نقض الصحيفة، ووفاة أبي طالب وخديجة
بعد عشرة أعوام من المبعث، وعمره ﷺ ٥٠
المبحث السابع: وفاة أبي طالب
١١١ - من حديث المسيب رضي الله عنه قال: "لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية ابن المغيرة. فقال رسول الله ﷺ (يا عم قل لا إله إلا الله. كلمة أشهد لك بها عند الله) . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! ترغب عن ملة عبد المطلب! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم، هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله.
فقال رسول ﷺ (أما والله! لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) فأنزل الله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ١ وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله ﷺ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٢ ٣ .
- ١سورة التوبة: ١١٣.
- ٢سورة القصص: ٥٦.
- ٣أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب قصة أبي طالب حديث رقم: ٣٨٨٤، فتح الباري:٧/ ١٩٣، مسلم كتاب الإيمان باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت حديث رقم: ٢٤، النسائي: ٤/ ٩٠ - ٩١ الجنائز باب النهي عن الاستغفار للمشركين، أحمد:٥/ ٤٣٣ ابن جرير في التفسير: ١١/ ٤١.
١١٢ - ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ لعمه (قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة) . قال: لولا أن تعيرني قريش، يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ١ ٢ .
- ١سورة القصص: ٥٦.
- ٢أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت حديث رقم: ٢٥، الترمذي في كتاب التفسير باب ومن سورة القصص حديث رقم: ٣١٨٨ وقال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث، يزيد بن كيسان، أحمد: ٢/ ٤٤١ ابن خزيمة: ٣٤٣ - ٣٤٤ البيهقي في شعب الإيمان: ١/ ١٠٦ رقم: ٩١.
١١٣ - ومن حديث علي بن أبي طالب: "أنه أتى النبي ﷺ فقال: إن أبا طالب مات فقال له ﷺ : (اذهب فواره) . فقال: إنه مات مشركًا فقال: (اذهب فواره) ، فلما واريته رجعت إلى النبي ﷺ فقال لي: (اغتسل) ١ .
- ١أخرجه أحمد:١/ ٩٥، ١٠٣، ١٣٠، ١٣١ أبو داود رقم:٣٢١٤ الجنائز باب الرجل يموت له قرابة مشرك، النسائي في الطهارة باب الغسل من مواراة المشرك: ١/ ١١٠، الجنائز باب مواراة المشرك: ٤/ ٧٩ - ٨٠ - وقال الذهبي في السيرة النبوية: ١٥٠، هذا حديث حسن متصل. وقال الساعاتي في الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٣٥: أخرجه أحمد والنسائي وأبو بكر بن أبي شيبة والبزاز، والبيهقي. قال الحافظ رواته ثقات: وقال الساعاتي: وإن تكلم فيه بعضهم فكلامه لا يؤثر فقد قال: الشوكاني: ذكر الماوردي أن بعض أصحاب الحديث خرج هذا الحديث مائة وعشرين طريقًا. ولا يخفى أن كثرة الطرق تقوي الحديث الضعيف فما بالك بحديث رواته ثقات.
مصير أبي طالب
١١٤ - ومن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أنه سمع النبي ﷺ وذكر عنده عمه فقال: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه) ١ .
- ١أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب قصة أبي طالب رقم:٣٨٨٥، فتح الباري: ٧/ ١٩٣ مسلم كتاب الإيمان باب شفاعة النبي لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه رقم: ٢١٠.
١١٥ - ومن حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه : قال للنبي ﷺ : ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال (هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) ١ .
- ١أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب قصة أبي طالب رقم:٣٨٨٥ فتح الباري:٧/ ١٩٣، مسلم كتاب الإيمان باب شفاعة النبي لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه رقم: ٢٠٩.
المبحث الثامن: وفاة خديجة وزواج الرسول بعائشة وسودة
١١٦ - من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال: (توفيت خديجة قبل مخرج النبي ﷺ إلى المدينة بثلاث سنين، فلبث سنتين أو قريبًا من ذلك، ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين) ١ .
- ١أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب تزويج النبي عائشة وقدومها المدينة، وبنائه بها رقم: ٣٨٩٦ فتح الباري: ٧/ ٢٢٣.
١١٧ - من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون: يا رسول الله ألا تزوج؟ قال: (نعم، فما عندك؟) قالت: بكر وثيب. البكر بنت أحب خلق الله إليك عائشة، والثيب سودة بنت زمعة.
فدخلت على أبي بكر فقال: إنما هي ابنة أخيه، قال: (قولي له أنت أخي في الإِسلام، وابنتك تصلح لي فجاءه فأنكحه) ثم دخلت على سودة فقالت لها: أخبري أبي، فذكرت له فزوجه" ١ .
- ١قال الحافظ في الفتح: ٧/ ٢٢٥: رواه أحمد والطبراني: ٢٣/ ٢٣، رقم: ٥٧، وإسناد حسن. وانظر السيرة النبوية ابن كثير: ٢/ ١٤٢ - ١٤٣ - وقال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٢٢٥، رجاله رجال الصحيح غير محمَّد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث.
١١٨ - وقد جاء من سياق آخر أطول من حديث عائشة رضي الله عنها قال أبو سلمة ويحيى: (لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تزوج قال: (من؟) قالت: إن شئت بكرًا، وإن شئت ثيبًا". قال: (فمن البكر؟) قالت: ابنة أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر. قال: (ومن الثيب؟) قالت: سودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك. قال: (فاذهبي فاذكريهما علي) .
فدخلت بيت أبي بكر فقالت: يا أم رومان ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة قالت: انظري أبا بكر حتى يأتى.
فجاء أبو بكر فقلت: يا أبا بكر ماذا أدخل عليك من الخير والبركة! قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة. قال: وهل تصلح له؟ إنما هي ابنة أخيه.
فرجعت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له قال: ارجعي إليه فقولي له: (أنا أخوك، وأنت أخي في الإِسلام، وابنتك تصلح لي) فرجعت فذكرت ذلك له قال: انتظري، وخرج. قالت أم رومان: إن مطعم بن عدي قد ذكرها على ابنه، ووالله ما وعد أبو بكر وعدًا فأخلفه.
فدخل أبو بكر رضي الله عنه على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الصبي فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مصبئ صاحبنا تدخله في دينك الذي أنت عليه أن تزوج إليك؟. فقال أبو بكر للمطعم بن عدي: "أقول هذه تقول! قال: إنها تقول ذلك. فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعد.
فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله ﷺ ، فدعته فزوجها إياه، وعائشة يومئذ بنت ست سنين.
ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة فقالت: ما أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطبك إليه. قالت: وددت، ادخلي إلى أبي فاذكري ذلك له. وكان شيخًا كبيرًا قد أدركه السنن قد تخلف عن الحج، فدخلت عليه فحييته بتحية الجاهلية. فقال: من هذه؟ قالت: خولة بنت حكيم. قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمَّد بن عبد الله أخطب عليه سودة. فقال: كفء كريم، ما تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذلك. قال: ادعيها إلي.
فدعتها قال: أي بنيه، إن هذه تزعم أن محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك وهو كفء كريم، أتحبين أن أزوجك به؟ قالت: نعم. قال ادعيه لي، فجاء رسول الله ﷺ فزوجها إياه.
فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج، فجاء يحثي على رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب، أن تزوج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة. قالت عائشة: فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنح. قالت: فجاء رسول الله ﷺ فدخل بيتنا، واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءتني أمي وإني لفي أرجوحة بين عذقين يرجح لي، فأنزلتني من الأرجوحة ولي جميمة، ففرقتها ومست وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب، وإني لأنهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي، فهذا رسول الله ﷺ جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك، فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك، فوثب الرجال والنساء فخرجوا، وبنى بي رسول الله في بيتنا ما نحرت جزور، ولا ذبحت علي شاة، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله ﷺ إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين" ١ .
- ١أحمد في المسند: ٦/ ٢١٠،٢١١ وقال ابن كثير في سيرته: ٢/ ١٤٢ هذا السياق كأنه مرسل وهو متصل، وقال الذهبي في السيرة: ١٨٤، إسناده حسن. وقال الساعاتي في الفتح:٢٠/ ٢٣٧ - ٢٣٩، أورده الهيثمي وقال في الصحيح طرف منه رواه أحمد بعضه فيه الاتصال عن عائشة وأكثره مرسل وفيه محمَّد بن عمرو بن علقمة وثقه غير واحد ورجاله رجال الصحيح. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ٧/ ١٧٦ إسناده حسن. وقال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٢٢٥ رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمَّد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث. وأخرجه ابن سعد في الطبقات: ٨/ ٥٧.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،