المقاطعة العامة ١/٩٧ ١/٩٧ وقعت أربع حوادث ضخمة- بالنسبة إلى المشركين- خلال أربعة أسابيع، أو في أقل مدة، منها: أسلم حمزة، ثم أسلم عمر، ثم رفض محمد صلى الله عليه وسلم مساومتهم، ثم تواثق بنو المطلب، وبنو هاشم كلهم مسلمهم وكافرهم، على حياطة محمد صلى الله عليه وسلم ومنعه، حار المشركون، وحقت لهم الحيرة، إنهم عرفوا أنهم لو قاموا بقتل محمد صلى الله عليه وسلم يسيل وادي مكة دونه بدمائهم، بل ربما يفضي إلى استئصالهم. عرفوا ذلك فانحرفوا إلى ظلم آخر دون القتل، لكن أشد مضاضة عما فعلوا بعد.
ميثاق الظلم والعدوان اجتمعوا في خيف بني كنانة من وادي المحصب فتحالفوا، على بني هاشم وبني المطلب ألايناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل، وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق «ألايقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه، للقتل» قال ابن القيم: يقال: كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم، ويقال: نضر بن الحارث، والصحيح أنه بغيض بن عامر بن هاشم، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت يده ١ .
١ زاد المعاد ٢/ ٤٦.تم هذا الميثاق، وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم- إلا أبا لهب- وحبسوا في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة.
وتزيد الكتب الأخرى هناوَكَانَ كَاتِبُ الصّحِيفَةِ مَنْصُورَ بْنَ عِكْرِمَةَ. فَشَلَتْ يَدُهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ.
وَكَانَ كَاتِبَ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورُ بْنُ عِكْرِمَةَ. فَشُلَّتْ يَدُهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ.
سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ
٣/٣٧٧ ٣/٣٧٧ والذي كتب الصحيفة: قال ابن إسحاق: منصور بن عكرمة. قال ابن هشام: ويقال النضر بن الحارث. فدعا عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم فشلّت بعض أصابعه. وقال غيره: بغيض بن عامر. فشلّت يده. وقال غيره: هشام بن عمرو بن الحارث العامري وأسلم بعد ذلك.
السيرة الحلبية نور الدين الحلبي، ت ١٠٤٤هـ
١/٤٧٦ ١/٤٧٦ وقد يجمع بأنه يجوز أن تكون كانت عندها قبل أن تعلق في الكعبة على أنه سيأتي أنه يجوز أن الصحيفة تعددت، وكان اجتماعهم وتحالفهم في خيف بني كنانة بالأبطح ويسمى محصبا، وهو بأعلى مكة عند المقابر، فدخل بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم الشعب إلا أبا لهب فإنه ظاهر عليهم قريشا، وكان سنه صلى الله عليه وسلم حين دخل الشعب ستة وأربعين سنة. وفي الصحيح «أنهم في الشعب جهدوا كانوا يأكلون الخبط وورق الشجر» .
الموسوعة في صحيح السيرة النبوية الفالوذة، ت ١٤٤٠هـ
١/٣٥١ ١/٣٥١ حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا محمَّد بن عمرو بن خالد الحراني، قال: حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى الأسود، عن عروة بن الزبير قال: لما أقبل عمرو بن العاص من الحبشة من عند النجاشي إلى مكة قد أهلك الله صاحبه، ومنعه حاجته، اشتد المشركون على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، وعمد المشركون من قريش فأجمعوا مكرهم وأمرهم على أن يقتلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علانية. فلما رأى ذلك أبو طالب، جمع بني عبد المطب، فأجمع لهم أمرهم على أن يدخلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شِعبَهم ويمنعوه ممّن أراد فاجتمعوا على ذلك كافرهم ومسلمهم منهم من فعله حمية ومنهم من فعله إيمانًا ويقينًا فلما عرفت قريش أن القوم قد اجتمعوا ومنعوا الرسول، واجتمعوا على ذلك كافرهم ومسلمهم، اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا أمرهم على أن لا يجالسوهم، ولا يخالطوهم ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا في بيوتهم، حتى يسلموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقتل، وكتبوا بمكرهم صحيفة وعهودًا ومواثيق أن لا يقبلوا من بني هاشم أبدًا صلحًا، ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة ولا هوادة حتى يسلموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقتل، فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم فيهن البلاء والجهد، وقطعوا عليهم الأسواق فلا يتركون طعامًا يدنو من مكة، ولا بيعًا إلا بادروا إليه ليقتلهم الجوع يريدون أن يتناولوا بذلك سفك دم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ الْقَطَّانِ، قَالَ: «ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ اشْتَدُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَأَشَدِّ مَا كَانُوا، حَتَّى بَلَغَ الْمُسْلِمِينَ الْجَهْدُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ فِي مَكْرِهَا أَنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ عَلَانِيَةً، فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ عَمَلَ الْقَوْمِ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُدْخِلُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ شِعْبَهُمْ، وَيَمْنَعُوهُ مِمَّنْ أَرَادَ قَتْلَهُ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَعَلَهُ حَمِيَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ فَعَلَهُ إِيمَانًا وَيَقِينًا فَلَمَّا عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ مَنَعُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ وَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَجْمِعُوا أَمْرَهُمْ أَنْ لَا يُجَالِسُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يَدْخُلُوا بُيُوتَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ لِلْقَتْلِ، وَكَتَبُوا فِي مَكْرِهِمْ صَحِيفَةً وَعُهُودًا وَمَوَاثِيقَ لَا يَقْبَلُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَبَدًا صُلْحًا وَلَا تَأْخُذُهُمْ بِهِ رَأْفَةٌ حَتَّى يُسْلِمُوهُ لِلْقَتْلِ فَلَبِثْ بَنُو هَاشِمٍ فِي شِعْبِهِمْ يَعْنِي ثَلَاثَ سِنِينَ [ (١) ] وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ وَالْجَهْدُ، وَقَطَعُوا عَنْهُمُ الْأَسْوَاقَ فَلَا يَتْرُكُوا طَعَامًا يَقْدَمُ مَكَّةَ وَلَا بَيْعًا إِلَّا بَادَرُوهُمْ إِلَيْهِ فَاشْتَرَوْهُ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنْ يُدْرِكُوا سَفْكَ دَمِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ.
ثلاثة أعوام في شعب أبي طالب واشتد الحصار، وقطعت عنهم الميرة والمادة، فلم يكن المشركون يتركون طعاما يدخل مكة ولا بيعا إلا بادروه فاشتروه، حتى بلغهم الجهد والتجأوا إلى أكل الأوراق والجلود، وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا- وكانوا- لا يخرجون من الشعب لاشتراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم، وكانوا يشترون من العير التي ترد مكة من خارجها، ولكن أهل مكة كانوا يزيدون عليهم في السلعة قيمتها حتى لا يستطيعوا الإشتراء.
١/٩٨ ١/٩٨ وكان حكيم بن حزام ربما يحمل قمحا إلى عمته خديجة- رضي الله عنها- وقد تعرض له مرة أبو جهل فتعلق به ليمنعه فتدخل بينهما أبو البختري، ومكنه من حمل القمح إلى عمته.
وكان أبو طالب يخاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أخذ الناس مضاجعهم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضطجع على فراشه، حتى يرى ذلك من أراد اغتياله، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوانه أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يأتي بعض فرشهم. ٣
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يخرجون في أيام الموسم، فيلقون الناس، ويدعونهم إلى الإسلام، وقد أسلفنا ما كان يأتي به أبو لهب.
وتزيد الكتب الأخرى هناوَقَوْلُهُ كَرَاغِيَةِ السّقْبِ يُرِيدُ وَلَد النّاقَةِ الّتِي عُقْرُهَا قُدَار، فَرَغَا وَلَدُهَا، فَصَاحَ بِرُغَائِهِ كُلّ شَيْءٍ لَهُ صَوْتٌ فَهَلَكَتْ ثَمُودُ عِنْدَ ذَلِكَ فَضَرَبَتْ الْعَرَبُ ذَلِكَ مَثَلًا فِي كُلّ هَلَكَةٍ. كَمَا قَالَ عَلْقَمَةُ [بْنُ عَبْدَةَ] :
رَغَا فَوْقَهُمْ سَقْبُ السّمَاءِ فَدَاحِصٌ ... بِشِكّتِهِ لَمْ يُسْتَلَبْ وَسَلِيبُ
تعرض أبي جهل لحكيم بن حزَام، وتوسط أبي البخْترِي:
وَقَدْ كَانَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ - فِيمَا يَذْكُرُونَ - لَقِيَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، مَعَهُ غُلَامٌ يَحْمِلُ قَمْحًا يُرِيدُ بِهِ عَمّتَهُ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وَهِيَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ فِي الشّعْبِ، فَتَعَلّقَ بِهِ وَقَالَ أَتَذْهَبُ بِالطّعَامِ إلَى بَنِي هَاشِمٍ؟ وَاَللهِ لَا تَبْرَحْ أَنْتَ وَطَعَامَك، حَتّى أَفْضَحَك بِمَكّةَ. فَجَاءَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ [بْنِ عَبْدِ الْعُزّى] ، فَقَالَ مَا لَك وَلَهُ؟ فَقَالَ يَحْمِلُ الطّعَامَ إلَى بَنِي هَاشِمٍ فَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيّ طَعَامٌ كَانَ لِعَمّتِهِ عِنْدَهُ بَعَثْت إلَيْهِ [فِيهِ] ، أَفَتَمْنَعُهُ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامِهَا؟ خَلّ سَبِيلَ الرّجُلِ فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ حَتّى نَالَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَأَخَذَ أَبُو الْبَخْتَرِيّ لَحْيَ بَعِيرٍ فَضَرَبَهُ بِهِ فَشَجّهُ وَوَطِئَهُ وَطْأً شَدِيدًا، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ قَرِيبٌ يَرَى ذَلِكَ وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ فَيَشْمَتُوا بِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ يَدْعُو قَوْمَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا وَسِرّا وَجِهَارًا، مُنَادِيًا بِأَمْرِ اللهِ لَا يَتّقِي فِيهِ أَحَدًا من النَّاس.
وفي أيام الشّعب، كان المسلمون يلقون غيرهم في موسم الحج، ولم تشغلهم الامهم عن تبليغ الدعوة، وعرضها على كل وافد؛ فإنّ الاضطهاد لا يقتل الدعوات، بل يزيد جذورها عمقا، وفروعها امتدادا؛ وقد كسب الإسلام أنصارا كثرا في هذه المرحلة، وكسب- إلى جانب ذلك- أنّ المشركين قد بدؤوا ينقسمون على أنفسهم، ويتسائلون عن صواب ما فعلوا، وشرع فريق منهم يعمل على إبطال هذه المقاطعة، ونقض الصحيفة التي تضمنتها.
صحيح وضعيف تاريخ الطبري محمد البرزنجي
٢/٣٦ ٢/٣٦ ٣٥ - اجتمعت قريش، فائتمرت بينها: أن يكتبوا بينهم كتابًا يتعاقدون فيه؛ على ألا ينكحوا إلى بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، فكتبوا بذلك صحيفة، وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علّقوا الصحيفة في جوف الكعبة، توكيدًا بذلك الأمر على أنفسهم، فلمّا فعلت ذلك قريش، انحازت بنو هاشم وبنو المطّلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شِعْبِهِ، واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العُزّى بن عبد المطلب إلى قريش، وظاهرَهم عليه، فأقاموا على ذلك من أمرهم سنتين أو ثلاثًا؛ حتى جهِدُوا ألّا يصل إلى أحد منهم شيء إلا سرًّا مستخفيًا به مَن أراد صلتهم من قريش. وذكر أن أبا جهل لقيَ حكيم بنَ حزام بن خُويلد بن أسد، معه غلام يحمل قمحًا يريد به عَمَّته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه في الشِّعب، فتعلّق به، وقال: أتذهب بالطّعام إلى بني هاشم! والله لا تبرحُ أنت وطعامك حتى أفضحك بمكّة! فجاء أبو البختريّ بن هشام بن الحارث بن أسد، فقال: ما لك وله! قال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختريّ: طعامٌ لعمَّته عنده بَعَثتْ إليه فيه، أفتمنعه أن يأتيَها بطعامها! خلِّ سبيلَ الرّجل. فأبى أبو جهل حتى نال أحدُهما من صاحبه، فأخذ أبو البَخْتريّ لَحْيَ بعير، فضربه فشجّه، ووطئه وطئًا شديدًا، وحمزة بن عبد المطلب قريبٌ يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلُغ ذلك رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فيشمَتوا بهمْ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كلّ ذلك يدعو قومَه سرًّا وجهرًا، آناء الليل وآناء النهار؛ والوحي عليه من الله متتابعٌ بأمره ونهيه، ووعيد مَنْ ناصبه العداوة، والحجج لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى مَنْ خالفه ١ . (٢: ٣٣٥/ ٣٣٦ / ٣٣٧) .
سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ
٣/٣٧٨ ٣/٣٧٨ وقد كان أبو جهل لقي حكيم بن حزام معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة وهي مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم في الشّعب، فتعلّق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟! لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة. فقال له أبو البختريّ ابن هشام بن الحارث- وهلك كافرا-: طعام كان لعمّته عنده أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خلّ سبيل الرجل. فأبى أبو جهل حتى نال كل واحد منهما من صاحبه فأخذ أبو البختريّ لحي بعير فضربه به فشجّه ووطئه وطئا شديدا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم وأصحابه فيشمتوا بهم.
وَقَدْ كَانَ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- لَقِيَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ ابْن أَسَدٍ، مَعَهُ غُلَامٌ يَحْمِلُ قَمْحًا يُرِيدُ بِهِ عَمَّتَهُ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وَهِيَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَهُ فِي الشِّعْبِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ وَقَالَ: أَتَذْهَبُ بِالطَّعَامِ إلَى بَنِي هَاشِمٍ؟ وَاَللَّهِ لَا تَبْرَحُ أَنْتَ وَطَعَامُكَ حَتَّى أفضحك بِمَكَّة. فَجَاءَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ ابْن هَاشِمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسد، فَقَالَ: مَالك وَلَهُ؟ فَقَالَ: يَحْمِلُ الطَّعَامَ إلَى بَنِي هَاشِمٍ، فَقَالَ (لَهُ) أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: طَعَامٌ كَانَ لِعَمَّتِهِ عِنْدَهُ بَعَثَتْ إلَيْهِ (فِيهِ) أَفَتَمْنَعُهُ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامِهَا! خَلِّ سَبِيلَ الرَّجُلِ، فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ حَتَّى نَالَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَخَذَ (لَهُ) أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَحْيَ بَعِيرٍ فَضَرَبَهُ بِهِ فشجّه، ووطئه وطأ شَدِيدًا، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَرِيبٌ يَرَى ذَلِكَ، وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ، فَيَشْمَتُوا بِهِمْ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ يَدْعُو قَوْمَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَسِرًّا وَجَهَارًا، مُبَادِيًا بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَتَّقِي فِيهِ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ.
ثم عمد أبو طالب فأدخل الشعب إبن أخيه وبني أبيه ومن اتبعهم من بين مؤمن، دخل لنصرة الله، ونصره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بين مشرك يحمي، فدخلوا شعبهم، وهو شعب في ناحية من مكة، فلما قدم عمرو- عمرو بن العاصي- وعبد الله بن أبي ربيعة إلى قريش «١» وأخبروهم بالذي قال النجاشي لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، اشتد وجدهم، وآذوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أذى شديداً وضربوهم في كل طريق وحصروهم في شعبهم وقطعوا عنهم المادة من الأسواق، فلم يدعوا أحدا من الناس يدخل عليهم طعاماً ولا شيئاً مما يرفق بهم، وكانوا يخرجون من الشعب إلى الموسم، وكانت قريش تبادرهم إلى الأسواق فيشترونها ويغلونها عليهم، ونادى منادي الوليد بن المغيرة في قريش: أيما رجل وجدتموه عند طعام يشتريه فزيدوا عليه.
نقض صحيفة الميثاق مرت ثلاثة أعوام كاملة والأمر على ذلك، وفي المحرم ١ سنة عشر من النبوة حدث نقض الصحيفة وفك الميثاق، وذلك أن قريشا كانوا بين راض بهذا الميثاق وكاره له، فسعى في نقض الصحيفة من كان كارها لها.
١ الدليل على هذا أن أبا طالب مات بعد نقض الصحيفة بستة أشهر، والصحيح في موت أبي طالب أنه في شهر رجب. ومن يقول: إنه مات في رمضان فهو يقول: إنه مات بعد نقض الصحيفة بثمانية أشهر وأيام.وكان القائم بذلك هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي- وكان يصل بني هاشم في الشعب مستخفيا بالليل بالطعام- فإنه ذهب إلى زهير بن أبي أمية المخزومي- وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب- وقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام، وتشرب الشراب، وأخوالك بحيث تعلم؟ فقال: ويحك، فما أصنع وأنا رجل واحد؟ أما والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها، قال: قد وجدت رجلا. قال: فمن هو؟ قال: أنا قال له زهير:
ابغنا رجلا ثالثا.
فذهب إلى المطعم بن عدي، فذكره أرحام بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف، ولامه على موافقته لقريش على هذا الظلم، فقال المطعم: ويحك، ماذا أصنع؟
١/٩٩ ١/٩٩ إنما أنا رجل واحد، قال: قد وجدت ثانيا، قال: من هو؟ قال: أنا قال: ابغنا ثالثا. قال قد فعلت. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: ابغنا رابعا. ٣
فذهب إلى أبي البختري بن هشام، فقال له نحوا مما قال للمطعم، فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأنا معك، قال: ابغنا خامسا. ٤
فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم ثم سمى له القوم، فاجتمعوا عند الحجون، وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة، وقال زهير: أنا أبدأكم فأكون أول من يتكلم. ٤
فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير عليه حلة، فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى، لا يباع ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.
قال أبو جهل- وكان في ناحية المسجد-: كذبت، والله لا تشق. فقال: زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب. ما رضينا كتابتها حيث كتبت. قال أبو البختري: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به.
قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. ٦
وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك.
فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، تشاوروا فيه بغير هذا المكان. ١
وأبو طالب جالس في ناحية المسجد. إنما جاءهم لأن الله كان قد اطلع رسوله على أمر الصحيفة، وأنه أرسل عليها الأرضة، فأكلت جميع ما فيها من جوى وقطيعة وظلم إلا ذكر الله عز وجل، فأخبر بذلك عمه، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن ابن أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبا خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا، قالوا:
قد أنصفت. ١
١/١٠٠ ١/١٠٠ وبعد أن دار الكلام بين القوم وبين أبي جهل، قام المطعم إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلا: «باسمك اللهم» . وما كان فيها من اسم الله فإنها لم تأكله.
ثم نقض الصحيفة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب، وقد رأى المشركون آية عظيمة من آيات نبوته، ولكنهم كما أخبر الله عنهم، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا، وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر: ٢] أعرضوا من هذه الآية وازدادوا كفرا إلى كفرهم ١ .
١ جمعنا تفاصيل المقاطعة من صحيح البخاري، باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ١/ ٢١٦، وباب تقاسم المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم ١/ ٥٤٨، وزاد المعاد ٢/ ٤٦، وابن هشام ١/ ٣٥٠، ٣٥١، ٣٧٤، ٣٧٥، ٣٧٦، ٣٧٧، ورحمة للعالمين ١/ ٦٩، ٧٠ ومختصر السيرة للشيخ عبد الله النجدي ص ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨، ١٠٩، ١١٠، ومختصر السيرة للشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي ص ٦٨، ٦٩، ٧٠، ٧١، ٧٢، ٧٣، وبين هذه المصادر اختلاف يسير، أخذنا ما ترجح عندنا بعد النظر في القرائن. وتزيد الكتب الأخرى هناأما إنّي أحلف بالله: لو كانوا أخوال أبي الحكم- يعني أبا جهل- ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه ما أجابك أبدا! فقال: فماذا أصنع وإنّما أنا رجل واحد؟ ! والله لو كان معي رجل اخر لنقضتها! فقال: قد وجدت رجلا، قال:
ومن هو؟ قال: أنا، قال زهير: ابغنا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له:
أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد ذلك موافق فيه؟ ! أما والله لو أمكنتموهم من هذه لتجدنّهم إلى مثلها منكم أسرع!! قال: ما أصنع؟ إنّما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانيا، قال: من هو؟ قال: أنا. قال: ابغنا ثالثا، قال: قد فعلت. قال: من هو! قال زهير بن أبي أمية. قال: ابغنا رابعا، فذهب إلى أبي البختري بن هشام؛ وقال له نحوا مما قال للمطعم. قال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: أنا وزهير والمطعم، قال: ابغنا خامسا، فذهب إلى زمعة بن الأسود، فكلّمه، وذكر له قرابته، قال:
وهل على هذا الأمر معين؟ قال: نعم. وسمّى له القوم.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هَذَا وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فِي مَنْزِلِهِمُ الَّذِي تَعَاقَدَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ عَلَيْهِمْ، فِي الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَتَبُوهَا، ثُمَّ إِنَّهُ قَامَ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَبْلُ فِيهَا أَحَدٌ أَحْسَنَ مِنْ بَلَاءِ هِشَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ نَصْرِ بْنِ جُزَيْمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَخِي نَضْلَةَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَ هِشَامٌ لِبَنِي هَاشِمٍ وَاصِلًا، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ، فَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي يَأْتِي بِالْبَعِيرِ، وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فِي الشِّعْبِ لَيْلًا، قَدْ أَوْقَرَهُ طَعَامًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بِهِ فَمَ الشِّعْبِ، خَلَعَ خِطَامَهُ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى جَنْبَيْهِ، فَدَخَلَ الشِّعْبَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ قَدْ أَوْقَرَهُ بُرًّا، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ مَشَى إِلَى زُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ وَكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا زُهَيْرُ أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ تَأْكُلَ الطَّعَامَ، وَتَلْبَسَ الثِّيَابَ، وَتَنْكِحَ النِّسَاءَ، وَأَخْوَالُكَ حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ لَا يُبَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ، وَلَا يَنْكِحُونَ وَلَا يُنْكَحُ إِلَيْهِمْ؟ أَمَا إِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَوْ كَانُوا أَخْوَالَ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ ثُمَّ دَعَوْتَهُ إِلَى مِثْلِ مَا دَعَاكَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ، مَا أَجَابَكَ إِلَيْهِ أَبَدًا. قَالَ: وَيْحَكَ يَا هِشَامُ! فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مَعِي رَجُلٌ آخَرُ لَقُمْتُ فِي نَقْضِهَا. قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ رَجُلًا. قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ لَهُ زُهَيْرٌ: أَبْغِنَا ثَالِثًا. فَذَهَبَ إِلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ فَقَالَ لَهُ: يَا مُطْعِمُ أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ يَهْلِكَ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ. مُوَافِقٌ لِقُرَيْشٍ فِيهِ؟! أَمَا وَاللَّهِ، لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لَتَجِدُنَّهُمْ إِلَيْهَا مِنْكُمْ سِرَاعًا. قَالَ: وَيْحَكَ! فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ. قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ لَكَ ثَانِيًا. قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ: أَبْغِنَا ثَالِثًا. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ. قَالَ: أَبْغِنَا رَابِعًا. فَذَهَبَ إِلَى أَبِي الْبَخْتَرِيِّ بْنِ هِشَامٍ فَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ لِلْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ فَقَالَ: وَهَلْ تَجِدُ أَحَدًا يُعِينُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَنَا مَعَكَ. قَالَ: أَبْغِنَا خَامِسًا. فَذَهَبَ إِلَى زَمْعَةَ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ. فَكَلَّمَهُ وَذَكَرَ لَهُ قَرَابَتَهُمْ وَحَقَّهُمْ، فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ سَمَّى الْقَوْمَ. فَاتَّعَدُوا خَطْمَ الْحَجُونِ لَيْلًا بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ، وَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ، وَتَعَاقَدُوا عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّحِيفَةِ حَتَّى يَنْقُضُوهَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَتَكَلَّمُ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا إِلَى أَنْدِيَتِهِمْ، وَغَدَا زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَيْهِ حُلَّةٌ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، أَنَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَنَلْبَسُ الثِّيَابَ، وَبَنُو هَاشِمٍ هَلْكَى، لَا يَبْتَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ؟ وَاللَّهِ، لَا أَقْعُدُ حَتَّى تُشَقَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الْقَاطِعَةُ الظَّالِمَةُ. قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَكَانَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ: كَذَبْتَ، وَاللَّهِ لَا تُشَقُّ. قَالَ زَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَكْذَبُ، مَا رَضِينَا كِتَابَهَا حَيْثُ كُتِبَتْ. قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: صَدَقَ زَمْعَةُ لَا نَرْضَى مَا كُتِبَ فِيهَا، وَلَا نُقِرُّ بِهِ. قَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ: صَدَقْتُمَا وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ، نَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْهَا، وَمِمَّا كُتِبَ فِيهَا. قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ قُضِيَ بِلَيْلٍ، تُشُووِرَ فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ. وَأَبُو طَالِبٍ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، وَقَامَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ إِلَى الصَّحِيفَةِ لِيَشُقَّهَا، فَوَجَدَ الْأَرَضَةَ قَدْ أَكَلَتْهَا إِلَّا «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ» ، وَكَانَ كَاتِبُ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورَ بْنَ عِكْرِمَةَ فُشَلَّتْ يَدُهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ.
وَذَكَرَ مَا أَصَابَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشّعْبِ مِنْ ضِيقِ الْحِصَارِ لَا يُبَايَعُونَ وَلَا يُنَاكَحُونَ وَفِي الصّحِيحِ أَنّهُمْ جَهِدُوا حَتّى كَانُوا يَأْكُلُونَ الْخَبَطَ وَوَرَقَ السّمَرِ حَتّى إنّ أَحَدَهُمْ لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشّاةُ وَكَانَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ. رُوِيَ أَنّهُ قَالَ لَقَدْ جُعْت، حَتّى إنّي وَطِئْت ذَاتَ لَيْلَةٍ عَلَى شَيْءٍ رَطْبٍ فَوَضَعْته فِي فَمِي وَبَلَعْته، وَمَا أَدْرِي مَا هُوَ إلَى الْآنَ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ أَنّ سَعْدًا قَالَ خَرَجْت رَضِيت أَنْ يَهْلِكَ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِقُرَيْشِ فِيهِ أَمَا وَاَللهِ لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لَتَجِدَنّهُمْ إلَيْهَا مِنْكُمْ سِرَاعًا، قَالَ وَيْحَك فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إنّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ قَالَ قَدْ وَجَدْت ثَانِيًا، قَالَ مَنْ هُوَ؟ قَالَ أَنَا، قَالَ أَبْغِنَا ثَالِثًا، قَالَ قَدْ فَعَلْت، قَالَ مَنْ هُوَ؟ قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ، قَالَ أبغنا رَابِعا
ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال لزهير: قد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء، واخوانك حيث قد علمت لا يباعون ولا يباع «٤» منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم، ولا يأمنون ولا يؤمن عليهم، أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبداً، قال: ويحك فما أصنع أنا رجل واحد؟ ! قال: فقال: قد وجدت ثانياً، قال: ومن هو؟ قال: أنا أقوم معك فقال له زهير: أبغنا ثالثا؛ قال: وذهب إلى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقال له يا مطعم قد رضيت أن تهلك بطن من بني عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق عليه، أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها سراعا ًمنكم، فقال: ويحك فما أصنع إنما أنا رجل واحد؟ ! فقال: قد وجدت ثانياً، قال: فمن هو؟ قال أنا، قال: فابغنا ثالثاً، قال: قد فعلت، قال:
ومن هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: فابغنا رابعاً يتكلم معنا، قال:
فذهب إلى أبي البختري بن هشام فذكر قرابتهم وحقهم، فقال: هل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم، المطعم بن عدي، وزهير بن أبي أمية، فقال: ابغنا خامساً، فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له زمعة: هل معك على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ فقال: نعم ثم سمى له القوم، فتواعد عند خطم الجحون ليلاً بأعلى مكة، فاجتمعوا هناك وأجمعوا أمرهم، وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، فقال زهير: أنا أبدؤ فأكون أولكم.
دلائل النبوة (أبو نعيم) أبو نعيم، ت ٤٣٠هـ
١/٢٧٢ ١/٢٧٢ ٢٠٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنَ الْحَبَشَةِ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ إِلَى مَكَّةَ قَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ صَاحِبَهُ وَمَنْعَهُ حَاجَتَهُ اشْتَدَّ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَأَشَدِّ مَا كَانُوا حَتَّى بَلَغَ الْمُسْلِمِينَ الْجَهْدُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ وَعَمَدَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَجْمَعُوا مَكْرَهُمْ وَأَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَانِيَةً فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَجْمَعَ لَهُمْ أَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ يُدْخِلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شِعْبَهُمْ وَيَمْنَعُوهُ مِمَّنْ أَرَادَ قَتْلَهُ فَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ كَافِرُهُمْ وَمُسْلِمُهُمْ مِنْهُمْ مَنْ فَعَلَهُ حَمِيَّةً وَمِنْهُمْ ⦗٢٧٣⦘ مَنْ فَعَلَهُ إِيمَانًا وَيَقِينًا فَلَمَّا عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ الْقَوْمَ قَدِ اجْتَمَعُوا وَمَنَعُوا الرَّسُولَ وَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ كَافِرُهُمْ وَمُسْلِمُهُمُ اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُجَالِسُوهُمْ وَلَا يُخَالِطُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يَدْخُلُوا بُيُوتَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْقَتْلِ وَكَتَبُوا بِمَكْرِهِمْ صَحِيفَةً وَعُهُودًا وَمَوَاثِيقَ أَنْ لَا يَقْبَلُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَبَدًا صُلْحًا وَلَا تَأْخُذَهُمْ بِهِمْ رَأْفَةٌ وَلَا رَحْمَةٌ وَلَا هَوَادَةٌ حَتَّى يُسْلِمُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْقَتْلِ فَلَبِثَ بَنُو هَاشِمٍ فِي شِعْبِهِمْ ثَلَاثَ سِنِينَ وَاشْتَدَّ عليهم فِيهِنَّ الْبَلَاءُ وَالْجَهْدُ وَقَطَعُوا عَلَيْهِم الْأَسْوَاقَ فَلَا يَتْرُكُونَ طَعَامًا يَدْنُو مِنْ مَكَّةَ وَلَا بَيْعًا إِلَّا بَادَرُوا إِلَيْهِ؛ لِيَقْتُلَهُمُ الْجُوعُ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَنَاوَلُوا بِذَلِكَ سَفْكَ دَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ إِذَا أَخَذَ النَّاسُ مَضَاجِعَهُمْ أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى فِرَاشَهُ حَتَّى يَرَاهُ مَنْ أَرَادَ بِهِ مَكْرًا أَوْ غَائِلَةً فَإِذَا نَوَّمَ النَّاسُ أَخَذَ أَحَدَ بَنِيهِ أَوْ إِخْوَتِهِ أَوْ بَنِي عَمِّهِ فَاضْطَجَعَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ بَعْضَ فُرُشِهِمْ فَيَرْقُدَ عَلَيْهَا فَلَمَّا كَانَ رَأْسُ ثَلَاثِ سِنِينَ تَلَاوَمَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَرِجَالٌ مِنْ بَنِي قُصَيٍّ وَرِجَالٌ مِمَّنْ سِوَاهُمْ وَذَكَرُوا الَّذِي وَقَعُوا فِيهِ مِنَ الْقَطِيعَةِ فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فِي لَيْلَتِهِمْ عَلَى نَقْضِ مَا تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى صَحِيفَتِهِمُ الَّتِي فِيهَا الْمَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَرَضَةَ فَلَحِسَتْ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ فِيهَا، وَكَانَتْ مُعَلَّقَةً فِي سَقْفِ الْكَعْبَةِ وَكَانَ فِيهَا ⦗٢٧٤⦘ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ فَلَمْ تَتْرُكْ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا لَحِسَتْهُ وَبَقِيَ فِيهَا مَا كَانَ مِنْ شِرْكٍ أَوْ ظُلْمٍ أَوْ بَغْيٍ فَأَطْلَعَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ بِالصَّحِيفَةِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعَمِّهِ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: لَا وَالثَّوَاقِبِ مَا كَذَبَنِي، فَانْطَلَقَ يَمْشِي بِعِصَابَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ وَهُوَ حَافِلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا رَأَوْهُمْ أَتَوْا بِجَمَاعَةٍ أَنْكَرُوا ذَلِكَ فَظُنُّوا أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ شِدَّةِ الْبَلَاءِ وَأَتَوْهُمْ لِيُعْطُوهُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَكَلَّمَ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: قَدْ حَدَثَتْ أُمُورٌ بَيْنَكُمْ لَمْ نَذْكُرْهَا لَكُمْ فَأْتُوا بِصَحيفَتِكُمُ الَّتِي فِيهَا مَوَاثِيقُكُمْ؛ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا بَيْنَكُمْ صُلْحٌ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَنْظُرُوا فِي الصَّحِيفَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا بِهَا فَبَادَرَ اللَّعِينُ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أَخْبَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَأَتَوْا بِصَحِيفَتِهِمْ مُعْجَبِينَ بِهَا لَا يَشُكُّونَ أَنَّ الرَّسُولَ مَدْفُوعٌ إِلَيْهِمْ فَوَضَعُوهَا بَيْنَهُمْ وَقَالُوا: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَقْبَلُوا أَوْ تَرْجِعُوا إِلَى أَمْرٍ يَجْمَعُ عَامَّتَكُمْ وَيَجْمَعُ قَوْمَكُمْ وَلَا يَقْطَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ قَدْ جَعَلْتُمُوهُ خَطَرًا لِعَشِيرَتِكُمْ وَفَسَادِكُمْ قَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّمَا أَتَيْتُكُمْ لِأُعْطِيَكُمْ أَمْرًا فِيهِ نَصَفٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الَّتِي فِي أَيْدِيكُمْ إِنَّ ابْنَ أَخِي قَدْ أَخْبَرَنِي وَلَمْ يَكْذِبْنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ عَلَيْهَا دَابَّةً فَلَمْ تَتْرُكْ فِيهَا اسْمًا لِلَّهِ إِلَّا لَحِسَتْهُ وَتُرِكَ فِيهَا غَدْرُكُمْ وَتَظَاهُرُكُمْ عَلَيْنَا بِالظُّلْمِ فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ كَمَا يَقُولُ فَأَفِيقُوا فَوَاللَّهِ لَا نُسْلِمُهُ حَتَّى نَمُوتَ عَنْ آخِرِنَا وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَقُولُ بَاطِلًا دَفَعْنَا إِلَيْكُمْ صَاحِبَنَا فَقَتَلْتُمْ أَوِ اسْتَحْيَيْتُمْ فَقَالُوا: لَقَدْ رَضِينَا بِالَّذِي تَقُولُ وَفُتِحَتِ الصَّحِيفَةُ فَوَجَدُوا الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ قَدْ أَخْبَرَ خَبَرَهَا قَبْلَ أَنْ تُفْتَحَ فَلَمَّا ⦗٢٧٥⦘ رَأَتْهَا قُرَيْشٌ كَالَّذِي قَالَ أَبُو طَالِبٍ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا كَانَ هَذَا إِلَّا سِحْرًا مِنْ صَاحِبِكُمْ فَارْتَكَسُوا وَعَادُوا لِشَرِّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَالشِّدَّةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَرَهْطِهِ وَالْقِيَامِ عَلَى مَا تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ فَقَالَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: إِنَّ الْأَوْلَى بِالْكَذِبِ وَالسِّحْرِ غَيْرُنَا فَكَيْفَ تَرَوْنَ؟ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي أَجْمَعْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ قَطِيعَتِنَا أَقْرَبُ لِلْجِبْتِ وَالسِّحْرِ وَلَوْلَا الَّذِي أَجْمَعْتُمْ فِيهَا مِنَ السِّحْرِ لَمْ تَفْسُدِ الصَّحِيفَةُ وَهِيَ فِي أَيْدِيكُمْ فَمَا كَانَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ اسْمٍ هُوَ فِيهَا طَمَسَهُ وَمَا كَانَ مِنْ بَغْيٍ تَرَكَهُ فِي صَحِيفَتِكُمْ أَفَنَحْنُ السَّحَرَةُ أَمْ أَنْتُمْ؟ فَنَدِمَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَ رِجَالٌ مِنْهُمْ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ وَهُوَ الْعَاصُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَمِنْهُمُ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَهِشَامُ بْنُ عَمْرٍو أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَتِ الصَّحِيفَةُ عِنْدَهُ وَزُهَيْرُ بْنُ أُمَيَّةَ وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَدَتْهُمْ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ كَانُوا قَدْ نَدِمُوا عَلَى الَّذِي صَنَعُوا فَقَالُوا: نَحْنُ بَرَاءٌ مِنْ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى جَهِدُوا أَلَّا يَصِلَ إِلَيْهِمْ إِلَّا شَيْءٌ مُسْتَخْفٍ بِهِ مَنْ أَرَادَ صِلَتَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَدْ كَانَ أَبُو جَهْلٍ فِيمَا يَذْكُرُونَ لَقِيَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ مَعَهُ غُلَامٌ يَحْمِلُ قَمْحًا يُرِيدُ بِهِ عَمَّتَهُ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَهِيَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ فِي الشِّعْبِ فَتَعَلَّقَ بِهِ وَقَالَ: أَتَذْهَبُ بِالطَّعَامِ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ؟ وَاللَّهِ لَا تَبْرَحُ أَنْتَ وَطَعَامُكَ حَتَّى أَفْضَحَكَ بِمَكَّةَ ⦗٢٧٦⦘ فَجَاءَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ الْعَاصُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهُ؟ قَالَ: يَحْمِلُ الطَّعَامَ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: طَعَامٌ كَانَ لِعَمَّتِهِ عِنْدَهُ فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ أَفَتَمْنَعُهُ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامِهَا؟ خَلِّ سَبِيلَ الرَّجُلِ فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ حَتَّى نَالَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَاحْتَمَلَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَحْيَ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ فَشَجَّهُ وَوَطِئَهُ وَطْئًا شَدِيدًا وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ يَرَى ذَلِكَ وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ فَيَشْمَتُوا بِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ ذَلِكَ يَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَيْلًا وَنَهَارًا سِرًّا وَجِهَارًا لَا يَتَّقِي فِيهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّهُ قَامَ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَاتَبَتْ فِيهَا قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَعَلَى بَنِي الْمُطَّلِبِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَمْ يُبْلَ فِيهَا أَحْسَنُ مِنْ بَلَاءِ هِشَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خُثَيْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ ابنَ أَخِي نَضْلَةَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ نَضْلَةُ وَعَمْرٌو أَخَوَيْنِ لِأُمٍّ فَكَانَ هِشَامٌ لِبَنِي هَاشِمٍ وَاصِلًا وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي يَأْتِي بِالْبَعِيرِ قَدْ أَوْقَرَ طَعَامًا وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فِي الشِّعْبِ لَيْلًا حَتَّى إِذَا أَقْبَلَهُ فَمُ الشِّعْبَ خَلَعَ خِطَامَهُ مِنْ رَأْسِهِ ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى جَنْبِهِ فَدَخَلَ الشِّعْبَ عَلَيْهِمْ فَيَأْتِي بِهِ قَدْ أَوْقَرَهُ بِزا فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ إِنَّهُ مَشَى إِلَى زُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، فَكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ ⦗٢٧٧⦘ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ: يَا زُهَيْرُ قَدْ رَضِيتَ بِأَنْ تَأْكُلَ الطَّعَامَ وَتَلْبَسَ الثِّيَابَ وَتَنْكِحَ النِّسَاءَ وَأَخْوَالُكَ حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ لَا يُبَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ وَلَا يُنْكَحُونَ وَلَا يُنْكَحُ إِلَيْهِمْ؟ أَمَا إِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَوْ كَانَ أَخْوَالُ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ ثُمَّ دَعَوْتَهُ إِلَى مِثْلِ الَّذِي دَعَاكَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ مَا أَجَابَكَ إِلَيْهِ أَبَدًا قَالَ: وَيْحَكَ يَا هِشَامُ فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مَعِي رَجُلٌ آخَرُ لَقُمْتُ فِي نَقْضِهَا حَتَّى أَنْقُضَهَا قَالَ: قَدْ وَجَدْتُ رَجُلًا قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا قَالَ زُهَيْرٌ: ابْغِنَا ثَالِثًا فَذَهَبَ إِلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَالَ لَهُ: يَا مُطْعِمُ أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ يَهْلِكَ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَأَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِقُرَيْشٍ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لَتَجِدَنَّهُمْ إِلَيْهَا مِنْكُمْ سِرَاعًا قَالَ: وَيْحَكَ فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ قَالَ: قَدْ وَجَدْتُ ثَانِيًا قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا قَالَ: ابْغِنَا ثَالِثًا قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: ابْغِنَا رَابِعًا قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى أَبِي الْبَخْتَرِيِّ بْنِ هِشَامٍ فَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ لِلْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: هَلْ مِنْ أَحَدٍ يُعِينُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَنَا قَالَ: ابْغِنَا خَامِسًا قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ فَكَلَّمَهُ وَذَكَرَ لَهُ قَرَابَتَهُمْ وَحَقَّهُمْ قَالَ: فَهَلْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ ثُمَّ سَمَّى لَهُ الْقَوْمَ فَاتَّعَدُوا حَطْمَ الْحَجُونِ لَيْلًا بِأَعْلَى مَكَّةَ فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَتَعَاهَدُوا عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّحِيفَةِ حَتَّى يَنْقُضُوهَا وَقَالَ زُهَيْرٌ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَتَكَلَّمُ فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا إِلَى أَنْدِيَتِهِمْ وَغَدَا زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَيْهِ حُلَّةٌ لَهُ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ أَقْبَلَ ⦗٢٧٨⦘ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَنَأْكُلُ الطَّعَامَ وَنَلْبَسُ الثِّيَابَ وَبَنُو هَاشِمٍ هَلْكَى لَا يُبَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ؟ وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ حَتَّى تُشَقَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الظَّالِمَةُ الْقَاطِعَةُ قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَكَانَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ لَا تُشَقُّ قَالَ زَمْعَةُ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَكْذَبُ مَا رَضِينَا حِينَ كُتِبَتْ قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: صَدَقَ زَمْعَةُ لَا نَرْضَى مَا كُتِبَ فِيهَا وَلَا نُقِرُّ بِهِ قَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ: صَدَقْتُمَا وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ نَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا كُتِبَ فِيهَا قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ تُشُووِرَ فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ وَأَبُو طَالِبٍ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ وَقَامَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ إِلَى الصَّحِيفَةِ لِيَشُقَّهَا فَوَجَدَ الْأَرَضَةَ قَدْ أَكَلَتْهَا إِلَّا بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ وَكَانَ كَاتِبُ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورُ بْنُ عِكْرِمَةَ فَشُلَّتْ يَدُهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ "
سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ
٣/٤١٤ ٣/٤١٤ وأبو طالب جالس في ناحية المسجد.
وفاة أبي طالب ١/١٠٣ ١/١٠٣ ألح المرض بأبي طالب، فلم يلبث أن وافته المنية، وكانت وفاته في رجب ١ سنة عشر من النبوة، بعد الخروج من الشعب بستة أشهر ٢ . وقيل: توفي في رمضان قبل وفاة خديجة رضي الله عنها بثلاثة أيام.
١ تاريخ إسلام للشاه أكبر خان النجيب آبادي ١/ ١٢٠، وفي المصادر اختلاف كبير في الشهر الذي توفي فيه أبو طالب، وهذا الذي رجحناه إنما رجحناه لأن أكثر المصادر متفقة على أن موته كان بعد ستة أشهر من الخروج من الشعب، وأن الحصار كان ثلاثة أعوام، وأن بدء الحصار كان ليلة هلال المحرم سنة سبع، وإذن فموته في رجب سنة عشر من النبوة.٢ مختصر السيرة للشيخ عبد الله النجدي ص ١١١.وفي الصحيح عن المسيب: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، فقال: أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [التوبة: ١١٣] ونزلت إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] ١ . ٥
١ صحيح البخاري، باب قصة أبي طالب ١/ ٥٤٨.ولا حاجة إلى بيان ما كان عليه أبو طالب من الحياطة والمنع، فقد كان الحصن الذي تحتمي به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء، ولكنه بقي على ملة الأشياخ من أجداده، فلم يفلح كل الفلاح. ففي الصحيح عن العباس بن عبد المطلب، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ١ . ١
١ صحيح البخاري، باب قصة أبي طالب ١/ ٥٤٨.وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم- وذكر عنده عمه- فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار تبلغ كعبيه» . ٥
* صحيح البخاري، باب قصة أبي طالب ١/ ٥٤٨. وتزيد الكتب الأخرى هناسبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ
٣/٤٣٠ ٣/٤٣٠ وفي لفظ: «ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» .
وَنَزَلَتْ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ لَفْظُ حَدِيثِ مَعْمَرٍ.
وَأَخْرَجَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ بِنَحْوِهِ. وَقَالَ فِيهِ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ لَهُ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ آخَرَ مَا قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمَا لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» . فَأَنْزَلَ اللَّهُ - يَعْنِي بَعْدَ ذَلِكَ -: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى وَنَزَلَ فِي أَبِي طَالِبٍ: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ.
صحيح السيرة النبوية (إبراهيم العلي) إبراهيم العلي، ت ١٤٢٥هـ
١/٨٦ ١/٨٦ ١١١ - من حديث المسيب رضي الله عنه قال: "لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية ابن المغيرة. فقال رسول الله ﷺ (يا عم قل لا إله إلا الله. كلمة أشهد لك بها عند الله) .
فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! ترغب عن ملة عبد المطلب! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم، هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله.
وقد وعد رسول الله أبا طالب بأن يستغفر له الله مالم ينه عن ذلك، فنهاه الله تعالى بعد حين من أواخر العهد المدني عن الاستغفار للمشركين ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ١ .
الموسوعة في صحيح السيرة النبوية الفالوذة، ت ١٤٤٠هـ
١/٣٧١ ١/٣٧١ روى بسنده عن أبي هريرة، -رضي الله عنه-، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة أتاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وعنده عبد الله بن أبي أمية، أبو جهل بن هشام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أي عم، إنك أعظمهم علي حقًا، وأحسنهم عندي يدًا، ولأنت أعظم حقًا علي من والدي، فقل كلمة تجب لك علي بها الشفاعة يوم القيامة، قل لا إله إلا الله) ، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فسكت، فأعادها عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: أنا على ملة عبد المطلب فمات، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لأستغفِرَنّ لكَ ما لم أُنْهَ عنك) ، فأنزل الله -عَزَّ وجَلَّ-: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ إلى آخر الآية ١ .
خديجة إلى رحمة الله ١/١٠٤ ١/١٠٤ وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين أو بثلاثة- على اختلاف القولين- توفيت أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها، كانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة، ولها خمس وستون سنة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في الخمسين من عمره ١ .
١ نص على موتها في رمضان من تلك السنة ابن الجوزي في التلقيح ص ٧، والعلامة المنصور فوري في رحمة للعالمين ٢/ ١٦٤ وغيرهما.إن خديجة كانت من نعم الله الجليلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقيت معه ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه، وتؤازره في أحرج أوقاته، وتعينه على إبلاغ رسالته، وتشاركه في مغارم الجهاد المر، وتواسيه بنفسها ومالها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها، وحرم ولد غيرها» ١ .
١ رواه الإمام أحمد في مسنده ٦/ ١١٨.وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه خديجة، قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب ١ . ١
١ صحيح البخاري. باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها ١/ ٥٣٩. وتزيد الكتب الأخرى هناثُمَّ رَوَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ بِمَكَّةَ، قَبْلَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَاتَتْ خَدِيجَةُ وَأَبُو طَالِبٍ فِي عَامٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ خَدِيجَةَ تُوُفِّيَتْ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ «الْمَعْرِفَةِ» ، وَشَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَزَعَمَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ خَدِيجَةَ، وَأَبَا طَالِبٍ، مَاتَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، عَامَ خَرَجُوا مِنَ الشِّعْبِ، وَأَنَّ خَدِيجَةَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَبِي طَالِبٍ بِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ لَيْلَةً.
قُلْتُ: مُرَادُهُمْ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ بِنَا أَنْ نَذْكُرَ وَفَاةَ أَبِي طَالِبٍ وَخَدِيجَةَ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَلَكِنْ أَخَّرْنَا ذَلِكَ عَنِ الْإِسْرَاءِ لِمَقْصِدٍ سَتَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْكَلَامَ بِهِ يَنْتَظِمُ وَيَتَّسِقُ السِّيَاقُ، كَمَا تَقِفُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزَوَانَ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ - أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ - فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ، فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامُ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ بِهِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، رضي الله عنهما : بَشَّرَ النَّبِيُّ ﷺ خَدِيجَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا، وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ بِهِ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَإِنَّمَا بَشَّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ - يَعْنِي: قَصَبَ اللُّؤْلُؤِ - لِأَنَّهَا حَازَتْ قَصَبَ السَّبْقِ إِلَى الْإِيمَانِ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ، لِأَنَّهَا لَمْ تَرْفَعْ صَوْتَهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ تُتْعِبْهُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَلَمْ تَصْخَبْ عَلَيْهِ يَوْمًا، وَلَا آذَتْهُ أَبَدًا.
الموسوعة في صحيح السيرة النبوية الفالوذة، ت ١٤٤٠هـ
١/٣٧٣ ١/٣٧٣ روى بسنده عن هشام بن عروة قال: توفيت. خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها-، وهي ابنة خمس وستين سنة. ١
نا يونس عن فايد بن عبد الرحمن العبدي عن عبد الله بن أوفى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتاني آت من الله عز وجل يبشر «٣» خديجة ببيت في الجنة من قصب «٤» لا صخب فيه ولا نصب.
إنّ خديجة من نعم الله الجليلة على محمد عليه الصلاة والسلام، فقد ازرته في أحرج الأوقات، وأعانته على إبلاغ رسالته، وشاركته مغارم الجهاد المر، وواسته بنفسها ومالها، وإنك لتحسّ قدر هذه النعمة عند ما تعلم أنّ من زوجات الأنبياء من خنّ الرسالة، وكفرن برجالهنّ، وكنّ مع المشركين من قومهن والهن حربا على الله ورسوله:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) [التحريم] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الحافظ، وأبو سعيد بن أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا أبو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ- رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ مِمَّا كُنْتُ أَسْمَعُ مِنْ ذِكْرِهِ لَهَا، وَمَا تَزَوَّجَنِي إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا نَصَبٌ فِيهِ وَلَا صَخَبٌ» .
أما خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقد توفيت قبل الهجرة النبوية إلى المدينة بثلاث سنين ١ في نفس عام وفاة أبي طالب.
تراكم الأحزان وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلال أيام معدودة، فاهتزت مشاعر الحزن والألم في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه، فقد كانوا تجرأوا عليه، وكاشفوه بالنكال والأذى بعد موت أبي طالب، فازداد غما على غم، حتى يئس منهم وخرج إلى الطائف، رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يؤووه وينصروه على قومه، فلم ير من يؤوي ولم ير ناصرا، وآذوه مع ذلك أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله قومه.
وكما اشتدت وطأة أهل مكة على النبي صلى الله عليه وسلم، اشتدت على أصحابه، حتى التجأ رفيقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الهجرة عن مكة، فخرج حتى بلغ برك الغماد، يريد الحبشة، فأرجعه ابن الدغنة في جواره ١ .
قال ابن إسحاق: لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه ترابا، ودخل بيته، والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها: لا تبكي يا بنية، فإن الله مانع أباك. قال: ويقول بين ذلك: ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ٢ . ٢
١ صرح الشاه أكبر خان النجيب آبادي بأن هذه الوقعة كانت في هذه السنة انظر تاريخ إسلام ١/ ١٢٠، والقصة بطولها مروية في ابن هشام ١/ ٣٧٢، ٣٧٣، ٣٧٤، وفي صحيح البخاري ١/ ٥٥٢، ٥٥٣.٢ ابن هشام ١/ ٤١٦.١/١٠٥ ١/١٠٥ ولأجل توالي مثل هذه الآلام في هذا العام سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحزن، وبهذا اللقب صار معروفا في التاريخ.
وتزيد الكتب الأخرى هناروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نالت منّي قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب» ١ ، وذلك أنّهم تجرؤوا عليه، حتى نثر بعضهم التراب على رأسه.
وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ أَبِي طَالِبٍ بِخَمْسٍ وَثَلاثِينَ لَيْلَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ فِيهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا،
فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي ورَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «لا تبك يَا بُنَيَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكِ» وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: «مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ» . قَالَ: وَلَمَّا اشتكى أبو طالب وبلغ قريش ثِقَلُهُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ حَمْزَةَ وَعُمَرَ قَدْ أَسْلَمَا، وَقَدْ فَشَا أَمْرُ مُحَمَّدٍ فِي قَبَائِلِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، فَانْطَلَقُوا بِنَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَلْيَأْخُذْ لَنَا عَلَى ابْنِ أَخِيهِ وَلْيُعْطِهِ مِنَّا، فَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَأْمَنُ أَنْ يَنْتَبِزُونَا أَمْرَنَا، فَمَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ وَكَلَّمُوهُ وَهُمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِ: عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي رِجَالٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَقَالُوا يَا أَبَا طَالِبٍ: إِنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى، وَتَخَوَّفْنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ عَلِمْتَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَادْعُهُ وَخُذْ لَهُ مِنَّا وَخُذْ لنا منه، ليكف عنا ونكف عنه، وليد عنا وديننا وندعه ودينه، فبعث إليه أبو طالب فجاءه فقال: يا ابن أَخِي هَؤُلاءِ أَشْرَافُ قَوْمِكَ، وَقَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُعْطُوكَ وَلْيَأْخُذُوا مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً تُعْطُونِيهَا وَتَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ» فَقَالَ: أَبُو جَهْلٍ نَعَمْ وَأَبِيكَ وَعَشْرُ كَلِمَاتٍ، قال:
«تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ» قَالَ: فَصَفَّقُوا بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ قَالُوا:
يَا مُحَمَّدُ: أَتُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ أَمْرَكَ لَعَجَبٌ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:
وَاللَّهِ مَا هَذَا الرَّجُلُ بمعطيكم شَيْئًا مِمَّا تُرِيدُونَ فَانْطَلِقُوا وَامْضُوا عَلَى دِينِ آبائكم حتى يَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: والله يا ابن أَخِي مَا رَأَيْتُكَ سَأَلْتَهُمْ شَحَطًا ، فَلَمَّا قَالَهَا طَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: «أَيّ عَمِّ فَأَنْتَ فقلها استحل لك به الشفاعة يوم القيامة، فلما رأى حرص رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليه قال له: يا ابن أَخِي وَاللَّهِ لَوْلا مَخَافَةُ السَّبَّةِ عَلَيْكَ وَعَلَى بَنِي أَبِيكَ مِنْ بَعْدِي وَأَنْ تَظُنَّ قُرَيْشٌ أَنِّي إِنَّمَا قُلْتُهَا جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ لَقُلْتُهَا لا أقولها إلا لأسرك بها، فَلَمَّا تَقَارَبَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ الْمَوْتُ نَظَرَ الْعَبَّاسُ إِلَيْهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَأَصْغَى إِلَيْهِ بِأُذُنِهِ فقال: يا ابن أخي والله لقد قال أَخِي الْكَلِمَةَ الَّتِي أَمَرْتَهُ بَقْوِلَها، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَمْ أَسْمَعْ» . كَذَا في رواية ابن إسحق أَنَّهُ أَسْلَمَ عِنْدَ الْمَوْتِ.
فلما نُقِضت الصحيفة وافق موتَ خديجة وموت أبي طالب، وبينهما يسير، فاشتد البلاءُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سفهاء قومه، وتجرَّؤوا عليه وكاشفوه بالأذى، فخرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف رجاء أن يُؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم (٣) ، ودعاهم إلى الله عز وجل فلم يرَ من يُؤوي ولم يرَ ناصرًا، وآذوه مع ذلك أشدَّ الأذى ونالوا منه ما لم ينله قومه. وكان معه زيد بن حارثة مولاه، فأقام بينهم عشرة أيامٍ لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه (١) وكلَّمه، فقالوا: اخرج من بلدنا، وأغرَوا به سفهاءَهم، فوقفوا له سِماطَين وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دَمِيَتْ قدماه، وزيدُ بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شِجاج في رأسه، فانصرف راجعًا من الطائف إلى مكة محزونًا.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ عَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وَسَلَّمَ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ فَأَلْقَى عَلَيْهِ تُرَابًا فَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَأَتَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ تَمْسَحُ عَنْ وَجْهِهِ التُّرَابَ وَتَبْكِي، قَالَ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَيْ بُنَيَّةُ لَا تَبْكِيَنَّ فَإِنَّ اللهَ [عَزَّ وَجَلَّ] [ (٤١) ] مَانِعٌ أَبَاكِ، وَيَقُولُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مات أبو طالب» [ (٤٢) ] .