الهجرة إلى المدينة
يوم الاثنين ١٢ ربيع الأول، وعمره ﷺ ٥٣
الباب الأول في إذن النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الهجرة إلى المدينة
روى ابن سعد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف وعن عروة عن عائشة رضي الله عنهما قال: لما صدر السبعون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم طابت نفسه وقد جعل الله له منعة وقوما أهل حرب [وعدّة] ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج فضيّقوا على أصحابه وتعبّثوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشّتم والأذى، فشكا ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذنوه في الهجرة، فقال: «قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين» - وهما الحرّتان- «ولو كانت السّراة أرض نخل وسباخ لقلت هي هي» . ثم مكث أياما ثم خرج إلى أصحابه مسرورا فقال: «قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها» .
فجعل القوم يتجهّزون ويترافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك. فكان أول من قدم المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو سلمة بن عبد الأسد- بسين ودال مهملتين [ (١) ] . قال ابن إسحاق: «هاجر إلى المدينة قبل بيعة العقبة بسنة. وحبست عنه امرأته أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة بمكة نحو سنة ثم أذن لها بنو المغيرة الذين حبسوها في اللحاق بزوجها فانطلقت وحدها مهاجرة حتى إذا كانت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة [بن أبي طلحة] أخا بني عبد الدار وكان يومئذ مشركا وأسلم بعد ذلك، فشيّعها حتى إذا أوفى على قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال لها: هذا زوجك في هذه القرية. ثم انصرف راجعا إلى مكة، فكانت تقول: ما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عنّي حتى إذا نزلت عنه استأخر ببعيري فحطّ عنه ثم قيّده في الشجرة، ثم أتى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرّواح قام إلى بعيري فقدّمه فرحله، ثم استأخر عنّي وقال: اركبي. فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني، [فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة] .
وقيل: أول المهاجرين مصعب بن عمير. روى البخاري في صحيحه، والحاكم في الإكليل عن البراء بن عازب قال: «أول من قدم علينا المدينة من المهاجرين مصعب بن عمير» . وروى ابن إسحاق وابن سعد: «ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة: عامر بن ربيعة [حليف بني عدي بن كعب] ، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة [ (١) ]- بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الثاء المثلثة- قالا: «وهي أول ظعينة قدمت المدينة» . قال ابن إسحاق: «ثم عبد الله بن جحش احتمل بأهله وبأخيه أبي أحمد عبد بن جحش- بإضافة عبد إلى ابن جحش- وكان أبو أحمد رجلاً ضرير البصر، وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرا، وكانت عنده الفارعة ابنة أبي سفيان بن حرب، وهاجر جميع بني جحش بنسائهم فعدا أبو سفيان على دارهم فتملّكها، قال بعضهم: إنه باعها من عمرو بن علقمة أخي بني عامر بن لؤي، فذكر ذلك عبد الله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا في الجنة خيراً منها؟» قال: بلى. قال: «فذلك لك» .
ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكّة كلّمه أبو أحمد في دارهم، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الناس لأبي أحمد: يا أبا أحمد إن رسول الله يكره أن ترجعوا في شيء أصيب منكم في الله. فأمسك الكلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وكان بنو غنم بن دودان أهل إسلام، قد أوعبوا إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرة رجالهم ونساؤهم: [عبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد بن جحش، وعكاشة بن محصن وشجاع وعقبة ابنا وهب وأربد بن حمير] .
وروى ابن السمان في «الموافقة» عن علي رضي الله عنه قال: ما علمت أن أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما همّ بالهجرة تقلّد سيفه وتنكّب قوسه وانتضى في يده أسهما واختصر عنزته، ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها فطاف بالبيت سبعاً [متمكنا] ، ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة وقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن يثكل أمّه أو يؤتم ولده أو يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي. قال علي رضي الله عنه: فلم يتبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علّمهم ما أرشدهم إليه ثم مضى لوجهه.
وروى ابن إسحاق: حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: اتّعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص [بن وائل] السّهميّ التّناضب من أضاة بني غفار فوق سرف، وقلنا: أيّنا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه. قال: فأصبحت أنا وعيّاش بن أبي ربيعة عند التناضب وفطن لهشام قومه فحبسوه عن الهجرة وفتن فافتتن. ثم إن أبا جهل والحارث بن هشام- وأسلم بعد ذلك- خرجا حتى قدما المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالا لعيّاش بن أبي ربيعة وكان ابن عمّهما وأخاهما لأمهما: إن أمّك قد نذرت ألّا يمسّ رأسها مشط حتى تراك ولا تستظلّ من شمس حتى تراك، فرقّ لها. فقلت له: يا عيّاش إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمّك القمل لامتشطت، ولو قد اشتدّ عليها حرّ مكة لاستظلّت. فقال: أبرّ قسم أمي ولي هنالك مال فآخذه. فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريشا مالا فلك نصف مالي ولا تذهب معهما. فأبى علي إلا أن يخرج معهما. فلما أبي إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخي لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟. قال: بلى. قال: فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطا وفتناه فافتتن ودخلا به مكة نهارا موثقا، ثم قالا: يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا. قال عمر: فكنا نقول: ما الله تعالى بقابل ممّن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم. قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. فلما قدم النبي صلّى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر: ٥٣، ٥٤، ٥٥] . قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاصي. قال: فقال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعّد بها فيه وأصوّب ولا أفهمها حتى قلت: اللهم فهّمنيها قال: فألقى الله تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا. قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا ما ذكره ابن إسحاق في شأن هشام. قال ابن هشام: فحدثني من أثق به إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بالمدينة: «من لي بعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاصي؟» فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: أنا لك يا رسول الله بهما.
فخرج إلى مكة فقدمها مستخفيا، فلقي امرأة تحمل طعاما فقال لها: أين تريدين يا أمة الله؟ قالت: أريد هذين المحبوسين. تعنيهما، فتبعها حتى عرف موضعهما، وكانا محبوسين في بيت لا سقف له، فلما أمسى تسوّر عليهما ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما ثم ضربهما بسيفه فقطعهما، فكان يقال لسيفه: ذو المروة، لذلك ثم حملهما على بعيره وساق بهما فعثر فدميت إصبعه فقال: هل أنت إلا أصبع دميت؟ ... وفي سبيل الله ما لقيت ثم قدم بهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تتابع المهاجرون أرسالا فنزل طلحة بن عبيد الله وصهيب بن سنان على خبيب- بضم الخاء المعجمة وفتح الوحدة- ابن إساف- بكسر الهمزة- بالسّنح ويقال: بل نزل طلحة بن عبيد الله على أسعد بن زرارة.
وروى ابن سعد عن سعيد بن المسيّب أن صهيبا حين أراد الهجرة قال له كفّار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك والله لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. قال: فإني جعلت لكم مالي. قال: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ربح صهيب ربح صهيب» [ (١) ] . قال ابن سعد: لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا فنزلوا في الأنصار في دورهم وآووهم ونصروهم وآسوهم، وكان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين بقباء قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة، ولم يتخلّف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن، إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهما.
وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيقول له: «لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا» .
فيطمع أبو بكر أن يكونه. قال ابن سعد: وكان نفر من الأنصار بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة الآخرة، ثم رجعوا إلى المدينة، فلما قدم أول من هاجر إلى قباء خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، حتى قدموا مع أصحابه في الهجرة، فهم مهاجرون أنصاريون وهم: ذكوان بن عبد قيس [بن خلدة الزّرقي] ، وعقبة بن وهب بن كلدة والعبّاس [ابن عبادة] بن نضلة وزياد بن لبيد [بن ثعلبة الخزرجي البياضي] .
تنبيهات
الأول: ذكر ابن إسحاق وابن سعد إن أول من هاجر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد. وروى ابن أبي شيبة والبخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: أول من قدم علينا المدينة من المهاجرين مصعب بن عمير. قال الحافظ: «فيجمع بينهما بحمل الأوّليّة في أحدها على صفة خاصة. فقد جزم ابن عقبة بأن أول من قدم من المهاجرين مطلقا أبو سلمة بن عبد الأسد، وكان رجع من الحبشة إلى مكة، فأوذي بمكة، فبلغه ما وقع للاثني عشر من الأنصار في العقبة الأولى، فتوجه إلى المدينة في أثناء السنة، فيجمع بين ذلك وبين ما وقع في حديث البراء بأن أبا سلمة خرج لا لقصد الإقامة بالمدينة بل فرارا من المشركين، بخلاف مصعب بن عمير فكان على نية الإقامة بالمدينة» .
الثاني: جزم أبو عمر بأن ليلى بنت أبي حثمة بن غانم أول ظعينة دخلت المدينة من المهاجرات، وقال موسى بن عقبة: بل أم سلمة فالله أعلم.
الثالث: ذكر ابن إسحاق في مهاجرات بني [غنم بن] دودان بن أسد: بنات جحش وذكر فيهنّ أم حبيبة- بالهاء- وقال السهيلي: أم حبيب- بغير هاء- وقال أبو عمر: هو قول الأكثر، قال الحافظ: كذا قال. قلت لأن قصتها في الاستحاضة رواها الزّهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها. وقال عمرو بن الحارث، ومحمد بن إسحاق وابن أبي ذئب كلهم عن الزهري: أم حبيبة بالهاء وقال معمر عنه: أم حبيب بغير هاء، وقال يحيى بن أبي كثير عن أم سلمة عن أم حبيبة بالهاء. وقال ابن عيينة عن الزهري: أم حبيبة أو حبيب على الشك. فظهر من هذا أن أكثر الرواة قالوا: أم حبيبة بالهاء خلافا لما قاله أبو عمر. قال في العيون: «وأما ابن عساكر فعنده أم حبيبة واسمها حمنة فهما أي بنات جحش ثنتان على هذا» . انتهى. قلت: كان مستند الحافظ ابن عساكر في ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن عمران بن طلحة عن عبيد الله عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض فذكر الحديث. فلما رأى الحافظ ابن عساكر حديث الاستحاضة تارة يروى عن حمنة بنت جحش وتارة يروى عن أم حبيبة ظنّ أن اسم أم حبيبة حمنة، وليس كذلك فإن حمنة غير أم حبيبة وكل منهما استحيض. وقد ذكر ابن إسحاق وابن سعد وغيرهما بنات جحش وسمّوهنّ وذكروا أزواجهن، ولهذا مزيد بيان في كتابي: «عين الإصابة في معرفة الصحابة» ، أعان الله على إكماله.
الرابع: ذكر ابن إسحاق من نساء بني جحش: جذامة بنت جندل. قال السهيلي: «وأحسبها جذامة بنت وهب وأما جذامة بنت جندل فلا تعرف في آل جحش الأسديين ولا في غيرهم ولعله وهم وقع في الكتاب وأنها بنت وهب بن محصن بنت أخي عكاشة بن محصن. قال في الزهر: وهذا غير لأن محمد بن جرير ذكر جذامة في المهاجرات، قال: والمحدّثون قالوا فيها: جذامة بنت وهب، والمختار أنها بنت جندل أخت عكاشة بن محصن المشهور، وتكون أخته من أمّه.
وفي كتاب الصحابة لابن حبّان: جذامة بنت جندل من بني غنم من المهاجرات، وجذامة بنت وهب من بني هلال. وفي الطبقات لابن سعد: جذامة بنت جندل الأسدية أسلمت قديما وبايعت وهاجرت إلى المدينة. ويزيد ذلك وضوحا ما ذكره أبو الحسن الخزرجي في كتاب تقريب المدارك في الكلام على موطّأ مالك: أن جذامة بنت وهب أسلمت عام الفتح، ودال جدامة روي إعجامها وإهمالها وصحّح.
«اللّحاق» [ (١) ] : بفتح اللام مصدر لحقه ولحق به.
«أرسالا» [ (٢) ] : بفتح الهمزة أي: أفواجا وفرقا.
«التنعيم» : على لفظ المصدر محل بين مكة وسرف على مرحلتين من مكة.
«منعة» : بفتحتين أي في قوم يمنعونه ويحمونه جمع مانع ككاتب وكتبة وتقدم مبسوطا غير مرة.
«السّبخة» : بكسر الموحدة وتسكّن: الأرض المالحة.
«بين لابتين» : تثنية لابة بالموحدة وهي الحرّة وتأتي.
«الحرّتان» : تثنية حرّة وهي أرض ذات أحجار سود نخرة كأنّها أحرقت بالنار.
«السّراة» : بفتح السين المهملة: أعظم جبال بلاد العرب «الظعينة» : بفتح الظاء المعجمة المشالة: المرأة وأصله الهودج الذي تكون فيه المرأة.
«عدا» : بالعين المهملة: من العدوان.
«فأبطأ» : بهمزة مفتوحة في أوّله وأخرى في آخره.
«أصيب منكم» بالبناء للمفعول.
«أوعبوا» : قال ابن السّكّيت: أوعب بنو فلان جلاء: لم يبق بدارهم منهم أحد.
«تنكّب قوسه» : ألقاها على منكبه.
«انتضى [ (١) ] في يده أسهما» : أي سلّها من كنانته وتركها معدّة في يده وكذلك انتضى سيفه ونضاه سلّه.
«اختصر العنزة» [ (٢) ] العنزة بالتحريك: أطول من العصا وأقصر من الرّمح وفيه زجّ كزجّ الرّمح، واختصرها: حملها مضمومة إلى خاصرته.
«المعاطس» [ (٣) ] جمع معطس بزنة مجلس وهو الأنف.
«وإرغامها» : إلصاقها بالرغام وهو التراب كنّى بذلك عن الإهانة والذّلّ.
«التّناضب» : بمثناة فوقية مفتوحة فنون فألف فضاد معجمة مضمومة: هو اسم موضع ويروى بكسر الضاد جمع تنضب وهو شجر واحدته تنضبة.
«الأضاة» : بفتح الهمزة والضاد المعجمة بوزن حصاة ومناة الغدير يجتمع من ماء المطر يمد ويقصر.
«غفار» بكسر الغين المعجمة وبالفاء وبالراء.
«سرف» بفتح السين والراء المهملتين وبالفاء: موضع بين مكة والمدينة.
«تسوّر الحائط» : تسلّقه.
«المروة» [ (٤) ] : الحجر الصلب.
«فعثر» بفتح المثلثة صدم رجله شيء.
«ذو طوى» [ (٥) ] بتثليث الطاء: بمكة قال النووي: يصرف ولا يصرف.
الباب الثاني في سبب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة وكفاية الله تعالى رسوله مكر المشركين حين أرادوا ما أرادوا
روى ابن إسحاق وعبد الرزاق والإمام أحمد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس، وعبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة، والبيهقي عن ابن إسحاق أن قريشا لما رأت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا جوارا ومنعة، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار النّدوة- وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها- يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين خافوه.
فاجتمعوا لذلك واتّعدوا، وكان ذلك اليوم يسمّى يوم الزّحمة فاعترضهم إبليس لعنه الله في هيئة شيخ جليل عليه بتّ له، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشّيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتّعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى ألا تعدموا منه رأيا ولا نصحا. قالوا: أجل فادخل، فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريش: من بني عبد شمس: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب- وأسلم بعد ذلك- [ومن بني نوفل بن عبد مناف] : طعيمة بن عديّ، وجبير بن مطعم- وأسلم بعد ذلك- والحرث بن عامر بن نوفل. ومن بني عبد الدار بن قصيّ] : النّضر بن الحرث بن كلدة [ومن بني أسد بن عبد العزّى] : أبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود- وأسلم بعد ذلك- وحكيم بن حزام- وأسلم بعد ذلك، [ومن بني مخزوم] : أبو جهل بن هشام، [ومن بني سهم] : نبيه ومنبّه ابنا الحجّاج، ومن بني جمح: أمية بن خلف، ومن كان معهم، وغيرهم ممّن لا يعدّ من قريش. فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا. قال: فتشاوروا ثم قال قائل منهم- نقل السهيلي عن ابن سلّام أنه أبو البختريّ بن هشام- احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا، ثم تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله: زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم. فقال الشيخ النجدي- لعنه الله-: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لو حبستموه كما تقولون ليخرجنّ أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره.
فتشاوروا ثم قال قائل منهم- ذكر السهيلي أنه أبو الأسود ربيعة بن عمرو أحد [ (١) ] بني عامر بن لؤي- نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا [كما كانت] فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحلّ على حيّ من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبّروا فيه رأيا غير هذا. فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابّا جلدا نسيبا وسيطا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه بأجمعهم فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إن فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم. فقال الشيخ النجدي أخزاه الله: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا أرى غيره.
وذكر ابن الكلبي أن إبليس لما حمد رأي أبي جهل لعنه الله قال: الرّأي رأيان: رأي ليس يعرفه ... هاد ورأي كنصل السّيف معروف يكون أوّله عزّ ومكرمة ... يوما وآخره جدّ وتشريف وتفرّق القوم على ذلك وهم مجمعون له. فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، وأخبره بمكر القوم وإذن الله تعالى له بالخروج. فلما كانت العتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: «نم على فراشي وتسجّ ببردي هذا الحضرميّ الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام.
فلما اجتمعوا قال أبو جهل بن هشام: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن وإن أنتم لم تفعلوا كان فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها.
فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: «نعم أنا أقول ذلك وأنت أحدهم» .
وأخذ الله عز وجل على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل يذري ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ إلى قوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: ١- ٩] فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب.
فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: «ما تنتظرون ههنا» ؟ قالوا: «محمدا» . قال: «خيّبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم» ؟ قال: «فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب» ، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجّيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده. فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا. فقام علي رضي الله عنه من الفراش. فقالوا: «والله لقد صدقنا الذي كان حدّثناه» . وذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غار ثور.
وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «شرى عليّ نفسه ولبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نام مكانه» . وكان المشركون يرجون رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا يرمون عليّا ويرونه النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل عليّ يتوضأ فإذا هو علي، فقالوا: إنك للئيم، إنك لتتضوّر [ (١) ] وكان صاحبك لا يتضوّر وقد استنكرناه منك.
وروى الحاكم عن علي بن الحسين رضي الله عنهما قال: إن أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله عليّ، وقال في ذلك شعراً: وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى ... ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول إله خاف أن يمكروا به ... فنجّاه ذو الطّول الإله من المكر وبات رسول الله في الغار آمنا ... موقّى وفي حفظ الإله وفي ستر وبتّ أراعيهم وما يتّهمونني ... وقد وطّنت نفسي على القتل والأسر قال ابن إسحاق: وكان مما أنزل الله عز وجل من القرآن في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ بالوثاق والحبس والإثخان بالجرح (أو يقتلوك) بسيوفهم (أو يخرجوك) - من مكة- (ويمكرون) - يحتالون في أمرك- (ويمكر الله) - يجازيهم جزاء مكرهم فسمّى الجزاء مكرا لأنه في مقابلته، والمعنى أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد صلى الله عليه وسلم والله تعالى منعه منهم وأظهره وقوّاه ونصره فضاع فعلهم وظهر فعل الله عز وجل- وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال: ٣٠] - لأن مكره حقّ، وإتيان هذا مما يحسن للمزاوجة ولا يجوز إطلاقه ابتداء لما فيه من إيهام الذّمّ، وهذه السورة مدنية، وهذه الواقعة كانت بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة. وقد ذكر الله تعالى النبيّه محمدا صلى الله عليه وسلم نعمته عليه. قال ابن إسحاق: وأنزل الله تعالى في ذلك فَذَكِّرْ- أي دم على تذكير المشركين ولا ترجع عنهم لقولهم لك كاهن مجنون فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ- جزما- وَلا مَجْنُونٍ معطوف عليه- أَمْ- بل- يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ- أي حوادث الدّهر فيهلك كغيره من الشعراء- قُلْ- لهم- تَرَبَّصُوا- هلاكي- فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [الطور: ٢٩، ٣١] - لهلاككم، فعذّبوا بالسيف يوم بدر، والتّربّص الانتظار.
تنبيهات
الأول: روى ابن جرير وابن المنذر عن عبيد بن عمير، وابن جرير من طريق آخر عن المطلب بن أبي وداعة قال: لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه قال عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني. قال: من حدّثك بهذا؟ قال: ربّي. قال: نعم الرب ربك إلى آخره. قال في البداية: ذكر أبي طالب فيه غريب بل منكر لأن القصة قبل الهجرة وذلك بعد موت أبي طالب بثلاث سنين.
الثاني: قال السّهيلي: إنما قال لهم إبليس أنه من أهل نجد لأنهم قالوا: لا يدخلنّ معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة لأن هواهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك تمثّل لهم في صورة شيخ نجدي وقد تقدم في بنيان قريش الكعبة أنه تمثل في صورة شيخ نجدي حين حكّموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الركن من يرفعه، فصاح الشيخ النجدي: يا معشر قريش، أقد رضيتم أن يليه هذا الغلام دون أشرافكم وذوي أسنانكم، فإن صح هذا الخبر فلمعنى آخر تمثل نجديا وذلك أن نجدا يطلع منها قرن الشيطان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قيل له: وفي نجدنا يا رسول الله؟ قال: هنالك الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان.
الثالث: المانع لهم من التّقحّم تلك الليلة على عليّ وهم يظنونه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم لم يزالوا قياما حتى أصبحوا أن بعض أهل السير ذكروا السبب المانع من ذلك مع قصر الجدار وأنهم إنما جاءوا لقتله، فذكر في الخبر أنهم همّوا بالولوج عليه فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: والله إنها للسّبّة في العرب أن يتحدّث عنّا أنّا تسوّرنا الحيطان على بنات العمّ وهتكنا ستر حرمتنا [فهذا هو الذي أقامهم بالباب حتى أصبحوا ينتظرون خروجه ثم طمست أبصارهم عنه حين خرج] وقال بعضهم: «الحكمة في كون الموضوع على رأسهم ترابا دون غيره الإشارة لهم بأنهم الأرذلون الأصغرون الذين أرغموا وألصقوا بالرغام وهو التراب، وأنه سيلصقهم بالتراب بعد هذا» .
الرابع: روى ابن مندة وغيره عن مارية خادم النبي صلى الله عليه وسلم إنها طأطأت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد حائطا ليلة فر من المشركين، وما سبق في القصة من أنه طلع على المشركين من الباب أقوى سندا منه، وحديث مارية فيه مجاهيل.
الخامس: في قراءته صلى الله عليه وسلم الآيات من سورة يس من الفقه التذكرة بقراءة الخائفين لها اقتداء به صلى الله عليه وسلم، وورد في بعض الآثار: ما قرأها خائف إلا أمن.
السادس: في بيان غريب ما سبق: «منعة» : سبق بيانها.
«شيخ جليل» : يقال جلّ الرجل وجلّت المرأة إذا أسنّا.
«عليه بتّ» : البتّ بفتح الموحدة وتشديد المثناة الفوقية: الكساء الغليظ المربّع وقيل الطيلسان من خزّ.
«أجل» : بفتح الهمزة والجيم وإسكان اللام مخفّفة بمعنى نعم.
«أجمعوا فيه رأيا» بفتح الهمزة وكسر الميم: يقال أجمعت الأمر وعلى الأمر إذا عزمت عليه.
«أوشكوا» [ (١) ] : بفتح الهمزة والشين المعجمة: أي أسرعوا.
«أظهرنا» : بيّنّا.
«ألفتنا» بضم الهمزة.
«أن يحلّ» : بفتح أوله وضمّ الحاء المهملة أي ينزل.
«جلدا» : بفتح الجيم وكسر اللام: أي قويا.
«وسطا» : بفتح الواو وكسر السين والطاء المهملتين: أي حسيبا في قومه.
«صارما» : قاطعا.
«نعمد» بكسر الميم في المستقبل وفتحها في الماضي.
«العقل» كعقل الإنسان: الدّية.
«عتمة اللّيل» : بفتح العين والمثناة الفوقية وقت صلاة العشاء، وقيل ثلث الليل الأول من الليل بعد غيبوبة الشّفق، وعتمة الليل ظلامه.
«الحضرمي» : منسوب إلى حضر موت.
«تابعتموه» : بمثناة فوقية وموحدة من المتابعة.
«بعثتم» بالبناء للمفعول.
«الجنان» جمع جنّة: البستان.
«الأردن» : بهمزة مضمومة فراء ساكنة فدال مهملة فنون مشدّدة: الكورة المعروفة من أرض الشام بقرب بيت المقدس.
«حفنة» [ (٢) ] : بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء هي ملء الكف والشيء المحصول حفنة بالضم ويجوز الفتح، والمرّة بالفتح ليس غير.
«صدقنا» : بفتح الدال المخفّفة: أي حدّثنا حديث صدق.
الباب الثالث في قدر إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة ورؤياه الأرض التي يهاجر إليها
روى البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة، والرواية عن ابن عباس في ذلك مختلفة، وسيأتي تحريرها في الوفاة النبوية إن شاء الله تعالى وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب» ، رواه الشيخان [ (١) ]
وعن صهيب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرّتين فإما أن تكون هجرا أو يثرب» ، رواه الترمذي والحاكم والطبراني [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء [ (٣) ] رضي الله عنه، والإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة، قال الحافظ: وذكره وهم وإنما هو عبد الله بن عدي، والحاكم وابن جميع عن ابن عباس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على الحزورة فقال: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض إليّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت منك» [ (٤) ] .
تنبيهات
الأول: قال ابن التين: أري النبي صلى الله عليه وسلّم أولا دار هجرته بصفة تجمع المدينة وغيرها، ثم أري الصفة المختصة بالمدينة فتعيّنت.
حديث أبي هريرة مرفوعا: «اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إليّ فأسكنّي في أحبّ البقاع إليك»
[ (٥) ] ، رواه الحاكم، وقال الذهبي: إنه موضوع، وقال ابن عبد البرّ: لا يختلف أهل العلم أنه منكر موضوع.
«وهلي» : بفتح أوله وثانية: أي ظنّي، يقال: وهل يهل وهلا بالسكون إذا ظنّ شيئا فتبينّ الأمر خلافه.
«اليمامة» : مدينة على يومين من الطائف وأربعة من مكة.
«هجر» : بفتح أوله وثانية وهي هنا مدينة باليمن، وهي قاعدة البحرين وهي من مساكن عبد القيس، وقد سبقوا غيرهم من القرى إلى الإسلام، يذكّر ويؤنّث، قال الجوهري: مذكّر مصروف.
«أرض سبخة» : بفتح السين المهملة وكسر الموحدة وتسكّن وتفتح، أي مالحة.
«ظهراني حرّتين» : أي بينهما والحرّتان: تثنية حرّة وهي أرض ذات حجارة سود.
«الحزورة» : بحاء مفتوحة فزاي ساكنة فواو فراء، سوق كانت بمكة أدخلت في المسجد.
الباب الرابع في هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة وما وقع في ذلك من الآيات
قال الله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [الإسراء ٨٠] . روى الإمام أحمد والترمذي والحاكم والضياء وصحّحوه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأمر بالهجرة من مكة وأنزل عليه وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [الإسراء ٨٠] الهجرة إلى المدينة وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً: كتاب الله عز وجل، وفرائضه وحدوده.
وروى الحاكم وصححه عن قتادة في الآية قال: أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ يعني المدينة وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ يعني مكة. وروى الزبير بن بكّار عن زيد بن أسلم في الآية قال: جعل الله تعالى مدخل صدق المدينة ومخرج صدق مكة، وسلطانا نصيرا الأنصار. قال ابن سعد: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لما خرج من بيته أتى بيت أبي بكر بمكة فكان فيه إلى الليل، ثم خرج هو وأبو بكر فمضيا إلى غار ثور فدخلاه» .
وروى موسى بن عقبة وابن إسحاق والإمام أحمد والبخاري وابن حبان عن عائشة رضي الله عنها، وابن إسحاق والطبراني عن أختها أسماء رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي» . فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي وأمي أنت؟ قال: «نعم» .
فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السّمر [ (١) ] ، وهو الخبط [ (٢) ] أربعة أشهر.
[قال ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير إن عائشة رضي الله عنها قالت:] «لم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشيّة» . قالت: «فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة [ (٣) ] قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنّعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها» . فقال أبو بكر: «فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر» . قالت: «فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل، فتأخّر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم» . فقال أبو بكر: «يا رسول الله ما جاء بك إلا أمر حدث» . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «أخرج من عندك» . فقال أبو بكر: لا عين عليك إنما هما ابنتاي، وفي لفظ: أهلك. قال: «إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة» . فقال أبو بكر: «الصحبة يا رسول الله» . قال: «نعم» . قالت عائشة: «فو الله ما أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ» . قال أبو بكر: «يا رسول الله خذ إحدى راحلتيّ هاتين» . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بالثّمن، لا أركب بعيرا ليس هو لي» . قال: فهو لك. قال: «لا ولكن بالثمن الذي ابتعتها به» . قال «أخذتها بكذا وكذا» . قال «أخذتها بذلك» . قال: هي لك. وعند البخاري في غزوة الرجيع أنها الجدعاء، وأفاد الواقدي أن الثمن ثمانمائة. واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الدّيل وهو من بني عبد بن عديّ هاديا خرّيتا- والخرّيت الماهر بالهداية- قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفّار قريش- وأسلم بعد ذلك- فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث. قالت عائشة: فجهّزنا هما أحثّ الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب. وأفاد الواقدي أنه كان في السّفرة شاة مطبوخة. قالت عائشة: فشقّت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها- وفي لفظ قطعت نطاقها قطعتين فأوكت بقطعة منه الجراب وشدّت فم القربة بالباقي فسمّيت ذات النطاق وفي لفظ النّطاقين.
وعند البلاذري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن لها نطاقين في الجنّة» [ (١) ]
فسميت ذات النطاقين. قال ابن إسحاق: وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا بخروجه وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته» . قالت عائشة: «ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بغار في جبل ثور» . وفي حديث عمر عند البيهقي أنهما خرجا ليلا. وذكر ابن إسحاق والواقدي أنهما خرجا من خوخة في ظهر بيت أبي بكر.
وروى أبو نعيم عن عائشة بنت قدامة إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد خرجت من الخوخة متنكرا فكان أول من لقيني أبو جهل فأعمى الله عز وجل بصره عنّي وعن أبي بكر حتى مضينا» . قالت أسماء: «وخرج أبو بكر بماله خمسة آلاف درهم» . قال البلاذري: «وكان مال أبي بكر يوم أسلم أربعين ألف درهم، فخرج إلى المدينة للهجرة وماله خمسة آلاف أو أربعة، فبعث ابنة عبد الله فحملها إلى الغار» . قالت: «فدخل علينا جدّي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال: «والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه» . قالت: «قلت: كلّا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا» . قالت: «فأخذت أحجارا فوضعتها في كوّة في البيت، كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه. فقال: لا بأس إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. ولا والله ما ترك لنا شيئا ولكن أردت أن أسكّن الشيخ بذلك» .
وفي حديث عند البيهقي إن أبا بكر رضي الله عنه لما خرج هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار، جعل أبو بكر يمشي مرّة أمام النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن شماله، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «يا رسول الله أذكر الرّصد فأكون أمامك وأذكر الطّلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لآمن عليك، فلما انتهينا إلى فم الغار قال أبو بكر: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك» .
فدخله فجعل يلتمس بيده، فجعل كلما دخل جحرا قام إلى ثوبه فشقّه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع: فبقي جحر» فوضع عقبيه عليه، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت الحيّات يلسعن أبا بكر رضي الله عنه وجعلت دموعه تنحدر.
وروى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي بكر أنهما لما انتهيا إلى الغار إذا جحر فألقمه أبو بكر رجليه. قال: «يا رسول الله إن كان لدغة أو لسعة كانت بي» . وروى ابن مردويه عن جندب بن سفيان قال: «لما انطلق أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار قال أبو بكر: يا رسول الله لا تدخل الغار حتى أستبرئه. فدخل أبو بكر الغار فأصاب يده شيء فجعل يمسح الدم عن إصبعه ويقول هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت وفي حديث أنس عند أبي نعيم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصبح قال لأبي بكر «أين ثوبك» ؟ فأخبره بالذي صنع فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: «اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة» . فأوحى الله إليه: «قد استجاب الله تعالى لك» [ (١) ] .
وروى ابن سعد وأبو نعيم والبيهقي وابن عساكر عن أبي مصعب المكي قال: «أدركت أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة يتحدثون إن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر شجرة- وفي رواية عند قاسم بن ثابت: أنبت الله شجرة الرّاءة، فنبتت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسترته، وبعث الله العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا في فم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيّهم وهراويهم وسيوفهم، حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم على أربعين ذراعا، جعل بعضهم ينظر في الغار فلم ير إلا حمامتين وحشيتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: ما لك؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين فعرفت أنه ليس فيه أحد، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، فعرف أن الله قد درأ عنه بهما فبارك عليهما النبي صلى الله عليه وسلم وفرض جزاءهن وانحدرتا في الحرم فأفرخ ذلك الزوج كل شيء في الحرم. وروى الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن المشركين قصّوا أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمرّوا بالغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فمكث فيه ثلاثة أيام.
وروى الحافظ أبو بكر أحمد بن سعيد [ (١) ] القاضي شيخ النسائي في مسند الصديق عن الحسن البصري قال: «جاءت قريش يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوا على باب الغار نسج العنكبوت قالوا: لم يدخله أحد. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلي وأبو بكر يرتقب. فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء قومك يطلبونك، أما والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تخف إن الله معنا»
وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: «قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصرنا تحت قدميه» فقال: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» [ (٢) ] .
وروى أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن ميسرة قال: «نسجت العنكبوت مرّتين مرة على داود حين كان طالوت يطلبه ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم في الغار» .
وذكر البلاذري في تاريخه وأبو سعيد في الشرف أن المشركين استأجروا رجلا يقال له علقمة بن كرز بن هلال الخزاعي- وأسلم عام الفتح- فقفا لهم الأثر حتى انتهى إلي غار ثور [ (٣) ] وهو بأسفل مكة فقال: ههنا انقطع أثره ولا أدري أخذ يمينا أم شمالا أم صعد الجبل. فلما انتهوا إلى فم الغار قال أمية بن خلف: ما أربكم في الغار؟ إن عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد. ثم جاء فبال.
وروى البيهقي عن عروة أن المشركين لما فقدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبوا في كل وجه يطلبونه وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم به ويجعلون لهم الجعل العظيم وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أصواتهم، فأشفق أبو بكر وبكى وأقبل عليه الهمّ والحزن والخوف، فعند ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة- ٤٠]
ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت السكينة من الله تعالى. وروى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن ابن عباس في قوله تعالى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ، قال: على أبي بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه [ (١) ] [التوبة- ٤٠] .
وروى أبو نعيم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن أبا بكر رأى رجلا مواجها الغار فقال: «يا رسول الله إنه يرانا» . «قال: كلا إن الملائكة تستره الآن بأجنحتها» . فلم ينشب أن قعد يبول مستقبلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر لو كان يراك ما فعل هذا» .
ويح قوم جفوا نبيّا بأرض ... ألفته ضبابها والظّباء وسلوه وحنّ جذع إليه ... وقلوه وردّه الغرباء أخرجوه منها وآواه غار ... وحمته حمامة ورقاء وكفته بنسجها عنكبوت ... ما كفته الحمامة الحصداء
أقسمت بالقمر المنشقّ أنّ له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم وما حوى الغار من خير ومن كرم ... وكلّ طرف من الكفّار عنه عم فالصّدق في الغار والصّدّيق لم يردا ... وهم يقولون ما بالغار من أرم ظنّوا الحمام وظنّوا العنكبوت على ... خير البرية لم تنسج ولم تحم وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدّروع وعن عال من الأطم لطيفة: سئل بعضهم عن الحكمة في اختفائه صلى الله عليه وسلم في غار ثور دون غيره فأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل الحسن، وقد قيل إن الأرض مستقرة على قرن الثّور فناسب استقراره صلى الله عليه وسلم في غار ثور تفاؤلا بالطمأنينة والاستقرار فيما يقصده هو ورفيقه.
وروى ابن عدي وابن عساكر عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسّان: «هل قلت في أبي بكر شيئا» ؟ قال: نعم. قال: «قل وأنا أسمع» ، فقال: والثّاني اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدوّ به إذ صعّد الجبلا وكان حب رسول الله قد علموا ... من البريّة لم يعدل به رجلا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: «صدقت يا حسّان هو كما قلت [ (٢) ] . قالت عائشة رضي الله عنها: «فكمنا في الغار ثلاث ليال وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما، وهو غلام ثقف [ (١) ] لقن، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش [بمكة كبائت] ، فلا يسمع بأمر يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام. وعند ابن إسحاق أن أسماء بنت أبي بكر كانت تأتيهما إذا أمست بما يصلحهما من الطعام. وكان عامر بن فهيرة يرعى غنما لأبي بكر في رعيان أهل مكة فإذا أمسى يريحهما عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما [ (٢) ] [حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس] ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
فلما مضت الثلاث وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه فركبا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الدّيلي. وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه ليخدمهما في الطريق- وعند البخاري في غزوة الرّجيع كان عامر بن فهيرة غلاما لعبد الله بن الطّفيل بن سخبرة أخو عائشة لأمها- وأخذ بهما الدليل طريق الساحل أسفل من عسفان [ (٣) ] ثم أجاز بهما حتى عادا من الطريق على أمج.
وروى أبو نعيم من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: «بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج مهاجرا قال: «الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا، اللهم أعني على هول الدنيا وبوائق الدهر ومصائب الليالي والأيام، اللهم اصحبني في سفري واخلفني في أهلي وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذلّلني، وعلى صالح خلقي فقوّمني، وإلى ربّي فحبّبني، وإلى الناس فلا تكلني، أنت ربّ المستضعفين وأنت ربّي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض فكشفت به الظلمات وصلح عليه أمر الأولين والآخرين، أن يحلّ بي غضبك أو ينزل عليّ سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك وفجاءة نقمتك وتحوّل عاقبتك وجميع سخطك، لك العتبى خير ما استطعت، ولا حول ولا قوّة إلا بك» [ (٤) ] .
وروى الإمام أحمد والشيخان ويعقوب بن سفيان عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن أباه قال لأبي بكر رضي الله عنه: كيف صنعتما ليلة سريت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: خرجنا فأدلجنا فأحيينا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فضربت ببصري هل أرى ظلا نأوي إليه فإذا أنا بصخرة فأهويت إليها فإذا بقيّة ظلّها فسوّيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرشت له فروة ثم قلت: اضطجع يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك، ثم خرجت هل أرى أحدا من الطّلب فإذا براع مقبل بغنمه يريد من الصخرة ما أردنا: فلقيته فقلت له: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل مكة، فسمّاه فعرفته فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم. فأمرته فاعتقل شاة منها. فقلت: انفض الضرع من التراب والقذي، فحلب لي في قعب معه كثبة من لبن ومعه إداوة أرتوى فيها للنبي صلى الله عليه وسلم يشرب منها ويتوضّأ، على فمها خرقة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وكرهت أن أوقظه من نومه، فوقفت حتى استيقظ، فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله، فقلت: يا رسول الله اشرب من هذا اللبن. فشرب حتى رضيت. ثم قال: «ألم يأن الرحيل؟» قلت: بلى. قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس [ (١) ] .
قصة أم معبد رضي الله عنها
روى الطبراني والحاكم وصححه، وأبو نعيم وأبو بكر الشافعي عن حبيش بن خالد الأشعر الخزاعي القديدي [ (٢) ] ، أخي أم معبد رضي الله عنهما، وأبو بكر الشافعي عن أبي سليط- بفتح السين المهملة وكسر اللام فمثناة تحتية فطاء مهملة- واسمه أسيرة- بضم أوله وفتح ثانيه وسكون المثناة التحتية- ابن عمرو الأنصاري رضي الله عنه، وابن سعد والبيهقي عن أبي معبد، وابن السّكن عن أم معبد رضي الله عنها، والبزّار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر، ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهم الليثي عبد الله بن الأريقط، مروا على خيمة أم معبد الخزاعية، وهي لا تعرفه، وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء القبّة ثم تسقي وتطعم فسألوها لحما وتمرا ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك، وإذا القوم مرملون مسنتون. فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم.
فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة- وفي لفظ في كفاء البيت- فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد» ؟ قالت: شاة خلّفها الجهد عن الغنم. قال: «هل بها من لبن» ؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: «أتأذنين لي أن أحلبها» ؟ قالت: بأبي أنت وأمي نعم إن رأيت بها حلبا فاحلبها فوالله ما ضربها فحل قط فشأنك بها. فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح بيده ضرعها وظهرها وسمّى الله عز وجل ودعا لها في شاتها فتفاجّت عليه ودرّت واجترّت، ودعا بإناء يربض الرّهط [ (١) ] فحلب فيه ثجاّ حتى علاه البهاء- وفي لفظ الثّمال- ثم سقاها حتى رويت ثم سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب صلى الله عليه وسلم آخرهم، وقال: «ساقي القوم آخرهم شربا» [ (٢) ] . ثم حلب فيه ثانية بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها. فبايعها وارتحلوا عنها.
وروى ابن سعد وأبو نعيم عن أم معبد قالت: «بقيت الشاة التي لمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا، وما في الأرض قليل ولا كثير» . وقال هشام بن حبيش: «أنا رأيت الشاة وإنها لتأدم أمّ معبد وجميع صرمتها» ، أي أهل ذلك الماء.
فقلّ ما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيالا [ (٣) ] عجافا يتساوكن هزالا مخهن قليل.
فلما رأى اللبن عجب فقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد والشاة عازب ولا حلوب في البيت؟ قالت: «لا والله إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا» . قال: «فيه لي يا أم معبد» . قالت: «رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق، لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج وفي أسفاره وطف وفي صوته صحل- أو قالت صهل- وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزجّ أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدّرن، ربعة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود [ (٤) ] محشود لا عابس ولا مفنّد» . فقال أبو معبد: «هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره بمكة ما ذكر ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا» . قالت أسماء رضي الله عنها: «لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟» فقلت «والله لا أدري أين أبي» . فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشا خبيثا، فلطم خدّي لطمة خرج منها قرطي، ثم انصرفوا، فمكثنا ثلاثة أيام ما ندري أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى رجل من الجن من أسفل مكة يتغنّى بأبيات من شعر غناء العرب وتبعه الناس يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول: جزى الله ربّ النّاس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد هما نزلا بالبرّ وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمّد فيا لقصيّ ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسودد ليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنّكم إن تسألوا الشّاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلّبت ... له بصريح ضرّة الشّاة مزبد فغادرها رهنا لديها لحالب ... يردّدها في مصدر ثمّ مورد [ (١) ]
فلما سمع ذلك حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه قال يجاوب الهاتف: لقد خاب قوم غاب عنهم نبيّهم ... وقدّس من يسري إليه ويغتدي ترحّل عن قوم فضلّت عقولهم ... وحلّ على قوم بنور مجدّد هداهم به بعد الضلالة ربّهم ... وأرشدهم من يتبع الحقّ يرشد وهل يستوي ضلّال قوم تسفّهوا ... عمّى وهداة يهتدون بمهتد لقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلّت عليهم بأسعد نبيّ يرى ما لا يرى النّاس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مسجد وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد ليهن أبا بكر سعادة جدّه ... بصحبته من يسعد الله يسعد [ (٢) ]
وروى البيهقي بسند حسّنه والحافظ ابن كثير عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: «خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فانتهينا إلى حيّ من أحياء العرب فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت منتحيا فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت: يا عبدي الله إنما أنا امرأة وليس معي أحد فعليكما بعظيم الحيّ إن أردتم القرى. قال: فلم نجبها، وذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز له يسوقها. فقالت له: يا بني انطلق بهذه العنزة والشفرة إلى هذين الرجلين فقل لهما: تقول لكم أمّي: اذبحا هذه وأطعمانا. فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «انطلق بالشفرة وجئني بالقدح» . قال: إنها عازب وليس لها لبن. قال: «انطلق» . فانطلق فجاء بقدح فمسح النبي صلى الله عليه وسلم ضرعها ثم حلب ملء القدح ثم قال: انطلق به إلى أمّك. فشربت ثم رويت ثم جاء به. فقال: انطلق بهذه وجئني بأخرى ففعل بها كذلك. ثم سقى أبا بكر، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك ثم شرب النبي صلى الله عليه وسلم.
«فلبثنا ليلتين ثم انطلقنا، وكانت تسميه المبارك، وكثرت غنمها حتى جلبت حلبا إلى المدينة فمر أبو بكر رضي الله عنه فرآه ابنها فعرفه، فقال: يا أمه إن هذا الرجل الذي كان مع المبارك، فقامت إليه فقالت: يا عبد الله من الرجل الذي كان معك؟ قال: وما تدرين؟ قالت: لا. قال: هو نبي الله صلّى الله عليه وسلم. قالت: فأدخلني عليه. قال: فأدخلها فأطعمها وأعطاها. وفي رواية: فأهدت إليه شيئا من أقط ومتاع الأعراب، فكساها وأعطاها» ، قال- ولا أعلمه إلا قال: «أسلمت» [ (١) ] . قال البيهقي في الدلائل: «وهذه القصة وإن كانت تنقص عما روينا في قصة أم معبد وتزيد في بعضها، في قريبة منها ويشبه أن تكونا واحدة، وقد ذكر ابن إسحاق في قصة أم معبد شيئا يدل على أنها وهذه القصة واحدة.
ثم روى البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: «فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد وهي التي تمرّد بها الجنّ بأعلا مكة. واسم أم معبد عاتكة بنت خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم [الخزاعية] ، فأراد القرى فقالت: والله ما عندنا طعام ولا لنا منحة ولا لنا شاة إلا حائل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض غنمها فمسح ضرعها بيده فدعا الله تعالى فحلب في العسّ حتى رغّى، وقال: «اشربي يا أم معبد» . قالت: اشرب أنت به أحق. فردّه عليها فشربت. ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك، فسقى دليله ثم دعا بحائل ففعل بها مثل ذلك فسقى عامر بن فهيرة، ثم استراح.
وطلبت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغوا أم معبد فسألوها عنه فقالوا: «أرأيت محمدا من حليته كذا وكذا» ؟ فوصفوه لها، فقالت: «ما أدري ما تقولون فقد ضافني حالب الحائل» ؟ قالت قريش: «فذلك الذي أردنا» . قاله البيهقي: فيحتمل أولا أنه رأى التي في كسر الخيمة، كما روينا في حديث أم معبد، ثم رجع ابنها بأعنز كما روينا ثم لما أتى زوجها وصفته له، والله أعلم.
قصة سراقة رضي الله عنه
روى الإمام أحمد ويعقوب بن سفيان والشيخان عن سراقة بن مالك رضي الله عنه، والإمام أحمد والشيخان ويعقوب عن أبي بكر رضي الله عنه قال سراقة بن جعشم: جاءنا رسل كفّار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما مائة ناقة من الإبل لمن قتله أو أسره، فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا [ونحن جلوس] فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل- وفي لفظ: ركبة ثلاثة- أراها محمدا وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فأومأت إليه بعيني أن اسكت، فسكت، ثم قلت له: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا يبتغون ضالّة لهم. ثم لبثت في المجلس ثم قمت فدخلت بيتي فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها عليّ، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فحططت بزجّه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرّب بي حتى رأيت أسودتهما، فلما دنوت منهم عثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرّهم، أم لا أضرّهم، فخرج الذي أكره: أني لا أضرّهم، وكنت أرجو أن أردّه فآخذ المائة ناقة، فركبت فرسي وعصيت الأزلام فرفعتها تقرّب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الرّكبتين فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدّخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره- ألا أضرّهم- قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني وأنه ظاهر، فناديتهم بالأمان وقلت: أنظروني فوالله لا آذيتكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «قل له وما تبتغي منا» ؟ فقلت: إن قومك قد جعلوا فيكما الدّية وأخبرتهما أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني شيئا ولم يسألاني إلا أن قال: «أخف عنا» فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، قال: «اكتب له يا أبا بكر» - وفي رواية: فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[ثم رجعت] فسكتّ فلم أذكر شيئاً مما كان حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرغ من حنين والطائف خرجت لألقاه ومعي الكتاب الذي كتب لي [فلقيته بالجعرانة] . قال: «فبينا أنا عامد له دخلت بين ظهري كتيبة من كتائب الأنصار، فطفقوا يقرعونني بالرماح ويقولون: إليك إليك حتى إذا دنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته، والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه [ (١) ] كأنها جمّارة [ (٢) ] . قال: فرفعت يدي بالكتاب. ثم قلت: يا رسول الله هذا كتابك لي وأنا سراقة بن مالك قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم وفاء وبرّ أدنه» ، فدنوت منه فأسلمت، ثم تذكرت شيئا أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فما أذكره، إلا أني قلت: يا رسول الله الضّالة من الإبل تغشى حياضي وقد ملأتها لإبلي هل لي من أجر [في أن أسقيها] ؟ قال: «نعم في كل ذات كبد حرّى أجر» قال: ثم رجعت إلى قومي فسقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقتي [ (٣) ] . وقال أبو بكر رضي الله عنه: «وتبعنا سراقة بن مالك ونحن في جلد من الأرض فقلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا. قال: «لا تحزن إن الله معنا» . فلما دنا منّا وكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة قلت: هذا الطلب قد لحقنا وبكيت. [قال صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك» ؟ ] قلت: «أما والله ما على نفسي أبكي ولكني أبكي عليك» . فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: «اللهم اكفناه بما شئت» . قال: فساخت به فرسه في الأرض إلى بطنها فوثب عنها، ثم قال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمرّ على إبلي وغنمي بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حاجة لنا في إبلك وغنمك» ، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلق راجعا إلى أصحابه لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتم ما ههنا، ولا يلقى أحدا إلا ردّه، ووفى لنا.
وعند ابن سعد أن سراقة لما رجع قال لقريش: قد عرفتم بصري بالطريق وقد استبرأت لكم فلم أر شيئاً، فرجعوا. وقال ابن سعد والبلاذري: عارضهم سراقة بقديد يوم الثلاثاء.
وروى ابن عساكر عن ابن إسحاق قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه- فيما يذكرون والله أعلم في دخوله الغار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مسيرهم وفي طلب سراقة إياهم: قال النّبيّ ولم يجزع يوقّرني ... ونحن في شدّة من ظلمة الغار لا تخش شيئا فإنّ الله ثالثنا ... وقد توكّل لي منه بإظهار وإنّما كيد من تخشى بوادره ... كيد الشّياطين كادته لكفّار والله مهلكهم طرّا بما كسبوا ... وجاعل المنتهي منها إلى النّار وأنت مرتحل عنهم وتاركهم ... إمّا عدوّا وإمّا مدلج ساري وهاجر رضمهم حتّى يكون لنا ... قوم عليهم ذوو عزّ وأنصار حتّى إذا اللّيل وارتنا جوانبه ... وسدّ من دون من تخشى بأستار سار الأريقط يهدينا وأينقه [ (١) ] ... ينعبن بالقوم نعبا تحت أكوار يعسفن عرض الثّنايا بعد أطولها ... وكلّ سهب رقاق التّرب موّار [ (٢) ] حتّى إذا قلت قد أنجدن عارضها ... من مدلج فارس في منصب واري يردي به مشرف الأقطار معتزم ... كالسيّد ذي اللّبدة المستأسد الضّاري فقال: كرّوا فقلنا: إنّ كرّتنا ... من دونها لك نصر الخالق الباري أن يخسف الأرض بالأحوى وفارسه ... فانظر إلى أربع في الأرض غوّار فهيل لما رأى أرساغ مهرته ... قد سخن في الأرض لم تحفر بمحفار فقال: هل لكم أن تطلقوا فرسي ... وتأخذوا موثقا في نصح أسرار وأصرف الحيّ عنكم أن لقيتهم ... وأن أعوّر منهم عين عوّار فادع الذي هو عنكم كفّ عورتنا ... يطلق جوادي وأنتم خير أبرار فقال قولا رسول الله مبتهلا ... يا رب إن كان منه غير إخفار فنجّه سالما من شرّ دعوتنا ... ومهره مطلقا من كلم آثار فأظهر الله إذ يدعو حوافره ... وفاز فارسه من هول أخطار [ (٣) ]
وروى البخاري عن عروة والحاكم عنه عن أبيه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجّارا قافلين من الشام فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم ثيابا بيضا. وروى البيهقي عن موسى بن عقبة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دنا من المدينة هو وأبو بكر وقدم طلحة بن عبيد الله من الشام خرج عامدا إلى مكة لما ذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، خرج إما متلقّيا لهما وإما عامدا عمرة بمكة ومعه ثياب أهداها لأبي بكر من ثياب الشام، فلما لقيه أعطاه الثياب، فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأبو بكر. وروى أبو نعيم عن أنس بن مالك عن ... الأوسي الأسلمي عن أبيه قال: «لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مرّوا بإبل لنا بالجحفة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لمن هذه الإبل» ؟ فقالوا: لرجل من أسلم فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر فقال: «سلمنا إن شاء الله» . فأتاه أبي وحمله على فحل من إبله وبعث معه غلامه مسعود» . وروى أبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم عن قيس بن النعمان قال: «لما انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مستخفين مرّوا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللبن فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ههنا عناقا حملت أوّل الشتاء وقد أخدجت وما بقي لها من لبن فقال: «ادع بها» ، فدعا بها، فاعتقلها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح ضرعها حتى أنزلت. ودعا أبو بكر بمجن، فحلب وسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: من أنت؟ فوالله ما رأيت مثلك قط. قال: «أو تراك تكتم علي حتى أخبرك؟ قال: نعم. قال: «فإني محمد رسول الله» . قال: أنت الذي تزعم قريش أنك صابئ؟ قال: «إنهم ليقولون ذلك» . قال: فأشهد أنك نبيّ الله وأشهد أن ما جئت به حقّ، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبيّ» .
وروى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر مدخله المدينة: «أله عنّي الناس فإنه لا ينبغي لنبي أن يكذب» .
فكان أبو بكر إذا سئل: من أنت؟ قال: باغ، وإذا قيل: من الذي معك؟ قال: هاد يهديني» . وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: «أقبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ، والنبي صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا بين يديك؟ فيقول: هذا الذي يهديني السبيل فيحسب الحاسب إنما يعني الطريق وإنما يعني سبيل الخير» .
وروى الزبير بن بكار في الموفقيات، وأبو نعيم عن طريق شهر بن حوشب عن ابن عباس عن سعد بن عبادة قال: «لما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة، خرجت إلى حضرموت لبعض الحاجة فقضيت حاجتي ثم رجعت حتى إذا كنت ببعض الأرض نمت ففزعت من الليل فإذا بصائح يقول: أبا عمرو تأوّبني السّهود ... وراح النّوم وانقطع الهجود ثم صاح آخر: «يا خرعب، ذهب بك اللّعب، إن أعجب العجب بين مكّة ويثرب» . قال: وما ذاك يا شاهب؟ قال: «نبيّ السلام، بعث بخير الكلام، إلى جميع الأنام، فأخرج من البلد الحرام، إلى نخيل وآطام» ثم طلع الفجر فذهبت أتفكر فإذا عظاية [ (١) ] وثعبان ميتان، فما علمت إن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلا بهذا الحديث» .
ولما شارف رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة لقيه أبو عبد الله بريدة بن الحصيب الأسلمي في سبعين من قومه من بني سهم، فقال نبي الله صلّى الله عليه وسلم: «من أنت» ؟ قال: بريدة، فقال لأبي بكر: «برد أمرنا وصلح» . ثم قال: «ممّن» ؟ قال: من أسلم. فقال لأبي بكر: «سلمنا» . ثم قال: «من بني من» ؟ قال: من بني سهم. قال: «خرج سهمك [يا أبا بكر] » . فقال بريدة للنبي صلى الله عليه وسلم: من أنت؟ قال: «أنا محمد بن عبد الله رسول الله» . فقال بريدة: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعا. قال بريدة: الحمد لله الذي أسلم بنو سهم طائعين غير مكرهين، فلما أصبح قال بريدة للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء» .
فحلّ عمامته ثم شدّها في رمح ثم مشى بين يديه حتى دخلوا المدينة [ (١) ] .
تنبيهات
الأول: قال الحافظ: كان بين ابتداء هجرة الصحابة وبين العقبة الأولى والثانية وبين هجرته صلى الله عليه وسلم شهران وبعض شهر على التحرير.
الثاني: قول عائشة رضي الله عنها: «ما كنت أرى أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي من الفرح» . قال في الروض: «قالت ذلك لصغر سنّها وأنها لم تكن علمت بذلك» وقد تطرقت الشعراء لهذا المعنى فأخذته استحسانا له فقال الطائي يصف السحاب: دهم إذا وكفت في روضة طفقت ... عيون أزهارها تبكي من الفرح
فلا تنكرنّ لها صرعة ... فمن فرح النّفس ما يقتل وقال بعض المحدثين: ورد الكتاب من الحبيب بأنّه ... سيزورني فاستعبرت أجفاني غلب السّرور عليّ حتّى أنّه ... من فرط ما قد سرّني أبكاني يا عين صار الدّمع عندك عادة ... تبكين في فرح وفي أحزان قال في الزهر: «وفيه من عدم التّثبّت ما ترى، أيجوز أن يحتجّ على عائشة بقول محدث؟ إنما كان يحتجّ عليها لو كانت العرب قالته، أما إذا لم تقله العرب فلا حجّة عليها والله أعلم. قلت: السهيلي لم يحتج بذلك على عائشة رضي الله عنها، وإنما ذكره استطرادا للفائدة.
الثالث: نقل في الروض عن بعض شيوخ أهل المغرب أنه سئل عن امتناعه من أخذ الراحلة مع أن أبا بكر أنفق عليه ماله، فقال: أحبّ ألّا تكون هجرته إلا من مال نفسه.
الرابع: كانت هجرته صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة من النبوة وذلك يوم الاثنين. روى الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: «ولد نبيكم صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وخرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين» . قال الحاكم: «تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين ودخوله المدينة كان يوم الاثنين، إلا إن محمد بن موسى الخوارزمي قال: أنه خرج من مكة يوم الخميس» . قال الحافظ «يجمع بينهما بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين لأنه أقام فيه ثلاث ليال: هي ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد وخرج في أثناء ليلة الاثنين» .
الخامس: ذكر بعض أهل السير أن أبا بكر لما رأى المشركين وهو في الغار، ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لو جاءونا من ههنا خرجنا من ههنا» . فنظر أبو بكر إلى الغار وقد انفرج من الجانب الآخر، وإذا البحر قد اتصل به وسفينة مشدودة إلى جانبه» . قال الحافظ ابن كثير: وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة ولكن لم يرد ذلك بإسناد قوي ولا ضعيف، ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا ولكن ما صحّ أو حسن قلنا به والله أعلم.
السادس: السّرّ في اتخاذ رافضة العجم اللّبد المقصّصة على رؤوسهم التعظيم للحيّات للدغهنّ أبا بكر ليلة الغار.
روى الإمام أحمد والحاكم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقد لبثت مع صاحبي- يعني أبا بكر- ليلة الغار بضعة عشر يوما ما لنا طعام إلا البرير» قال الحاكم «معناه: مكثنا مختفين من المشركين في الغار وفي الطريق بضعة عشر يوما» . قال الحافظ: «لم يقع في رواية أحمد ذكر الغار، وهي زيادة في الخبر من بعض رواته، ولا يصحّ حمله على حالة الهجرة لما في الصحيح من أن عامر بن فهيرة كان يروح عليهما في الغار باللبن، ولما وقع لهما في الطريق من لقاء الراعي ومن النزول بخيمة أم معبد وغير ذلك، ويظهر أنها قصة أخرى» .
الثامن: قال السهيلي: «انتبه أيها العبد المأمور بتدبّر كتاب الله تعالى لقوله: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة ٤٠] الآية، كيف كان معهما بالمعنى وباللفظ؟ أما المعنى: فكان معهما بالنصر والإرفاد، والهداية والإرشاد. وأما اللفظ: فإن اسم الله تبارك وتعالى كان يذكر إذا ذكر رسوله وإذا دعي فقيل يا رسول الله أو فعل رسول الله. ثم كان لصاحبه كذلك، يقال: يا خليفة رسول الله، وفعل خليفة رسول الله، فكان يذكر معهما بالرسالة والخلافة ثم ارتفع ذلك فلم يكن لأحد من الخلفاء ولا يكون» .
التاسع: قال المهلب بن أبي صفرة [ (١) ] رحمه الله: «أنما شرب النبي صلى الله عليه وسلم من لبن الغنم لأنه حينئذ كان في زمن المكارمة ولا يعارضه: «لا يحلبنّ أحد شاة إلا بإذنه» [ (٢) ] لأن ذلك وقع في زمن التّشاحّ، أو الثاني محمول على التّسوّر، والأول لم يقع فيه ذلك، بل قدّم أبو بكر سؤال الرّاعي: هل أنت حالب؟ فقال: نعم، كأنه سأله: هل أذن صاحب الغنم في حلبها لمن يرد عليه؟ فقال: نعم، أو جرى على العادة المألوفة للعرب في إباحة ذلك والإذن في الحلب للمارّ وابن السبيل، فكان كلّ راع مأذونا له في ذلك» . وقال الداودي: «إنما شرب من ذلك على أنه ابن سبيل، وله شرب ذلك إذا احتاج ولا سيما النبي صلى الله عليه وسلم، وأبعد من قال: «إنما استجازه لأنه مال حربي لأن القتال لم يكن فرض بعد ولا أبيحت الغنائم» وقال الحافظ: «قول أبي بكر: أفي غنمك لبن؟ الظاهر أن مراده بهذا الاستفهام: أمعك إذن في الحلب لمن يمرّ بك على سبيل الضّيافة؟ ويحتمل أن أبا بكر لما عرف مالك الغنم عرف رضاءه بذلك لصداقته له أو إذنه العام بذلك» .
العاشر: ذكر أبو نعيم هنا قصة إسلام ابن مسعود، لما وقع في بعض طرقه، قال: «كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط بمكة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وقد فراّ من المشركين، فقالا: «يا غلام هل معك من لبن» ؟ فذكر الحديث، ويأتي بتمامه في المعجزات. قال في البداية والفتح: «قوله في هذا السياق: «وقد فرّا من المشركين» ، ليس المراد به وقت الهجرة، وإنما ذلك في بعض الأحوال قبل الهجرة، لأن ابن مسعود كان ممن أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة كما تقدم ذلك، وقصته ثابتة في الصحاح.
الحادي عشر: ذكر في «العيون» قصة سراقة قبل قصة أم معبد والتزم في أولها أنه يرتّب الوقائع. وذكر في «الإشارة» قصتها قبل قصة سراقة، وتبعته في ذلك وهو الصحيح الذي صرّح جماعة.
الثاني عشر: ذكر رزين أن قريشا أقامت أياما لا يدرون أين أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعوا صوتا على أبي قبيس وهو يقول: فإن يسلم السّعدان يصبح محمّد ... بمكّة لا يخشى خلاف المخالف كما سمعوا أيضا البيتين السابقين في إسلام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة: فيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجيّين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنّيا ... على الله في الفردوس منية عارف قال السيد: والأقرب ما تقدم من إنشاد هذه الأبيات قبل ذلك لأن السّعدين كانا قد أسلما قبل ذلك.
«قبل المدينة» ، بكسر القاف وفتح الموحدة: أي جهتها.
«على رسلك» [ (١) ] بكسر أوله: أي على مهلك والرّسل السير الرقيق.
«بأبي أنت» : أنت مبتدأ وخبره: بأبي أي: مفيدا بأبي، ويحتمل أن يكون أنت تأكيدا للفاعل يرجو وبأبي قسم.
«حبس نفسه» : منعها من الهجرة.
«السّمر» : بسين مهملة مفتوحة وضم الميم: وهو الخبط بفتح المعجمة والموحدة وبالطاء المهملة، هذا المدرج في تفسير الزهري. ويقال: السّمرة اسم شجرة أم غيلان، وقيل ورق الطّلح، والخبط ما يخبط بالعصا فيسقط من ورق الشجر.
«نحر الظهيرة» : أي أول الزوال وهو أشد ما يكون من حرارة النهار، والغالب في الحرّ القيلولة.
«متقنّعا» [ (٢) ] : أي متطيلسا وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في أبواب لباسه صلى الله عليه وسلم.
«فدى» : بكسر الفاء والقصر وفي رواية فداء بالمدّ.
«الصحابة» : بالنّصب أي أريد أو أسألك المصحابة ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف.
«أمنّاه» : بكسر الميم.
«أحثّ» : بحاء مهملة فمثلثة أفعل تفضيل من الحثّ وهو الإسراع وفي رواية: أحبّ بالموحدة والأول أصحّ.
«الجهاز» [ (١) ] : بفتح الجيم أفصح من كسرها، وهو ما يحتاج إليه المسافر.
«ذات النّطاق» : وفي رواية: ذات النّطاقين- بكسر النون- وهو ما يشد به الوسط، وقيل هو ثوب تلبسه المرأة، ثم تشدّ وسطها بحبل، ثم ترسل الأعلى على الأسفل. والمحفوظ في هذا الحديث أن أسماء شقّت نطاقها نصفين فشدّت بأحدهما الزاد واقتصرت على الآخر، ثم قيل لها: ذات النطاق وذات النطاقين، فالتثنية والإفراد بهذين الاعتبارين. وعند ابن سعد أنها شقّت نطاقها فأوكت بقطعة منه الجراب وشدّت فم القربة بالباقي فسميت ذات النطاقين.
«الخوخة» [ (٢) ] : بخاءين معجمتين مفتوحتين بينهما واو ساكنة: باب صغير.
«ثور» : بالمثلثة.
«الرّصد» : بفتحتين جمع راصد كخادم وخدم.
«استبرأه» : يقال: استبرأت الشيء طلبت آخره لقطع الشبهة عني.
«ألقمه الجحر» : الجحر بجيم فحاء مهملة: أي أدخله فيه.
«العقب» [ (٣) ] : بعين مهملة مفتوحة فقاف مكسورة فموحدة: مؤخّر الرّجل.
«لدغه» : بالدال المهملة والغين المعجمة: عضّه.
«الرّاءة» : وهي شجرة معروفة قال أبو حنيفة الدينوري: هي من أعلاث الشّجر- بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وتعجم- وتكون مثل قامة الإنسان ولها خيطان وزهر أبيض تحشى به المخاد فيكون كالرّيش. لخفته ولينه لأنه كالقطن. قال في النور: وغالب ظني أن هذه الشجرة التي وصف أبو حنيفة أنها العشر كذا رأيتها بأرض بركة الحاج خارج القاهرة وهي تنفتق عن مثل قطن يشبه الريش في الخفّة ورأيت من يجعله في اللحف في القاهرة.
«فتيان» : جمع كثرة لفتى وهو الشابّ الحدث.
«الهراوى» بفتح الهاء: جمع هراوة بكسرها.
«ذرأ» [ (١) ] : بمعجمة فمهملة فهمزة: أي دفع.
«أثر» : محرّكة والأثر بقية الشيء أو الخبر، وخرج في أثره بعده.
«الأرب» بالفتح: الحاجة.
«ينشب» : يلبث.
«حوّ» بالحاء المهملة والواو: جمع.
«الغار» : نقب في الجبل.
«الطّرف» : بفتح الطاء [المهملة] وسكون الراء.
«فالصّدق» : أي ذو الصّدق وهو النبي صلى الله عليه وسلم.
«لم يرما» بفتح أوله وكسر ثانيه: أي لم يبرحا.
«من أرم» : أي أحد.
«ظنّوا» : حسبوا.
«الحمام» : اسم جنس جمعى واحده حمامة يقع على الذّكر والأنثى.
«البريّة» : بتخفيف الراء: الخلق.
«النّسج» : بالجيم الحياكة.
«الحوم» [ (٢) ] : الطّواف.
«الوقاية» : بكسر الواو: الحفظ.
«أغنت» : أجزأت.
«الدروع المضاعفة» : المنسوجة حلقتين حلقتين تلبس للحفظ من العدوّ.
«الأطم» بضمتين: الحصون.
«المنيف» : العالي.
«حب» [ (١) ] رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي محبوبه.
نواجذه» [ (٢) ] : بفتح النون وكسر الجيم وضمّ الذال المعجمة: جمع ناجذ وهو السّنّ من الأضراس ويأتي الكلام على ذلك في باب ضحكه وتبسّمه.
«كمنا» : بفتح الكاف والميم ويجوز كسرها أي اختفيا فيه.
«ثقف» : بثاء مثلّثة مفتوحة فقاف مكسورة ويجوز إسكانها وضمّها ففاء: أي فطن يدرك حاجته بسرعة.
«لقف» [ (٣) ] : بفتح اللام وكسر القاف ويجوز سكونها: أي سريع الفهم.
«يدّلج» بتشديد الدال المهملة بعدها جيم: أي يخرج بسحر.
«يكادان» : وفي رواية يكتادان: أي يطلب لهما فيه المكروه وهو الكيد.
«منحة» : بكسر الميم وسكون النون فحاء مهملة.
«رسل» بكسر الراء بعدها مهملة ساكنة: اللّبن.
«الرّضيف» : براء فضاد معجمة ففاء وزن رغيف: اللّبن المرضوف الذي رضفت فيه الحجارة المحماة بالشمس أو النار لينعقد وتزول رخاوته، وهو بالرفع ويجوز الجرّ.
«ينعق» : بكسر العين المهملة أي يصيح بغنمه، والنّعق هو صوت الراعي إذا زجر الغنم، وفي رواية: ينعق بهما بالتثنية أي يسمعهما صوته إذا زجر غنمه.
«الدّيل» : بكسر الدال المهملة وسكون التحتية.
«الخرّيت» : بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء فمثناة تحتية ساكنة فمثناة فوقية، وهو الماهر بهداية الطريق.
«العتبى» : بضم العين المهملة الرّضا.
«بوائق الدّهر» [ (٤) ] : غوائله وشروره واحدها بائقة وهي الداهية.
«قائم الظّهيرة» [ (١) ] : أي نصف النهار، سمّي قائما لأن الظلّ لا يظهر حينئذ فكأنه واقف.
«رفعت لنا صخرة» : أي ظهرت.
«الفروة» معروفة ويقال فيها فرو بحذف الهاء وهو الأشهر في اللغة ولا يتجه أن يكون المراد بها الفروة من الحشيش لقوله: كانت معي.
«وأنا أنفض لك ما حولك» أنفض بفتح الهمزة وسكون النون وضمّ الفاء بعدها ضاد معجمة، أي أتحسّسه وأتعرّف ما فيه ممّن تخافه- قاله في التقريب وفي النهاية- أي أحرسك وأطوف هل أرى طلبا.
«لرجل من المدينة أو مكة» : شك في ذلك أحمد بن يزيد، ورواه مسلم من طريق الحسن بن محمد بن أعين عن زهير فقال فيه: «لرجل من أهل المدينة» ، ولم يشكّ. ووقع في رواية ابن جريج: «فسمّى رجلا من أهل مكة» ، ولم يشكّ. قال الحافظ: «والمراد بالمدينة مكة، ولم يرد المدينة النبوية لأنها حينئذ لم تكن تسمى المدينة، وإنما كان يقال لها يثرب.
وأيضا لم تجر العادة للرّعاة أن يبعدوا في الرعي هذه المسافة البعيدة. ووقع في رواية إسرائيل فقال: «لرجل من قريش سمّاه فعرفته» ، وهذا يؤيد ما قررته لأن قريشا لم يكونوا يسكنون المدينة النبوية» .
«أفي غنمك لبن» ؟ بفتح اللام والموحدة، وحكى القاضي أن في رواية لبّن، بضم اللام وتشديد الموحدة جمع «لابن» [ (٢) ] أي ذات لبن.
«العناق» [ (٣) ] : بفتح العين المهملة: الأنثى من المعز: «فأخذت قدحا فحلبت» : وفي رواية: «أمرت الراعي فحلب» ، ويجمع بأنه يجوز في قوله «فحلبت» : مراده أمرت بالحلب.
«كثبة» [ (٤) ] : بضم الكاف وسكون المثلثة وفتح الموحدة: أي قدر قدح، وقيل: حلبة خفيفة.
«برد أسفله» : بفتح الراء على المشهور وقال الجوهري بضمها.
شرح قصة أم معبد رضي الله عنها
«الخزاعية» : بضم الخاء المعجمة فزاي فعين مهملة.
«برزة» : يقال امرأة برزة إذا كانت كهلة لا تحتجب احتجاب الشوابّ وهي مع ذلك عفيفة عاقلة تجلس للناس وتحدّثهم، من البروز وهو الظهور.
«جلدة» : إما قوية وإما عاسية.
«الفناء» سعة أمام البيت، وقيل: ما امتد من جوانبه.
«تسقي» : تناولهم السّقي ليشربوا منه.
«مرملون» : بضم الميم وسكون الراء، نفذ زادهم وأصله من الرّمل كأنهم لصقوا بالرّمل كما قيل للفقير الترب بفتح التاء وكسر الراء.
«مسنتون» : بكسر النون والمثناة الفوقية، أي أجدبوا أي أصابتهم سنة وهي القحط يقال: أسنت فهو مسنت إذا أجدب.
«أعوزناكم» : أحوجناكم.
«كسر الخيمة» [ (١) ] : بفتح الكاف وكسرها وسكون المهملة، أي جانبها، ولكل بيت كسران عن يمين وشمال.
«كفاء البيت» : قال في القاموس: الكفاء ككتاب سترة من أعلى البيت إلى أسفله من مؤخّره أو الشّقّة في مؤخّر الخباء أو كساء يلقى على الخباء حتى يبلغ الأرض وقد أكفأت البيت.
«الجهد» : بالفتح ويضمّ: الطّاقة، وقيل: بالفتح المشقة وبالضم الطاقة والمراد هنا الهزال.
«ضربها فحل» : ألقحها..
«شأنك» : منصوب، أي أصلح شأنك، أو نحو هذا، فهو مفعول بفعل مقدّر.
«ففاجّت» : بالمد وتشديد الجيم: فتحت ما بين رجليها للحلب.
«يربض» : بضم المثناة التحتية فراء ساكنة فموحدة مكسورة فضاد معجمة. قال في النهاية: أي يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض، من ربض في المكان يربض إذا لصق به وأقام ملازما له، يقال: أربضت الشمس إذا اشتدّ حرّها حتى تريض الوحش في كناسها، أي تجعلها تربض فيه ويروى بمثناة تحتية بعد الراء: يريض [ (٢) ] الرّهط أي يرويهم من أراض الحوض إذا صبّ فيه من الماء ما يواري أرضه. والرّوض نحو من نصف قربة.
«الرّهط» : بسكون الهاء وفتحها: ما دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة أو منها إلى الأربعين.
«ثجّا» : أي لبنا سائلا كثيرا.
«علاه البهاء» : أي علا الإناء بهاء اللبن وهو بريق رغوته، وفي رواية: الثّمال بضم المثلثة الرّغوة.
«العلل» : بفتح العين المهملة ولامين الأولى مفتوحة: الشّرب الثاني.
«النّهل» [ (١) ] بفتح النون والهاء وتسكّن وباللام: الشّرب الأول.
«غادره» : بالغين المعجمة: تركه.
«الصّبوح» . بفتح المهملة وبالموحدة: ما يشرب بالغداة فما دون القائلة.
«والغبوق» : بفتح الغين المعجمة: الشرب بالعشيّ.
«الحيال» [ (٢) ] : جمع حائل وهي التي لم تحمل.
«عجافا» : بكسر العين المهملة: جمع عجفاء وهي المهزولة من الغنم وغيرها.
«الشّاء» جمع شاة.
«عازب» [ (٣) ] : بعين مهملة فزاي فموحدة: أي بعيدة المرعى لا تأوي إلى المنزل في الليل.
«لا حلوب في البيت» : أي لا شاة تحلب.
«الوضاءة» : بفتح الواو وبالضاد المعجمة والهمزة: الحسن والبهجة.
«أبلج الوجه» : بالموحدة وبجيم: أي مشرقه مسفره، ومنه تبلّج الصبح وانبلج. فأما الأبلج فهو الذي قد وضح ما بين حاجبيه فلم يقترنا، والاسم البلج بفتح اللام، ولم ترد هذا أم معبد لأنها قد وصفته في حديثها بالقرن.
«الأشفار» : جمع شفر بضم الشين المعجمة وقد تفتح: وهو طرف جفن العين الذي ينبت عليه الشّعر، والمراد هنا الشّعر النابت.
«الوطف» [ (١) ] : بفتح الواو والطاء المهملة وبالفاء: الطول، فمعنى الكلام أن في شعر أجفانه طولا، قال في الإملاء: يروى الغطف والعطف بالغين المعجمة والعين المهملة، فمعناه بالمعجمة مثل معنى الوطف، وأما بالمهملة فلا معنى لها، وقد فسّره بعضهم فقال: هو أن تطول أشفار العين حتى تنعطف.
«الدّعج» : بفتح الدال والعين المهملتين وبالجيم والدّعجة بإسكان العين: السواد في العين يريد- والله أعلم- أن سواد عينه شديد السواد.
الصّحل» [ (٢) ] : بفتح الصاد والحاء المهملتين وباللام: وهو كالبحّة وألا يكون حادّ الصوت، يقال منه صحل الرّجل بالكسر يصحل بالفتح صحلا بفتحتين إذا صار أبحّ فهو صحل وأصحل.
«ولا يشنؤه» : بالشين المعجمة والنون وقبل هاء الضمير همزة مضمومة: أي لا يبغضه لفرط طوله- ويروى لا يتشنّى من طول، أبدل الهمزة ياء، يقال شنئته أشنؤه شنا وشنآنا.
«ولا تقتحمه عين من قصر» : أي لا تتجاوزه إلى غيره احتقارا له، وكل شيء ازدريته فقد اقتحمته.
«لم تعبه ثجلة» [ (٣) ] : الثّجلة: بضم الثاء المثلثة ثم جيم ساكنة ثم لام مفتوحة: هي عظم البطن وسعته، ويروى بالحاء المهملة والنون أي نحول ودقّة.
«لم تزر به» : أي لم تقصّر.
«صعلة» : بفتح الصاد وإسكان العين المهملتين، والصّعلة [ (٤) ] صغر الرأس وهي أيضا الدّقّة والنحول في البدن. وفي رواية: لم تزر صقلة بالقاف أي دقّة ونحول وقيل: أرادت أنه لم يكن منتفخ الخاصرة جدا ولا ناحلا جدّا، ويروى بالسين على الإبدال من الصاد. قال أبو ذر الخشني: الصّقلة جلدة الخاصرة تريد أنه ناعم الجسم ضامر الخاصرة وهو من الأوصاف الحسنة.
«الهاتف» : الصائح.
«أبو قبيس» : بضم القاف وفتح الموحدة فمثناة تحتية ساكنة: جبل بمكة معروف سمّي باسم رجل من مذحج حدّاد لأنه أول من بنى فيه. وكان أبو قبيس الجبل هذا يسمى الأمين لأن الركن أي الحجر الأسود كان مستودعا فيه.
«قالا» : من القيلولة وهي نصف النهار.
الهدي» : بفتح الهاء وإسكان الدال المهملة: والهدي الطريق، ولا يصح ضمها للوزن، ويعني بالطريق الطريق الموصلة إلى الجنة.
«قصيّ» : بضم القاف وفتح الصاد المهملة وتشديد التحتية: تقدم الكلام عليه في النسب.
«ما زوى» [ (١) ] : بفتح الزاي والواو: أي جمع وقبض.
«من فعال» : الظاهر أنه بفتح الفاء وتخفيف العين وهو الكرم، ويجوز أن يكون بكسر الفاء جمعا.
«لا يجارى» : بالراء وفي رواية: يجازى بالزاي.
«السودد» : بضم السين وإسكان الواو، يقال ساد قومه سيادة وسوددا وهو مصدر.
«الصريح» : بالصاد والحاء المهملتين: وهو اللّبن الخالص الذي لم يمذق.
«الضّرّة» [ (٢) ] : بفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء والمثناة الفوقية: أصل الضّرع.
«مزبد» : بضم الميم وإسكان الزاي فموحدة مكسورة فدال مهملة: أي علاه الزّبد.
«غادرها» : بالغين المعجمة والدال المهملة: تركها..
«في مصدر ثم مورد» : أي يحلبها مرة ثم أخرى.
شرح شعر حسان بن ثابت رضي الله عنه
«قدّس» : بضم القاف وكسر الدال المهملة المشددة وبالسين المهملة مبني للمفعول أي طهّر.
«يرشد» : بضم الشين المعجمة وبفتحها كنصر ينصر وفرح يفرح، والمصدر رشدا ورشدا ورشادا: أي يهتدي.
«بأسعد» : بضم العين، جمع سعد جمع قلّة.
«سعادة» : بالرفع: فاعل يهنأ، وأبو بكر مفعوله.
«جدّه» [ (١) ] : بفتح الجيم وهو حظه.
«من يسعد الله يسعد» : يجوز أن يكون مبنيا للفاعل وللمفعول أيضا.
«عظم الحيّ» : بضم أوله وسكون ثانيه أي أكثره.
«القرى» : بكسر القاف.
«متنحّيا» : منفردا.
«الشّفرة» : بفتح الشين المعجمة وسكون الفاء وفتح الراء: المدية وهي السّكّين العريض والجمع شفار مثل كلبة وكلاب وشفرات مثل سجدة وسجدات.
«الجلب» [ (٢) ] : بفتح الجيم واللام: ما يجلب من بلد إلى بلد.
«الأقط» : ككتف ويسكّن مثلّث الهمزة: شيء يتخذ من اللبن المخيض، قال ابن الأعرابي: من ألبان الغنم خاصّة.
شرح قصة سراقة بن مالك رضي الله عنه
«مدلج» : بضم الميم.
«أسودة» : جمع سواد وهو الشخص.
«ركبة» : بفتح الراء والكاف: أقلّ من الرّكب وهو عشرة فما فوقها وهم أصحاب الإبل، والأركوب أكثر من الرّكب والرّكبان الجماعة منهم.
«أراها» : بضم الهمزة: أي أظنّها.
الأكمة: بفتح الهمزة والكاف والميم: الرّابية.
«فخططت به» بالخاء المعجمة وفي رواية: بالحاء المهملة أي أمسكت بأعلاه وجعلت أسفله في [الأرض] .
الزّج [ (٣) ] : بضم الزاي بعدها جيم: الحديدة التي في أسفل الرّمح.
«خفضت عاليه» : أي أمسكه بيده وجرّ رمحه لئلا يظهر بريقه لمن بعد منه، لأنه كره أن يتبعه منهم أحد فيشركه في الجعالة.
«دفعتها» : بتخفيف الفاء يقال: دفع الفرس في السّير إذا بالغ ودفعه يتعدّى ولا يتعدّى.
«تقرّب بي» : التقريب السّير دون العدو وفوق العادة وقيل أن ترفع الفرس يديها معا وتضعهما معا.
«أهويت» بيدي: بسطتها للأخذ.
الكنانة» : بكسر الكاف: الخريطة المستطيلة التي يجعل فيها السهام.
الأزلام» : واحدها زلم بفتحتين وبفتحة فضمّة وهو القدح واحد القداح بكسر القاف وهو عيدان السهام قبل أن تراش ويركب فيها النّصال، فإذا فعل ذلك فهي سهام. وكان أهل الجاهلية يستقسمون بها مكتوب عليها الأمر والنهي أي: إفعل: لا تفعل، فما خرج منها عملوا به. والاستقسام بها هو الضّرب بها لإخراج ما قسم الله لهم من أمر وغيره بزعمهم. قال الحافظ أبو العباس تقي الدين الحرّاني: «إن القرعة التي مع الطرقية التي فيها اب ج د من الأزلام، ونقل ذلك عن أبي جعفر النّحّاس.
«ساخت» [ (١) ] : بسين مهملة فألف فخاء معجمة: أي غاصت.
«ارتطمت به» : أي ساخت قوائمها في الأرض.
«عثان» : بضم العين المهملة والثاء المثلثة المخففة: شبه الدّخان.
«أن سيظهر» : مرفوع، و «أن» قبله مخفّفة من الثقيلة وتقديره: سيظهر.
«فلم يرزآني» : براء فزاي: لم ينقصاني مما شيئا.
«أخف عنّا» [ (٢) ] : بفتح الهمزة.
«قديد» : بضم القاف وفتح الدال المهملة ثم مثناة تحتية ساكنة فدال مهملة أخرى، موضع بين مكة والمدينة.
«بمجن» [ (٣) ] : بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون: التّرس سمّي مجنّا لأنه يواري حامله أي يستره.
الباب الخامس في تلقي أهل المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزوله بقباء وتأسيس مسجد قباء
روى البخاري عن عائشة، وابن سعد عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة عن جماعة من الصحابة أن المسلمين بالمدينة لما سمعوا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وتوكّفوا قدومه كانوا يخرجون إذا صلّوا الصبح إلى ظاهر الحرّة ينتظرونه حتى تغلبهم الشمس على الظلال، ويؤذيهم حرّ الظهيرة. فإذا لم يجدوا ظلّا دخلوا، وذلك في أيّام حارّة حتى كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلوا البيوت فأوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيّضين، يلوح بهم السّراب، فلم يملك اليهودي نفسه فصرخ بأعلى صوته: «يا بني قيلة» ، وفي لفظ: يا معشر العرب، «هذا جدّكم» ، وفي لفظ: هذا صاحبكم الذي تنتظرون، «قد جاء» . فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرّة وذلك يوم الاثنين لشهر ربيع الأول، فخرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظلّ نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنّه. وقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممّن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيّي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلّل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله عند ذلك.
وفي رواية: «فلما رأوا أبا بكر ينحاز له عن الظلّ عرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعدل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين حتى نزل بهم علوّ المدينة بقباء في بني عمرو بن عوف على كلثوم بن الهدم بكسر الهاء وسكون الدال المهملة، قيل: «وكان يومئذ مشركا، وبه جزم محمد بن الحسن بن زبالة» ، وقيل: «إنما نزل على سعد بن خيثمة» . قال رزين: «والأول أصح» وقال الحاكم إنه الأرجح، [قال] : «وقد قاله ابن شهاب وهو أعرف بذلك من غيره» وقال الدمياطي: «إنه أثبت» . وقال بعضهم «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل على كلثوم بن الهدم وكان يخرج للناس من منزله فيجلس للناس في بيت سعد بن خيثمة لأنه كان عزبا لا أهل له هناك وكان منزل العزّاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين فمن هنالك يقال: نزل على سعد بن خيثمة.
ونزل أبو بكر على خبيب بن إساف [ (١) ] أحد بني الحارث بالسّنح- بسين مهملة مضمومة فنون ساكنة فحاء مهملة. ويقال: على خارجة بن زيد بن أبي زهير أخي بني الحارث بن الخزرج» .
وروى الزبير بن بكار عن عبد الله بن حارثة قال: «نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلثوم بن الهدم، فصاح كلثوم بغلام له فقال: يا نجيح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنجحت يا أبا بكر»
وأقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة بعد مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما- قال بعضهم: ثلاثة- حتى أدّى للنّاس ودائعهم التي كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفه ليردّها، ثم خرج فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء فنزل على كلثوم بن الهدم. وقال عليّ فيما رواه ابن إسحاق ورزين: «كنت نزلت بقباء وكانت امرأة مسلمة لا زوج لها، فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها، فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه فاستربت شأنه، فقلت لها: يا أمة الله، من هذا الرجل الذي يضرب عليك بابك كلّ ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئا لا أدري ما هو، وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك؟ قالت: هذا سهل بن حنيف، قد عرف أني امرأة لا أحد لي، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها. فقال: احتطبي بها، فكان عليّ يأثر ذلك من أمر سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق.
وكان لكثوم بن الهدم مربد، والمربد الموضع الذي يبسط فيه التّمر ليجفّ، فأخذه منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسّسه وبناه مسجدا. وفي الصحيح عن عروة: «فلبث في بني عمرو بن عوف وأسّس المسجد الذي أسس على التقوى» . وفي رواية عبد الرزاق عنه قال: «الذين بني فيهم المسجد الذي أسس على التقوى» هم بنو عمرو بن عوف وكذا عند ابن عائذ ولفظه: «ومكث في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال واتّخذ مكانه مسجدا فكان يصلي فيه ثم بناه بنو عمرو بن عوف فهو الذي أسس على التقوى» .
وروى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن المسعودي عن الحكم بن عتيبة- بضم العين المهملة وفتح الفوقية وسكون التحتية وبالموحّدة- قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم فنزل بقباء قال عمار بن ياسر: «ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدّ من أن يجعل له مكانا يستظلّ به إذا استيقظ ويصلّي فيه» . فجمع حجارة فبنى مسجد قباء فهو أول من بنى مسجدا- روى الحافظ والسيد- يعني لعامّة المسلمين أو للنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو في التحقيق أوّل مسجد صلى فيه بأصحابه جماعة ظاهرا، وإن كان قد بني غيره من المساجد، فقد روى ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله عنه قال: لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم علينا النبي صلى الله عليه وسلم سنتين نعمر المساجد ونقيم الصلاة، ولذا قيل: كان المتقدّمون في الهجرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنصار بقباء قد بنوا مسجدا يصلّون فيه، يعني هذا المسجد، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وورد قباء صلّى بهم فيه إلى بيت المقدس، ولم يحدث فيه شيئا أي في أول الأمر لأن ابن شبّة- بالشين المعجمة والموحّدة المشدّدة المفتوحتين- روى ذلك، ثم روى إن النبي صلى الله عليه وسلم بنى مسجد قباء، وقدّم القبلة إلى موضعها اليوم وقال: «جبريل يؤمّ بي البيت»
[ (١) ] .
وروى الطبراني عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: لما سأل أهل قباء النبي صلى الله عليه وسلم إن يبني لهم مسجدا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليقم بعضكم فيركب الناقة، فقام أبو بكر رضي الله عنه فركبها فحرّكها فلم تنبعث فرجع فقعد فقام عمر رضي الله عنه فركبها فلم تنبعث فرجع فقعد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «ليقم بعضكم فيركب الناقة» ، فقام علي رضي الله عنه، فلما وضع رجله في غرز الرّكاب وثبت به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «أرخ زمامها وابنوا على مدارها فإنها مأمورة» .
وروى الطبراني بسند رجاله ثقات عن الشّموس- بفتح الشين المعجمة- بنت النعمان رضي الله عنها قالت: «نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم ونزل وأسّس هذا المسجد: مسجد قباء، فرأيته يأخذ الحجر أو الصّخرة حتى يهصره الحجر، وأنظر إلى بياض التراب على بطنه أو سرّته فيأتي الرجل من أصحابه ويقول: يا رسول الله بأبي أنت وأمي اعطني أكفك، فيقول: «لا خذ مثله» ، حتى أسّسه، ويقول: «إن جبريل عليه السلام هو يؤمّ الكعبة» قالت: فكان يقال: إنه أقوم مسجد قبلة. قال السيد: «قد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يستقبل بيت المقدس حتى نسخ ذلك وجاء نقباؤهم في صلاة الصبح فأخبرهم وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة، فيحتمل إن جبريل عليه السلام كان يؤمّ [به] البيت ليستدلّ به على جهة بيت المقدس لتقابل الجهتين ويعلمه بما يؤول إليه الأمر من استقبال الكعبة. أو أنه صلى الله عليه وسلم كان مخيّرا في ابتداء الهجرة في التّوجّه إلى بيت المقدس أو إلى الكعبة، كما قاله الربيع، فأم به جبريل البيت لذلك، واختياره الصلاة لبيت المقدس أولا لاستمالة اليهود أو أن استقبال الكعبة كان مشروعا في ذلك الوقت ثم نسخ ببيت المقدس ثم نسخ بالكعبة كما قاله القاضي أبو بكر بن العربي وغيره من أن القبلة نسخت مرتين، أو أن ذلك تأسيس آخر غير التأسيس الأول. ويدل علي هذا ما قدمناه من رواية ابن شبّة» .
وروى ابن شبّة أيضا إن عبد الله بن رواحة كان يقول وهو يبنون في مسجد قباء: «أفلح من يعمر المساجدا» ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المساجدا» ، فقال عبد الله: «ويقرأ القرآن قائما وقاعدا» ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وقاعدا» فقال عبد الله: «ولا يبيت اللّيل عنه راقدا» ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «راقدا» .
تنبيهات
الأول: اختلف في قدر إقامته في بني عمرو بن عوف، ففي الصحيح عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أنه صلى الله عليه وسلّم لبث فيهم بضع عشرة ليلة. وفيه عن أنس أنه أقام فيهم أربع عشرة ليلة، وقدمه في الإشارة، وقيل: خمس ليال قاله ابن إسحاق. وقال ابن حبان: أقام بها الثلاثاء والأربعاء والخميس، يعني وخرج يوم الجمعة فلم يعتدّ بيوم الخروج. وقال ابن عباس وابن عقبة: ثلاث ليل، فكأنهما لم يعتدّا بيومي الخروج ولا الدخول. وعن قوم من بني عمرو بن عوف أنه أقام فيهم اثنين وعشرين يوما.
الثاني: المعتمد أنه صلى الله عليه وسلم دخل قباء يوم الاثنين كما في الصحيح، قال ابن عقبة: لهلال ربيع الأول أي أول يوم منه، وفي رواية جرير بن حازم عن ابن إسحاق قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، وفي رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق: قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وعند أبي سعيد في شرف المصطفى من طريق أبي بكر بن حزم قال: قدم المدينة لثلاث عشرة من ربيع الأول، وهذا يجمع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال.
الثالث: قال الحافظ: الأكثر أنه قدم نهارا، ووقع في رواية مسلم ليلا ويجمع بأن القدوم كان آخر الليل فدخل نهارا.
الرابع: في بيان غريب ما سبق: «توكّفوا» : انتظروا.
«الظهيرة» : بفتح الظاء المعجمة وكسر الهاء بعدها مثناة تحتية: وهي نصف النهار.
«أوفى» : طلع إلى مكان عال.
الأطم» [ (١) ] : بضم أوله وثانيه وهو الحصن، ويقال: بناء من حجارة كالقصر.
«مبيّضين» : أي عليهم الثياب البيض التي كساهم إياها الزّبير أو طلحة.
«يزول بهم» : أي يرفعهم ويظهرهم.
«السّراب» : الذي يكون نصف النهار لاطئا بالأرض كأنه ماء.
«قيلة» : بفتح القاف وسكون التحتية: الجدّة الكبرى للأنصار.
«جدّكم» : بفتح الجيم: أي حظّكم وصاحب دولتكم الذي تتوقّعونه.
«طفق» : بكسر الفاء وفتحها: أي جعل.
«انحاز» ، بالحاء المهملة والزاي: مال.
«جوف اللّيل» : وسطه.
«استربت شأنه» : أي شككت فيه.
«يأثر ذلك» : أي يحدّث به.
«يهصره» [ (١) ] : يميله.
«يؤمّ» : بفتح المثناة التحتية بعدها همزة مضمومة: أي يقصد.
«الغرز» : بغين معجمة مفتوحة فراء ساكنة فزاي: أي ركاب الإبل.
الباب السادس في قدومه صلى الله عليه وسلم باطن المدينة وما آلت إليه وفرح أهل المدينة برسول الله صلى الله عليه وسلم
روى الإمام أحمد والشيخان عن أبي بكر، وسعيد بن منصور عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم والبيهقي عن موسى بن عقبة، وابن إسحاق عن عويم بن ساعدة، ويحيى بن الحسن عن عمارة بن خزيمة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يدخل المدينة أرسل إلى بني النّجّار، وكانوا أخواله لأن أم عبد المطلب منهم كما تقدم في باب النّسب. فجاؤوا متقلدين السيوف، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه: «اركبوا آمنين مطاعين» . وكان اليوم يوم الجمعة فلما ارتفع النهار دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم براحلته وحشد المسلمون ولبسوا السلاح، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته القصواء والناس معه عن يمينه وعن شماله وخلفه منهم الماشي والراكب فاجتمعت بنو عمرو بن عوف فقالوا: يا رسول الله أخرجت ملالا لنا أم تريد دارا خيرا من دارنا؟ قال: «إني أمرت بقرية تأكل القرى فخلّوها- أي ناقته- فإنها مأمورة» ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قباء يريد المدينة فتلقّاه الناس فخرجوا في الطرق وعلى الأباعر وصار الخدم والصبيان يقولون: «الله أكبر، جاءنا رسول الله جاء محمد» قال أنس فيما رواه البيهقي: «إني لأسعى مع الغلمان إذ قالوا: محمد جاء فننطلق فلا نرى شيئا، حتى أقبل وصاحبه أبو بكر فكمنا في بعض جدر المدينة وبعثا رجلا من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار، حتى انتهوا إليهما فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيّهم هو؟ أيّهم هو؟
فما رأينا منظرا شبيها به يومئذ.
روى الإمام أحمد وأبو داود عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم المدينة لعبت الحبشة بحرابها فرحا بقدومه» . وروى البيهقي ورزين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع وجب الشّكر علينا ... ما دعا لله داع [ (١) ]
زاد رزين: أيّها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع وروى البخاري عن البراء رضي الله عنه أنه قال: «ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى ابن ماجة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء» . وروى ابن أبي خيثمة رضي الله عنه قال: «شهدت يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم أر يوما أحسن منه ولا أضوأ» .
فلم يمرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار من دور الأنصار إلا قالوا: «هلمّ يا رسول الله إلى العزّ والمنعة والثروة» . فيقول لهم خيرا ويدعوا أو يقول: «إنها مأمورة خلّوا سبيلها» ، فمرّ ببني سالم فقام إليه عتبان- بكسر العين المهملة- ابن مالك، ونوفل بن عبد الله بن مالك بن العجلان، وهو آخذ بزمام راحلته، فقال: «يا رسول الله انزل فينا فإن فينا العدد والعشيرة والحلقة، ونحن أصحاب الفضاء والحدائق والدّرك، يا رسول الله قد كان الرجل من العرب يدخل هذه البحرة خائفا فيلجأ إلينا فنقول له: «قوقل حيث شئت» . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسّم ويقول: «خلّوا سبيلها فإنها مأمورة» [ (١) ] ، فقام إليه عبادة بن الصامت، وعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان، فجعلا يقولان: «يا رسول الله انزل فينا» ، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بارك الله عليكم إنها مأمورة» .
فلما أتى مسجد بني سالم وهو المسجد الذي في الوادي: وادي رانوناء، أدركته الجمعة هناك فصلّاها فيه وكانت أول جمعة صلاها في المدينة، وقيل أنه كان يصلي الجمعة بمسجد قباء، وعند ابن سعد أنه صلى معه الجمعة مائة نفس، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمين الطريق [حتى جاء بنو الحبلى] ، فأراد أن ينزل على عبد الله بن أبيّ [بن سلول] ، وهو يومئذ سيّد الخزرج في أنفسها فقال: اذهب إلى الذين دعوك فانزل عليهم. فقال سعد بن عبادة: «لا تجد يا رسول الله في نفسك من قوله، فقد قدمت علينا والخزرج تريد أن تملّكه عليها، فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك ولكن هذه داري، ذكره موسى بن عقبة ورزين. قال السيد: «الذي في الصحيح ذكر سعد بن عبادة لذلك في قصة عيادته صلّى الله عليه وسلم له من مرض بعد سكناه بالمدينة» . قلت: ويحتمل أن سعدا قال ذلك مرّتين، والله أعلم.
فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني ساعدة فقال له سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وأبو دجانة: «هلمّ يا رسول الله إلى العزّ والثروة والقوة والجلد» ، وسعد يقول: «يا رسول الله ليس من قومي رجل أكثر عذقا ولا فم بئر مني مع الثروة والجلد والعدد فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ثابت خلّ سبيلها فإنها مأمورة» . فمضى واعترضه سعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، وبشير بن سعد، فقالوا: «يا رسول الله لا تجاوزنا فإنا أهل عدد وثروة وحلقة» ، قال: «بارك الله فيكم، خلّوا سبيلها فإنها مأمورة» ، واعترضه زياد بن لبيد، وفروة بن عمرو، من بني بياضة، فقالا: «يا رسول الله هلمّ إلى المواساة والعزّ والثروة والعدد والقوة، نحن أهل الدرك يا رسول الله» ، فقال رسول الله: «خلّوا سبيلها فإنها مأمورة» . وفي حديث البراء فقال: «إني أنزل على أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك» . ثم مرّ ببني عدي بن النجار وهم أخواله فقام أبو سليط وصرمة بن أبي أنس في قومهما فقالا: «يا رسول الله نحن أخوالك هلمّ إلى العدد والمنعة والقوة مع القرابة، لا تجاوزنا إلى غيرنا يا رسول الله، ليس أحد من قومنا أولى بك منا لقرابتنا بك» . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلّوا سبيلها فإنها مأمورة» .
فسار حتى إذا أتت دار بني عدي بن النّجّار قامت إليه وجوههم، ثم مضى حتى انتهى إلي باب المسجد، فبركت راحلته على باب مسجده صلّى الله عليه وسلم وذكر الأقشهري في روضته عن ابن نافع صاحب مالك في أثناء كلام نقله عن مالك أن «ناقته صلى الله عليه وسلم لما أتت موضع مسجده بركت وهو عليها وأخذه الذي كان يأخذه عند الوحي» . ثم وثبت فسارت غير بعيد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه ثم تلحلحت وأرزمت، ووضعت جرانها. وجعل جبّار بن صخر ينخسها رجاء أن تقوم فتنزل في دار بني سلمة فلم تفعل. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وقال: «هنا المنزل إن شاء الله» وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [المؤمنون ٢٩] وجاء أبو أيوب فكلّموه في النزول عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي بيوت أهلنا أقرب» ؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي وقد حططنا رحلك فيها. قال: «فانطلق فهيّئ لنا مقيلا» [ (١) ] ، فذهب فهيّأ لهما مقيلا. وروى الطبراني عن عبد الله بن الزبير أنه كان هناك عريش يرشّونه ويعمرونه ويبتردون فيه حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن راحلته فأوى إلى الظّلّ فنزل فيه فأتاه أبو أيوب الأنصاري فقال: يا رسول الله منزلي أقرب المنازل إليه فانقل رحلك. قال: «نعم» ، فذهب برحله إلى المنزل، فأتاه آخر فقال: يا رسول الله أنزل على، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء مع رحله حيث كان» ، فمضت مثلا فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزل أبي أيوب وقرّ قراره واطمأنّت داره ونزل معه زيد بن حارثة [ (٢) ] .
وذكر ابن سعد أن أسعد بن زرارة أخذ بزمام النّاقة فكانت عنده. وعند عائذ وسعيد بن منصور أن ناقته استناخت به أولا فجاءه ناس فقالوا: المنزل يا رسول الله، فقال: «دعوها» ، فانبعثت حتى استناخت عند موضع المنبر من المسجد ثم تلحلحت فنزل عنها فأتاه أبو أيوب فقال: منزلي أقرب المنازل فائذن لي أن أنقل رحلك. قال: «نعم» ، فنقل رحله وأناخ الناقة في منزله.
وروى الحاكم وأبو سعيد النيسابوري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل على أبي أيوب خرج جوار من بني النجار يضربن بالدفوف ويقلن: نحن جوار من بني النجار ... يا حبّذا محمّد من جار [ (١) ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتحببنني» ؟ قلن: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا والله أحبّكنّ» ، قالها ثلاثا. وذكر ابن إسحاق في المبتدأ وابن هشام في التيجان أن بيت أبي أيوب الذي نزل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة بناه تبّع الأول واسمه تبان- بضم المثناة الفوقية وتخفيف الموحّدة- أسعد، وكان معه أربعمائة حبر، فتعاقدوا على ألّا يخرجوا منها.
فسألهم تبّع عن سرّ ذلك، فقالوا: إنا نجد في كتبنا أن نبيّا اسمه محمد هذه دار هجرته، فنحن نقيم لعلنا نلقاه. فأراد تبّع الإقامة معهم، ثم بنى لكل واحد من أولئك دارا واشترى له جارية وزوّجها منه وأعطاه مالا جزيلا وكتب كتابا فيه إسلامه ومنه: شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النّسم فلو مدّ عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم [وجاهدت بالسّيف أعداءه ... وفرّجت عن صدره كلّ هم]
وختمه بالذهب ودفعه إلى كبيرهم وسأله أن يدفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن أدركه وإلا فمن أدركه من ولده أو ولد ولده، وبني للنبي صلى الله عليه وسلم دارا ينزلها إذا قدم المدينة، فتداول الدّار الملّاك إلى أن صارت لأبي أيوب، وهو من ولد ذلك العالم، وأهل المدينة الذين نصروه كلّهم من أولاد أولئك العلماء. ويقال إن الكتاب الذي فيه الشّعر كان عبد أبي أيوب حتى دفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو غريب. فما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في بيته.
وروى الترمذي وصحّحه، ويحيى بن الحسن العلوي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه فجئت لأنظر إليه، فلما تبيّنت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذّاب، فكان أول شيء سمعته يتكلم به أن قال: «أيها الناس أفشوا السّلام وأطعموا الطّعام وصلوا الأرحام، وصلّوا والنّاس نيام تدخلون الجنّة بسلام [ (٢) ] .
وروى ابن إسحاق ومسلم عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: «لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السّفل وأنا وأمّ أيوب في العلو: فقلت له: يا نبي الله، بأبي أنت وأمّي، إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فأظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السّفل، فقال: «إنّ أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت» . قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفله وكنّا فوقه في المسكن، فلقد انكسر حبّ لنا فيه ماء، فقمت أنا وأمّ أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشّف بها الماء [تخوّفا أن يقطر على رسول الله- صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذيه. وذكر أن أبا أيوب لم يزل يتضرّع إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى تحوّل رسول الله صلى الله عليه وسلم في العلو وأبو أيوب في السّفل. قال أبو أيوب: وكنّا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه، فإذا ردّ علينا فضله تيمّمت أنا وأمّ أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما، فردّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أر ليده فيه أثرا. قال: فجئته فزعا فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي رددت عشاءك، ولم أر فيه موضع يدك وكنت إذا رددته علينا تيمّمت أنا وأم أيوب موضع يدك نبتغي بذلك البركة. قال: «إني وجدت فيه ريح هذه الشّجرة وأنا رجل أناجي، فأما أنتم فكلوه» . قال: فأكلناه ولم نضع له تلك الشجرة بعد.
وفي كتاب أخبار المدينة ليحيى بن الحسن، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب لم يدخل منزل رسول الله هدية وأول هدية دخلت بها عليه قصعة مثرودة خبز برّ وسمنا ولبنا، فأضعها بين يديه، فقلت: «يا رسول الله أرسلت بهذه القصعة أمّي» ، فقال: «بارك الله فيها» ، ودعا أصحابه فأكلوا فلم أرم الباب حتى جاءته قصعة سعد بن عبادة، على رأس غلام مغطاة فأقف على باب أبي أيوب فأكشف غطاءها لأنظر فرأيت ثريدا عليه عراق [ (١) ] ، فدخل بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم» . قال زيد: «فلقد كنّا في بني مالك بن النّجّار ما من ليلة إلا على باب رسول الله صلى الله عليه وسلّم منا الثلاثة والأربعة يحملون الطعام ويتناوبون بينهم حتى تحوّل رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت أبي أيوب وكان مقامه فيه سبعه أشهر وما كانت تخطئه جفنة سعد بن عبادة وجفنة أسعد بن زرارة كل ليلة» . وفيه أنه قيل لأم أيوب: «أي الطعام كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكم عرفتم ذلك لمقامه عندكم؟ فقالت: ما رأيته أمر بطعام فصنع له بعينه، ولا رأيناه أتي بطعام فعابه. وقد أخبرني أبو أيوب أنه تعشّى عنده ليلة من قصعة أرسل بها سعد بن عبادة طفيشل. قال أبو أيوب. فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهل تلك القدر ما لم أره ينهل غيرها، فكنا نعملها له، وكنا نعمل له الهريس وكانت تعجبه. وكان يحضر عشاءه خمسة إلى ستة عشر كما يكون الطعام في الكثرة والقلّة» . قال ابن إسحاق: «وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه وسودة بنت زمعة زوجته وحمل زيد بن حارثة امرأته أمّ أيمن مع ابنها أسامة بن زيد، وخرج عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر فيهم عائشة وأختها أسماء زوج الزبير وأم رومان [أم عائشة] فلما قدموا المدينة أنزلوا في بيت حارثة بن النعمان. وذكر رزين أن أبا بكر أرسل عبد الله بن أريقط مع زيد ليأتيه بأهله. قال ابن إسحاق: «وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق بمكة منهم أحد إلا مفتون أو محبوس. ولما اطمأنت برسول الله صلى الله عليه وسلم داره، وأظهر الله بها دينه، وسرّه بما جمع إليه من المهاجرين والأنصار من أهل ولايته، قال أبو قيس صرمة بن أبي أنس، أخو بني عدي بن النّجّار، يذكر ما أكرمهم الله به من الإسلام وما خصّهم به من نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم: ثوى في قريش بضع عشرة حجّة ... يذكّر لو يلقى صديقا مواتيا ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا فلمّا أتانا أظهر الله دينه ... فأصبح مسرورا بطيبة راضيا وألفى صديقا واطمأنّت به النّوى ... وكان لنا عونا من الله باديا يقصّ لنا ما قال نوح لقومه ... وما قال موسى إذ أجاب المناديا فأصبح لا يخشى من النّاس واحدا ... قريبا ولا يخشى من النّاس نائيا بذلنا له الأموال من جلّ مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتّآسيا ونعلم إن الله لا شيء غيره ... ونعلم أنّ الله أفضل هاديا نعادي الّذي عادى من النّاس كلّهم ... جميعا وإن كان الحبيب المصافيا أقول إذا أدعوك في كلّ بيعة ... تباركت قد أكثرت لاسمك داعيا أقول إذا جاوزت أرضا مخوفة ... حنانيك لا تظهر عليّ الأعاديا فطأ معرضا إنّ الحتوف كثيرة ... وإنّك لا تبقي لنفسك باقيا فوالله ما يدري الفتى كيف يتّقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا ولا تحفل النّخل المعيمة ربّها ... إذا أصبحت ريّا وأصبح ثاويا [ (١) ]
تنبيه: في بيان غريب ما سبق
«حشد» المسلمون بالدال المهملة: اجتمعوا.
«متقلّدين» السيوف: جعلوا سيورها في أعناقهم إلى جنبهم الأيسر، عادة العرب الآن لا كفعل الأتراك وغيرهم بجعلها في أوساطهم.
«ملالا» : سآمة.
«الدّار» : هنا القبيلة وكل قبيلة اجتمعت في محلّة سمّيت تلك المحلّة دارا، وسمّي ساكنوها بها مجازا، أي أهل الدّار.
«تأكل القرى» : يأتي بيانه في بيان أسماء المدينة.
«كمنّا» [ (١) ] : بفتح الكاف وكسر الميم بعدها نون مشدّدة، أي استترنا.
«زهاء» : بضم الزاي وبالمدّ: أي قدر.
«العواتق» : جمع عاتق وهي الشابّة أول ما تدرك، وقيل: هي التي لم تبن من والدتها ولم تزوّج وقد أدركت وشبّت.
«الولائد» : جمع وليدة وهي الأنثى، والوليد الطفل جمعه ولدان.
«الثّنيّات» : جمع ثنيّة وثنيّة الوداع بفتح الواو. قال المجد اللغوي: «هي ثنية مشرفة على المدينة يطؤها من يريد مكة، وقيل: من يريد الشام واختلف في تسميتها بذلك فقيل لأنها موضع وداع المسافرين من المدينة إلى مكة، وقيل لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودّع بعض من خلّفه بالمدينة في آخر خرجاته، وقيل: في بعض سراياه المبعوثة عنه، وقيل: الوداع اسم واد بمكة، والصحيح أنه اسم جاهلي قديم سمّي به لتوديع المسافرين، هكذا قال أهل السير والتاريخ وأصحاب المسالك إنها من جهة مكة، وأهل المدينة [اليوم] يظنونها من جهة الشام، وكأنهم اعتمدوا قول ابن قيّم الجوزية في هديه، [فإنه قال] : «من جهة الشام ثنيّات الوداع ولا يطؤها القادم من مكة البتة» . ووجه الجمع أن كلتا الثّنيّتين تسمّى بثنية الوداع» . انتهى كلام المجد. قلت: وقال ياقوت [ (٢) ] في المشترك: «ثنية الوداع مشهورة قرب المدينة وسمّيت بذلك لأن الناس كانوا يودعون المسافرين إلى مكة عندها» . فاقتضى كلامه أنه يطؤها قاصد مكة، وتبعه على ذلك في التقريب وسبقهما إليه القاضي، وأيّد السّيّد كلام صاحب الهدي فقال: الروايات متظاهرة علي إن هذه الثّنيّة هي المعروفة بذلك، اليوم: شاميّ المدينة بين مسجد الرّاية الذي على ذباب ومشهد النفس الزكية، يمرّ فيها المارّ بين صدّين مرتفعين قرب سلع، ومن تأمّل كلام ابن شبّة في المنازل وغيرها لم يرتب في ذلك، ويوضحه ما رواه ابن إسحاق في غزوة الغابة قلت: وسيأتي سياقه فيها. ثم قال السّيّد: «وكونها شاميّ المدينة لا يمنع كون هذه الأبيات أنشدت عند الهجرة لأنه صلى الله عليه وسلم ركب ناقته وأرخى لها زمامها وقال: «دعوها فإنها مأمورة» ، ومرّ بدور الأنصار كما سبق حتى مرّ ببني ساعدة، ودارهم شاميّ المدينة قرب ثنيّة الوداع، فلم يدخل باطن المدينة إلا من تلك الناحية حتى أتى منزله بها. وقد عرج النبي صلى الله عليه وسلم في رجوعه من بدر إلى ثنيّة الوداع، كما ذكره ابن عقبة: [أنه صلى الله عليه وسلم سلك حين خرج إلى بدر حتى ثقب بني دينار، ورجع حين رجع من ثنية الوداع] قلت: فتحصّل من كلامه أن ثنيّة الوداع ليست من جهة مكة وإنما هي شاميّ المدينة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى جهتها في دخوله باطن المدينة، ولا حجّة لمن قال إنها من جهة مكة إلا ما سبق من قول الولائد: «طلع البدر علينا من ثنيّات الوداع» ، وقد علمت ما فيه.
وروى البخاري عن السائب بن يزيد قال: «أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقّى النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع مقدمه من تبوك» . قال الحافظ في فتح الباري: «أنكر الداودي هذا، وتبعه ابن القيّم وقال: ثنيّة الوداع من جهة مكة لا من جهة تبوك بل هي في مقابلها كالمشرق من المغرب إلا أن يكون هناك ثنيّة أخرى في تلك الجهة» . قال ابن حجر: «ولا يمنع كونها من جهة مكة أن يكون الخروج إلى الشام من جهتها. وهذا أوضح كما في دخول مكة من ثنية والخروج منها من أخرى، وينتهين كلهن إلى طريق واحدة» . قلت: وقد راجعت الهدي في غزوة تبوك فرأيته ذكر أن ثنية الوداع شاميّ المدينة كما نقله عنه صاحب القاموس والسّيّد لا كما نقله عنه الحافظ ولم يذكر في الهدي في الكلام على الهجرة شيئاً من ذلك.
«أضوأ» : أنور.
«المنعة» : بفتح النون يقال: فلان في منعة أي في عزّ من قومه فلا يقدر عليه من يريده.
«الثروة» : بفتح الثاء المثلثة: كثرة المال.
«البحيرة» : يأتي الكلام عليها في باب أسماء المدينة.
«قوقل» : بقاف مفتوحة فواو ساكنة فقاف مكسورة: أي سر حيث شئت فإنك آمن.
«رانوناء» : [وهو واد في المدينة صلى فيه النبي الجمعة] .
«على فترة من الرّسل» : أي على انقطاع بعثهم ودروس أعلام دينهم.
«ولو بشق تمرة» : بكسر الشين المعجمة: أي نصف تمرة، يريد: لا يستقلون [ (١) ] من الصّدقة شيئا.
«مزاحم» : بضم الميم فزاي وكسر الحاء المهملة: أطم كان بين ظهراني بني الحبلى.
«بنو الحبلى» . الحبلى لقب سالم بن غنم بن عوف لقّب به لعظم بطنه ومن ولده بنو الحبلى بطن من الأنصار.
«محتبيا» : أي جمع ظهره وساقيه بثوب أو غيره، وقد يحتبي بيده والاسم الحبوة بالكسر.
«شرق لذلك» : بشين معجمة مفتوحة فراء فقاف، أي ضاق صدره كمن غصّ.
«تجلجلت» بجيمين: تحركّت.
«الأقشهري» : هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أمين الأقشهري عمل كتابا سماه الروضة فيه أسماء من دفن بالبقيع.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،