السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

الدعوة سرًّا ثلاث سنين

التاريخثلاث سنين، ثم أعلن في الرابعة
عمره ﷺ٤١

ثلاث سنين، ثم أعلن في الرابعة، وعمره ﷺ ٤١

تقرأ في أكرم العمري، ٤١ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة السادسة ١٤١٥ هـ

مرحلة الدعوة السرية

١/١٣٢١/١٣٢

بدأت الدعوة الإسلامية بمكة سرية، ويحدد ابن إسحاق والواقدي هذه المرحلة بثلاث سنين ١ ، وحددها البلاذري بأربع سنين ٢ .

  1. ١سيرة ابن هشام ١/ ٢٦٢ بدون إسناد وطبقات ابن سعد ١/ ١٩٩ من طريق الواقدي وهو متروك وشيخه مجهول أيضاً.
  2. ٢أنساب الأشراف ١/ ١١٦

وكان المجتمع المكي - شأن سائر الجزيرة العربية - يعتمد في تنظيمه على القبيلة، فهي الوحدة الاجتماعية والسياسية ويعتمد في تلاحمه على العصبية القبلية فهي التي تشد أبناءها إلى بعضهم. ولما كانت مكة تخضع لقبيلة واحدة هي قريش بفروعها الأربعة عشر، فقد بدت هذه الفروع (العشائر) وحدات ذات كيان خاص، لكنها متحالفة داخل الكيان العام لقريش، وكان المتوقع أن ينتشر الإسلام في العشيرة التي ينتسب إليها الرسول ثم في قريش التي ينتمي إليها أخيراً. ولكن يلاحظ أن انتشار الإسلام لم يرتبط بالعصبية القبلية، ولا العشائرية، فلم يكن نصيبه من أفراد بني هاشم أعظم من بقية عشائر قريش، وإن كان بنو هاشم يتعاطفون معه أكثر من سواهم، لكن هذا التعاطف لم يجرهم إلى الدخول في الإسلام، بل مات كبيرهم وأقوى مناصريهم للرسول صلى الله عليه وسلم وهو أبو طالب دون أن يدخل في الإسلام.

١/١٣٣١/١٣٣

لقد انتشر الإسلام في المرحلة المكية في سائر فروع قريش بصورة متوازنة، دون أن يكون لإحدى عشائرها ثقل كبير في الدعوة الجديدة، وهذه الظاهرة مخالفة لطبيعة الحياة القبلية آنذاك.

وهي إذا أفقدت الإسلام الاستفادة الكاملة من التكوين القبلي والعصبية القبلية لحماية الدعوة الجديدة ونشرها، فإنها بنفس الوقت لم تؤلب عليه العشائر الأخرى بحجة أن الدعوة تحقق مصالح العشيرة التي انتمت إليها وتعلي من قدرها على حساب العشائر الأخرى.

ولعل هذا الانفتاح المتوازن على الجميع أعان في انتشار الإسلام في العشائر القرشية العديدة دون تحفظات متصلة بالعصبية فأبو بكر الصديق من "تيم" وعثمان بن عفان من "بني أمية" والزبير بن العوام من "بني أسد" ومصعب بن عمير من "بني عبد الدار" وعلي بن أبي طالب "من بني هاشم" وعمر بن الخطاب من "بني عدي" وعبد الرحمن بن عوف من "بني زهرة" وعثمان بن مظعون من "بني جمح" بل إن عدداً من المسلمين في هذه المرحلة لم يكونوا من قريش فعبد الله بن مسعود من هذيل، وعتبة بن غزوان من مازن، وعبد الله بن قيس من الأشعريين، وعمار بن ياسر من عنس من مذجح، وزيد بن حارثة من كلب, والطفيل بن عمرو من دوس, وأبو ذر من غفار, وعمرو بن عبسة من سليم، وعامر بن ربيعة من عنز بن وائل، وصهيب النمري من بني النمر بن قاسط. لقد كان واضحاً منذ الوهلة الأولى أن الإسلام ليس خاصاً بمكة وقريش.

المسلمون الأوائل

يدل حديث بدء الوحي على أن خديجة رضي الله عنها كانت أول من عرف خبر النبوة ونزول الوحي، وأنها صدقت الرسول وآزرته وثبتته وخففت عنه. فلا غرابة أن تكون أول من آمن كما يقول الزهري وابن إسحاق ١ .

  1. ١سيرة ابن هشام ١/ ٢٤٤ بدون إسناد ومصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٧٤ من مرسل الزهري ومستدرك الحاكم ٣/ ١٨٤ بسند ضعيف من حديث حذيفة بن اليمان.
١/١٣٤١/١٣٤

وقد أسلم علي بن أبي طالب بعد خديجة في هذا الوقت المبكر فقد كان في حجر النبي صلى الله عليه وسلم قبل ١ الإسلام. - معونة من رسول الله لأبي طالب ورداً لجميله، فقد كان قليل المال كثير العيال - فكان أول الذكور إسلاما ٢ . وقوي الحافظ ابن حجر أن يكون عمر علي رضي الله عنه حين المبعث عشر سنين ٣ .

  1. ١مسند أحمد ١/ ٣٣٠ - ٣٣١، ٣٧٣ بسند حسن من حديث ابن عباس وطبقات ابن سعد ٣/ ٢١ ومستدرك الحاكم ٣/ ١٣٢ وسيرة ابن هشام ١/ ٢٢٨ - ٢٢٩ بدون إسناد، وعن كفالة النبي علياً بإسناد إلى مجاهد بن جبر فهو مرسل بالإضافة إلى عنعنة عبد الله بن أبي نجيح - رواية عن مجاهد - وهو مدلس (تعريف أهل التقديس ٣٩).
  2. ٢الترمذي: الجامع ٥/ ٦٤٢ بإسناد صحيح، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ١٣٦) وفي إسناده أبو حمزة رجل من الأنصار، وهو طلحة بن يزيد الأيلي. (تقريب التهذيب ٢٨٣).
  3. ٣فتح الباري ٧/ ١٧٤.

وقد كثرت الروايات الواهية والموضوعة، حول تحديد يوم إسلامه وصلاته بيوم الثلاثاء بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وخديجة بيوم واحد، وأنه صلى قبل المسلمين الآخرين سبع سنين ١ !! وفضائل علي رضي الله عنه الثابتة كثيرة فلا يحتاج إلى مثل هذا الكذب والمغالاة.

  1. ١مسند أحمد ١/ ٩٩ وكشف الأستار ٣/ ١٨٢ وفي إسناده يحيى بن سلمة بن كهيل شيعي متروك. (تقريب التهذيب ٥٩١). وسنن الترمذي ٥/ ٦٤٠ وفي إسناده مسلم بن كيسان مجمع على ضعفه ومسند أبي يعلى ١/ ٣٤٨ وفيه مسلم بن كيسان أيضاً وحبَّه بن جوين وسليمان بن قرم وهم ضعفاء أيضاً. وقد أورد الإمام أحمد رؤية الصحابي عفيف الكندي لصلاة النبي وخديجة وعلي في مكان واحد، وأنهما أول المسلمين، (مسند أحمد ١/ ٢٠٩ - ٢١٠ ومستدرك الحاكم ٣/ ١٨٣ وصححه وأقره الذهبي) لكن في إسناده إسماعيل بن إياس وهاه ووهي أباه البخاري (التاريخ الكبير ١/ ٣٤٥، ٤٤١).

وأما أبو بكر رضي الله عنه فقد استنبط ابن كثير من حديث صحيح فيه "إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله " إنه أول الناس إسلاماً ١ .

  1. ١أخرجه البخاري (فتح الباري ٧/ ١٨) وانظر السيرة النبوية لابن كثير ١/ ٤٣٤.
١/١٣٥١/١٣٥

وقد أسلم أهل بيت أبي بكر بإسلامه، قالت عائشة رضي الله عنها: "لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين " ١ .

  1. ١صحيح البخاري (فتح الباري ٤/ ٤٧٥).

وذهب الزهري إلى أن أول الناس إسلاماً هو زيد بن حارثة ١ - مولى رسول الله - ونظراً لأقوال الزهري في أن أول من أسلم خديجة، فلعله عني أن زيداً أول من أسلم من الرجال ويبدو أن الواقدي أول من حاول التوفيق بين قولي الزهري ٢ .

  1. ١عبد الرزاق: المصنف ٥/ ٣٢٥ من مرسل الزهري. وتشير رواية من مرسل أبي فزارة راشد بن كيسان العبسي، وهو ثقة إلى شراء الرسول لزيد بأموال خديجة، وإلى عتقه له بعد أن وهبته له وهو مخالف لرواية ابن إسحاق من كون حكيم بن حزام اشتراه ثم أعطاه لخديجة التي وهبته للنبي (مصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٢١). وتشير رواية ضعيفة إلى محاولة أخيه جبلة بن حارثة استرداده لكن زيداً أبى (سنن الترمذي ٥/ ٦٧٦ وفيه محمد بن عمر الرومي لين وقد تابعه عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير الموصلي في مستدرك الحاكم (٣/ ٢١٤) وقد تفرد ابن حبان بتوثيق عبد الغفار (الثقات ٨/ ٤٢١) فيقوي الطريقان إلى الحسن لغيره.
  2. ٢الطبري: تاريخ الأمم والملوك ٢/ ٣١٦.

وقد تتالت محاولات التوفيق والجمع بعده بين الروايات التي تحدد أسماء أول الناس إسلاماً.

وتدل رواية صحيحة على إسلام سعد بن أبي وقاص، وأنه بقي أسبوعاً ثالث مسلم ثم أسلم آخرون ١ .

  1. ١صحيح البخاري (الفتح ٧/ ٨٣، ١٧٠) وانظر فضائل الصحابة لأحمد ٢/ ٧٤٩.

وقد نزل القرآن في خبر إسلامه كما أخبر عن نفسه قال: "حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب قالت: زعمت أن الله وصَّاك بوالديك، وأنا أمّك وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثة أيام حتى غشي عليها من الجهد. فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ وفيها ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا ثم أوجروها" ١ .

  1. ١صحيح مسلم بشرح النووي ١٥/ ١٨٥ - ١٨٧. وقد ساق الرواية بمعناها الواحدي في أسباب النزول ٣٩٥ بإسناد ضعيف فيه أحمد بن أيوب بن راشد مقبول، تفرد بتوثيقه ابن حبان (تهذيب ١/ ١٧ وتقريب ٧٧). وساقها الواقدي بمعناها كما في طبقات ابن سعد (٤/ ١٢٣ - ١٢٤).
١/١٣٦١/١٣٦

والحادثة تدل على صلابة موقف المؤمنين الأوائل أمام الفتن المتنوعة التي تعرضوا لها، كما تدل على أنماط المواجهة التي تجمع بين التأثير العاطفي والضغط النفسي حيناً وبين استخدام القهر والقوة أحياناً أخرى.

ولقد أسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه في وقت مبكر ولكن لم يصح قوله عن نفسه أنه الرابع في الإسلام ١ .وأسلم طلحة بن عبيد الله، لكن تفاصيل خبر إسلامه لا تصح ٢ .

  1. ١مصنف بن أبي شيبة ١٢/ ٥٣ من طريق ابن لهيعة وقد اختلط بعد احتراق كتبه وليس من رواية العبادلة عنه وهي أعدل الروايات.
  2. ٢طبقات ابن سعد ٣/ ٢١٤ - ٢١٥ من طريق الواقدي وهو متروك.

وأسلم الزبير بن العوام، وتوحي روايات ابنه الصغير عروة - الذي لم يدرك الرواية عن أبيه مما جعل مروياته عنه مرسلة - بأن إسلامه تَمَّ وهو صغير ابن ثماني سنين ١ ، لكن حفيده هشام بن عروة يقول أنه كان ابن ست عشرة سنة ٢ .

  1. ١الطبراني: المعجم الكبير ١/ ٨١ - ٨٢ ومجمع الزوائد للهيثمي ٩/ ١٥٢ وهو مرسل رجاله رجال الصحيح.
  2. ٢طبقات ابن سعد ٣/ ١٠٢ وهو مرسل رجاله رجال الصحيح.

وتشير رواية أبي الأسود إلى تعذيب عم الزبير له بالنار بسبب إسلامه ١ .

  1. ١مجمع الزوائد للهيثمي ٩/ ١٥١.
١/١٣٧١/١٣٧

ولعل مصدر هذا الخبر عائلي لأن أبا الأسود أحد رواة مغازي عروة عنه وقد حددت رواية الواقدي سنه -حين أسلم- بسبع عشر سنة ١ .

  1. ١طبقات ابن سعد ٣/ ١٣٩، والواقدي متروك لكن مثل هذا الخبر مما يتساهل فيه.

وممن بكر في الدخول في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص، لكن تفاصيل قصة إسلامه لم تثبت حيث تفرد بها الواقدي ١ .

  1. ١طبقات ابن سعد ٤/ ٩٤ - ٩٥ وانظر مستدرك الحاكم ٣/ ٢٤٩ وفي إسناده انقطاع فإن سعيد ابن عمرو بن سعيد لم يسمع من عمه خالد بن سعيد.

وعبد الله بن مسعود حيث حكى خبر إسلامه قال: "كنت غلاماً يافعاً أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى علىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وقد فرا من المشركين، فقال: يا غلام هل عندك لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولست بساقيكما. قالا: فهل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم. فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع فدعا، فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني. ثم قال للضرع: اقلص، فقلص.

فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: علمني من هذا القول الطيب - يعني القرآن -، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك غلام مُعَلَّم. فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد ١ ".

  1. ١أحمد: المسند ١/ ٣٧٩ وابن أبي شيبة: (المصنف ١١/ ٥١٠ وابن سعد الطبقات ٣/ ١٥٠ - ١٥١ والفسوي: المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٣٧ وإسناد الحديث حسن، وقد صحح الذهبي إسناده في سير أعلام النبلاء ١/ ٤٦٥ وكذلك فعل الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ١٧ ولكن في الإسناد عاصم ابن أبي النجود. قال عنه ابن حجر "صدوق له أوهام وحديثه في الصحيحين مقرون" (تقريب ٢٨٥) وقال عنه الذهبي "هو حسن الحديث" (ميزان الاعتدال ٢/ ٣٥٧).

وقد ذكرت رواية الواقدي أن عبد الله بن مسعود أسلم قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم ١ . وذكرت رواية ضعيفة أخرى أنه كان سادس مسلم ٢ .

  1. ١طبقات ابن سعد ١/ ١٥١.
  2. ٢مصنف ابن أبي شيبة ١٢/ ١١٤ - ١١٥ وكشف الأستار للهيثمي ٣/ ٢٤٨ والمعجم الكبير للطبراني ٩/ ٥٨ ومستدرك الحاكم ٣/ ٣١٣ وصحح إسناده وأقره الذهبي وفيه علل تتمثل في تدليس الأعمش وقد عنعن، وفي كون رواية عبد الرحمن بن عبد الله لم يسمع من أبيه إلا شيئاً يسيرا وهو مدلس ولم يصرح بالتحديث.
١/١٣٨١/١٣٨

ولا شك في تقدم إسلام خباب بن الأرت ولكن لم يثبت، أنه سادس ستة في الإسلام ١ ، كذلك تقدم إسلام بلال الحبشي ٢ وكان رقيقاً ثم اشتراه أبو بكر وأعتقه ٣ .

  1. ١مصنف ابن أبي شيبة ١٢/ ١٤٩ بإسناد صحيح إلى مجاهد مرسلا ١٣/ ٤٩ وهو مرسل وراويه كردوس مقبول حين يتابع (تقريب التهذيب ٤٦١) وقد انفرد بتوثيقه ابن حبان (الثقات ٥/ ٣٤٢) وهذه الرواية المرسلة انفردت بالقول بأنه سادس ستة.
  2. ٢فضائل الصحابة للإمام أحمد ١/ ١٨٢، ٢٣١ بأسانيد صحيحة وطبقات ابن سعد ٣/ ٢٣٣ ومستدرك الحاكم ٣/ ٢٨٤ وصححه ووافقه الذهبي.
  3. ٣صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٩٩).

وقد ثبت أن عمار بن ياسر أسلم مبكراً، فقد قال عن نفسه: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وأمرأتان وأبو بكر" ١ . وقال ابن مسعود: "أول من أظهر إسلامه سبعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمار، وأمه سميه، وصهيب، وبلال، والمقداد" ٢ وكان عمرو بن عبسة السلمي يرى أنه رابع أربعة هم أول المسلمين. قال: فلقد رأيتني إذ ذاك ربع الإسلام ٣ .

  1. ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٨، ١٧٠) وقال ابن حجر: أما الأعبد فهم بلال وزيد بن حارثة وعامر بن فهيرة، وأبو فكيهة ويحتمل أن الخامس هو شقران، وأما المرأتان فخديجة وأم أيمن -أو سمية-.
  2. ٢مسند أحمد ١/ ٤٠٤ بإسناد حسن.
  3. ٣مسند أحمد ٤/ ١١٢ وطبقات ابن سعد ٤/ ٢١٥. وتاريخ الطبري ٢/ ٣١٥ بإسناد حسن ومستدرك الحاكم ٣/ ٦٥، ٦٦ وصحح إسناده ٢٨٥.

وأما عن بواعث إسلامه فقد قال: "كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شئ وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفياً جراء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي. فقلت وما نبي؟ قال: أرسلني الله. فقلت: وبأي شئ أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان، وأنه يوحد الله لا يشرك به شئ. قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد. قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به. فقلت: إني متبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس!! ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني، قال فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة حتى قدم على نفر من أهل يثرب، من أهل المدينة، فقلت: ما فعل الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة، فدخلت عليه ... " ١ .

  1. ١صحيح مسلم ١/ ٥٩٦ وقارن برواية الآجري: الشريعة ٤٤٥ - ٤٤٦ بإسناد حسن فيه إسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن الشاميين كما هو الحال في هذا السند، وفيه عمرو بن عبد الله السيباني مقبول فقد توبع هنا من قبل أبي سلام الدمشقي. وهي تدل على أن رجلا من أهل الكتاب -في الجاهلية- أرشده إلى إتباع النبي الذي سيظهر بمكة.
١/١٣٩١/١٣٩

ويبدو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخبره بأسماء سائر من أسلم وإنما سمي أبا بكر وبلالاً فقط حرصا على سلامة من أسلم من الأذى، وربما لأنه إنما أسلم بعد إجابة سؤاله عمن أسلم يومئذ وتعبير عمرو بن عبسة "فلقد رأيتني إذ ذاك ربع الإسلام" إنما هو بحسب ما بدا له. وإلا فقد كان عدد المسلمين أكثر من ذلك في المرحلة التي أظهرت فيها قريش جرأتها على الإسلام وأذاها للمسلمين كما يدل قول الرسول: ألا ترى حالي وحال الناس!!

١/١٤٠١/١٤٠

ومما يدل على أن المسلمين كانوا متكتمين في أمر إسلامهم أن أبا ذر الغفاري - رضي الله عنه - كان يرى نفسه رابع الإسلام أيضاً ١ . وقد علل بعض الرواة تعارض كلام أبي ذر مع كلام عمرو بن عبسة فقال: "كلاهما لا يدري متى أسلم الآخر" ٢ . مما يشير إلى أن مبدأ سرية الدعوة كان يراعى في بعض الحالات حتى مرحلة الدعوة الجهرية تبعا لما تقتضيه مصلحة الدعوة الناشئة.

  1. ١الطبراني: المعجم الكبير ٢/ ١٥٥ والحاكم: المستدرك ٣/ ٣٤٢ وسكت عنه، ولعل كلام الحاكم سقط من المطبوع فإن الذهبي ذكر تصحيحه على شرط مسلم، ولا يسلم له، فإن الإمام مسلما لم يرو لمالك بن مرثد ولا لأبيه، ومرثد فيه جهالة كما قال الذهبي (ميزان الاعتدال ٤/ ٨٧) وقال عنه ابن حجر: مقبول، أي حيث يتابع وقد تابعه جبير ابن نفير عن أبي ذر (الطبري: تاريخ الأمم والملوك ٢/ ٣١٥ بإسناد فيه صدقة بن عبد الله السمين وهو ضعيف (تقريب ٢٧٥) وقد تساهل الحاكم فصحح سنده، وأقره الذهبي (المستدرك ٣/ ٣٤١) وإنما هو حسن لغيره ويبدو أن الذهبي إنما لخص مستدرك الحاكم في شبابه قبل تمكنه من مناهج النقد الحديثية.
  2. ٢الطبري: تاريخ ٢/ ٣١٥ بإسناد ضعيف إلى جبير بن نفير. ويؤيد ابن كثير وابن حجر أن سرية الدعوة هي السبب في تعارض دعاوي السبق إلى الإسلام، إذ يخفى عليهم من سبقهم إلى الإسلام (السيرة النبوية لابن كثير ١/ ٤٤٣ وفتح الباري لابن حجر ٧/ ٨٤).

بدء الدعوة الجهرية

١/١٤١١/١٤١

انقضت مرحلة الدعوة السرية بنزول الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش، فقال: "يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، " أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا ما جَّربنا عليك كذباً. قال: فإني نذير لكم بن يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك، أما جمعتنا إلا لهذا!! ثم قام.

١/١٤٢١/١٤٢

فنزلت هذه السورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ١ .

  1. ١متفق عليه (فتح الباري ٨/ ٧٣٧) وصحيح مسلم من حديث ابن عباس ١/ ١٩٤ وقارن بروايتي أبي هريرة وعائشة ١٩٢ وهي مراسيل صحابة لأن الثلاثة لم يشهدوا الحادث (فتح الباري ٨/ ٥٠٢). وحديث أبي هريرة مكمل لحديث ابن عباس في الخطبة حيث ساقها ابن عباس مقتصراً على بعضها وفيها يتكرر قوله "أنقذوا أنفسكم من النار" واقتصر أبو هريرة على بعضها الآخر (فتح الباري ٥/ ٣٨٢ وصحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٨١) وقارن برواية أبي موسى الأشعري في سنن الترمذي ٥/ ٣٣٩ - ٣٤٠ وعده الترمذي غريباً من حديث أبي موسى وأفاد أنه روى مرسلاً. وهكذا أخرجه مرسلاً الطبري في جامع البيان ١٩/ ١٢٠ وقارن برواية أبي يعلي الموصلي مسنده ٢/ ٤٠ - ٤١ بإسناد ضعيف فيه عبد الجبار بن عمر الأيلي ضعيف وعبد الله بن عطاء ضعيف (راجع عنهما تقريب التهذيب ٣٣٢ وتهذيب التهذيب ٦/ ١٠٣ - ١٠٤).

وقد ذكرت روايات واهية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع ثلاثين من أهل بيته على أثر نزول ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فأكلوا وشربوا -وبعضها يشير إلى ظهور معجزة كفاية الطعام القليل للعدد الكبير- ثم سألهم: من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة، وخليفتي في أهلي؟ فسكتوا. فقال علي: أنا ١ . وفضائل علي رضي الله عنه كثيرة لكن هذه الرواية منكرة، وسائر شواهدها واهية حبكها الكاذبون وتخيلها القصاصون من أصحاب الأهواء. ويجعل الطبري نزول الآية " ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ " إيذانا بانتهاء مرحلة السرية، والآية مكية، وفيها ما يفيد الأمر بالجهر بالقرآن، ويحتمل أن تكون نزلت لتنهي مرحلة السرية، ولكن يصعب الجزم بذلك لضعف إسناد الرواية. ٢

  1. ١مسند أحمد ١/ ١١١ وكشف الأستار ٣/ ١٨٣ بإسناد ضعيف ففي إسنادهما عباد بن عبد الله الأسدي ضعيف، وفيه شريك سيء الحفظ، وفيه عنعنة الأعمشي وهو مدلس. وانظر شواهده التالفة عند ابن إسحاق: (السير والمغازي ١٤٥ - ١٤٦) وفي سنده عبد الغفار بن القاسم أبو مريم متروك كذاب شيعي (الطبري: تفسير ١٩/ ٧٤ - ٧٥ وابن كثير: التفسير ٣/ ٣٥١) وراجع ترجمته في (الضعفاء للعقيلي ٣٠/ ١٠١) وابهمه ابن إسحاق في سنده، وكشف عنه أحمد بن عبد الجبار العطاري رواية السيرة (البيهقي: دلائل النبوة ٢/ ١٧٨ - ١٨٠) وابن سعد: طبقات ١/ ١٨٧ وفي إسناده الواقدي ويزيد بن عياض متروكان. وابن أبي حاتم في تفسيره بإسناد فيه عبد الله بن عبد القدوس، رافضي ضعيف (ابن كثير: تفسير ٣/ ٣٥١ - ٣٥٢ وابن تيمية: منهاج السنة ٤/ ٨١) والنسائي: خصائص على رقم ٦٦ والطبري: تاريخ ٢/ ٣٢١ كلاهما بإسناد ضعيف فيه ربيعة بن ناجد الأزدي الكوفي قال عنه الذهبي: "لا يكاد يعرف، وعنه أبو صادق بخبر منكر فيه علي أخي ووارثي" (ميزان الاعتدال ٢/ ٤٥) وأما توثيق الحافظ ابن حجر له في التقريب ٢٠٨ فتابع فيه ابن حبان والعجلي وهما متساهلان (تهذيب التهذيب ٣/ ٢٦٣).
  2. ٢تاريخ الطبري ٢/ ٣١٨ وتفسير الطبري ١٤/ ٦٨ وفي سنده موسى بن عبيدة ضعيف كما في التقريب.
١/١٤٣١/١٤٣

"ومن الطبيعي أن يبدأ الرسول دعوته العلنية بإنذار عشيرته الأقربين، إذ أن مكة بلد توغلت فيه الروح القبلية، فبدء الدعوة بالعشيرة قد يعين على نصرته وتأييده وحمايته، كما أن القيام بالدعوة في مكة لابد أن يكون له أثر خاص لما لهذا البلد من مركز ديني خطير، فجلبها إلى حظيرة الإسلام لابد وأن يكون له وقع كبير على بقية القبائل .. على أن هذا لا يعني أن رسالة الإسلام كانت في أدوارها الأولى محددة بقريش، لأن الإسلام كما يتجلى من القرآن اتخذ الدعوة في قريش خطوة أولى لتحقيق رسالته العالمية، والواقع أن كثيراً من الآيات المكية كانت تنص على أن القرآن ﴿مَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ الأمر الذي يدل على أن فكرة الدعوة العالمية كانت قائمة منذ هذا الوقت المبكر" ١ .

  1. ١عماد الدين خليل: دراسة في السيرة ٦٦.

وقد أسلم في مرحلة الدعوة العلنية أبو ذر الغفاري، فقد استدل ابن حجر من قصة إسلام أبي ذر ورؤية علي له بأنها وقعت بعد المبعث بأكثر من سنتين بحيث يتهيأ لعلي أن يستقل بمخاطبة الغريب ويضيفه ١ .

  1. ١فتح الباري ٧/ ١٧٤.

وقد وردت قصة إسلام أبي ذر من حديث صحابيين هما عبد الله بن عباس في صحيحي البخاري ومسلم، وعبد الله بن الصامت في صحيح مسلم وحده، وبينهما تعارض، ويرى القرطبي أن الجمع بينهما فيه تكلف شديد، في حين يرى الحافظ ابن حجر أن بينهما مغايرة كثيرة ولكن الجمع بينهما ممكن ١ . وعلى أية حال فالقاعدة أن الأصح ما اتفق عليه البخاري ومسلم لذلك يلزم عند التعارض اعتماد رواية ابن عباس، ويؤخذ من الروايات الصحيحة أنا أبا ذر رضي الله عنه كان منكراً لحال الجاهلية، يأبى عبادة الأصنام وينكر على من يشرك بالله، وكان يصلي لله قبل إسلامه، بثلاث سنوات دون أن يخص قبلة بعينها بالتوجه، ويبدو أنه كان متأثراً بالأحناف، ولما سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم قدم إلى مكة وكره أن يسأل عنه حتى أدركه الليل، فاضطجع فرآه علي رضي الله عنه فعرف أنه غريب، فاستضافه ولم يسأله عن شئ، ثم غادره صباحاً إلى المسجد الحرام فمكث حتى أمسى، فرآه علي فاستضافه لليلة ثانية، وحدث مثل ذلك في الليلة الثالثة ثم سأله عن سبب قدومه، فلما استوثق منه أبو ذر أخبره بأنه يريد مقابلة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال له علي: "فإنه حق وهو رسول الله فإذا أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني، فتبعه وقابل الرسول صلى الله عليه وسلم واستمع إلى قوله فأسلم، فقال له النبي ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري. فقال: والذي نفسي بيده لأصرخنَّ بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه" ، فأتى العباس بن عبد المطلب فحذرهم من انتقام غفار والتعرض لتجارتهم التي تمر بديارهم إلى الشام. فأنقذه منهم ٢ . وهذه الرواية تفيد وجود بعض الأحناف في البوادي ولعل ما بدا من حذر علي رضي الله عنه وما وقع من ضرب قريش لأبي ذر ومن وصف أنيس أخي أبي ذر الحالة في مكة عندما دخلها قبيل دخول أبي ذر فقال لأخيه محذراً "وكن على حذر من أهل مكة فإنهم قد شنفوا له وتجهموا" ٣ لعل في ذلك كله ما يؤكد أن إسلامه جرى بعد إعلان الدعوة وانتهاء المرحلة السرية.

  1. ١فتح الباري ٧/ ١٧٤، ١٧٥.
  2. ٢صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٧٣) وصحيح مسلم ٤/ ١٩٢٣ - ١٩٢٥) وأما رواية عبد الله بن الصامت ففي صحيح مسلم (٤/ ١٩١٩ - ١٩٢٣) وتذهب رواية ابن الصامت إلى أن اللقاء الأول بين أبي ذر والرسول صلى الله عليه وسلم تم قرب الكعبة المشرفة بحضور أبي بكر ولا تذكر علياً.
  3. ٣صحيح مسلم ٤/ ١٩٢٣ وشنفوا له أي أبغضوه. وقارن برواية الطبراني: المعجم الأوسط ١/ ١٥٦ أي بإسناد ضعيف فيه أبو طاهر مولى الحسن بن علي مجهول (الكني للبخاري ٤٦ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٩/ ٣٩٧ وابن حبان: الثقات ٥/ ٥٧٥ - ٥٧٦) والحاكم: المستدرك ٣/ ٣٣٩ - ٣٤١ وفي إسناده عباد بن الريان مجهول الحال (الأسماء والكني للدولابي ٢/ ١٨). وأما الواقدي فقد خالف الروايات الصحيحة فروى ما يشير إلى أن أبا ذر كان قاطع طريق، وأنه أسلم بعد أبي بكر بيوم أو يومين ثم ناقضها برواية تقول أن أبا ذكر كان متألها فما أعجب ما يروي الواقدي!! (طبقات ابن سعد ٤/ ٢٢٢ - ٢٢٤).
١/١٤٥١/١٤٥

لقد عاد أبو ذر إلى غفار فأسلم نصفهم، وأسلم النصف الثاني بعد الهجرة النبوية.

كذلك يظهر من سياق قصة إسلام ضماد - من ازد شنوءة - أنه تم في بداية مرحلة الجهر بالدعوة، وبعد أن جاهر الرسول صلى الله عليه وسلم بتسفيه عقائد المشركين، فردوا عليه بالدعاية الكاذبة واصفين إياه بالجنون، فلما قدم ضماد مكة وسمع سفهاء مكة يتهمون النبي بالجنون، وكان ضماد يرقي من مس الجنون ذهب إلى الرسول وعرض عليه أن يرقاه. فقال رسول الله: "إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد" فقال ضماد: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهنَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فقال ضماد: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ثم أسلم وبايع عن نفسه وقومه ١ .

  1. ١صحيح مسلم ٢/ ٥٩٣.

إن الكلمات النبوية تلمس شغاف قلوب البشر وتزيل الحجب بينهم وبين حقيقة توحيد الألوهية التي غابت عنهم آماداً طويلة فتنقلهم الكلمات بصدقها ومباشرتها وملامستها للفطرة إلى عالم الإسلام ١ .

  1. ١ابن عبد البر: الاستيعاب ٢/ ٢١٦ - ٢١٧ بإسناد غير محفوظ وفيه انقطاع لأن صالح بن كيسان لم يدرك الطفيل بن عمرو. والمحفوظ من رواية ابن إسحاق بدون إسناد (سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢ - ٢٤). وقال ابن حجر: "ذكرها ابن إسحاق في سائر النسخ بدون إسناد" (الإصابة ومعها الاستيعاب ٢/ ٢١٦ - ٢١٧)
١/١٤٦١/١٤٦

وهناك قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي وكرامته لكنها، لم يثبت منها إلا أنه دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للالتجاء إلى حصن دوس المنيع فأبى الرسول ذلك ١ . ولا بد أن الدعوة هذه جرت بعد اشتداد المقاومة القرشية.

  1. ١صحيح مسلم ١/ ١٠٩ وأخرجه أحمد كما في البداية والنهاية لابن كثير ٣/ ٩٨ وأبو يعلي: المسند ٤/ ١٢٦.

وتشير رواية صحيحة أن الطفيل دعا قومه إلى الإسلام ولقى منهم صدوداً حتى طلب الطفيل من رسول الله أن يدعو عليهم لكن الرسول دعا لهم بالهداية ١ . وكان الرسول آنئذ بالمدينة المنورة ٢ .

  1. ١صحيح البخاري (فتح الباري ٦/ ١٠٧) ومسند أحمد ٢/ ٢٤٣، ٤٤٨، ٥٠٢.
  2. ٢ابن كثير: السيرة النبوية ٢/ ٧٦.

أما عثمان بن مظعون فقد أسلم مبكراً لكن قصة إسلامه فيها ضعف ١ وقد أسلم حمزة في وقت اشتدت فيه جرأة قريش على رسول الله ولكن تفاصيل قصة إسلامه لم تثبت من طريق صحيحة ٢ .

  1. ١مسند أحمد ١/ ٣١٨ وطبقات ابن سعد ١/ ١٧٤ - ١٧٥ بإسناد قال عنه ابن كثير: "إسناد جيد متصل حسن قد بين فيه السماع المتصل" (تفسير القرآن العظيم ٢/ ٥٨٣) لكن فيه شهر بن حوشب" صدوق كثير الارسال والأوهام (تقريب التهذيب ٢٦٩) فإن زالت علة الإرسال بقيت علة كثرة الوهم، فالسند فيه ضعف لا محالة.
  2. ٢وردت رواية من مرسل محمد بن كعب القرظي عند الطبراني وفي سندها إسماعيل الخفاف لم أقف له على ترجمة ومفادها أن إسلام حمزة كان حمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أخبر بشتم أبي جهل للرسول، فمضى إلى الكعبة حيث ضرب أبا جهل بقوسه فشجه وأعلن إسلامه (المعجم الكبير ٣/ ١٥٢ - ١٥٣) وساق الواقدي بسنده مرسل محمد بن كعب القرظي والواقدي متروك (طبقات ابن سعد ٣/ ٩) = = وساق ابن إسحاق شاهدا وفي سنده مبهم مع الإرسال (السير والمغازي ١/ ٢٦٠ - ٢٦١) وساق الطبراني له شاهداً معضلاً مع تدليس ابن إسحاق وقد عنعن (المعجم الكبير ٣/ ١٥٣ - ١٥٤) وهكذا فإن الطرق بمجموعها لا تصلح للاحتجاج بها حديثياً.