السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

بيعتا العقبة

التاريخموسم الحج قبل الهجرة بعامين

موسم الحج قبل الهجرة بعامين، وعمره ﷺ ٥١

تقرأ في محمد بن يوسف الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ، ١٦٣ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ

الباب الخامس في بيعة العقبة الأولى

٤/١٩٤٤/١٩٤

وكانت في رجب. وقال الزهري وابن عقبة وابن إسحق: «فلما أراد الله سبحانه وتعالى إظهار دينه وإعزاز رسوله وإنجاز موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم. فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا. فقال لهم: «من أنتم» ؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: «أمن موالي يهود؟» قالوا: نعم. قال: «أفلا تجلسون أكلّمكم؟» قالوا: بلى، من أنت؟ فانتسب لهم وأخبرهم خبره. فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وكان مما صنع الله لهم به من الإسلام أن يهود، كانوا معهم في ببلادهم، فكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا [هم] أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد عزّوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: أن نبيّاً مبعوث الآن قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم قتل عاد وإرم.

فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله أيقنوا به واطمأنت قلوبهم إلى ما سمعوا منه وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب من صفته، فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلّموا والله إنه للنّبيّ الذي توعدكم به يهود فلا تسبقنّكم إليه [فأجابوه إلى ما دعاهم إليه] بأن صدّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام. ثم قالوا: قد علمت الذي بيننا من الاختلاف وسفك الدماء، ونحن حراص على ما أرسلك الله به، مجتهدون لك بالنصيحة، وإنا لنشير عليك برأينا، فامكث على رسلك باسم الله حتى نرجع إلى قومنا، فنذكر لهم شأنك، وندعوهم إلى الله ورسوله، فلعل الله يصلح ذات بينهم ويجمع لهم أمرهم، فإنا اليوم متباغضون متباعدون، ولكنا نواعدك الموسم من العام المقبل. فرضي بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرفوا راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدّقوا.

وهم فيما ذكر ابن إسحاق في رواية ستة نفر من الخزرج: ١- من بني النجار: أبو أمامة أسعد بن زرارة- بضم الزاي- ابن عدس بن عبيد بن ثعلبة ابن غنم بن مالك بن النجار.

٢- عوف بن الحارث ابن رفاعة- بكسر الراء وبالفاء- ابن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجّار وهو ابن عفراء.

٣- ومن بني زريق- بتقديم الزاي على الراء- ابن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج: رافع بن مالك بن العجلان. قال ابن الكلبي: وهو أول من أسلم من الأنصار.

٤/١٩٥٤/١٩٥

٤- ومن بني سلمة- بلام مكسورة- [ابن سعد بن علي بن أسد] : قطبة- بضم القاف وسكون الطاء المهملة وبالموحدة- ابن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب ابن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج بن حارثة.

٥- ومن بني حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة: عقبة- بضم العين المهملة وسكون القاف- ابن عامر بن نابي- بنون فألف فباء موحدة فمثناة تحتية- ابن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة.

٦- ومن بني عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة: جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد ...

وفي رواية جرير بن أبي حازم عن ابن إسحاق بدل عقبة بن عامر، معاذ بن عفراء، وعند موسى بن عقبة عن الزهري عن عروة أنهم ثمانية. وهم: معاذ بن عفراء، وذكوان- بفتح الذال المعجمة وسكون الكاف- ابن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق، وعبادة- بضم العين المهملة فباء موحّدة- ابن الصامت بن قيس بن الأصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن الخزرج بن حارثة، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمّارة من بني غصينة ثم من بليّ حليف لهم. وأبو الهيثم بن التيهان [ (١) ] بن جشم بن الحارث، وعويم- بضم العين المهملة وفتح الواو وسكون المثناة التحتية- ابن ساعدة من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس بن حارثة.

بيان ما سبق «العقبة الأولى» : قال المحب الطبري: «الظاهر أنها العقبة التي تضاف إليها الجمرة إذ ليس أظهر منها وعن يسار الطريق لقاصد منى من مكة شعب قريب منها، فيه مسجد مشهور عند أهل مكة أنه مسجد البيعة، وهو على نشز من الأرض، ويجوز أن يكون المراد من العقبة ذلك النّشز، وعلى الأول يكون قد نسب إليها لقربه منها» قال في النور: «وجزم غيره بأن البيعة التي وقعت عندها البيعة هي العقبة التي تضاف إليها الجمرة» .

٤/١٩٦٤/١٩٦

«موالي يهود» : أي حلفاؤهم، وهم سمّوا حلفاء لأنهم تحالفوا على التناصر والتعاضد.

«الرّهط» : بسكون الهاء وتفتح دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة أو منها إلى أربعين.

«يهود» : لا ينصرف للعلمية والتأنيث.

«أظلّ زمانه» : بفتح الظاء المعجمة وتشديد اللام أي قرب ودنا.

«قتل عاد وإرم» : أي نستأصلكم.

«تعلّموا» : بفتح اللام المشدّدة ومعناه اعلموا.

الباب السادس في بيعة العقبة الثانية

٤/١٩٧٤/١٩٧

قال ابن إسحاق: فلما كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب، وهم: أسعد بن زرارة، وذكوان بن عبد قيس الزرقي، وعبادة بن الصامت، والعباس بن عبادة بن نضلة- بالنون والضاد المعجمة- وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وعوف بن الحارث- بالفاء- ابن رفاعة، وعويم بن ساعدة، ومالك بن التيهان- بمثناة تحتية مخفّفة عند أهل الحجاز وعند غيرهم بتشديدها- ومعوّذ- بميم مضمومة فعين مهملة مفتوحة فواو مكسورة مشدّدة فذال معجمة- ابن الحارث، أخو عوف السابق، ويزيد بن ثعلبة أبو عبد الرحمن البلوي حليف لهم. فبايع هؤلاء على بيعة النساء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى الشيخان والبيهقي، واللفظ له عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض علينا الحرب، على ألّا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف. قال: «فمن وفى ذلك منكم فأجره على الله» . وفي لفظ: «فله الجنة» ، «ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو له كفّارة وطهور، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عذّب وإن شاء غفر» .

فبايعناه على ذلك. قال ابن إسحاق: «فلما انصرف القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ» . وذكر ابن إسحاق في رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مصعبا حين كتبوا إليه ببعثه إليهم، وهو الذي ذكره [موسى] بن عقبة إلا أنه جعل المرّة الثانية هي الأولى. قال البيهقي: «وسياق ابن إسحاق أتمّ» . قال ابن إسحاق: «وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرئهم القرآن ويعلّمهم الإسلام ويفقّههم في الدين، فكان يسمى في المدينة المقرئ والقارئ، وكان منزله على أسعد بن زرارة [بن عدس أبي أمامة] ، وذلك أن الأوس كره بعضهم أن يؤمّه بعض. وقوله «على بيعة النساء» يعني على وفق ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام الحديبية، وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة، وليس هذا بعجيب فإن القرآن نزل بموافقات عمر بن الخطاب. «تنبيه» : ذكروا هنا أن أسعد بن زرارة أول من جمع بالصحابة قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي الكلام على ذلك في الخصائص أن شاء الله تعالى.

الباب الثامن في بيعة العقبة الثالثة

٤/٢٠١٤/٢٠١

قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم مجنّة وعكاظ وفي المواسم بمنى يقول: «من يؤويني؟ ومن ينصرني؟ حتى أبلّغ رسالات ربي وله الجنة» ، فلا يجد أبدا أحدا يؤويه ولا ينصره، حتى إن الرجل ليرحل من مضر أو اليمن، فيأتيه قومه وذوو رحمه فيقولون: احذر فتى قريش لا يفتنك يمضي بين رحالهم، وهم يشيرون إليه بأصابعهم، حتى بعثنا الله إليه من يثرب فيأتيه الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم تبق دار من دور يثرب إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام. ثم بعثنا الله تعالى فأتمرنا واجتمعنا فقلنا: متى نذر رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا فيه من رجل ورجلين حتى توافينا عنده، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله، لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب، تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنّة» .

«فقمنا نبايعه، فأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغر السبعين رجلا إلا أنا فقال: رويدا يا أهل يثرب. فإنا لم نضرب إليه أكباد المطيّ إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافّة وقتل خياركم وأن تعضّكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على عضّ السيوف إذا مسّتكم وعلى قتل خياركم وعلى مفارقة العرب كافّة، فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة، فذروه فهو أعذر لكم عند الله.

فقلنا: ابسط يدك يا أسعد بن زرارة، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها. فقمنا إليه نبايعه رجلا رجلا، يأخذ علينا شرطه ويعطينا على ذلك الجنة» ، رواه الإمام أحمد والبيهقي.

وروى ابن إسحاق عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: «خرجنا في حجّاج قومنا من المشركين وقد صلّينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور سيّدنا وكبيرنا- زاد الحاكم- وكنا خمسمائة، حتى إذا كنا بظاهر البيداء قال: يا هؤلاء إني قد رأيت رأيا، وو الله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا. فقلنا: وما ذاك؟ قال: قد رأيت ألّا أدع هذه البنيّة منّي بظهر- يعني الكعبة- وأن أصلّي إليها. قال: فقلنا: والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه، فقال: إني لمصلّ إليها. فقلنا له: لكنّا لا نفعل. قال فكنّا إذا حضرت الصلاة صلّينا إلى الشام وصلّى هو إلى الكعبة حتى قدمنا مكة وقد كنّا عبنا عليه ما صنع وأبى إلا الإقامة على ذلك فلما قدمنا مكة قال لي: يا ابن أخي، انطلق بنا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى أسأله عما صنعت. في سفري هذا، فإنه والله لقد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم إياي فيه. قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنا لا نعرفه لم نره قبل ذلك فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا. قال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمّه؟ قلنا: نعم. وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا. قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس. قال: فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه. فسلّمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: «هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟» قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيّد قومه، وهذا كعب بن مالك. قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشاعر؟» قال: نعم. فقال البراء بن معرور: يا نبي الله، إني خرجت في سفري هذا وقد هداني الله تعالى للإسلام فرأيت ألاّ أجعل هذه البنيّة منّي بظهر فصلّيت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: «قد كنت على قبلة لو صبرت عليها» . قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلّى معنا إلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم. قال ابن هشام: وقال عون بن أيوب الأنصاري: ومنّا المصلّي أوّل النّاس مقبلا ... على كعبة الرّحمن بين المشاعر [ (١) ]

٤/٢٠٢٤/٢٠٢

يعني البراء بن معرور [ (٢) ] . قال كعب: ثم خرجنا إلى الحجّ وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق- زاد ابن سعد- «ليلة النّفر الأول [إذا هدأت الرّجل] أن يوافوه في الشّعب الأيمن إذا انحدروا من منى بأسفل العقبة حيث المسجد الحرام اليوم، وأمرهم ألا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا» . [قال] : فلما فرغنا من الحجّ وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيّد من ساداتنا وشريف من أشرافنا أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا فكلّمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيّد من سادتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عمّا أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيّانا العقبة. قال: فأسلم وشهد معنا العقبة [وكان نقيبا] .

٤/٢٠٣٤/٢٠٣

[قال] : فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلّل تسلّل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشّعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة [ (١) ] بنت كعب، أمّ عمارة، إحدى نساء بني مازن بن النّجّار، وأسماء بنت عمرو [ (٢) ] بن عديّ [بن نابي، إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع] . فاجتمعنا في الشّعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم- وذكر ابن سعد وأبو معشر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبقهم وانتظرهم- حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثّق له.

فلما جلس كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال: «يا معشر الخزرج، - قال: وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها- إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممّن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزّ ومنعة من قومه وبلده. وروى الإمام أحمد عن الشعبي عن أبي مسعود البدري [ (٣) ] رضي الله عنه قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمّه العباس إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة فقال: «ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم» . فقلنا «قد سمعنا ما قلت فتكلّم يا رسول الله وخذ لنفسك ولربك ما أحببت» . قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» . قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: «نعم فوالله الذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر» . قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو الهيثم بن التيهان، فقال: «يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها- يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟» قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «بل الدّم الدّم والهدم الهدم»

٤/٢٠٤٤/٢٠٤

أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم- «أنا منكم وأنتم منّي أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» . قال كعب: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم» .

فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس: فمن الخزرج: أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النّجّار. ورافع بن مالك بن العجلان نقيب بني زريق، وسعد بن الرّبيع، بفتح الراء، وعبد الله بن رواحة نقيب بني الحارث بن الخزرج وسعد بن عبادة والمنذر بن عمرو نقيب بني ساعدة والبراء بن معرور- بالعين المهملة وعبد الله بن عمرو بن حرام وعبادة بن الصامت. ومن الأوس: أسيد بن حضير- بالحاء المهملة والضاد المعجمة- نقيب بني عبد الأشهل ورفاعة بن عبد المنذر وسعد بن خيثمة نقيبا بني عمرو بن عوف. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنّقباء: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي»

- يعني المسلمين. قالوا: نعم. قال ابن هشام: وأهل العلم يعدّون فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولا يعدون رفاعة.

وروى البيهقي عن الإمام مالك رضي الله عنه قال: حدثني شيخ من الأنصار أن جبريل عليه السلام كان يشير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من يجعله نقيبا ليلة العقبة. قال مالك: وكنت أعجب كيف جاء هذا؟ رجلان من قبيلة ورجل من أخرى، حتى حدّثت بهذا الحديث: أن جبريل هو الذي ولّاهم وأنه أشار إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وروى أبو نعيم عن ابن عمر قال: «لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم النقباء قال: لا يجد امرؤ في نفسه شيئا إنما أخذ من أشار إليه جبريل» وروى أنه صلى الله عليه وسلم نقب على النقباء أسعد بن زرارة فلما توفي أسعد والمسجد يبنى اجتمع بنو النجار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يجعل منهم شخصا نقيبا عليهم، فقال: «أنتم أخوالي وأنا نقيبكم» [ (١) ] وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخصّ بها بعضهم دون بعض قال السهيلي: «وإنما جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر نقيبا اقتداء بقول الله تعالى في قوم موسى وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً [المائدة: ١٢] .

٤/٢٠٥٤/٢٠٥

وقال كعب بن مالك يذكرهم فيما رواه ابن هشام عن أبي زيد [الأنصاري] : فأبلغ أبيّا أنّه فال [ (١) ] رأيه ... وحان غداة الشّعب والحين واقع أبى الله ما منّتك نفسك إنّه ... بمرصاد أمر النّاس راء وسامع وأبلغ أبا سفيان إن قد بدا لنا ... بأحمد نور من هدى الله ساطع فلا ترعين في حشد أمر تريده ... وألّب وجمّع كلّ ما أنت جامع ودونك فاعلم أنّ نقض عهودنا ... أباه عليك الرّهط حين تبايعوا أباه البراء وابن عمرو كلاهما ... وأسعد يأباه عليك ورافع وسعد أباه السّاعديّ ومنذر ... لأنفك إن حاولت ذلك جادع [ (٢) ] وما ابن ربيع إن تناولت عهده ... بمسلمه لا يطمعن ثمّ طامع وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة ... وإخفاره من دونه السّمّ ناقع وفاء به والقوقلي ابن صامت ... بمندوحة عمّا تحاول يافع أبو هيثم أيضا وفي بمثلها ... وفاء بما أعطى من العهد خانع وما ابن حضير إن أردت بمطمع ... فهل أنت عن أحموقة الغيّ نازع وسعد أخو عمرو بن عوف فإنّه ... ضروح لما حاولت ملأمر مانع أولاك نجوم لا يغبّك منهم ... عليك بنحس في دجى اللّيل طالع فذكر كعب فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولم يذكر رفاعة. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف: «يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟» قالوا: نعم. قال: «إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس فإن كنتم تريدون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتل أسلمتموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة وإن كنتم تريدون أنكم وافون له بما عاهدتموه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة» . قالوا: «فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله» ؟ قال: «الجنة» . قالوا: ابسط يدك. فبسط يده، فبايعوه.

فأما عاصم بن عمر بن قتادة فقال: «والله ما قال ذلك العباس إلا ليشدّ العقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أعناقهم» . وأما عبد الله بن أبي بكر فقال: «ما قال ذلك العباس إلا ليؤخّر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبيّ بن سلول فيكون أقوى لأمر القوم» ، فالله أعلم أي ذلك كان، قال ابن إسحاق: «وبنو النّجّار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنو عبد الأشهل يقولون: «بل أبو الهيثم بن التيهان» .

٤/٢٠٦٤/٢٠٦

وفي حديث كعب بن مالك قال: «كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، البراء بن معرور، ثم بايع بعد القوم، فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قطّ: يا أهل الجباجب: هل لكم في مذمّم والصّبّاء معه قد اجتمعوا على حربكم؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أزبّ العقبة، هذا ابن أزيب، استمع أي عدوّ الله، أما والله لأفرغنّ لك» . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفضوا إلى رحالكم» . فقال هل العباس بن عبادة ابن نضلة، «والله الّذي بعثك بالحق إن شئت لنميلنّ على أهل منى غدا بأسيافنا» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم» . فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها [حتى أصبحنا] .

وذكر سليمان بن طرخان التّيميّ في كتاب السّير له أن إبليس لعنه الله، لمّا أسلم من أسلم من الأنصار صاح ببنيه بين الحجّاج: «إن كان لكم بمحمد حاجة فأتوه بمكان كذا وكذا فقد حالفه الذين يسكنون يثرب» . قال: «ونزل جبريل فلم يبصره من القوم أحد، واجتمع الملأ من قريش عند صرخة إبليس، فعظم الأمر بين المشركين والأنصار حتى كاد أن يكون بينهم قتال: ثم إن أبا جهل كره القتال في تلك الأيام فقال: يا معشر الأوس والخزرج أنتم إخواننا وقد أتيتم أمرا عظيما، تريدون أن تغلبونا على صاحبنا، فقال له حارثة بن النعمان: نعم وأنفك راغم، والله لو نعلم أنه من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجك أيضا لأخرجناك. فقال أبو جهل: نعرض عليكم أن نلحق بكم من أصحاب محمد من شاء بعد ثلاثة أشهر، ونعطيكم ميثاقا ترضون به أنتم ومحمد لا نحبسه بعد ذلك. فقالت الأنصار: «نعم إذا رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، فذكر الحديث. وقال كعب في حديثه: فقالوا: «يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا لتخرجوه من بين أظهرنا وتبايعوه على حربنا، وإنه والله ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم» . قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه. وقد صدقوا لم يعلموه. قال: وبعضنا ينظر إلى بعض. قال: ثم قام القوم وفيهم الحرث بن هشام بن المغيرة المخزومي- وأسلم بعد ذلك- وعليه نعلان جديدان. قال: فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيّد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ قال: فسمعها الحرث فخلعهما من رجليه، ثم رمى بهما إليّ، فقال: والله لتنتعلنّهما. قال: يقول أبو جابر: [مه] أحفظت والله الفتى فاردد عليه نعليه. قال: قلت: لا والله لا أردهما، فأل والله صالح، لئن صدق الفأل لأسلبنّه» . قال ابن إسحاق: «وحدثني عبد الله بن أبي بكر: أنهم أتوا عبد الله بن أبيّ بن سلول فقالوا له مثل ما ذكر كعب من القول، فقال لهم: والله إن هذا لأمر جسيم ما كان قومي ليتفوتوا عليّ بمثل هذا وما علمته. قال: فانصرفوا عنه. قال: ونفر الناس من منى، فتنطّس القوم الخبر، فوجدوه قد كان. وخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر، والمنذر بن عمرو، وكلاهما كان نقيبا. فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمّته وكان ذا جمّة وشعر كثير. قال سعد: فو الله إني لفي أيديهم إذ طلع عليّ نفر من قريش فيهم رجل وضيء أبيض شعشاع حلو من الرجال. قال: قلت في نفسي: إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا. قال: فلما دنا منّي رفع يده فلطمني لطمة شديدة- قال ابن هشام: هو سهيل بن عمرو، قلت: وأسلم بعد ذلك- قال: فقلت في نفسي: لا والله ما عندهم بعد هذا خير. قال: فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذا أوى إلى رجل ممن كان معهم- قال ابن هشام: هو أبو البختريّ بن هشام، قلت: ومات كافرا- فقال: ويحك: أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ قال: قلت: بلى والله ولقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عديّ تجارة، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي، وللحرث بن حرب بن أمية. قال: ويحك، فاهتف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما. قال: ففعلت وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح ليهتف بكما ويذكر أن بينه وبينكما جوارا. قالا: ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة. قالا: صدق والله إن كان ليجير لنا تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده. قال: فجاء فخلّصا سعدا من أيديهم، فانطلق. قال ابن إسحاق: وكان أول شعر قيل في الهجرة بيتين قالهما ضرار بن الخطاب بن مرداس أخو بني محارب بن فهر- قلت: وأسلم بعد ذلك. تداركت سعدا عنوة فأخذته ... وكان شفاء لو تداركت منذرا ولو نلته طلّت هناك جراحه ... وكان حرّيا أن يهان ويهدرا [ (١) ] قال ابن هشام: ويروى: «وكان حقيقا أن يهان ويهدرا» ، قال ابن إسحاق: فأجابه حسان بن ثابت فيهما فقال: فلست إلى عمرو ولا المرء منذر ... إذا ما مطايا القوم أصبحن ضمّرا أتفخر بالكتّان لمّا لبسته ... وقد يلبس الأنباط ريطا مقصّرا فلولا أبو وهب لمرّت قصائد ... على شرف البرقاء يهوين حسّرا فلاتك كالوسنان يحلم أنّه ... بقرية كسرى أو بقرية قيصرا ولا تك كالثّكلى وكانت بمعزل ... عن الثّكل لو كان الفؤاد تفكّرا ولا تك كالشّاة التي كان حتفها ... بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا ولا تك كالغاوي فأقبل نحره ... ولم يخشه سهما من النّبل مضمرا فإنّا ومن يهدي القصائد نحونا ... كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا [ (١) ]

تنبيهات

٤/٢٠٨٤/٢٠٨

الأول: لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور بإعادة الصلاة التي صلاها إلى الكعبة حيث كان الفرض عليهم إلى بيت المقدس لأن البراء أسلم لما شاهد النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يأمره بإعادة تلك الصلاة من أجل ذلك كذا قيل، والذي يقتضيه سياق القصة أن البراء كان مسلما قبل هجرته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن تكون صلاة البراء إلى الكعبة اتّباعا لمّا علم به من علماء اليهود إن هذا النبي المبعوث في عصرهم هو على دين إبراهيم ودينهم وقبلته الكعبة مستصحبا لأصل الحكم في ذلك، ورجّحه على ما وجد فيه من التردد وضده في ثبوته والاختلاف في صحته، وهو وجه من وجوه الترجيح. وقال السهيلي: إنما لم يأمره صلى الله عليه وسلم بإعادة ما قد صلّى لأنه كان متأوّلا.

«مجنّة» : بميم فجيم مفتوحتين، وكسر بعضهم الميم، سويق بأسفل مكة على بريد منها.

«عكاظ» بالضم: سوق بقرب مكة وراء قرن المنازل.

«مضر» بضم الميم وفتح الضاد المعجمة.

«يؤويني» : يضمّني إليه ويحوطني.

«فقهنا» بكسر القاف: فهمنا.