السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

البعثة، وأول ما نزل

التاريخعلى رأس أربعين
عمره ﷺ٤٠
الموضعغار حراء
ما نزل فيهالعلق ١

على رأس أربعين، وعمره ﷺ ٤٠

تقرأ في ناصر الدين الألباني، ت ١٤٢٠هـ، ٧٢ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: المكتبة الإسلامية، عمان، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ

كتاب مبعث رسول الله ﷺ تسليما كثيرا وذكر شيء من البشارات بذلك

١/٥١١/٥١

قال محمد بن إسحاق رحمه اللَّه تعالى: وكانت الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى، والكهان من العرب قد تحدثوا بأمر رسول اللَّه ﷺ . قبل مبعثه لما تقارب زمانه.

أما الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى: فمما وجدوا في كتبهم من صفته، وصفة زمانه، وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه، قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . وقال اللَّه تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] . وقال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] .

١/٥٢١/٥٢

وفي "صحيح البخاري" ١ عن ابن عباس قال: "ما بعث اللَّه نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بُعِثَ محمدٌ وهو حي لَيُؤْمِنَنَّ به ولَيَنْصُرَنَّهُ، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق: لئن بُعثَ محمدٌ وهم أحياء لَيُؤْمِنُنَّ به وَلَيَنْصُرُنهُ" .

  1. ١لم أره فيه، وقد جهدت في الكشف عنه عبثًا، وذكره المؤلف في تفسير آية (آل عمران) من حديث علي وابن عباس دون عزو مطلقًا، وقلده الدكتور الهراس (ص ١٤)، وذكره السيوطي في "الخصائص" (١/ ٢٢) عن السدي قوله من رواية ابن أبي حاتم.

يعلم من هذا أن جميع الأنبياء بشروا به، وأمروا باتباعه.

وقد قال إبراهيم عليه السلام فيما دعا به لأهل مكة: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) ﴾ [البقرة: ١٢٩] .

قلت: يا رسول اللَّه! ما كان بدء أمرك؟ قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام" ١ .

  1. ١"المسند" (٥/ ٢٦٢)، وإسناده جيد في الشواهد، والطريق التي بعده من شواهده.
١/٥٣١/٥٣

ورواه محمد بن إسحاق من طريق أخرى عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ ! عنه مثله ١ .

  1. ١قد ساق المؤلف متنه بتمامه فيما تقدم (ص ١٦) مُجَوِّدًا إسناده، وطرفه الأول (ص ١٣)، وقد خرجته هناك مُصَحِّحًا.

ومعنى هذا أنه أراد بدء أمره بين الناس واشتهار ذكره وانتشاره، فذكر دعوة إبراهيم الذي تنسب إليه العرب، ثم بشرى عيسى الذي هو خاتم أنبياء بني إسرائيل. يدل هذا على أن مَنْ بينهما من الأنبياء بشروا به أيضًا.

وفيه بشارة لأهل محلتنا أرض بصرى، وأنها أول بقعة من أرض الشام خلص إليها نور النبوة، وللَّه الحمد والمنة.

ولهذا كانت أول مدينة فتحت من أرض الشام، وكان فتحها صلحًا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه .

أما في الملأ الأعلى؛ فقد كان أمره مشهورًا مذكورًا معلومًا مِنْ قَبْلِ خَلْقِ آدم عليه الصلاة والسلام : كما فيما روى أحمد بسنده عن العرباض بن سارية قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إني عند اللَّه خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت. . . " ١

  1. ١"المسند" (٤/ ١٢٧ و ١٢٨) بإسناد فيه جهالة، وفي متنه نكارة؛ فإن في آخره زيادة بلفظ: "وكذلك أمهات النبيين ترين" (١): لأنها مع ضعف إسنادها لم ترد -فيما علمت- في طريق أخرى، ولذلك خرجت الحديث في "الضعيفة" (٢٠٨٥)، وأوردت سائره هنا: لأن له شواهد تقدم بعضها، وبعضها يأتي عقبه.
١/٥٤١/٥٤

قلت: يا رسول اللَّه! متى كنت نبيًّا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد " ١ .

  1. ١قلت: إسناده صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي وغيرهم، وله شواهد خرجتها في "الصحيحة" (١٨٥٦)؛ منها: حديث أبي هريرة الآتي بعده.

إسناده جيد.

وقد رواه ابن شاهي في "دلائل النبوة " من حديث أبي هريرة قال: سئل رسول اللَّه ﷺ : متى وجبت لك النبوة؟ قال: "بين خلق آدم ونفخ الروح فيه " ١ .

  1. ١قلت: وأخرجه ابن حبان أيضًا، وهو مخرج في المصدر الآنف الذكر. _________ (١) في الأصل تبعًا لأصله: "المؤمنين" دون قوله: "ترين"، والتصويب من "المسند"، وقد أعاده فيما بعد مع بعض الأحاديث التالية على الخطأ أيضًا، فكأنه من المؤلف. واللَّه أعلم.

وفي رواية: "وآدم منجدل في طينته".

١/٥٥١/٥٥

قيل: يا رسول اللَّه! متى كنت نبيًّا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" ١ .

  1. ١قلت: وأخرجه ابن حبان أيضًا، وهو مخرج في "الصحيحة" (١٨٥٦).
١/٥٦١/٥٦

وأما الكهان من العرب؛ فأتتهم به الشياطين من الجن مما تسترق من السمع، إذ كانت وهي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض ١ أموره، ولا يلقي العرب لذلك فيه بالًا حتى بعثه اللَّه تعالى، ووقعت تلك الأمير التي كانوا يذكرون فعرفوها.

  1. ١الأصل تبعًا لأصله: "بعض ذكر" على القلب! والتصحيح من "ابن هشام" (١/ ٢١٧).

فلما تقارب أمر رسول اللَّه ﷺ وحضر زمان بعثه: حُجِبَتِ الشياطين عن السمع، وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد لاستراق السمع فيها، فرموا بالنجوم، فعرفت الشياطين أن ذلك لأمر حدث من أمر اللَّه عز وجل . قال [ابن إسحاق] : وفي ذلك أنزل اللَّه على رسوله ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ و ٢] إلى آخر السورة.

وقد ذكرنا تفسير ذلك كله في كتابنا "التفسير" ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ و ٣٠] الآيات. ذكرنا تفسير ذلك كله هناك.

باب كيفية بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، وذكر أول شيء أنزل عليه من القرآن العظيم

١/٨٤١/٨٤

كان ذلك وله ﷺ من العمر أربعون سنة ١ .

  1. ١قلت: هذا هو الصحيح عند أهل السير والعلم بالأثر. كما قال السهيلي (٢/ ٣٨٤)، وهو قول ابن عباس -كما في "البخاري" (٣٩٠٢) -: "بعث رسول اللَّه ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عثرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر عشر سني، ومات وهو ابن ثلاث وستين". ووإه مسلم (٧/ ٨٨) بنحوه، وما خالفه شاذ، وانظر: "تاريخ الطبري" (٢/ ٢٩٠).

أول ما بدئ به رسول اللَّه ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة ١ في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

  1. ١كذا عند البخاري في "التفسير" (٤٩٥٣)، ولفظه في (بدء الوحي)

ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بغار (حراء) ، فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء.

فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: "ما أنا بقارئ" . قال: "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] " .

  1. *: "الصالحة".
١/٨٥١/٨٥

فرجع بها رسول اللَّه ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: "زَمِّلوني زمِّلوني" . فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوع. فقال لخديجة -وأخبرها الخبر-: "لقد خشيت على نفسي" . فقالت خديجة: كلا؛ [أبشر] ١ ؛ فواللَّه لا يخزيك اللَّه أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، [وتصدق الحديث] ١ ، وتقري الضيف، وتحملُ الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق.

  1. ١زيادة في رواية للبخاري، وسيذكرها المؤلف في أثناء شرحه لبعض الجمل (ص ٩١).

فانطلقت به خديجة حتى أتت على ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة [أخي أبيها] ، وكان امرءًا قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللَّه أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي! ماذا ترى؟ فأخبره رسول اللَّه ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس ١ الذي كان ينزل على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أَوَ مُخْرِجِيَّ هم؟! " . فقال: نعم؛ لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عُودِيَ، وإن يدركني يومُك أنصرك نصرًا مؤزرًا.

  1. ١هو صاحب السر الذي يطلعه بما يستره عن غيره -كما في "البخاري"- والمراد هنا: جبريل عليه السلام . "جذعًا": أي: شابًا.
١/٨٦١/٨٦

ثم لم يَنْشَبْ ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة؛ حتى حزن رسول اللَّه ﷺ -فيما بلغنا- ١ حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل، فقال: يا محمد! إنك رسول اللَّه حقًّا. فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، قال: فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك.

  1. ١قلت: القائل: "فيما بلغنا" هو ابن شهاب الزهري راوي الحديث عن عروة عن عائشة، فقوله هذا يشعر بأن هذه الفقرة ليست على شرط الصحيح: لأنها من بلاغات الزهري، فليست موصولة: كما في "الفتح"، فتنبه، وكأنه لذلك لم يسقها مسلم في "صحيحه"؛ كما سيذكره المؤلف رحمه اللَّه تعالى، وهو عنده في (الإيمان) (١/ ٩٧ - ٩٨).

هكذا وقع مطولًا في (باب التعبير) من "البخاري" ١ .

  1. ١رقم (٦٩٨٢)، وساقه في (بدء الوحي) رقم

قال جابر بن عبد اللَّه الأنصاري -وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه-: "بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري؛ فإذا الملَك الذي جاءني بـ (حِراء) جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرُعبتُ منه، فرجعت، فقلت: زملوني زملوني. فأنزل اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١ قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] . فحمي الوحي وتتابع" ١ .

  1. ١وفي (التفسير) (٤٩٥٣) دون بلاع الزهري. (٣) أخرجه البخاري بهذا اللفظ رقم (٤ و ٤٩٥٤) عقب حديث عائشة الذي قبله، وأخرجه مفصولًا عنه في مواضع أخرى (٣٢٣٨ و ٤٩٢٥ و ٤٩٢٦ و ٦٢١٤). ثم رواه هو (٤٩٢٢ و ٤٩٢٣ و ٤٩٢٤)، ومسلم (١/ ٩٩) عن جابر نحوه.
١/٨٧١/٨٧

رواه البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع منه، وتكلمنا عليه مطولًا في أول "شرح البخاري" في (كتاب بدء الوحي) إسنادًا ومتنًا، وللَّه الحمد والمنة.

وأخرجه مسلم في "صحيحه" ، وانتهى سياقه إلى قول ورقة: "أنصرك نصرًا مؤزرًا" .

فقول أم المؤمنين عائشة: "أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق عن عبيد بن عمير الليثي: أن النبي ﷺ قال: "فجاءني جبريل وأنا نائم بنَمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ. فَغَتَّنِي حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني" ١ .

  1. ١"السيرة" (١/ ٢٥٢)، وسنده مرسل صحيح، وروى طرفًا منه الحاكم (٢/ ٥٢٩) من رواية عمرو بن دينار عن جابر مرفوعًا، وذكر أن الصواب مرسل ليس فيه جابر، وفي رواية ابن لهيعة بسنده عن عائثة مرفوعًا: كان أول شأنه يرى في المنام، وكان أول ما رأى جبريل بـ (أجياد). . . ثم استعلن له جبريل من قبل حراء. . . فذكر قصة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبَّكِ﴾. "فتح" (١/ ٢٣).

وذكر نحو حديث عائشة سواء.

فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة، وقد جاء مصرحًا بهذا في "مغازي موسى بن عقبة" عن الزهري أنه رآى ذلك في المنام، ثم جاءه الملك في اليقظة.

وروى أبو نعيم في "الدلائل" بسنده عن علقمة بن قيس قال: "إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعد" ١ . قال أبو شامة: وقد كان رسول اللَّه ﷺ يرى عجائب قبل بعثته.

  1. ١لم نره في المطبوعة من "الدلائل".
١/٨٨١/٨٨

فمن ذلك ما في "صحيح مسلم" عن جابر بن سمرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن" ١ . انتهى كلامه.

  1. ١مسلم (٧/ ٥٨ - ٥٩)، وأبو نعيم في "الدلائل" (ص ١٤١)، وله شاهد من حديث علي سيأتي من المؤلف (ص ٩٥).

وإنما كان رسول اللَّه ﷺ يحب الخلاء والانفراد عن قومه؛ لما يراهم عليه من الضلال المبين من عبادة الأوثان والسجود للأصنام، وقويت محبته للخلوة عند مقاربة إيحاء اللَّه إليه، صلوات اللَّه وسلامه عليه.

وقوله في الحديث: "والتحنث: التعبّد" تفسير بالمعنى، وإلا فحقيقة التحنث من حيث البنية -فيما قاله السهيلي-: الدخول في الحنث. ولكن سمعت ألفاظ قليلة في اللغة معناها: الخروج من ذلك الشيء: كتحنث؛ أي: خرج من الحنث، وتحوب، وتحرج وتأثم. وتهجد: هو ترك الهجود وهو النوم للصلاة، وتنجس وتقذر. أوردها أبو شامة. قال ابن هشام: والعرب تقول: التحنث والتحنف. يبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا: جدّف وجدث، كما قال رؤبة: لو كان أحجاري من الأجداف.

يريد: الأجداث. قال: وحدثني أبو عبيدة: أن العرب تقول: (فُمَّ) في موضع (ثُمَّ) . قلت: ومن ذلك قول بعض المفسرين: ﴿وَفُوْمِهَا﴾ أن المراد: ثومها.

١/٨٩١/٨٩

وقوله: "حتى فَجَأَهُ الحق وهو بغار حراء" : أي: جاء بغتة على غير موعد؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية [القصص: ٨٦] .

وقد كان نزول هذه السورة الكريمة وهي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ١ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] - وهي أول ما نزل من القرآن: كما قررنا ذلك في "التفسير" ، وكما سيأتي أيضًا- في يوم الاثنين: كما ثبت في "صحيح مسلم" ١ عن أبي قتادة: أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: "ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم أُنزل عليَّ فيه؟. وقال ابن عباس: ولد نبيكم محمد ﷺ يوم الاثنين، ونُبِّي يوم الاثنين.

  1. ١(٣/ ١٦٨).