الباب الثالث عشر في قصة إهلاك أصحاب الفيل
وذلك عام ولادته صلى الله عليه وسلم على الصحيح الذي عليه أكثر العلماء.
وكان إهلاكهم تشريفاً له صلى الله عليه وسلّم ولبلده، وإلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالاً مما كان عليه أهل مكة، لأن أهل مكة كانوا عبّاد أوثان، فنصرهم الله تعالى نصراً لا صُنع للبشر فيه، ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم يا معشر قريش على الحبشة لخيريتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي نشرّفه ونعظّمه ونوقره ببعثة النبي الأميّ خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.
قال الله سبحانه وتعالى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ تَرَ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. أي: ألم تعلم. قدّره على وجود علمه بما يذكر. وقيل: الاستفهام هنا للتعجب إذ هو أمر منقول نقل المتواتر. فكأنه قيل: قد علمت أو تعجّب كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ عبّر بكيف دون ما. لأن المراد تذكير ما فيها من وجوه الدلالة على كمال علم الله تعالى وقدرته وعزة بيته وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم فإنها من الإرهاصات لنبوّته، إذ مجيء تلك الطيور على الوصف المنقول من خوارق العادات والمعجزات المتقدمة بين أيدي الأنبياء صلى الله عليه وسلم بِأَصْحابِ الْفِيلِ محمود.
أَلَمْ يَجْعَلْ أي يجعل كيدهم في هدم الكعبة فِي تَضْلِيلٍ خسار وهلاك بأن أحرق البيت الذي بنوه قاصدين أن يرجع حجّ العرب إليه، وبأن أهلكهم لمّا قصدوا هدم الكعبة بيت الله تعالى وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً اسم جمع يجوز تأنيثه وتذكيره أَبابِيلَ جماعات قيل لا واحد له وقيل واحده: أبول. أو إبّال. أو إبّيل كعجول. ومفتاح، ومسكين. وعلى تذكير الطير قرئ: تَرْمِيهِمْ بالمثناة التحتية. وقيل الضمير للرب سبحانه بِحِجارَةٍ فوق العدسة ودون الحمصة، كما في أكثر الأخبار، مكتوب على كل حجر اسم مرميّة، يحمل كلّ طائر ثلاثة أحجار: واحداً بمنقاره وحجرين برجليه مِنْ سِجِّيلٍ طين مطبوخ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ كورق زرع أكلته الدواب وراثته فيبس وتفرقت أجزاؤه شبه تفرق أجزائهم بتفرق أجزاء الرّوث.
الإشارة إلى القصة على وجه الاختصار كان ذو نواس [ (١) ] آخر ملوك اليمن مشركاً، وهو الذي قتل أصحاب الأخدود، وكانوا نصارى قريباً من عشرين ألفا فنجا منهم دوس ذو ثعلبان، فذهب فاستغاث بقيصر ملك الروم وكان نصرانياً فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة لكونه أقرب إليهم، فبعث معه أميرين: أرياط وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم في جيش كثيف، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار واستلبوا الملك من حمير، وهلك ذو نواس غريقاً في البحر.
واستقلّ الحبشة بملك اليمن وعليهم هذان الأميران أرياط وأبرهة، فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا، وتصافا، فقال أبرهة لأرياط: إنه لا حاجة بنا إلى اصطلام الجيش بيننا، ولكن ابرز إليّ وأبرز إليك، فأيّنا قتل الآخر استقلّ بالملك بعده. فأجابه إلى ذلك، فتبارزا وخلف كل واحد منهما فتاه، فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف فشرم أنفه وشق وجهه وحمل عتودة مولى أبرهة على أرياط فقتله، ورجع أبرهة جريحاً، فداوى جرحه فبرئ واستقلّ بملك الحبشة باليمن.
فكتب إليه النجاشي يلومه على ما كان منه ويتوعده وحلف ليطأنّ بلاده وليجزنّ ناصيته، فأرسل إليه أبرهة يترفّق له ويصانعه، وبعث مع رسوله بهدايا وتحف وبجراب فيه تراب اليمن، وجزّ ناصيته وأرسلها معه ويقول في كتابه: ليطأ الملك على هذا التراب فيبرّ قسمه، وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك، وأنا عبد الملك.
فلما وصل ذلك إليه أعجبه ورضي عنه وأقرّه.
ثم إن أبرهة رأى الناس يتجهزون أيام الموسم للحج إلى بيت الله الحرام فسأل: أين يذهب الناس؟ فقيل له: يحّجون إلى بيت الله بمكة. قال: ما هو؟ قالوا من حجارة؟ قال: فما كسوته؟ قالوا: ما يأتي من هاهنا من الوصائل. قال: والمسيح لأبنيّن لكم خيراً منه.
فبنى لهم كنيسة هائلة بصنعاء رفيعة البناء مزخرفة الأرجاء، فسمتها العرب القليس لارتفاعها لأن الناظر إليها، يكاد تسقط قلنسوته عن رأسه لارتفاع بنائها، ونقل من قصر بلقيس ما تحتاج إليه، واستذلّ أهل اليمن في بنيان هذه الكنيسة، وبناها بالرخام المجزّع والأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلاّه بالذهب والفضة وفصل بينهما بالجواهر، وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة ونصب فيها صلباناً من الذهب والفضة ومنابر من العاج والآبنس، وكان يوقد فيها بالمندل ويلطخ جدرها بالمسك، وكان حكمه في العامل إذا طلعت عليه الشمس قبل أن يأخذ في عمله أن يقطع يده، فنام رجل منهم ذات يوم حتى طلعت الشمس فجاءت معه أمّه وهي امرأة عجوز فتضرعت إليه تشفع لابنها وأبى إلا أن يقطع يده، فقالت: اضرب بمعولك اليوم لك وغداً لغيرك. فقال: ويحك ما قلت؟ قالت: نعم، صار هذا الملك من غيرك إليك، وكذلك يصير إلى غيرك: فأخذته موعظتها وأعفى الناس من ذلك.
ثم كتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك قبلك، ولست بمنته حتى أصرف حج العرب إليها. فأمر الناس فحجوها، فحجه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيها رجال يتعبدون ويتألهون ونسكوا له. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي غضب رجل من النّسأة أحد بني فقيم فخرج إلى القليس فقعد فيها، يعني أحدث، ثم خرج فلحق بأرضه. وقال ابن سعد رحمه الله تعالى: وكان نفيل بن حبيب الخثعمي يورّض له ما يكره، فأمهل حتى إذا كان ليلة من الليالي لم ير أحداً يتحرك فقام فجاء بعذرة فلطخ بها قبلته وجمع جيفاً فألقاها فيها. وقال مقاتل رحمه الله تعالى: إن فتية من قريش دخلوها فأطلقوا فيها ناراً وكان يوماً فيه هواء شديد فاحترقت وسقطت. انتهى.
فأخبر بذلك أبرهة فقال: من صنع هذا: قيل: صنعه رجال من أهل هذا البيت الذي يحجه العرب، يعني أنها ليست لذلك بأهل.
فغضب غضباً شديداً وحلف ليسيرنّ حتى يهدم الكعبة وينقضها حجراً حجراً، وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك ويسأله أن يبعث إليه بفيله، وكان له فيل يقال له محمود، وكان فيلاً عظيماً لم ير مثله في الأرض عظما وقوة، فبعث به إليه، فأمر الحبشة فتجهّزت في ستين ألفاً ثم سار نحو أرض مكة.
فلما سمعت العرب ذلك أعظموه وفظعوا به ورأوا جهاده حقّاً عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة.
فخرج له رجل من أشراف اليمن يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أطاعه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله تعالى وما يريد من هدمه وخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه وأخذ له ذو نفر فأتي به إليه أسيراً، فلما أراد قتله قال له ذو نفر: أيها الملك لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيراً لك من القتل.
فتركه وحبسه عنده في وثاق.
ثم سار أبرهة يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قومه ومن أطاعه من قبائل العرب فقاتله، فهزمه أبرهة وأخذ له نفيل أسيراً فأتى به، فلما همّ بقتله قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب. فخلىّ سبيله.
وخرج أبرهة يريد مكة، حتى مرّ بالطائف فخرج إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف فقالوا: أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، وليس لك عندنا خلاف وليس بيتنا البيت الذي تريد، يعنون اللات، وهو بيت الطائف كانوا يعظّمونه نحو تعظيم الكعبة، إنما تريد البيت الذي بمكة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه. فتجاوز عنهم فبعثوا معه أبا رغال يدلّه على الطريق إلى مكة، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله بالمغمّس، فلما أنزله به مات أبو رغال فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمّس.
فلما نزل أبرهة بالمغمّس بعث رجلاً من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلي مكة فساق أموال تهامة من قريش وغيرها، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم بحربه.
وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له: سل عن سيد أهل البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملك يقول: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فأتني به.
فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل: عبد المطلب بن هاشم.
فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة، فقال عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم- صلى الله عليه وسلم- فإن يمنعه فهو بيته وحرمه وإن يخلّ بينه وبينه فو الله ما عندنا دفع عنه. قال حناطة: فانطلق إليه فإنه قد أمرني أن آتيه بك.
فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان صديقا له، فدخل عليه وهو في مجلسه فقال له: يا ذا نفر هل عندك غناء من شيء مما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر: ما غناء رجل أسير بيد ملك ينتظر قتله غدوّاً وعشياً، والله ما عندي غناء من شيء مما نزل بكم إلا أن أنيساً سائس الفيل صديق لي فأرسل إليه فأوصيه بك وأعظّم عليه حقّك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلّمه بما بدا لك ويشفع لك عنده بخير إن قدر عليه. فقال: حسبي.
فبعث ذو نفر إلى أنيس فجاء فقال: هذا عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين مكة، يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال، قد أصاب الملك له مائتي بعير، فاستأذن له عليه وانفعه عنده بما استطعت. قال: أفعل.
فكلّم أنيس أبرهة فقال: أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عين مكة، يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال فائذن له عليك فليكلمك في حاجته. فأذن له أبرهة.
وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم، فلما رآه أبرهة أجلّه وأكرمه عن أن يجلسه تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سريره، فجلس على بساطه وأجلس عبد المطلب معه إلى جنبه.
وفي «الدرّ المنظّم» أن عبد المطلب لما دخل على أبرهة سجد له فيل من الفيلة، وكان لا يسجد لأبرهة كغيره من الفيلة، فتعجب أبرهة من ذلك ودعا بالسحرة والكهان فسألهم عن ذلك فقالوا: إنه لم يسجد له وإنما سجد للنور الذي بين عينيه. انتهى. ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك؟ ففعل الترجمان، قال: حاجتي أن يردّ عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلّمتني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك جئت لهدمه لا تكلّمني فيه؟!. قال عبد المطلب: أنا ربّ الإبل وإن للبيت ربّاً سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع منيّ. قال: أنت وذاك. قال ابن السائب ومقاتل رحمهما الله تعالى: ثم أن عبد المطلب عرض على أبرهة أموال تهامة ويرجع عن خراب البيت، فأبى وردّ أبرهة على عبد المطلب الإبل التي أصاب فقلّدها وأشعرها وجلّلها وجعلها هدياً للبيت وبثّها في الحرام، فعمد القوم إليها فحملوا عليها وعقروا بعضها، فدعا عليهم عبد المطلب. قال مقاتل: فقال عبد المطلب. لا همّ أخز الأسود بن مقصود ... الآخذ الهجمة بعد التّقليد فتلّها إلى طماطم سود ... بين ثبير وحرا والبيد والمروتين والمساعي السّود ... يهدم البيت الحرام المقصود قد أجمعوا أن لا يكون لك عيد ... أخفرهم ربّي وأنت المحمود [ (١) ] وذكر ابن إسحاق- رحمه الله تعالى- نحوها لعكرمة بن عامر وهو من مسلمة الفتح.
فالله تعالى أعلم.
ثم انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرّز في شعف الجبال والشّعاب خوفاً عليهم من معّرة الجيش.
ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة ومعه نفر من قريش يدعون الله تعالى ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب: لا هم إن المرء يم ... نع رحله فامنع حلالك لا يغلبنّ صليبهم ... ومحالهم عدواً محالك انصر على آل الصّلي ... ب وعابديه اليوم آلك إن كنت تاركهم وكع ... بتنا فأمر ما بدا لك [ (١) ] وعند البيهقي رحمه الله تعالى أن عبد المطلب قام يدعو على الحبشة فقال: يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا ربّ فامنع منهم حماكا امنعهم أن يخربوا قراكا ... إنّ عدوّ البيت من عاداكا قال ابن إسحاق- رحمه الله تعالى-: ثم أن عبد المطلب انطلق هو ومن معه من قريش إلى شغف الجبال فتحرّزوا فيها ينظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها.
وذكر مقاتل- رحمه الله تعالى- أن عبد المطلب لم يخرج معهم بل أقام بمكة وقال: لا أبرح حتى يقضي الله تعالى قضاءه. ثم صعد هو وأبو مسعود الثقفي على مكان عال لينظر ما يفعله أبرهة.
فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبأ جيشه. قال ابن جرير- رحمه الله تعالى-: ويقال كان معه ثلاثة عشر فيلاً هلكت كلها.
ونقل الماوردي عن الأكثرين إنه لم يكن معهم إلا فيل واحد اسمه محمود. وعن الضحاك كان معه ثمانية أفيلة.
وأبرهة مجمع لهدم البيت. زاد مقاتل: وجعل الفيل مقابل الكعبة ليعظّم ويعبد كتعظيم الكعبة. وقال غيره: بل ليجعل السلاسل في أركان الكعبة وتوضع في عنق الفيل ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة.
فلما وجهوا الفيل نحو الكعبة أقبل نفيل بن حبيب فأخذ بأذنه وقال: يا محمود أنت بحرم الله. ثم خرج نفيل يشتدّ حتى أصعد في الجبل فبرك الفيل فضربوه بالطّبرزين ليقوم فأبى فأدخلوا محاجن لهم في مراقّه فبزغوه بها ليقوم فأبى، فوجّهوه جهة اليمن فقام يهرول، ووجّهوه نحو الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه نحو المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى جهة مكة فبرك وألقى جرانه إلى الأرض وجعل يعجّ عجّاً.
وفي رواية يونس بن بكير [ (١) ] عن ابن إسحاق أن الفيل لما ربض جعلوا يقسمون له بالله أنهم رادّوه إلى اليمن فيحرك لهم أذنيه- كأنه يأخذ عليهم بذلك عهداً- فإذا أقسموا عليه قام يهرول فيردّوه إلى مكة فيربض، فيحلفون له فيحرك أذنيه كالمؤكد عليهم القسم، ففعلوا ذلك مراراً.
وفي معاني القرآن للزّجاج أن دوابهم لم تسر نحو البيت، فإذا عطفوها راجعين سارت، فوعظهم الله تعالى بأبلغ موعظة.
فأقاموا على قصد أن يخربوا البيت فلم يزالوا يعالجون الفيل حتى غشيهم الليل.
وفي رواية يونس عن ابن إسحاق أنهم استشعروا العذاب في تلك الليلة، لأنهم نظروا إلى النجوم كالحة إليهم تكاد تكلمهم من اقترابها منهم، فلما كان السّحر أرسل الله الطير الأبابيل من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طير منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال العدس والحمص، ثم جاءت حتى صفّت على رؤوسهم، فلما رأوها أشفقوا منها وسقط في أيديهم، فصاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما من حجر وقع على جنب رجل إلا خرج من الجنب الآخر، وإن وقع على رأسه خرج من دبره ولا تصيب شيئاً إلا هشمته وإلا سقط ذلك الموضع. فكان أول ما رئي الجدري والحصبة، وبعث الله تعالى ريحاً شديدة فضربت بأرجلها فزادتها قوة.
وروى أبو نعيم عن عطاء بن يسار رحمه الله تعالى قال: حدثني من كلّم قائد الفيل وسائسه قال: إنهما أخبراني خبر الفيل قالا: أقبلنا ومعنا فيل الملك الأكبر لم يسر به قط إلى جمع إلاّ هزمهم، فلما دنونا من الحرم جعلنا كلما نوجهه إلى الحرم يربض، فتارة نضربه فيهبط وتارة نضربه حتى نملّ ثم نتركه. فلما بلغ المغمّس ربض فلم يقم فطلع العذاب، فقلت: نجا غيركما؟ نعم ليس كلهم أصابهم العذاب.
وولّى أبرهة ومن تبعه يريد بلاده، فكلما دخل أرضاً وقع منه عضو حتى انتهى إلي بلاد خثعم وليس عليه غير رأسه فمات. وأفلت وزيره وطائره يتبعه حتى وصل إلى النجاشي فأخبره بما جرى للقوم، فلما فرغ رماه الطير بحجره فمات بين يدي الملك.
وروى سعيد بن منصور عن عكرمة رحمه الله تعالى أن رؤوس هذه الطيور مثل رؤوس السباع لم تر قبل ذلك ولا بعده، فأثرت في جلودهم فإنه لأول ما رئي الجدري.
وروى أيضا عن عبيد بن عمير [ (١) ] رحمه الله تعالى أنها كالخطاطيف بلق.
وروى عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دعا الله تعالى الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سوداً عليها الطين، فلما حاذتهم صفّت عليهم ثم رمتهم، فما بقي منهم أحد إلا أخذته الحكّة فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه.
وروى الفريابيّ [ (٢) ] وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير رحمه الله تعالى أنها خرجت من قبل البحر كأنها رجال الهند معها حجارة أمثال الإبل البوارك، وأصغرها مثل رؤوس الرجال، لا تريد أحداً منهم إلا أصابته ولا أصابته إلا قتلته. والأبابيل: المتتابعة.
وروى أبو نعيم عن نوفل بن معاوية الدّيلي [ (٣) ] رضي الله تعالى عنه قال: رأيت الحصى التي رمي بها أصحاب الفيل، حصى مثل الحمص وأكبر من العدس حمر مختمة كأنها جزع ظفار.
وروى أيضا عن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: كانت في المقدار بين الحمصة والعدسة حصى به نضح أحمر مختّم كالجزع.
وروى ابن إسحاق والواقدي وأبو نعيم والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان الناس.
وروى أبو نعيم وابن مردويه عن أبي صالح رحمه الله تعالى أنه رأى عند أم هانئ بنت أبي لهب من تلك الحجارة نحواً من قفيز مخطّطة كأنها جزع ظفار مكتوب في الحجر اسمه واسم أبيه. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وليس كلهم أصيب. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي جاءوا منه يسألون عن نفيل بن حبيب ليدلّهم على الطريق، فقال نفيل بن حبيب في ذلك: أين المفرّ والإله الغالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب وخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل منهل.
وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم يسقط منه أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة أتبعتها مدّة ودم وقيح حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع قلبه.
ولما أصبح عبد المطلب أشرف ومعه أبو مسعود يقوده. فقال له أبو مسعود: انظر نحو البحر. قال: أرى طيراً بيضا. فقال: ارمقها ببصرك أين قرارها؟ قال: قد دارت فوق رؤوسنا. قال: هل تعرفها؟ قال: لا. قال: ما هي بنجدية ولا تهامية ولا يمانية ولا شاميّة وإنها لطير بأرضنا غير مؤنسة. قال: ما قدرها؟ قال: أمثال اليعاسيب في مناقيرها الحصى كحصى الخذف وهي أبابيل يتبع بعضها بعضاً، أمام كل رفّة منها طائر يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق، حتى إذا جازت عسكر القوم ركدت فوق رؤوسهم. فقال أبو مسعود: لأمر ما هو كائن.
ثم أن عبد المطلب أرسل ابناً له على فرس له سريع لينظر ما جرى للقوم فذهب الفرس نحوهم فرآهم مشدّخين جميعاً فرجع يرفع فرسه كاشفاً عن فخذه فلما رأى ذلك عبد المطلب قال: إن ابني لأفرس العرب وما كشف عن عورته إلا بشيراً أو نذيراً. فلما دنا منهما قالا له: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعاً. فانحطّا من الجبل ربوة أو ربوتين فلم يؤنسا أحداً، فلما دنيا من المعسكر وجدا القوم خامدين، فعمد عبد المطلب وأخذ فأساً وحفر حتى أعمق في الأرض وملأ من الذهب والجوهر وحفر أيضاً لصاحبه حفيرة وملأها كذلك، وجلس كل واحد على حفرته، ونادى عبد المطلب في الناس فتراجعوا وأصابوا من ذلك ما ضاقوا به ذرعاً.
وازداد عبد المطلب عظماً لعدم خروجه من مكة.
وأرسل الله سبحانه وتعالى سيلاً عظيماً فاحتمل جثث الحبشة فألقاهم في البحر.
ولما أهلك الله تعالى الحبشة عظّمت العرب قريشاً وقالوا: أهل الله تعالى، قاتل عنهم وكفاهم مؤنة عدوّهم وقالوا في ذلك أشعاراً كثيرة، منها قول عبد المطلب كما ذكره البلاذري [ (١) ] ورجح الزبير أنها لمغيرة: قلت والأشرم يردي خيله ... إنّ ذا الأشرم غرّ بالحرم رامه تبّع فيمن جمّعت ... حميرٌ والحيّ من آل قدم فانثنى عنه وفي أوداجه ... جارضٌ أمسك منه بالكظم [ (١) ] نحن آل الله في بلدته ... لم نزل فيها على عهد إبرهم أشار عبد المطلب إلى قصه تبّع، وخلاصتها- كما ذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى وغيره: أن تبّعاً لما توجه راجعاً لبلاده أتاه نفر من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر فقالوا له: أيها الملك ألا ندلك على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة؟ قال: بلى. قالوا: بيتٌ بمكة. وإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك، لما عرفوا من هلاك من أراده بسوء وبغى عنده. فراح تبّع وهو مجمع لهدم البيت فبعث الله تعالى عليهم ريحاً فعقفت يديه ورجليه وشنجت جسده، فأرسل إلى من كان معه من يهود فقال: ويحكم ما هذا الذي أصابني. فقالوا: أحدثت شيئاً. فقال: ما أحدثت؟ فقالوا: حدثت نفسك بشيء. قال: نعم. فذكر ما أجمع عليه من هدم البيت وإصابة ما فيه. قالوا: ذاك بيت الله الحرام ومن أراده هلك. قال: ويحكم وما المخرج مما دخلت فيه؟ قالوا: تحدّث نفسك أن تطوف به وتكسوه وتعظمه. فحدث نفسه بذلك فأطلقه الله تعالى، فسار حتى دخل مكة فطافه وسعى بين الصفا والمروة وحلق رأسه، وأقام بمكة ستة أيام ينحر فيها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل.
وأري في المنام أن يكسوه فكساه الخصف، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء والوصائل. وذكر القصة.
الباب الرابع في سياق قصة الرضاع وما وقع فيها من الآيات
روى ابن إسحاق وابن راهوية وأبو يعلى والطبراني وابن حبان رضي الله عنهم عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: حدثتني حليمة، والبيهقي وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي سنده من تكلّم فيه لكن لأكثره شاهد قويّ والبيهقي عن الزهري وأبو يعلى وأبو نعيم عن شداد بن أوس مرفوعاً مختصراً، والإمام أحمد والدارميّ عن عتبة بن عبد الله مرفوعاً مختصراً، وأبو نعيم عن بريدة، وابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر عن يحيى بن يزيد السعدي وابن سعد عن زيد بن أسلم- رضي الله عنهم- أن حليمة قالت: قدمت على أتان لي قمراء قد أزمّت بالرّكب حتى شقّ ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً ومعي صبيّ لنا وشارف لنا والله ما تبضّ بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع، [من] [ (١) ] صبيّنا ذاك لا يجد في شارفنا ما يكفيه ولا في ثديي ما يغنيه فقدمنا مكة.
وذكر العوفي رحمه الله تعالى أن عبد المطلب سمع وقت دخول حليمة مكة هاتفاً يقول: إن ابن آمنة الأمين محمّداً ... خير الأنام وخيرة الأخيار ما إن له غير الحليمة مرضعٌ ... نعم الأمينة هي على الأبرار مأمونةٌ من كلّ عيبٍ فاحش ... ونقيّة الأثواب والأزرار لا تسلمنه إلى سواها إنّه ... أمرٌ وحكمٌ جا من الجبّار قالت: فو الله ما علمت امرأةً منا إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها بأنه يتيم، وذلك أنّا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبيّ، فكنا نقول يتيم ما عسى تصنع أمه وجده. فكنا نكرهه لذلك. فو الله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعاً غيري، فلما لم أجد غيره قلت لزوجي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه. فذهبت فأخذته فجئت به رحلى. فقالت آمنة: يا حليمة قيل لي ثلاث ليال: استرضعي ابنك في بني سعد بن بكر ثم في آل أبي ذؤيب. قالت حليمة: فإنّ زوجي أبو ذؤيب. وإنها أخبرتها بما رأت في حمله صلى الله عليه وسلم وحين وضعته. قالت حليمة: فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي. بما شاء الله من لبن، فشرب حتى روي ثم شرب أخوه حتى روي ثم ناما. وقام زوجي إلى شارفنا فإذا إنها لحافل، فحلب فشرب وشربت حتى انتهينا، وبتنا بخير ليلة. فقال صاحبي: تعلّمي يا حليمة والله إني لأراك قد أخذت نسمةً مباركة ألم ترى إلى ما بتنا فيه الليلة من الخير والبركة حين أخذناه؟ قلت: والله إني لأرجو ذلك.
وفي حديث إسحاق بن يحيى عند ابن سعد أن اليهود مرّوا على حليمة فقالت: ألا تحدّثوني عن ابني هذا فإني حملته كذا ووضعته كذا ورأيت كذا كما وصفت أمّه. فقال بعضهم لبعض: اقتلوه فقالوا أيتيم هو؟ قالت: لا هذا أبوه وأنا أمه فقالوا: لو كان يتيماً قتلناه. قالت: ثم رجعنا وركبت أتاني وحملته عليها معي، فو الله لقد قطعت أتاني بالرّكب حتى ما يتعلق بها حمار، حتى إن صواحبي ليقلن لي يا بنت أبي ذؤيب ويحك! أربعي علينا أهذه أتانك التي خرجت عليها معنا؟ فأقول نعم والله إنها لهي فيقلن: والله إنّ لها لشأناً.
وفي حديث الزّهري أن حليمة نزلت به صلى الله عليه وسلم سوق عكاظ فرآه كاهنٌ من الكهان فقال: يا أهل سوق عكاظ: اقتلوا هذا الغلام فإن له ملكاً. فزاغت به حليمة فأنجاه الله تعالى منهم.
ثم قدمنا أرض بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله تعالى أجدب منها، فكانت غنمي تسرح ثم تروح شباعاً لبّنا فنحلب ونشرب وما يحلب إنسانٌ قطرة لبن ولا يجدها في ضرع، إن كان الحاضر من قومنا ليقولون لرعاتهم: ويحكم انظروا حيث تسرح غنم حليمة فاسرحوا معهم. فيسرحون مع غنمي حيث تسرح فتروح أغنامهم جياعاً ما فيها قطرة لبن وتروح غنمي شباعاً لبّناً. قالت: ولما دخلت به إلى منزلي لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك وألقيت محبته صلى الله عليه وسلم في قلوب الناس حتى إنّ أحدهم كان إذا نزل به أذى في جسده أخذ كفه صلى الله عليه وسلم فيضعها على موضع الأذى فيبرأ سريعاً بإذن الله تعالى. وكانوا إذا اعتلّ لهم بعير أو شاة فعلوا ذلك.
وروى أبو نعيم عن بعض من كان يرعى غنم حليمة أنهم كانوا يرون غنمها ما ترفع برؤوسها وترى الخضر في أفواهها وأبعارها، وما تزيد غنمنا على أن تربض ما تجد عوداً تأكله. قالت حليمة: فلم يزل الله تعالى يرينا البركة ونتعرّفها، حتى بلغ صلى الله عليه وسلم سنتين، فكان يشبّ شباباً لا يشبه الغلمان.
وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان أول كلام تكلم به صلى الله عليه وسلم به حين فطمته: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا.
وروى أبو نعيم عن بعض رعاة حليمة قالوا: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين حين فطم وكأنه أبن أربع سنين فقدموا به على أمه زائرين لها، وهم أحرص شيء على ردّه مكانه لما رأوا من عظم بركته، فلما كانوا بوادي السّرر لقيت نفراً من الحبشة فرافقتهم فسألوها فنظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نظراً شديداً ثم نظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه وإلى حمرة في عينيه فقالوا: هل يشتكي عينه؟ قالت: لا ولكن هذه الحمرة لا تفارقه. قالوا: والله نبي. انتهى. قالت: فقدمنا به إلى أمه فلما رأته قلنا لها: اتركي ابننا عندنا هذه السّنة فإننا نخاف عليه وباء مكة. فو الله ما زلنا بها حتى قالت نعم فسرحته معنا.
وعند أبي نعيم عن بعض رعاة حليمة أنها مرت بذي المجاز وهي راجعة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبه عرّاف يؤتى إليه بالصبيان ينظر إليهم فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الحمرة بين عينيه وإلى خاتم النبوة صاح: يا معشر العرب اقتلوا هذا الصبي فليقتلنّ أهل دينكم وليكسرن أصنامكم وليظهرن أمره عليكم. فانسلّت به حليمة.
زاد ابن سعد: فجعل الهذلي يصيح: يا لهذيل يا لهذيل وآلهته إنّ هذا لينتظر أمراً من السماء. وجعل يغري بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينشب أن دله فذهب عقله حتى مات كافراً.
فأقمنا شهرين أو ثلاثة، وكان صلى الله عليه وسلم يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم.
وفي حديث الزهري عند ابن سعد قال: كانت حليمة لا تدع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب مكاناً بعيداً، فغفلت عنه يوما فخرج مع أخته الشّيماء في الظهيرة فخرجت حليمة تطلبه حتى وجدته مع أخته فقالت: في هذا الحر؟ فقالت أخته: يا أمّه ما وجد أخي حراراً رأيت غمامة تظلّ عليه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلي هذا الموضع. قالت: حقّاً يا بنية؟ قالت: إي والله. انتهى. فقال لي يوما: يا أماه مالي لا أرى إخوتي بالنهار. قالت: يرعون بهماً غنماً لنا فيروحون من الليل إلى الليل. فقال: ابعثيني معهم. فكان صلى الله عليه وسلم يخرج مسروراً ويعود مسروراً. فلما كان يوماً من ذلك خرج. فلما انتصف النهار إذ جاءنا أخوه يشتدّ فقال: يا أبة ويا أمّة إلحقا أخي محمداً فما تلحقانه إلا ميّتاً. قلت: وما قصته قال: بينا نحن قيام إذ أتانا رجل فاختطفه من أوساطنا وعلا به ذروة جبل ونحن ننظر إليه حتى شق من صدره إلى عانته. وعند ابن إسحاق: ورجلان عليهما ثياب بيض فشقّا بطنه فهما يسوطانه انتهى. وما أدري ما فعل.
فأقبلت أنا وأبوه نسعى سعياً فإذا به قاعداً على ذروة الجبل شاخصاً ببصره إلى السماء فنجده منتقعاً لونه فأكببت عليه وقبّلت بين عينيه وقلت: فدتك نفسي ما دهاك؟ قال: خيراً يا أماه بينا أنا الساعة قائم إذ أتاني رهطٌ ثلاث بيد أحدهم إبريق فضة وفي يد الثاني طست من زمّردة خضراء ملآن ثلجاً فأخذوني وانطلقوا بي إلى ذروة الجبل فأضجعوني إضجاعاً لطيفاً، ثم شق أحدهم من صدري إلى عانتي وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك حساً ولا ألماً ثم أدخل يده في جوفي فأخرج أحشاء بطني فغسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها ثم أعادها. كذا في حديث ابن عباس عند البيهقي، وشدّاد بن أوس عند أبي يعلى، وأبي نعيم.
وفي صحيح مسلم: فأتاه جبريل فأخذه فصرعه فشق عن قلبه واستخرج القلب، ثم شق القلب فاستخرج منه علقة سوداء فقال: هذا حظ الشيطان منك يا حبيب الله. ثم حشاه بشيء كان معه وردّه مكانه ثم ختمه بخاتم النبوة من نور. فأنا الساعة أجد برد الخاتم في عروقي ومفاصلي. وقام الثالث فقال تنحّيا فقد أنجزتما ما أمركما الله تعالى به. ثم دنا مني فأمر يده من مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم الشق بإذن الله تعالى.
وفي حديث عبد الله بن عتبة: فأقبل إلي طائران أبيضان كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه أهو هو؟ قال: نعم فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين فقال أحدهما لصاحبه: إيتني بماء ثلج فغسلا به جوفي. ثم قال: إيتني بماء برد فغسلا به قلبي. ثم قال إيتني بالسكينة فذراها في قلبي. ثم أخذ بيدي فأنهضني إنهاضاً لطيفاً ثم قال الأول: زنه بعشرة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم. ثم قال: زنه بمائة فوزنوني بهم فرجحتهم ثم قال: زنه بألف من أمته. فوزنوني بهم فجعلت أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخرّ عليّ بعضهم فرجحتهم، فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم. ثم ضمّوني إلى صدورهم وقبّلوا رأسي وما بين عينيّ ثم قالوا: يا حبيب الله لم ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرّت عيناك. قالت حليمة: فأتيت به منازل بني سعد فقال الناس: اذهبوا به إلى الكاهن حتى ينظر إليه ويداويه. فقال: ما بي شيء مما تذكرون إني أرى نفسي سليمة، وفؤادي صحيح. فقال الناس أصابه لمم أو طائف من الجن. فغلبوني على أمري فانطلقت به إلى الكاهن فقصصت عليه القصة فقال: دعيني أنا أسمع منه فإن الغلام أبصر بأمره منكم، تكلّم يا غلام. فقصّ قصته عليه. فوثب الكاهن قائماً على قدميه ونادى بأعلى صوته: يا للعرب من شر قد اقترب اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه فإنكم إن تركتموه وأدرك مدارك الرجال ليسفّهنّ أحلامكم وليكذّبن أربابكم وليدعونكم إلى ربّ لا تعرفونه ودين تنكرونه قالت: فلما سمعت مقالته انتزعته من يده وقلت لأنت أعته منه وأجنّ، ولو علمت هذا من قولك ما أتيتك به، اطلب لنفسك من يقتلك فإنا لا نقتل محمداً.
فأتيت به منزلي فما أتيت منزلا من منازل بني سعد إلا وقد شممنا منه ريح المسك، فقال الناس: يا حليمة ردّيه إلى جدّه واخرجي من أمانتك. وقال زوجي: أرى أن نردّه على أمه لتعالجه، فو الله إن أصابه ما أصاب إلا حسداً من آل فلان لما يرون من عظيم بركته يا حليمة أخذناه ولنا أعنزٌ عجاف فهن اليوم ثلاثمائة. قالت: فعزمت على ذلك. فسمعت منادياً ينادي: هنيئا لك يا بطحاء مكة اليوم يردّ إليك النّور والدّين والبهاء والكمال فقد أمنت أن تخذلي أو تخزي أبد الآبدين. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وزعم الناس فيما يتحدثون- والله تعالى أعلم- أن أمه السعدية لمّا قدمت به مكة أضلّها في الناس وهي مقبلة نحو أهله، فألتمسته فلم تجده فأتت عبد المطلب فقالت: إني قدمت بمحمد هذه الليلة فلما كنت بأعلى مكة أضلّني، فو الله ما أدري أين هو. فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله تعالى أن يردّه صلى الله عليه وسلم عليه. زاد البيهقي رحمه الله تعالى: فقال عبد المطلب: يا رب إن محمّداً لم يوجد ... فجمع قومي كلّهم مبدّد
لا همّ ردّ راكبي محمدا ... اردده لي ثمّ اتّخذ عندي يدا أنت الذي جعلته لي عضدا ... لا يبعد الدّهر به فيبعدا أنت الذي سمّيته محمدا فسمع هاتفاً من السماء: أيها الناس لا تضجّوا إن لمحمد صلى الله عليه وسلم ربّا لن يخذله ولن يضيعه. فقال عبد المطلب: من لنا به؟ فقال: إنه بوادي تهامة عند الشجرة اليمنى. فركب عبد المطلب نحوه وتبعه ورقة بن نوفل وسار فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة يجذب غصناً من أغصانها فقال له جده: من أنت يا غلام؟ قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. قال: وأنا جدّك فدتك نفسي. واحتمله وعانقه وهو يبكي ثم رجع إلى مكة وهو قدّامه على قربوس فرسه فاطمأنت قريش، ونحر عبد المطلب عشرين جزوراً وذبح الشّياه والبقر وأطعم أهل مكة من ذلك. انتهى. قالت حليمة: فقالت أمه: ما ردّكما به يا ظئر فقد كنتما عليه حريصين؟ قلنا: نخشى الأتلاف والأحداث فقالت: ما ذاك بكما أصدقاني شأنكما. فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره. فقالت: أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، والله إنه لكائن لا بني هذا شأن، ألا أخبركما خبره؟ قلنا: بلى. قالت: حملت به فما حملت حملاً قط أخفّ منه، فأريت في النوم حين حملت به خرج منّي نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام، ثم وقع حين ولدته وقعاً ما يقعه المولود، معتمداً على يديه رافعاً رأسه إلى السماء. قالت حليمة: وحدثت عبد المطلب حديثه كله فقال: يا حليمة إن لابني هذا شأناً وددت أني أدرك ذلك الزمان، ثم جهّزني عبد المطلب أحسن جهاز وصرفني إلى منزلي بكل خير.
وذكر ابن المعلّى الأزدي رحمه الله تعالى في كتاب «الترقيص» إن من شعر حليمة مما كانت ترقّص به النبي صلى الله عليه وسلم: يا ربّ إذ أعطيته فأبقه ... وأعله إلى العلا ورقّه وادحض أباطيل العدا بحقّه وذكر ابن سبع رحمه الله تعالى أن حليمة قالت: كنت أعطيه صلى الله عليه وسلم الثدي فيشرب منه ثم أحوّله إلى الثدي الأيسر فيأبى أن يشرب منه. قال بعضهم: وذلك من عدله صلى الله عليه وسلم لأنه علم أن له شريكاً في الرضاعة. وكان صلى الله عليه وسلم مفطوراً على العدل مجبولاً على جميل المشاركة والفضل صلى الله عليه وزاده فضلا وشرفا لديه. قال العزفيّ: رحمه الله تعالى: كان النساء يرين إرضاع أولادهن عاراً عليهن. وقال غيره: لينشأ غريباً فيكون أنجب للغلام وأفصح له. وقال آخر: كان عادة العرب أن تفعل ذلك لتفرغ النساء للأزواج وهو منتفٍ هنا لأن أباه توفي وهو حمل على الصحيح. قال الواقدي رحمه الله تعالى: وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: رجع صلى الله عليه وسلم إلى أمه وهو أبن خمس سنين. وكان غيره يقول: رجع إليها وهو ابن أربع سنين.
وذكر الأموي- رحمه الله تعالى- أنه صلى الله عليه وسلم رجع وهو ابن ست سنين تزيره جدّه في كل عام، ولم تره بعد أن ردّته إلا مرتين إحداهما بعد تزويج خديجة، جاءته صلى الله عليه وسلم تشكو إليه السّنة وأن قومها قد أسنتوا فكلّم لها خديجة فأعطتها عشرين رأساً من غنم وبكرات. والمرة الثانية يوم حنين. لقد بلغت بالهاشميّ حليمةٌ ... مقاماً علا في ذروة العزّ والمجد وزادت مواشيها وأخصب ربعها ... وقد عمّ هذا السّعد كلّ بني سعد
بخير الخلق يشرح كلّ صدرٍ ... وعند الله حاز أجلّ قدر بشقّ الصّدر خص كشقّ بدرٍ ... كما خصّ الكليم بشقّ بحر وسعي الدّوح جاء لدفع شكٍ ... كسعي عصا الكليم لدفع سحر له الشّرفان من عمٍّ وخال ... ففاق المرسلين بكلّ عصر بدا من خير بيتٍ في قريشٍ ... وأرضع في بني سعد بن بكر فضمّ إلى فصاحة آل سعدٍ ... سماحة هاشمٍ وجلال فهر لقد سعدت حليمة حيث حازت ... رضاعته ونالت كلّ فخر فدرّ عليه منها الثّدي حالاً ... ولم يك قبل ذا يشفي بدّرّ وأعلم أنّه لأخيه حقٌّ ... فغادر ثديها الثّاني بوفر وشارفها جرت لبناً فأروت ... وكانت لا تبضّ [ (١) ] لهم بقطر وأسرعت الأتان [ (٢) ] به نهوضاً ... فأعجب كل من في الرّكب يسري وكانت من وراء القوم ضعفاً ... فصارت عن أمام القوم تجري فقالوا إنّ لابنك ذا لشأناً ... أخذت مباركاً فثقي بيسر وكان يشبّ في شهرٍ كعامٍ ... إذا اعتبروا وفي يومٍ كشهر ويصبح دون صبيتهم دهيناً ... كحيلاً طيّباً من غير عطر وكانوا في أشدّ الأرض جدباً ... فعمّ القطر منها كل قطر وخلف بيوتهم جبريل وافى ... فشقّ الصّدر منه بغير ضرّ وألقى مغمز الشّيطان منه ... فطهّره فنال أتمّ طهر حشا منه الحشا علماً وحلماً ... وإيماناً على ورعٍ وصبر وأكرمه الإله بشقّ صدر ... ووضع الوزر عنه ورفع ذكر فكان رضاً بلا سخطٍ وبذلاً ... بلا بخلٍ وخيراً دون شرّ له خلق الملائك وهو خلقٌ ... من البشر الخصيص بكلّ بشر إله العرش أرسله بشيراً ... نذيراً داعياً لهدىً ويسر فأبدلنا بهديٍ بعد جهلٍ ... وعوّضنا بيسرٍ بعد عسر عليه صلاة ربّ العرش تندى ... كما تندى الرّياض بكلّ فجر يواصل عرفها [ (٣) ] آلاً وصحباً ... كأنّ ثناهم نفحات زهر
وبدت في رضاعه معجزاتٌ ... ليس فيها عن العيون خفاء إذ أبته ليتمه مرضعاتٌ ... قلن ما في اليتيم عنّا غناء فأتته من آل سعدٍ فتاةٌ ... قد أبتها لفقرها الرّضعاء أرضعته لبانها فسقتها ... وبنيها ألبانهنّ الشّياء أصبحت شوّلاً [ (١) ] عجافاً وأمست ... ما بها شائلٌ ولا عجفاء أخصب العيش عندها بعد محل ... إذ غدا للنبيّ منها غذاء يا لها منّة لقد ضوعف الأج ... ر عليها من جنسها والجزاء حيث أنبتت سنابل والضّع ... ف لديه يستشرف الضّعفاء وإذا سخّر الإله أناساً ... لسعيدٍ فإنّهم سعداء وأتت جدّه وقد فصلته ... وبها من فصاله البرحاء إذ أحاطت به ملائكة اللّ ... هـ فظنّت بأنّهم قرناء ورأى وجدها به ومن الوج ... د لهيبٌ تصلى به الأحشاء فارقته كرهاً وكان لديها ... ثاوياً لا يملّ منه الثّواء شقّ عن صدره وأخرج منه ... مضغةً عند غسله سوداء ختمته يمنى الأمين وقد أو ... دع ما لم يذع له أنباء صان أسراره الختام فلا ال ... فضّ ملمٌّ به ولا الإفضاء ألف النّسك والعبادة وال ... خلوة طفلاً وهكذا النجباء وإذا حلّت الهداية قلباً ... نشطت في العبادة الأعضاء
الأول: في مولده، - وقدر عمره - ووفاته.
ولد- رضي الله تعالى عنه- في منتصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة. قال أبو عمر: هذا أصح ما قيل، وقيل: في شعبان منها قال الدولابي: لأربع سنين وستة أشهر من الهجرة، وقيل: سنة أربع.
وقيل سنة خمس، قال في «الإصابة» : والأول أثبت. وتوفي ليلة السبت لثمان خلون من المحرم سنة خمس وأربعين، وهو أشبه بالصواب، وقيل: في شهر ربيع الأول، سنة تسع وأربعين وقيل: خمسين، أو أحد وخمسين وقيل: سنة ثمان وخمسين، فليعلم من ذلك قدر عمره وأرضعته أم الفضل امرأة العباس مع ابنها قثم وسمته جعدة بنت الأشعث بن قيس، فمات، وصلى عليه سعيد بن العاص ودفن بالبقيع ورجح جمع أنه مات، وله سبع وأربعون سنة.
وروى أبو القاسم البغوي والدولابي، عن قابوس بن المخارق قال: إن أم الفضل قالت: يا رسول الله، أرأيت إن كان عضو من أعضائك في بيتي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيراً رأيته، تلد فاطمة غلاما فترضعيه بلبن قثم» ، (فولدت الحسن فأرضعته بلبن) [ (١) ] قثم ورواه ابن ماجة بلفظ فولدت حسنا أو حسينا فأرضعته بلبن قثم، فجئت به يوما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوضعته في حجره صلى الله عليه وسلم قالت: فضربت كتفه فقال صلى الله عليه وسلم: «أوجعت ابني، يرحمك الله» .
الأول: في مولده وقدر عمره ووفاته.
ولد- رضي الله تعالى عنه- لخمس ليال خلون من شعبان، سنة أربع وقيل: سنة ست، وقيل سنة سبع من الهجرة، قال في الإصابة: وليس بشيء. قال جعفر بن محمد: لم يكن بين الحمل بالحسين وبين ولادة الحسن إلا طهر واحد. قال الحافظ: لعلها ولدته لعشرة أشهر، وأبطأ الطهر شهرين، وحنكه صلى الله عليه وسلم بريقه الشريف الطيب في أذنه، وتفل في فمه، ودعا له وسماه حسينا.
وقيل: إنما سماه يوم السابع وعق عنه، واستشهد يوم الجمعة يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض العراق، وجزم جمع كثير بأنه عاش ستا وخمسين سنة.
وقيل: وخمسة أشهر، وقيل: ابن ثمان وخمسين سنة، واسم قاتله سنان- بكسر المهملة والتنوين- ابن أنس النخعي في الأصح.
الأول: في مولده واسمه وكنيته وصفته.
ولد- رضي الله تعالى عنه- قبل الفيل بثلاث سنين، وكان أسن من النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وقيل بثلاث.
روى ابن أبي عاصم عن أبي رزين والبغوي في معجمه عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قيل للعباس- رضي الله تعالى عنه-: أيما أكبر؟ أنت أو النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله، وكان- رضي الله تعالى عنه- وسيما أبيض بضّا له خفيرتان، معتدل القامة وقيل: كان طوالا. انتهى.
وروى ابن أبي عاصم وابن عمر عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن الأنصار لما أرادوا أن يكسوا العباس حين أسر يوم بدر، ولم يصلح عليه قميص إلا قميص عبد الله بن أبي فكساه إياه، فلما مات عبد الله بن أبي ألبسه النبي صلى الله عليه وسلّم وتفل عليه من ريقه، قال سفيان: فظني أنه مكافأة للعباس- رضي الله تعالى عنه- وكان- رضي الله تعالى عنه- رئيسا في قريش، وإليه- رضي الله تعالى عنه- عمارة المسجد الحرام، فكان لا يدع أحدا يسبه فيه، ولا يقول فيه هجرا، وكانت قريش قد اجتمعت وتعاقدت على ذلك، فكانوا له عونا وأسلموا ذلك إليه، وكان- رضي الله تعالى عنه- جوادا مطعما، وصولا للرحم ذا رأي حسن ودعوة مرجوة.
الأول: في مولده
تقدم أنه ولد بأرض الحبشة وهو أول مولود بها للمسلمين وقدم مع أبيه- رضي الله تعالى عنهما- المدينة، وحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وروى عنه.
الأول: في مولده واسمه وكنيته - رضي الله تعالى عنه -
كان أصغر من أخيه عبد الله بسنة.
الأول: في مولده واسمه وكنيته وصفته - رضي الله تعالى عنه -
ولد قبل الهجرة بثلاث سنين بالشعب قبل خروج بني هاشم منه، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وكنيته أبو العباس، وكان طوالا إذا طاف بالبيت كأنما الناس حوله مشاة من طوله، وهو راكب من طوله، مفرطا في الطول، وكان مع ذلك يكون إلى منكب أبيه العباس، وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب، وذكر [......] الطائي أن النبي صلى الله عليه وسلم حنكه بريقه ودعا له، وقال: «اللهم بارك فيه وانشر منه، وعلمه الحكمة» ، وسماه ترجمان القرآن، وكان له يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثلاث عشرة سنة، روي ذلك عنه.
وروي أيضا عنه أنه قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم- يعني المفصل- وفي رواية وأنا ابن خمس عشرة سنة وأنا ختن. قال المحب الطبري: ولعله الأشبه إذا روي عنه أنه قال في حجة الوداع، وأنا قد ناهزت الأحلام، وصحح أبو عمر الأول.
وروى الطبراني عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: ولدت قبل الهجرة بثلاث سنين ونحن في الشعب، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثلاث عشرة سنة.
وروي أيضاً برجال الصحيح عنه قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأنا ابن خمس عشرة سنة، وكان يكنى بأبي العباس، وكان له وفرة، كان طويلا أبيض، مشربا بشقرة، جسيما وسيما صبيح الوجه، وكان يصفر لحيته، قيل: يخضب بالحناء.
وروى حبيب بن أبي ثابت قال: إن رجلا نظر إلى ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- وقد دخل المسجد فنظر هيبته وطوله فقال: من هذا؟ قال: ابن عباس هذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ. قال ابن إسحاق- رحمه الله تعالى-: كان عبد الله بن عباس طويلا مشربا بحمرة جسيما وسيما صبيح الوجه له ضفيرتان، رواه الطبراني.
وروى أيضا بإسناد حسن عن حسين- رحمه الله تعالى- قال: رأيت ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- أيام منى طويل الشعر عليه إزار فيه بعض الإسبال، وعليه رداء أصفر.
وروى أيضا برجال الصحيح عن حبيب بن أبي ثابت- رحمه الله تعالى- قال: رأيت ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- وله جمة.
الأول: في مولده واسمه
أبو سفيان بن الحارث ابن عم النبي- صلى الله عليه وسلّم- وأخوه من الرضاعة وأمه [غزية بنت قيس] [ (١) ] .
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،