المبحث الأول: ذهابه عليه السلام إلى الطائف
١٢٨ - من حديث محمَّد بن كعب القرظي: قال: لما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم رسول الله ﷺ فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإِسلام، والقيام على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا، لئن كنت رسولًا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك.
فقام رسول الله ﷺ من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقال لهم فيما ذكر لي: إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني، وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله ﷺ فيما ذكر المرأة التي من بني جمح فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟) ١ .
- ١أخرج القصة بطولها ابن هشام: ١/ ٤١٩ والطبري في التاريخ: ٢/ ٣٤٤ - ٣٤٦ والطبراني كما في مجمع الزوائد: ٦/ ٣٥، بسند صحيح عن ابن إسحاق عن محمَّد بن كعب القرظي مرسلًا- مضافًا إليها قصة عداس وانكبابه على يدي الرسول بدون الدعاء فقد جاء بغير سند، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٤١٥ - ٤١٧ من مرسل الزهري، فيتقوى به، وله شاهد من الحديث الذي يليه برقم: ١٢٩. ويذئرهم عليه: يثيرهم عليه ويجرئهم.
١٢٩ - من حديث خالد العدواني: "أنه أبصر رسول الله ﷺ في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس، أو عصا حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، قال: فسمعته يقرأ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ حتى ختمها، قال: فوعيتها في الجاهلية: وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإِسلام قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا لو كنا نعلم ما يقول حقًّا لاتبعناه" ١ .
- ١أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٣٣٥ وقال الساعاتي: ٢٠/ ٢٤٣ في الفتح: وسنده جيد. وقال الحافظ في الإصابة: ١/ ٤٠٢ رواه أحمد وابن أبي شيبة وابن خزيمة في صحيحه والطبراني رقم: ٤١٢٦، وابن شاهين فذكر الحديث وقال الهيثمي: ٧/ ١٣٦، رواه أحمد والطبراني وعبد الرحمن ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه أحد وبقية رجاله ثقات.
التوجه إلى الله بالشكوى
١٣٠ - من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: "لما توفي أبو طالب خرج النبي ﷺ إلى الطائف ماشيًا على قدميه، يدعوهم إلى الإِسلام فلم يجيبوه، فانصرف فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بوجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا قوة إلا بالله) ١ .
- ١قال الهيمثي في المجمع: ٦/ ٣٥ رواه الطبراني وفيه ابن إسحاق مدلس ثقة وبقية رجاله ثقات، وأخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي: ٢/ ٢٧٥ رقم: ١٨٣٩. وله شاهد في ذهابه إلى الطائف من الحديثين السابقين.
من حديث محمد بن كعب القرظي السابق
قال: "فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة، وما لقي، تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًّا يقال له عداس، فقالا له: خذ قطفًا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ثم قال له: كل.
فلما وضع رسول الله عليه وسلم فيه يده، قال: باسم الله، ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله ﷺ : ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى. فقال رسول الله ﷺ : من قرية الرجل الصالح يونس بن متى، فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله ﷺ : ذاك أخي، كان نبيًّا وأنا نبي، فأكب عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه. قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك يا عداس! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي، قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه".
شدة الأذى الذي لقيه عليه السلام من أهل الطائف
١٣١ - من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "قلت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: نعم لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت منهم، فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمَّد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ قال: النبي ﷺ (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا) ١ .
- ١أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء ووافقت إحداهما الأخرى رقم: ٣٢٣١ فتح الباري: ٦/ ٣١٢،٣١٣ , مسلم في الصحيح كتاب الجهاد والسير باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من أذى المشركين والمنافقين رقم: ١٧٩٥. الأخشبين: الأخشب من الجبال: الخشن الغليظ.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ،