ما ظهر عند مولده وبشارات الأحبار
ومن دلائل نبوته وعلامات رسالته ما ترادفت به الأخبار عن الرهبان والأحبار
خَرَجَتْ لَهُ نَاشِرَةً شَعْرَهَا عُرْيَانَةً فَجَزَلَهَا بِسَيْفِهِ وَأَعْلَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ تِلْكَ الْعُزَّى.
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ شَيْطَانًا تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتِي فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ ٧ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا ينبغي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ فصل وَمِنْ دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ وَعَلامَاتِ رِسَالَتِهِ مَا تَرادَفَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنِ الرُّهْبَانِ والأحبار وَعُلَمَاءِ أَهْلِ الْكُتُبِ من صِفَتِهِ وَصِفَةِ أُمَّتِهِ واسمه وعلاماتاه وَذِكْرِ الْخَاتَمِ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَمَا وُجدَ من ذَلِكَ فِي أَشْعَارِ الْمُوَحِّدِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ من شعْرِ تُبَّعٍ وَالْأَوْسِ بن حَارِثَةَ وَكَعْبِ بن لُؤَيّ وَسُفْيَانَ بن مُجَاشِعٍ وَقَسّ بن سَاعِدَةَ وَمَا ذُكِرَ عَنْ سَيْفِ بن ذِي يَزَنٍ وَغَيْرِهِمْ وَمَا عَرَّفَ بِهِ من أَمْرِهِ زَيْدُ بن عَمْرو بن نُفَيْلٍ وَوَرَقَةُ بن نوفل وَعَثْكَلانٌ الْحميرِيُّ وَعُلَمَاءُ يَهُودَ وَشامُولُ عالمهم
صَاحِبُ تُبَّع من صِفَتِهِ وَخَبَرِهِ وَمَا أُلْفِيَ من ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِمَّا قَدْ جَمَعَهُ الْعُلمَاءُ وَبَيَّنُوهُ وَنَقَلَهُ عَنْهُمَا ثِقَاتٌ من أَسْلَمَ مِنْهُمْ مِثْلُ ابن سلام وابنى سَعْيَة وَابْنِ يَامِينَ وَمُخَيريقَ وَكَعْبٍ وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ من عُلَمَاءِ يَهُودَ وَبَحِيرَاءَ وَنَسْطُورِ الْحَبَشَةِ وَصَاحِبِ بُصْرَى وَضَغَاطِرَ وَأُسْقُفِّ الشَّامِ وَالْجَارُودِ وَسَلْمَانَ والنَّجَاشِيّ وَنَصَارَى الْحَبَشَةِ وأساقف نجران غيرهم مِمَّنْ أَسْلَمَ من عُلَمَاءِ النَّصَارَى وَقَد اعْتَرَفَ بِذَلِكَ هِرَقْلُ وَصَاحِبُ رُومَةَ عَالما النَّصَارَى وَرَئيسَاهُمْ وَمُقَوْقِسُ صَاحِبُ مِصْرَ وَالشَّيْخ صاحبه وابن صويا وَابْنُ أَخْطَبَ وَأَخُوهُ وَكَعْبُ بن أَسَدٍ وَالزُّبَيْرِ بن بَاطِيَا وَغَيْرِهِمْ من عُلَمَاءِ الْيَهُودِ مِمَّنْ حَمَلَهُ الحذ وَالنَّفَاسَةُ عَلَى الْبَقَاءِ على الشقاء
وَالْأَخْبَارُ فِي هَذَا كَثِيرةٌ لَا تَنْحَصِرُ وَقَدْ قَرَّعَ أَسْمَاعَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِمَا ذَكَرَ أنَّهُ فِي كتبهم من صِفَتِهِ وَصِفَةِ أصْحَابِهِ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِم بِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ من ذَلِكَ صُحُفُهُمْ وَذَمَّهُمْ بِتَحرِيفِ ذَلِكَ وَكِتْمَانِهِ وَلَيِّهِمْ أَلْسَنَتَهُمْ بِبَيَانِ أَمْرِهِ وَدَعْوتِهِمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ عَلَى الْكَاذِبِ فَمَا مِنْهُمْ إلَّا من نَفَرَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ وَإِبْدَاءِ مَا أَلْزَمَهُمْ من كُتُبِهِمْ إِظْهَارَهُ وَلَوْ وَجَدُوا خِلَافَ قَوْلِهِ لَكَانَ إظْهَارُهُ أَهْوَنَ عَلَيْهِم من بَذْلِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَتَخْرِيبِ الدّيَارِ وَنَبْذِ الْقِتَالِ وَقَدْ قَالَ لَهُمْ (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) إِلَى مَا أَنْذَرَ بِهِ الْكُهَّانُ مِثْلُ شَافِع بن كُلَيْبٍ وَشِقّ وَسَطِيحٍ وَسَوَادِ بن قَارِبٍ وَخُنَافِرٍ وَأَفْعَى نَجْرَانَ وَجِذْل بن جِذْلٍ الْكِنْدِيّ وَابْنِ خَلَصَةَ الدّوْسِي وَسَعْدِ بن بِنْتِ كُرَيْزٍ وَفَاطِمَةَ بِنْتِ النُّعْمَانِ وَمَنْ لَا يَنْعَدُّ كَثْرَةً إِلَى مَا ظهر على ألسنته الأصْنَامِ من نُبُوَّتِهِ وحلول
ومن ذلك ما ظهر من الآيات عند مولده وما حكته أمه ومن حضره من العجائب
وَقْتِ رِسَالتِهِ وَسُمِعَ من هَوَاتِفِ الْجَان وَمِنْ ذَبَائِح النُّصُبِ وَأَجْوَافِ الصُّوَرِ وَمَا وُجِدَ مِنَ اسْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالشَّهَادَةِ لَهُ بِالرّسَالَةِ مَكْتُوبًا فِي الْحِجَارَةِ وَالْقُبُورِ بِالْخَطّ الْقَدِيمِ مَا أَكْثَرُهُ مَشْهُورٌ وَإِسْلَامُ من أَسْلَمَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مَذْكُورٌ
فصل وَمِنْ ذَلِكَ مَا ظَهَرَ مِنَ الآيَاتِ عِنْدَ مَوْلِدِهِ وَمَا حَكَتْهُ أُمُّهُ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْعَجَائِبِ وَكَوْنُهُ رَافِعًا رَأْسَهُ عِنْدَمَا وَضَعَتْهُ شَاخِصًا بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَمَا رَأَتْهُ مِنَ النُّورِ الَّذِي خَرَجَ مَعَهُ عِنْدَ وِلادَتِهِ وَمَا رَأَتْهُ إِذْ ذَاكَ أُمُّ عثمان ابن أَبِي الْعَاصِ من تَدَلّي النُّجُومِ وَظُهُورِ النُّورِ عند ولاته حتى ما تنظر إلا النور وقول الشفا أم عبد الرحمن بن عوف: لما سقط صلى الله عليه وسلم على يدى وَاسْتَهَلَّ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ رَحِمَكَ اللَّه وَأَضَاءَ لِي مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى قُصُورِ الرُّوم.
وَمَا تَعَرَّفَتْ بِهِ حَلِيمَة وَزَوْجُهَا ظِئْرَاهُ من بركته ودرور لبنيها لَهُ وَلَبَنِ شَارِفِهَا وَخِصْبِ غَنَمِهَا وَسُرْعَةِ شَبَابِهِ وَحُسْنِ نَشْأَتِهِ وَمَا جَرَى مِنَ الْعَجَائِبِ لَيْلَةَ مَوْلِدِهِ مِنَ ارْتِجَاجِ إِيوَانِ كسْرَى وَسُقُوطِ شُرُفَاتِهِ وَغَيْضِ بُحَيْرةِ طَبَرِيَّة وخمود نار
فَارسَ وَكَانَ لَهَا أَلْفُ عَامٍ لَمْ تَخْمَدْ وَأنَّهُ كَانَ إذَا أَكَلَ مَعَ عَمّهِ أَبي طَالِبٍ وَآلِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ شَبِعُوا وَرَوُوا فَإِذَا غَابَ فَأَكَلُوا فِي غَيْبَتِهِ لَمْ يَشْبَعُوا وَكَانَ سَائِرُ وَلَدِ أَبِي طَالِبٍ يُصْبِحُونَ شُعْثًا وَيُصْبحُ صَلَّى الله عليه وسلم صقلا دهينا كَحِيلًا قَالَتْ أُمّ أَيْمَنَ حَاضِنتُه: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم شكى جُوعًا وَلَا عطَشًا صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا * وَمِنْ ذَلِكَ حِرَاسَةُ السَّمَاءَ بِالشُّهُبِ وَقَطْعُ رَصَدِ الشَّيَاطِين وَمَنْعُهُم اسْتِرَاقَ السَّمْعِ وَمَا نَشَأَ عَلَيْهِ من بُغْضِ الْأَصْنَامِ وَالْعِفّةِ عَنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا خَصَّهُ اللَّه بِهِ من ذَلِكَ وَحمَاهُ حَتَّى فِي ستره في الخير الْمَشْهُور عِنْدَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَخَذَ إِزَارَهُ لِيَجْعَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ ليَحْمِلَ عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ وَتَعَرَّى فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى رَدَّ إِزَارَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ مَا بَالُكَ؟ فَقَالَ (إِنِّي نُهِيتُ عَنِ التَّعَرِّي) وَمِنْ ذَلِكَ إِظْلَالُ اللَّه وَهِي دَاخِلَة فِي الأرض المقدسة بينها وبين بيت المقدس مرحلتين وبحيرتها معروفة والمعروف بالغيض إنما هو بحيرة ساوة كَمَا هُو فِي بعض النسخ إلا أن يريد المصنف عند خروج يأجوج ومأجوج فإنه ورد أن أوائل يأجوج ومأجوج يشرب بحيرة طبرية ويجئ آخرهم فيقول لقد كان بها ماء (قوله لم يخمد) يجوز فيه ضم الميم وفتحها فإنه ورد من باب نصر ينصر وباب علم يعلم (قوله وَكَانَ سَائِرُ وَلَدِ أَبِي طَالِبٍ) قَالَ الحريري في درة الغواص في أوهام الخواص ومن أوهامهم الفاضحة وأغلاطهم الواضحة أنهم يستعملون سائر بمعنى الجميع وهو فِي كَلَام الْعَرَب بمعنى الباقي انتهى، وقال أبو عمرو ابن الصلاح لَا يلتفت إلى قول صاحب الصحاح سائر الناس جميعهم فانه لا يقبل ما يتفرد
به، وقال النووي إن سائر بمعنى جميع لغة صحيحة لم يتفرد بها صاحب الصحاح بل ذكرها الجواليقى في شرح أدب الكاتب (قوله حَتَّى فِي سَتْرِهِ) بفتح السين المهملة وسكون المثناة الفوقية (*)
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ خَدِيجَةَ وَنِسَاءَهَا رَأَينهُ لَمّا قَدِمَ وَمَلَكَانِ يُظلانِهِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِمَيْسَرَةَ فَأَخْبَرَهَا أنَّهُ رَأَى ذَلِكَ مُنْذُ خَرَجَ مَعَهُ فِي سَفَرِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ حَلِيمَةَ رأت غمامة نظله وَهُوَ عِنْدَهَا، وَرُويَ ذَلِكَ عَنْ أَخِيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ * وَمِنْ ذَلِكَ أنَّهُ نَزَلَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ تَحْتَ شَجَرَةٍ يَابَسَةٍ فَاعْشَوْشَبَ ما حَوْلَهَا وَأَيَنَعَتْ هِيَ فَأَشْرَقَتْ وَتَدَلَّتْ عَلَيْهِ أَغَصَانُهَا بِمَحْضَرِ من رآه وميل فئ الشَّجَرَةِ إليْهِ فِي الخير الآخر بحتى أَظَلَّتْهُ وَمَا ذُكِرَ من أنَّهُ كَانَ لَا ظل شخصه فِي شَمْسٍ وَلَا قَمَرٍ لِأَنَّهُ كَانَ نُورًا وَأَنَّ الذُّبَابَ كَانَ لَا يَقَعُ عَلَى جَسَدِهِ وَلَا ثِيَابِهِ * وَمِنْ ذَلِكَ تَحْبِيبُ الْخلْوَةِ إليْهِ حَتَّى أُوحِيَ إليْهِ.
ثُمَّ إِعْلامُهُ بِمَوْتِهِ وَدُنُوِّ أَجَلِهِ وَأَنَّ قَبْرَهُ فِي الْمَدِينَةِ وَفِي بَيْتِهِ وَأَنَّ بَيْنَ بَيْتِهِ وَبَيْنَ منْبَرِهِ رَوْضَةٌ من رِيَاضِ الْجَنةِ وَتَخْيِيرِ اللَّه لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْوَفَاةِ من كَرَامَاتِهِ وَتَشْرِيفِهِ وَصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى جَسَدِهِ عَلَى مَا رويناه في بغضها وَاسْتِئْذَانِ مَلَكِ الْمَوْتِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ عَلَى غَيْرِهِ قَبْلَهُ وَنِدَائِهِمُ الَّذِي سَمِعُوهُ أنْ لَا تَنْزِعُوا الْقَمِيصَ عَنْهُ عِنْدَ غُسْلِهِ وَمَا رُوِيَ من تَعْزِيَةِ الْخَضِرِ وَالْمَلَائِكَةِ أَهْلَ بَيْتِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ إِلَى مَا ظَهَرَ عَلَى أَصْحابِهِ من كرامته وَبَرَكَتِهِ فِي حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ كَاسْتِسْقَاءِ عُمَرَ بِعَمّهِ وَتَبَرُّكِ غَيْرِ واحد بذريته.