ذكر وقعة بدر الكبرى
٧٧ - حدَّثنا عليّ بن نصر بن عليّ، وعبد الوارث بن عبد الصّمد بن عبد الوارث - قال عليّ: حدَّثنا عبد الصَّمد بن عبد الوارث، وقال عبد الوارث: حدّثني أبي- قال: حدَّثنا أبان العطار، قال: حدَّثنا ، عن عُروة، أنه كتب إلى : أمّا بعد، فإنك كتبتَ إليّ في أبي سفيان ومخرَجه، تَسْألني كيف كان شأنه؟ كان من شأنه أنّ أقبل من الشام في قريب من سبعين راكبًا من قبائل قريش كلّها، كانوا تجارًا بالشام، فأقبلوا جميعًا معهم أموالُهم وتجارتهم، فذكروا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه؛ وقد كانت الحرب بينهم قبل ذلك، فقُتلت قتلى، وقُتِل ابن الحضرميّ في ناس بنَخْلَة، وأسِرَتْ أسارَى من قريش، فيهم بعضُ بني المغيرة، وفيهم ابن كَيسان مولاهم، أصابهم عبد الله بن جَحْش وواقد حليف بني عديّ بن كعب، في ناسٍ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثهم مع عبد الله بن جحش، وكانت تلك الوقعة هاجت الحرب بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش، وأول ما أصاب به بعضهم بعضًا من الحرب، وذلك قبلَ مخرج أبي سفيان وأصحابه إلى الشام. ثم إنّ أبا سفيان أقبل بعد ذلك ومَن معه من ركْبان قريش مقبلين من الشام، فسلَكوا طريق الساحل، فلمّا سمع بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ندبَ أصحابه وحدّثهم بما معهم من الأموال، وبقلَّة عَدَدِهم، فخرجوا لا يريدون إلّا أبا سفيان والركْبَ معه؛ لا يروْنها إلّا غنيمة لهم؛ لا يظنّون أن يكون كبيرُ قتال إذا لقُوهم، وهي التي أنزل الله عزّ وجلّ فيها: ﴿ تَكُونُ لَكُمْ﴾ .
فلما سمعَ أبو سفيان أنّ أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معترضون له، بعث إلى قريش: إنَّ محمدًا وأصحابه معترضون لكم، فأجيرُوا تجارتَكم، فلمّا أتى قريشًا الخبرُ -وفي عيرِ أبي سفيان؛ من بُطون كعب بن لُؤيّ كلّها- نفرَ لها أهلُ مكة؛ وهي نَفْرة بني كعب بن لُؤيّ، ليس فيها من بني عامر أحدٌ إلّا من كان من بني مالك بن حِسْل؛ ولم يَسمع بنَفرَة قريش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه؛ حتى قدِم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ًا- وكان طريق ركبان قريش؛ مَنْ أخذ منهم طريق الساحل إلى الشام- فخفض أبو سفيان عن بدْر، ولزِم طريقَ الساحل، وخاف الرّصَد على بدْر، وسار النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، حتى عرّس قريبًا من بدر، وبعث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في عصابة من أصحابه إلى ماء بدر، وليسوا يحسبُون أنّ قريشًا خرجت لهم، فبينا رسول - صلى الله عليه وسلم - قائمٌ يصلّي؛ إذ ورد بعض روايا قريش ماءَ بدر، وفيمن ورد من الرّوايا غلام لبني الحجّاج أسودُ؛ فأخذه النّفرُ الذين بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الزبير إلى الماء، وأفلت بعضُ أصحاب العبد نحو قريش، فأقبلوا به حتى أتوْا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في مُعَرّشه، فسألوه عن أبي سفيان وأصحابه؛ لا يحسبون إلّا أنه معهم، فطفِق العبد يحدّثهم عن قريش ومن خرج منها، وعن رؤوسهم، ويصدُقهم الخبر؛ وهم أكره شيء إليهم الخبر الذي يخبرهم؛ وإنما يطلبون حينئذ بالركْب أبا سفيان وأصحابه، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - يصلّي؛ يركع ويسجد يرى ويَسمع ما يُصنع بالعبد، فطفقِوا إذا ذكر لهم أنها قريش جاءتهم، ضربوه وكذّبوه، وقالوا: إنما تكتمنا أبا سفيان وأصحابه؛ فجعل العبد إذا أذلَقوه بالضرب، وسألوه عن أبي سفيان وأصحابه -وليس له بهم علم؛ إنما هو من رَوَايا قريش- قال: نعم، هذا أبو سفيان، والركْب حينئذ أسفل منهم؛ قال الله عزّ وجلّ: ﴿ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ حتَّى بلغ- ﴿﴾ ، فطفقِوا إذا قال لهم العبد: هذه قريش قد أتتكم ضربوه، وإذا قال لهم: هذا أبو سفيان تركوه.
فلمّا رأى صنيعَهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - انصرف من صلاته وقد سمع الذي أخبرهم، فزعموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: والذي نفسي بيده، إنكم لتضربونه إذا صدَقَ، وتتركونه إذا كذب! قالوا: فإنه يحدّثنا أنّ قريشًا قد جاءت، قال: فإنه قد صدق؛ قد خرجت قريش تجير رِكابها، فدعا الغلام فسأله فأخبره بقريش، وقال: لا عِلْمَ لي بأبي سفيان، فسأله: كم القوم؟ فقال: لا أدري؛ والله هم كثير عددهم، فزعموا أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: مَنْ أطعمهم أوّل مِنْ أمس؟ فسمّى رجلًا أطعمهم، فقال: كم جزائر نَحرَ لهم؟ قال: تسع جزائر، قال: فَمَنْ أطعمهم أمس؟ فسمّى رجلًا، فقال: كم نحر لهم؟ قال: عشر جزائر، فزعموا أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: القومُ ما بين التسعمئة إلى الألف. فكان نَفْرة قريش يومئذ خمسين وتسعمئة.
فانطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل الماء وملأ الحِياضَ، وصفّ عليها أصحابه، حتى قدم عليه القوم، فلمّا ورد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ًا قال: هذه مصارعُهم؛ فوجدوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قد سبقهم إليه ونزل عليه. فلمّا طلعوا عليه زعموا أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: هذه قريش قد جاءت بجلَبتها وفخرها؛ تحادُّك وتُكذّبُ رسولك! اللهمّ إني أسألك ما وعدتني.
فلما أقبلوا استقبلهم، فحثَا في وجوههم التراب؛ فهزمَهم الله، وكانوا قبل أن يلقاهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قد جاءهم راكب من أبي سفيان والركب الذين معه: أن ارْجعوا -والركْب الذين يأمرون قريشًا بالرجْعَةِ بالجُحْفة- فقالوا: والله لا نرجع حتى ننزل ًا، فنقيم به ثلاثَ ليال، ويرانا مَن غشينا من أهل الحجاز؛ فإنه لن يرانا أحد من العرب وما جمعْنا فيقاتلنا. وهم الذين قال الله عزّ وجل: ﴿ وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ ؛ فالتقوا هُمْ والنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ففتح الله على رسوله، وأخزى أئمة الكُفْر وشفى صدورَ المسلمين منهم. ١ (٢: ٤٢١/ ٤٢٢ / ٤٢٣/ ٤٢٤) .
- ١إسناده مرسل.
٧٨ - حدّثني هارون بن إسحاق، قال: حدَّثنا مصعب بن المِقْدام، قال: حدَّثنا إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن عليّ - عليه السلام -، قال: لما قَدمْنَا المدينة أصبنا من ثمارها، فاجتَويناها، وأصابنا بها وعْكٌ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخبّر عن ؛ فلما بلغنا أنّ المشركين قد أقبلُوا سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر - وبدر: بئر- فسبَقْنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين، منهم رجلٌ من قريش، ومولىً لعُقبْة بن أبي مُعَيط؛ فأما القرشيّ فانفلت، وأمّا مولى عُقْبة فأخذناه، فجعَلنا نقول: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير، شديدٌ بأسهم؛ فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربُوه، حتى انتهوْا به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: كم القوم؟ فقال: هم والله كثير، صلى الله عليه وسلم - أن يخبره كم هم، فأبى. ثم إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأله: كم ينحرون من الجُزُر؟ فقال: عشرًا كلّ يوم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. القوم ألف.
ثم إنه أصابنَا من الليل طَشٌّ من المطر، فانطلقنا تحت الشجر والحجَف نستظلُّ تحتها من المطر، وبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو ربّه: اللهمّ إنْ تهلِكْ هذه العِصابة لا تُعبَد في الأرض. فلمّا أن طلع الفجر نادى: الصلاة عباد الله! فجاء الناس من تحت الشجر والحَجف، فصلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحَرَّض على القتال، ثم قال: إنّ جَمْع قريش عند هذه الضِّلْعة من الجبل. فلما أن دنا القوم منّا وصافَفْناهم؛ إذا رجلٌ من القوم على جَمل أحمر يسير في القوم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا عليّ، نادِ لي حمزة -وكان أقربهم إلى المشركين-: مَنْ صاحبُ الجمل الأحمر؟ وماذا يقول لهم؟ وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنْ يكن في القوم مَنْ يأمر بالخير؛ فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر، فجاء حمزة، فقال: هو ؛ وهو ينهى عن القتال، ويقول لهم: إنّي أرى قومًا مُسْتَميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير؛ يا قوم اعصبُوها اليومَ برأسي، وقولوا: جَبُنَ عُتْبة بن ربيعة؛ ولقد علمتم أنّي لستُ بأجبنِكم. قال: فسمعَ أبو جهل فقال: أنت تقول هذا! والله لو غيرك يقول هذا لعضضتُه! لقد ملئت رِئتُك وجوفك رُعبًا، فقال عتبة: إيّايَ تُعَيّر يا مصَفِّر استِه! ستَعلم اليومَ أيّنا أجْبَن! قال: فبرز عُتبة بن ربيعة وأخوه ، وابنه الوليد، حميّةً، فقالوا: مَنْ يبارز؟ فخرج فِتْيَةٌ من الأنصار ستّة، فقال عُتبة: لا نريدُ هؤلاء؛ ولكن يبارزُنا من بني عمّنا من بني عبد المطلب. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا عليّ قُم، يا حمزة قم، يا قم، فقتل الله عتبةَ بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ، وجرح عُبيدة بن الحارث؛ فقتلنا منهم سبعين، وأسرْنا منهم سبعين. قال: فجاء رجل من الأنصار قصير أسيرًا، فقال: يا رسولَ الله؛ والله ما هذا أسَرني، ولكن أسَرَني رجل أجْلَح من أحسن الناس وجهًا، على فرس أبْلق، ما أراه في القوم، فقال الأنصاريّ: أنا أسرته، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد آزرك الله بملَكٍ كريم. قال عليّ: فأسِر من بني عبد المطّلب العباس وعَقيل ١ . (٢: ٤٢٤/ ٤٢٥ / ٤٢٦) .
- ١رجاله ثقات ومصعب وثقه ابن معين والدارقطني -وحديث علي هذا (لما قدمنا المدينة ... ) أخرجه أبو داود (بأوجز من الطبري) في سننه (ح ٢٦٦٥ / باب في المبارزة) وأحمد في المسند (١/ ١١٧) وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة. (مجمع الزوائد ٦/ ٧٦). قلنا: وأخرجه البزار (كشف الأستار / ١٧٦١) وأخرجه الحاكم كذلك من حديث ابن عباس (٣/ ١٨٧) والله أعلم. وتبقى مسألة عنعنة أبي إسحاق هنا وهو مدلّس ولكن البخاري قبل هذه العنعنة إن كان من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق وكذلك هاهنا فلا ضير والله أعلم.
٧٩ - حدّثني البزُوريّ، قال: حدَّثنا عُبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة، عن عليّ، قال: لمّا أن كان يومُ ، وحضر البأس اتّقينا برسول الله، فكان من أشدّ الناس بأسًا، وما كان منّا أحدٌ أقربَ إلى العدوّ منه ١ . (٢: ٤٢٦) .
- ١حديث علي هذا أخرجه أحمد في المسند وصححه العلامة شاكر رحمه الله، والله تعالى أعلم.
٨٠ - حدَّثنا ، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن شُعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، عن عليّ، قال: سمعتُه يقول: ما كان فينا فارسٌ يوم غير مِقْداد بن الأسود، نائمٌ، إلّا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائمًا إلى شجرة يصلّي، ويدعو حتى الصبح ١ . (٢: ٤٢٦/ ٤٢٧) .
- ١رجاله رجال الصحيح غير حارثة بن مضرّب وهو ثقة.
٨١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني محمد بن مسلم الزهريّ وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان عن عُروة وغيرهم من علمائنا، عن ، كلٌّ قد حدّثني بعض هذا الحديث؛ فاجتمع حديثهم فيما سُقتُ من حديث ، قالوا: لما سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي سفيان مقبلًا من الشام، ندَب المسلمين إليهم، وقال: هذه عيرُ قِريش فيها أموالهم، فاخرُجوا إليها، لعلّ الله أن يُنَفِّلكموها، فانتدب الناس فخفّ بعضهم وثقُل بعضهم؛ وذلك أنهم لم يظنُّوا أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلقى حَرْبًا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسَّس الأخبار، ويسأل مَنْ لقيَ من الرُّكبان تخوُّفًا على أموال الناس؛ حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: أنّ محمدًا قد استنفرَ أصحابه لك ولعيرك. فحذر عند ذلك، فاستأجر ضَمْضَم بن عمرو الغفاريّ، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتيَ قريشًا يستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أنّ محمدًا قد عَرَض لها في أصحابه ١ فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة. (٢: ٤٢٧) .
- ١إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق. وأخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٢٩٥ بتحقيق همام وأبو صعيليك). والحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٣٢) مطولًا والطبراني وحسَّن الهيثمي إسناده (مجمع الزوائد ٦/ ٧٣) والحديث صحيح، والله تعالى أعلم.
٨٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال ابنُ إسحاق: وحدّثني مَن لا أتَّهم عن عِكْرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس ويزيد بن رُومان، عن عُروة، قال: وقد رأتْ قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزَعتها، فبعثتْ إلى أخيها فقالت له: يا أخي، والله لقد رأيتُ الليلة رؤيا لقد أفظعتني، وتخوّفت أن يدخلَ على قومك منها شرٌّ ومصيبة، فاكتُمْ عليَّ ما أحدّثك [به] قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبًا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح. ثم صرخ بأعلى صوته: أن في ثلاث! فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه؛ فبينا هم حولَه مَثَلَ به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بأعلى صوته بمثلها: أن انفروا يا آلُ غدر لمصارعكم في ثلاث! ثمّ مثل به بعيرهُ على رأس أبي قُبَيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذَ صخرة فأرسلها، فأقبلتْ تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضَّت فما بقيَ بيت من بيوت مكة، ولا دارٌ من دورها إلّا دخلت منها فِلْقة. قال العباس: والله إنّ هذه لرؤيا رأيتِ فاكتُميها ولا تذكريها لأحد.
ثم خرج العباس فلقيَ بن ربيعة - واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عُتْبة، ففشا الحديث؛ حتى تحدّثت به قريش [في أنديتها] . قال العبّاس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهْط من قريش قُعودٌ يتحدّثون برؤيا عاتكة؛ فلمّا رآني أبو جهل، قال: يا أبا الفضْل؛ إذا فرغتَ من طوافك فأقبل إلينا. قال: فلمّا فرغت أقبلتُ إليه حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطّلب؛ متى حَدَثتْ فيكم هذه النبيّة! قال: قلتُ: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التي رأت عاتكة، قال: فلت: وما رأت؟ قال: رضيتُم أن تتنبّأ رجالُكم، حتى تتنبّأ نساؤكم! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفرُوا في ثلاث، فسنتربّص بكم هذه الثلاث؛ فإن يكن ما قالت حقًّا فسيكون، وإن تمضِ الثلاث ولم يكن من ذلك شيء؛ نكتب عليهم كتابًا أنّكم أكذبُ أهل بيتٍ في العرب. قال العباس: فوالله ما كان منّي إليه كبير إلآ أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأتْ شيئًا. قال: ثم تفرّقنا؛ فلمّا أمسيتُ لم تبقَ امرأةٌ من بني عبد المطلب إلّا أتتْنِي، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع؛ ثم لم يكن عندك غَيرة لشيء مما سمعت! قال: قلت: قد والله فعلت؛ ما كان منّي إليه من كبيرٍ، وايمُ الله لأتعرّضن له؛ فإن عاد لأكفيتكموه. قال: فغدوتُ في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضَب، أرى أن قد فاتني منه أمرٌ أحبّ أن أدرِكه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته؛ فوالله إنّي لأمشي نحوه أتعرّضه ليعود لبعض ما قال فأقع به -وكان رجلًا خفيفًا حديدَ الوجه، حديدَ اللسان، حديد النظر- إذْ خرج نحو باب المسجد يشتدّ. قال: قلتُ في نفسي: ما له لعنه الله! أكلّ هذا فرَقًا من أن أشاتمه! قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع؛ صوت ضمضم بن عمرو الغفاريّ، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره، قد جدَّع بعيره، وحوَّل رحلَه، وشقّ قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللَّطيمة! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها؛ الغوث الغوث! قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر. فتجهّز الناس سراعًا، وقالوا: أيظنّ محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرميّ! كلّا والله ليعلمُنّ غيرَ ذلك. فكانوا بين رجلين: إمّا خارج، وإمّا باعث مكانه رجلًا، وأوعَبَتْ قريش فلم يتخلّف من أشرافها أحدٌ؛ إلَّا أنّ تخلّف، فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة؛ وكان لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، أفْلَس بها، فاستأجره بها على أن يجزيَ عنه بعثه، فخرج عنه وتخلّف أبو لهب ١ . (٢: ٤٢٨/ ٤٢٩ / ٤٣٠) .
- ١هذان إسنادان أحدهما عن ابن عباس وفيهما مبهم، والآخر مرسل، وكذلك أخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٢٩٦) وللحديث طرق منها ما هو مرسل كذلك كما عند الطبراني وآخره عنده ولكنه مرفوع وفيه ضعف (مجمع الزوائد ٦/ ٧٣٢). وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٩) وضعفه الذهبي، ونسبه الحافظ إلى ابن مندة (الإصابة ٤/ ٣٤٧). وقال الشيخ إبراهيم العلي: (وبهذه الطرق يتقوى الحديث فيرتفع إلى درجة الحسن لغيره) (صحيح السيرة / ١٦٤ / الحاشية). = = وقال الأستاذ العمري في السيرة النبوية الصحيحة، (٢/ ٣٥٦) معلقًا على إسناد الحاكم وغيره: وثمة روايات أخرى لا تخلو من ضعف لكنها تعتضد للدلالة على صحة الحادثة. قلنا: واتباعًا لمنهج التحقيق الذي ذكرنا في مقدمة السيرة فإنا نذكر أمثال هذه الروايات في الصحيح وبالشروط التي ذكرنا والله تعالى أعلم.
وأمّا عامة السلف؛ فإنهم قالوا: كانوا ثلاثمئة رجل وبضْعة عشرَ رجلًا.
ذكر من قال ذلك
٨٣ - حدَّثنا هارون بن إسحاق، قال: حدَّثنا مُصعَب بن المقْدام، وحدّثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدَّثنا أبو أحمد الزُّبيريّ، قالا: حدَّثنا إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَراء، قال: كنّا على عِدّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر -ولم يَجُزْ معه إلّا مؤمن- ثلاثمئة وبضعة عشر ١ . (٢: ٤٣٢) .
- ١إسناده صحيح وحديث البراء هذا أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (كتاب المغازي ٦ - باب عدة أصحاب بدر / ح ٣٩٥٨). - لقد ذكرنا الرواية (س ١٨٧) المطولة في قسم الضعيف وبينا هناك أنه ضعيف السند إلى ابن إسحاق وقد رواه ابن إسحاق مرسلًا- وأغلب الأمور الواردة في المتن ضعيفة سوى الآتي: ١ - قوله (بعث بسبس بن عمرو الجهني) فقد أخرج مسلم في (صحيحه / باب ثبوت الجنة للشهيد / ح ١٩٠١) عن أنس - رضي الله عنه - قال: (بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبسة عينًا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه). قال: فحدثته الحديث قال: فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتكلم فقال: (إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانيهم في علو المدينة فقال: لا إلّا من كان ظهره حاضرًا). والحديث أخرجه كذلك أحمد في مسنده (٣/ ١٣٦) ويرى الحافظ ابن حجر أن الصواب هو بسبس (أي كما عند الطبري) انظر الإصابة (١/ ١٥١). ٢ - قوله: (فاستشار النبي - صلى الله عليه وسلم - للناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر - رضي الله عنه - فقال فأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال فأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض كما أمرك الله فنحن معك ... إلخ). فقد أخرجه البخاري بأوجز من هذا (باب قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} / ح ٣٩٥٢) عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: شهدت من المقداد = = ابن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحبّ إليّ مما عدل به: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: (اذهب أنت وربك فقاتلا) ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أشرق وجهه وسرّه، يعني قوله). ومسلم في صحيحه باب غزوة بدر (٣/ ١٤٠٤) والحديث أخرجه الطبري في تأريخه كما سنذكر بعد قليل (٢/ ٤٣٤). ٣ - قوله (قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: قد آمنا بك وصدقناك ... الحديث). فقد أخرج مسلم في صحيحه (باب غزوة بدر / ح ١٧٧٩) عن أنس، - رضي الله عنه - وفيه: (فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادنا إلى برك الغماد لفعلنا .. الحديث). وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٠٠).
٨٤ - حدَّثنا ابن بشار، قال: حدَّثنا أبو عامر، قال: حدَّثنا سُفيان، عن أبي إسحاق، عن البرَاء، قال: كنّا نتحدّث أن أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كانوا يوم ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا، جاز معه النهر؛ وما جاز معه إلّا مؤمنٌ ١ . (٢: ٤٣٢) .
- ١إسناده صحيح.
٨٥ - حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا أبي؛ عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البرَاء، بنحوه ١ . (٢: ٤٣٢) .
- ١إسناده صحيح.
٨٦ - حدَّثنا إسماعيل بن إسرائيل الرّمْليّ، قال: حدَّثنا عبد الله بن محمد بن المغيرة، عن مِسْعر، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، قال: عِدّة أهل عدّة أصحاب طالوت ١ . (٢: ٤٣٢) .
- ١إسناده صحيح.
٨٧ - حدّثني أحمد بن إسحاق، قال: حدَّثنا أبو أحمد، قال: حدَّثنا مِسْعَر، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، مثله ١ . (٢: ٤٣٣) .
- ١إسناده صحيح.
٨٨ - حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنَا مَعمر، عن قَتَادة، قال: كان مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يوم ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا ١ . (٢: ٤٣٣) .
- ١إسناده صحيح.
٨٩ - حدَّثنا محمد بن عبَيد المحاربيّ، قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى، قال: حدَّثنا المخارق، عن طارق، عن عبد الله بن مسعود، قال: لقد شهدتُ من المقداد أحبّ إليّ مما في الأرض من شيء؛ كان رجلًا فارسًا، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا غضب احمارّتْ وجنتاه؛ فأتاه المقدادُ على تلك الحال، فقال: أبشِرْ يا رسولَ الله؛ فوالله بنو إسرائيل لموسى: ﴿ هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ، ولكن والذي بعثك بالحق لنكونن وعن يمينك وعن شمالك، أو يفْتَح الله لك ١ . (٢: ٤٣٤) .
- ١حديث عبد الله بن مسعود هذا أخرجه البخاري في صحيحه مع اختلاف يسير في الألفاظ من طريق مخارق عن طارق بن شهاب قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحبُّ إليّ مما عدل به: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا} وكلنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك. فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أشرق وجهه وسَرَّه يعني قوله. (فتح الباري ٩/ ٤ - باب قول الله تعالى {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} / ح ٣٩٥٢).
٩٠ - ثم ارتحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذَفران، فسلك على ثنايا يقال لها الأصافر، ثم انحطّ منها على بلد يقال لها الدَّبَّة، وترك الحَنّان بيمين -وهو كثيب عظيم كالجبل- ثم نزل قريبًا من ، فركب هو ورجلٌ من أصحابه -كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبّان- حتى وقف على شَيخ من العرب؛ فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممّن أنتما! فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا أخبرتَنا أخبرناك؛ فقال: وذاك بذلك! قال: نعم، قال الشيخ: فإنّه بلغني أنّ محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدَقَنِي الذي أخبرني فهو اليوم بمكان كذا وكذا- للمكان الذي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبلغنِي أنّ قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا؛ فإن كان الذي حدّثني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي به قريش- فلما فرغ من خبره، قال: ممّن أنتما؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نحن من ماء؛ ثم انصرف عنه. قال: يقول الشيخ: ما "من ماءٍ" ، أمِنْ ماءِ العِرَاق ١ "! . (٢: ٤٣٥/ ٤٣٦) .
- ١إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وقد رواه ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان مرسلًا؛ فمحمد هذا وإن كان ثقة ولكنه لم يدرك الواقعة فقد توفي سنة ١٢١ هـ. وهو ابن أربع وسبعين سنة (كما قال الحافظ في التقريب / ت ٦٣٨١) فيكون مولده سنة (٤٧ هـ) أي: بعد بدر بـ (٤٥ سنة) والله تعالى أعلم. وكذلك رواه ابن هشام من طريق ابن إسحاق عن محمد بن يحيى منقطعًا (السيرة النبوية ٢/ ٣٠٧ / بتحقيق همام).
٩١ - ثم رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه؛ فلمّا أمسى بعث وسعد بن أبي وقاص، في نَفرٍ من أصحابه إلى ماء يلتمسون له الخبر عليه -كما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، كما حدّثني يزيد بن رومان، عن - فأصابوا راويةً لقريش فيها أسْلَم؛ غلام بني الحجّاج، وعَرِيض أبو يَسَار، غلام بني العاص بن سعيد؛ فأتوْا بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلّي؛ فسألوهما، فقالا: نحن سقاة قريش؛ بعثونا لنسقيَهم من الماء، فكره القوم خبرَهما، ورَجوا أن يكونا لأبي سفيان؛ فضربوهما، فلما أذْلَقوهما قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما، وركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسجد سجدتين، ثم سلّم، فقال: إذَا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما! صَدَقَا والله! إنّهما لقريش؛ أخبراني: أين قريش؟ قالا: هم وراءَ الكثيب الذيِ ترى بالعُدْوَة القُصْوَى - والكثيب: العَقَنْقَل- فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لهما: كم القوم؟ قالا: كثيرٌ، قال: ما عِدَّتهم؟ قالا: لا ندري، قال: كم ينحرون كلّ يوم؟ قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: القوم ما بين التسعمئة والألف. ثم قال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فَمَنْ فيهم من أشراف قريش؟ قالا: ، ، وأبو البختَريّ بن هشام، ، ، والحارث بن عامر بن نوفل، وطُعَيمَة بن عَدِيّ بن نوفل، والنضْر بن الحارث بن كَلَدة، وَزَمْعَة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمَيّة بن خلَف، ونُبيه ومُنبّه ابنا الحجاج، وسُهَيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ودّ. فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس، فقال: هذه مكّة قد ألْقَتْ إليكم أفْلاذَ كبِدِها ١ . (٢: ٤٣٦/ ٤٣٧) .
- ١إسناده ضعيف ولمتنه ما يشهد له فقد أخرجه مسلم في صحيحه باب غزوة بدر من حديث أنس (ح ١٧٧٩) وفيه: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي فلما رأى ذلك انصرف وقال: (والذي نفسي بيده لتضربوه إذا صدقكم وتتركوه إذا كذبكم) والحديث أخرجه كذلك عبد الرزاق في مصنفه (٥/ ٣٤٩) كما عند الطبري بصيغة التثنية، وأبو داود في سننه باب الأسير ينال منه ويضرب (٣/ ١٣١). أما تخمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعدد المشركين وتحديده بالألف فقد أخرج أحمد في المسند من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: (لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها، فأصابنا بها وعك، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخبّر عن بدر فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر، وبدر بئر، فسبقنا المشركون إليها فوجدنا فيها رجلين منهم رجل من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط، فأما القرشي فانفلت، وأما مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، فجهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخبره فأبى، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله: كم ينحرون من الجزر؟ قال: عشر لكل يوم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: القوم ألف كل جزور لمئة ونيفها- أخرجه أبو داود (ح ٢٦٦٥) وأحمد في المسند (١/ ١١٧). والحاكم (٣/ ١٨٨) من حديث ابن عباس وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة (مجمع الزوائد ٦/ ٧٦). وصحح العلامة شاكر إسناده، وقال العمري: وفيه أبو إسحاق السبيعي مدلس ولكن العلة زالت لوروده من طريق أخرى (السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٣٥٧). أما قوله: (فقال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبده). فكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق معلقًا (السيرة النبوية / ٢/ ٣٠٨). والله أعلم. * لقد ذكرنا الرواية (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٩) س / ١٢٥ وتكملته في قسم الضعيف لضعف إسناده ومتنه سوى عبارة أخيرة في تكملة الرواية (٢/ ٤٣٩) وهي: (وبعث الله السماء فأصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه منها ما لبّد الأرض ولم يمنعهم المسير) فقد ثبت بدليل الكتاب الكريم كما في قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: ١١]. وبوّب له البخاري في صحيحه / كتاب المغازي، ٤ - باب قوله تعالى: {إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ... } [الأنفال: ٩ - ١٣] الفتح (٩/ ١٣). وكذلك جاء في رواية للإمام أحمد في مسنده (الفتح الرباني ٢١/ ٣٠). من حديث علي وهو يصف ليلة المعركة وفيه: (ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر).
٩٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: قال محمّد بن إسحاق: وحدّثني إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار، قالوا: لما اطمأنّ القومُ، بعثوا الجُمَحِيّ، فقالوا: احزُرْ لنا أصحابَ محمد، قال: فاستجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمئة رجل، يزيدون قليلًا أو ينقصون؛ ولكن أمْهلوني حتى انظر؛ أللقوم كمين أم مَدَد؟ قال: فضرب في الوادي؛ حتى أبْعد فلم ير شيئًا، فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئًا، ولكني قد رأيتُ -يا معشرَ قريش- الوَلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع؛ قوم ليس لهم مَنَعة ولا مَلْجأ إلّا سيوفُهم؛ والله ما أرى [أن] يقتل رجل منهم حتى يُقتل رجل منكم؛ فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خيرُ العيش بعد ذلك! فَرَوْا رَأيكم.
فلمّا سمع ذلك، مشى في الناس، فأتى ، فقال: يا أبا الوليد، إنك كبيرُ قريش الليلة وسيّدُها، والمطاع فيها؛ هل لك ألّا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر! قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل دمَ حليفك عمرو بن الحضرميّ! قال: قد فعلت، أنتَ عليّ بذلك، إنما هو حليفي فعليّ عَقْله، وما أصيب من ماله؛ فائتِ ابنَ الحنْظَلية؛ فإنّي لا أخشى أن يشجرُ أمرَ الناس غيرُه -يعني أبا جهل بن هشام- رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. ثم قام عُتْبة بن ربيعة خطيبًا، فقال: يا معشرَ قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تَلْقوا محمدًا وأصحابه شيئًا؛ والله لئن أصبتُموه لا يزال رجلٌ ينظر في وَجْهِ رجل يكره النَّظَر إليه، قتل ابن عمّه أو ابن خاله أو رجلًا من عشيرته؛ فارجعوا وخلُّوا بين محمّد وبين سائر العرب؛ فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرَّضوا منه ما تريدون. قال حكيم: فانطلقتُ أؤمُّ أبا جهل؛ فوجدته قد نَثَل دِرْعًا له من جِرابها؛ فهو يُهيّئها. فقلت: يا أبا الحكم؛ إنّ عُتْبةَ قد أرسلني إليك بكذا وكذا -للذي فاد- فقال: انتفخ والله سَحْرُه حين رأى محمدًا وأصحابه؛ كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمّد وأصحابه، وما بعتْبة ما قال؛ ولكنه قد رأى محمدًا وأصحابه أكلةَ جَزور؛ وفيهم ابنه فقد تخوّفَكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرميّ، فقال له: هذا حَلِيفُك، يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرَك بعينيك، فقم فانشُد خُفْرتك ومقتَلَ أخيك. فقام عامر بن الحضرميّ فاكتشف ثم صرخ: واعمراه! واعمراه! فحميَت الحربُ، وحَقِبَ أمر الناس؛ واستوسقوا على ما هم عليه من الشرّ، وأفسِد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عُتبة بن ربيعة.
فلما بلغ قولُ أبي جهل: "انتفخ سَحْره" ، قال: سيعلم المُصَفِّرُ اسْتَهُ من انتفخ سَحْره، أنا أم هو! ثم التمس بَيضَة يُدْخِلها في رأسه فما في الجيش بيضة تَسَعُه من عِظم هامته، فلما رأى ذلك اعتَجَر على رأسه ببُرْد له.
وقد خرج الأسود بن عبد الأسود المخزوميّ -وكان رجلًا شرسًا سيِّيءَ الخُلق- فقال: أعاهد الله لأشْرَبنّ من حَوْضِهم ولأهْدِمنّه أو لأمُوتنّ دونه. فلما خرج خرج له ، فلمّا التقيا ضربه حمزة، فأطنّ قدمه بنصف ساقه؛ وهو دُونَ الحوض، فوقع على ظهره تَشْخُبُ رجله دمًا نحو أصحابه؛ ثم حَبَا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد -زَعَمَ- أن يُبِرَّ يمينَه، واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.
ثم خرج بعده بين أخيه وابنه ؛ حتى إذا فَصَل من الصفّ دعَا إلى المبارزة، فخرج إليه فتْية من الأنصار ثلاثة نفر منهم: عوف ومُعَوِّذ ابنا الحارث -وأمهما عفراء- ورجل آخر يقال له عبد الله بن رواحة، فقال: مَنْ أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار. فقالوا: ما لنا بكم حاجة! ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخْرِجْ إلينا أكفاءَنا من قومنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قم يا ، قم يا ، قم يا ؛ فلما قاموا ودَنوْا منهم، قالوا: مَنْ أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ: عليّ، قالوا: نعم أكفاءٌ كِرَام! فبارز عُبيدة بن الحارث -وكان أسنّ القوم- عُتْبة بن ربيعة، وبارز حمزةُ شَيبةَ بن ربيعة، وبارز عليٌّ الوليدَ بن عتبة؛ فأمّا حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما عليٌّ فلم يمهل الوليد أن قتله؛ واختلف عُبيدة وعتبة بينهما بضربتين، كلاهما أثبَت صاحبه، وكرَّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عُتْبة، فذفّفا عليه فقتلاه، واحتملا صاحبهما عبيدة فجاءا به إلى أصحابه؛ وقد قطعت رجله، فمُخُّها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ألستُ شهيدًا يا رسول الله ١ ! قال: بلى، فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيًّا لعلم أني أحقّ بما قال منه حيث يقول: ونُسْلِمُهُ حتى نُصَرَّعَ حَوْلَه ... ونَذْهَلَ عن أَبنائِنا وَالحَلائِل (٢: ٤٤٢ - ٤٤٤ - ٤٤٥)
- ١إسناده ضعيف، وراجع تعليقنا على الرواية التالية.
٩٣ - حدَّثنا الزُّبير بن بكار، قال: حدَّثنا عثامة بن عمرو السهميّ، قال: حدّثني مُسوَّر بن عبد الملك اليَربوعيّ، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب، قال: بينَا نحن عند ؛ إذ دخل حاجبُه، فقال: هذا أبو خالد ، قال: ائذنْ له، فلمّا دخل حكيم بن حِزام، قال: مرحبًا بك يا أبا خالد! ادْنُ، فحال له مروان عن صدْر المجلس؛ حتى كان بينه وبين الوسادة، ثمّ استقبله مرْوان، فقال: حَدّثنا حديثَ ، قال: خرجنا حتى إذا نزلنا الجُحْفَة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسْرها، فلم يشهد أحدٌ من مشركيهم بَدْرًا. ثم خرجنا حتى نزلنا العُدْوة التي ذكرها الله عزّ وجلّ، فجئت ، فقلت: يا أبا الوليد، هل لك أن تذهب بشَرَف هذا اليوم ما بقيت؟ قال: أفعل ماذا؟ قلت: إنكم لا تطلبون من محمّد إلا دَم ابن الحضرميّ؛ وهو حليفك، فتحمّل ديتَه وترجع بالناس. فقال: أنت وذاك، وأنا أتحمّل بِديَتِه، واذهبْ إلى ابن الحنظلِيّة -يعني أبا جهل- فقل له: هل لك أن ترجعَ اليوم بمَنْ معك عن ابن عمّك؟ فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه، وإذا ابنُ الحضرميّ واقف على رأسه؛ وهو يقول: قد فَسَخْتُ عقْدي من عبد شمس، وعقْدي إلى بني مخزوم. فقلت له: يقول لك عُتْبة بن ربيعة: هل لك أن ترجعَ اليوم عن ابنِ عمك بمَنْ معك؟ قال: أما وجدَ رسولًا غيرك! قلت: لا، ولم أكن لأكون رسولًا لغيره. قال حكيم: فخرجت مبادرًا إلى عُتْبة؛ لئلا يَفُوتَني من الخبر شيء، وعتبة مُتكّئ على إيماء بن رَحَضة الغِفاريّ؛ وقد أهْدَى إلى المشركين عشر جزائر، فطلع أبو جهل والشرّ في وجهه، فقال لعتبة: انتفخ سَحْرُك! فقال له عتبة: ستعلم! فَسلّ أبو جهل سيفه، فضرب به متنَ فرسه، فقال إيماء بن رَحَضة: بئس الفأل هذا! فعند ذلك قامت الحرب ١ . (٢: ٤٤٣) .
- ١في إسناده عثامة بن عمرو السهمي لم نجد له ترجمة وهذا الخبر يتقوى بالذي قبله وبما سنذكر: ١ - فقد سبق ذكر الرواية (٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥ - ٤٢٦) وذكرنا عندها ما يؤيدها وفيها: فقال: (هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ... إلخ). وكذلك أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ١٨٧) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: (لما نزل المسلمون وأقبل المشركون، نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عتبة بن ربيعة وهو على جمل أحمر فقال: إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا وهو يقول: يا قوم أطيعوني في هؤلاء القوم فإنكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه، وقاتل أبيه، فاجعلوا حقها برأسي وارجعوا، فقال أبو جهل: انتفخ والله سحره حين رأى محمدًا وأصحابه، إنما محمد وأصحابه كأكلة جزور ولقد التقينا، فقال عتبة: ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إني لأرى قومًا يضربونكم ضربًا، أما ترون كأن رؤوسهم الأفاعي، وكأن وجوههم السيوف، ثم دعا أخاه وابنه، فخرج بينهما ودعا بالمبارزة) وقال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات (المجمع ٦/ ٧٦). ٢ - وأما المبارزة بين الصحابة من جهة وعدد من المشركين من جهة أخرى (الوليد بن عتبة وابني ربيعة) فقد أخرج البخاري في صحيحه عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، وقال قيس بن عباد وفيهم أنزلت (هذان خصمان اختصموا في ربهم) قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر، حمزة وعلي وعبيدة أو أبو عبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، (كتاب المغازي ح / ٣٩٦٥). وأخرج البخاري عن أبي ذر - رضي الله عنه - يقسم: لنزلت هؤلاء الآيات في هؤلاء الرهط الستة يوم بدر ... (صحيح البخاري / ح ٣٩٦٨) وحديث المبارزة أخرجه كذلك أحمد. وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة (المجمع ٦/ ٧٦). ٣ - وأما إرسال قريش لعمير بن وهب الجمحي ليحزر جيش المسلمين: فقد أخرجه كذلك ابن هشام من طريق ابن إسحاق مرسلًا (السيرة النبوية بتحقيق همام ٢/ ٣١٥) ورواه ابن سعد معلقًا (الطبقات ٢/ ١٦) ولقد جوّد العمري إسناده وأضاف قائلًا: إذ يغلب الظن أن شيوخ ابن إسحاق بن يسار فيه من الصحابة ولو تحقق ذلك فإن الحديث صحيح لأن جهالة الصحابي لا تضر خاصة وهم كثرة. (السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٣٥٩). ولم نجد للمقطع الأخير من رواية الطبري تأييدًا من رواية صحيحة وذلك من قوله (قال: ألست شهيدًا يا رسول الله؟ ... إلخ) والله أعلم.
٩٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عمرو بن قتادة؛ أن قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا: أكفاءٌ كرامٌ، إنما نريد قومنا، ثم تزاحف الناس؛ ودنا بعضُهم من بعض، وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ألّا يحملوا حتى يأمرهم؛ وقال: إن اكتنفكُم القوم فانضحوهم عنكم بالنَّبْل؛ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العريش معه أبو بكر ١ . (٢: ٤٤٦) .
- ١إسناده ضعيف. وأما قوله: (وقال: اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل). فقد أخرج البخاري من طريقين عن أبي أسيد رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر: إذا أكثبوكم -يعني أكثروكم- فارموهم واستبقوا نبلكم. (صحيح البخاري كتاب المغازي / ح ٣٩٨٤، ح ٣٩٨٥). والحديث أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٧٠) والله أعلم.
٩٥ - فحدّثني محمد بن عبيد المحاربيّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن المبارك، عن عكرمة بن عَمَّار، قال: حدّثني سماك الحنفيّ، قال: سمعتُ ابنَ عباس يقول: حدّثني ، قال: لما كان يوم ، ونظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين وعِدّتهم، ونظر إلى أصحابه نيّفًا على ثلاثمئة، استقبل القبلة، فجعل يدعو، يقول: اللهمّ أنجزْ لي هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبَد في الأرض؛ فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه، فأخذ أبو بكر فوضع رداءه عليه، ثمّ التزمه من ورائه، ثم قال: كفاك يا نبيّ الله، بأبي أنت وأمي، مناشدتك ربّك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك! فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ١ . (٢: ٤٤٧) .
- ١إسناده حسن صحيح، وحديث عمر هذا أخرجه مسلم مع بعض الاختلاف فقد أخرج عن عمر رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمئة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - القبلة ثم مدّ يديه فجعل يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربه، مادًا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} فأمده الله بالملائكة (صحيح مسلم باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر / ح ١٧٦٣).
٩٦ - حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا الثقفيُّ -يعني عبد الوهاب- عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال وهو في قبتّه يومَ : اللهمّ إني أسألُك لم تُعْبَدْ بَعْدَ اليوم! قال: فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبُك يا نبيّ الله، فقد ألححت على ربّك - وهو في الدّرع - فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ ١ . (٢: ٤٤٧/ ٤٤٨) .
- ١إسناده ضعيف، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه في مواضع منها في (المغازي / ح ٣٩٥٣) ولفظه: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر: اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد، فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك. فخرج وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} وقال الحافظ في الفتح (٩/ ١٩٨): هذا من مراسيل الصحابة فإن ابن عباس لم يحضر ذلك ولعله أخذه عن عمر أو عن أبي بكر، ثم ذكر الحافظ حديث مسلم الآنف الذكر.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: وقد خَفَق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خفقةً وهو في العريش؛ ثم انتبه، فقال: يا أبا بكر، أتاك نصرُ الله، هذا جبريل آخذ بِعنان فرسه يقوده، على ثناياه النَّقع. قال: وقد رُمِيَ مِهْجَعٌ مولى بسهم فقُتل؛ فكان أوّلَ قتيل من المسلمين، ثم رُمِيَ حارثة بن سُراقة، أحد بني عديّ بن النجار وهو يشرب من الحوْض فقتِل. ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحرَّضهم، ونفّل كلّ امرئ منهم ما أصاب، وقال: والَّذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتَلَ صابرًا محتسِبًا مُقْبِلًا غير مُدْبِر؛ إلّا أدخله الله الجنة. فقال عمَيرُ بن الحُمَام، أخو بني سَلمة، وفي يده تَمَراتٌ يأكُلهنّ: بَخْ بَخْ، فما بيني وبين أن أدخلَ الجنة إلا أن يقْتلني هؤلاء! ثم قذف التَّمرَاتِ من يده، وأخذ سيفُه، فقاتل القوم حتى قُتِل وهو يقول: رَكْضًا إلى اللهِ بغير زادِ ... إلَّا التُّقَى وَعملِ المَعادِ وَالصَّبْر في اللهِ على الجهادِ ... وكلُّ زَادٍ عُرْضَةُ النَّفَادِ غَير التُّقَى والبرّ والرَّشَادِ ١ . (٢: ٤٤٨)
- ١ذكر الطبري هذه الرواية وقال: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق (وسند ابن إسحاق السابق ضعيف) ولكن ما ذكره الطبري هنا له ما يشهد له متفرقًا كما يلي: ١ - جاء في رواية الطبري (وقد خفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال: يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع). وحكم الشيخان الجليلان (همام وأبو صعيليك) بضعف هذا الخبر وفيه نظر فقد أخرج الأموي في مغازيه كما قال ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٨٤): خفق النبي - صلى الله عليه وسلم - خفقة في العريش ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل معتجر بعمامة آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع أتاك نصر الله وعدته). وحسّن المحدث الألباني هذه الرواية في تحقيقه لفقه السيرة للشيخ الغزالي رحمه الله (٢٤٣ / الحاشية) وكذلك حسَّن الأستاذ العمري إسناده (السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٣٦٥) الحاشية. ويؤيده ما أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٢٨) من حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير وفي آخره: خفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خفقة في العريش ثم انتبه فقال: (أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامته، آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع أتاك نصر الله وَعِدتُه) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخبن ولم يخرجاه وأقرّه الذهبي والحديث أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٤٣١). ومن طريق أبي صالح عن علي قال: (قيل لي ولأبي بكر: مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يحضر الصف ويشهد القتال) وأخرجه أحمد وأبو يعلى وصححه الحاكم (فتح الباري ٩/ ٢٣٧). وجاء تعقيب الحافظ هذا في شرحه لحديث البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب) صحيح البخاري كتاب المغازي باب شهود الملائكة بدرًا /ح ٣٩٩٥). ٢ - أما استشهاد حارثة بن سراقة فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه (أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني ... الحديث) كتاب المغازي باب فضل من شهد بدرًا / ح ٣٩٨٢. ٣ - وأخرج مسلم في صحيحه حديثًا وفيه: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه، فدنا المشركون فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض. قال يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم. قال: بخ بخ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها قال: فإنك من أهلها. فأخرج تمرات = = من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة قال: فرفس بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل. صحيح مسلم (باب ثبوت الجنة للشهيد ح ١٩٠١) والمستدرك (٣/ ٤٢٦) والبيهقي في السنن (٩/ ٤٣) والله أعلم.
٩٧ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمد بن إسحاق. وحدّثني محمد بن مسلم الزهريّ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العُذرِيّ، حليف بني زُهرة، قال: لما التقى النَّاس، ودنا بعضُهم من بعض، قال أبو جهل: اللهمَّ أقْطَعنَا لِلرَّحم، وآتانا بما لا يُعرف؛ فأحِنْه الغداة، فكان هو المستفتِح على نفسه.
ثم إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ حَفْنة من الحصباء، فاستقبل بها قريشًا، ثم قال: شاهت الوُجوه! ثم نَفحهم بها، وقال لأصحابه: شُدُّوا، فكانت الهزيمة، فقتل الله مَنْ قتلَ من صناديد قريش، وأسِر مَنْ أسِر منهم، فلما وضع القوم أيديَهم يأسرون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العريش، وسعد بن مُعاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , متوشِّحًا السيف، في نفر من الأنصار يحرُسون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , يخافون عليه كَرَّةَ العدوّ، ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - في وجه سعد بن معاذ الكَرَاهيةَ لمَا يصنع الناس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لكأنّك يا سعد تكره ما يصنع الناس! قال: أجلْ والله يا رسولَ الله! كانت أوّل وقعة أوقَعها الله بالمشركين؛ فكان الإثخَانُ في القتل أعجَبَ إليَّ من استبقاء الرجال ١ . (٤٤٩: ٢) .
- ١إسناده ضعيف ولكن أخرج الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٢٨) من حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: (كان المستفتح يوم بدر أبا جهل قال: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة، فبينما هم على تلك الحال وقد شجع الله المسلمين على لقاء العدو وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم ... الحديث). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٧٤) وأحمد في المسند (٥/ ٤٣١) وأما قوله: (ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشًا ثم قال: شاهت الوجوه ثم نفحهم بها) فالطبري أخرج هذه الرواية بسند ضعيف مرسلًا كما نرى إلا أنه أخرجها في تفسيره (١٣/ ٤٤٢) و (١٣/ ٤٤٣) بإسنادين مرسلين صحيحين (عن عروة وقتادة). وقال العمري معقبًا على الروايتين المرسلتين: وهما يعتضدان لأن المرسل إذا تعددت = = مخارجه يقوى. وقال أيضًا: وتدل على صحة ذلك (رمي الحصى في وجوه المشركين) الآية الكريمة {وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا} [الأنفال: ١٧]، راجع السيرة النبوية الصحيحة. (٢/ ٣١٣) قلنا: ويؤيد رواية الطبري ما أخرجه الطبراني في الكبير (ح ٣١٢٧) عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ كفًّا من الحصى فاستقبلنا بها فرمى بها وقال: (شاهت الوجوه) فانهزمنا فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}. وقال الهيثمي: رواه الطبراني وسنده حسن (مجمع الزوائد ٦/ ٨٤). وأخرج الطبراني رواية أخرى من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعليّ: ناولني كفًّا من حصى فناوله فرمى بها القوم .... الحديث وفي آخره: فنزلت: {وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}. وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٨٤). أما رفع عبارة (والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم) إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم نجد له طريقًا غير طريق ابن إسحاق المرسل الضعيف الآنف الذكر والله أعلم. لقد ذكرنا الرواية (٢/ ٤٤٩ / ٤٥٠/ ٤٥١) س ١٣٠ في قسم الضعيف لضعف الإسناد إلى ابن إسحاق ووجود مبهم في طريق ابن إسحاق كذلك، ولم نجد لمتنه الطويل ما يؤيده إلّا أن طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أصحابه أن يأسروا بعضًا من مقاتلي بني هاشم بدلًا من قتلهم يؤيده ما أخرجه أحمد في المسند عن علي رضي الله عنه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر: من استطعتم أن تأسروا من بني عبد المطلب فإنهم خرجوا كرهًا (١/ ٨٩ / ح ٦٧٨) وصحح العلامة شاكر إسناده (٢/ ٧٦ / ٧٧). وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات (المجمع ٦/ ٨٥).
٩٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: حدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزُّبَيْر، عن أبيه، قال: وحدّثني أيضًا عبد الله بن أبي بكر، وغيرهما، عن ، قال: كان لي صَديقًا بمكّة - وكان اسمي عبد عمْرو، فسمِّيتُ حين أسلمتُ: "عبد الرحمن" ، ونحن بمكة - قال: فكان يلْقانِي ونحن بمكّة، فيقول: يا عبدَ عمرو، أرغِبْت عن اسم سمَّاكَه أبوك؟ فأقول: نعم، فيقول: فإنّي لا أعرف "الرحمن" ؛ فاجعل بيني وبينك شيئًا أدعوك به؛ أما أنتَ فلا تجيبني باسمك الأوّل، وأمّا أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. قال: فكان إذا دعاني: "يا عبد عمرو" ، لم أجبه، فقلت: اجعل بيني وبينك يا أبا عليّ ما شئت، قال: فأنت "عبد الإله" ، فقلت: نعم، فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الإله، فأجيبه، فأتحدّث معه؛ حتى إذا كان يومُ ، مررت به وهو واقف مع ابنه عليّ بن أميَّة، آخذًا بيده، ومعي أدراعٌ قد استلبتُها، فأنا أحملها. فلمّا رآني قال: يا عبد عمرو! فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله، قلت: نعم، قال: هل لك فيّ، فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟ قال: قلت: نعمْ، هلُمَّ إذًا. قال: فطرحتُ الأدراع من يدي وأخذت بيده ويد ابنه عليّ، وهو يقول: ما رأيتُ كاليوم قطّ! أما لكم حاجة في اللّبن! قال: ثم خرجت أمشي بهما ١ . (٢: ٤٥١/ ٤٥٢) .
- ١إسناده ضعيف وسنتحدث عنه بعد الرواية التالية.
٩٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني عبد الواحد بن أبي عوْن، عن سعد بن إبراهيم بن ، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال لي وأنا بينه وبين ابنه، مَن الرجل منكم، المعْلم بريشة نعامة في صدره؟ قال: قلت: ذاك ، قال: ذاك الذي فَعل بنا الأفاعيل! قال عبد الرحمن: فوالله إنّي لأقودهما إذْ رآه بلال معي - وكان هو الذي يعذّب بلالًا بمكّة على أن يترك الإسلام فيخرجُه إلى رَمْضاء مكة إذا حميَتْ، فيضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزالُ هكذا حتى تفارقَ دين محمد، فيقول بلال: أحدٌ أحَدٌ - فقال بلال حين رآه: رأس الكفر أميّة بن خَلف، لا نجوتُ إن نَجَوْتَ؛ قال: قلت: أي بلال، أسيرَيّ! قال: لا نجوتُ إن نجا. قال: قلت: تسمَع يا بن السوداء! قال: لا نجوتُ إن نجَا، ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصارَ الله، رأس الكفر أمية بن خلَف، لا نجوتُ إن نجا! قال: فأحاطوا بنا، ثم جعلونا في مثل المسَكَة وأنا أذُبُّ عنه؛ قال: فضرب رجلٌ ابنه فوقع. قال: وصاح أميّة صيحة ما سمعت بمثلها قطّ. قال: قلتُ: انجُ بنفسك، ولا نجاءَ؛ فوالله ما أغني عنك شيئًا. قال: فهبرُوهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما. قال: فكان عبد الرحمن يقول: رحم الله بلالًا! ذهبت أدراعي وفجعني بأسيريَّ ١ . (٢: ٤٥٢/ ٤٥٣) .
- ١إسناده ضعيف والخبر أخرجه ابن هشام في السيرة من طريق ابن إسحاق وصحح الشيخ العلي إسناده في حاشية صحيح السيرة (٢/ ١٧٨) والأولى أن يقال: حسن الإسناد فالمعروف من = = رواية ابن إسحاق عند أئمة الحديث تحسين حديثه إذا صرّح بالتحديث وكذلك فعل في هذه الرواية (وتصحيحه سهو من الشيخ الفاضل وإلا فلا يخفى عليه ما ذكرنا من تحسين رواية ابن إسحاق كما هو واضح في تحقيقه لروايته من طريق عبد الواحد بن عوف ويؤيد ما عند ابن هشام والطبري ما أخرجه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: كاتبت أمية بن خلف كتابًا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت (الرحمن) قال: لا أعرف الرحمن كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته (عبد عمرو) فلما كان في يوم بدر خرجت إلى جبل لأحرزه حين نام الناس، فأبصره بلال فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار فقال: أمية بن خلف لا نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لأشغلهم فقتلوه، ثم أبوا حتى يتبعونا - وكان رجلًا ثقيلًا فلما أدركونا قلت له: ابرك فبرك فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتجللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه، وكان عبد الرحمن بن عوف يريه ذلك الأثر في ظهر قدمه). (صحيح البخاري كتاب الوكالة باب إذا وكل المسلم حربيًّا في دار الحرب ح ٢٣٠١) والحديث أخرجه مسلم كذلك (ح ١٧٠٢).
١٠٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمد: وحدّثني ثور بن زيد مولى بني الدِّيل، عن عكْرمة مولى ابنِ عبَّاس، عن ابن عبَّاس قال: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر، قالا: كان مُعاذ بن عمرو بن الجَمُوح أخو بني سَلمة يقول: لما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عدوّه، أمرَ بأبي جهل أن يلتَمس في القتلى، وقال: اللهمّ لا يعجزنّك، قال: فكان أوّل مَنْ لقِيَ أبا جهل معاذ بن عمرو بن الجموح، قال: سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرَجة وهم يقولون: أبو الحكَم لا يُخْلَص إليه. فلما سمعتها جعلته من شأني، فصَمدْت نحوه، فلمّا أمكنني حملتُ عليه فضربته ضربة أطنَّت قدَمه بنصف ساقه؛ فوالله ما شَبَّهتُها حين طاحت إلا النّواة تَطيح من تحت مِرْضَخةِ النّوى حين يُضرب بها. قال: وضربني ابنُه عِكْرمة على عاتقي؛ فطرح يدي، فتعلقت بجلْدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه؛ فلقد قاتلت عامَّة يومي، وإني لأسحبها خلْفِي؛ فلما آذتْني جعلت عليها رجلي، ثم تمَطَّيت بها، حتى طرحتُها. قال: ثم عاش مُعاذ بعد ذلك، حتى كان في زمن . قال: ثم مرّ بأبي جهل -وهو عقير- مُعَوّذ بن عفراء، فضربه حتى أثبتَه؛ فتركه وبه رمق؛
وقاتل معوّذ حتى قُتل، فمرّ عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُلتَمس في القتلى، وقد قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني-: انظروا إنْ خفِيَ عليكم في القتلى إلى أثر جُرْح بركبتهِ؛ فإني ازدحمت أنا وهو يومًا على مأدُبة لعبد الله بن جُدعان؛ ونحن غلامان؛ وكنت أشفَّ منه بيسير؛ فدفعته، فوقع على ركبتيه، فجُحِشَ في إحداهما جَحْشًا لم يزل أثرُه فيه بعد. قال عبد الله بن مسعود: فوجدته بآخر رَمَق، فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه. قال: وقد كان ضَبَثَ بي مرّة بمكة، فآذاني ولكزَني. ثم قلت: هل أخزاك الله يا عدوّ الله! قال: وبماذا أخزاني! أعْمَدُ من رجل قَتلتموه؟ ! أخبرني لمن الدَّبْرَة [اليوم] قال: قلت: لله ولرسوله ١ . (٢: ٤٥٤/ ٤٥٥) .
- ١إسناده ضعيف وأصل قصة مقتل أبي جهل في صحيح البخاري في عدة مواضع فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر: من ينظر ما صنع أبو جهل؟ فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضرباه أبناء عفراء حتى برد، فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ قال: وهل فوق رجل قتله قومه أو قال قتلتموه (صحيح البخاري كتاب المغازي باب قتل أبي جهل ح ٣٩٦٣). والحديث أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الجهاد ح ١٨٠٠). وأخرجه البخاري كذلك بأطول من روايته السابقة (صحيح البخاري كتاب الخمس باب من لم يخمس الأسلاب). ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٨٣) كما عند الطبري ورواه غيرهم. ورواه ابن هشام في السيرة (٢/ ٣٣٢ / تحقيق همام) من طريق محمد بن إسحاق بسند حسن والله تعالى أعلم.
١٠١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق: وزعم رجال من بني مخزوم أنّ ابن مسعود، كان يقول: قال لي أبو جهل: لقد ارتقيتَ يا رُوَيعيَ الغنم مرتقىً صعبًا! ثم احتززتُ رأسه؛ ثم جئت به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسولَ الله، هذا رأس عدوّ الله أبي جهل، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: آللهِ الذي لا إله غيره! - وكانت يمينَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قلتُ: نعم؛ والله الذي لا إله غيره، ثم ألقيتُ رأسه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: فحمد الله ١ [٢: ٤٥٥/ ٤٥٦] .
- ١إسناده ضعيف ولكن أخرج الطبراني (ح / ٨٤٦٨) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أدركت أبا جهل يوم بدر صريعًا فقلت: أي عذو الله قد أخزاك الله؟ قال: وبمَ أخزاني من = = رجل قتلتموه، ومعي سيف لي، فجعلت أضربه ولا يحتك فيه شيء ومعه سيف له جيد، فضربت يده فوقع السيف من يده فأخذته، ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه، ثم أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فقال: الله الذي لا إله إلا هو، قلت: الله الذي لا إله إلا هو. قال: فانطلق فاستثبت فانطلقت وأنا أسعى مثل الطائر ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك فأخبرته فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: انطلق. فانطلقت معه فرأيته فلما وقف عليه - صلى الله عليه وسلم - قال: هذا فرعون هذه الأمة. وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن وهب بن أبي كريمة وهو ثقة (مجمع الزوائد ٦/ ٧٩).
١٠٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن محمّد بن إسحاق، قال: وحدّثني يزيد بن رُومان عن ، عن عائشة، قالت: لما أمرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقتلى أن يُطرَحوا في القَلِيب طُرحوا فيه؛ إلّا ما كان من ؛ فإنه انتفخ في دِرْعه حتى ملأها، فذهبوا ليحرّكوه، فتزايلَ لحمه فأقرّوه، وألقوا عليه ما غيَّبه من التراب والحجارة، فلما ألقاهم في القَلِيب، وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم، فقال: ما وَعَدَكم وعدني ربي حقًّا. فقال له أصحابه: يا رسولَ الله، أتكلّم قومًا موتَى! قال: لقد علموا أن ما وعدتُهم حقّ، قالت عائشة: والناس يقولون: "لقد سمعوا ما قلت لهم" ، وإنّما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد علموا" ١ . (٢: ٤٥٦) .
- ١إسناده ضعيف وهو حديث صحيح أخرجه ابن هشام بسند حسن من طريق ابن إسحاق قال: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة (كما عند الطبري) - (السيرة النبوية ٢/ ٣٣٩) بتحقيق همام وأبو صعيليك، وأخرج البخاري في صحيحه عن قتادة عن أنس بن مالك عن أبي طلحة أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش فقذفوا في طويٍّ من أطواء بدر خبيث مخبث وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا ما ترى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفة الركيِّ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا. قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونقيمة وحسرة وندمًا (صحيح البخاري كتاب المغازي ح ٣٩٧٦) والحديث رواه مسلم في صحيحه (باب عرض مقعد = = الميت / ٤/ ٢٢٠٣ / ح ٢٨٧٤) وأحمد في مسنده (٣/ ١٠٤) وغيرهم، والله أعلم.
١٠٢ / أ- حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق. قال: وحدّثني حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: سمع أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يقول من جوف الليل: يا أهلَ القلِيب، يا ، يا ، يا ، يا أبا جهل بن هشام - فعدَّدَ مَنْ كان معهم في القَلِيب - حقًّا؟ فإني قد وجدتُ ما وعدني ربِّي حقًّا! قال المسلمون: يا رسولَ الله؛ أتنادي أنتم بأسمعَ لما أقول منهم؛ ولكنَّهم لا يستطيعون أن يجيبوني ١ . (٢: ٤٥٦/ ٤٥٧) .
- ١إسناده ضعيف والحديث صحيح أخرجه ابن هشام في السيرة من طريق ابن إسحاق هذا وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث فإسناده حسن. وأخرج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك قتلى بدر ثلاثًا ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال: يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا. فسمع عمر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا؟ ! قال: (والذي نفسي بيده ما أنتم بإسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا). ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر، (صحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ح ٢٨٢٤) والحديث رواه أحمد في المسند (٣/ ٢٨٧). وقد سبق أن ذكرنا روايات أخرى عند الحديث عن سند الرواية السابقة (٢/ ١٠١).
١٠٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني وغيره من أصحابنا، عن مكحول، عَنْ أبي أمامة الباهليّ، قال: سألت عبادة بن الصّامت عن الأنفال، فقال: حين اختلفنا في النَفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسوله، فقسَّمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المسلمين عن بَواء - يقول على السوَاء - فكان في ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله، وصلاح ذات البين ١ . (٢: ٤٥٨) .
- ١إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وأخرجه ابن هشام في السيرة من طريق ابن إسحاق وقد صرّح بالتحديث وسنده حسن وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٢٦) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والله أعلم.
١٠٤ - قال: ثمّ بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الفتح عبدَ الله بن رواحة بشيرًا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة. قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر حين سوّينا التّراب على رقيَّة بنت رسولالله - صلى الله عليه وسلم - التي كانت عند ، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلفني عليها مع عثمان. قال: ثم قدم زيد بن حارثة فجئته وهو واقف بالمصلّى قَد غَشيهُ الناس وهو يقول: قُتِل ، ، وأبو جهل بن هشام، ، وأبو البَختريّ بن هشام، ، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج. قال: قلت: يا أبهْ أحقٌّ هذا! قال: نعم والله يا بُنيَّ. ثم أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قافلًا إلى المدينة؛ فاحتمل معه النَّفَل الذي أصيب من المشركين، وجعل على النَّفَلِ عبد الله بن كعب بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن مازن بن النَّجار. ثم أقبلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا خرج من مضيق الصَّفْراء، نزل على كَثيِب بين المضيق وبين النازية -يقال له سَيَر- إلى سَرْحة به، فقسَّم هنالك النَّفَل الَّذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السَّواء، واستُقيَ له من ماء به يقال له الأرواق ١ . (٢: ٤٥٨/ ٤٥٩) .
- ١ذكر الطبري هذه الرواية مبدوءًا بقوله (قال) وأغلب الظن أنه يشير إلى طريق ابن إسحاق السابق (١٠٣) عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلف عثمان بن عفان وأسامة بن زيد علي بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبشارة قال أسامة: فسمعت الهيعة فخرجت فإذا زيد قد جاء بالبشارة فوالله ما صدقت حتى رأينا الأسارى وضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعثمان بسهمه) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي وأخرجه البيهقي في السنن (٩/ ١٧٤). وصحح العليّ إسناده (صحيح السيرة ١٨٨ الحاشية).
١٠٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة قال: قال محمد بن إسحاق: كما حدّثني بعضُ أهل العلْم من أهل مكة؛ قال: ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى إذا كان بعرْق الظّبية، قتل ، فقال حين أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُقتل: فمنْ للصبية يا محمد! قال: النار، قال: فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاريّ؛ ثم أحد بني عمرو بن عوف ١ . (٢: ٤٥٩) .
- ١إسناده ضعيف ولكن قوله: (فقال حين أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقتل: فمن للصبية يا محمد؟ ! قال: النار) جاء من طريقين صحيحين: الأول: أخرجه أبو داود في سننه -باب في قتل الأسير صبرًا- (ح ٢٦٨٦) عن مسروق قال لابن عقبة بن أبي معيط: حدثنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وكان غير كذاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بعنق أبيك أن تضرب صبرًا، ثم مر به فقال: من للصبية بعدي؟ قال: لهم النار، حسبك ما رضي لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وكذلك ذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات. (مجمع الزوائد ٦/ ٥٩). والثاني: رواه الطبراني في المعجم الكبير (ح ٥٢/ ١٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسارى بدر وكان فداء كل رجل منهم أربعة آلاف - وقتل عقبة بن أبي معيط قبل الفداء قام إليه علي بن أبي طالب فقتله صبرًا، قال: من للصبية يا رسول الله؟ قال: النار. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٨٩).
١٠٦ - قال: كما حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمَّار بن ياسر، قال: ولما انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عِرْق الظبية حين قتل عُقبة لَقيَه أبو هند مولى فَرْوة بن عمرو البَيَاضيّ بحَميت مملوء حَيسًا، وكان قد تخلَّف عن ، ثم شهد المشاهد كلّها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان حجَّام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما أبو هند امرؤٌ من الأنصار، فأنكحوه وأنكحوا إليه، ففعلوا. ثم مضَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قدِم المدينة قبل الأسارى بيوم ١ . (٢: ٤٥٩/ ٤٦٠) .
- ١إسناده ضعيف ولكن أخرج أبو داود في سننه -كتاب النكاح باب في الأكفاء ... وفيه: (إنما أبو هند رجل من الأنصار) وحسن الشيخان (همّام وأبو صعيليك) حديث أبي داود هذا والله تعالى أعلم. ذكرنا الرواية (٢/ ٤٦٠ / ١٣٨) في قسم الضعيف ومتنه كذلك سوى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (استوصوا في الأسارى خيرًا فقد قال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن (مجمع الزوائد ٦/ ٨٦) والله أعلم. (٢/ ٤٦٠ - ٤٦١): إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وقد ذكره ابن إسحاق عن نبيه بن وهب وهذا إسناد مرسل إلّا أن الطبراني رواه من طريق ابن إسحاق موصولًا، فقد أخرجه في الكبير (٢٢/ ٣٩٣) والصغير (١/ ٢٥٠) من حديث محمد بن إسحاق حدثني نبيه بن وهب عن أبي عزيز أخي مصعب بن عمير قال: كنت في الأسارى يوم بدر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: استوصوا = = بالأسارى خيرًا، وكنت في نفر من الأنصار وكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني الخبز بوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياهم. وقال الطبراني: لا يروى عن أبي عزيز بن عمير إلّا بهذا الإسناد تفرّد به محمد بن إسحاق (المعجم الصغير ١/ ٢٥٠). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٦) وفيه: (أكلوا التمر وأطعموني البر لوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) ثم قال الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير والكبير وإسناده حسن، وليس في روايتي الطبراني عبارة: (شدّ يديك به فإن أمه ذات متاع لعلها أن تفتديه منك). والله أعلم.
١٠٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني الحسنُ بن عُمارة، عن الحكم بن عتيبة بن مقْسَم، عن ابن عبّاس، قال: كان الذي أسر العبَّاس أبو اليَسَر كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليَسَر رجلًا مجموعًا، وكان العبَّاس رجلًا جسيمًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي اليَسَر: كيف أسرت العباس يا أبا اليَسَر؟ فقال: يا رسولَ الله؛ لقد أعانني عليه رجلٌ مارأيته قبلَ ذلك ولا بعده؛ هيئته كذا وكذا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد أعانك عليه مَلك كريم ١ . (٢: ٤٦٣) .
- ١إسناده ضعيف ولكن يؤيده ما أخرج أحمد في مسنده. (ح ١٨٦٠١) عن أبي إسحاق عن البراء أو غيره قال: جاء رجل من الأنصار بالعباس قد أسره، فقال العباس: يا رسول الله ليس هذا أسرني، أسرني رجل من القوم أنزع من هيئته كذا وكذا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للرجل: (لقد آزرك الله بملك كريم). وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (المجمع ١/ ٦ / ٨٥). وأخرج أحمد في مسنده (ح / ٩٥٠) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي رضي الله عنه قال: لما قدمنا المدينة .... الحديث الطويل وفي آخره: فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا فقال العباس: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله فقال: اسكت فقد أيدك الله بملك كريم فقال علي رضي الله تعالى عنه: فأسرنا وأسرنا من بني عبد المطلب العباس وعقيلًا ونوفل بن الحارث، وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة (المجمع ٦/ ٧٦).
١٥٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمّد بن إسحاق، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للعبّاس بن عبد المطلب حين انتهى به إلى المدينة: يا عبَّاس، افد نفسَك وابني أخيك ، جَحْدم، أخا بني الحارث بن فهر، فإنك ذو مال. فقال: يا رسولَ الله؛ إنّي كنتُ مُسْلِمًا؛ ولكنّ القوم استكرهوني، فقال: الله أعلم بإسلامك؛ إن يكن ما تذكر حقًّا فالله يجزيك به، فأمَّا ظاهرُ أمرك فقد كان علينا، فافْدِ نفسَك - الله عليه وسلم - قد أخذ منه عشرين أوقيَّة من ذهب - فقال العبَّاس: يا رسولَ الله، احسبها لي في فدائي، قال: لا؛ ذاك شيء أعطاناه الله عزّ وجلّ منك، قال: فإنَّه ليس لي مال. قال: فأين المال الذي وضعتَه بمكة حيث خرجتَ من عند أم الفضل بنت الحارث، ليس معكما أحد. ثم قلتَ لها: إن أصبتُ في سفري هذا فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، ولِقُثَم كذا وكذا، ولعبيد الله كذا وكذا! قال: والَّذي بعثَك بالحقّ ما علِمَ هذا أحد غيري وغيرها؛ وإني لأعلم أنك رسول الله، ففدَى العبَّاس نفسَه وابني أخيه وحليفَه ١ . (٢: ٤٦٥/ ٤٦٦) .
- ١إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وفي طريق ابن إسحاق الكلبي اتهم بالكذب، ولكن أصل القصة في فداء العباس صحيح، وقال في مجمع الزوائد عن عباس الحديث وفيه {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} فقال العباس: فيّ والله نزلت حين أخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي وجدت معي فأعطاني بها عشرين عبدًا كلهم تاجر بمالٍ في يده مع ما أرجو من مغفرة الله جل ذكره. قلت (أي الهيثمي): في الصحيح بعضه، رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار ورجال الأوسط رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرّح بالسماع، (مجمع الزوائد ٧/ ٢٨). قلنا: والحديث صحح ابن حجر إسناده (المطالب العالية / ٤٣٠٠) والحديث أخرجه الطبري في التفسير (١٤/ ٧٣).
١٩٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمَة، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبَّاد، عن عائشة زوْج النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قالت: فداء أُسَرَائهم، بعثت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فداء بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتْها بها على أبي العاص حين بَنَى عليها. قالت: فلمَّا رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رقّ لها رِقَّةً شديدةً، وقال: إن رأيتم أن الذي لها فافعلوا! فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلَقُوه ورَدُّوا عليها الذي لها.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أخذَ عليه -أو وَعَدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخلّيَ سبيلَ زينب إليه، أو كان فيما شَرَط عليه في إطلاقه؛ ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيعلم ما هو! إلّا أنَّه لما خرج أبو العاص إلى مكَّة وخُلِّيَ سبيلُه، بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيدَ بن حارثة ورجلًا من الأنصار مكانه، تمرَّ بكما زينب فتصحباها، وذلك بعد بشهر أو شَيعه. فلما قدِم أبو العاص مكَّة أمرها باللحوق بأبيها؛ فخرجت تجهّز ١ . (٢: ٤٦٨/ ٤٦٩) .
- ١إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وأخرجه أبو داود في سننه (٣ / ح ٢٦٩٢ باب فداء الأسير) من طريق محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عبّاد بن عبد الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما بعث أهل مكة ... الحديث. وإسناده حسن. وفي آخره: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ عليه أو وعده أن يخلّي سبيل زينب إليه، وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار فقال: كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها - وأخرجه أحمد بأوجز منها (المسند ٦/ ٣٧٦) وجوّد الساعاتي إسناد ابن إسحاق (الفتح الرباني ١٤/ ١٠١) ورواية ابن إسحاق هذا في السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦٥٣) والله أعلم.
١١٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال حدَّثنا سلمة بن الفضل، قال: قال محمّد بن إسحاق، حدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن ، قاله: جلس الجُمحيّ مع بعد مصاب أهل من قريش بيسير في الحِجر -وكان عُمير بن وهب شيطانًا من شياطين قريش، وكان ممن يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ويلْقَوْن منه عناء وهم بمكَّة، وكان ابنُه في أسارَى بَدْر- فذكر أصحاب القَليب ومصابهم، فقال صفوان: والله إنْ في العيش خير بعدهم، فقال عُمَير: صدقت والله! أما والله لولا دين عليّ ليس له عندي قضاء وعيالٌ أخْشى عليهم الضَّيعة بعدي، لركبت إلى محمَّد حتى أقتله، فإنَّ لي قِبَلهم علَّةً، ابني أسيرٌ في أيديهم.
فاغتنمها ، فقال: عليَّ دينُك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقُوا، لا يَسعُني شيء ويعجز عنهم، قال عمير: فاكتُم عليّ شأني وشأنك: قال: أفعل. قال: ثمّ إنّ عميرًا أَمر بسيفه فشُحِذ له وسُمّ، ثم انطلق حتى قدِم المدينة، فبينا في نفر من المسلمين في المسجد يتحدّثون عن يوم ، ويذكرون ما أكرمهم الله عزّ وجلّ به، وما أراهم في عَدُوّهم؛ إذ نظر عمر إلى حين أناخ بعيره على باب المسجد، متوشِّحًا السيف، فقال: هذا الكلب عدُوّ الله عمير بن وهب، ما جاء إلا لشَرّ! وهو الذي حرّش بيننا، وَحَزَرَنا للقوم يوم بدر. ثمَّ دخل عمر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا نبيّ الله، هذا عدوُّ الله عُمير بن وهب قد جاء متوشّحًا سيفه، قال: فأدْخِله عليَّ. قال: فأقبل عُمَر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه، فلبّبه بها، وقال لرجال ممَّن كان معه من الأنصار: ادخُلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فاجلسوا عنده، واحذروا هذا الخبيث عليه، فإنه غير مأمون. ثم دخل به على رسول الله. - صلى الله عليه وسلم - فلمّا رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمر آخذ بحمالة سيفه، قال: أرسلْه يا عمر، ادْنُ يا عمير، فدَنا ثم قال: أنعِمُوا صبَاحًا - وكانت تحيّة أهل الجاهليّة بينهم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قد أكرمنا الله بتحجَّة خير من تحيَّتك يا عمير؛ بالسَّلام تحيَّة أهل الجنّة، قال: أما والله يا محمد إن كنْت لحديث عَهد بها. قال: ما جاء بك يا عُمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم، فأحسنوا فيه. قال: فما بالُ السَّيف في عنقك! قال: قَبحها الله من سيوف! وهل أغنت شيئًا! قال: اصدُقْني بالذي جئتَ له، قال: ما جئت إلّا لذلك، فقال: بلى، قعدتَ أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر، فذكرتما أصحاب القَلِيب من قريش، ثم قلت: حتى أقتُلَ محمدًا، فتحمَّل لك صفوان بدينِك وعيالك، على أن تقتلني له. والله عزَّ وجلَّ حائل بيني وبينك. فقال عمير: أشهدُ أنك رسول الله؛ قد كنَّا يا رسولَ الله نكذّبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي؛ وهذا أمرٌ لم يَحضره إلّا أنا وصفوان؛ فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله؛ فالحمد لله الَّذِي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم تشهّدَ شهادة الحقّ؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فَقِّهُوا أخاكم في دينه، وأقرئوه وعَلَّموه القرآن، وأطلقوا له أسيرَه. قال: فَفَعَلُوا، ثم قال: يا رسول الله، إني كنت جَاهِدًا في إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله؛ وإنّي أحبّ أن تأذن لي فأقدَم مكَّة فأدعُوهم إلى الله وإلى الإسلام؛ لعلّ الله أن يهديَهم! وإلا آذيتُهم في دينهم كما كنتُ أوذِي أصحابك في دينهم. قال: فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلحق بمكَّة، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش: أبشروا بوقْعَةٍ تأتيكم الآن في أيام تنْسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قَدِم راكب فأخبره بإسلامه، فحلف ألّا يكلّمه أبدًا ولا ينفعه بنفعٍ أبدًا. فلما قدم عُمير مكَّة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذي مَنْ خالفه أذىً شديدًا فأسلم على يديه أناس كثير ١ . (٢: ٤٧٢/ ٤٧٣ / ٤٧٤) .
- ١إسناده مرسل ضعيف وأخرجه ابن هشام في السيرة (١/ ٦٦١) من طريق ابن إسحاق عن عروة (وهو مرسل صحيح) وله طريق مرسلٌ آخر عن ابن شهاب أخرجه موسى بن عقبة في مغازيه كما قال الحافظ في الإصابة (٣/ ٣٦). وذكر الحافظ طريقًا آخر لهذا الحديث موصولًا عند ابن مندة (من طريق أبي الأزهر عن عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني عن أنس أو غيره). والطبراني وقال: لا أعلمه إلّا عن أنس بن مالك (الإصابة ٣/ ٣٧). قلنا: وفي إسناد ابن مندة ضعف لأن أبا الأزهر تُكُلِّمَ في حفظه (وهو صدوق) فقد وضعنا أمثال هذه الروايات في الصحيح لتعدد مخارج المرسل الصحيح ووجود طريق آخر موصول ضعيف وخاصة فيما يتعلق بقصص إسلام الصحابة. ولقد تحدثنا عن الشروط في ذلك بما فيه الكفاية عند حديثنا عن إسلام عدد من الأنصار على يد الصحابي الجليل مصعب بن عمير في المدينة المنورة قبل مجيء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهجرته المباركة إلى المدينة والله أعلم.
١١١ - فلما انقضى أمرُ ، أنزل الله عزّ وجل فيه من القرآن الأنفَال بأسْرِها. حدَّثنا أحمدُ بن منصور، قال: حدَّثنا عاصم بن عليّ، قال: حدَّثنا عِكْرمة بن عمار، قال: حدَّثنا أبو زُمَيل، قال: حدّثني ؛ حدّثني ، قال: لمَّا كان يوم بدر التقوْا، فهزم الله المشركين، فقتِل منهم سبعون رجلًا، وأسِرَ سبعون رجلًا، فلمَّا كان يومئذ شاوَرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر وعليًّا وعمر، فقال أبو بكر: يا نَبِيَّ الله، هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان؛ فإني أرَى أن تأخذ منهم الفِدْيَة؛ فيكون ما أخذنا منهم قوّة، وعسى الله أن يهديَهم، فيكونوا لنا عَضُدًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما ترى يا بن الخطاب؟ قال: قلتُ: لا والله، بكر، ولكني أرى أن تمكِّنني من فلان فأضربَ عنقه، وتمكِّن حمزة من أخ له فيضرب عنقه، وتمكِّن عليًّا من عَقِيل فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هَوَادَة للكفَّار؛ هؤلاء صناديدهم وقادتهم وأئمّتهم. قال: فهوي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلت أنا، فأخذ منهم الفِداء، فلمَّا كان الغدُ قال عمر: غدوتُ إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهو قاعِدٌ وأبو بكر، وإذا هما يبكيان، قال: قلت: يا رسول الله أخْبِرْني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإن لم أجِدْ تباكيتُ لبُكائكما. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: للَّذِي لقد هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿﴾ ؛ ثم أحلّ لهم الغنائم.
فلمَّا كان من العام القابل في أحُد عُوقِبُوا بما صنعوا، قُتِل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعون، وأسر سبعون، وكسرت رباعِيّتُهُ وهُشِمَتِ البَيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، وفرَّ أصحابُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وصعدوا الجبل، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية: ﴿ مِثْلَيهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ، ونزلت هذه الآية الأخرى: ﴿ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿﴾ ١ . (٢/ ٤٧٤ / ٤٧٥) . قال: وفي غزوة انتفَل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيفه ذا الفَقَار، وكان لمُنَبّه بن الحجاج ٢ . (٢/ ٤٧٨) . قال أبو جعفر: ومات في هذه السنة -أعني سنة اثنتين من الهجرة- في ذي الحجَّة ، فدفنَه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبقيع، وجعل عند رأسه حَجَرًا علامة لقبره ٣ . (٤٨٥: ٢) .
- ١إسناده حسن والحديث إلى قوله (ثم أحل لهم الغنائم) أخرجه مسلم في صحيحه (باب الإمداد بالملائكة/ ح ١٧٦٣) وأحمد في مسنده (١/ ٣٠) وأخرجه الحاكم مختصرًا في المستدرك (٢/ ٣٢٩) وصحح إسناده وقال الذهبي: على شرط مسلم - والله أعلم.
- ٢قلنا: ذكر الطبري هذه العبارة بلا إسناد ولكن جاء في بداية الحديث الذي أخرجه الترمذي والبيهقي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما: (تنفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الله عليه وسلم - سيفه ذا الفقار يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد ... الحديث) الحاكم (٢/ ٢٢١) وصححه = = وأخرجه الترمذي (ح ١٥٦١) وقال: حسن غريب وصحح الساعاتي إسناده (الفتح الرباني ١٧/ ٢٢١).
- ٣صحيح.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،