بيعة العقبة الأولى ١/١٩٧ ١/١٩٧ وقد جرت بيعة العقبة الأولى في العام التالي على لقاء وفد الخزرج، حيث حضر اثنا عشر رجلاً؛ عشرة من الخزرج واثنان من الأوس، مما يشير إلى أن نشاط وفد الخزرج الذين أسلموا في العام الماضي تركز على وسطهم القبلي بالدرجة الأولى لكنهم تمكنوا بنفس الوقت من اجتذاب رجال من الأوس، وكان ذلك بداية ائتلاف القبيلتين تحت راية الإسلام.
إن مصدر المعلومات الصحيحة الرئيسي عن بيعة العقبة الأولى هو عبادة بن الصامت الخزرجي - وهو شاهد عيان مشارك بالبيعة - وقد جاءت روايته في الصحيحين: وسيرة ابن إسحاق، لكنها عند ابن إسحاق أوضح وأكمل ونصها كما يلي.
قال عبادة بن الصامت: "كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلاً، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء - وذلك قبل أن يفترض علينا الحرب: على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفترته من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء غفر وإن شاء عذب" ١ . ٦
١ سيرة ابن هشام ٢/ ٤١، ٤٢ بإسناد صحيح لغيره فإن حديث عبادة بن الصامت في صحيح البخاري قريب من سياق ابن إسحاق (فتح الباري ١/ ٦٦ وصحيح مسلم ٣/ ١٣٣٣.١/١٩٨ ١/١٩٨ والمقصود أنهم بايعوا على وفق بيعة النساء التي نزلت بها الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ ١ بعد صلح الحديبية ٢ . حيث لم يرد في بيعة العقبة الأولى ذكر القتال.
١ الممتحنة ١٢.٢ ابن حجر: فتح الباري ١/ ٦٦، ١٢/ ١٩٧ ويلاحظ أن الحافظ - رحمه الله - خلط بين نصوص بيعتي العقبة الأولى والثانية مما جعل كلامه متداخلاً مضطرباً. وأنظر تراجعه في ٧/ ٢٢٢ (انظر سليمان العودة: السيرة النبوية في الصحيحين وعند ابن إسحاق ٣٤٦). ولا يعيب هذا الحافظ ابن حجر فكثيراً ما حل لنا المشكلات العويصة في السيرة.ومعنى ذلك أن عبادة حدث بهذا النص بعد نزول الآية فشبه بيعة العقبة الأولى ببيعة النساء. ويلاحظ أن نص البيعة يكل معاقبة الجرائم إلى الله تعالى في الآخرة لعدم تشريع الحدود الإسلامية مما يؤكد قدم النص وأنه يخص بيعة العقبة الأولى.
ولما انجزت بيعة العقبة الأولى، وعاد الأنصار إلى المدينة بعث رسول الله معهم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين. فقام بمهمته خير قيام وانتشر على يديه الإسلام، ورجع إلى مكة قبل بيعة العقبة الثانية ١ .
١ سيرة ابن هشام ١/ ٤٣٨ وتزيد الكتب الأخرى هناسبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ
٤/١٩٧ ٤/١٩٧ وروى الشيخان والبيهقي، واللفظ له عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض علينا الحرب، على ألّا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف.
قال: «فمن وفى ذلك منكم فأجره على الله» . وفي لفظ: «فله الجنة» ، «ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو له كفّارة وطهور، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عذّب وإن شاء غفر» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُ الْقَوْمُ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُمْ الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمَهُمْ الْإِسْلَامَ، وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، فَكَانَ يُسَمَّى الْمُقْرِئَ بِالْمَدِينَةِ: مُصْعَبٌ. وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ، أَبِي أُمَامَةَ.
الموسوعة في صحيح السيرة النبوية الفالوذة، ت ١٤٤٠هـ
١/٥٠١ ١/٥٠١ فجميع من شهد العقبة من الأوس أحد عشر رجلًا
صحيح وضعيف تاريخ الطبري محمد البرزنجي
٢/٤٨ ٢/٤٨ ٤٣ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، قال: فلمّا انصرف عنه القومُ بعث معهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدّار بن قُصَيّ، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلِّمهم الإسلام، ويفقههم في الدّين؛ فكان يسمّى مُصعب بالمدينة: المقرئ، وكان مَنْزلُه على أسعد بن زرارة بن عُدس أبي أمامة ١ . (٢: ٣٥٧) .
وقد قيل: أن النبي ﷺ بعث مصعبا بعد العقبة الثانية. فكان بالمدينة حتى وافاها رسول الله ﷺ . وقيل: إنه رجع إلى مكة، فهاجر مع النبي ﷺ وأصحابه.
ليس فيهم عندنا اختلاف، أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتَادة عن محمود بن لبيد قال: وحدّثنا يونس بن محمّد الظّفَريّ عن أبيه قال: وحدّثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه وعن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الرحمن بن عُسَيلَة الصُّنابحي عن عُبادة بن الصامت قالوا: لما كان العام المقبل من العام الذي لقي فيه رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، النفر الستّة لقيه اثنا عشر رجلًا بعد ذلك بعام، وهي العَقَبة الأولى، من بني النّجّار أسعد بن زُرارة، وعَوْف ومُعاذ وهما ابنا الحارث، وهما ابنا عَفْراء، ومن بني زُريق ذكوان بن عبد قيس ورافع بن مالك، ومن بني عوف بن الخزرج عبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة أبو عبد الرحمن، ومن بني عامر بن عوف عبّاس بن عُبادة بن نَضْلة، ومن بني سلمة عُقْبة بن عامر بن نابئ، ومن بني سواد قُطْبة بن عامر بن حَديدة، فهؤلاء عشرة من الخزرج، ومن الأوس رجلان أبو الهيثم بن التّيّهان من بليّ حليفٌ في بني عبد الأشهل، ومن بني عمرو بن عوف عُويم بن ساعدة، فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء، على أن لا نُشرك بالله شيئًا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتيَ ببُهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيَه في معروف، قال: فَإنْ وَفّيْتُمْ فَلَكُمُ الجَنّةُ وَمَنْ غَشِيَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ أمْرُهُ إلى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَذّبَهُ وَإنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، ولم يُفرض يومئذ القتال، ثمّ انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام، وكان أسعد بن زُرارة يُجَمّعُ بالمدينة بمن أسلم، وكتبت الأوس والخزرج إلى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: ابعث إلينا مقرئًا يُقرئنا القرآن، فبعث إليهم مُصعب بن عُمير العَبْدَريّ فنزل على أسعد بن زُرارة فكان يقرئهم القرآن، فروى بعضهم أن مُصعبًا كان يُجَمّع بهم ثمّ خرج مع السبعين حتى وافوا الموسم مع رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - (١) .
بيعة العقبة الثانية ولما انتشر الإسلام في المدينة، واطمأن المسلمون المهاجرون بين إخوانهم الأنصار، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة يلاقي عنت قريش وأذاها الذي كان يشتد على مر الأيام، قدم وفد من الأنصار في موسم الحج فبايعوا بيعة العقبة الثانية.
قال جابر بن عبد الله الأنصاري: "فقلنا: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف، فرحل إليه منا سبعون رجلاً حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله نبايعك.
قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة.
قال: فقمنا إليه فبايعناه. وأخذ بيده أسعد من زرارة - وهو من أصغرهم - فقال: رويدا أهل يثرب، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف. فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم جبينة فبينوا ذلك فهو عذر لكم عند الله.
قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً ولا نسلبها.
قال: فقمنا إليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة. ٧
١/١٩٩ ١/١٩٩ "وقد نظر العباس في وجوه وفد الأنصار ثم قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث. مما يدل على غلبة الشباب على الوفد ١ .
١ مسند أحمد ٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣، ٣٣٩ - ٣٤٠ بإسناد حسن ومستدرك الحاكم ٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥ وصححه وأقره الذهبي. والسيرة النبوية لابن كثير ٢/ ١٩٦ وصححه على شرط مسلم ويرى ابن حجر أن فيه علة تدليس أبي الزبير وقد عنعن. ويقول: فعل تصحيحه أو تحسينه بالنظر لشواهده (فتح الباري ٧/ ٢٢٢ - ٢٢٣.وهكذا بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطاعة والنصرة والحرب لذلك سماها عبادة بن الصامت بيعة الحرب ١ .
١ سيرة ابن هشام ٢ - ٦٣ ومسند أحمد ٥/ ٣١٦ بإسناد صحيح لغيره.وتقِّدم رواية الصحابي كعب بن مالك الأنصاري- وهو أحد المبايعين في العقبة الثانية - تفاصيل مهمة؛ قال: "خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا ... ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق ... وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا ... فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعين رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب .. ، وأسماء بنت عمرو ... فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس ابن عبد المطلب - وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له - فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب "فبين أن الرسول في منعة من قومه بني هاشم ولكنه يريد الهجرة إلى المدينة، ولذلك فإن العباس يريد التأكد من حماية الأنصار له وإلا فليدعوه. فطلب الأنصار أن يتكلم رسول الله فيأخذ لنفسه ولربه ما يحب من الشروط. ٢
١/٢٠٠ ١/٢٠٠ "فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن، دعا إلى الله ورغَّب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. ١
فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق، لنمنعنَّك مما نمنع منه أُزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر " فقاطعه أبو الهيثم بن التيهان متسائلاً: " يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالاً وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ ٢
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم بالدم والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم ".
ثم قال: أَخْرِجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم. فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس" ٥
وقد طلب الرسول صلى الله عليه وسلم منهم الانصراف إلى رحالهم، وقد سمعوا الشيطان يصرخ منذراً قريشاً، فقال العباس بن عبادة بن نضلة: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنَّ على أهل منى غداً بأسيافنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم". ٤
١/٢٠١ ١/٢٠١ فرجعوا إلى رحالهم، وفي الصباح جاءهم جمع من كبار قريش، يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي ودعوتهم له للهجرة، فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا والمسلمون ينظرون إلى بعضهم! ١ .
١ سيرة ابن هشام ١/ ٤٣٩ - ٤٤٣، ٤٤٧ - ٤٤٨ بإسناد حسن، وقد صححه ابن حبان كما في فتح الباري ٧/ ٢٢١. وأخرجه أحمد في مسنده ٣/ ٤٦٠ من طريق ابن إسحق أيضاً وفي فضائل الصحابة ٢/ ٩٢٣ مختصراً. ووقع في سند ابن إسحاق مرة ذكر الزهري واسطةً لتحميله عن معبد بن كعب، وهو وهم سلك فيه الراوي الجادة (سيرة ابن هشام تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ٢/ ٤٧ ووقع في ط. السقا بالاستناد إلى أصلين دون ذكر الزهري (سيرة ابن هشام ١/ ٤٤٧) وكذلك في فتح الباري ٧/ ٢٢١، وابن إسحاق يروي مباشرة عن معبد بن كعب ولا يحتاج إلى واسطة.وهكذا مرت البيعة بسلام وعاد الأنصار إلى المدينة.
ينتظرون هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم بتلهف كبير.
وتزيد الكتب الأخرى هناصحيح وضعيف تاريخ الطبري محمد البرزنجي
٢/٥٠ ٢/٥٠ ٤٤ - فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني مَعْبَد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القيْن، أخو بني سَلمة، أنّ أخاه عبد الله بن كَعْب - وكان من أعلم الأنصار - حدّثه أنّ أباه كعب بن مالك حدّثه - وكان كعب ممّن شهد العقبَة، وبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها- قال: خرجنا في حُجّاج قومنا، وقد صلّينا وفقهنا، ومعنا البَراءُ بن مَعْرُور، سيّدُنا وكبيرنا. فلمّا وُجّهنا لسفرنا، وخرجنا من المدينة، قال البرَاء لنا: والله يا هؤلاء، إني قد رأيتُ رأيًا، والله ما أدري أتُوافقونني عليه أم لا! قال: فقلنا: وما ذاك؟ قال: قد رأيتُ ألّا أدعَ هذه البنيَّة منّي بظهر -يعني الكعبة- وأنْ أصلِّيَ إليها. قال: فقلنا: والله ما بلغنا عن نبيّنا أنه يصلي إلّا إلى الشام، وما نريدُ أن نخالفه. قال: فقال: إنّي لمُصلٍّ إليها، قال: فقلنا له: لكنَّا لا نفعل، قال: فكنَّا إذا حضرت الصّلاة صلّينا إلى الشام، وصلى إلى الكعبة حتى قدمنا مكة.
قال: وقد عِبْنا عليه ما صنَع، وأبَى إلّا الإقامة على ذلك، فلما قدِمْنَا مكّة قال لي: يا بنَ أخي، انطلِقْ بنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى أسأله عمّا صنعتُ في سفري هذا، فإنّي والله لقدْ وقعَ في نفسي منه شيء؛ لما رأيت من خِلافكم إيَّاي فيه.
قال: فخرجنْا نسأل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكنّا لا نعرفه، ولم نرَهُ قبل ذلك - فلقينا رجُلًا من أهلِ مكّة، فسألناه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: هل تعرفانه؟ قلنا. لا، قال: فهل تعرفان العبّاس بن عبد المطّلب عمّه؟ قلنا: نعم - قال: وقد كنا نعرف العبّاس، كان لا يزال يقدمُ علينا تاجرًا - قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرّجل الجالس مع العباس بن عبد المطلب، قال: فدخلنا المسجد؛ فإذا العبّاس جالس ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس مع العبّاس؛ فسلّمنا؛ ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعبّاس: هل تعرفُ هذين الرّجُلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم؛ هذا البَرَاء بن معرور سيّد قومه؛ وهذا كعب بن مالك - قال: فوالله ما أنسى قولَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الشاعر؟ قال: نعم- قال: فقال له البَراء بن معرور: يا نبيّ الله؛ إني خرَجتُ في سفري هذا؛ وقد هداني الله للإسلام، فرأيت ألّا أجعل هذه البنيّة منّي بظهر، فصلّيت إليها؛ وقد خالفني أصحابي في ذلك؛ حتى وقع في نفسي من ذلك شيء؛ فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: قد كنتَ على قِبْلَةٍ لو صبرت عليها! فرجع البَراء إلى قِبْلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وصلّى معنا إلى الشام، قال: وأهلُه يزعمون أنه صلّى إلى الكعبة حتى مات؛ وليس ذلك كما قالوا؛ نحن أعلم به منهم.
قال: ثم خرجْنا إلى الحجّ، وواعَدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العقَبة من أوسط أيام التّشريق.
قال: فلما فرغنا من الحجِّ؛ وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها؛ ومعنا عبد الله بن عمرو بن حَرَام، أبو جابر. أخبرناه، وكنّا نكتُم مَنْ معنا من المشركين من قومنا أمرَنا؛ فكلّمناه، وقلنا له: يا أبا جابر؛ إنّك سيّد من سادتنا، وشريفٌ من أشرافنا، وإنّا نرغبُ بك عمّا أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا. ثم دعَوْنَاه إلى الإسلام؛ وأخبرناه بميعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيّانا العقَبة.
قال: فأسلم، وشهد معنا العقَبة -وكان نقيبًا- فبتْنا تلك اللّيلة مع قومنا في رِحالنا حتى إذا مضى ثُلث الليل، خرجْنا من رِحَالنا لميعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، نتسلل مستخفين تسلُّل القَطا؛ حتى اجتمعنا في الشِّعب عند العقَبة؛ ونحن سبعون رجلًا، ومعهم امرأتان من نسائهم: نُسيبة بنت كعب أمّ عُمارة إحدى نساء بني مازن بن النّجار، وأسماء بنت عمرو بن عديّ، إحدى نساء بني سَلمة؛ وهي أمّ منيع؛ فاجتمعنَا بالشِّعب ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى جاءنا ومعه عَمُّه العبّاس بن عبد المطّلب وهو يومئذ على دين قومه؛ إلّا أنه أحبّ أن يحضُرَ أمرَ ابن أخيه، ويتوثَّق له؛ فلمّا جلس كان أوّل مَنْ تكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشرَ الخزرج - وكانت العربُ إنما يسمُّون هذا الحيّ من الأنصار: الخزرج؛ خزرجها وأوسها- إن محمدًا منا حيث قد علمتم؛ وقد منعناه من قومنا ممّن هو على مثل رأينا؛ وهو في عزّ من قومه ومنَعَة في بلده؛ وإنه قد أبى إلّا الانقطاعَ إليكم واللّحُوق بكم؛ فإن كنتم تروْن أنّكم وافون له بما دعوتموه إليه؛ ومانعوه ممّن خالفه؛ فأنتم وما تحمّلتم من ذلك؛ وإن كنتم تروْن أنكم مُسلموهُ وخاذلوه بعد الخروج إليكم؛ فمن الآن فدَعُوه، فإنّه في عزّ ومَنَعةٍ من قومه وبلده.
قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت؛ فتكلّم يا رسول الله؛ وخذ لنفسك وربّك ما أحبَبتَ.
قال: فتكلّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغَّب في الإسلام، ثمّ قال: أبايعُكم عَلى أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
صحيح السيرة النبوية (إبراهيم العلي) إبراهيم العلي، ت ١٤٢٥هـ
١/١٠٩ ١/١٠٩ ١٤٤ - ومن حديث كعب بن مالك رضي الله عنه وسياقه أطول وتفصيله أكثر: وكان ممن شهد العقبة وبايع رسول الله قال: "خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا، معنا البراء بن معرور، كبيرنا وسيدنا، فلما توجهنا لسفرنا، وخرجنا من المدينة، قال البراء لنا: يا هؤلاء إني قد رأيت رأيًا، وإني والله ما أدري توافقوني عليه أم لا؟ قلنا له: وما ذاك؟
قال: إني قد رأيت أن أدع هذه البنية حتى تظهر، يعني الكعبة، وأن أصلي إليها، قال: فقلنا والله بلغنا أن نبينا ﷺ يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه، قال: فقال: إني لمصل إليها. قال: فقلنا له: لكنا لا نفعل قال: فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى هو إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة.
قال: وكنا قد عتبنا عليه، وأبي إلا الإقامة عليه، فلما قدم مكة قال لي: يا ابن أخي انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ ، حتى نسأله عما صنعت في سفري هذا، فإنه والله لقد وقع في نفسي منه شيء، لما رأيت من خلافكم إياي فيه.
قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ ، وكنا لا نعرفه، ولم نره قبل ذلك فلقينا رجلًا من أهل مكة، فسألناه عن رسول الله ﷺ فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا قال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟
قال: قلنا: نعم، قال: وقد كنا نعرف العباس - كان لا يزال يقدم علينا تاجرًا قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس. قال: فدخلنا المسجد فهذا العباس جالس، ورسول الله ﷺ جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله ﷺ للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟
قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك.
قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله ﷺ : الشاعر؟ قال: نعم، فقال له البراء بن معرور: يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا، وقد هداني الله للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر، فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟
قال: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها. قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ﷺ ، وصلى معنا إلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم.
قال: وخرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله ﷺ بالعقبة من أوسط أيام التشريق، قال: فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا، ثم دعوناه إلى الإِسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ إيانا العقبة. قال: فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبا.
قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ ، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى إذا اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاث وسبعون رجلًا، ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبه بنت كعب أم عمارة -إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي، إحدى نساء بني سلمة، وهي أم منيع.
قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ ، حتى جاءنا ومعه (عمه) العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج -وكانت العرب، إنما يسمون هذا الحي من الأنصار: الخزرج خزرجها وأوسها- إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده.
قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
قال: فتكلم رسول الله ﷺ ، فتلا القرآن، ودعا إلى الله عز وجل ، ورغب في الإِسلام، ثم قال: (أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم) .
قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبيًّا، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله ﷺ ، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ١ ، ورثناها كابرا عن كابر.
قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله ﷺ أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
قال فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: (بل الدم الدم، والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم) .
وقال رسول الله ﷺ : (أخرجوا لي اثنى عشر نقيبًا منكم يكونون على قومهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا منهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس) .
فلما اجتمعنا في الشّعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنّه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه، ويستوثق له، فلمّا جلس كان أول متكلّم، قال: يا معشر الخزرج ١ ! إنّ محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزّة من قومه، ومنعة في بلده، وإنّه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك!! وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الان فدعوه، فإنّه في عزة ومنعة من قومه وبلده ...
قال كعب: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلّم يا رسول الله! فخذ لنفسك وربك ما أحببت، فتكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القران، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» .
قال كعب: فأخذ البراء بن معرور بيده، وقال: نعم، فوالذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن- والله- أبناء الحروب، ورثناها كابرا عن كابر، فاعترض هذا القول- والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم- أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله! إنّ بيننا وبين الرجال- يعني: اليهود- حبالا وإنّا قاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك، وتدعنا؟ قال: فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» .
سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ
٤/٢٠٣ ٤/٢٠٣ فلما جلس كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال: «يا معشر الخزرج، - قال:
وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها- إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممّن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزّ ومنعة من قومه وبلده. وروى الإمام أحمد عن الشعبي عن أبي مسعود البدري [ (٣) ] رضي الله عنه قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمّه العباس إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة فقال: «ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم» . فقلنا «قد سمعنا ما قلت فتكلّم يا رسول الله وخذ لنفسك ولربك ما أحببت» .
قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام، ثم قال:
«أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» . قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: «نعم فوالله الذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر» . قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو الهيثم بن التيهان، فقال: «يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها- يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟» قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «بل الدّم الدّم والهدم الهدم»
ثُمَّ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ مَعْبَدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ، قَالَ: فَنِمْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا، حَتَّى إِذَا مَضَى ثُلْثُ اللَّيْلِ، خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، نَتَسَلَّلُ تَسَلُّلَ الْقَطَا، مُسْتَخْفِينَ حَتَّى اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا، وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِنَا; نَسِيبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ أُمُّ عُمَارَةَ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، وَأَسْمَاءُ ابْنَةُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي إِحْدَى نِسَاءِ بَنِيَ سَلِمَةَ، وَهِيَ أُمُّ مَنِيعٍ. وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ إِسْحَاقَ، فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْهُ، بِأَسْمَائِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ.
قُلْتُ: وَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعِينَ، فَالْعَرَبُ كَثِيرًا مَا تَحْذِفُ الْكَسْرَ. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، كَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا وَامْرَأَةً وَاحِدَةً. قَالَ: مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ مِنْ ذَوِي أَسْنَانِهِمْ، وَثَلَاثُونَ مِنْ شَبَابِهِمْ. قَالَ: وَأَصْغَرُهُمْ أَبُو مَسْعُودٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ، أَثْبَتُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَاجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى جَاءَنَا وَمَعَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، إِلَّا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ، وَيَتَوَثَّقَ لَهُ، فَلَمَّا جَلَسَ كَانَ أَوَّلَ مُتَكَلِّمٍ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ - قَالَ: وَكَانَتِ الْعَرَبُ إِنَّمَا يُسَمُّونَ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ الْخَزْرَجَ، خَزْرَجَهَا وَأَوْسَهَا - إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأَيِنَا فِيهِ، فَهُوَ فِي عِزَّةٍ مَنْ قَوْمِهُ، وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ أَبَى إِلَّا الِانْحِيَازَ إِلَيْكُمْ، وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافَوْنَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ، وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ بِهِ إِلَيْكُمْ فَمِنَ الْآنَ فَدَعُوهُ، فَإِنَّهُ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ. قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: قَدْ سَمِعْنَا مَا قَلَتَ، فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ. قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلَا الْقُرْآنَ، وَدَعَا إِلَى اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ: «أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ» . قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لِنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ وَاللَّهِ أَبْنَاءُ الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. قَالَ: فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ - وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالًا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا - يَعْنِي الْيَهُودَ - فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ، أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «بَلِ الدَّمُ الدَّمُ، وَالْهَدْمُ الْهَدْمُ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ» . قَالَ كَعْبٌ: وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَخْرِجُوا إِلَى مِنْكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا يَكُونُونَ عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا فِيهِمْ» فَأَخْرَجُوا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، تِسْعَةً مِنَ الْخَزْرَجِ، وَثَلَاثَةً مِنَ الْأَوْسِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَهُمْ أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ - الْمُتَقَدِّمُ - وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ - الْمُتَقَدِّمُ - وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورِ بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ
قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَلَا الْقُرْآنَ، وَدَعَا إلَى اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ. قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ (نَبِيًّا) ، لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا ، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ وَاَللَّهِ أَبْنَاءُ الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا (عَنْ كَابِرٍ) . قَالَ:
فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ، وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالًا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا- يَعْنِي الْيَهُودَ- فَهَلْ عَسَيْتَ إنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: بَلْ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ.