سرية كرز بن جابر لقتل البجليين الذين قتلوا يسارا
فصل: خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - لطلب كرز بن جابر الفهري
ثم غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بُواطَ في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرًا من مُهاجَره، وحمل لواءَه سعدُ بن أبي وقاص ــ وكان أبيض ــ، واستخلف على المدينة سعدَ بن معاذ، وخرج في مائتين من أصحابه يعترض (١) عيرًا لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير، فبلغ بواطًا (٢) ــ وهما جبلان فرعان أصلهما واحد من جبال جُهَينة مما يلي طريق الشام، وبين بواط والمدينة نحو أربعة بُرُد (٣) ــ فلم يلق كيدًا فرجع (٤) .
فصل
ثم خرج على رأس ثلاثة عشر شهرًا من مُهاجَره لطلب كُرْز بن جابر الفِهْري، وحمل لواءَه علي بن أبي طالب ــ وكان أبيض ــ، واستخلف على المدينة زيدَ بن حارثة. وكان كرز قد أغار على سرح المدينة فاستاقه، وكان يرعى بالحِمى (٥) ، فطلبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ واديًا يقال له: سَفْوان من
- سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين، وما فيها من الفقه
عبد الرحمن تُماضِر بنت الأصبغ، وهي أم أبي سلمة (١) ، وكان أبوها رأسهم وملكهم. قال: وكانت سرية كُرْز بن جابر الفِهري إلى العُرَنيين الذين قتلوا راعيَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستاقوا الإبل في شوالٍ سنةَ ستٍّ، وكانت السرية عشرين فارسًا. قلت: وهذا يدلُّ على (٢) أنها كانت قبل الحديبية، فإن الحديبية (٣) كانت في ذي القعدة كما سيأتي.
وقصة العرنيين في «الصحيحين» (٤) من حديث أنس أن رهطًا من عُكْلٍ وعُرَينة أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله، إنا أهلُ ضرع ولم نكن أهلَ ريفٍ فاستوخمنا المدينة، فأمر لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذَودٍ وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صَحُّوا قتلوا راعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم ــ وفي لفظ لمسلم (٥) : وسَمَلُوا عين (٦) الراعي ــ، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلبهم فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وتركهم في ناحية الحرة حتى ماتوا.
وفي حديث أبي الزبير عن جابر: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم عَمِّ عليهم الطريق، واجعلها عليهم أضيقَ مِن مَسْك حَمَلٍ» (١) ، فعمَّى الله عليهم السبيل فأُدرِكوا ــ وذكر القصة ــ (٢) .
وفيها من الفقه: جوازُ شرب أبوال الإبل، وطهارةُ بول مأكول اللحم، والجمعُ للمحارب ــ إذا أخذ المال وقتل ــ بين قطعِ يده ورجله وقتله، وأنه يُفعَل بالجاني كما فعل، فإنهم لما سملوا عين (٣) الراعي سمل أعينهم، وقد ظهر بهذا أن القصة محكمة ليست منسوخةً وإن كانت قبل أن تنزل الحدود، فالحدود نزلت بتقريرها لا بإبطالها. والله أعلم (٤) .
من فقه قصة العرنيين
قال صاحب «القانون» : ولا يلتفت إلى ما يقال من أنَّ طبيعة اللَّبن مضادَّةٌ لعلاج الاستسقاء. قال: واعلم أنَّ لبن النُّوق دواءٌ نافعٌ لما فيه من الجلاء برفقٍ وما فيه من خاصِّيَّةٍ، وأنَّ هذا اللَّبن شديد المنفعة، فلو أنَّ إنسانًا أقام عليه بدل الماء والطَّعام شُفِي به. وقد جُرِّب ذلك في قومٍ دفعوا إلى بلاد العرب فقادتهم الضَّرورة إلى ذلك، فعُوفُوا (١) . وأنفع الأبوال: بول الجمل الأعرابيِّ وهو النَّجيب (٢) . انتهى.
وفي القصَّة دليلٌ: - على التَّداوي والتَّطبُّب.
- وعلى طهارة بول مأكول اللَّحم فإنَّ التَّداوي بالمحرَّمات غير جائزٍ، ولم يؤمروا مع قرب عهدهم بالإسلام بغسل أفواههم وما أصابته ثيابهم من أبوالها للصَّلاة، وتأخيرُ البيان لا يجوز عن وقت الحاجة.
- وعلى مقابلة الجاني بمثل ما فعَل، فإنَّ هؤلاء قتلوا الرَّاعي وسمَلوا عينه (٣) . ثبت ذلك في «صحيح مسلم» (٤) .
- وعلى قتل الجماعة وأخذ أطرافهم بالواحد.
- وعلى أنَّه إذا اجتمع في حقِّ الجاني حدٌّ وقصاصٌ استُوفِيا معًا، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قطَع أيديهم وأرجلهم حدًّا لله على حِرابهم، وقتَلَهم لقتلهم الرَّاعي.
- وعلى أنَّ المحارب إذا أخذ المالَ وقتَلَ قُطِعت يدُه ورجلُه في مقامٍ واحدٍ، وقُتِل.
- وعلى أنَّ الجنايات إذا تعدَّدت تغلَّظت عقوباتها، فإنَّ هؤلاء ارتدُّوا وكفروا بعد إسلامهم، وقتلوا النَّفس، ومثَّلوا بالمقتول، وأخذوا المال، وجاهروا (١) بالمحاربة.
- وعلى أنَّ حكمَ رِدْءِ المحاربين حكمُ مباشِرهم (٢) ، فإنَّه من المعلوم أنَّ كلَّ واحدٍ منهم لم يباشر القتلَ بنفسه، ولا سأل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.
- وعلى أنَّ قتلَ الغِيلة يُوجِب قتلَ القاتل حدًّا، فلا يُسقطه العفوُ، ولا يعتبر (٣) فيه المكافأة. وهذا مذهب أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد اختاره شيخنا وأفتى به (٤) .
، ، ، ، ، ، ،