السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

معجزة شق الصدر

تقرأ في أكرم العمري، ١٠ نصوص في هذا الحدث الطبعة: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة السادسة ١٤١٥ هـ
١/١٠٣

وقعت أحداث شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم وغسله ولأمِهِ، مرتين ١ ، الأولى عندما كان طفلًا في الرابعة من عمره ٢ .، يلعَبُ في بادية بني سعد، وقد روى الإِمام مسلم في صحيحه حادثة الشق الأولى عن أنس بن مالك "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقةً فقال: هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ٣ ، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني ظئره- فقالوا إن محمد قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره ٤ .

  1. ١وردت روايات تفيد وقوع شق الصدر مرة ثالثة قبيل البعثة ساقها أبو نعيم الأصبهاني (دلائل النبوة ص ٦٩) والطيالسي (منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داؤد ٢/ ٨٦) - ط١ سنة ١٩٧٢ هـ، المطبعة المنيرية -الأزهر- وفي إسنادها داؤد بن المحبر وهو متروك فروايته ساقطة لا يعوّل عليها، كما ساق السيوطي روايتين تفيدان وقوع شق الصدر قبل البعثة في رؤيا منامية (الخصائص الكبرى ١/ ٢٣٢).
  2. ٢ذكر عمره ابن سعد: الطبقات ١/ ١١٢ وانظر دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني ص ٤٩. وذهب الأموي ومن بعده ابن عبد البر إلى أنه كان في الخامسة، وهذا قد روي عن ابن عباس أيضًا (شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ١/ ١٥٠) ولكن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل وأبا نعيم ساقا رواية أخرى تقول إنه كان في العاشرة وأشهر من عمره (مسند أحمد ٥/ ١٣٩) وإسناده فيه معاذ بن محمد بن معاذ عن أبيه، وكلاهما مجهول كما قال ابن المديني. (الذهبي: ميزان الاعتدال ٤/ ٤٤).
  3. ٣جمعه وضم بعضه إلى بعض (شرح النووي على مسلم ٢/ ٢١٦).
  4. ٤صحيح مسلم ١/ ١٤٧، كتاب الإيمان، باب ٧٤ الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السموات وابن هشام: السيرة النبوية ١/ ١٦٦ بإسناد جيد قوي كما يقول الحافظ ابن كثير (السيرة النبوية ١/ ٢٢٩ بتحقيق مصطفى عبد الواحد).
١/١٠٤

ولا شك أن التطهير من حظ الشيطان هو إرهاص مبكر للنبوّة، وإعداد للعصمة من الشر وعبادة غير الله. فلا يحل في قلبه شيء إلا التوحيد ١ وقد دّلت أحداث صباه على تحقق ذلك فلم يرتكب إثمًا ولم يسجد لصنم ٢ . رغم شيوع ذلك في قومه.

  1. ١انظر اجتهاد العلماء في استجلاء الحكمة من الحادثة الروض الأنف للسهيلي ٢/ ١٧٣ وفتح الباري لابن حجر ٧/ ٢٠٥.
  2. ٢زعم المستشرف نيكلسون NICHOLSON أن حديث شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم أسطورة نشأت عن تفسير الآية القرآنية {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} وأنه لو كان لها أصل فعلينا أن نخمن أنها تشير إلى نوع من الصرع. NICHOLSON,R.A. Aliterary History of the Arabs (Cambridge,١٩٦٦). وهذا الذي زعمه نيكسون سبقه إليه المشركون القرشيون حين اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون فنفى الله عنه ذلك " {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} " والمعلوم عن المصروع أنه يهذي ويزبد ويفقد وعيه، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان عند الوحي في أشد حالات التركيز الذهني حتى أمره الله تعالى بأن يخفف عن نفسه {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} ثم إنه كان ينطق بكلام مبين عُدَّ آية في البلاغة، فأين هذيان المصروع من ذلك؟!!

أما المرة الثانية التي وقع فيها شق صدره عليه الصلاة والسلام فكانت ليلة الإسراء ١ .

  1. ١انظر ص ١٨٨.
١/١٠٥

لقد أدت هذه الحادثة إلى إعادة الرسول إلى أمه آمنة وجده عبد المطلب، لأن حليمة خافت عليه ١ ورغبت في إنهاء مسئوليتها عنه رغم حبِّها له وتعلقها به.

  1. ١مسند أحمد ٤/ ١٨٤ - ١٨٥ وسنن الدارمي ١/ ٨ - ٩ ومستدرك الحاكم ٢/ ٦١٦ من حديث عتبة بن عبد السلمي ومداره على بقية بن الوليد وهو مدلس ولم يصرح بالسماع في سائر طبقات الإسناد، بل عنعن في سائرها بين بحير بن سعد وخالد بن معدان، ولو فعل لحسن الإسناد، ويؤيده مرسل الزهري (المصنف لعبد الرزاق ٥/ ٣١٧ - ٣١٨).

وحكى الواقدي عن ابن عباس أنه كان في الخامسة من عمره عندما أعادته حليمة ١ .

  1. ١طبقات ابن سعد ١/ ١١٢.

وذكر غيره أنه رد إلى أمه وهو ابن أربع سنين، وكان معها إلى أن بلغ ست سنين ١ . حيث توفيت أمه آمنة بالأبواء بين مكة والمدينة، وكانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار، فماتت وهي راجعة إلى مكة ٢ .

  1. ١أبو نعيم: دلائل النبوة ١/ ١١٨ والسيرة الحلبية ١/ ١٢٣ مقتصرًا على عمره بعد مكثه عند أمه، ونقل ذلك عن الأموي.
  2. ٢هذا هو قول ابن إسحاق سمعه من عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم مرسلًا وهو قول الواقدي أيضًا (سيرة ابن هشام ١/ ١٥٥ وطبقات ابن سعد ١/ ١٦٦ - ١١٧).

ولم تثبت هذه الأخبار برواية صحيحة، ولكنها مما يتساهل فيه عادة.

وقد ترك يُتم النبي في نفسه أعمق الأثر، ففي طفولته فقد أمه وكان قد ولد يتيمَ الأب. وقد بيَّن الزُّهري أن جده عبد المطلب كفله ورعاه ١ . ويذكر الواقدي أن جدّه حين توفي -وكان عمره اثنتين وثمانين سنة- أوصى أبا طالب -عمَّه- به ٢ .

  1. ١مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣١٨ من مرسل الزهري.
  2. ٢طبقات ابن سعد (١/ ١٧٧ - ١١٩) والواقدي متروك.
١/١٠٦

وكان رسول الله في الثامنة من العمر ١ . ولا شك أن محمدًا أحس بفقدان جده لما كان يَحبُوه به من العطف والرعاية ٢ .

  1. ١ابن إسحاق: السير والمغازي ٦٥ - ٦٦ بسند منقطع والبيهقي: دلائل النبوة ٢/ ٢١ - ٢٢ والسيرة النبوية للذهبي ٢٥ - ٢٦ بإسناد ضعيف جدًا إلى ابن عباس، لضعف عبد الله بن شبيب الربعي (ميزان الاعتدال للذهبي ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
  2. ٢تشير إلى هذا المعنى روايات ضعيفة كما في طبقات ابن سعد ١/ ١١٢ - ١١٣ ومستدرك الحاكم ٢/ ٦٠٣ - ٦٠٤ وصحح الرواية ووافقه الذهبي، لكن في الإسناد عباس بن عبد الرحمن مولى بني هاشم مستور الحال (تقريب التهذيب ٢٩٣).

وقد وردت روايات تفيد عطف أبي طالب عليه وتعلقه به ١ ، ومما يدل على شدة محبة أبي طالب إياه صحبته له في رحلته إلى الشام. ويبدو أنه في فترة حضانة أبي طالب له ساعده محمد صلى الله عليه وسلم في رعي غنمه، وقد ثبت أنه عمل على رعيها لأهل مكة مقابل قراريط ٢ ، ولعل ضيق حال أبي طالب هو الذي دفعه إلى العمل لمساعدته، ورعي الغنم فيه دربة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على رعاية البشر فيما بعد، فقد ألف العمل والكفاح منذ طفولته، واعتاد أن يهتم بما حوله، ويبذل العون للآخرين، وربما يذكرنا رعيه للغنم بأحاديثه التي تحث على الإحسان للحيوان.

  1. ١ابن سعد: الطبقات ١/ ١٢٠ بأسانيد مرسلة صحيحة إلى مرسليها وهما عبد الله بن القبطية وعمرو بن سعيد القرشي. وأما ما ذكره ابن سعد من حلول البركة بطعام آل أبي طالب إذا حضره محمد فلم يثبت من طريق صحيح بل معظم الأسانيد من طريق الواقدي (راجع الاقتباسات عنه في تاريخ دمشق (السيرة) لابن عساكر ١/ ٧١ - ٧٢ والخصائص الكبرى للسيوطي ١/ ٨٣.
  2. ٢صحيح البخاري (فتح الباري ٤/ ١٤١ و٦/ ٤٣٨) وصحيح مسلم بشرح النووي ١٤/ ٥ - ٦.