المبحث الأول: سبب الغزوة
...
بعد فتح مكة والقضاء على أعظم قوة للشرك في الجزيرة العربية لم يبق أمام المسلمين إلا قبائل هوازن وثقيف المتاخمة لمكة المكرمة، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصمما على مطاردة فلول الوثنية والإجهاز على معاقل الشرك في جزيرة العرب التي لا يجتمع فيها دينان، وقد ترامت أنباء فتح مكة في أنحاء الجزيرة العربية وخاصة في ديار هوازن وثقيف القريبة من مكة، وما أن سمعت قبائل هوازن بهذا الفتح الإسلامي الكبير حتى تداعت فيما بينها تتدارس هذا الحدث الجلل وترصد تحركاته نحوها، فكانت النتيجة أنها عزمت أن تهاجم المسلمين قبل أن يهاجموها، فأعدت عدتها وحشدت قواها المادية والبشرية، وقد جاء التصريح بحقيقة ما كانوا يبيتون للمسلمين من كيد في الروايات الآتية: ٢٣- ما رواه الحاكم قال: حدثنا أبوالعباس١محمد بن يعقوب، ثنا أحمد ١ بن عبد الجبار، ثنا يونس ٢ بن بكير، عن ابن٢ إسحاق قال: حدثني عاصم٣ بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن٤ بن جابر، عن أبيه جابر ابن عبد الله - رضي الله عنهما -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سار إلى حنين لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف النصري من بني نصر وجشم ومن سعد بن بكر وأوزاع من بني هلال وناسا من بني عمرو٥ بن عامر بن عوف بن عامر وأوزعت معهم الأحلاف من ثقيف وبنو مالك ثم سار بهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسار مع الأموال والنساء والأبناء، فلما سمع بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عبد الله٦ بن أبي حدرد الأسلمي فقال: اذهب فادخل في القوم حتى تعلم لنا من علمهم فدخل فمكث فيهم يوماً أو يومين ثم أقبل فأخبره الخبر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب: ألا تسمع ما يقول ابن أبي الحدرد؟ فقال عمر: كذب ابن أبي الحدرد، فقال ابن أبي الحدرد: إنّ كذبتني فربما كذبت من هو خير مني، فقال عمر يا رسول الله ألا تسمع ما يقول ابن أبي الحدرد؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قد كنت يا عمر ضالا فهداك الله - عز وجل –" ، ثم بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم إلى صفوان بن أمية فسأله أدرعا مائة وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصبا يا محمد؟ قال بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك، ثم خرج رسول الله سائراً. ثم قال الحاكم: صحيح ٣ الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي ٤.
- ١أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي - بضم العين المهملة والطاء الخفيفة - أبو عمرو الكوفي، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، من العاشرة، لم يثبت أن أبا داود أخرج له (ت ٢٧٢) /د (التقريب ١/١٩، وتهذيب التهذيب ١/٥١- ٥٢) . ١ يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر الجمال الكوفي، صدوق يخطئ، من التاسعة (ت ١٩٩) /خت م د ت ز ق. (ابن حجر: التقريب ٢/٣٨٤) . وفي (تهذيب التهذيب ١١/٤٣٤- ٤٣٦) ، وصفه بقوله: يونس بن بكير بن واصل الشيباني الجمال الكوفي الحافظ، ثم ساق كلام العلماء فيه والذين وثقوه أكثر ممن ضعفه. وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ ١/٣٢٦) ،:يونس بن بكير بن واصل الحافظ العالم المؤرخ أبو بكر الشيباني الكوفي الجمال صاحب المغازي، ثم ذكر جماعة ممن روى عنهم ورووا عنه، ثم قال: قال ابن معين: كان صدوقا، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وسئل عنه أبو زرعة: أي شيء ينكر عليه؟ فقال: أما الحديث فلا أعلمه، ثم نقل تضعيفه عن أبي داود، وذكر أن ابن عدي ساق له عدة أحاديث غرائب، ثم قال في ختام ترجمته: روى له مسلم متابعة واستشهد به البخاري. (انظر: ميزان الاعتدال ٤/٤٧٧- ٤٧٨، وتذكرة الحفاظ ١/٣٢٦، وسير أعلام النبلاء ٩/٢٤٥- ٢٤٨) . ٢ محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي، صدوق يدلس. تقدم في حديث
- ٢. ٣ عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأوسي الأنصاري، أبو عمر المدني، ثقة، عالم بالمغازي، من الرابعة (ت بعد ١٢٠) /ع (التقريب ١/٣٨٥) . ٤ عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله الأنصاري، أبو عتيق المدني، ثقة، لم يصب ابن سعد في تضعيفه، من الثالثة /ع (التقريب ١/٤٧٥) . ٥ وقع هنا عند الحاكم: (وناسا من بني عمرو بن عاصم بن عوف بن عامر) وهو خطأ مطبعي، والصواب ما أثبتناه. ٦ وقع كذلك هنا: (عبد الرحمن بن أبي الحدرد) وهو خطأ أيضا وقد وقع على الصواب عند الحاكم نفسه في ٣/٥٧٢.
- ٣اعترض الألباني على تصحيح الحاكم لهذا لحديث، وموافقة الذهبي له، وقال: هو حسن فقط للكلام المعروف في ابن إسحاق، والمتقرر أنه حسن الحديث إذا صرح بالتحديث كما في هذا الحديث. (سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/٢٠٩ تحت حديث رقم (٦٣١) . ودفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على البوطي ص٨٢، وانظر: فتح الباري ٤/٣٢) .
- ٤الحاكم: المستدرك ٣/٤٨- ٤٩. (السنن الكبرى ٦/٨٩، دلائل النبوة ٢/٤٢ ب-أ) . (البداية والنهاية٤/٣٢٤، وانظر: سيرة ابن هشام ٢/٤٣٩-٤٤٠، والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٢- ٧٣) .
- *هو محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم النيسابوري المعروف بالأصم، الإمام المفيد الثقة المحدث المشرق. قال الحاكم: كان محدث عصره بلا مدافعة. وقال أيضا: حدث (٧٦) سنة، ولم يختلف في صدقه وسماعه (ت ٣٤٦) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠- ٨٦٤) .
والحديث من هذه الطريق أورده البيهقي في السنن الكبرى مختصرا، وأورده في الدلائل مطولا٣.
وأورد ابن إسحاق القصة بدون إسناد كما قال ابن كثير٤.
وكان هذا هو السبب الرئيسي لخروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حنين لغزو هذه القبائل المحتشدة قبل أن يداهموا المسلمين في مكة المكرمة، ولقد سارع الرسول - صلى الله عليه وسلم في رسم - الخطة اللازمة لملاقاة هذا العدو، بعد دراسة حال العدو العسكرية، ومعرفة عدته المادية.
المبحث الثاني: الاستعداد للمعركة
إن الاستعداد والتأهب لملاقاة العدو والأخذ بالأسباب المادية أمر لازم، وسبب من أسباب النصر، وهو لا ينافي التوكل، إذ إن المسلم يؤمن إيمانا جازما بأن النصر من عند الله - عز وجل -، وهو في نفس الوقت يؤمن بأنه مأمور بالأخذ بالأسباب، وأخذ الحيطة، والتدابير اللازمة ضد عدوه، وقد أمر الله عز وجل بذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ .١ ومن هذا المنطلق فقد روى الترمذي من حديث الزبير بن العوام.
٢٤- قال: كان على النبى - صلى الله عليه وسلم - درعان يوم أحد، فنهض إلى الصخرة ١ فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته، فصعد النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى استوى على الصخرة فقال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أوجب طلحة" . ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد ابن إسحاق.
- ١إلى الصخرة: أي صخرة كانت هناك يستوي عليها وينظر إلى الكفار، ويشرف على المؤمنين. (تحفة الأحوذي ٥/٣٤١) .
وفي الباب عن صفوان بن أمية، والسائب بن يزيد ١.
- ١السنن ٣/١١٩ أبواب الجهاد (باب ما جاء في الدرع) .
وأعاد الحديث في كتاب المناقب بسنده ومتنه وقال: حسن صحيح غريب ١. قلت: الحديث عنعنه ابن إسحاق وهو مدلس ولكنه قد صرح بالتحديث عند الحاكم، ومن طريقه رواه البيهقي، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ٢.
- ١٥/٣٠٧ باب مناقب طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.
- ٢الحاكم: المستدرك ٣/٢٥، والبيهقي: السنن الكبرى ٩/٤٦.
- *سورة الأنفال _ آية: ٦٠.
٢٥- وحديث السائب ١ بن يزيد أخرجه أبو داود عن يزيد ٢ أن خصيفة عن السائب، عن رجل ٣ قد سماه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظاهر يوم أحد بين درعين، أو لبس درعين ٤. وأخرجه الترمذي في الشمائل ٥.
- ١السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل في نسبه غير ذلك. يعرف بابن أخت النمر - بفتح فكسر - صحابي صغير، له أحاديث قليلة، وحج به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة (ت ٩١) وقيل قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة. /ع. (ابن حجر: التقريب ١/٢٨٣) .
- ٢يزيد بن عبد الله بن خصيفة - بمعجمة وصاد مهملة وفاء مصغرا - ابن عبد الله ابن يزيد الكندي، المدني، وقد ينسب لجده، ثقة من الخامس. /ع. (المصدر السابق ٢/٣٦٧) .
- ٣قوله: عن رجل (عند البيهقي: عن رجل من بني تيم، عن طلحة بن عبيد الله) . (السنن الكبرى ٩/٤٦) .
- ٤أبو داود: (السنن ٢/٣٠) ، كتاب الجهاد (باب في لبس الدروع) .
- ٥انظر: (الأطراف للمزي ٣/٢٦٣) ، حديث (٣٨٠٥) ، والإتحافات الربانية بشرح الشمائل المحمدية لأحمد عبد الجواد الدومي ص١٥٠.
والحديث سكت عنه المنذري ١، وفيه إبهام وهو قوله عن رجل.
- ١محمد شمس الحق العظيم آبادي: (عون المعبود ٧/٢٥٣) .
وأخرجه ابن ماجه: فقال: عن السائب بن يزيد إن شاء الله تعالى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد خذ درعين، كأنه ظاهر بينهما ١. وهو عند أحمد أيضا فحدث به يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، مرة بالاستثناء، ومرة بدون استثناء ٢. قال المباركفوري في أثناء شرحه للحديث: قوله: كان على النبي - صلى الله عليه وسلم - درعان "أي مبالغة في قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ، [سورة النساء، من الآية: ٧١] . وقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [سورة الأنفال، من الآية: ٦٠] . فإنها تشمل الدرع، وإن فسرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بأقوى أفرادها حيث قال: ألا إن القوة الرمي، ثم قال: قال القاري ٣: وفيه إشارة إلى جواز المبالغة في أسباب المجاهدة وأنه لا ينافي التوكل والتسليم بالأمور الواقعة المقدرة" ١٠.
- ١ابن ماجه: (السنن ٢/٩٣٨) ، وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح على شرط البخاري، وقع هذا الحديث في سنن ابن ماجه من طريق هشام بن سوار، والصواب هشام بن عمار، فإن هشام بن سوار ليس من رجال التقريب.
- ٢أحمد: (المسند ٣/٤٤٩) .
- ٣هو الشيخ ملا علي القاري بن سلطان بن محمد الهروي الحنفي، الجامع للعلوم النقلية والعقلية، والمتضلع من السنة النبوية، أحد جماهير الأعلام ومشاهير أولي الحفظ والأفهام، توفي سنة (١٠١٤هـ) . (الشوكاني: البدر الطالع ١/٤٤٥- ٤٤٦، وكحالة: معجم المؤلفين ٧/١٠٠- ١٠١) .
- *(تحفة الأحوذي ٥/٣٤١، وانظر: زاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٤٨٠، وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/١٠) .
ومن هنا فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما أراد الخروج إلى حنين لملاقاة جموع هوازن أرسل إلى صفوان بن أمية يطلب منه دروعا ليلقى فيها عدوه، كما تقدم ذلك من حديث جابر بن عبد الله ١.
- ١تقدم الحديث برقم (٢٣) وهو حديث حسن.
وقد جاء أيضا من حديث صفوان بن أمية نفسه عند أبي داود وغيره وهذا سياقه عند أبي داود: ٢٦- قال: حدثنا الحسن ١ بن محمَّد، وسلمة ٢ بن شبيب، قالا: أخبرنا يزيد ٣ بن هارون، أخبرنا شريك ٤، عن عبد العزيز ٥ بن رفيع، عن أمية ٦ ابن صفوان بن أمية، عن أبيه ٧: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعار منه أدرعا يوم حنين، فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: "لا، بل عارية مضمونة" . قال أبو داود: هذه رواية يزيد ببغداد، وفي روايته بواسط تغير على غير هذا ٨.
- ١الحسن بن محمد بن الصباح - بفتح المهملة وتشديد الموحدة - الزعفراني - بفتح الزاي وسكون العين المهملة - أبو علي البغدادي صاحب الشافعي، ثقة من العاشرة (ت٢٦٠) أو قبلها بسنة./خ عم. (ابن حجر: التقريب١/١٧٠، وتهذيب التهذيب ٢/٣١٨) .
- ٢سلمة بن شبيب المسمعي - بكسر الميم الأولى وفتح الميم الثانية - النيسابوري، نزيل مكة، ثقة من كبار الحادية عشرة (ت بضع وأربعين بعد المائتين) /م عم. (التقريب ١/٣١٦، وتهذيب التهذيب ٤/١٤٦) .
- ٣يزيد بن هارون بن زاذان السلمي، مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة (ت٢٠٦) /ع. (التقريب٢/٣٧٢،وتهذيب التهذيب١١/٣٦٦)
- ٤شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوق يخطئ كثيرا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلا فاضلا، عابدا شديدا على أهل البدع، من الثامنة (ت ١٧٧ أو ١٧٨) /خت م عم. (التقريب ١/٣٥١، وتهذيب التهذيب٤/٣٣٣- ٣٣٧) . وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ١/٢٣٢) :وحديث شريك من أقسام الحسن.
- ٥عبد العزيز بن رفيع - بفاء مصغرا - الأسدي، أبو عبد الملك، المكي نزيل الكوفة، ثقة من الرابعة (ت ١٠٣) وقيل بعدها. /ع. (التقريب ١/٥٠٩، تهذيب التهذيب ٦/٣٣٧) .
- ٦أمية بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، المكي، مقبول من الرابعة. /بخ د ت س. (التقريب ١/٨٣، وتهذيب التهذيب ١/٣٧١) .
- ٧صفوان بن أمية بن خلف الجمحي القرشي المكي، صحابي من المؤلفة، مات أيام قتل عثمان بن عفان، وقيل: سنة ٤١، وقيل: ٤٢ في أوائل خلافة معاوية. /خت م عم. (التقريب ١/٣٦٧، وتهذيب التهذيب ٣/٤٢٤- ٤٢٥) .
- ٨أبو داود: السنن ٢/٢٦٥ كتاب البيوع (باب في تضمين العارية) .
والحديث أخرجه النسائي، وأحمد، والدارقطني، والحاكم، ومن طريقه أخرجه البيهقي، الجميع من طريق يزيد بن هارون، عن شريك بن عبد الله، عن عبد العزيز بن رفيع به ١. ثم قال الحاكم: وله شاهد من حديث عبد الله بن عباس: ٢٧- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعار من صفوان بن أمية أدرعا وسنانا في غزوة حنين، فقال: يا رسول الله: "أعارية مؤداة" ؟ ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه٢. وسكت عنه الذهبي.
- ١النسائي: السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف للمزي ٤/١٩٠ حديث (٤٩٤٥) . وأحمد: (المسند ٣/٤٠٠- ٤٠١، ٦/٤٦٥) . و (الدارقطني: السنن ٣/٣٩) . و (الحاكم: المستدرك ٢/٤٧) . و (البيهقي: السنن الكبرى ٦/٨٨) . (المستدرك ٢/٤٧، من طريق الحاكم أخرجه البيهقي ٦/٨٨. وأخرجه أيضا الدارقطني في سننه ٣/٣٨. وفيه: إسحاق بن عبد الواحد القرشي، قال الذهبي في ميزان الاعتدال ١/١٩٤- ١٩٥: واه) . ٣ جرير بن عبد الحميد بن قرط - بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة - الضبي الكوفي نزيل الري وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب. قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه (ت ١٨٨) . /ع. (ابن حجر: التقريب ١/١٢٧، وتهذيب التهذيب ٢/٧٥) . ٤ قال المنذري: فيه جهالة وإرسال. (انظر: عون المعبود ٩/٤٧٧) . (أبو داود: السنن٢/٢٦٥ كتاب البيوع، باب في تضمين العارية. والدارقطني: السنن ٣/٤٠، والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٨٩) .
والحديث فيه شريك بن عبد الله القاضي، وقد وصف بأنه صدوق يخطئ كثيرا، وقد خالفه: ١- جرير٣ بن عبد الحميد بن قرط، فرواه عن عبد العزيز بن رفيع بلفظ: "عن أناس من آل عبد الله بن صفوان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا صفوان هل عندك من سلاح؟ قال: عارية أم غصبا؟ " قال: "لا، بل عارية" ، فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين٤ درعا" ٥.
٢- أبو الأحوص ١، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء ٢، عن ناس من آل صفوان بن أمية نحوه ٣.
- ١هو سلام بن سليم الحنفي مولاهم أبو الأحوص الكوفي/ ثقة متقن، من السابعة (ت١٧٩) ./ع. (التقريب ١/٣٤٢، وتهذيب التهذيب ٤/٢٨٢) .
- ٢عطاء بن أبي رباح - بفتح الراء الموحدة - واسم أبي رباح: أسلم القرشي مولاهم، المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال، من الثالثة (ت١١٤) على المشهور، وقيل: إنه تغير بآخره، ولم يكن ذلك منه./ع. (التقريب ٢/٢٢، وتهذيب التهذيب ٧/١٩٩) .
- ٣أبو داود: السنن ٢/٢٦٦ كتاب البيوع، باب في تضمين العارية. والدارقطني: السنن ٣/٤٠، والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٨٩.
٣- ورواه قيس ١ بن الربيع، عن عبد العزيز بن الرفيع، عن ابن أبي مليكة ٢، عن امية بن صفوان عن أبيه٦.
- ١قيس بن الربيع الأسدي، أبو محمد الكوفي، صدوق، تغير لما كبر، أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به، من السابعة (ت سنة بضع وستين بعد المائة) . /د ت ق. (التقريب ٢/١٢٨، وتهذيب التهذيب ٨/٣٩١) .
- ٢هو: عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة - بالتصغير- التيمي، المدني، أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقة فقيه، من الثالثة (ت ١١٧) ./ع. (التقريب ١/٤٣١، وتهذيب التهذيب ٥/٣٠٦- ٣٠٧) . (الدارقطني: السنن ٣/٤٠، والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٨٩) . ٧ تقدم برقم (٢٣) وهو حديث حسن. ٨ جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المعروف بالصادق، صدوق فقيه، إمام، من السادسة (ت ١٤٨) ./بخ م عم. (التقريب ١/١٣٢، وتهذيب التهذيب ٢/١٠٣) ٩ أبوه هو: أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل. تقدم في حديث (١٩) . ١٠ (السنن الكبرى٦/٨٩-٩٠،وأخرجه الطبري في تاريخ الرسل والملوك٣/٧٣) . (إرواء الغليل ٥/٣٤٤- ٣٤٦) . ويعني بالطرق الثلاث: طريق شريك، وطريق جابر، وطريق جعفر بن محمد عن أبيه. (السنن لكبرى ٧/١٩) . ٣ هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الواسطي الأصل، أبو بكر الكوفي، ثقة حافظ، صاحب تصانيف، من العاشرة (ت٢٣٥) /خ م د س ق. (التقريب ١/٢٤٥، وتهذيب التهذيب ٦/٢- ٤) . ٤ وكيع بن الجراح بن مليح - بفتح الميم، وكسر اللام وحاء مهملة - الرؤاسي - بضم الراء وهمزة ثم مهملة - أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد، من كبار التاسعة (ت١٩٦) /ع. (التقريب ٢/٣٣، وتهذيب التهذيب ١١/١٢٣، والمغني لابن طاهر الهندي ص٧٤) . ٥ إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، (مقبول) من السادسة/س ق. (التقريب١/٦٥وانظر تهذيب التهذيب١/٢٧٢وتعجيل المنفعة ص١٤) . ٦ هو إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة المخزومي، (مقبول) من الثالثة/خ س ق. (المصدر السابق ١/٣٨) . ٧ هو جد إبراهيم، وهو عبد الرحمن بن أبي ربيعة، واسم أبي ربيعة: عمرو بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو عبد الرحمن المكي، صحابي، مات ليالي قتل عثمان بن عفان، وهو والد عمر بن أبي ربيعة الشاعر/ س ق. (المصدر السابق ١/٤١٤، وتهذيب التهذيب ٥/٢٠٨) . ٨ عند النسائي:"أربعين ألفا"بدون شك. وعند البخاري: استلفه مالا بضعة عشر ألفا. ٩ عند النسائي: فجاءه مال فدفعه إليّ وقال: "بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء"، وعند البخاري: "إنما جزاء السلف الحمد والوفاء".
فأدخل (ابن أبي مليكة) بين عبد العزيز وأمية بن صفوان. قال الألباني والحديث مضطرب الإسناد، لكن له شاهدان: الأول: عن جابر بن عبد الله "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعا مائة درع وما يصلحها" . الحديث٧.
الثاني: من رواية جعفر٨ بن محمد، عن أبيه٩: أن صفوان بن أمية أعار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلاحا هي ثمانون درعا، فقال له: أعارية مضمونة أم غصبا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بل عارية مضمونة" .
أخرجه البيهقي١٠ وقال: وبعض هذه الأخبار، وإن كان مرسلا، فإنه يقوى بشواهده مع ما تقدم من الموصول. ثم قال الألباني: وبالجملة فالحديث صحيح بمجموع هذه الطرق الثلاث١. قلت: ٢٨- وروى البيهقي من مرسل الزهري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى صفوان بن أمية في أداة ذكرت له عنده فسأله إياها فقال صفوان: أين الأمان، أتأخذها غصبا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن شئت أن تمسك أداتك فامسكها وإن أعرتنيها فهي ضامنة علي حتى نؤديه إليك" . والحديث مطول في قصة حرب حنين٢.
وجاء في هذا المعنى ما رواه ابن ماجه، وأحمد، والنسائي، والبخاري في التاريخ من حديث عبد الله بن أبي ربيعة، وهذا سياقه عند ابن ماجه: ٢٩- قال: حدثنا أبو بكر٣ بن أبي شيبة، ثنا وكيع٤، ثنا إسماعيل٥ بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، عن أبيه٦ عن جده٧: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استلف منه حين غزا حنينا ثلاثين أو أربعين ألفا٨، فلما قدم قضاها إياه٩، ثم قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الوفاء والحمد" ١٢.
والحديث أورده النسائي من طريق سفيان الثوري، عن إسماعيل بن إبراهيم ولم يذكر فيه (حين غزا حنينا) .
أ - إسماعيل بن إبراهيم وقد وصفه ابن حجر بقوله: (مقبول) .
و (المقبول) عنده هو من ليس له من الحديث إلاَّ القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله ١.
- ١انظر: (التقريب ١/٥) .
وإسماعيل قد وثقه أبو داود، وابن حبان، وعلى خذا فيكون ثقة ولعل ابن حجر نظر على قول أبي حاتم فيه (شيخ)
ب - إبراهيم بن عبد الرحمن (قد وصفه ابن حجر أيضا بقوله "مقبول" وفي تهذيب التهذيب ذكر بأن ابن حبان وثقه، وابن قطان الفاسي قال فيه: "لا يعرف" ، وإبراهيم قد أخرج له البخاري في الصحيح، ولذا فقد مال ابن حجر في هدي الساري٥ إلى رد قول ابن قطان، فقال: روى عنه جماعة ووثقه ابن حبان، وله في الصحيح حديث واحد في كتاب الأطعمة في دعائه - صلى الله عليه وسلم - في تمر جابر بن عبد الله بالبركة٦.
وقد كان الشيخ أبو الحسن٧ المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح: هذا اجتاز القنطرة، يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه. قال أبو الفتح ١ القشيري في مختصره: وهكذا نعتقد، وبه نقول، ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهرة، وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما.
- ١هو: محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن دقيق العيد القشيري، المنفلوطي الصعيدي، المالكي ثم الشافعي، الإمام الفقيه المجتهد المحدث الحافظ العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو الفتح، صاحب التصانيف منها: العدة شرح العمدة، وكتاب (الإلمام) وله كتاب في علوم الحديث، ولد سنة (٦٢٥) بقرب ينبع من الحجاز، وتوفي سنة (٧٠٢) هـ. (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٤/١٤٨١- ١٤٨٣) . (ابن حجر: هدي الساري ص٣٨٤) . (الذهبي: ميزان الاعتدال ١/٥٥٦ و٣/٤٢٦) . (ابن حجر: الإصابة ٢/٣٠٥، وتهذيب التهذيب ٥/٢٠٨، والتاريخ الكبير للبخاري ٥/٩- ١٠، والاستيعاب ٢/٢٩٩) .
- *والحديث يدل أيضا على حسن المعاملة في القضاء وهو من الآداب السامية التي حث الدين الإسلامي عليها، لحديث "إن خيركم أو من خيركم أحاسنكم قضاء". رواه ابن ماجة في سننه ٢/٨٠٩ كتاب الصدقات.
- *ابن ماجة: السنن ٢/٨٠٩ كتاب الصدقات، باب حسن القضاء. وأحمد: في المسند ٤/٣٦، والنسائي: السنن - المجتبى - ٧/٢٧٦ كتاب البيوع، باب الاستقراض، والبخاري: في التاريخ الكبير ٥/٩- ١٠.
- *انظر: (تهذيب التهذيب ١/٢٧٢) . (هدي الساري ص٣٨٨، وانظر: تهذيب التهذيب ١/١٣٨- ١٣٩) . ٦ البخاري: (الصحيح ٧/٦٩) ، كتاب الأطعمة، باب الرطب والتمر. ٧ هو علي بن الفضل بن علي بن حاتم بن حسن بن جعفر الحافظ العلامة المفتي، شرف الدين أبو الحسن، ابن القاضي الأنجب أبي المكارم المقدسي ثم المالكي، سمع صحيح البخاري من القاضي أبي عبيد نعمة بن زيادة الله الغفاري، عن عيسى بن أبي ذر الهروي، وسمع من الحافظ السلفي فأكثر عنه، وانقطع إليه وتخرج به، ولد سنة (٥٤٤) توفي سنة (٦١١) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٤/١٣٩٠- ١٣٩٢) .
وقد ردَّ ابن حجر أيضا بنحو هذا٢.
وابن قطان الفاسي قد قال عن الجماعة لا يعرفون مع أنهم معروفون عند غيره، وقد ردَّ الذهبي في صنيعه هذا، وذكر أمثلة لذلك٣.
فقد قال البخاري: إبراهيم لا أدري سمع من أبيه أم لا. وقال ابن عبد البر: يقولون لم يرو عن عبد الله بن أبي ربيعة غير إبراهيم – يعني ابن ابنه -٤.
والذي ظهر لي ان الحديث فيه انقطاع بين "إبراهيم بن عبد الرحمن" وبين جده "عبد الله بن ربيعة" وأنّ "عبد الرحمن" والد إبراهيم ليس من رجال السند، إذ لو كان من رجال السند لوجدت ترجمته في "التقريب" و "تهذيب التهذيب" ولم أجد ترجمته أيضا في التاريخ الكبير للبخاري، ولا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم.
كما أنني لم أجد في ترجمة "عبد الله بن أبي ربيعة" أن ابنه عبد الرحمن ممّن روى عنه.
ولا في ترجمة "إبراهيم" أنه روى عن أبيه "عبد الرحمن" .
وبهذا يكون الراوي عن "عبد الله بن أبي ربيعة" هو "إبراهيم بن ابنه" ، وهو لم يدرك جده، وذلك أن عبد الله بن أبي ربيعة مات ليالي قتل عثمان بن عفان، وأن أم إبراهيم ١ تزوجت بأبيه "عبد الرحمن" بعد يوم الجمل، فتكون ولادة إبراهيم بعد وفاة جده بمدة، فيكون الحديث منقطعا.
- ١هي أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق وكانت قبل عبد الرحمن تحت طلحة بن عبيد الله فقتل يوم الجمل. (الطبقات الكبرى لابن سعد٨/٤٦٢) . وفي موطأ مالك ٢/٧٥٢ كتاب الأقضية، باب ما لا يجوز من النحل "ومات أبو بكر وأم كلثوم حمل في بطن أمها". (الاستيعاب ١/٣٨٥، ٣/٥٣٧، وأسد الغابة ٢/٧٥، ٥/٣٦٩، والإصابة ١/٣٦٤، والسيرة الحلبية لبرهان الدين الحلبي ٣/٦٣) .
وهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أنه يجب على المسلم أن يأخذ حذره، وأن يتأهب لملاقاة عدوه ويؤيدها قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ . [سورة الأنفال، من الآية: ٦٠] .
وقد ذكر بن عبد البر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استقرض من حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم، وأن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم أعان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين بثلاثة آلاف رمح فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف أصلاب المشركين" ٢.
المبحث الأول: تاريخ الغزوة
...
تاريخ وقت هذه الغزوة مرتبط بوقت فتح مكة المكرمة، ذلك أن غزوة حنين ناشئة عنه ومتممة له، ومن هنا أطلقت بعض الروايات الخروج إلى حنين في شهر رمضان، والمعروف أن هذا إنما كان في غزوة الفتح.
ولما كانت غزوة حنين من تتمة هذا الفتح العظيم الذي أيد الله به عباده المؤمنين، وأن هذا النصر بصورته الكاملة لم يتحقق إلا بعد الانتهاء من غزوة حنين.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،