السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

بشارات الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم

تقرأ في أكرم العمري، ١٩ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة السادسة ١٤١٥ هـ
١/١١٨

لقد بشر عيسى عليه السلام قومه بشارة صريحة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ١ .

  1. ١الصف ٦.

وقد وقع التحريف في نسخ التوراة والإنجيل وحذف منها التصريح باسم محمد صلى الله عليه وسلم إلا توراة السامرة وإنجيل برنابا الذي كان موجوداً قبل الإسلام وحرمَّت الكنيسة تداوله في آخر القرن الخامس الميلادي، وقد أيدته المخطوطات التي عثر عليها في منطقة البحر الميت حديثاً، فقد جاءت في إنجيل برنابا العبارات المصرحة باسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم مثل ما جاء في الإصحاح الحادي والأربعين منه ونص العبارة (٢٩ فاحتجب الله وطردهما الملاك ميخائيل من الفردوس ٣٠ فلما التفت آدم رأى مكتوباً فوق الباب: لا إله إلا الله محمد رسول الله) .

وفي موضع آخر منه هذه العبارة (١٦٣: ٧ أجاب التلاميذ يا معلم من عسى أن يكون ذلك الرجل الذي تتكلم عنه الذي سيأتي إلى العالم، أجاب يسوع بابتهاج قلب: إنه محمد رسول الله) .

وتتكرر مثل هذه البشارات في إنجيل برنابا في مواضع كثيرة -وهو مطبوع-.

وأما إنجيل لوقا فقد جاء فيه (٢: ١٤) (الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد) ، ولكن مترجميه إلى العربية لم يتوفقوا إلى الترجمة الصحيحة عن السريانية كما حقق ذلك الأستاذ عبد الأحد داؤد.

وجاء في إنجيل يوحنا في الإصحاح السادس عشر: (إن لم أنطلق لا يأتيكم الفار قليط) والفار قليط هو الحامد أو الحماد أو أحمد ونحوها ١ .

  1. ١انظر حجازي: التوارة السامرية، وفاضل صالح السامرائي: نبوة محمد بين الشك واليقين.
١/١١٩

وأما تبشير التوراة والإنجيل بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصفاته وعلاماته فقد بين القرآن الكريم ذلك بقوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ١ . قال ابن تيمية: "والأخبار بمعرفة أهل الكتاب بصفة محمد صلى الله عليه وسلم عندهم في الكتب المتقدمة متواترة عنهم" ٢ . ثم قال: "ثم العلم بأن الأنبياء قبله بَشَّروا به يُعلم من وجوه: أحدهما: ما في الكتب الموجودة اليوم بأيدي أهل الكتاب.

  1. ١الأعراف ١٥٧.
  2. ٢ابن تيمية: الجواب الصحيح ١/ ٣٤٠.

الثاني: إخبار من وقف على تلك الكتب ممن أسلم وممن لم يسلم بما وجدوه من ذكره بها. وهذا مثل ما تواتر عن الأنصار أن جيرانهم من أهل الكتاب كانوا يخبرون بمبعثه وأنه رسول الله وأنه موجود عندهم، وكانوا ينتظرونه، وكان هذا من أعظم ما دعا الأنصار إلى الإيمان به لما دعاهم إلى الإسلام حتى آمن الأنصار به وبايعوه.

وقد أخبر الله بذلك عن أهل الكتاب في القرآن قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ١ .

  1. ١البقرة ٨٩.

ومثل ما تواتر عن إخبار النصارى بوجوده في كتبهم مثل إخبار هرقل ملك الروم والمقوقس ملك مصر والنجاشي ملك الحبشة.

والوجه الثالث: نفس إخباره بذلك في القرآن مرة بعد مرة، واستشهاده بأهل الكتاب، وإخباره بأنه مذكور في كتبهم مما يدل العاقل على أنه كان موجوداً في كتبهم .. فلو لم يعلم صلى الله عليه وسلم أنه مكتوب عندهم بل علم انتفاء ذلك لامتنع أن يخبر بذلك بمرة بعد مرة، ويظهر ذلك لموافقيه ومخالفيه وأوليائه وأعدائه ١ .

  1. ١ابن تيمية: الجواب الصحيح ١/ ٣٤٠.
١/١٢٠

ومن الثابت تأريخياً أن أهل الكتاب كانوا يستفتحون أي يطلبون من الله النصر على أعدائهم بالنبي المبعوث الذي يجدون صفته عندهم في التوراة.

وقد نصت التوراة المتداولة (ط. رجارد واطس. بلندن) على ظهور النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ونصها (جاء الرب من سيناء وأشرق لنا من ساعير استعلن من جبل فاران ومعه ألوف الأطهار في يمينه سِنَةُ نار) .

ومعنى إن الله استعلن من جبل فاران أي من جبل مكة وهو جبل حراء، وكان أصحابه ألوفا من الأطهار ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ١ .

  1. ١التوبة ١٠٨.

وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله "قد رأيت أنا من نسخ الزبور ما فيه تصريح نبوة محمد صلى الله عليه وسلم باسمه، ورأيت نسخة أخرى بالزبور فلم أر ذلك فيها، وحينئذ فلا يمتنع أن يكون في بعض النسخ من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس في أخرى" ١ .

  1. ١ابن تيمية: الجواب الصحيح ٢/ ٢٧.

والحق أن نسخ الكتب السماوية التي كانت متداولة بين العلماء من أهل الكتاب خلال القرون الثمانية تعرضت لحذف اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وحذف النصوص الواضحة الدلالة على صفاته كما يتضح ذلك من النقول التي أوردها العلماء المسلمون منها في كتبهم مثل قتيبة والماوردي والقرافي وابن تيمية وابن القيم، مما يشير إلى قيامهم بمحو ذلك من كتبهم على أثر المجادلات الدينية واحتجاج المسلمين بها عليهم. ومع ذلك فقد بقيت نصوص ذات دلالة صريحة مثل ما جاء في سفر اشعيا في الإصحاح الحادي والعشرين ونصه: (١٣ وحي من جهة بلاد العرب في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الددانيين،١٤ هاتوا ماء لملاقاة العطشان يا سكان أرض تيماء وافوا الهارب بخبره، ١٥ فإنهم من أمام السيوف قد هربوا. من أمام السيف المسلول ومن أمام القوس المشدود ومن أمام شدة الحرب،١٦ فإنه هكذا قال لي السيد في مدة سنة كسنة الأجير يفني كل مجد قيدار وبقية عدد قسي أبطال بني قيدار تقل لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم).

١/١٢١

وفيها تصريح بظهور الوحي في بلاد العرب والهجرة النبوية إلى المدينة المنورة بعد اجتماع المشركين على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انتصاره على أبطال بني قيدار وهم العرب في موقعة بدر.- لأن قيدار هو ابن إسماعيل جد العرب -.

ولا شك أن الأدلة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لا تتوقف على هذه البشارات، فدلالات القرآن من الإعجاز البلاغي والتشريع الباهر، ودلالات السنة النبوية الصحيحة على وقوع المعجزات الحسية ومشاهدة الألوف من المسلمين لها، ودلالات سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في إيمانه ويقينه، وعبادته ومجاهدته، ودعوته وجهاده، وعدله وصدقه، وإيمان المقربين إليه العارفين به مثل زوجه خديجة وصديقه أبي بكر ومولاه زيد بن حارثة كل ذلك يقطع بصدق البعثة المحمدية ..

وكفى بالقرآن معجزة ودلالة على اتصال رسالات الأنبياء واكتمالها برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد تكون حافزاً لإيمان أهل الكتاب وهم يقرأون التبشير ببعثته صلى الله عليه وسلم في كتبهم المقدسة تصريحاً باسمه أو وصفاً لحاله وصفاته مما لا ينطبق على سواه.