حفر زمزم
وقد تعددت مآثر عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، فكان قُصي -جد هاشم، وهاشم جد والد النبي عبد الله- أبرزَ رجالات قريش في عصره، وهو الذي نظم إدارة مكة عن طريق استحداث دار الندوة التي يعقد فيها ملأ قريش اجتماعاتهم، كما أنه وزع الرِّفادة والسِّقاية والحج واللواء بين عشائر قريش.
وقد حافظت العشيرة على مكانتها زمن عبد المطلب الذي اشتهر بحفر بئر زمزم التي بقيت قرونًا عديدة تمثل أهم عيون المياه بمكة ومصدر معلوماتنا عن قصة حفر زمزم هو الصحابي الجليل علي بن أبي طالب، ويبدو أن الرواية كانت معروفة مشهورة لقرب العهد بها، ولعل عليًا سمعها من أبيه الذي سمعها بدوره من عبد المطلب، وأما طريق نقل الرواية فهو سند حسن إلى علي (رضي الله عنه) من رواية ابن إسحاق مصرحًا بالسماع.
وخلاصة ما حكاه عبد المطلب أنه رأى رؤيا منامية في أربع ليال، يأمره آتٍ بحفر البئر دون أن يحدد موقعها وفي المرة الرابعة حدّد له موقع البئر وصرح باسمها "زمزم". فحفر عبد المطلب في موقعها وكشف عن الماء، فنازعته قريش وطلبت إشراكها معه في الماء، فلم يقبل، فاحتكموا إلى كاهنة، ولكن قبل وصولهم إليها حدث أن نفد الماء عند عبد المطلب، ومن معه، وأبت قريش أن تشركه بالماء الذي عندها، حرصًا على الماء في الصحراء، فلما أشرف عبد المطلب ومن معه على الهلاك وحفروا قبورهم انبجست عين ماء تحت حافر ناقة عبد المطلب، فشرب القوم جميعًا واعتبروا ذلك علامة على أحقية عبد المطلب بماء زمزم فأسلموها إليه.
ولا شك أن الحادثة والسيطرة على الماء معًا عزَّزتا مكانة بني هاشم في مكة ١ . وأما الآثار التي زعم أنه عثر عليها في البئر كالغزال الذهبي والسيوف القلعية فلم تصح بها الرواية ٢ .
- ١ابن هشام: السيرة ١/ ١٣١ - ١٣٤ وابن إسحاق: السير والمغازي ٢٤ - ٢٥ والبيهقي: دلائل النبوة ١/ ٩٣ - ٩٥ والأزرقي: أخبار مكة ٢/ ٤٤ - ٤٦ وكلهم من طريق ابن إسحاق.
- ٢محمد بن حبيب: المنمق ٣٣٤ من طريق عبد الأعلى بن أبي المساور وهو متروك (تقريب التهذيب). وعبد الرزاق: المصنف ٥/ ٣١٤ من طريق الزهري مرسلًا، ومراسيله ضعيفة. وابن سعد: الطبقات ١/ ٨٥ بإسناد فيه ضعف إلى أبي مجلز السدوسي (ت ١٠٩ هـ) بسبب خالد بن خداش فإنه صدوق يخطيء مرسلًا، ومن طريق هشام الكلبي وهو متروك. وابن هشام: السيرة ١/ ١٣٤ - ١٣٦ من رواية ابن إسحاق بدون إسناد. وأبو عبيد: غريب الحديث ٤/ ٢٦ بالحاشية ٤/ ٢٦ بالحاشية بإسناد حسن إلى سعيد بن المسيب الذي لم يحدد سنده إلى عبد المطلب.
ورغم ذلك فإن تعدد مخارج الخبر (سعيد بن المسيب + الزهري) ينهض لدعم الحدث التأريخي ما دام لا يتعلق بالعقيدة أو الشريعة.
، ، ، ، ، ، ، ،