المبحث الأول: في بعث حمزة إلى سيف البحر
...
الفصل الأول: في الأحداث التي سبقت غزوة بدر الكبرى.
المبحث الأول: في بعث حمزة إلى سيف البحر، وغزوة الأبواء، وبعث عبيدة بن الحارث.
١ـ قال البيهقي في الدلائل ١: وأخبرني أبو عبد الله ٢ الحافظ قال: أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني ٣ قال: حدثنا جدي ٤ قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر ٥ قال: حدثنا محمد بن فليح ٦ عن موسى ابن عقبة ٧ عن ابن شهاب قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة ٨ في ثلاثين راكباً وكان أول ٩ بعث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم - فساروا حتى بلغوا سِيْف ١٠ البحر من أرض جهينة - فلقوا أبا جهل بن هشام في ثلاثين ومائة راكب من المشركين، فحجز بينهم، مخشي بن عمرو الجهني ١١ - وكان مخشي ورهطه حلفاء للفريقين جميعاً - فلم يعصوه، فرجع الفريقان كلاهما إلى بلادهم فلم يكن بينهم قتال، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ثم غزا، فأول ١٢ غزوة غزاها في صفر على رأس اثني عشر شهراً من مقدم صلى الله عليه وسلم المدينة حتى بلغ (الأَبْواء) ١ ثم رجع ١٣.
- ١دلائل البيهقي ٣/٨-١٠.بسند حسن إلى الزهري، لكنها مرسلة.
- ٢هو محمد بن عبد الله الحاكم، صاحب المستدرك، قال الخطيب البغدادي: "كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ..". قال: "وكان ثقة، ولد سنة ٣٢١"، تاريخ بغداد ٥/٤٧٣.
- ٣إسماعيل بن محمد بن الفضل النيسابوري، أبو الحسن الشعراني من شيوخ الحاكم، قال الحاكم: ارتبت في لقيه بعض الشيوخ، وقال الذهبي: العابد الثقة، روى عن جده ورحل وجمع وأخرج لنفسه، مات سنة ٣٤٧، ميزان الاعتدال ١/٢٤٧- ٢٤٨، والعبر ٢/٧٦.
- ٤هو الفضل بن محمد بن المسيب البيهقي، أبو محمد الشعراني، قال ابن أبي حاتم: "تكلموا فيه"، الجرح والتعديل ٧/٦٩، وقال ابن الأخرم: "صدوق غالٍ في التشيع"، قال الحاكم: "ثقة لم يطعن فيه بحجة"، توفي سنة ٢٨٢، انظر الجرح والتعديل ٧/٦٩، وتذكرة الحفاظ ٢/٢٢٦، وميزان الاعتدال ٣/٣٥٨.
- ٥هو إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر الأسدي، صدوق تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، من العاشرة، توفي ٢٣٦، خ ت س ق، التقريب ص٩٤ رقم (٢٥٣) .
- ٦محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي المدني، صدوق يهم، من التاسعة، توفي ١٩٧، خ س ق، التقريب ٥٠٢ رقم (٦٢٢٨) .
- ٧موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي مولى آل الزبير، ثقة فقيه، إمام في المغازي من الخامسة، لم يصح أن ابن معين لينه، توفي ١٤١، ع، التقريب ٥٥٢، رقم (٦٩٩٢) .
- ٨هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو عمارة عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، ارضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب ... ولد قبل النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وقيل بأربع، وأسلم في السنة الثانية من البعثة.. شهد بدراً.. عقد له صلى الله عليه وسلم لواء في سرية فكان ذلك أول لواء عقد في الإسلام، واستشهد بأحد رضي الله عنه. الإصابة ١/٣٥٤.
- ٩وممن قال بذلك أيضاً: الواقدي في المغازي ١/٢، وابن سعد في الطبقات ٢/٦، وخليفة في تاريخه ٦٢، والطبري في تاريخه ٢/٤٠٢، وابن عبد البر في الاستيعاب ١/١٤٥، ثم قال: "وقيل: إن سرية عبيدة كانت قبل سرية حمزة، وقيل: إن أول لواء عقده صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن جحش والأول أصح والله أعلم" ا. هـ. انظر: الدرر ٩٦-٩٧، وقد نقل الزرقاني والشامي تصحيح ابن عبد البر لهذا القول: انظر شرح المواهب اللدنية ١/٣٩٠، وسبل الهدى والرشاد ٦/٢١، أما ابن إسحاق فقد ذكر أن سرية عبيدة هي الأولى، انظر ابن هشام ١/٥٩٥، ونقل ذلك عنه خليفة بن خياط في تاريخه ٦٢. والطبري في تاريخه ٢/٤٠٤، وابن سيد الناس في عيون الأثر ١/٣٥٤-٣٥٥، وابن حجر في الفتح ٧/٨٤. ثم قال ابن إسحاق: "وبعض الناس يقولون: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد المسلمين وذلك أن بعثه وبعْث عبيدة كانا معاً فشبه ذلك على الناس ... "، ثم قال: "فالله أعلم، أي ذلك كان، فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا فعبيدة بن الحارث أول من عقد له"، ابن هشام ١/٥٩٥-٥٩٦. وقد ورد في المصنف لابن أبي شيبة ١٤/١٢٣، ومسند أحمد ٣/١١٨-١١٩، رقم: (١٥٢٩) أرناؤوط، والبزار في كشف الأستار رقم (١٧٥٧) ، أن أول لواء عقد صلى الله عليه وسلم كان لعبد الله بن جحش إلى نخلة، ولكن مدار تلك الروايات على مجالد بن سعيد وهو ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، انظر التقريب، ٥٢٠، رقم (٦٤٧٨) . وقال الهيثمي في المجمع ٦/٦٧ "وهو ضعيف عند الجمهور". وقد كان هذا البعث في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجر النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك الواقدي في المغازي ١/ ٢، وتبعه في ذلك ابن سعد كما في الطبقات ٢/٦، وخليفة بن خياط في تاريخه ٦٢، والطبري في تاريخه ٢/٤٠٢، والبيهقي في الدلائل، ٣/١٥، وابن القيم في الزاد ٣/١٦٣، والذهبي في تاريخ الإسلام قسم السيرة ص ٤١، وابن كثير في البداية ٣/٢٣٤، وابن حجر في الفتح ٧/٢٨٠، والواقدي متروك عند المحدثين كما قال الحافظ في التقريب ٤٩٨، مع سعة علمه، ولكن قوله مقبول هنا لأن القضية تتعلق بتاريخ بعث فقط، ولأن الواقدي من أئمة هذا الشأن، قال عنه ابن كثير رحمه الله: والواقدي رحمه الله عنده زيادات حسنة، وتاريخه محرر غالباً، فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار وهو صدوق في نفسه مكثار، البداية ٣/٢٣٤-٢٣٥. أما ابن إسحاق فقد جعلها في شهر ربيع الأول من السنة الثانية، انظر ابن هشام ١/٥٩١، ونقل الطبري قول ابن إسحاق في تاريخه ٢/٤٠٤، وذكر ابن عبد البر أنها في جمادى الأولى من السنة الثانية، انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ١/١٤٥، وذكر الذهبي أنها في أحد البيعين، انظر: تاريخ الإسلام قسم المغازي ص٤٥.
- ١٠سيف البحر: بكسر السين المهملة، انظر: سبل الهدى والرشاد، للصالحي، ٦/١٢، والمراد بالسيف ساحل البحر. لسان العرب المحيط ٢/٢٥٤، رتبه على حروف الهجاء: يوسف خياط.
- ١١وعند ابن إسحاق: مجدي بن عمرو ١/٥٩٥، وكذلك عند مسلم في صحيحه، انظر: مسلم بشرح النووي ١٨/١٣٨. ولم أجد لـ (مجدي) ولا لـ (مخشي) ترجمةً في كتب الصحابة، فلعله لم يسلم.
- ١٢في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم أن أول غزوة غزاها صلى الله عليه وسلم ذات العشيرة أو العسيرة. البخاري رقم (٣٩٤٩) وسلم بشرح النووي ١٢/١٩٥ ووجهه بعضهم بأن المراد: أول غزوة شهدها زيد مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنه ربما خفي عليه ما قبل العشيرة وهي الأبواء لصغر سنه، انظر: السيرة النبوية لابن كثير ٢/٣٦٢، وفتح الباري ٧/٢٨٠-٢٨١.
- ١٣وكون غزوة الأبواء هي أول غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم قد أخرجها الطبري في الكبير١٧/١٦، رقم (١٢) ، بسند متصل من غير طريق الزهري، لكن في سندها كثير بن عبد الله المزني، قال عنه الهيثمي في المجمع، ٦/٦٨، ضعيف عند الجمهور، وقد حسن حديثه الترمذي، وبقية رجاله ثقات. انظر تفصيل الخبر عن غزوة الأبواء من غير طريق الزهري في سيرة ابن إسحاق (ابن هشام ١/٥٩١) بدون إسناد، والواقدي بإسناده الجمعي (١/١١-١٢) ، وعنه ابن سعد في الطبقات (٢/٨) ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد خرج في هذه الغزوة يريد قريشاَ وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذي وادعه منهم مخشي بن عمرو الضمري، وكان سيدهم في زمانه ذلك، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيداً. المصادر السابقة.
بعث عبيدة بن الحارث
فأرسل ستين رجلاً من المهاجرين الأولين، ولم يكن في تلك الغزوة من الأنصار أحد وأمَّر عليهم عبيدة بن الحارث بن المطلب ١، فلقوا بعثاً عظيماً من المشركين على ماء يدعى (الأحياء) ٢ من رابغ ٢، فارتموا بالنبل، وانحاز المسلمون ولهم حامية تقاتل عنهم حتى هبطوا ثنية المرة، وسعد بن أبي وقاص ٣ صلى الله عليه وسلم يرمي عن أصحابه، ثم انكفأ بعضهم عن بعض، وأول من رمى بسهم في سبيل الله سعد بن أبي وقاص وهو أول يوم التقى فيه المسلمون والمشركون في قتال، وفر عتبة بن غزوان ٤ والمقداد بن الأسود ٥ يومئذ إلى المسلمين وكانا في حبس قريش قد أسلما قبل ذلك فتوصلا ٦ بالمشركين حتى خرجا إلى عبيدة وأصحابه"٣.
- ١هو عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي، أسلم قديماً وكان رأس بني عبد مناف حينئذ، شهد بدراً وبارز فيها مع حمزة وعلي، وكان قد جرح فمات بعد ذلك في الصفراء بعد مقفل النبي صلى الله عليه وسلم من بدر. الإصابة ٢/٤٤٩.
- ٢رابغ: بعد الألف باء موحدة، وآخرة غين معجمة، معجم البلدان ٣/١١، وهي اليوم مدينة مشهورة بين جدة وينبع، على مسافة ١٥٥ كيلاً شمال جدة. المعالم الأثيرة ص (١٢٣) .
- ٣هو سعد بن مالك بن أهيب، ويقال له وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري أبو إسحاق بن أبي وقاص أحد العشرة وآخرهم موتاً ... كان أحد الفرسان وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أحد الستة من أهل الشورى، مات بالعقيق وحمل إلى المدينة فصلي عليه في المسجد سنة خمس وخمسين. الإصابة ٢/٣٣.
- ٤هو عتبة بن غزوان بفتح المعجمة وسكون الزاي ابن جابر بن وهب المازني حليف بني عبد شمس أو بني نوفل. من السابقين الأولين، هاجر إلى الحبشة ثم رجع مهاجراً إلى المدينة رفيقاً للمقداد، وشهد بدراً وما بعدها. الإصابة ٢/٤٥٥.
- ٥هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود النهراني وقيل الحضرمي، قال ابن الكلبي: "كان عمرو بن ثعلبة أصاب دماً في قومه فلحق بحضرموت فحالف كندة فكان يقال له الكندي، وتزوج هناك امرأة فولدت له المقداد فلما كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي، فضرب رجله بالسيف وهرب إلى مكة فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهري، وكتب إلى أبيه فقدم عليه، فتبنى الأسودُ المقدادَ فصار يقال له: المقداد بن الأسود، شهد بدراً وما بعدها، مات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه، الإصابة ٣/٤٥٤-٤٥٥.
- ٦توصلا: أرياهم أنهما معهم حتى خرجا إلى المسلمين. النهاية ٥/١٩٣.
- *الأَبْواء: بالفتح ثم السكون وواو وألف ممدودة ... ، ويقال لها ودَّان: وهي قرية من أعمال الفُرُع من المدينة بينها وبين الجُحْفة مما يلي المدينة ٢٣ ميلاً. معجم البلدان، لياقوت ١/٧٩. وبالأبواء اليوم آبار كثيرة، ومزارع عامرة، والمكان المزروع منه يسمى اليوم (الخريبة) ، تصغير خربة، ويبعد المكان المزروع عن بلدة (مستورة) شرقاً ثمانية وعشرين كيلاً، والمسافة بين الأبواء و (رابغ) ثلاثة وأربعون كيلاً. المعالم الأثرية ص (١٧) .
- *جمع حي من أحياء العرب، أو حي ضد الميت وهو ماء أسفل من ثنية المرة برابغ، انظر: معجم البلدان لياقوت ١/١١٨، والمعالم الأثيرة لمحمد شراب ٢٣.
- *انظر: أحداث سرية عبيدة بن الحارث في سيرة ابن إسحاق (ابن هشام ١/٥٩١) من دون سند، ومغازي الواقدي ١/١٠، وابن سعد في الطبقات ٢/٧.
المبحث الثاني: في بعث عبد الله بن جحش
٢ـ روى ابن إسحاق خبر هذه السرية عن الزهري ويزيد ١ بن رومان، عن عروة فقال: "وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش ٢ ابن رئاب الأسدي في رجب ٣ مقفله من بدر الأولى ٤ وبعث معه ثمانية ٥ رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد وكتب له كتاباً وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ٦ ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحداً.
- ١هو يزيد بن رومان المدني، أبو رَوْح مولى آل الزبير، ثقة من الخامسة. مات سنة ثلاثين، وروايته عن أبي هريرة مرسلة. التقريب ٦٠١.
- ٢هو عبد الله بن جحش بن رياب، براء تحتانية وآخره موحدة ابن يعمر الأسدي حليف بني عبد شمس أحد السابقين، هاجر إلى الحبشة وشهد بدراً ... بعثه صلى الله عليه وسلم في سرية إلى نخلة. الإصابة ٢/٢٨٦-٢٨٧.
- ٣حددتها بعض المصادر التاريخية في آخر يوم من رجب، انظر: تاريخ خليفة ٦٢-٦٣، وأنساب الأشراف للبلاذري ٣٧١، وتاريخ المدينة لابن شبة ٢/٤٧٢، وتاريخ الطبري ٣/١٠-١١، ودلائل البيهقي ٣/١٧، والواحدي في أسباب النزول ٦٩، وتفسير ابن كثير ١/٢٥٤، والبداية والنهاية ٣/٢٤٨-٢٥٠. وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في تفسيره ١/٨٧ أن هذه السرية كانت في أول ليلة من رجب، وذكر ذلك أبو يعلي في المسند ٣/١٠٢ رقم (١٥٣٤) بسند حسن كما قال محققه حسين سليم أسد، والطبري في تفسيره ٤/٣٠٧ رقم: (٤٠٨٥، ٤٠٨٦، ٤٠٨٧، ٤٠٨٩، ٤٠٩٦) والطبراني في الكبير ٢/٦٢، رقم (١٦٧٠) ، والواحدي في أسباب النزول ٧١ رقم (١٣١) نقلاً عن المفسرين، وابن كثير في البداية ٣/٢٥١.
- ٤كان رجوعه من بدر الأولى في جمادى الآخرة عند ابن إسحاق، (ابن هشام ١/٦٠١) وعند الواقدي في المغازي ج١/١٢، أن ذلك كان في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهراً.
- ٥قال الواقدي في المغازي: "كانوا اثني عشر، ويقال: كانوا ثلاثة عشر، والثابت عندنا ثمانية". المغازي ١/١٧-١٨ ومما يرجح أنهم كانوا أقل من عشرة قوله: (ثمانية رهط) فإن الرهط من الرجال دون العشرة. النهاية (٢/٢٨٣) .وقال ابن سعد في الطبقات ٢/١٠:بعثه في اثني عشر.
- ٦ورد عند الطبراني في الكبير ٢/١٦٨ رقم (١٦٧٠) من حديث أبي السوار العدوي عن جندب بن عبد الله وفيه ( ... وكتب له كتاباً وأمره أن لا يقرأ إلا في مكان كذا وكذا) كذا بالإبهام، قال في المجمع ٦/١٩٨، ورجاله ثقات، وأخرجه البيهقي أيضاً في السنن الكبرى ٩/٢١، والبخاري معلقاً، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ١/١٥٣ بعد رقم (٣٦) .
وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف: أبو حذيفة ١ بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش، وهو أمير القوم، وعكاشة ٢ بن محصن ابن حرثان أحد بني أسد خزيمة حليف لهم.
- ١هو أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي، قال معاوية اسمه: مهشم وقيل: هشيم: وقيل هاشم، وقيل: قيس،.. كان من السابقين إلى الإسلام وهاجر الهجرتين وصلى القبلتين. قال ابن إسحاق: "أسلم بعد ثلاثة وأربعين إنساناً..شهد بدراً، استشهد يوم اليمامة وهو ابن ستة وخمسين سنة ط. الإصابة ٤/٤٢-٤٣.
- ٢هو عكاشة: - بضم أوله وتشديد الكاف وتخفيفها أيضاً -: ابن محصن بن حُرثان - بضم المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة - ابن قيس بن مرة بن بُكير بضم الموحدة ابن غنم بن داود ين أسد بن خزيمة الأسدي حليف بني عبد شمس، من السابقين إلى الإسلام، شهد بدراً، وورد ذكره في الصحيحين في حديث ابن عباس في السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قيل: استشهد في قتال أهل الردة، قتله طليحة بن خويلد. الإصابة ٢/٤٩٤-٤٩٥.
ومن بني نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم.
ومن بني زهرة بن كلاب: سعد بن أبي وقاص.
ومن بني عدي بن كعب: عامر ١ بن ربيعة حليف لهم؛ من عنز ابن وائل، وواقد ٢ بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع أحد بني تميم حليف لهم، وخالد ٣ بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم.
- ١عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن ربيعة بن عامر بن سعد بن عبد الله بن الحارث بن رفيدة بن عنز بن وائل العنزي، أبو عبد الله حليف بن عدي ... كان أحد السابقين الأولين وهاجر إلى الحبشة ومعه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمة ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدراً وما بعدها. مات سنة ٣٢،، كذا قال أبو عبيدة ثم ذكره في سنة سبع وثلاثين وقال: أظن هذا أثبت، وقال الواقدي، كان موته بعد قتل عثمان بأيام، وقيل غير ذلك. الإصابة ٢/٢٤٩.
- ٢واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك.. التميمي الحنظلي اليربوعي، حليف بني عدي بن كعب شهد بدراً، كان مع سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة وهو الذي قتل ابن الحضرمي ٣/٦٢٨، بتصرف.
- ٣خالد بن بكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن بكر الليثي، حليف بني عدي بن كعب، مشهور من السابقين وشهد بدراً، واستشهد يوم الرجيع وهو ابن أربع وثلاثين سنة. الإصابة ١/٤٠٢.
ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء ١.
- ١سهيل بن بيضاء القرشي، وبيضاء أمه واسمها: دعد، واسم أبيه وهب بن ربيعة بن عمرو بن عامر القرشي، شهد بدراً وتوفي سنة تسع. الإصابة ٢/٩١. ويلحظ أن ابن إسحاق ذكر في بداية الرواية أنهم ثمانية، ولكنه ذكر أثناء الرواية تسعةً.
فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، فترصد بها قريشاً، وتعلم لنا من أخبارهم"، فلما نظر عبد الله ابن جحش في الكتاب قال: سمعاً وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشاً، حتى آتيه منهم بخبر، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد، وسلك ١ على الحجاز حتى إذا كان بمَعْدِن ٢ فوق الفُرُع ٣ يقال له: بُحْران ٤ أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيراً لهما، كانا يعتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بطن نخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً، وتجارة من تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان؟، مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريباً منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا: عُمَّار، لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم به ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان ٥، وأفلت ٦ القوم، نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس وذلك قبل أن يفرض الله تعالى الخمس من المغانم.
- ١سلك: السلوك مصدر سلك طريقاً، وسلك المكان يسلكه سلكاً وسلوكاً. والسَّلَكُ بالفتح مصدر سلكت الشيء فانسلك، أي أدخلته فيه فدخل، والمسلك: الطريق اللسان (سلك) .
- ٢مَعْدِن: هي قرية مهد الذهب، أو المهد، في نواحي المدينة على طريق نجد (المعالم الأثيرة ٢٧٦) .
- ٣الفُرُع: بضم الفاء والراء، وآخره عين مهملة، واد فحل من أودية الحجاز يمر على مسافة ١٥٠ كيلاً جنوب المدينة، كثير العيون والنخل، (المعالم الأثيرة ٢٦٧) .
- ٤بُحْران: بضم الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة جبل يقع شرق مدينة رابغ على مسافة ٩٠ كيلاً. (المعالم الأثيرة ٤٤) ، وضبطه البكري بفتح أوله على وزن فعلان، معجم ما استعجم ١/٢٢٨.
- ٥الحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة المخزومي، أسر في أول سرية جهزها رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة وأميرها عبد الله بن جحش
- ٦أفلت: التَّفَلُّتُ والإفلات والانفلات: التخلص من الشيء فجأة من غير تمكث. النهاية (٣/٤٦٧) .
فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير وقسم سائرها بين أصحابه، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"، فوقَّف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً.
فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سُقط في أيدي القوم وظنوا أنهم هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان في مكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت يهود – تفاءَلُ بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم - عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله بن عمرو، عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله، وقدت الحرب، فجعل الله ذلك عليهم لا لهم، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّه﴾ ِ١.
أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ .
أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ .
- *البقرة آية (٢١٧) .
أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين، فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا – يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان – فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم، فقدم سعد وعتبة فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيداً، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافراً، فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله: أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟
فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
فوضعهم الله عز وجل من ذلك على أعظم الرجاء، والحديث في هذا عن الزهري وزيد بن رومان عن عروة ١ ٣- قال عمر بن شبَّة ٢: حدثنا إبراهيم بن المنذر٢ قال: حدثنا محمد بن فليح٣، عن موسى بن عقبة٤، عن ابن شهاب قال: لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعة عشر شهراً، ثم بعث عبد الله بن جحش في ركب من المهاجرين وكتب معه كتاباً فدفعه إليه، وأمره أن يسير ليلتين ثم يقرأ الكتاب فيتبع ما فيه، وفي بعثه ذلك أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعمرو بن سراقة ٣، وعامر بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، وواقد بن عبد الله، وصفوان بن بيضاء ٤، فلما سار ليلتين فتح الكتاب فإذا فيه: (أن امض حتى تبلغ نخلة) ، فلما قرأه قال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، فمن كان منكم يريد الموت في سبيل الله فليمض فإني ماض على ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضى ومضى معه أصحابه، ولم يتخلف عنه منهم أحد وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفُرُع يقال له: بُحْرَن، أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كان يتعاقبانه فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارةٍ منْ تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزومي ان، والحكم بن كيسان، مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريباً منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عُمَّار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت القوم؛ نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ٥.
- ١سيرة ابن هشام، ٢/٦٠١-٦٠٥. وهو حديث مرسل صحيح إلى عروة. وقد ورد موصولاً من طريق أبي السوار العدوي عن جندب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن كما قال محققه، انظر المسند ٣/١٠٢-١٠٣، رقم: (١٥٣٤) أرناؤوط، والطبراني في الكبير ٢/١٦٢ رقم (١٧٧٠) قال في المجمع: ٦/١٩٨ رواه الطبراني ورجاله ثقات، والبيهقي في السنن ٩/١٢. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح رواية ابن إسحاق هذه ورواية الطبراني التي أخرجها عن جندب البجلي ورواية ابن عباس عند الطبري في التفسير، ثم قال: فبمجموع هذه الطرق يكون صحيحاً. الفتح ١/١٥٥. وقد ذكر السيوطي: أن حديث جندب بن عبد الله البجلي أخرجه الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في سننه بسند صحيح، الدر المنثور ١/٦٠٠. وأخرجها الطبري في التفسير ٤/٣٠٢ رقم (٤٠٨٢) مرسلة عن الزهري عن عروة، والبيهقي في السنن ٩/٥٨-٥٩، والطبري أيضاً في التفسير ٤/٣٠٨ رقم (٤٠٨٦) مرسلة عن الزهري وعثمان الجزري ومقسم مولى ابن عباس. وبهذا يكون قد تابع الزهري. عثمان الجزري ومقسم. ١ تاريخ المدينة ٢/٤٧٢. ٢ صدوق، تقدم في الرواية رقم
- ٢. ٣ صدوق، يهم، تقدم في الرواية رقم (١) . ٤ ثقة، تقدم في الرواية رقم (١) .
- ٣هو عمرو بن سراقة بن المعتمر بن أنس بن أداة بن رباح بن قرط بن عبد الله بن رزاح بن عدي بن كعب القرشي العدوي ... ذكره موسى بن عقبة فيمن خرج في سرية عبد الله بن جحش ... وذكر خليفة أنه مات في خلافة عثمان رضي الله عنه، الإصابة (٢/٥٧٣) .
- ٤وفي سائر كتب المغازي: سهيل بن بيضاء. ويلاحظ أن ابن شبة ذكر ثمانية أشخاص، ولم يذكر عكاشة بن محصن ولا خالد بن البكير كما عند ابن اسحاق.
- ٥وهي رواية مرسلة.
- *البقرة آية (٢١٨) .
٤- قال البيهقي: أخبرنا أبو سعيد ١ بن أبي عمرو الصيرفي، قال: حدثنا أبو محمد ٢ أحمد بن عبد الله المزني أخبرنا علي ٣ بن محمد بن عيسى قال: حدثنا أبو اليمان ٤ قال أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية من المسلمين وأمَّر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، فانطلقوا حتى هبطوا نخلة فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش في يوم ٥ بقي من الشهر الحرام، فاختصم المسلمون، فقال قائل منهم: هذه غرة من عدو، وغنم رزقتموه، ولا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا، وقال قائل منهم: لا نعلم اليوم إلا من الشهر الحرام، ولا نرى أن تستحلوه لطمع أشفيتم عليه، فغلب على الأمر الذين يريدون عرض الدنيا ٦، فشدّوا على ابن الحضرمي فقتلوه، وغنموا عيره، فبلغ ذلك كفار قريش، وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد كفار قريش حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقالوا: أتحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١ إلى آخر الآية، فحدثهم الله في كتابه: أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وأن الذين يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك: من صدهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفرهم بالله وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة، والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين وفتنتهم إياهم عن الدين، فبلغنا ٧ أن النبي صلى الله عليه وسلم عقل ٨ ابن الحضرمي، وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه حتى أنزل الله عز وجل: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١.
- ١هو محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي أبو سعيد بن أبي عمرو النيسابوري، وصفه الذهبي بقوله: "الشيخ الثقة المأمون"، السير ١٧/٣٥٠.
- ٢هو أحمد بن عبد الله بن محمد المزني الهروي، أحد الأئمة، أبو محمد المغفلي، قال الحاكم: "كان إمام أهل خرسان بلا مدافعة وكان فوق الوزراء، وكانوا يصدرون عن رأيه"، ت سنة ٣٥٦ هـ شذرات الذهب لابن العماد، ٣/١٨.
- ٣هو أبو الحسن: علي بن محمد بن عيسى الخزاعي الهروي الحكاني، وحكان: محلة على باب مدينة هراة، قال الذهبي: "ووثقه بعض الحفاظ" السير، ١٣/٤٥٤.
- ٤أبو اليمان هم: الحكم بن نافع البهراني، بفتح الموحدة، أبو اليمان الحمصي، مشهور بكنيته ثقة ثبت، يقال إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وعشرين، ع، التقريب ١٧٦هـ.
- ٥تقدم الخلاف في ذلك ص١٣١، وفي نظري أن هذا الخلاف (المراد الخلاف في تاريخ وقوع القتال في هذه السرية) ، لا يترتب عليه كبير فائدة لأن المقصود أن قتل ابن الحضرمي كان في الشهر الحرام، سواء كان ذلك في أوله أم في آخره، والله أعلم.
- ٦هذه العبارة ليست عند ابن إسحاق ولا ابن شبة.
- ٧القائل (فبلغنا) عروة بن الزبير، يشهد لذلك ما أخرجه الواقدي في المغازي ١/١٨ من طريق معمر، عن الزهري عن عروة قال: فودى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي، وحرم الشهر الحرام ... الحديث.
- ٨في رواية ابن إسحاق المتقدمة ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض العير والأسيرين وبعثت قريش إليه بفدائها، وهذا يدل على أنه لم يعقل ابن الحضرمي، لأنه لو عقله لما قبض العير ولا فادى الأسيرين، وقد ذكر البيهقي في الدلائل ٣/١١١ رواية الزهري المطولة عن غزوة بدر وفيها إشارة حكيم بن حزام على عتبة أن يتحمل دية ابن الحضرمي ويرجع بالناس ... الخ، فلو كان عقله النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار حكيم على عتبة بذلك. وقد أخرج الواقدي من طريق الزهري، عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودى عمرو بن الحضرمي. المغازي (١/١٨) ، وذكر رواية أخرى عن ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يودِ ابن الحضرمي. المصدر السابق. ورجح الواقدي رأي ابن عباس ثم قال: "المجتمع عليه عندنا أنه لم يود". المغازي ١/١٨. ولم أر عقل ابن الحضرمي في الروايات التي ذكرت سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة.. لا من طريق الزهري ولا من غيره، سوى ما ذكر في هذه الرواية، والرواية التي ذكرها الواقدي عن الزهري. ١ سورة التوبة آية رقم
- *سورة البقرة (٢١٧) .
٥- وأخرج عبد الرزاق٢ عن معمر٣ عن الزهري. وعن عثمان٤ الجزري عن مقسم٥ مولى ابن عباس قال: "لقي واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي في أول ليلة من رجب وهو يرى أنه في جمادى فقتله، وهو أول قتيل من المشركين، فَعَيَّر المشركون المسلمين قالوا: أتقتلون في الشهر الحرام؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾ ١.
- *. ٢ عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ، مصنف شهير عمي في آخر عمره، فتغير وكان يتشيع، من التاسعة توفي سنة إحدى عشرة وله خمس وثمانون، ع، التقريب ٣٥٤، رقم ٤٠٦٤. ٣ معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهمام بن عروة شيئاً، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار السابعة، توفي سنة أربع وخمسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ع، التقريب ٥٤١ رقم (٦٨٠٩) ، لكنه من أثبت الناس في الزهري، قال الدوري عن ابن معين أثبت الناس في الزهري مالك ومعمر ثم عد جماعة، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: معمر أثبت في الزهري من ابن عيينة، وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: معمر أحب إليك في الزهري أو ابن عيينة أو صالح بن كيسان أو يونس، فقال في ذلك معمر. تهذيب التهذيب ١٠/٢٤٤. ٤ عثمان بن عمرو بن ساج بمهملة وآخره جيم الجزري، مولى بني أمية، وقد ينسب إلى جده، فيه ضعف من التاسعة، س، التقريب ٣٨٦ رقم (٤٥٠٦) . ٥ مقسم - بكسر أوله - ابن بُحره بضم الموحدة وسكون الجيم، ويقال: نجدة بفتح النون وبدال، أبو القاسم مولى عبد الله بن الحارث، ويقال: مولى عبد الله بن عباس للزومه له، صدوق، وكان يرسل، من الرابعة، نوفي سنة ١٠١، وماله في البخاري سوى حديث واحد خ٤، التقريب، ٥٤٥، رقم (٦٨٧٣) .
يقول: وكفر بالله، والمسجد الحرام، يقول: وصد عن المسجد الحرام ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ من قتلكم عمرو بن الحضرمي، (والفتنة) ، يقول: والشرك الذي أنتم فيه أكبر من ذلك أيضاً. قال الزهري: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام ثم أحله بعد" ٢.
- *سورة البقرة آية (٢١٧) .
- *تفسير عبد الرزاق ١/٨٧-٨٨، وتفسير الطبري ٤/٣٠٨، رقم (٤٠٨٦) . وهو حديث مرسل؛ مروي بإسنادين عن اثنين من التابعين هما الزهري ومقسم مولى ابن عباس، فرواه معمر عن الزهري، ورواه عن عثمان الجزري عن مقسم.
المبحث الأول: في تاريخ الغزوة وعدد جيش المسلمين والمشركين
...
الفصل الثاني: في غزوة بدر الكبرى والأحداث التي أعقبتها
المبحث الأول: في تاريخ الغزوة وعدد جيش المسلمين والمشركين فيها.
٦- أخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في حديث عن عروة بن الزبير قال: أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدُ بالقتال في آي من القرآن فكان أول ١ مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً٢، وكان رأس المشركين يومئذٍ عتبة بن ربيع ة بن عبد شمس، فالتقوا ببدر يوم الجمعة ٢ لسبع ٣ أو ست ٤ عشرة ليلة مضت من رمضان وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مئة وبضعة عشر رجلاً٣ والمشركون بين الألف والتسعمائة ٥، وكان ذلك يوم الفرقان، وهزم الله يومئذ المشركين، فقتل منهم زيادة على سبعين مهج ٦، وأسر منهم مثل ذلك ٧. قال الزهري: "ولم يشهد بدراً إلا قرشي أو أنصاري أو حليف لأحد الفريقين" ٣.
- ١يشهد لذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس رضي الله عنه في قصة عمه أنس بن النضر رضي الله عنه، وأنه لم يشهد أول مشهد قاتل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعني بذلك بدراً، انظر البخاري مع الفتح، رقم (٢٨٠٥) ومسلم بشرح النووي ١٣/٤٧.
- ٢وردت روايات أخرى عن الزهري تؤيد ما ذكر، انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٢١، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/١٦٤ رقم (٣٨) ، والقول إن وقعة بدر كانت يوم الجمعة هو الراجح إن شاء الله. قال ابن سعد: "وهذا الثبت أنه يوم الجمعة". الطبقات الكبرى ٢/٢٠. وقال ابن عبد البر: "الأكثر على أن وقعة بدر كانت يوم الجمعة، صبيحة سبع عشرة من رمضان". الاستيعاب ١/١٣، وقال ابن عساكر: "والمحفوظ أنها كانت يوم الجمعة، تاريخ دمشق قسم السيرة ١/٥٦، وقال ابن كثير: وهو الصحيح عند أهل السير والمغازي" تفسير ابن كثير ٢/٣١٣. وقد وردت روايات تذكر أن الوقعة حصلت يوم الاثنين كما في الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٢٠ من حديث عامر البدري، قال ابن سعد: "وحديث يوم الاثنين شاذ" المصدر السابق، وورد أيضاً عند الطبراني في الكبير ١٢/٢٣٧ رقم (١٢٩٨٤) من حديث ابن عباس أنها يوم الاثنين، قال ابن عبد البر: "ولا حجة في مثل هذا الإسناد عند جميعهم إذ خالفه ما هو أكثر منه – يعني حديث ابن عباس –" انظر: الاستيعاب ١/١٣. وقال ابن كثير: "وقال يزيد بن أبي حبيب إمام أهل الديار المصرية في زمانه: كان يوم بدر يوم الاثنين، ولم يتابع على هذا، وقول الجمهور مقدم عليه، والله أعلم" التفسير، ٢/٣١٣.
- ٣وقد وردت روايات أخرى عن الزهري أن الوقعة كانت لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان بدون شك - انظر: الطبقات الكبرى٢/٢١، وتاريخ أبي زرعة، ١/١٦٣ رقم (٣٨) ودلائل البيهقي ٣/١٢٧، وقد صح هذا التاريخ عن ابن مسعود، انظر: مصنف عبد الرزاق رقم (٧٦٩٧) والطبري في الكبير رقم (٩٥٧٩) وابن سعد ٢/٢١.
- ٤الشك من عبد الرزاق وليس من الزهري كما ذكر ذلك الإمام أحمد في العلل ٢/٤٠٨ رقم (٢٨٢٨) تحقيق وصي الله بن عباس.
- ٥قال ابن كثير: "وأما جمع المشركين فأحسن ما يقال فيهم أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف" البداية ٣/٣٢٧. وفي صحيح مسلم أن عدد جيش المشركين كان ألفاً، انضر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٨٤ من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب.
- ٦مُهَج: جمع مهجة وتطلق على دم القلب وعلى الأرواح، انظر: لسان العرب ٣/٥٤١، ترتيب يوسف بن خياط، والقاموس ٢٦٣، مادة: مهج.
- ٧الصحيح في ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحة من حديث البراء بن عازب رضي الله عنة: " ... وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة سبعين أسيراً وسبعين قتيلاً ... " صحيح البخاري مع الفتح ٧/٣٠٧ رقم (٣٩٨٦) ، ومسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، انظر مسلم بشرح النووي ١٢/٨٦.
- *بفتح الموحدة وسكون الدال المهملة، ثم راء، بلدة بأسفل وادي الصفراء تبعد عن المدينة ب- (١٥٥) كيلاً، وعن مكة (٣١٠) أكيال، وتبعد عن سيف البحر قرابة (٤٥) كيلاً، معجم المعالم الجغرافية ص٤١.
- *وهذا العدد ذكره البخاري في صحيحه، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/٢٩٠-٢٩١، رقم (٣٩٥٧-٣٩٥٨-٣٩٥٩) ، وهذا الإبهام قد فسره الإمام مسلم حيث ذكر في صحيحه أن عدد المسلمين في بدر ثلاث مائة وتسعة عشر رجلاً، انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٨٤، وهو المعتمد. وقد ذكر ابن أبي عاصم رواية عن الزهري تحدد فيها عدد جيش المسلمين بأنهم: ثلاثمائة وستة عشر رجلاً، انظر: الآحاد والمثاني، رقم (٣٢٩) وفي سندها: يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، قال ابن حجر: صدوق ربما وهم، التقريب رقم (٧٨١٥) ، وذكر ذلك أيضاً البلاذري في أنساب الأشراف قسم السيرة ١/٢٩٠، وفيها ضعف لأنها معلقة، لأن البلاذري لم يدرك إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، الذي توفي سنة ١٨٣، كما قال الذهبي في السير ٨/٣٠٧، علماً بأن البلاذري توفي سنة ٢٧٩، كما ذكر ابن حجر في لسان الميزان ١/٣٢٣، وقد يحتمل أن العبارة صحفت منذ فترة مبكرة حيث أصبحت (ثلاثمائة وستة عشر، بدلاً من: ثلاثمائة وتسعة عشر) والله اعلم. وقال ابن جرير: "أما عامة السلف فإنهم قالوا: كانوا ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلاً" تاريخ الطبري ٢/٤٣٢. وقد وردت أقوال أخرى في عدتهم، انظرها في: الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٩، ومصنف ابن أبي شيبة ١٤ /٣٨٢، ٣٨٣، وتاريخ الطبري ٢/٤٣١-٤٣٣، ودلائل البيهقي ٣/٣٦، ٤١، والبداية والنهاية لابن كثير ٣/٢٦٨ وما بعدها، وفتح الباري لابن حجر ٧/٢٩١، ٢٩٢.
- *مصنف عبد الرزاق ٥/٣٤٨، رقم (٩٧٢٦) . وهو مرسل صحيح إلى عروة. وقوله: قال الزهري: "ولم يشهد بدراً ... " إلى آخر العبارة، أخرجها البيهقي في الدلائل ٣/٤٠ من طريق عبد الرزاق، وانظر: تاريخ الإسلام للذهبي قسم المغازي، ص٨٠.
المبحث الثاني: في ذكر أحداث الغزوة إجمالا
٧- قال البيهقي ١: أخبرنا أبو الحسين ٢ بن الفضل القطان ببغداد، قال أخبرنا أبوبكر ٣ محمد بن عبد الله بن عتاب العبدي، قال أخبرنا أبو محمد ٤ القاسم بن عبد الله بن المغيرة الجوهري، قال: أخبرنا إسماعيل ٥ بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى ٦ بن عقبة، ح، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني إسماعيل بن محمد الشعراني، قال: حدثني جدي، قال: أخبرنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: أخبرنا محمد بن فليح ٧ عن موسى بن عقبة قال: قال ابن شهاب: - وهذا لفظ حديث إسماعيل عن عمه موسى بن عقبة - قال: فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قتل ابن الحضرمي شهرين ثم أقبل أبو سفيان٢؟ بن حرب في عير٣ قريش من الشام ومعه سبعون راكباً من بطون قريش كلها وفيهم: مخرمة٤ بن نوفل، وعمرو بن العاص٥، وكانوا تجاراً بالشام، ومعهم خزائن أهل مكة، ويقال: كانت عيرهم ألف بعير، ولم يكن لأحد من قريش أوقية ٨ فما فوقها إلا بعث بها مع أبي سفيان إلا حويطب بن عبد العزى، فلذلك كان تخلف عن بدر ولم يشهده، فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانت الحرب بينهم قبل ذلك وقتل ابن الحضرمي وأسر الرجلين عثمان ٩ والحكم ١٠.
- ١دلائل النبوة للبيهقي، ٣/١٠١-١١٩، وأخرج أجزاء منها: ابن إسحاق (ابن هشام ١/٦٠٦) بعضها بإسناد جمعي فيهم الزهري، وبعضها بأسانيد ليس فيها الزهري، وبعضها بدون إسناد.
- ٢هو محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل الأزرق، روى عنه البيهقي والخطيب، وقال: كان ثقة تاريخ بغداد، ٢/٢٤٩-٢٥٠، وقال الذهبي: "مجمع على ثقته"، مات سنة ٤١٥، السير، ١٧/٣٣١-٣٣٢.
- ٣هو محمد بن عبد الله بن أحمد بن عَتَّاب العبدي، أبو بكر، قال عنه الخطيب: وكان ثقة، مات سنة ٣٤٤، تاريخ بغداد، ٥/٤٥٢-٤٥٣.
- ٤هو القاسم بن عبد الله بن المغيرة، أبو محمد، قال عنه الدارقطني: ثقة مأمون، تاريخ بغداد، ١٢/٤٣٣-٤٣٤.
- ٥هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو عبد الله بن أويس المدني، صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه، من العاشرة، ت سنة ست وعشرين خ م د ت ق، التقريب، ١٠٨.
- ٦هو: إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، الأسدي مولاهم، أبو إسحاق المدني، ثقة، تكلم فيه بلا حجة، من السابعة، مات في خلافة المهدي، خ تم س، التقريب، ١٠٥، وبقية الإسناد تقدمت تراجمهم في الرواية رقم [١] . ١ تقدم في
- ٧. ٢ هو أيو سفيان صخر بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أسلم عام الفتح شهد حنينا والطائف، توفي أخر خلافة عثمان رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وتسعين وقيل ثمان وثمانين سنة الإصابة، ٢/ ١٧٩- ١٨٠ ٣ العير: الإبل بأحمالها، النهاية ٣/٣٢٩. ٤ هو مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، كان من مسلمة الفتح، توفي سنة أربع وخمسين وقيل سنة خمس وخمسين، قالوا: وعاش مائة وخمس عشرة سنة. الإصابة ٣/٣٩٠-٣٩١. ٥ عمرو بن العاص بن وائل السهمي الصحابي المشهور، أسلم عام الحديبية وولي إمرة مصر مرتين وهو الذي فتحها، توفي سنة نيف وأربعين وقيل بعد الخمسين، التقريب ٤٢٣، رقم (٥٠٣٠) .
- ٨بضم الهمزة وتشديد الياء، من معايير الأوزان، وكانت الأوقية قديماً عبارة عن وزن أربعين درهماً، تختلف باختلاف اصطلاح البلاد، النهاية ١/٨٠.
- ٩هو عثمان بن عبد الله بن المغيرة، تقدم أنه مات كافراً.
- ١٠هو الحكم بن كيسان، تقدمت ترجمته في مبحث سرية نخلة.
فلما ذكرت عير أبي سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عدي ١ بن أبي الزغباء الأنصاري من بني غنم، وأصلة من جهينة، وبسبس ٢ يعني ابن عمرو إلى العير عيناًً له، فسارا حتى أتيا حياً من جهينه قريبا ًمن ساحل البحر فسألوهم عن العير وعن تجارة قريش، فأخبروهما بخبر القوم، فرجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فاستنفر المسلمين للعير، وذلك في رمضان، وقدم أبو سفيان على الجهنيين وهو متخوف من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال: أحسَّوا من محمد، فأخبروه خبر الراكبين: عدي بن أبي الزغباء، وبَسْبَسْ، وأشاروا إلى مناخهما، فقال أبو سفيان: خذوا من بعر بعيريهما، فَفَتَّه، فوجد فيه النوى، فقال: هذه علائف ٣ أهل يثرب، وهذه عيون محمد وأصحابه، فساروا سراعاً خائفين للطلب، وبعث أبو سفيان رجلاً من بني غفار يقال له: ضمضم بن عمرو إلى قريش: أن انفروا فاحموا عيركم من محمد وأصحابه فإنه قد استنفر أصحابه ليعرضوا لنا. وكانت عاتكة ٤ بنت عبد المطلب ساكنة بمكة، وهي عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مع أخيها العباس بن عبد المطلب، فرأت رؤيا ٥ قبل بدر، وقبل قدوم ضمضم عليهم، ففزعت منها، فأرسلت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب من ليلتها فجاءها العباس فقالت: رأيت الليلة رؤيا قد أشفقت منها وخشيت على قومك منها الهلكة قال: وماذا رأيت؟ قالت: لن أحدثك حتى تعاهدني إنك لا تذكرها، فإنهم إن سمعوها آذونا وأسمعونا ما لا نحب، فعاهدها العباس فقالت: رأيت راكباً أقبل من أعلى مكة على راحلته يصيح بأعلى صوته: يا آل غُدر ٦ أخرجوا في ليلتين أو ثلاث فأقبل يصيح حتى دخل المسجد على راحلته، فصاح ثلاث صيحات ومال عليه الرجال والنساء والصبيان، وفزع له الناس أشد الفزع، قالت: ثم أراه مَثَل على ظهر الكعبة، على راحلته، فصاح ثلاث صيحات فقال: يا آل غُدر ويا آل فُجر ٧: أخرجوا في ليلتين أو ثلاث ثم أراه مَثَل على ظهر أبي قبيس ٨ كذلك يقول يا آل غدر ويا آل فجر حتى أسمع من بين الأخشبين ٩ من أهل مكة ثم عمد إلى صخرة عظيمة فنزعها من أصلها ثم أرسلها على أهل مكة فأقبلت الصخرة لها حس ١٠ شديد حتى إذا كانت عند أصل الجبل ارفضت ١١ فلا أعلم بمكة داراً ولا بيتاً إلا قد دخلتها فلقة ١٢ من تلك الصخرة فقد خشيت على قومك، ففزع العباس من رؤياها ثم خرج من عندها فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة من آخر الليلة، وكان الوليد خليلاً للعباس، فقص عليه رؤيا عاتكة وأمره أن لا يذكرها لأحد، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، وذكرها عتبة لأخيه شيبة، فارتفع الحديث حتى بلغ أبا جهل بن هشام واستفاض في أهل مكة فلما أصبحوا غدا العباس يطوف بالبيت فوجد في المسجد أبا جهل، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأمية وأبي بن خلف، وزمعة بن الأسود، وأبا البختري في نفر من قريش يتحدثون، فلما نظروا إلى العباس ناداه أبو جهل: يا أبا الفضل إذا قضيت طوافك فهلم إلينا.
- ١عدي بن أبي الزغباء واسمه سنان بن سبيع بن ثعلبة الجهني حليف بني النجار شهد بدراً وما بعدها، توفي في خلافة عمر رضي الله عنه. الإصابة ٢/٤٦٩-٤٧٠.
- ٢بَسْبَس - بموحدتين مفتوحتين بينهما مهملة، ساكنة ثم مهملة مفتوحة - ابن عمرو بن ثعلبة الجهني حليف بني طريف بن الخزرج، ويقال له بسبسة كما في مسلم، رقم (١٩٠١) انظر: الإصابة ١/١٤٧.
- ٣جمع عَلَف: وهو ما تأكله الدّابة، مثل جمل وجمال، النهاية لابن الأثير ٣/٢٨٧، مادة: عَلَفَ.
- ٤هي عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي صلى الله عليه وسلم، كانت زوج أبي أمية بن المغيرة والد أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عبد البر: اختلف في إسلامها، والكُثُر يأبون ذلك، وذكرها العقيلي في الصحابة كما ذكر ابن حجر ذلك في الإصابة، وقد ذكرها ابن منده في الصحابة، وكذا ابن سعد. انظر: الإصابة ٤/٣٥٧.
- ٥أخرج رؤيا عاتكة أيضاً ابن إسحاق بإسناد فيه مجهول حيث قال: فأخبرني من لا أتهم، ابن هشام ٢/٦٠٧، ووصله الحاكم في المستدرك ٣/١٩-٢٠، ولكن فيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، ضعفه ابن حجر، انظر: التقريب ١٦٧، رقم (١٣٢٦) . وقد تعقب الذهبي الحاكم في التلخيص فقال عن حسين: وحسين ضعيف، المستدرك ٣/٢٠. وأخرجها ابن اسحاق موصولة قال: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس، انظر: دلائل البيهقي ٣/٢٩. وأخرجها الطبراني في الكبير ٢٤/٣٤٨-٣٤٩ رقم (٨٦٠) وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف، وحديثه حسن كما قال الهيثمي، انظر: المجمع ٦/٦٩-٧٠. وأخرجها أيضاً ابن مندة كما في الإصابة من طريق محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أم كلثوم بنت عقبة. انظر: الإصابة لابن حجر ٤/٣٥٧-٣٥٨، وفي سندها محمد بن عبد العزيز بن عمر ابن عبد الرحمن بن عوف، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال الدارقطني: "ضعيف"، لسان الميزان ٥/٢٦، قال أبو حاتم: "وليس لمحمد عن أبي الزناد والزهري وهشام بن عروة حديث صحيح"، الجرح والتعديل ٨/٨، وهذا من روايته عن الزهري. والخلاصة: أن رؤيا عاتكة قد وردت من عدة طرق مرسلة صحيحة، وموصولة ضعيفة فبعضها يقوي بعضاً.
- ٦في الإصابة ٤/٣٥٨: يا آل بدر، ولعل الصواب ما في هذه الرواية بدليل قوله: يا آل غدر ويا آل فُجر، قال ابن الأثير: غدر معدول عن غادر للمبالغة يقال للذكر غدر والأنثى غدار كفطام، وهما مختصتان بالنداء غالباً ... ، ومنه حديث عاتكة: يا لغدر يا لفجر. النهاية ٣/٣٤٥.
- ٧هو معدول عن فاجر للمبالغة، ولا يستعمل إلا في النداء غالباً، النهاية ٣/٤١٤.
- ٨جبل مشرف على مسجد مكة، معجم البلدان، ٤/٣٠٨، وهو الجبل الذي يشرف على الكعبة من مطلع الشمس، المعالم الأثيرة ٢٢٢.
- ٩الأخشبان جبلان بمكة أحدهما عن يمين المسجد الحرام والآخر عن يساره، أحدهما قُعَيقِعان بالضم ثم الفتح، بلفظ تصغير انظر: معجم البلدان لياقوت، ٤/٣٧٩، والآخر أبو قبيس. انظر المعالم الجغرافية للبلادي، ٢٠.
- ١٠الحسُّ: بكسر الحاء: من أحسست بالشيء، حسّ بالشيء وحُسّ حسًّا وحسيساً، وأحس به، شعر. اللسان (حسس) .
- ١١ارفضت: أي تفتَّتَتْ. شرح السيرة لأبي ذر الخشني ١٥٣.
- ١٢فلقة: أي الكَسْرَةُ: القاموس المحيط ص١١٨٦، مادة فلق.
فلما قضى طوافه جاء فجلس إليهم. فقال أبو جهل: ما رؤيا رأتها عاتكة؟ فقال: ما رأت من شيء. فقال أبو جهل: أما رضيتم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء، إنا كنا وإياكم كفرسي رهان، فاستبقنا المجد منذ حين، فلما تحاكت الركب قلتم منا نبي، فما بقي إلا أن تقولوا: مِنَّا نبيّة، فما أعلم في قريش أهل بيت أكذب امرأة ولا رجلاً منكم، وآذاه أشد الأذى. وقال أبو جهل: زعمت عاتكة أن الراكب قال: اخرجوا في ليلتين أو ثلاث. فلو قد مضت هذه الثلاث تبينت قريش كذبكم، وكتبنا سجلاً: أنكم أكذب أهل بيت في العرب رجلاً وامرأةً، أما رضيتم يا بني قصي أن ذهبتم بالحجابة١والندوة ١ والسقاية ٢ واللواء ٣ والرفادة ٤ حتى جئتمونا بنبي منكم؟ فقال العباس: هل أنت منتهٍ، فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك، فقال من حضرهما: ما كنت يا أبا الفضل جهولاً ولا خُرقاً٦، ولقي العباس من عاتكة فيما أفشى عليها من رؤياها أذى شديداً.
- ١قال ابن الأثير: "ندوت القوم أندوهم، إذا جمعتهم في النادي، وبه سميت دار الندوة بمكة لأنهم كانوا يجتمعون فيها ويتشاورون". النهاية ٥/٣٧.
- ٢السقاية: هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام، النهاية ٢/٣٨٠-٣٨١. والمقصود أن هذه الأشياء كانت لبني عبد مناف وبني عبد الدار. انظر: ابن هشام ١/١٢٥، وأخبار مكة للأزرقي ١/١٠٧-١١٠، والبداية لابن كثير ٢/٢٢٦.
- ٣اللواء: الراية ولا يمسكها إلا صاحب الجيش. النهاية ٤/٢٧٩، وسيأتي لها تعريفاً موسعاً قريباً.
- ٤الرفادة: هي شيء كانت تترافد به في الجاهلية، أي تتعاون فيخرج كل إنسان قدر طاقته فيجمعون مالاً عظيماً، فيشترون به الطعام والزبيب للنبيذ ويطعمون الناس ويسقونهم أيام الحج حتى ينقضي. النهاية ٢/٢٤٢.
فلما كان مساء الليلة الثالثة من الليلة التي رأت عاتكة فيها الرؤيا جاءهم الراكب الذي بعث أبو سفيان وهو ضمضم بن عمرو الغفاري، فصاح، فقال: يا آل غالب بن فهر: انفروا فقد خرج محمد وأهل يثرب يعترضون لأبي سفيان فأحرزوا عيركم، ففزعت قريش أشد الفزع وأشفقوا من رؤيا عاتكة، وقال العباس: هذا زعمتم كذا وكذَّب عاتكة فنفروا على كل صعب ١ وذلول ٢ وقال أبو جهل: أيظن محمد أن يصيب مثل ما أصاب بنخلة، سيعلم أنمنع عيرنا أم لا، فخرجوا بخمسين وتسعمائة مقاتل وساقوا مائة فرس، ولم يتركوا كارهاً للخروج يظنون أنه في صغو ٣ محمد وأصحابه ولا مسلماً يعلمون إسلامه ولا أحداً من بني هاشم إلا من لا يتهمون إلا أشخصوه معهم فكان ممن أشخصوا العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب في آخرين وهنالك يقول طالب بن أبي طالب: إما يخرجن طالب ... بمقنب ٤ من هذه المقانب في نفر مقاتل محارب ... فليكن المسلوب غير السالب والراجع المغلوب غير الغالب فساروا حتى نزلوا الجحفة ٥، نزلوها عشاءً يتروون من الماء وفيهم رجل من بني المطلب بن عبد مناف يقال له جهيم بن الصلت بن مخرمة ٦، فوضع جهيم رأسه فأغفى ٧ رأسه ثم فزع فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارس الذي وقف عليَّ آنفاً؟ فقالوا: لا؛ فإنك مجنون. فقال: قد وقف عليّ فارس آنفاً فقال: قتل أبو جهل، وعتبة، وشيبة، وزمعة، وأبو البختري، وأمية بن خلف، فعد أشرافاً من كفار قريش. فقال له أصحابه: إنما لعب بك الشيطان، ورفع حديث جهيم إلى أبي جهل فقال: قد جئتمونا بكذب بني المطلب مع كذب بني هاشم! سترون غداً من يقتل.
- ١الصعب من الدواب نقيض الذلول، والأنثى صعبة، والجمع صعاب، وأُصْعِبَ الجمل لم يُركب قطُّ. اللسان (صعب) .
- ٢دابة ذلول: أي ضد الصعب. اللسان (ذلل) .
- ٣الصغو: الميل: يقال: صَغوه معك، وصِغاه وصَغاه أي: ميله معك، وصاغية الرجل الذي يميلون إليه ويأتونه ويطلبون ما عنده ويغشونه، لسان العرب ٢/٤٤٥، مادة: (صغا) .
- ٤المقنب: الجماعة من الخيل مقدار ثلاثمائة أو نحوها، شرح السيرة لأبي ذر الخشني ص١٥٥.
- ٥الجحفة: جيم مضمومة وحاء ساكنة وفاء ثم هاء، توجد اليوم آثارها شرق مدينة رابغ بحوالي (٢٢) كيلاً إذا خرجت من رابغ تؤم مكة كانت إلى يسارك. معجم المعالم الجغرافية للبلادي ٧٩-٨٠.
- ٦هو جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف المطلبي، قال ابن سعد: "أسلم بعد الفتح". وقال ابن عبد البر: "أسلم عام خيبر، وأطعمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر ثلاثين وسقاً ... " قال ابن اسحاق: "وهو الذي رأى أيام بدرٍ رجلاً على فرس يقول: قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وكان يكتب الصدقات لرسول الله صلى الله عليه وسلم". انظر: الإصابة ١/٢٥٦. وقد ذكر رؤيا جهيم ابن إسحاق، انظر: ابن هشام ١/٢١٨، والواقدي في المغازي ١/٤٢.
- ٧أغفى رأسه: أدنى جفونه. اللسان (غضض) .
- *المراد حجابة الكعبة، وهي سدانتها وتولي حفظها، النهاية ١/٣٤٠.
- *الخُرق: بالضم: الجهل والحمق، وقد خَرِق خَرقاً، فهو أخرق، ومنه حديث جابر: فكرهت أن أجيئهن بخرقاء مثلهن (أي حمقاء جاهلة) وهي تأنيث الأخرق. النهاية في غريب الحديث ٢/٢٦.
ثم ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم عير قريش جاءت من الشام، وفيها أبو سفيان بن حرب ومخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، وجماعةٌ من قريش، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلك حين خرج إلى بدر على نَقْب ١ بني دينار، ورجع حين رجع من ثنية الوداع ٢ فنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نفر ومعه ثلاثمائة ٣ وستة عشر رجلاً، وفي رواية ابن فليح: ثلاثمائة ٤ وثلاثة عشر رجلاً، وأبطأ عنه كثيرٌ من أصحابه، وتربصوا، وكانت أول وقعة أعز الله تبارك وتعالى فيها الإسلام، فخرج في رمضان على رأس ثمانية عشر شهراً من مقدمه المدينة، ومعه المسلمون، لا يريدون إلا العير ٥، فسلك على نقب بني دينار، والمسلمون غير مقوِّين من الظهر، وإنما خرجوا على النواضح ٦ يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وكان زميل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي ٧ حليف حمزة، فهم معه ليس معهم إلا بعير واحدٌ، فساروا حتى إذا كانوا بعَرْق الظَّبْيَة ٨ لقيهم راكبٌ من قبل تهامة، والمسلمون يسيرون فوافقه نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه عن أبي سفيان فقال: لا علم لي به، فلما يئسوا من خبره قالوا له: سلِّم على النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وفيكم رسول الله؟ قالوا: نعم. قال: أيكم هو؟ فأشاروا له إليه، فقال الأعرابي: أنت رسول الله كما تقول؟ قال: نعم. قال: إن كنت رسول الله كما تزعم فحدثني بما في بطن ناقتي هذه. فغضب رجلٌ من الأنصار ثم من بني عبد الأشهل يقال له سلمة بن سلامة بن وقْش ٩ فقال للأعرابي: وقعت على ناقتك فحملت منك فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال سلمة حين سمعه أفحش، فأعرض عنه، ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلقاه خبر، ولا يعلم بنفرة قريش. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أشيروا علينا في أمرنا ومسيرنا. فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، إنا أعلم الناس بمسافة الأرض، أخبرنا عدي بن أبي الزغباء أن العير كانت بوادي كذا وكذا - قال ابن فليح في روايته: فكأنا وإياهم فرسا رهان إلى بدر، ثم اتفقا - قال: ثم قال: أشيروا عليَّ. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، إنها قريش وعزها، والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت، والله لتقاتلنك، فتأَهَّبْ لذلك أهبته، وأعد له عدته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليَّ. فقال المقداد بن عمرو عديد بني زهرة: إنا لا نقول لك كما قال أصحاب موسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ١، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون ١٠. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليّ.
- ١بالفتح ثم السكون، الطريق الضيق في الجبل، وبنو دينار من الأنصار من بني النجار، ونقب بني دينار من الحرة الغربية بالمدينة، ولعله الطريق المعروف اليوم والذي يؤدي إلى ذي الحليفة، فقد كان شق في الحرة ثم عُبِّد، المعالم الأثيرة ٢٨٩.
- ٢ثنية الوداع من سلع على متنه الشرقي، بداية شارع أبي بكر الصديق (سلطانة) وعند أول شارع سيد الشهداء وهي ثنية الوداع لمن يسافر إلى الشام عن طريق تبوك، معجم المعالم الجغرافية ٣٣٢، والمعالم الأثيرة ٢٩٦.
- ٣يشهد له حديث أبي موسى عند البزار (كشف الأستار ١٧٨٤) ، قال الهيثمي بعد أن ذكره: "ورجاله ثقات"، انظر: المجمع ٦/٩٣، والحق أن في اسناده: ثابت بن عمارة، صدوق فيه لين كما قال ابن حجر رحمه الله، انظر: التقريب ١٣٢ رقم (٨٢٣) .
- ٤قد وردت عدة روايات تذكر هذا العدد منها ما ذكره ابن إسحاق في رواية البكائي عنه، انظر: ابن هشام ١/٧٠٦، والواقدي في المغازي ١/١٢٥، وأحمد في المسند ٤/١٠٣ رقم (٢٢٣٢) ، أرناؤوط، وابن أبي شيبة في المصنف، ١٤/٣٨٢، وابن سعد في الطبقات ٢/٢٠، والطبري في تاريخه، ٢/٤٣١، والطبراني في الكبير ١١/٣٨٨، رقم (١٢٠٨٣) ورقم (١٢٠٦٣) ، وكلها فيها مقال، وتبقى رواية مسلم التي تذكر ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً هي الصحيحة والمعتمدة، مسلم بشرح النووي ١٢/٨٤.
- ٥يشهد له ما رواه البخاري في صحيحه من أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر لا يريد إلا العير حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/٢٨٥.
- ٦النواضح: الإبل التي يستقى عليها، واحدها ناضح، النهاية في غريب الحديث ٥/٦٩.
- ٧هو مرثد بن أبي مرثد الغنوي، صحابي وأبوه صحابي واسمه: كناز بنون ثقيلة، وزاي وهما ممن شهد بدراً، قال ابن إسحاق: "استشهد مرثد في صفر سنة ثلاث في غزاة الرجيع" الإصابة ٣/٣٩٨.
- ٨عرق الظبية: يروى بضم الأول وفتحه، ويعرف اليوم (طرف الظبية) ، وهو قبل الروحاء بثلاثة أكيالٍ، انظر: المعالم الاثيرة ١٨٣.
- ٩هو سلمة بن سلامة بن وقْش بن زغبة الأشهلي الأنصاري أبو عوف شهد العقبة الأولى والثانية، وشهد بدراً والمشاهد كلها. قال إبراهيم بن المنذر: "مات سنة أربع وثلاثين"، وقال غيره: "بل تأخر إلى سنة خمس وأربعين وبه جزم الطبري"، قال: "مات وهو ابن أربع وسبعين سنة بالمدينة"، الإصابة ٢/٦٥.
- ١٠ورد عن ابن إسحاق: ".. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه"، ابن هشام ١/٦١٥. وقد أخرج البخاري كلام المقداد في صحيحه، ولكن ليس عند المشورة وإنما عند دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا} ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك، انظر: صحيح البخاري مع الفتح، ٧/٢٨٧ رقم (٣٩٥٢) ، ومسند أحمد رقم (٣٦٩٨) تحقيق شاكر.
فلما رأى سعد بن معاذ ١ كثرة استشارة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فيشيرون فيرجع إلى المشورة ظن سعدٌ أنه يستنطق الأنصار شفقاً ألا يستحوذوا معه، أو قال: ألا يستجلبوا معه على ما يريد من أمره. فقال سعد: لعلك يا رسول الله تخشى أن لا تكون الأنصار يريدون مواساتك، ولا يرونها حقاً عليهم إلا بأن يروا عدواً في بيوتهم وأولادهم ونسائهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم يا رسول الله، فاظعن ٢ حيث شئت، وصِل حبل من شئتَ، واقطع حبْل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذته منّا أحب إلينا مما تركت علينا، وما ائتمرت من أمرٍ فأمرنا لأمرك فيه تبعٌ، فوالله لو سرت حتى تبلغ البرك٢من غِمْدِ ذي يَمَن لسرنا معك ٣.
- ١هو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي، شهد بدراً باتفاق ورمي بسهم يوم الخندق فعاش بعد ذلك شهراً حتى حكم في بني قريظة، ثم انتقض جرحه، فمات سنة خمس، الإصابة ٢/٣٧.
- ٢ظَعَنَ بالتحريك، ذهب وسار. انظر: لسان العرب ٢/٦٤٤، مادة ظَعَن.
- ٣أخرج مسلم في صحيحه من حديث أنس أن القائل هو: سعد بن عبادة رضي الله عنه، انظر: مسلم بشرح النووي ١٢/١٢٤. قال الحافظ ابن حجر: "وفيه نظر، لأن سعد بن عبادة لم يشهد بدراً، وإن كان يعدّ فيهم لكونه ممن ضرب له بسهم، ثم قال: ويمكن الجمع بأن النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم في غزوة بدر مرتين: الأولى: وهو بالمدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبي سفيان، وذلك بين في رواية مسلم ولفظه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم شاور أصحابه حين بلغه إقبال أبي سفيان. والثانية: كانت بعد أن خرج، ثم قال: ووقع عند الطبراني أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية، وهذا أولى بالصواب" فتح الباري ٧/٢٨٨.
- *إشارة إلى الآية رقم (٢٤) من سورة المائدة.
فلما قال ذلك سعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيروا على اسم الله عز وجل؛ فإني قد رأيتُ مصارع القوم. فعمد لبدر.
- *المراد: برك الغِماد: وهو بكسر الغين المعجمة، وقال ابن دريد بالضمّ، والكسر أشهر، وهو موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر، انظر: معجم البلدان ١/٣٩٩، وهي الآن بلدة صغيرة بين حَلي والقُنْفُذَة على الساحل، وتبعد عن مكة (٦٠٠) كيلٍ تقريباً، المعالم الجغرافية ٤٢.
وخفض أبو سفيان، فلصق بساحل البحر، وخاف الرصد على بدر، وكتب إلى قريش حين خالف مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى أنه قد أحرز ما معه، وأمرهم أن يرجعوا، فإنما خرجتم لتحرزوا ركبكم، فقد أحرز لكم.
فلقيهم هذا الخبر بالجحفة، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدراً فنقيم بها، ونطعم من حضرنا من العرب؛ فإنه لن يرانا أحدٌ من العرب فيقاتلنا.
فكره ذلك الأخنس بن شريق ١، فأحب أن يرجعوا، وأشار عليهم بالرجعة فأبوا وعصوه، وأخذتهم حمية الجاهلية، فلما يئس الأخنس من رجوع قريش أكبّ على بني زهرة فأطاعوه، فرجعوا، فلم يشهد أحدٌ منهم بدراً، واغتبطوا برأي الأخنس وتبركوا به، فلم يزل فيهم مطاعاً حتى مات، وأرادت بنو هاشم الرجوع فيمن رجع فاشتد عليهم أبو جهل بن هشام، وقال: والله لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع.
- ١الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي أبو ثعلبة حليف بني زهرة، اسمه: أبي، وإنما لقب الأخنس لأنه رجع ببني زهرة من بدر لما جاءهم الخبر أن أبا سفيان نجا بالعير، فقيل خنس الأخنس ببني زهرة، فسمي بذلك، ثم أسلم فكان من المؤلفة قلوبهم وشهد حنيناً ومات في خلافة عمر رضي الله عنه. الإصابة ١/٢٥.
وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل أدنى شيء من بدر عشاءً، ثم بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وبسبساً الأنصاري عديد بني ساعدة، وهو أحد جهينة في عصابة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم: اندفعوا إلى هذه الظِّراب ١ وهو في ناحية بدر، فإني أرجو أن تجدوا الخبر عند القليب الذي يلي الظِّراب، فانطلقوا متوشحي السيوف، فوجدوا وارد قريش عند القليب الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا غلامين ٢ أحدهما لبني الحجاج بن أسود، والآخر لآل العاص، يقال له: اسلم، وأفلت أصحابهما قبل قريش، فأقبلوا بهما حتى أتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مُعَرَّسِه دون الماء، فجعلوا يسألون العبدين عن أبي سفيان وأصحابه لا يرون إلا أنهما لهم، فطفقا يحدثانهم عن قريش ومن خرج منهم وعن رؤوسهم فيكذبونهما وهم أكره شيء للذي يخبرانهم، وكانوا يطمعون بأبي سفيان وأصحابه ويكرهون قريشاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلمقائماً يصلي يسمع ويرى الذي يصنعون بالعبدين، فجعل العبدان إذا أذلقوهما بالضرب يقولان نعم هذا أبو سفيان والركب، كما قال عز وجل: ﴿أسفلَ مِنْكُمْ﴾ قال الله تعالى: ﴿إذْ أَنْتُم بالعُدوة الدنيا وهم بالعُدوَةِ القُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعَاد وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أمْراً كان مفْعُولاً﴾ ١. قال: فطفقوا إذا قال العبدان: هذه قريش قد جاءتكم كذبوهما وإذا قالا هذا أبو سفيان تركوهما، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صنيعهم بهما سلّم من صلاته، فقال: ماذا أخبراكم؟ قالوا: أخبرانا أن قريشاً قد جاءت. قال: فإنهما قد صدقا، والله إنكم لتضربونهما إذا صدقا وتتركونهما إذا كذبا. خرجت قريش لتحرز ركبها وخافوكم عليهم، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم العبدين فسألهما فأخبراه بقريش، وقالا: لا علم لنا بأبي سفيان، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم "كم القوم" ؟
- ١الظراب الجبال الصغار، واحدها: ظَرِب - بوزن: كتف - وقد يجمع في القلة على أظرب. النهاية في غريب الحديث ٣/١٥٦.
- ٢في صحيح مسلم أن الأسر وقع لغلام بني الحجاج، وهو أسود اللون، انظر: مسلم بشرح النووي ١٢/١٢٥، وانظر: سنن أبي داود رقم (٢٦٨١) ، وفي مسند أحمد ٢/٢٥٩، رقم ٩٤٨، أرناؤوط، أن الأسير مولى لعقبة بن أبي معيط.
قالا: لا ندري، والله هم كثير، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أطعمهم أمس " ؟
فسميا رجلاً من القوم، قال: "كم نحر لهم" ؟
قالا: عشر جزائر، قال: "فمن أطعمهم أول أمس" ؟
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،