السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

العقل

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقاضي عياض، ت ٥٤٤هـ

وأما وفور عقله وذكاء لبه وقوة حواسه وفصاحة لسانه واعتدال حركاته وحسن شمائله

١/٦٦

مَقْطُوعَ السُّرَّةِ وَرُوِيَ عَنْ أُمِّهِ آمِنَةَ أَنَّهَا قَالَتْ وَلَدْتُهُ نَظِيفًا مَا بِهِ قَذَرٌ، وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها ما رأيت فرج رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ، وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْصَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُغَسِّلُهُ غَيْرِي فَإِنَّهُ لَا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتِي إِلَّا طُمِسَتْ عَيْنَاهُ، وَفِي حَدِيثِ عِكْرمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وَسَلَّمَ نَامَ حَتَّى سُمِعَ لَهُ غَطِيطٌ فَقَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يتوظأ قال عكرمة لأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَحْفُوظًا.

(فصل) وَأَمَّا وُفُورُ عَقْلِهِ وَذَكَاءُ لُبِّهِ وَقُوَّةُ حَوَاسِّهِ وَفَصَاحَةُ لِسَانِهِ وَاعْتِدَالُ حَرَكَاتِهِ وَحُسْنُ شَمَائِلِهِ فَلَا مِرْيَةَ أنَّهُ كَانَ أَعْقَلَ النَّاسِ وَأَذْكَاهُمْ، وَمَنْ تَأَمَّلَ تَدْبِيرَهُ أَمْرَ بَوَاطِنِ الْخَلْقِ وَظَوَاهِرِهِمْ وَسِيَاسَةَ العامة والخاصة

١/٦٧

مع عجب شَمَائِلِهِ وَبَدِيعِ سِيَرِهِ فَضْلًا عَمَّا أَفَاضَهُ مِنَ الْعِلمِ وَقَرَّرَهُ مِنَ الشَّرْعِ دُونَ تعلم سَبْقٍ وَلَا مُمَارَسَةٍ تَقَدَّمَتْ وَلَا مُطَالَعَةٍ لِلِْكُتُبِ مِنْهُ: لَمْ يَمْتَرِ فِي رُجْحَانِ عَقْلِهِ وَثُقُوبِ فَهْمِهِ لِأَوَّلِ بَدِيهَةٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إِلَى تَقْرِيرِهِ لِتَحَقُّقِهِ وَقَدْ قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ قَرَأْتُ فِي أَحَدٍ وَسَبْعِينَ كِتَابًا فَوَجَدْتُ فِي جَمِيعِهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْجَحُ النَّاسِ عَقْلًا وأَفْضَلُهُمْ رَأْيًا وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فَوَجَدْتُ فِي جَميعِهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعْطِ جَمِيعَ النَّاسِ مِنْ بَدْءِ الدُّنْيَا إِلَى انْقِضَائِهَا مِنَ الْعَقْلِ فِي جَنْبِ عَقْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَا كَحَبَّةِ رَمْلٍ مِنْ بَيْنِ رِمَالِ الدُّنْيَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ كان رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَبِهِ فُسِّرَ قوله تعالى (وتقلبك في الساجدين) وَفِي

الْمُوَطَّأِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ (إِنَّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) وَنَحْوُهُ عَنْ أَنسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِثْلُهُ قَالَتْ زِيَادَةٌ زَادَهُ الله

١/٦٨

إِيَّاهَا فِي حُجَّتِهِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إِنِّي لأَنْظُرُ مِنْ وَرَائِي كَمَا أَنْظُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَفِي أُخْرَى إِنِّي لأُبْصِرُ مِنْ قَفَايَ كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَحَكَى بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَى فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يَرَى فِي الضَّوْءِ.

وَالْأَخْبَارُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ فِي رُؤْيَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَلَائِكَةَ وَالشَّيَاطِينَ، ورفع النجاشي له حتى صلى عليه وبيت المقدس حين وصفه لقريش والكعبة حين بنى مسجده.

وقد حكي عنه صلى اللَّه عليه وسلم أنه كان يرى فِي الثُّرَيَّا أَحَدَ عَشَرَ نَجْمًا وَهَذِهِ كُلُّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى رُؤْيَةِ الْعَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى رَدِّهَا إِلَى الْعِلْمِ، وَالظَّوَاهِرِ تُخَالِفُهُ وَلَا إِحَالَةَ فِي ذَلِكَ وَهِيَ مِنْ خَوَاصِّ الْأَنْبِيَاءِ وَخِصَالِهِمْ كَمَا أَخْبَرَنَا أبو محمد عبد الله ابن أَحْمَدَ الْعَدْلُ مِنْ كِتَابِهِ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِي الْفَرْغَانِيُّ حَدَّثَتْنَا

أُمُّ الْقَاسِمِ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ عن أبها حَدَّثَنَا الشَّرِيفُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَسَنِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ حدثنا محمد بن أحمد بن

١/٦٩

مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ عَنْ أبى هرير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لَمَّا تَجَلَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ يُبْصِرُ النَّمْلَةَ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ مَسِيرَةَ عَشْرَةِ فَرَاسِخَ) وَلَا يَبْعُدُ عَلَى هَذَا أنْ يَخْتَصَّ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ بَعْدَ الْإِسْرَاءِ وَالْحُظْوَةِ بِمَا رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى * وَقَدْ جَاءَتِ الأَخْبَارُ بِأنَّهُ صَرَعَ رُكَانَهَ أَشَدُّ أَهْلِ وَقْتِهِ وكَانَ دَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَصَارَعَ أبَا رُكَانَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وكَانَ شَدِيدًا وَعَاوَدَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَصْرَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم وقال أبو هريرة رضي الله عَنْهُ مَا رَأيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ مِنْ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَشْيِهِ كَأنَّمَا الْأَرْضَ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَهُوَ غَيْرُ مكترث.

أما أصل فروعها وعنصر ينابيعها ونقطة دائرتها فالعقل

١/١٠٢

(فصل) أَمَّا أَصْلُ فُرُوعِهَا وَعُنْصُرُ يَنَابِيعَهَا وَنُقْطَةُ دَائِرَتِهَا فَالْعَقْلُ الَّذِي مِنْهُ يَنْبِعثُ الْعِلْمُ وَالمَعْرِفَةُ وَيَتَفَرَّعُ مِنْ هَذَا ثُقُوبُ الرَّأْيِ وَجَوْدَةُ الْفِطْنَةِ وَالْإِصَابَةُ وَصِدْقُ الظَّنِّ وَالنَّظَرُ لِلْعَوَاقِبِ وَمَصَالِحِ النَّفْسِ وَمُجَاهَدَةُ الشَّهْوَةِ وَحُسْنُ السَّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَاقْتِنَاءُ الْفَضَائِلِ

وَتجَنُّبُ الرَّذَائِلِ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى مَكَانِهِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبُلُوغِهِ مِنْهُ وَمِنَ الْعِلِمِ الْغَايَةَ الْقُصْوَى الَّتِي لَمْ يَبْلُغْهَا بَشَرٌ سِوَاهُ وَإذْ جَلالَةُ مَحَلِّهِ مِنْ ذَلِكَ ومِمَّا تَفَرَّعَ مِنْهُ مُتَحَقِّقَةٌ عِنْدَ مَنْ تَتَبَّعَ مَجَارِي أَحْوَالِهِ وَاطِّرَادَ سِيَرِهِ وَطَالَعَ جَوَامِعَ كَلَامِهِ وَحُسْنَ شَمَائِلِهِ وَبَدَائِعَ سِيَرِهِ وَحُكْمَ حَدِيثِهِ وَعِلْمِهِ بِمَا في التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَحُكْمَ الْحُكَمَاءِ وَسِيَرِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ وَأَيَّامِهَا وَضَرْبَ الْأَمْثَالِ وَسِيَاسَاتِ الْأنَامِ وَتَقْرِيرَ الشَّرَائِعِ وَتَأْصِيلَ الْآدَابِ النَّفِيسَةِ وَالشِّيَمَ الْحَمِيدَةَ إِلَى فُنُونِ الْعُلُومِ الَّتِي اتَّخَذَ أَهْلُهَا كَلامَهُ صَلَّى الله عليه وسلم فِيهَا قُدْوَةً وَإِشَارَاتِهِ حُجَّةً كَالْعِبَارَةِ وَالطِّبِّ وَالْحِسَابِ والْفَرَائِضِ وَالنَّسَبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مما سَنُبَيِّنُهُ فِي مُعْجِزَاتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى دُونَ تَعْلِيمٍ وَلَا مُدَارَسَةٍ وَلَا مُطَالَعَةِ كُتُبِ مَنْ تَقَدَّمَ وَلَا الْجُلُوسِ إِلَى عُلَمَائِهِمْ بَلْ نبى أمي