السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

أول جمعة أقيمت بالمدينة

تقرأ في محمد بن طاهر البرزنجي، ٩ نصوص في هذا الحدث الطبعة: إشراف محمد صبحي حسن حلاق، دار ابن كثير، دمشق وبيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ

خطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أول جمعة جمعها بالمدينة

٢/٧٣٢/٧٣

٦٥ - حدّثني يونس بن عبد الأعْلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهْب، قال: حدّثني سعيد بن عبد الرحمن الجُمحيّ، أنه بلغه عن خطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أوّلِ جمعة صلّاها بالمدينة في بني سالم بن عوف: الحمد لله، أحمَده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفُره، وأعادي مَنْ يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأنّ محمَّدًا عبدُه ورسوله؛ أرسله بالهُدى والنور والموعظة على فَتْرَة من الرسل، وقلَّةٍ من العلم، وضلالة من النَّاس، وانقطاع من الزمان، ودُنُوٍّ من الساعة، وقُربٍ من الأجَل؛ منْ يُطع الله وَرَسُولَه فَقَد رَشدَ، ومن يعْصهما فقد غَوَى وفَرّط، وضَلّ ضلالًا بَعيدًا، وأوصيكمُ بتقوى الله، فإنه خيرُ ما أوصَى به المسلمُ المسلمَ؛ أن يَحُضّه على الآخرة، وأن يأمرَه بتقوى الله، فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرًا؛ وإنّ تقوى الله لمن عَمِلَ به على وَجلٍ ومخافة من ربّه عَوْنُ صدْق على ما تَبْغُون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السرّ والعلانية، لا ينوي بذلك إلّا وجهَ الله يكن له ذكرًا في عاجل أمره، وذُخْرًا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كانُ من سِوَى ذلك يَوَدُّ ﴿لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ . والذي صدق قوله، وأنجز وَعْدَه، لا خُلفَ لذلك، فإنَّه يقول عزّ وجل: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ . فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السرّ والعلانية، فإنَّه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ ، ومَنْ يتَّق الله فقد فاز فَوْزًا عظيمًا. وإنّ تقوى الله يُوَقِّي مقته، ويوقّي عقوبته، ويوقّي سَخَطه، وإنّ تقوى الله يُبيِّض الوجوه، ويرْضي الربَّ، ويرفع الدّرجة.

٢/٧٤٢/٧٤

خذوا بحظِّكم، ولا تفَرِّطوا في جَنْب الله؛ قد علَّمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيلَه، ليعلَم الَّذين صدقوا ويعلَم الكاذبين، فأحْسِنوا كما أحْسَن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حقَّ جهاده هو اجتباكم وسمّاكم المسلمين، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ، ولا قوّة إلا بالله. فأكثِرُوا ذكْرَ الله، واعملوا لما بعد اليوم، فإن مَنْ يصلح ما بينه وبين الله يَكْفه الله ما بينه وبين النَّاس، ذلك بأنّ الله يقضي على النَّاس ولا يقضُون عليه، ويملِكُ من النَّاس ولا يملكون منه؛ الله أكبرُ، ولا قوّةَ إلّا بالله العظيم ١ ! (٢: ٣٩٤/ ٣٩٥ / ٣٩٦) .

  1. ١هذا إسناد مرسل صحيح إلى مرسله وقد أورد ابن كثير رواية ابن جرير هذه ثم قال: هكذا أوردها ابن جرير وفي السند إرسال (البداية والنهاية ٣/ ٢١١). قلنا: وأخرج البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٥٢٤) بسنده إلى التابعي الجليل أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: (كانت أول خطبة خطبها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة أنه قام فيهم فحمد الله ... الحديث). وهو مختصر عن رواية الطبري ولقد أورد ابن كثير رواية البيهقي هذه كذلك وقال عقبها: وهذه الطريق أيضًا مرسلة إلّا أنها مقوية لما قبلها وإن اختلفت الألفاظ. (البداية والنهاية ٣/ ٢١٢). قلنا: وقد سبق أن ذكرنا طريقة تحقيقنا لتأريخ الطبري في أننا نعدل عن رأي الجمهور إلى شروط الشافعي في قبول الحديث المرسل، وقد تحقق شرط من شروطه هنا وهو قبول الحديث المرسل إذا اختلفت مخارجه وهو هنا كذلك. وقد عدلنا إلى قول الشافعي لأن هذه الرواية في السيرة وليس في الحلال والحرام والله أعلم.

٦٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، عن ابن إسحاق، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب ناقتَه، وأرخَى لها الزّمام، فجعلَت لا تَمُرُّ بدار من دُور الأنصار إلّا دعاه أهلُها إلى النزول عندهم، وقالوا له: هَلمّ يا رسولَ الله! إلى العَدَد والعُدّة والمنَعة؛ فيقول لهم - صلى الله عليه وسلم -: خَلُّوا زِمامها فإنَّها مأمورة؛ حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم، فبرَكت على باب مسجده؛ وهو يومئذ مِرْبَدٌ لغلامين يتيمين من بني النّجار في حِجْر مُعاذ بن عَفْراء؛ يقال لأحدهما سهل وللآخر سهيل، ابنا عمرو بن عباد بن ثعلبة بن غنْم بن مالك بن النَّجار. فلما بركَتْ لم ينزل عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم وثبَتْ فسارتْ غيرَ بعيد، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضعٌ لها زمامها لا يثْنِيها به، ثم التفتت خلْفها، ثم رجعت إلى مَبْرَكِها أوّل مرة، فبركت فيه ووضعت جِرانَها، ونزل عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاحتمل أبو أيوب رحله، فوضعه في بيته، فدعَتْه الأنصار إلى النزول عليهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: المرءُ مع رحله. فنزل على أبي أيوب خالد بن زيد بن كليب، في بني غَنْم بن النجّار. (٢: ٣٩٦) . قال أبو جعفر: وسألَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المِرْبَد لمن هو؟ فأخبره مُعاذ بن عفراء، وقال: هو ليتيمين لي، سأرضيهما. فأمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُبْنى مسجدًا، ونزل على أبي أيّوب، حتى بني مسجدَه ومساكنه. وقيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشترى موضعَ مسجده، ثم بناه ١ . (٢: ٣٩٦) .

  1. ١إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق وكذلك رواه ابن هشام (مع اختلاف في صيغة الرواية) - عن ابن إسحاق معضلًا. وقد روى حديث: (دعوها فإنها مأمورة). عدد من أئمة الحديث والمغازي والسير فقد رواه البيهقي من طريق سعيد بن منصور ثنا عطاف بن خالد ثنا صديق بن موسى عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة فاستناخت راحلته بين دار جعفر بن محمد بن علي وبين دار الحسن بن زيد. فأتاه الناس فقالوا: يا رسول الله المنزل. فانبعثت به راحلته فقال: (دعوها فإنها مأمورة) ثم خرجت به حتى جاءت موضع المنبر فاستناخت ثم تحللت، وثم عريش كانوا يعرشونه ويعمرونه ويتبردون فيه، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن راحلته فيه فآوى إلى الظل. فأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله! إن منزلي أقرب المنازل إليك. فانقل رحلك إلي؟ قال: نعم. فذهب برحله إلى المنزل ثم أتاه رجل فقال: يا رسول الله أين تحلّ؟ قال: إن الرجل مع رحله حيث كان (البداية والنهاية لابن كثير ٣/ ٢٠٠). قلنا: وفي إسناده عطاف بن خالد وثقه ابن معين وابن حنبل وأبو داود وضعفه الدارقطني وابن حبان. وقال ابن عدي في الكامل (٥/ ٣٧٩ / ت ١٥٤٣): والعطاف روى عنه أهل المدينة وغيرهم ويروي قريبًا من مئة حديث كما قال أحمد بن حنبل. ولم أرَ بحديثه بأسًا إذا حدّث عنه ثقة. اهـ. = = قلنا: والذي حدث عنه هنا هو الإمام الثقة سعيد بن منصور. وقد أخرج ابن كثير أيضًا رواية أخرى للبيهقي من طريق إبراهيم بن صرمة ثنا يحيى بن سعيد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة: فلما دخلنا جاء الأنصار برجالها ونسائها فقالوا: إلينا يا رسول الله فقال: (دعوا الناقة فإنها مأمورة فبركت على باب أبي أيوب فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن: نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمدًا من جار ... الحديث). ثم قال ابن كثير: هذا حديث غريب من هذا الوجه لم يروه أحد من أصحاب السنن وقد أخرجه الحاكم في المستدرك كما يروى (البداية والنهاية ٣/ ١٩٨). وقال الألباني: وعلته ابن صرمة هذا. فقد قال ابن معين فيه: كذاب. خبيث وضعفه غيره (دفاع عن الحديث النبوي والسيرة / ٢٤). قلنا: وفيه محمد بن سليمان مجهول الحال. (١/ ١٨٣). والحديث أخرجه كذلك موسى بن عقبة في مغازيه كما أخرجه ابن إسحاق معضلًا. وأخرجه ابن سعيد مطولًا ومختلفًا بعض الشيء (١/ ٢٣٦). اختلف رأي كل من العمري وهمام وأبو صعيلك. أما الأول فقد قال عن رواية ابن سعد: وأخرجها ابن سعد بسند فيه الواقدي (الطبقات ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧) وبسند معضل (١/ ٢٣٧). وأما همام وأبو صعيلك فقد قالا: رواه ابن سعد في الطبقات (ج ١ ص ٢٣٦/ ٢٣٧) ورجاله ثقات وسنده متصل. وقالا: فيكون الحديث صحيحًا من طريق ابن سعد. علمًا بأن العمري قال: ويعتمد حديث عبد الله بن الزبير بحديث أنس فيرقى إلى الحسن لغيره. خلاصة القول أن للحديث روايتان معضلتان (أبي إسحاق وموسى بن عقبة)، ورواية موصولة عن عبد الله بن الزبير وهي ضعيفة وأخرى عن أنس وهي ضعيفة أيضًا. ولعلها تتقوى ببعضها وقال الأستاذ العمري في حاشية صحيح السيرة النبوية (١/ ٢١٩): ويعتضد حديث عبد الله بن الزبير بحديث أنس فيرقى إلى الحسن.
٢/٧٦٢/٧٦

٦٧ - والصحيح عندنا في ذلك، ما حدَّثنا مجاهد بن موسى، قال: حدَّثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حمَّاد بن سلَمة، عن أبي التَّيّاح، عن أنس بن مالك، قال: كان موضع مسجدِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لبني النَّجار، وكان فيه نخل وحَرْث وقبورٌ من قبور الجاهليّة، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثامنُوني به، فقالوا: لا نبتغي به ثمنًا إلّا ما عند الله. فأمَر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنَّخْل فقطِع، وبالحرْث فأفسد، وبالقبور فنبشتْ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك يصلّي في مرابضِ الغنم، وحيث أدركته الصلاة ١ . (٢: ٣٩٦/ ٣٩٧) .

  1. ١إسناده حسن والحديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب مناقب الأنصار / ح ٣٩٣٢) = = عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -. ولفظ البخاري: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة نزل في علو المدينة، في حيّ يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، قال: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، قال: فجاؤوا متقلدي سيوفهم. قال: وكأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته وأبو بكر ردْفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب قال: فكان يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم، قال: ثم إنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ بني النجار فجاؤوا فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلّا إلى الله. فكان فيه ما أقول لكم: كانت فيه قبور المشركين وكانت فيه خِرَبٌ وكان فيه نخل. فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقبور المشركين فنبشت وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، قال: فصفوا النخل قبلة المسجد، قال: وجعلوا عِضَادَتيه حجارة. قال: جعلوا ينقلون ذلك الصخر وهم يرتجزون ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم يقولون: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخره ... فانصر الأنصار والمهاجره والحديث أخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد (١/ ٥٤) باب ابتناء مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - (ح ١١٧٣) من طريق أبي التياح الضبعي. حدَّثنا أنس بن مالك ولفظه كلفظ البخاري السابق. وكذلك أخرجه البخاري في مواضع أخرى منها في كتاب الصلاة باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد (ح ٤٢٨) وأخرجه النسائي في كتاب المساجد (ح ٧٠١) وغيرهم.
٢/٧٧٢/٧٧

٦٨ - قال أبو جعفر: وتولَّى بناء مسجده - صلى الله عليه وسلم - هو بنفسه وأصحابه من المهاجرين والأنصار ١ . (٢: ٣٩٧) .

  1. ١قلنا: ذكر الطبري هذا بلا إسناد وهو كذلك كما هو مبيّن في الروايات الصحيحة الآنفة الذكر والله أعلم.

٦٩ - وفي هذه السّنة بُنِي مسجد قُباء ١ . (٢: ٣٩٧) .

  1. ١ذكر الطبري تأريخ بناء مسجد قباء هكذا، وتطرق إلى بنائه عابرًا كذلك في مواضع سابقة ولم يذكر بالتفصيل ما ذكره أئمة الحديث والمغازي والسير في بناء مسجد قباء.

وفي هذه السنة مات أبو أحَيحَة بماله بالطائف. ومات الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السَّهْميّ فيها بمكّة.

وفيها بَنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعائشة بعد مقدَمِه المدينة بثمانيَة أشهر في ذي القَعْدة في قول بعضهم، وفي قول بعضٍ: بعد مقدَمِه المدينة بسبعة أشهر، في شَوَّال، وكان تزوّجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة خديجة وهي ابنة ستّ سنين، وقد قيل: تزوّجها وهي ابنةُ سبع ١ . (٣: ٣٩٨) . قال أبو جعفر: وتزوّجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -فيما قيل- في شوَّال، وبَنى بها حين بني بها في شَوّال ٢ . (٣: ٣٩٩) .

  1. ١إسناده صحيح.
  2. ٢إسناده صحيح.
٢/٧٨٢/٧٨

وفيها -في قول بعضهم- وُلد عبد الله بن الزُّبير. وفي قول الواقديّ: وُلِدَ في السَّنَة الثانية من مقْدَم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة في شوال ١ . (٢: ٤٠٠) . قال أبو جعفر: وكان أوَّلَ مولودٍ ولد من المهاجرين في دار الهِجْرَة ٢ . (٤٠١: ٢)

  1. ١إسناده صحيح.
  2. ٢إسناده صحيح.