا يمكن الحكم على الوثيقة بأنها موضوعة لأن كتب الحديث لم ترو نصًّا كاملًا!! فقد أوردت كتب الحديث مقتطفات كثيرة منها تغطي عددًا كبيرًا من بنودها.
وبذلك يتبين أن الحكم بوضع الوثيقة مجازفة، ولكن الوثيقة لا ترقى بمجموعها إلى مرتبة الأحاديث الصحيحة. فابن إسحاق في سيرته رواها دون إسناد مما يجعل روايته ضعيفه، وأوردها البيهقي من طريق ابن إسحاق أيضًا بإسناد فيه سعد بن المنذر وهو مقبول فقط، وابن أبي خيثمة أوردها من طريق كثير بن عبد الله المزني وهو يروي الموضوعات وأبو عبيد القاسم بن سلام رواها بإسناد منقطع يقف عند الزهريّ، وهو من صغار التابعين فلا يحتج بمراسيله".
ولكن نصوصًا من الوثيقة وردت في كتب الأحاديث بأسانيد متصلة وبعضها أوردها البخاري ومسلم، فهذه النصوص هي من الحديث الصحيح وقد احتج بها الفقهاء وبنوا عليها أحكامهم. كما أن بعضها ورد في مسند الإِمام أحمد، وسنن أبي داود، وابن ماجه والترمذي، وهذه النصوص جاءت من طرق مستقلة عن الطرق التي وردت منها الوثيقة.
وإذا كانت الوثيقة بمجموعها لا تصلح للاحتجاج بها في الأحكام الشرعية، سوى ما ورد منها من كتب الحديث الصحيح، فإنها تصلح أساسًا للدراسة التاريخية التي لا تتطلب درجة الصحة التي تقتضيها الأحكام الشرعية، خاصة وأن الوثيقة وردت من طرق عديدة تتضافر في إكسابها القوة، كما وأن الزهريّ علم كبير من الرواد الأوائل في كتابة السيرة النبوية، ثم إن أهم كتب السيرة والمصادر التاريخية ذكرت موادعة النبي ﷺ لليهود، وكتابته بينه وبينهم كتابًا، كما ذكرت كتابته كتابًا بين المهاجرين والأنصار.
وقد جاء عند ابن كثير في البداية والنهاية: ٤/ ١٠٣ - ١٠٤ نقلًا عن موسى ابن عقبة: (وفيه أن بني قريظة مزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد ". والأثر موقوف عليه بدون إسناد، ولكن مجموع الآثار يتقوى بعضها ببعض وتصل إلى درجة الحسن لغيره.
كذلك فإن أسلوب الوثيقة ينم عن أصالتها، فنصوصها مكونة من جمل قصيرة بسيطة وغير معتدة التركيب، ويكثر فيها التكرار، وتستعمل كلمات وتعابير كانت مألوفة في عصر الرسول عليه السلام ، ثم قل استعمالها فيما بعد حتى أصبحت مغلقة على غير المتعمقين في دراسة تلك الفترة، وليس في هذه الوثيقة نصوص تمدح، أو تقدح فردًا، أو جماعة، أو تخص بالإطراء، أو الذم، لذلك يمكن القول بأنها وثيقة أصلية وغير مزورة، ثم إن التشابه الكبير بين أسلوب الوثيقة، وأساليب كتب النبي ﷺ الأخرى يعطيها توثيقًا آخر" ١ .
- ١المجتمع المدني في عهد النبوة للدكتور أكرم ضياء العمري من صفحة: ١٠٧ - ١١٢ بتصرف قليل.
ميثاق التحالف الإسلامي
وكما سبق ذكره تبين لنا أن رسول الله ﷺ قد عقد حلفًا بين المهاجرين والأنصار، وسأذكر بنود هذا الحلف من خلال الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الحلف: ١٩٤ - من حديث علي رضي الله عنه من روايات متعددة عنه من طرق عن عدد من التابعين وكل واحد منهم روى بعضها وكل ما ذكروه وارد فيها "الوثيقة أو الحلف" .
من طريق إبراهيم التيمي، عن أبيه يزيد التيمي عن أن رسول الله ﷺ قال: (المدينة حرام ما بين عائر إلى كذا، من محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل) وقال: (وذمة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن تولى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل " ١ .
- ١أخرجه البخاري في فضائل المدينة باب حرم المدينة رقم: ١٨٧٠، ٣١٧٢, ٣١٧٦، ٦٧٥٥، ٧٣٠٠, ومسلم في الحج باب ضل المدينة: ١٣٧٠، أبو داود: المناسك باب في تحريم المدينة: ٢٠٣٤، والترمذي في الولاء باب ما جاء فيمن تولى غير مواليه: ٢١٢٨ وأحمد في المسند: ١/ ٨١، ١٢٦.
١٩٥ - ومن طريق أبي جحيفة عن علي قال: فيها (الصحيفة) العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر) ١ .
- ١أخرجه البخاري في العلم باب كتابة العلم: ١١١، الجهاد , باب فكاك الأسير: ٣٠٤٧، الديات باب لا يقتل المسلم بالكافرة: ٦٩١٥، ٦٧٥٥ الترمذي الديات باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر: ١٤١٢، وابن ماجه: في الديات: ٢٦٥٨، النسائي في القسامة باب سقوط القود من المسلم للكافر: ٨/ ٢٤، والحميدي رقم: ٤٠، وأحمد: ١/ ٧٩، والطحاوي شرح معاني الآثار: ٣/ ١٩٢.
١٩٦ - ومن طريق أبي حسان الأعرج "بعد أن ذكر الحديث زاد ( أدناهم، وهم يد على من سواهم، ولا ذو عهد بعهده) وزاد أحمد: ( أحرم ما بين حرتيها وحماها كله، لا يختلي خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها, ولا يعلف رجل بعيره، ولا يحمل فيها السلاح لقتال) ١ .
- ١أخرجه أحمد في المسند: ١/ ١١٩، والثاثي القسامة باب القود بين المماليك والأحرار: ٨/ ٢٠ بدون قوله: إن إبراهيم).
١٩٧ - ومن طريق أبي الطفيل ( الله، ولعن ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثا) ١ .
- ١أخرجه مسلم في كتاب الأضاحي باب تحريم الذبح لغير الله ولعن فاعله حديث رقم: ١٩٧٨.
١٩٨ - ومن طريق لإبراهيم التيمي قال: (فيها الجراحات وأسنان الإبل) ١ .
- ١أخرجه البخاري في كتاب الجزية والموادعة باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة رقم: ٣١٧٢.
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: والجمع بين هذه الأخبار أن الصحيفة المذكورة كانت مشتملة على مجموع ما ذكره، فنقل كل راو بعضها، وأتمها سياقًا طريق أبي حسان كما ترى والله أعلم ١ .
- ١فتح الباري: ٤/ ٨٥.
ومن الواضح أن هذه المقتطفات معظمها يطابق -نصًّا- ما ورد في الوثيقة: كما أنها تغطي معظم بنود الوثيقة المتعلقة بالتزامات المسلمين من المهاجرين والأنصار بعضهم تجاه بعض، ولكن ليس فيها إشارة إلى البنود المتعلقة بموادعة اليهود، مما يرجح أن الوثيقة في الأصل وثيقتان، وأن الصحيفة التي كانت معلقة بسيف رسول الله ﷺ ثم صارت عند علي رضي الله عنه هي نفس الكتاب بين المهاجرين والأنصار ١ .
- ١المجتمع المدني: ٤/ ٨٥.
وهكذا يتبين أن الرسول عليه السلام قد حالف بين الأنصار والمهاجرين في وثيقة خاصة بهم، ووادع اليهود في وثيقة أخرى، الأولى بعد حدد فيها التزاماتهم بعضهم تجاه بعض، والثانية قبل بدر أول قدوم النبي المدينة، لكن المؤرخين جمعوا بين الوثيقتين" ١ .
- ١المصدر السابق: ص ١١٧ ببعض التصرف.
وسأنقل نص الوثيقة كاملة وقد سبق التكلم عن صحتها وقوتها:
جـ - نص الوثيقة
١ - هذا كتاب من محمَّد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تابعهم فلحق بهم وجاهد معهم.
٢ - إنهم أمة واحدة من دون الناس.
٣ - المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٤ - وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٥ - وبنو الحارث "بن الخزرج" على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف.
٦ - وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٧ - وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٨ - وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٩ - وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١٠ - بنو النّبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١١ - وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١٢ - وإن المؤمنين لا يتركون مفرحًا ١ بينهم أن يعطوه بالمعروف من فداء أو عقل.
- ١المفرح: المثقل بالدين وكثير العيال.
(١٢ ب) وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
١٣ - وأن المؤمنين المتقين (أيديهم) على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم ١ ، أو إثما، أو عدوانا أو فسادًا بين المؤمنين، وإن أيديهم عليهم جميعًا، ولو كان ولد أحدهم.
- ١دسيعة ظلم: الدسيعة هي العطية وهي ما يخرج من حلق البعير إذا رغا ومعناه ما: ما ينال فهم من ظلم.
١٤ - ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن.
١٥ - وإن ذمة الله واحدة يجير أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.
١٦ - وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم.
١٧ - وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.
١٨ - وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضًا.
١٩ - وإن المؤمنين يبيء ١ بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.
- ١يبيء: يمنع ويكف.
٢٠ - وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه.
٢٠ ب - وأنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا ولا يحول دونه على مؤمن.
٢١ - لأنه من اعتبط ١ مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به، إلا أن يرضى ولي المقتول (بالعقل) ، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه.
- ١اعتبط: قتل مؤمنًا من غير شيء يوجب قتله.
٢٢ - وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا أو يؤويه، وأن من نصره فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.
٢٣ - وإنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمَّد.
٢٤ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
٢٥ - وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمن دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه وأثم لا يوتغ ١ إلا نفسه وأهل بيته.
- ١يرتغ: يهلك.
٢٦ - وإن يهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف.
٢٧ - وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.
٢٨ - وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.
٢٩ - وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف.
٣٠ - وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.
٣١ - وإن ليهود بني ثعلبة ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
٣٢ - وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.
٣٣ - وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف وأن البر دون الإثم.
٣٤ - وإن موالي ثعلبة كأنفسهم.
٣٥ - وإن بطانة يهود كأنفسهم.
٣٦ - وإنّه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمَّد.
٣٦ ب - وإنه لا ينحجز على ثار جرح؛ لأنه من فتك فبنفسه وأهل بيته إلا من ظلم وأن الله على أبر هذا.
٣٧ - وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والبر دون الإثم.
٣٧ ب - وإنه لا يأثم أمر بحليفه وإن النصر للمظلوم.
٣٨ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
٣٩ - وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
٤٠ - وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
٤١ - وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
٤٢ - وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمَّد رسول الله ﷺ ، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.
٤٣ - وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها.
٤٤ - وإن بينهم النصر على من دهم يثرب.
٤٥ - وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.
٤٥ ب - على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.
٤٦ - وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.
٤٧ - وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم, وإن الله جار عن بر وتقي، ومحمد رسول الله ١ .
- ١المجتمع المدني: ص ١١٩ - ١٢٢.
ولقد حلل الأستاذ أكرم ضياء العمري حفظه الله هذه الوثيقة تحليلًا طيبًا، وكتب حولها بحثًا قيمًا في كتابه المجتمع المدني نقلت جزءًا كبيرًا منه لنفاسته وجودته، والله الموفق.
دخوله ﷺ بعائشة رضي الله عنها
١٩٩ - من حديث أسماء رضي الله عنها الزبير، قالت: فخرجت وأنا متم، فأتيت المدينة، فنزلت فولدته بقباء، ثم أتيت به النبي ﷺ فوضعته فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ، له وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإِسلام " ١ .
- ١أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب هجرة النبي وأصحابه رقم: ٣٩٠٩، ومسلم في الأدب باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته حديث: ٢١٤٦ وقد جاء أيضًا من حديث عائشة عند البخاري رقم: ٣٩١٠ ومسلم: ٢١٤٨.
دخوله ﷺ بعائشة رضي الله عنها ٢٠٠ - من حديث عائشة رضي الله عنها : "تزوجني النبي وأنا بنت ست سنين، الحارث بن الخزرج، فأتتني أمي أم رومان -وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي، فصرخت بي فأتيتها, لا أدري ما تريد بي، باب الدار، وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئًا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني في البيت، خير طائر، فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ضحى، فأسلمتني إليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين" ١ .
- ١أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب تزويج النبي عائشة رقم: ٣٨٩٤ وجاء بأرقام: ٣٨٩٦، ٥١٣٣، ٥١٣٤، ٥١٥٦، ٥١٥٨، ٥١٦٠، ومسلم في النكاح باب تزويج الأب البكر الصغيرة: ١٤٢٢.
٢٠١ - وقد دخل النبي في شوال كما جاء ذلك عنها ١ .
- ١أخرجه مسلم في النكاح باب استحباب التزويج في شوال: ١٤٢٣، الترمذي النكاح باب ما جاء في = = الأوقات التي يستحب فيها النكاح رقم: ١٠٩٣، وابن ماجه النكاح باب متى يستحب البناء بالنساء: ١٩٩٠.
المبحث الثاني عشر: قصة الأذان ومشروعيته
٢٠٢ - من حديث عبد الله بن زيد قال: "لما أمر رسول الله وسلم بالناقوس ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا: فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ فقلت: بلى فقال: تقول أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. قال: ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: وتقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: ( الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك) .
وزاد أحمد في رواية " عليه، ويؤذن به، قال: فسمع ذلك وهو في بيته، فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله ﷺ : (فلله الحمد) ١ .
- ١أخرجه أبو داود في الصلاة باب كيف الأذان: ٤٩٩ الدارمي: ١/ ٢٦٩، الصلاة باب في بدء الأذان، ابن ماجه الأذان باب بدء الأذان رقم: ٧٠٦، البيهقي ١/ ٣٩١، أحمد في المسند: ٤/ ٤٣، الترمذي في الصلاة باب ما جاء في بدء الأذان رقم: ١٨٩ وقال حسن صحيح، والبخاري في خلق أفعال العباد ص: ٣٤ - ٣٥، وابن الجارود: ١٥٨، والدارقطني: ١/ ٣٤١، والسيرة النبوية لابن هشام: ٢/ ١٧٧، ١٧٨، وابن خزيمة: ٣٧١، وعبد الرزاق: ١٧٨٧. وقد صححه جماعة من الأئمة كالبخاري والذهبي والنووي وغيرهم- انظر نصب الراية: ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠.
المبحث الثالث عشر: عبد الله بن أبي وإيذاؤه للنبي صلى الله عليه وسلم
٢٠٣ - من حديث أسامة بن زيد قال: " عليه إكاف تحته قطيفة فدكيه، وأردف وراءه أسامة، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج. وذاك قبل وقعة ، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود، فيهم عبد الله بن أبي، رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمَّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا.
وقف فنزل، فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن. فقال عبد الله بن أبي: هذا، إن كان ما تقول حقًّا، فلا تؤذنا في مجالسنا، وارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: اغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود، حتى هموا أن يتواثبوا. فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم، ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال: (أي سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟) -ويريد عبد الله بن أبي- (قال كذا وكذا) قال: اعف عنه يا رسول الله واصفح. فوالله! لقد أعطاك الله الذي أعطاك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه، فيعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه، شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه النبي ﷺ " ١ .
- ١أخرجه البخاري في التفسير باب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب … رقم: ٤٥٦٦، ومسلم في الجهاد والسير باب في دعاء النبي ﷺ وصبره على أذى المنافقين رقم: ١٧٩٨. * أكاف: هو للحمار بمنزلة السرج للفرس، قطيفة: دثار مخمل. * عجاجة الدابة: ما ارتفع من غبار حوافرها. خمَّر أنفه: غطاه. يخفضهم: يسكنهم ويسهل الأمر بينهم شرق بذلك: غص ومعناه حسد النبي.
المحبث الرابع عشر: الإذن بالقتال
٢٠٤ - قال الزهري أول آية نزلت في القتال كما أخبرني عروة عن عائشة رضي الله عنها ﴿﴾ ١ .
- ١فتح الباري: ٧/ ٢٨٠، وقال أخرجه النسائي وإسناده صحح، انظر السنن الكبرى، للنسائي التفسير باب قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ رقم: ١١٣٤٦.
٢٠٥ - ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما خرج رسول الله ﷺ أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن، فأنزل الله عز وجل ﴿﴾ ١ وهي أول آية نزلت في القتال" ٢ .
- ١سورة الحج: ٣٩.
- ٢أخرجه الترمذي في التفسير باب سورة الحج رقم: ٣١٧٠، والنسائي الجهاد باب وجوب الجهاد: ٦/ ٢، وفي الكبرى رقم: ١١٣٤٥، أحمد في المسند: ١/ ٢١٦، الحاكم في المستدرك: ٢/ ٦٦، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
المبحث الأول: تاريخ الغزوة وأسبابها
٢١٤ - حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: "التمسوها (يعني ليلة القدر) في سبع عشرة، وتلا هذه الآية (يوم التقى الجمعان) يوم ، قال: أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين" ١ .
- ١أخرجه أبو داود في الصلاة باب من روى أنها ليلة سبع عشرة: ١٣٨٤ والبيهقي: ٤/ ٣١٠ وابن أبي شيبة: ٣/ ٧٥ - ٧٦، والطبراني في الكبير: ٩٠٧٤: ٩٥٧٩، وعبد الرزاق في المصنف: ٧٦٩٧ والطحاوي: ٢/ ٥٤، وابن نصر المروزي في مختصر قيام رمضان ص: ١٠٨، والحاكم في المستدرك ٣/ ٢٠ - ٢١ وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وأخرجه الطبري في التاريخ: ٢/ ٢٦٦ بإسناده صحيح، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: ٦/ ٣٧٦، إلى سعيد بن منصور وابن مردويه.
٢١٥ - ومن حديث ابن مسعود أيضًا: قال في ليلة القدر (تحروها لإحدى عشرة يبقين صبيحتها يوم ) . قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله : "أما غزوة بدر فمتفق عليه بين أهل السير: ابن إسحاق وموسى بن عقبة وأبو الأسود وغيرهم، واتفقوا على أنها كانت في رمضان، قال ابن عساكر: والمحفوظ أنها كانت في يوم الجمعة، وروي أنها كانت في يوم الاثنين وهو شاذ، ثم الجمهور على أنها كانت سابع عشرة، وقيل ثاني عشرة، وجمع بينهما بأن الثاني ابتداء الخروج والسابع عشر يوم الوقعة" ١ . قلت: وخلاصة الأمر كما جاء في قول ابن حجر أن الخروج كان في الثاني عشر، والسابع عشر يوم الوقفة، والتاسع عشر كما في قول ابن مسعود الثاني هو انتهاء الغزوة وخاصة أن الرسول عليه السلام كان يقيم في عرصة أي قوم يغزوهم ثلاثًا، وكذا فعل في بدر كما سيأتي بيانه".
- ١التلخيص الحبير: ٤/ ٨٩ رقم الحديث: ١٨٢٦.
١ - إرسال العيون للتجسس على قوافل قريش
٢١٦ - من حديث أنس: قال: "بعث رسول الله ﷺ بسبسة أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله (قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه) قال: فحدثه الحديث قال: فخرج رسول الله ﷺ فتكلم فقال: ( ظهره حاضرًا فليركب معنا) فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة فقال: (لا إلا من كان ظهره حاضرًا) ١ .
- ١أخرجه مسلم في صحيحه الإمارة باب ثبوت الجنة للشهيد رقم: ١٩٠١ أحمد في المسند: ٣/ ١٣٦. * يعني الخيل أي لو أمرتنا بإدخال خيولنا في البحر وغشيتنا إياها فيه لفعلنا.
٢ - المشاورة الأولى من الرسول لأصحابه في المدينة
٢١٧ - من حديث أنس رضي الله عنه قال: " حين فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة، فقال: إيانا تريد بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله الناس فانطلقوا ..) الحديث ١ .
- ١أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب غزوة بدر رقم: ١٧٧٩ وأحمد في المسند: ٣/ ١٨٨، ٣/ ١٠٠، ٤/ ٢٢٨، ٦/ ٢٩.
٣ - دعوة الرسول عليه السلام الناس للخروج
٢١٨ - من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: "لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلًا من الشام: ندب المسلمين إليهم وقال: (هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها، فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربًا.
وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان خوفًا على أمر الناس، حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: أن محمدًا استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك. فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشًا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة ١ .
- ١أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق: ٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧، بسند صحيح فقد صرح ابن إسحاق بالتحديث.
٤ - قلة المراكب من الجمال والخيول
٢١٩ - من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كنا يوم كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة زميلي رسول الله ﷺ قال: وقال: وكانت عقبة رسول الله ﷺ قال: فقالا: نحن نمشي عنك. فقال: ( أنا بأغنى عن الأجر منكما) ١ .
- ١أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٤١١، طبعة لبنان رقم: ٣٩٠١، طبعة أحمد شاكر، ابن حبان: ١٦٨٨، والحاكم: ٣/ ٢٠، وقال حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٦٩، رواه أحمد والبزار وفيه عاصم بن بهدلة وحديث حسن وبقية رجال أحمد رجال الصحيح، وحسنه الشيخ أحمد شاكر.
٢٢٠ - ومن حديث كرم الله وجهه: "قال: لقد أتينا ليلة وما فينا إلا نائم إلا النبي ﷺ فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو، وما كان فينا فارس إلا المقداد " ١ .
- ١الفتح الرباني: ٢١/ ٣٦ والطيالسي: ٢٣٤٢ وأبو يعلى والحديث سنده صحيح.
٥ - عدد المسلمين في غزوة بدر
٢٢١ - من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: "كنا أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن عدة أصحاب على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة " ١ .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب عدة أصحاب بدر رقم: ٣٩٥٨، الترمذي في السير باب ما جاء في عدة أصحاب بدر رقم: ١٥٩٨ وقال حديث حسن صحيح.
٢٢٢ - ومن حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "كان عدة أهل عدة أصحاب طالوت يوم جالوت ثلثمائة وسبعة عشر " ١ .
- ١كشف الأستار عن زوائد البزار رقم: ١٧٨٤ وقال الهيثمي: ٦/ ٩٣ رواه البزار ورجاله ثقات.
٢٢٣ - ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: "خرج رسول الله ﷺ يوم في ثلاثمائة وخمسة عشر رجلًا من أصحابه .. فذكر الحديث " ١ .
- ١أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد باب في نفل السرية تخرج من العسكر رقم: ٢٧٤٧، والحاكم: ٢/ ١٤٥ وقال صحيح على شرط مسلم، والبيهقي: ٩/ ٥٧، وحسنه الحافظ في الفتح: ٧/ ٢٩٢ والحديث حسن والله أعلم.
وهذه الرواية لا تنافي التي قبلها لاحتمال أن تكون هذه الرواية لم يعد فيها النبي ﷺ ولا الرجل الذي لحق بهم.
٦ - عدم السماح لمن لم يبلغ بالخروج
٢٢٤ - من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: "استصغرت أنا وابن عمر يوم ، وكان المهاجرون يوم بدر نيفًا على ستين، والأنصار نيفًا وأربعين ومائتين " ١ .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب عدة أصحاب بدر رقم: ٣٩٥٦.
٢٢٥ - ومن حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : "أن النبي ﷺ نظر إلى عمير بن أبي وقاص، فاستصغره حين خرج إلى ، ثم أجازه قال سعد: فيقال: أنه خانه سيفه قال قتل يوم بدر " ١ .
- ١كشف الأستار عن زوائد البزار: ١٧٧٠ قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٦٩، رواه البزار ورجاله ثقات.
٧ - رفضه الاستعانة بالمشركين
٢٢٦ - من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: " ، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله ﷺ : (تؤمن بالله ورسوله؟) . قال: لا: قال: (فارجع فلن أستعين بمشرك) . قالت: ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل. فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة: قال: (فارجع فلن أستعين بمشرك) قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء. فقال له كما قال أول مرة: (تؤمن بالله ورسوله) قال: نعم. فقال له رسول الله ﷺ : (فانطلق) ١ .
- ١أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب كراهة الاستعانة في الغزو بالكافر رقم: ١٨١٧، أبو داود في الجهاد والسير باب في المشرك يسهم له:٢٧٣٢، والترمذي في السير ما جاء في أهل الذمة يغزون مع المسلمين هل يسهم لهم: ١٥٥٨، وقال حسن غريب، والدارمي: ٢/ ٢٣٣ وأحمد: ٦/ ٦٧، ٤٩. يحتمل أن عائشة كانت مع المودعين فرأت ذلك، ويحتمل أنها أرادت بقولها: كنا، كان المسلمون، كذا قال النووي في شرح مسلم: ١٢/ ١٩٨ - ١٩٩.
٨ - رؤيا عاتكة وإنذار ضمضم لقريش
سبق وأن ذكرت في حديث ابن عباس رقم: ٢١٨، أن أبا سفيان كان يتحسس الأخبار عن النبي ﷺ وأصحابه، وأنه كان يخاف أن يقوم النبي ﷺ وأصحابه بقطع الطريق على قافلته، وسلب ما معه من أموال قريش.
فلما سمع من بعض الركبان بخروج رسول الله وأصحابه لاعتراض القافلة، استأجر رجلًا من بني غفار واسمه ضمضم بن عمرو الغفاري لينذر قريشًا من أجل أن تخرج لحماية قافلتها، وقبل أن يصل النذير مكة رأت رؤيا أولت بأن مصابًا سيحل في مكة، سيؤدي إلى قتل عدد من زعماء قريش، مما أثار حفيظة بعض زعماء الشرك، ولنترك المجال لراوي الحدث ليخبرنا بالتفصيلات: ٢٢٧ - قال ابن إسحاق وحدثني يزيد بن رومان ١ عن قال: "وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب رضي الله عنها قبل قدوم ضمضم (الغفاري) مكة بثلاث ليال، رؤيا أفزعتها، عبد المطلب، فقالت له: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثك به، فقال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبًا أقبل على بعير له، حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يالغُدُر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها، ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها. ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت من بيوت مكة، ولا دار إلا دخلتها منها فلقه، قال العباس: والله إن هذه لرؤيا! وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لأحد. ثم خرج العباس، فلقي بن ربيعة، وكان له صديقًا، فذكرها له، واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث بمكة، حتى تحدثت به قريش في أنديتها. قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت، وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا.
- ١يزيد بن رومان ثقة من الخامسة، تقريب: ٢/ ٣٦٤.
فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبّية؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة، قال: فقلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساءكم! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقًّا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء، نكتب بيت في العرب. قال العباس: فوالله ما كان مني إليه كبير، أن تكون رأت شيئًا قال: ثم تفرقنا.
من بني عبد المطلب إلا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرٌ لشيء مما سمعت!، قال: قلت: قد والله فعلت، ما كان مني إليه من كبير، وأيم الله لأتعرضن له، فإن عاد لأكفيَّنكُنَّه. قال: رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلًا خفيفًا، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر. قال: إذ خرج نحو باب المسجد يشتد. قال: فقلت في نفسي ما له لعنه الله! أكل هذا فرقٌ مني أن أشاتمه! قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع: صوت ضمضم بن عمرو الغفاري، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره، قد جدع بعيره، وحول رحله، وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث: قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر " ١ .
- ١أخرجه ابن هشام في السيرة: ١/ ٦٠٧، وسنده صحيح إلا أنه مرسل، وقد جاءت حادثة عاتكة من طرق متعددة -من حديث ابن عباس عد الحاكم: ٣/ ١٩ إلا أن سنده ضعيف، ورواه الطبراني بإسنادين أحدهما مرسل، والآخر مرفوع من حديث مصعب بن عبد الله وفيهما ابن لهيعة وحديثه حسن كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٧٣٢، وله سند آخر عند ابن إسحاق عن ابن عباس ولكنه ضعيف"، وأورده ابن منده بسنده عن عاتكة بنت عبد المطلب وسنده ضعيف كما قال ابن حجر في الإصابة: ٤/ ٣٤٧ وبهذه الطرق يقوى الحديث فيرتفع الحديث إلى درجة الحسن لغيره والله أعلم. * أفظعتني: اشتدت علي. * يا لغدر: يا أهل غدر، يا آل غدر، مثل به: قام به، أرفضت: تفتتت، جدع بعيره: قطع أنفه، اللطيمة: الإبل التي تحمل البر والطيب.
٩ - إجارة الشيطان قريشا
٢٢٨ - قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان، عن ، قال: "لما أجمعت قريش المسير ذكرت ما كان بينها وبين بني بكر، فكاد ذلك يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعًا " ١ .
- ١ابن هشام في السيرة: ١/ ٦١٢، وسنده صحيح لكنه مرسل، ابن كثير من طريقه: ٢/ ٤٣٢.
١٠ - تخوف بعض أئمة الكفر من الخروج
وقصته مع سعد بن معاذ.
٢٢٩ - من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حدث عن سعد بن معاذ أنه قال: "كان صديقًا لأمية بن خلف، وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة انطلق سعد معتمرًا، فنزل على أمية بمكة، فقال لأمية: انظرني ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريبًا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان من هذا معك؟ فقال: هذا سعد. فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنًا وقد آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينوهم. أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا، فقال له سعد -ورفع صوته عليه-: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه: طريقك على المدينة، فقال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيد أهل الوادي. فقال سعد: دعنا عنك يا أمية، فوالله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنهم قاتلوك) . قال: بمكة؟ قال: لا أدري، ففزع لذلك أمية فزعًا شديدًا. فلما رجع أمية إلى أهله قال: يا أم صفوان، ألم تري ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنهم قاتلي. فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري. فقال أمية: والله لا أخرج من مكة.
أبو جهل الناس قال: أدركوا عيركم، فكره أمية أن يخرج، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان إنك متى ما يراك الناس قد تخلفت، وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذا غلبتني فوالله لأشترين أجود بعير بمكة. ثم قال أمية: يا أم صفوان جهزيني. فقالت له: يا أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبًا. فلما خرج أمية أخذ لا يترك منزلًا إلا عقل بعيره. فلم يزل بذلك حتى قتله الله عز وجل ب " ١ .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب ذكر النبي من يقتل ببدر رقم: ٣٩٥٠، وأحمد في المسند: (١/ ٤٠٠) انظر الفتح الرباني: (٢١/ ٤٢).
١١ - عدد المشركين في بدر
٢٣٠ - من حديث أنس رضي الله عنه ، وهو تتمة لما جاء في حديث المشورة رقم: ٢١٧: قال: " فانطلقوا حتى نزلوا ًا، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم غلام أسود لبني الحجاج، فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه: فيقول: ما لي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة ، فهذا قال ذلك ضربوه، فقال: نعم: أنا أخبركم هذا أبو سفيان، فهذا تركوه فسألوه فقال: ما لي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في أناس، فإذا قال هذا أيضًا ضربوه، ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف وقال: والذي نفسي بيده لتضربوه إذا صدقكم، وتتركوه إذا كذبكم" ١ .
- ١انظر حديث: ٢١٧، وتخريجه هناك.
٢٣١ - ومن حديث كرم الله وجهه أنه قال: "لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها، فأصابنا بها وعك، فكان النبي ﷺ يتخبر عن ، فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله ﷺ إلى بدر، وبدر بئر، فسبقنا المشركون إليها، فوجدنا فيها رجلين منهم رجل من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط، فأما القريشي فانفلت، وأما مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتى انتهوا به إلى النبي ﷺ فقال: له النبي ﷺ : (كم القوم؟) ، فقال: هم والله كثير عددهم شديد بأسهم، فجهد رسول الله ﷺ أن يخبره فأبى، ثم إن النبي ﷺ سأله: كم ينحرون من الجزر؟ قال: عشر لكل يوم، فقال رسول الله ﷺ : (القوم ألف كل جزور لمائة ونيفها) ١ .
- ١أخرجه أحمد في المسند: ١/ ١١٧، وأبو داود: ٢٦٦٥، في الجهاد باب في المبارزة من حديث علي وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم: ٣/ ١٨٧ - ١٨٨، عن ابن عباس وسنده حسن وقال الهيثمي في حديث علي: ٦/ ٧٦ أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة وانظر كشف، الأستار: ١٧٦١. * اجتويناها: أصابهم الجوى وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها، ما واستوخموها.
١٢ - تحديد مصارع القوم
٢٣٢ - من حديث أنس رضي الله عنه قال: "كنا مع عمر بين مكة والمدينة فتراءينا الهلال " … إلى أن قال: " فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس يقول (هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله) قال: فقال عمر: فوالذي بعثه بالحق! ما أخطؤوا الحدود التي حد رسول الله ﷺ " ١ .
- ١أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه رقم: ٢٨٧٣، وأحمد في المسند: ١/ ٢٦، والنسائي في الجنائز باب أرواح المؤمنين: ٤/ ١٠٨.
١٣ - الاستشارة الثانية من الرسول عليه السلام لأصحابه
وقد استشار الرسول ﷺ أصحابه رضوان الله عليهم المرة الثانية ليبين للأمة الإسلامية أهمية مبدأ الشورى في الإسلام، ولأن الأنصار رضوان الله عليهم كانوا يشكلون الغالبية العظمى من جيشه ﷺ ، وبذلك يبنى القرار الذي يتخذ على رأيهم وأكثريتهم، ولأنهم أصحاب الأرض التي انطلقت منها القوة المؤمنة فلا بد من أخذ رأيهم وسأنقل وصف مشهد المشاورة كما وصفها الصحابة رضوان الله عليهم.
٢٣٣ - من طريق ابن إسحاق بسنده الصحيح إلى ابن عباس في رواية أحداث يقول ابن عباس رضي الله عنهما : " … وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن. ثم قام ، فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امضي لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرانيل لموسى ﴿اذهب ها هنا قاعدون﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله خيرًا، ودعا له به. ثم قال رسول الله ﷺ : (أشيروا علي أيها الناس) ، وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله: إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فهذا وصلت إلينا، فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله ﷺ يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو في بلادهم.
فلما قال ذلك رسول الله ﷺ ، قال سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: (أجل) . قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: (سيروا وابشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم) ١ .
- ١أخرجه ابن هشام في السيرة: ١/ ٦١٤ - ٦١٥، بإسناد صحيح وقد صرح ابن إسحاق بالسماع، وأخرجه الطبراني وإسناده حسن كما في المجمع: ٦/ ٧٣، والبيهقي في دلائل النبوة: ٣/ ٣٢، وقال ابن = = كثير في البداية: ٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣ هكذا رواه ابن إسحاق رحمه الله ، وله شواهد من وجوه كثيرة من، ذلك رواية البخاري والنسائي وأحمد.
٢٣٤ - حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: " إلي مما عدل به، أتى النبي ﷺ - وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى ﴿اذهب ﴾ ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسر. يعني قوله" ١ .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب قوله تعالى ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾ رقم: ٣٩٥٢، أحمد في المسند: ٣٩٠ - ٤٢٨، الحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٤٩، وصححه ووافقه الذهبي. وقد جاء مثل هذا القول دون ذكر اسم المقداد من حديث عتبة بن عبد السلمي قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٧٥، رواه أحمد ورجاله ثقات، وجاء أيضًا من حديث أبي أيوب الأنصاري عند الطبراني بإسناد حسن كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٧٣ - ٧٤.
ويقول الحافظ في فتح الباري: "ويمكن الجمع بأن النبي ﷺ استشارهم في غزوة مرتين: الأولى: وهو بالمدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبي سفيان، وذلك بين في رواية مسلم ولفظه " أن النبي ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان والثانية كانت بعد أن خرج " ١ .
- ١فتح الباري: ٧/ ٢٨٨.
١٤ - الانشقاق في صفوف المشركين حين وصولهم بدر
٢٣٥ - ومن حديث علي كرم الله وجهه في تكملة حديث رقم: ٢٣١ قال رضي الله عنه : "فلما دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل منهم على جمل أحمر، يسير في القوم، فقال رسول الله ﷺ : (يا علي ناد حمزة) ، وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الأحمر وماذا يقول لهم، ثم قال رسول الله ﷺ : ( يأمر بخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر) ، قال: هو ، وهو ينهى عن القتال، ويقول لهم: يا قوم: إني أرى قومًا مستميتين لا تصلون إليهم، وفيكم خير، يا قوم، اعصبوها اليوم برأسي وقولوا جبن عتبة بن ربيعة، وقد علمتم أني لست بأجبنكم، فسمع ذلك أبو جهل فقال: أنت تقول هذا، والله لو غيرك يقول لأعضضته، قد ملات رئتك جوفك رعبًا، فقال عتبة: إياي تعني يا مصفر إسته، ستعلم اليوم أينا الجبان " ١ .
- ١انظر تخريج الحديث رقم: ٢٣١.
٢٣٦ - وقد جاء من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما نزل المسلمون وأقبل المشركون، نظر رسول الله ﷺ وهو على جمل أحمر فقال: (إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا) وهو يقول: "يا قوم أطيعوني في هؤلاء القوم، فإنكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه، وقاتل إليه، فاجعلوا حقها برأسي وارجعوا، فقال أبو جهل: انتفخ والله سحره حين رأى محمدًا وأصحابه، إنما محمد وأصحابه كأكلة جزور ولو قد التقينا، فقال عتبة: ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إني لأرى قومًا يضربونكم ضربًا، أما ترون كأن رؤسهم الأفاعي، وكأن وجوههم السيوف، ثم دعا أخاه وابنه، فخرج يمشي بينهما ودعا بالمبارزة" ١ .
- ١قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٧٦ رواه البزار ورجاله ثقات، وانظر كشف الأستار: ١٧٦٢، والحاكم: ٣/ ١٨٧، ١٨٨، وسنده حسن. * الطش: المطر الضعيف وهو فوق الرذاذ، الجحفة: الترس الصغير.
١٥ - مناجاة ودعاء، ومطر ونقاء
٢٣٧ - من حديث علي السابق الذكر رقم: ٢٣١: قال: " أصابنا من الليل طش من المطر -يعني الليلة التي كانت صبيحتها وقعة - فانطلقنا تحت الشجر والحجف، نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه ويقول: (اللهم إن تهلك هذه الفئة لا تعبد) قال: فلما تطلع الفجر نادى: (الصلاة عباد الله) فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله وحض على القتال" ١ .
- ١انظر التخريج حديث رقم: ٢٣١. * يهتف بربه: يصيح ويستغيث بالله بالدعاء.
٢٣٨ - من حديث رضي الله عنه قال: " رسول الله إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه ( اللهم آت هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض)، فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه.
فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: "يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل ﴿ أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ ١ فأمده الله بالملائكة" ٢ .
- ١سورة الأنفال: ٩.
- ٢أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجهاد باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر رقم: ١٧٦٣، وأحمد في المسند: ١/ ٣٠ - ٣٢.
٢٣٨ - ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قال النبي ﷺ يوم ( اللهم إن شئت لم تعبد) فأخذ أبو بكر بيده، فقال حسبك فخرج وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) ١ .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب: (إذ تستغيثون ربكم …) رقم: ٣٩٥٣.
٢٣٩ - ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: "خرج رسول الله ﷺ يوم في ثلاثمائة وخمسة عشر رجلًا من أصحابه، فلما انتهى إليها قال (اللهم إنهم جياع فأشبعهم، إنهم عراة فاكسهم) ففتح الله له يوم بدر، فانقبوا حين انقلبوا، وما منهم رجل إلا وقد رجع يحمل أو حملين واكتسوا وشبعوا" ١ .
- ١انظر تخريج الحديث رقم: ٢٢٣.
١٦ - استفتاح أبي جهل ودعاؤه يوم بدر
٢٤٠ - أ - من حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: "كان المستفتح يوم أبا جهل قال: اللهم " أقطعنا للرحم وآتانا بما لم يُعرف فأحنه الغداة" فبينما هم على تلك الحال، وقد شجع الله المسلمين على لقاء عدوهم، وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم، خفق رسول الله ﷺ خفقة في العريش ثم انتبه فقال: (أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامته، آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع، أتاك نصر الله وَعِدتُه) ١ .
- ١أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٤٣١، الحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٢٨، وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي، ابن كثير في السيرة: ٢/ ٤٣٤ وسنده حسن، وفي التفسير: ٢٩٦/ = = ٢ وعزاه للنسائي، وانظر سيرة ابن هشام: ١/ ٦٢٦ - ٦٢٧، البيهقي في الدلائل: ٣/ ٧٤.
٢٤٠ - ب - من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "قال أبو جهل: الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزلت ١ : ﴿ فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ ٢ ٣ .
- ١الآية: ٣٢ سورة الأنفال.
- ٢سورة الأنفال آية:٣٣.
- ٣أخرجه البخاري في تفسير سورة الأنفال باب وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم رقم: ٤٦٤٩ فتح الباري: ٣٠٩٨، مسلم في صحيحه كتاب صفة القيامة والجنة والنار باب قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾، الآية حديث رقم: ٢٧٩٦.
١٧ - نزول جبريل عليه السلام يوم بدر
٢٤١ - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما : ( عليه أداة الحرب) ١ .
- ١أخرجه البخاري في المغازب باب شهود الملائكة بدرًا رقم: ٣٩٩٥.
١٨ - أسلوب القتال
٢٤٢ - من حديث أبي طلحة رضي الله عنه قال: "غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم " ١ .
- ١أخرجه أحمد في المسند الفتح الرباني: ٢١/ ٤٣، وإسناده صحيح كما قال شاكر في تحقيقه للمسند: ٤/ ٣٩ حديث رقم: ٢١٩٧ - ٢١٩٨ ورجال هذا الإسناد ثقات، وقد جاء أيضًا من حديث أبي أسيد الساعدي أخرجه أبو داود: ٢٦٦٣ بسند حسن.
وهذا المبدأ "قتال الصف" قرره الإسلام وحث عليه في قول الله تعالى: ﴿ في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص﴾ ١ .
- ١سورة الصف: ٤.
فأسلوب القتال هذا الذي ذكره القرآن يعطي القائد القدرة الفائقة للسيطرة على الجند.
١٩ - تسويته الصفوف وقصته مع سواد
٢٤٣ - من حديث محمد بن علي بن الحسين أبي جعفر الباقر: "أن النبي ﷺ كان يتخطى بعرجون فأصاب به سواد بن غزية الأنصاري فقال: " يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني "، فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه فقال: (استقد) قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: (ما حملك على هذا يا سواد؟) . قال يا رسول الله: "حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يحس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله ﷺ بخير، وقال له خيرًا " ١ .
- ١الإصابة في تمييز الصحابة: ٢/ ٩٥، وسنده حسن إلا أنه مرسل، ويسنده ما جاء عن عبد الله بن جبير الخزاعي في مجمع الزوائد: ٦/ ٢٨٩، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات على ما في عبد الله بن جبير من ضعف كما جاء في التهذيب: ٥/ ١٦٨.
٢٠ - عريش القيادة النبوية يوم بدر
ثبت أن النبي ﷺ كان له عريش يدير منه المعركة يوم ، وقد شارك أيضًا صلوات الله عليه في الحرب والمعركة ونزل إلى ساحة القتال.
٢٤٤ - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما " في قبة له يوم .. وذكر دعاء النبي ﷺ ١ .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب إذ تستغيثون ربكم … رقم: ٣٩٥٣ من طرق متعددة.
٢٤٥ - ومن طريق ابن إسحاق: أن رسول الله ﷺ لما حرض أصحابه على القتال، ورمى المشركين بما رماهم به من التراب، وهزمهم الله تعالى صعد إلى العريش أيضًا ومعه أبو بكر، ووقف سعد بن معاذ ومن معه من الأنصار على باب العريش، ومعهم السيوف خشية أن تكر راجعة من المشركين إلى النبي ﷺ ١ .
- ١البداية والنهاية: ٣/ ٢٨٤، وانظر سيرة ابن هشام: ١/ ٦٢٠، والطبري في التاريخ: ٢/ ٤٤٠، والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٤٤، جميعًا من طريق ابن إسحاق من مرسل عبد الله بن أبي بكر.
١ - المبارزة بين المسلمين والمشركين
٢٤٦ - من حديث رضي الله عنه قال: " يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، وقال قيس بن عبادة: وفيهم أنزلت ﴿﴾ ، حمزة، وعلي، وعبيدة، أو أبو عبيدة بن الحارث، ، ، " ١ .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب قتل أبي جهل حديث رقم: ٣٩٦٥، وقد جاء هذا الحديث أيضًا من طريق أبي ذر رضي الله عنه عند البخاري في المغازي باب قتل أبي جهل رقم: ٣٩٦٦، ومسلم بشرح النووي: ١٨/ ١٦٦، وابن ماجه برقم: ٢٨٣٥، الطيالسي: ٢/ ٢١، والطبراني في الكبير: ٣/ ١٦٤، وقال الحاكم: ٢/ ٣٨٦ عن حديث علي: لقد صح الحديث بهذه الروايات من طريق علي، كما صح من طريق أبي ذر.
٢٤٧ - ومن طريق ابن إسحاق قال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: "ثم خرج ، بين أخيه وابنه ، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة، وهم عوف، ومعوذ، أبناء الحارث -وأمهما عفراء- ورجل آخر يقال: هو عبد الله بن رواحة فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم من حاجة. ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول الله ﷺ : قم يا ، قم يا حمزة، قم يا علي، فلما قاموا ودنوا منهم. قالوا: من أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال علي: علي، قالوا: نعم، أكفاء كرام.
فبارز عبيدة -وكان أسن القوم، ، وبارز حمزة ، وبارز علي .
فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه، واحتملا صاحبهما، فحازاه إلى أصحابه ١ .
- ١أخرجه ابن هشام في السيرة بإسناد حسن عن ابن إسحاق: ١/ ٦٢٥ ولكنه مرسل، وفتح الباري: ٧/ ٢٩٨، وقد أخرجه الإمام أحمد بتحقيق أحمد شاكر: ٢/ ١٩٣ من حديث علي وإسناده صحيح. * فذففا: أسرعا قتله.
٢٤٨ - من حديث قال: "تقدم يعني ، وتبعه ابنه وأخوه، فنادى من يبارز فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله ﷺ : ( علي، قم يا ) فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة" ١ .
- ١أخرجه أبو داود في الجهاد باب في المبارزة رقم: ٢٦٦٥ وإسناده صحيح كما قال ابن حجر في فتح الباري: ٧/ ٢٩٨، وأحمد: ١/ ١١٧، وأخرجه الحاكم: ٣/ ١٨٧ - ١٨٨، عن ابن عباس وسنده حسن وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وقد وافقت رواية حديث علي هذه بأنه قتل شيبة وحمزة قتل عتبة ثم أعانا عبيدة على الوليد ما رواه الطبراني بإسناد حسن عن علي قال: "أعنت أنا وحمزة على ، فلم يعب النبي ﷺ ذلك علينا" ١ .
- ١فتح الباري: ٧/ ٢٩٨.
وقال ابن حجر (بعد أن ذكر حديث علي الذي رواه أبو داود) : وهذا أصح الروايات، لكن الذي في السير أن الذي بارز علي هو الوليد، وهو المشهور، وهو اللائق بالمقام لأن عبيدة وشيبة كانا شيخين كعتبة وحمزة، بخلاف الوليد وعلي فكانا شابين ١ .
- ١فتح الباري: ٧/ ٢٩٨.
ولمن أراد زيادة تفصيل في هذا الأمر فليراجع كتاب مرويات غزوة ومناقشة الأقوال في بيان من بارز كل واحد من الثلاثة من المشركين الثلاثة أيضًا، والأظهر والله أعلم ما جاء في حديث أبي داود عن علي كرم الله وجهه؛ لأنه أصح الروايات كما قال ابن حجر رحمه الله تعالى.
٢ - أوامر القائد الأعلى بالنضح بالنبل
٢٤٩ - من حديث أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه قال: "قال لنا رسول الله - ﷺ يوم : (إذا أكثبوكم فارموهم واستبقوا نبلكم) " ١ .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب من شهد بدرًا رقم: ٣٩٨٤، ٣٩٨٥ أحمد انظر الفتح الرباني: ٢١/ ٤٢ والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٧٠.
وفي رواية أبي داود زيادة (إذا السيوف حتى يغشوكم" ١ .
- ١أخرجه أبو داود في السنن طبعة الساعاتي: ٢/ ٤٨ وسكت عنه المنذري والإسناد ضعيف والله أعلم، وفي إسناده إسحاق بن نجيح قال في التقريب: ١/ ٦١، مجهول، ومالك بن حمزة بن أبي أسيد: التقريب: ٢/ ٢٢٤، مقبول، ولكنه أخرجه بإسناده آخر وهو سند حسن في نفس الصفحة.
٣ - وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
٢٥٠ - من حديث ابن عباس قال: "قال رسول الله ﷺ لعلي: (ناولني كفًّا من حصى) فناوله، فرمى بها من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء، فنزلت ﴿ الله رمى﴾ ١ .
- ١قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٨٤ رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح انظر الطبراني: ١١٧٥٠.
٢٥١ - ومن حديث رضي الله عنه قال: "لما كان يوم أمر رسول الله ﷺ فأخذ كفًّا من الحصى، فاستقبلنا به فرمى بها وقال: (شاهت الوجوه) فانهزمنا فأنزل الله عز وجل ﴿ الله رمى﴾ ١ .
- ١قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٨٤ رواه الطبراني وسنده حسن، انظر الطبراني في الكبير: ٣١٢٧، ٣١٢٨، ورواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين: ٢٣٧.
أ - عمير بن الحمام والتمرات
٢٥٢ - من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " … حتى سبقوا المشركين إلى ، وجاء المشركون، فقال رسول الله ﷺ (لا يقدمَنَّ أحد منكم إلى شيء، حتى أكون أنا دونه) فدنا المشركون فقال رسول الله ﷺ (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض) . قال: يقول عمير ابن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: "نعم" قال: بخ بخ، فقال رسول الله ﷺ : (ما يحملك على قولك بخ بخ؟) الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: (فإنك من أهلها) فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل " ١ .
- ١أخرجه مسلم في الإمارة باب ثبوت الجنة للشهيد: رقم: ١٩٠١، أحمد في المسند: ٣/ ١٣٦ - ١٣٧، والحاكم في المستدرك:٣/ ٤٢٦ - وابن سعد في الطبقات: ٢/ ٢٥، والبيهقي في السنن: ٩/ ٤٣. * بخ بخ: كلمة تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمة في الخير. قرنه: جعبة النشاب.
ب - مصرع أبي جهل لعنه الله
٢٥٣ - من حديث رضي الله عنه : قال: "بينما أنا واقف في الصف يوم ، نظرت عن يميني وشمالي، فهذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم وما قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده، حتى يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال مثلها. قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال: فابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: (أيكما قتله؟) فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا: فنظر في السيفين فقال: (كلاكما قتله) ، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء " ١ .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب فضل من شهد بدرًا رقم: ٣٩٨٨، ومسلم في الجهاد والسيرة باب استحقاق القائل سلب القتيل: ١٧٥٢، الحاكم: ٣/ ٤٢٥ - والطبري في التاريخ: ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥، والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٨٣ - ٨٥.
٢٥٤ - من حديث أنس رضي الله عنه قال: " : ( جهل؟) فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضرباه! أبناء عفراء حتى برد، فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو قتله قومه أو قال: قتلتموه" ١ .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب قتل أبو جهل رقم: ٣٩٦٣، مسلم في الجهاد، باب قتل أبي جهل = = رقم: ١٨٠٠، أبو داود في الجهاد باب خصة في السلاح يقاتل به في المعركة رقم: ٢٧٠٩، أحمد في المسند: ٣/ ١١٥، ١٢٩، ٢٣٦.
٢٥٥ - ومن حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: "أدركت أبا جهل يوم صريعًا، فقلت: أي عدو الله قد أخزاك الله؟ قال: وبما أخزاني: من رجل قتلتموه، ومعي سيف لي، فجعلت أضربه ولا يحتك فيه شيء، ومعه سيف له جيد، فضربت يده فوقع السيف من يده فأخذته، ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: (الله الذي لا إله إلا هو) . قلت: الله الذي لا إله إلا هو. قال: فانطلق فاستثبت فانطلقت وأنا أسعى مثل الطائر، ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك فأخبرته. فقال رسول الله ﷺ : (انطلق) فانطلقت معه فأريته، فلما وقف عليه ﷺ قال: (هذا فرعون هذه الأمة) ١ .
- ١أخرجه الهيثمي في المجمع: ٦/ ٧٩ وقال رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن وهب بن أبي كريمة وهو ثقة، قال عنه في التقريب: ٢/ ٢١٦، صدوق من العاشرة فيكون الحديث حسنًا والله أعلم، وانظر الطبراني من حديث: ٨٤٦٨ - ٨٤٧٦، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٢٦١ - ٢٦٢، والبزار كلما في الكشف: ١/ ٢٨٨ - أحمد كما في الفتح الرباني: ٢١/ ٣٨.
جـ - مصرع أمية بن خلف
٢٥٦ - من حديث رضي الله عنه قال: "كاتبت كتابًا بأن يحفظني في صاغيتي ١ بمكة، وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت "الرحمن" قال: لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته (عبد عمرو) .
- ١الصاغية: صاغية الرجل: ما يميل إليه، ويطلق على الأهل والمال.
خرجت إلى جبل لأحرزَه حين نام الناس، فأبصره بلال، فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار، فقال: لا نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لأشغلهم فقتلوه، ثم أبوا حتى يتبعونا -وكان رجلًا ثقيلًا - فلما أدركونا قلت له: ابرك، فبرك، فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتجللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه، وكان يرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه " ١ .
- ١أخرجه البخاري في كتاب الوكالة باب إذا وكل المسلم حربيًّا في دار الحرب رقم: ٢٣٠١، فتح الباري: ٤/ ٤٨٠، ابن هشام في السيرة، ١/ ٦٣٢، بإسناد حسن والطبري في التاريخ: ٢/ ٤٥١ - ٤٥٣، مسلم برقم:١٧٥٢.
٢٥٧ - ومن حديث رضي الله عنه قال: "كان لي صديقًا بمكة، وكان اسمي عبد عمرو فتسميت حين أسلمت عبد الرحمن، ونحن بمكة، فكان يلقاني إذ نحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماك أبوك؟ قال: فأقول: نعم. قال: فإني لا أعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئًا أدعوك به، أما أنت فلا تجبني باسمك الأول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف!. قال: وكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه، قال: فقلت: يا أبا علي اجعل ما شئت، قال: فأنت عبد الإله، قال: قلت نعم. قال: فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الإله فأجبته فأتحدث معه، حتى إذا كان يوم ، مررت به وهو واقف مع ابنه علي، وهو آخذ بيده قال: ومعي أدراع لي قد استلبتها، فأنا أحملها، فلما رآني قال: يا عبد عمرو فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله، فقلت: نعم، قال: هل لك فيَّ فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟ قال: قلت: نعم ها الله؟ قال: فطرحت الأدراع من يدي، وأخذت بيده وبيد ابنه وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن؟ ثم خرجت أمشي بهما. قال ابن هشام: يريد باللبن أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن " ١ .
- ١السيرة النبوية ابن هشام: ١/ ٦٣١، وسنده صحيح وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث.
د - مصرع عبيد بن سعيد بن العاص على يد الزبير
٢٥٨ - من حديث رضي الله عنه قال: "لقيت يوم عبيد ابن لا يرى منه إلا عيناه، وهو يكنى أبا ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه فطعنته في عينه فمات ". قال هشام، فأخبرت أن الزبير قال: "لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطأت فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها ". قال عروة: "فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه، فلما قبض رسول الله ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه، فلما قبض أبو بكر سأله إياها عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها، فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي، فطلبها ، فكانت عنده حتى قتل " ١ .
- ١أخرجه البخاري في صحيحه في المغازي باب شهود الملائكة بدرًا حديث رقم: ٣٩٩٨.
ز - شجاعة الرسول صلى الله عليه وسلم
٢٦٠ - قال ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: "أن عوف بن مالك وهو الحارث بن عفراء، قال: يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده؟ قال: (غمسه يده في العدو حاسرًا) ، فنزع درعًا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل" ١ .
- ١أخرجه ابن هشام في السيرة: ١/ ٦٢٧ - ٦٢٨ والبيهقي في السنن: ٦/ ٩٩ - ١٠٠، الطبري في التاريخ: ٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩ من طريق ابن إسحاق وصرح ابن إسحاق بالتحديث فسنده حسن ولكنه مرسل.
٢٦١ - من حديث كرم الله وجهه: "قال: لقد رأيتنا يوم ، ونحن برسول الله ﷺ وهو أقربنا من العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا " ١ .
- ١أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٨٦، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ : ص: ٥٧، من طريق وكيع حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب به، وهذا إسناد صحيح فقد صحح الشيخان رواية إسرائيل عن جده، وانظر مجمع الزوائد: ٩/ ١٢، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند: ٢/ ٢٢٨، ويشهد له حديث البراء عند مسلم: ١٧٧٦، الجهاد باب في غزوة حنين.
٢٦٢ - ومن حديث أنس رضي الله عنه قال: " حتى سبقوا المشركين إلى ، وجاء المشركون فقال رسول الله ﷺ : (لا يقومن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه …) فذكر الحديث وفيه قصة عمير بن الحمام ١ .
- ١انظر تخريج الحديث: ٢٥٢، فإنه قطعة منه. * خطم: الخطم الأثر على الأنف. حيزوم: اسم الفرس الذي يركبه الملك.
حـ - مشاركة الملائكة يوم بدر
٢٦٣ - من حديث ابن عباس قال: "بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم. فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيًا، فنظر إليه فهذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة) ١ .
- ١أخرجه مسلم في الجهاد باب الإمداد بالملائكة من حديث عمر الذي حدثه ابن عمر رقم: ١٧٦٣. انظر شرح مسلم للنووي: ١٢/ ٨٥ - ٨٦.
٢٦٤ - ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا قال: " : ( عليه أداة الحرب) ١ .
- ١رواه البخاري في المغازي باب فضل من شهد بدرًا رقم: ٣٩٩٥.
٢٦٥ - من حديث كرم الله وجهه قال: "فجاء رجل من الأنصار قصير أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله فقال: (اسكت فقد أيدك الله بملك كريم) ١ .
- ١تقدم تخريجه حديث رقم: ٢٤٨.
٢٦٦ - ومن حديث أبي داود المازني: قال: " لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قتله غيري" ١ .
- ١أخرجه ابن هشام: ١/ ٦٣٣، وأحمد في المسند: ٥/ ٤٥٠ من طريق ابن إسحاق حدثني أبي إسحاق بن يسار عن رجال من بني مازن عن أبي داود المازني وسنده حسن -والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٥٦، والطبري في التاريخ: ٢/ ٤٥١. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ٨٣، رواه أحمد وفيه رجل لم يسم.
٢٦٧ - ومن حديث البراء قال: "جاء رجل من الأنصار بالعباس قد أسره، فقال العباس، يا رسول الله ليس هذا من أسرني، أسرني رجل في القوم أنزع من هيئته كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ : (قد آزرك الله بملك كريم) ١ .
- ١قال الهيثمي: ٦/ ٨٥، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
٢٦٨ - ومن حديث كرم الله وجهه قال: "قال لي النبي ﷺ ولأبي بكر يوم ( ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال، أو يكون في الصف) ١ . قال الحافظ في الفتح: "قال الشيخ تقي الدين السبكي: "سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي ﷺ مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟ فقلت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله تعالى في عباده، والله تعالى هو فاعل الجميع والله أعلم " ٢ .
- ١قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٨٢، رواه أحمد بنحوه والبزار واللفظ له ورجالهما رجال الصحيح، ورواه أبو يعلى" كشف الأستار رقم: ١٤٦٧، ١٧٦٢، أحمد: ١/ ١٤٧، أبو يعلى رقم: ٣٤٠، الحاكم: ٣/ ١٣٤، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي والحديت بإسناده صحيح.
- ٢فتح الباري: ٧/ ٣١٣، في التعليق على حديث رقم: ٣٩٩٥.
ط - قتال سعد بن أبي وقاص
٢٦٩ - من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "كان سعد يقاتل مع رسول الله ﷺ يوم ، قتال الفارس والراجل" ١ .
- ١كشف الأستار: ١٧٦٨ - ١٧٦٩، وكان الهيثمي في المجمع: ٦/ ٨٢، رواه البزار بإسنادين أحدهما متصل والآخر مرسل ورجالهما ثقات. * متح الدلو جذبها متسقيا لها.
ك - شدة بأس علي بن أبي طالب يوم بدر
٢٧٠ - من حديث كرم الله وجهه قال: "كنت على بئر فكنت يوم أميح وأمتح منه، فجاءت ريح شديدة، ثم جاءت ريح شديدة، فلم أر ريحًا أشد منها إلا التي كانت قبلها، ثم جاءت ريح شديدة، فكانت الأولى ميكائيل في ألف من الملائكة عن يمين النبي ﷺ ، والثانية إسرافيل في ألف من الملائكة عن يسار النبي ﷺ ، والثالثة جبريل في ألف من الملائكة، وكان أبو بكر عن يمينه، وكنت عن يساره، فلما هزم الله الكفار حملني رسول الله ﷺ على فرسه، فلما استويت عليه حمل لي، فصرت على عنقه فدعوت الله فثبتني عليه، فطعنت برمحي حتى بلغ الدم إبطي" ١ .
- ١قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٧٧، رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.
ل - الريح العقيم التي أرسلت على المشركين يوم بدر
٢٧١ - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أخذتهم ريح عقيم يوم " ١ .
- ١قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٧٨ رواه البزار ورجاله ثقات، وانظر كشف الأستار رقم: ١٧٨٢.
م - قذف قتلى أئمة الكفر في القليب
٢٧٢ - من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن أبي طلحة رضي الله عنه : " يوم بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث: أمر براحلته فشدت عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفى الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: ( فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا) . قال: فقال: عمر يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها. فقال: رسول الله ﷺ : ( أنتم بأسمع لما أقول منهم). قال قتادة: "أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونقيمة وحسرة وندمًا" ١ .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب قتل أبي جهل حديث رقم: ٣٩٧٦، مسلم في الجنة باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه رقم: ٢٨٧٤ - ٢٨٧٥، والنسائي: ٤/ ١٠٩ - ١١٠، وأحمد في المسند: ٣/ ١٠٤ - ١٨٢ من طريق حميد به. الركى: البئر.
٢٧٣ - من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "وقف النبي ﷺ على قليب فقال: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟) ثم قال: (إنهم الآن يسمعون) ، النبي ﷺ : ( كنت أقول لهم هو الحق) . ثم قرأت ﴿﴾ حتى قرأتْ الآية .. ١ .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب قتل أبي جهل حديث رقم: ٣٩٨٠ - ٣٩٨١، النسائي: ٤/ ١١١، أحمد في المسند: ٢/ ١٣١، ورجال أحمد رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٩١.
٢٧٤ - ومن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه : " قتلى ثلاثًا، ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال: (يا أبا جهل بن هشام! يا ! يا ! يا ! أليس قد فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا) فسمع عمر قول النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يسمعوا وأنَّى يجيبوا وقد جيفوا قال: (والذي نفسي بيده منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا) ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدرًا" ١ .
- ١أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها رقم: ٢٨٧٤، وأحمد في المسند: ٣/ ٢٨٧. * جيفوا: أنتنوا وصاروا جيفًا.
ولمن أراد التوسع في هذه المسألة والآراء المعروضة فيها فليراجع فتح الباري وأقوال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في تعليقه على حديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق وقول ابن كثير رحمه الله في التفسير: (٣/ ٤٣٨) فإن في ذلك فائدة جيدة والله أعلم.
ن - أسرى بني عبد المطلب وخروجهم كرها
٢٧٤ - من حديث قال: قال رسول الله ﷺ يوم : (إن عبد المطلب فإنهم خرجوا كرهًا) ١ .
- ١تقدم تخريجه رقم: ٢٤٨.
س - إقامة الرسول عليه السلام في بدر ثلاثا
وقد ثبت في الصحيح أنه مكث ثلاثة أيام في .
من حديث أنس رقم: ٢٧٢، وهو في الصحيح " على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال .. " .
٢٧٥ - ومن حديث أبي طلحة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثًا" ١ .
- ١أخرجه الترمذي في السير باب في البيات والغارات وقال حسن صحيح رقم: ١٥٥١.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،