غزوة بنى قريظة في سنة خمس
بعد بني قريظة، سنة ٥هـ، وعمره ﷺ ٥٧
غزوة رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، إلى بنى قريظة
ثمّ غزوة رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بنى قُريظة فى ذى القعدة سنة خمس من مُهَاجَره. قالوا: لمّا انصرَفَ المشركون عن الخندق ورجع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فدخل بيت عائشة أتاه جبريل فوقفَ عند موضع الجنائز فقال: عَذِيرَك من مُحارِب! فخرَج إليه رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَزِعًا فقال: إنّ الله يأمرك أن تسير إلى بنى قُريظة فإنّى عامدٌ إليهم فمزلزلٌ بهم حُصونهم. فدعا رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عَلِيًّا، رضى الله عنه، فَدَفَع إليه لواءه وبعث بلالًا فنادى فى النّاس: إِنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يأمركم ألَّا تُصلوا العصر إلّا فى بنى قُريظة (٢) .
واستخلف رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، على المدينة عبد الله بن أُمّ مكتوم ثمّ سار إليهم فى المسلمين وهم ثلاثة آلاف والخيل ستّة وثلاثون فرسًا، وذلك يومَ الأربعاء لسبعٍ بقين من ذى القعدة، فحاصَرهم خمسةَ عشرَ يومًا أشدّ الحصار ورموا بالنبل فانجحروا فلم يطلع منهم أحد، فلمّا اشتدّ عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَرْسِلْ إلينا أبا لُبابة بن عبد المُنْذِر. فأرسَلَه إليهم فشاوَروه فى أمرهم فأشار إليهم بيده أنّه الذّبح ثمّ ندم فاسترجع وقال: خُنتُ اللهَ ورسولَه! فانصرفَ فارتبط فى المسجد ولم يأتِ رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حتى أنزلَ الله توبته.
ثمّ نزلوا على حكم رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فأمر بهم رسولُ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، محمد ابن مسلمة فكُتفوا ونُحّوا ناحيةً وأُخرج النساء والذرّيّة فكانوا ناحيةً، واستعمل عليهم عبدَ الله بن سَلام وجَمَعَ أمتعَتَهُم وما وجد فى حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب فوُجد فيها ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفا رمح وألف وخمسمائة ترس وحَجَفة (١) وخمرٌ وجرَارُ سَكَرٍ فأهرِيق ذلك كلّه ولم يُخَمَّس، ووجدوا جمالًا نواضحَ وماشيةً كثيرة (٢) .
وكلّمت الأوس رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أن يهبهم لهم. وكانوا حلفاءهم، فجعل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الحكم فيهم إلى سعد بن مُعاذ فحكم فيهم أن يُقتَل كلّ من جَرَت عليه المَواسى وتُسبَى النساء والذريّة وتُقسَم الأموال. فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لقد حَكَمتَ بحكم الله من فوق سبعة أرْقعة. وانصرف رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يوم الخميس لسبع ليالٍ خَلَون من ذى الحجّة ثمّ أمر بهم فأدْخلوا المدينة وحفر لهم أخدودًا فى السوق وجلَس رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ومعه أصحابه وأُخرجوا إليه رَسْلًا رَسْلًا (٣) فضُرِبت أعناقهم فكانوا ما بين ستّمائة إلى سبعمائة. وأصطَفى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، رَيحانة بنت عَمرو لنفسه وأمرَ بالغنائم فجُمعت فأخرج الخمس من المتاع والسبى، ثمّ أمر بالباقى فبيع فى مَن يزيد وقسمه بين المسلمين، فكانت السّهمان على ثلاثةِ آلاف واثنين وسبعين سهمًا، للفَرس سهمان ولصاحبه سهمٌ، وصار الخمس إلى مَحميَة بن جَزْء الزّبَيدى فكان رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يُعتقُ منه ويهب منه ويُخدم منه مَن أراد، وكذلك صنع بما صار إليه من الرِّثّة.
أخبرنا كثير بن هشام، أخبرنا جعفر بن بُرْقان، أخبرنا يزيد، يعنى ابن الأصمّ، قال: لمّا كشَفَ اللهُ الأحزاب ورجع النبىّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلى بيته فأخذ يغسل رأسه أتاه جبريل، عليه السلام، فقال: عَفَا الله عنك! وضعتَ السّلاحَ ولم تَضَعه ملائكَةُ الله، ائتنا عند حصن بنى قُريظة: فنادى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فى النّاس أن ائتُوا حصنَ بنى قُريظة. ثمّ اغتسل رَسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فأتاهم عند الحصن.
أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان النّهدى، أخبرنا جُويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر أنّ الأحزاب لمّا انصرفوا نادى فيهم، يعنى النبىّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا يصلين أحدٌ الظُّهر إلّا فى بنى قُريظة: فتخوّف ناسٌ فَوْتَ الصّلاةِ فصَلُّوا وقال آخرون: لا نُصلّى إلّا حيث أمرنا رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وإن فاتَ الوقت، قال: فما عنف رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، واحدًا من الفريقين.
أخبرنا شهاب بن عَبّاد العَبدى، أخبرنا إبراهيم بن حُميد الرّؤاسىّ عن إسماعيل بن أبى خالد عن البَهىّ (١) وغيره أن النبىّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لمّا أتى قُريظة ركب على حمار عُرْىٍ والنّاس يمشون.
أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا جرير بن حازم عن حُميد عن أنس بن مالك قال: كأنّى أنظر إلى الغُبار ساطعًا فى زُقاق بنى غَنم موكب جبريل، عليه السلام، حين سار رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلى بنى قُريظة.
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا عبد العزيز بن أبى سَلمة أخبرنى عمّى الماجشُون قال: جاء جبريل، عليه السلام، إلى رسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يوم الأحزاب على فرس عليه عمامةٌ سوداء قد أرخاها بين كتفيه، على ثناياه الغُبارُ وتحته قطيفةٌ حمراء، فقال: أوَضَعْتَ السّلاحَ قبل أن نضَعه؟ إنّ الله يأمرك أن تسير إلى بنى قُريظة.
أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حمّاد بن زيد عن يحيَى بن سعيد عن سعيد ابن المسيّب قال: حاصَر نبىّ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بنى قُريظة أربع عشرة ليلة.
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا سفيان وأخبرنا عمرو بن الهَيْثم عن شعبة جميعًا عن عبد الملك بن عُمير، أخبرنا عطيّة القُرَظى قال: كنتُ فيمن أُخذ يوم قُريظة فكانوا يقتلون من أنبتَ ويتركون مَن لم يُنبِت فكنتُ فيمن لم يُنبِت.
أَخبرنا عَمرو بن عاصم، أخبرنا سليمان بن المُغيرة عن حُميد بن هلال قال: كان بين النبىّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وبين قُريظة وَلْث (١) من عهد، فلمّا جاءت الأحزاب بما جاءوا به من الجنود -نقضوا العهد وظاهَروا المشركين على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعثَ الله الجنود والريح فانطلقوا هاربين وبقى الآخرون فى حصنهم، قال: فوضع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأصحابه السلاح فجاء جبريل، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلى النبىّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فخرج إليه، فنزل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو مُتساند إلى لبَان الفرس قال: يقول جبريل ما وضعنا السلاح بعدُ وإنّ الغُبارَ لَعَاصِبٌ على حاجبه، انهَدْ إلى بنى قُريظة: قال: فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنّ فى أصحابى جهدًا فلو أنظرتَهم أيامًا: قال: يقول جبريل، عليه السلام، انهدْ إليهم، لأدخلنّ فَرسى هذا عليهم فى حصونهم ثمّ لأضعضعنّها: قال: فأدبر جبريل، عليه السلام، ومن معه من الملائكة حتى سَطَع الغُبار فى زُقاق بنى غَنم من الأنصار وخرج رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فاستقبله رجلٌ من أصحابه فقال: يا رسول الله اجلسْ فلنكفِك! قال: وما ذاك؟ قال: سمعتهم ينالون منك. قال: قد أُوذِىَ موسى بأكثر من هذا. قال: وانتهى إليهم فقال: يا إخوة القِرَدَة والخنازير، إيّاى إيّاى! قال: فقال بعضهم لبعض: هذا أبو القاسم ما عهدناه فحّاشًا. قال: وقد كان رُمى أكحلُ سعد بن مُعاذ فَرَقَأَ الجرح وأجلب ودعا الله أن لا يميتَه حتى يشفى صدره من بنى قُريظة. قال: فأخذهم من الغَمّ فى حصنهم ما أخذهم فنزلوا على حُكم سعد بن مُعاذ من بين الخلق. قال: فحكم فيهم أن تُقتَل مُقَاتِلتُهم وتُسبَى ذَراريّهم. قال حُميد: قال بعضهم وتكون الديار للمهاجرين دون الأنصار. قال: فقالت الأنصار إخوتُنا كنّا معهم: فقال: إنّى أحببتُ أن يستغنوا عنكم. قال: فلمّا فرغَ منهم وحكم فيهم بما حكم مرّت عليه عَنَزٌ وهو مُضْطجع، فأصابت الجرح بظلفها، فما رَقَأَ حتى مات. وبعثَ صاحب دُومة الجَنْدَل إلى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ببغلة وجُبّة من سُنْدُس فجعل أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يعجبون من حُسن الجبّة، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَمناديل سعد بن مُعاذ فى الجنّة أحسنُ، يعنى من هذا.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،