إعلان دستور المدينة (المعاهدة)
لقد نظم النبي صلى الله عليه وسلم العلاقات بين سكان المدينة، وكتب في ذلك كتاباً أوردته المصادر التاريخية، واستهدف هذا الكتاب أو الصحيفة توضيح التزامات جميع الأطراف داخل المدينة، وتحديد الحقوق والواجبات، وقد سميت في المصادر القديمة بالكتاب والصحيفة، وأطلقت الأبحاث الحديثة عليها لفظة الدستور والوثيقة.
طرق ورود الوثيقة (الصحيفة)
وقد اعتمد الباحثون المعاصرون على الوثيقة في دراسة تنظيمات الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة ١ ولكن من الضروري جداً التأكد أولاً من مدى صحة الوثيقة قبل أن تبني عليها الدراسات، خاصة أن أحد الباحثين يرى أن الوثيقة موضوعة ٢ .
- ١كتب في الوثيقة كل من الدكتور صالح أحمد العلي في بحثه "تنظيمات الرسول الإدارية في المدينة" والدكتور عبد العزيز الدوري في كتابة النظم الإسلامية. و. Sarjeant The Constitutin of Medina. In, Islamic QuarQuraterly. VIII/١٢. وآخرون ذكرهم الأستاذ محمد حميد الله في كتابه مجموعة الوثائق السياسية ص ٣٩ - ٤١.
- ٢ذهب إلى ذلك الأستاذ يوسف العش في إحدى حواشيه على كتاب الدولة العربية وسقوطها لفلهوزن ترجة العش (انظر منه ص ٢٠ حاشية رقم ٩).
ونظراً لأهمية الوثيقة التشريعية إلى جانب أهميتها التأريخية، فلابد من تحكيم مقاييس أهل الحديث فيها لبيان درجة قوتها أو ضعفها، وما ينبغي أن يتساهل فيها كما يفعل مع الروايات والأخبار التأريخية الأخرى إن أقدم من أورد نص الوثيقة كاملاً هو محمد بن إسحق (ت ١٥١ هـ) لكنه أوردها دون إسناد ١ . وقد صرح بنقلها عنه كل من ابن سيد الناس ٢ وابن كثير ٣ فوردت عندهما دون إسناد أيضاً، وقد ذكر البيهقي ٤ إسناد ابن إسحق للوثيقة التي تحدد العلاقات بين المهاجرين والأنصار دون البنود التي تتعلق باليهود لذلك لا يمكن الجزم بأنه أخذها من نفس هذه الطريق أيضاً. وقد ذكر ابن سيد الناس أن ابن أبي خثيمة ٥ اورد الكتاب (الوثيقة) فأسنده بهذا الإسناد (حدثنا أحمد بن خباب أبو الوليد حدثنا عيسى بن يوسف حدثنا بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار فذكر بنحوه - أي بنحو الكتاب الذي أورده ابن إسحق) ٦ . ولكن يبدو أن الوثيقة وردت في القسم المفقود من تاريخ ابن أبي خثيمة إذ لا وجود لها فيما وصل إلينا منه. كذلك وردت الوثيقة في كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام بإسناد آخر هو (حدثني يحيي بن عبد الله بن بكير وعبد الله بن صالح قالا حدثنا الليث بن سعد قال حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بهذا الكتاب ...) ٧ وسرده.
- ١ابن هشام: السيرة النبوية ١/ ٥٠١ - ٥٠٤.
- ٢ابن سيد الناس: عيون الأثر ١/ ١٩٧ - ١٩٨.
- ٣ابن كثير: البداية والنهاية ٣/ ٢٢٤ - ٢٢٦.
- ٤السنن الكبرى ٨/ ١٠٦ "كتاب الديات".
- ٥هو الحافظ الحجة الإمام أحمد بن أبي خثيمة زهير بن حرب النسائي المتوفى سنة ٢٧٩ هـ وقد وصل إلينا السفر الثالث من تأريخه (انظر أكرم العمري: بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص ٨٧ - ٩٠).
- ٦ابن سيد الناس: عيون الأثر ١/ ١٩٨.
- ٧أبو عبيد: الأموال ٥١٧.
كما وردت الوثيقة في كتاب الأموال لابن زنجويه من طريق الزهري أيضاً ١ .
- ١يرويها حميد بن زنجوية (ت٢٤٧ هـ) من طريق عبد الله بن صالح أيضاً بمثل إسناد أبي عبيد (انظر كتاب الأموال لابن زنجويه تحقيق د. شاكر ديب فياض رقم ٧٥٠).
هذه هى الطرق التي وردت منها الوثيقة بنصها الكامل، والتطابق كبير بين سائر الروايات سوى بعض التقديم والتأخير في العبارات أو اختلاف بعض المفردات أو زيادة بنود قليلة، ولا يؤثر هذا الاختلاف على مضمونها العام.
مدى صحة الوثيقة
اعتمد عدد من الباحثين المعاصرين على الوثيقة فبنوا عليها دراساتهم، في حين ذهب الأستاذ يوسف العش إلى أن الوثيقة موضوعة فهو يقول: "إنها لم ترد في كتب الفقه والحديث الصحيح رغم أهميتها التشريعية، بل رواها ابن إسحق بدون إسناد، ونقلها عنه ابن سيد الناس، وأضاف أن كثير بن عبد الله بن عمرو المزني روى هذا الكتاب عن أبيه عن جده، وقد ذكر ابن حبان البستي: أن كثير المزني روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يخل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنها إلا على جهة التعجب" ١ . ويرى العش أن ابن إسحق اعتمد على رواية كثير لكنه تعمد حذف الإسناد ٢ .
- ١انظر عبارة ابن حبان في تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني ٨/ ٤٢٢.
- ٢يوسف العش: حاشية رقم (٩) ص ٢٠ من كتاب الدولة العربية وسقوطها ترجمة العش.
لقد ذهب الأستاذ العش إلى ذلك لأنه تصور أن الوثيقة لم يروها غير ابن إسحق ولم يعثر على إسناد لها سوى ما ذكره ابن سيد الناس من رواية ابن أبي خيثمة لها من طريق كثير المزني. لكن أبا عبيد القاسم بن سلام أورد الوثيقة من طريق الزهري وهى طريق مستقلة لا صلة لها بكثير المزني. ونظراً لكون ابن إسحق من أبرز تلاميذ الزهري، فإن ثمة احتمالا لأن يكون ذد أورد الوثيقة من طريقه، لولا أن البيهقي ذكر إسناد ابن إسحق للوثيقة التي تحدد العلاقات بين المهاجرين والأنصار دون أن تتناول البنود المتعلقة بيهود ولا يمكن الجزم بأن ابن إسحق أخذ البنود المتعلقة بيهود من هذه الطريق أم من طريق أخرى. فقال البيهقي: "أخبرني أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد ابن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحق قال حدثني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس بن شريق قال: أخذت من آل عمر بن الخطاب هذا الكتاب كان مقروناً بكتابة الصدقة" والحديث بهذا الإسناذ ضعيف لأن عثمان تحملها وجادة وفي الإسناد فيهم ضعف مثل عثمان فهو صدوق له أوهام ويونس بن بكير يخطيء. والعطار ضعيف وتحمله للسيرة صحيح. فالرواية على ضعفها صالحة للإعتبار وقد توبعت، وإن هذا النص يهدم الأساس الذي بنى عليه الأستاذ العش رأيه. كما أنه لا يمكن الحكم على الوثيقة بأنها مضوعة لأن كتب الحديث لم ترو نصها كاملاً!! فقد أوردت كتب الحديث مقتطفات كثيرة منها تغطي عدداً من بنودها كما سيرد خلال البحث.
وبذلك يتبين أن الحكم بوضع الوثيقة مجازفة، ولكن الوثيقة لا ترقى بمجموعها إلى مرتبة الأحاديث الصحيحة، فابن إسحق في سيرته رواها دون إسناد مما يجعل روايته ضعيفة وأوردها البيهقي من طريق ابن إسحق أيضاً بإسناد فيه سعد بن المنذر -وهو مقبول فقط-، وابن أبي خيثمة أوردها من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو المزني - وهو يروي الموضوعات - وأبو عبيد القاسم بن سلام رواها بإسناد منقطع يقف عند الزهري - وهو من صغار التابعين فلا يحتج بمراسيله -.
ولكن نصوصاً من الوثيقة ورت في كتب الأحاديث بأسانيد متصلة، وبعضها أوردها البخاري ومسلم، فهذه النصوص هى أحاديث صحيحة، وقد احتج بها الفقهاء وبنوا عليها أحكامهم. كما أن بعضها ورد في مسند أحمد وسنن أبي داوود وابن ماجة والترمذي. وهذه النصوص جاءت من طرق مستقلة عن الطرق التي وردت منها الوثيقة، وإذا كانت الوثيقة بمجموعها لا تصلح للإحتجاج بها في أحكام الشريعة سوى ما ورد منها في كتب الحديث الصحيحة - فإها تصلح أساساً للدراسة التاريخية التي لا تتطلب درجة الصحة التي تقتضيها الأحكام الشرعية خاصة أن الوثيقة وردت من طرق عديدة تتضافر في إكسابها القوة، كما أن الزهري علم كبير من الرواد الأوائل في كتابة السيرة النبوية. ثم إن أهم كتب السيرة ومصادر التاريخ ذكرت موادعة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود وكتابته بينه وبينهم كتاباً ١ . كما ذكرت كتابته كتاباً بين المهاجرين والأنصار أيضاً.
- ١البلاذري: أنساب الأشراف ١ - ٢٨٦، ٣٠٨، والطبري: تاريخ ٢ - ٤٧٩، والمقدسي: كتاب البدء والتاريخ ٤ - ١٧٩، وابن حزم: جوامع السيرة ص ٩٥، والمقريزي: إمتاع الأسماع ١ - ٤٩، وابن كثير: البداية والنهاية ٤ - ١٠٣ - ١٠٤ نقلاً عن موسى بن عقبة وفيه أن بني قريظة مزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد، والأثر موقوف عليه بدون إسناد، ولكن مجموع الآثار تتقوى ببعضها وتصل إلى درجة الحسن لغيره.
كذلك فإن أسلوب الوثيقة ينم عن أصالتها "فنصوصها مكونة من جمل قصيرة بسيطة وغير معقدة التركيب، ويكثر فيها التكرار، وتستعمل كلمات وتعابير كانت مألوفة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قل استعمالها فيما بعد حتى أصبحت مغلقة على غير المتعمقين في دراسة تلك الفترة. وليس في هذه الوثيقة نصوص تمدح أو تقدح فرداً أو جماعة، أو تخص أحداً بالإطارء أو الذم لذلك يمكن القول بأنها وثيقة أصلية وغير مزورة" ١ . ثم إن التشابه الكبير بين أسلوب الوثيقة وأساليب كتب النبي صلى الله عليه وسلم الأخرى يعطيها توثيقاً آخر ٢ .
- ١صالح العلي: تنظيمات الرسول الإدارية في المدينة ص ٤ - ٥.
- ٢يراجع للمقارنة كتاب "مجموعة الوثائق السياسية".
تاريخ كتابة الوثيقة
الراجح أن الوثيقة في الأصل وثيقتان ثم جمع المؤرخون بينهما، إحداهما تتناول موادعة الرسول صلى الله عليه وسلم لليهود والثانية توضح إلتزامات المسلمين من مهاجرين وأنصار وحقوقهم وواجباتهم.
ويترجح عندي أن وثيقة مواعدة اليهود كتبت قبل موقعة بدر الكبرى ١ أما الوثيقة بين المهاجرين والأنصار فكتبت بعد بدر، فقد صرحت المصادر بأن موادعة اليهود تمت أول قدوم للرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فقال أبو عبيد القاسم بن سلام إن الوثيقة "كتبت حدثان مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قبل أن يظهر الإسلام ويقوي وقبل أن يؤمر بأخذ الجزية من أهل الكتاب" ٢ . وإنما ظهر الإسلام وقوى بعد معركة بدر الكبرى ويقول البلاذري: "قالوا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قدومه المدينة وادع يهودها وكتب بينه وبينهم كتاباً، واشترط عليهم أن لا يمالئوا عدوه وأن ينصروه على من دهمه، وأن لا يقاتل أهل الذمة، فلم يحارب أحداً ولم يهجه، ولم يبعث سرية حتى أنزل الله عز وجل عليه (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) فكان أول لواء عقده لواء حمزة بن عبد المطلب ٣ .
- ١ذهب الدكتور صالح العلي إلى أنها كتبت بعد بدر أيضاً (تنظيمات الرسول الإدارية في المدينة ص ٦).
- ٢الأموال رقم ٥١٨.
- ٣البلاذري: أنساب الأشراف ١/ ٢٦٨.
وبذلك يوضح البلاذري أن وثيقة موادعة اليهود كتبت قبل إرسال السرايا الأولى، ومن المعلوم أن سرية حمزة كانت في رمضان سنة ١ هـ أي قبل غزوة بدر بسنة وأيام ١ . ويقول البلاذري في موضع آخر وهو يتحدث عن غزوة بن قينقاع "وكان سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وادعته يهود كلها وكتب بينه وبينها كتاباً، فلما أصاب صلى الله عليه وسلم أصحاب بدر وقدم المدينة غانماً موفوراً بغت وقطعت العهد " ٢ .وهكذا جزم البلاذري بأن موادعة اليهود كانت قبل بدر.
- ١انظر الطبري: تاريخ ٢/ ٤٠٢ نقلاً عن الواقدي وأما ابن إسحق فيرى أن سرية عبيدة بن الحارث أسبق من سرية حمزة ويوضح تقارب وقت إرسالهما وأنه في ربيع الأول سنة اثنتين بعد الهجرة فيكونا قد اتفقا على خروج السرايا الأولى قبل بدر وهو المهم في هذا البحث. (انظر ابن هشام: السيرة النبوية ١/ ٥٩٥).
- ٢البلاذري: أنساب الأشراف ١/ ٣٠٨.
ويقول الطبري: "ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة منصرفة من بدر، وكان قد وادع حين قدم المدينة يهودها، على أن لا يعينوا عليه أحداً وأنه إن دهمه بها عدو نصروه، فلما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل ببدر من مشركي قريش أظهروا له الحسد والبغي ... وأظهروا نقض العهد " ١ وهكذا يؤيد نص الطبري أن وثيقة موادعة اليهود كانت عند قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة قبل غزوة بدر.
- ١الطبري: تاريخ الرسل والملوك ٢/ ٤٧٩.
وأما ما ورد في سنن أبي داود ١ وهو قوله - بعد ذكر مقتل كعب بن الأشراف وشكوى يهود والمشركين ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم (ودعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يكتب بينه وبينهم كتاباً ينتهون إلى ما فيه فكتب النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة) ومن المعلوم أن قتل كعب بن الأشراف جرى بعد بدر الكبرى فإنه يلزمنا التوفيق بينها وبين الروايات التاريخية فإنها أقوى حسب شروط المحدثين من روايات المؤرخين التي سقتها ولكن مادام بإمكاننا التوفيق فلا داعي لإسقاط سائر الروايات التاريخية إذ لا مانع بعد مقتل كعب أن تُعاد كتابة الصحيفة تأكيداً أو تجديداً لتعود الطمأنينة إلى النفوس بعد هذه الحادثة التي أرعبت يهود والمشركين.
- ١أبو داوود: سنن ٣/ ٤٠٢.
وقد خرَّج البيهقي هذه الرواية من غير طريق أبي داود وفيها زيادة هي: "كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت العذق الذي في دار بنت الحارث فكانت تلك الصحيفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند علي بن أبي طالب" ١ .
- ١البيهقي: سنن ٩/ ١٨٣.
أما الوثيقة بين المهاجرين والأنصار فقد كتبت بعد وثيقة موادعة اليهود في السنة الثانية من الهجرة. فقد ذكر الطبري في حوادث سنة ٢ هـ (وقيل إن في هذه السنة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعاقل. فكان معلقاً بسيفه) ١ واسم سيفه هذا ذو الفقار وكان قد غنمه في غزوة بدر ٢ .
- ١الطبري: تاريخ ٢/ ٤٨٦. وانظر المقريزي: إمتاع الأسماع ١/ ١٠٧.
- ٢أحمد: المسند ١/ ٢٧١. وابن سعد الطبقات ج٢ قسم ١/ ١٧. والطبري ٢/ ٤٧٨. والذهبي: تاريخ الإسلام: ١/ ٢٩٠.
وهذه المعاقل التي كانت معلقة بالسيف هى نصوص من الوثيقة بين المهاجرين والأنصار كما تدل رواية ابن سعد: "أخبرنا عبد الله بن موسى أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال: قرأت في جفن سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذي الفقار: العقل على المؤمنين ولا يترك مفرح في الإسلام ولا يقتل مسلم بكافر) ١ . وقد احتفظ علي (رض) فيما بعد بالسيف وفيه الصحيفة وقد سئل علي (رض) عما في الصحيفة مرة من قبل أبي جحيفة ٢ وثانية من قبل الاشتر ٣ فذكر بعض ما فيها لسائليه إما بالمعنى أو نصاً كما أنه ذكر محتواها مجملاً في إحدى خطبه ٤ .
- ١ابن سعد: الطبقات ١/ ١٧٢.
- ٢البخاري: الصحيح ٩/ ١٤ والترمذي: صحيح ٦/ ١٨٢ وابن ماجه: السنن ٢/ ٨٨٧. وأحمد: المسند ١/ ٧٩.
- ٣أحمد: المسند ١/ ١١٩, ١٢٢.
- ٤البخاري: الصحيح ٢/ ٢٩٦.
ومن ذلك قوله: ما كتبنا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا القرآن وما في هذه الصحيفة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: المدينة حرام ما بين عائر إلى كذا فمن أحدث حدثاً وآوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه عدل ولا صرف، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل. ومن والى قوماً بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل" ١ . كما ذكر أن في الصحيفة أيضاً الجراحات وأسنان الإبل ٢ وأضاف مرة "ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" ٣ كما ذكر أن فيها العقل وفكاك الأسير أيضاً ٤ . وقد قرأ أصحاب علي (رض) في الصحيفة المذكورة أن إبراهيم حرم مكة وأني أحرم المدينة ما بين حرتيها وحماها كله لا يختلي خلالها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشار بها ولا تقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره، ولا يحمل فيها السلاح لقتال ٥ .
- ١البخاري: (الصحيح (ط ليدن) ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩ وانظر ٢/ ٢٩٦ منه أيضاً وأبو داود: السنن ٢/ ٤٨٨ وأحمد: المسند ١/ ١١٩، ١٢٢، ٣/ ٢٤٢.
- ٢البخاري: الصحيح ٢/ ٢٩٦ وابن ماجه: السنن ٢/ ٨٨٧.
- ٣أحمد: المسند: ١/ ١١٩ وأخرجه أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن لا يقتل مسلم بكافر (المسند ٢/ ١٧٨) وانظر عن طرق أخرى للحديث ابن ماجة: السنن ٢/ ٨٨٧ والبخاري: الصحيح ٩/ ١٤، ١٦ (ط مصطفى البابي الحلبي) وصحيح الترمذي شرح ابن العربي ٦/ ١٨٢.
- ٤البخاري: صحيح ٩/ ١٤ (ط مصطفى البابي الحلبي) وأحمد: المسند ١/ ٧٩. وانظر الشوكاني: نيل الأوطار ٧/ ١٠.
- ٥أحمد: المسند ١/ ١١٩. وانظر ٤/ ١٤١ منه. وفي صحيح مسلم بشرح النووي ٩/ ١٣٦ عن جابر قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها ... " وكان أهل المينة في صدر الدولة الأموية يحتفظون بكتاب من أديم خولي فيه ينص النبي صلى الله عليه وسلم على حرمة المدينة (أحمد: المسند ٤/ ١٤١ والخطيب البغدادي: تقييد العلم ص ٧٢).
ومن الواضح أن هذه المقتطفات معظمها يطابق -نصاً- ما ورد في الوثيقة، كما أنها تغطي معظم بنود الوثيقة المتعلقة بإلتزامات المسلمين من المهاجرين والأنصار تجاه بعضهم، ولكن ليس فيها إشارة إلى البنود المتعلقة بمواعة اليهود، مما يرجح أن الوثيقة في الأصل وثيقتان، وأن الصحيفة التي كانت معلقة بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صارت ند علي (رض) هى نفس الكتاب بين المهاجرين والأنصار.
ومن الجدير بالذكر أن ثمة نصوصاً تطابق ما في "الصحيفة بين المهاجرين والأنصار" لكنها منسوبة إلى كتب أخرى كتبها النبي صلى الله عليه وسلم. مثل رواية عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتاباً، وكان في كتابه "إن من اعتبط مؤمناً قتلا عن بينة فإنه قود، إلا أن يرضى أولياء المقتول" ١ وهذا الكتاب إنما أرسل متأخراً عن وقت كتابة الوثيقة.
- ١الشوكاني: نيل الأوطار ٧/ ٦١ وانظر مجموعة الوثائق السياسية ١٨٦ فهى توضح أن النص من كتابه صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم عامله على اليمن.
كما صرحت بعض الروايات بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: "لا يقتل مؤمن بكافر " ١ لكن هذه النصوص التي حددت أزمانها بوقت متأخر عن الوقت الذي كتبت فيه الوثيقة لا تصلح دليلاً على أن الوثيقة هي مجموعة من الكتب التي دونت في أوقات متباينة ثم دمجت في الوثيقة ٢ . إذ لا مانع من أن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعض بنود الوثيقة في كتبه اللاحقة، وينبغي الانتباه إلى عدم ورود نصوص متعلقة باليهود في الصحيفة التي تناولت المعاقل مما يرجح أن وثيقة موادعة اليهود مستقلة عن الوثيقة بين المهاجرين والأنصار التي تناولت المعاقل. ويؤيد ذلك أيضا حديث أنس بن مالك (رض) " حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك " ٣ ولم يذكر أنس وجود اليهود في هذا الحلف.
- ١الشوكاني: نيل الأوطار ٧/ ١٠.
- ٢ذهب إلى هذا الرأي sarjcant في مقالة The constitution of medina
- ٣ابن كثير: البداية والنهاية: ٣/ ٢٢٤ وقال قد رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود.
وحديث ابن عباس (رض) : "كتب رسول الله كتاباً بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم ويفدوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين الناس " ١ .
- ١ابن حزم: مسائل من الإيصال (مطبوع آخر كتابه المحلي) ١٢/ ٤٠٧.
وكذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم، وأن يفدوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين" ١ ولم يذكر اليهود فيه. ولعل مما يؤيد ذلك أن البيهقي ساق البنود المتعلقة بالمهاجرين والأنصار مبيناً سند ابن إسحاق وليس فيه إشارة ليهود وهي مطابقة لما أورده ابن هشام عن ابن إسحاق.
- ١أحمد: المسند ١/ ٣٧١ و ٢/ ٢٠٤ وعنه ابن كثير: البداية والنهاية ٣/ ٢٢٤.
وهكذا فإن الروايات التي ذكرتها تجرح أن الوثيقة في الأصل وثيقتان إحداهما تتعلق بموادعة اليهود كتبت قبل بدر أول قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة, والثانية تتعلق بحلف المهاجرين والأنصار وتحديد التزاماتهم وكتبت بعد بدر، لكن المؤرخين جمعوا بين الوثيقتين.
كتابه (صلى الله عليه وسلم) بين المهاجرين والأنصار واليهود بسم الله الرحمن الرحيم
نص الوثيقة
١ - هذا كتاب محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش (وأهل) يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم.
- *نقلتها من كتاب مجموعة الوثائق السياسية لأنه قارن بين سائر الروايات وأثبت الاختلافات في الحاشية انظر منه ص ٤١ - ٤٧.
٢ - إنهم أمة واحدة من دون الناس ٣ - المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٤ - وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى, وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بني المؤمنين.
٥ - وبنو الحارث (بن الخزرج) على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف.
٦ - وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٧ - وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٨ - وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٩ - وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١٠ - بنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١١ - وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١٢ - وإن المؤمنين لا يتركون مفرحاً بينهم أن يعطوه بالمعروف من فداء أو عقل (١٢ب) وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
١٣ - وإن المؤمنين المتقين (أيديهم) على (كل) من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثماً أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم.
١٤ - ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن.
١٥ - وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.