السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

غزوة أحد

التاريخشوال ٣
عمره ﷺ٥٥
الموضعأحد
ما نزل فيهآل عمران ١٢١

شوال ٣، وعمره ﷺ ٥٥

تقرأ في محمد بن طاهر البرزنجي، ٣٣ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: إشراف محمد صبحي حسن حلاق، دار ابن كثير، دمشق وبيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ
٢/١٢٧٢/١٢٧

١١٦ - قال أبو جعفر: وكان الَّذي هاج غزوة أحُد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومشركي قريش وقْعة بدر وقتل مَنْ قُتل ببدْر من أشراف قريش ورؤسائهم؛ فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزُّهريّ، ومحمد بن يحيى بن حَبَّان، وعاصم بن عمر بن قَتادة، والحُصَين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مُعاذ وغيرُهم من علمائنا؛ كلّهم قد حدّث ببعض هذا الحديث عن يوم أحُد، وقد اجتمع حديثهم كلّهم فيما سُقْتُ من الحديث عن يوم أحُد، قالوا: لما أصيبتْ قريش -أو من قاله منهم- يوم بدر من كفار قريش من أصحاب القَلِيب، فرجع فَلُّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بعِيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعِكْرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أميَّة، في رجال من قريش ممّن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر؛ فكلَّموا أبا سفيان بن حرب ومَنْ كانت له في تلك العِير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشرَ قريش، إنّ محمَّدًا قد وَتَرَكم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حَرْبه، لعلَّنا أن ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منَّا، ففعلوا، فاجتمعت قريش لحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العِير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كِنانة وأهل تهامة؛ وكلّ أولئك قد استَعووْا على حرب رسول الله.

٢/١٢٨٢/١٢٨

وكان أبو عَزَّة عمرو بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - قد منّ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر.

وكان فقيرًا ذا بنات، وكان في الأسارى، فقال: يا رسولَ الله، إني فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها، فامنن عليّ صلَّى الله عليك! فمنّ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال صَفوان بن أميَّة: يا أبا عزّة، إنك امرؤٌ شاعرٌ، فأعنَّا بلسانك، فاخرج معنا. فقال: إنّ محمدًا قد منَّ عليَّ فلا أريد أن أظاهِرَ عليه، فقال: بلَى فأعنَّا بنفسك، فلك الله إن رجعتَ أن أغنيَك، وإن أصِبْتَ أن أجعل بناتِك مع بناتي يصيبهنّ ما أصابهنّ من عسر ويسر. فخرج أبو عزّة يسير في تهامة، ويدعو بني كنانة. وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حُذافة بن جُمح؛ إلى بني مالك بن كنانة يحرّضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودعا جبير بن مُطْعِم غُلامًا له يقال له وحشيّ، كان حبشيًّا يقذف بحربة له قَذْف الحَبشة، قلَّما يُخْطئ بها، فقال له: اخرج مع النَّاس، فإن أنت قتلت عمّ محمد بعمي طُعَيمة بن عديٍّ فأنت عَتيقٌ.

فخرجت قريش بحدّها وجَدّها وأحابيشها، ومَن معها من بني كِنانة وأهل تِهامة، وخرجوا معهم بالظُّعُن التماس الحفيظة؛ ولئلّا يفرّوا. فخرج أبو سفيان بن حرب -هو قائد النَّاس، معه هند بنت عُتبة بن ربيعة- وخرج عِكْرمة بن أبي جهل بن هشام بن المغيرة بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج صفوان بن أميَّة بن خلف بِبرْزَةَ - قال أبو جعفر: وقيل ببرَّة - بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثَّقفيّة؛ وهي أمَّ عبد الله بن صفوان - وخرج عمرو بن العاص بن وائل بريطة بنت منبّه بن الحجَّاج، وهي أمّ عبد الله بن عمرو بن العاص، وخرج طلحة بن أبي طلحة، وأبو طلحة عبد الله بن عبد العزَّى بن عثمان بن عبد الدّار بسُلافة بنت سعد بن شهيد - وهي أمّ بني طلحة مُسافع والجُلاس وكلاب؛ قتلوا يومئذ وأبوهم - وخرجت خناس بنت مالك بن المضرَّب إحدى نساء بني مالك بن حِسْل، مع ابنها أبي عزيز بن عمير؛ وهي أمّ مُصْعَب بن عمير، وخرجت عَمْرة بنت علقمة إحدى نساء بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة؛ وكانت هند بنت عُتْبة بن ربيعة كُلَّمَا مَرَّتْ بوحشيّ أو مَرَّ بها قالت: إيه أبا دَسْمَة! اشْف واشْتَف - وكان وحشيّ يكنى أبا دَسْمة - فأقبلوا حتى نزلوا بعَينين بجبل ببطن السَّبْخَة؛ من قناة على شفير الوادي ممَّا يلِي المدينة.

٢/١٢٩٢/١٢٩

فلمَّا سمع بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين: إني قد رأيت بقرًا فأوّلتها خيرًا، ورأيت في ذُباب سيفي ثَلْمًا، ورأيت أنِّي أدخلت يدي في درع حَصِينَة فأوّلتها المدينة؛ فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا؛ فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام؛ وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها. ونزلت قريش منزلَها من أُحُد يوم الأربعاء. فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة. وراح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين صلَّى الجمعة، فأصبح بالشِّعب من أحُد. فالتقوْا يومَ السّبت للنّصف من شوّال، وكان رأي عبد الله بن أبيّ بن سَلول مع رأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يرى رأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك: ألّا يخرج إليهم؛ وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكره الخروجَ من المدينة، فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحُد وغيرهم ممَّن كان فاته بدر وحضوره: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يروْن أنَّا جَبُنَّا عنهم وضَعُفْنا، فقال عبدُ الله بن أبي ابن سَلُول: يا رسولَ الله، أقمْ بالمدينة ولا تخرجْ إليهمْ؛ فوالله ما خرجنا منها إلى عَدوٍّ لنا قطّ إلّا أصاب منَّا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فَدعْهم يا رسولَ الله؛ فإن أقاموا أقاموا بشرّ مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم. ورماهم النِّساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا. فلم يزل الناس برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين كان من أمرهم حُبُّ لقاء القوم؛ حتى دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلبِس لأمته؛ وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له مالك بن عمرو، أحد بني النَّجار، فصلَّى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ثم خرج عليهم وقد ندم الناس، وقالوا: استكرَهْنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن ذلك لنا.

رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: قال: قالوا: لما خرج عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: يا رسولَ الله؛ استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإنْ شئت فاقعُد صلى الله عليك! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمَتَه أن يضَعها حتى يقاتل؛ فخرج رسول الله في ألف رجل من أصحابه؛ حتى إذا كانوا بالشَّوط بين أُحد والمدينة انخزل عنه وعبد الله بن أبيّ بن سلول بثلث الناس، فقال: أطاعهم فخرج وعصاني؛ والله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس! فرجع بمن اتَّبعه من الناس من قومه من أهل النِّفاق وأهل الرَّيب، واتَّبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، أخو بني سلمة، يقول: يا قوم أذكّرُكم الله أن لا تخذلوا نبيَّكم وقومكم عند ماحضر من عدوّهم! قالوا: لو نعلم أنَّكم تقاتلون ما أسلمناكم؛ ولكنَّا لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوْا عليه، وأبَوْا إلّا الانصراف عنه. قال: أبعدكم الله أعداء الله! فسيغني الله عنكم! .

٢/١٣٠٢/١٣٠

رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: قال: ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى سلك في حَرّة بني حارثة، فَذبّ فرسٌ بذنبه، فأصاب كلّاب سيف، فاستلَّه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان يُحبُّ الفأل ولا يعتاف - لصاحب السيف: شِمْ سيفَك، فإني أرى السيوف ستُسَلُّ اليوم. ثمّ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: مَنْ رجُلٌ يخرج بنا على القوم من كثَبٍ، من طريق لا يمُرُّ بنا عليهم؟ فقال أبو حثمة أخو بني حارثة بن الحارث: أنا يا رسول الله، فقدّمه فنفذ به في حَرّة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلَك به في مال المِرْبع بن قيظيّ -وكان رجلًا منافقًا ضرير البصر- فلمّا سمع حسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المسلمين، قام يَحْثِي في وجوههم التراب، ويقول: إن كنت رسول الله؛ فإني لا أحلُّ لك أن تدخل حائطي؛ قال: وقد ذكر لي أنه أخذ حَفنة من تراب في يده، ثم قال: لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تفعلوا؛ فهذا الأعمى البصر، الأعمى القلب. وقد بَدَر إليه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل حين نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه، فضربه بالقوس في رأسه فشجَّه، ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وجهه؛ حتى نزل الشِّعب من أُحد في عُدْوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أُحد، وقال: لا يقاتلنّ أحدٌ حتى نأمره بالقتال؛ وقد سَرّحت قريش الظّهْر والكُراع في زروع كانت بالصَّمْغة من قناة للمسلمين. فقال رجل من المسلمين حينَ نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن القتال: أتُرعَى زروع بني قيلة ولمَّا نُضارب! وتعبَّأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقتال وهو في سبعمئة رجل، وتعبَّأت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل؛ ومعه مئتا فرس قد جَنَبُوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عِكْرمة بن أبي جهل، وأمَّرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الرُّماة عبد الله بن جُبَير، أخا بني عمرو بن عوف وهو يومئذ معلَمٌ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلًا، وقال: انضح عنا الخيل بالنَّبل لا يأتونا من خلْفنا إن كانت لنا أو علينا؛ فاثبت مكانك لا نؤْتيَنَّ من قِبَلك، وظاهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين دِرْعين ١ . (٢: ٤٩٩/ ٥٠٠ / ٥٠١/ ٥٠٢ وتكملته ٥٠٤ / وتكملته ٥٠٦/ ٥٠٧) .

  1. ١طريق ابن إسحاق هذا ضعيف كما سبق، إلَّا أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها) صحيح بمجموع طرقه، فقد أخرجه الطبري في تفسيره من مرسل قتادة (٧/ ٣٧٢) وأخرجه عبد الرزاق من مرسل عروة (المصنف ٥/ ٣٦٤) والبيهقي من مرسل الزهري (الدلائل ٣/ ٢٠٨) وهذه مراسيل متعددة المخارج تتقوى بما أخرجه أحمد موصولًا من حديث جابر (المسند ٣/ ٣٥١) من طريق أبي الزبير معنعنًا وهو مدلس. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (المجمع ٦/ ١٠٧ ح ١٠٠٥٧) وكذلك صححه الألباني والعمري بمجموع طرقه (انظر فقه السيرة للغزالي تحقيق الألباني والسيرة النبوية الصحيحة للعمري).
٢/١٣١٢/١٣١

١١٧ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: كانت أم سَمُرة بن جندَب تحت مُرَيّ بن سِنَان بن ثعلبة، عمّ أبي سعيد الخُدريّ، فكان ربيبَه، فلمّا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أُحد، وعرض أصحابه، فردّ من استصغر ردّ سَمُرة بن جندب، وأجاز رافع بن خديج، فقال سَمُرة بن جندب لربيبه مُرَيّ بن سنان: يا أبتِ، أجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رافع بن خديج؛ وردني وأنا أصرع رافع بن خَديج، فقال: مُرَيّ بن سنان: يا رسول الله، رددت ابني، وأجزت رافع بن خَدِيج وابني يصرعه! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرافع وسمُرة: تصارعا، فصرع سمُرة رافعًا، فأجازه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشهدها مع المسلمين. قال: وكان دليل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أبو حَثْمَة الحارثيّ ١ . (٢: ٥٠٥/ ٥٠٦) .

  1. ١ذكر الطبري هذا الخبر وبهذه التفاصيل عن الواقدي بلاغًا، والواقدي متروك ولم نجد ما يؤيد هذه التفاصيل من رواية صحيحة، وأما ردّه للصحابة الذين ذكرهم (لكونهم صغارًا آنذاك) فلم يثبت ذلك سوى لصحابيين هما ابن عمر والبراء رضي الله عنهما (على ما نعلم وعلمنا قاصر) فقد أخرج البخاري في صحيحه (باب غزوة الخندق ح ٤٠٩٧) عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه. وأخرج الطبراني في الكبير (ح ١١٦٦) عن البراء رضي الله عنه قال: (عُرضت أنا وابن عمر = = على النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستصغرنا وشهدنا أحد). وقال الهيثمي: هو في الصحيح خلا قوله: وشهدنا أحدًا. ورواه الطبراني: ورجاله رجال الصحيح (المجمع ٦/ ١٠٩). قلنا: الذي في الصحيح هو أن ابن عمر عرض يوم أحدٍ فلم يجزه - صلى الله عليه وسلم -، ومتن الطبراني فيه مخالفة ظاهرة لما هو أصح منه (أي حديث البخاري) والله أعلم.
٢/١٣٢٢/١٣٢

١١٨ - فحدثنا هارون بن إسحاق، قال: حدَّثنا مُصعب بن المقدام، قال: حدَّثنا إسرائيل. وحدّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا أبي عن إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَراء، قال: لمَّا كان يومُ أحُد، ولقِيَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشركين أجْلسَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجالًا بإزاء الرّماة، وأمَّر عليهم عبد الله بن جُبير، وقال لهم: لا تبرحوا مكانَكم إن رأيتمونا ظهرْنا عليهم، وإنْ رأيتموهم ظَهَرُوا علينا فلا تعينونا. فلمَّا لقِيَ القوم هزَم المشركين حتى رأيت النساء قد رَفعن عن سوقهنّ، وبدت خلاخيلهنّ، فجعلوا يقولون: الغنيمة الغنيمة! فقال عبد الله: مهلًا، أما علمتم ما عهد إليكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبَوْا، فانطلقوا، فلمّا أتوْهم صَرَف الله وجوههم؛ فأصيب من المسلمين سبعون ١ . (٢: ٥٠٧/ ٥٠٨) .

  1. ١هذان إسنادان كلاهما من طريق إسرائيل، والإسناد الأول حسن صحيح والحديث أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي ح ٤٠٤٣) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه وتمامه: وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله عليك ما يخزيك، قال أبو سفيان: اعلُ هبل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا الله أعلى وأجلّ. قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال وتجدون مثلةً لم آمر بها ولم تسؤني. اهـ. والحديث أخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٢٣٠) وأبو داود في سننه (ح ٢٦٦٢) والله أعلم.

١١٩ - حدثني محمَّد بن سعد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبَّاس، قال: أقبل أبو سفيان في ثلاث ليال خلوْن من شوّال، حتَّى نزل أحُدًا، وخرج النّبي - صلى الله عليه وسلم -، فأذّن في الناس فاجتمعوا، وأمَّر الزُّبَيْر على الخيل؛ ومعه يومئذ المِقداد بن الأسود الكِنديّ، وأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللّواء رجلًا من قريش يقال له مُصعب بن عمير، وخرج حمزة بن عبد المطَّلب بالحسَّر، وبُعِث حمزةُ بين يديه، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين؛ ومعه عِكْرمة بن أبي جهل، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزُّبَيْر، وقال: استقبلْ خالدَ بن الوليد؛ فكنْ بإزائِه حتَّى أوذنك، وأمر بخيل أخرى، فكانوا من جانب آخر، فقال: لا تبرحُنّ حتى أوذنكم. وأقبل أبو سفيان يحمِل اللات والعُزَّى، فأرْسلَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى الزُّبير أن يحمِل، فحمل على خالد بن الوليد؛ فهزمه الله ومَنْ معه، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وإنّ الله عزّ وجلّ وَعَدَ المؤمنين أن ينصرهم؛ وأنَّه معهم. وأنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث ناسًا من الناس؛ فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كونوا هاهنا، فرُدُّوا وجهَ مَن فرّ منَّا، وكونوا حرّاسًا لنا من قِبَل ظهورنا. وأنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا هزم القوم هو وأصحابه، قال الذين كانوا جُعِلوا من ورائهم بعضهم لبعض، ورأوا النساء مُصْعدات في الجبل، ورأوُا الغنائم: انطلقوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأدركوا الغنيمة قبلَ أن يسبقونا إليها؛ وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنثبُت مكاننا؛ فذلك قوله لهم: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ الذين أرادوا الغنيمة، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ الذين قالوا: نطيع رسول الله ونثبت مكاننا، فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يريد الدُّنيا وعرضها؛ حتى كان يومئذ ١ . (٢: ٥٠٨/ ٥٠٩) .

  1. ١إسناده إلى ابن عباس ضعيف ولكن صحَّ من طريق آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما كما أخرج أحمد في مسنده عن عبيد الله عن ابن عباس (١ / ح ٢٦٠٩) قال: ما نصر الله عزَّ وجلَّ في موطن كما نصر في يوم أحد. قال: فأنكرنا ذلك. فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عزَّ وجلَّ: إن الله عزَّ وجلَّ يقول في يوم أحد: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه) يقول ابن عباس: والحسّ: القتل (حتى إذا فشلتم) إلى قوله: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} وإنما عنى بهذا الرماة وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقامهم في موضع ثم قال: (احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا) فلما غنم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأباحوا عسكر المشركين أكبّ الرماة جميعًا في العسكر ينهبون وقد التقت صفوف أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فهم هكذا وشبك أصابع يديه والتبسوا فلما أحلّ الرماة تلك الخلّة التي = = كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضرب بعضهم، والتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة ورجال المسلمين حوله ... إلى آخر الحديث. وقال الهيثمي: رواه أحمد وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وقد وثق على ضعفه (مجمع الزوائد ٦/ ١١١) وقال ابن كثير: وهذا حديث غريب وهو من مرسلات ابن عباس وله شواهد من وجوه كثيرة (البداية والنهاية ٤/ ٢٦). وأما قول ابن مسعود في نهاية رواية الطبري فصحيح كما أخرج أحمد في مسنده (ح ٤٤١٤) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (إن النساء يوم أحد كُن خلف المسلمين يُجهزنَ على جرحى المشركين فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبرّ: إنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ}: فلما خالف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعصوا ما أمروا به. الحديث). وقال الهيثمي: رواه أحمد وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. (مجمع الزوائد ٦/ ١١٠). علمًا بأن العلامة شاكر صحح هذا الإسناد بينما ضعفه الألباني لأن حمادًا هذا سمع من عطاء قبل الاختلاط وبعده (فقه السيرة للغزالي ٢٧٩). قلنا: وما قاله المحدث الألباني قاله العقيلي نقلًا عن ابن المديني عن يحيى بن سعيد القطان ولكن جمهور المحدثين على أن حمادًا سمع منه قبل الاختلاط فتصحيح العلامة شاكر أرجح والله تعالى أعلم، وأما موضع الألوية وبيد من كانت فلم تصح رواية في ذلك كما قال العمري ولم تصح رواية في موضع الألوية (السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٣٨١) والله أعلم.
٢/١٣٤٢/١٣٤

١٢٥ - فحدّثني بشر بن آدم، قال: حدَّثنا عمرو بن عاصم الكِلابيّ، قال: حدَّثنا عبيد الله بن الوازع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال الزُّبير: عَرَض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيفًا في يده يوم أحُد؛ فقال: مَنْ يأخذ هذا السيف بحقه؟ قال: فقمت فقلت: أنا يا رسول الله؛ قال: فأعرض عنِّي، ثم قال: مَنْ يأخذ هذا السَّيف بحقِّه؟ فقصت فقلت: أنا يا رسول الله، فأعرض عني، ثم قال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ قال: فقام أبو دُجَانة سماك بن خَرَشةَ، فقال: أنا آخذه بحقِّه؛ وما حقُّه؟ قال: حقه ألّا تقتل به مسلمًا، وألّا تفرّ به عن كافر؛ قال: فدفعه إليه. قال: وكان إذا أراد القتال أعْلِم بعصابة؛ قال: فقلت: لأنظرنّ اليوم ما يصنع، قال: فجعل لا يرتفع له شيء إلّا هتكه وأفراه؛ حتى انتهى إلى نسوة في سفح جبل، معهنّ دُفوف لهنّ، فيهنّ امرأةٌ تقول: نَحْنُ بناتُ طارقْ ... إنْ تُقْبلوا نُعانق ونَبْسُط النَّمَارقْ ... أو تدْبِرُوا نُفارقْ فِراقَ غَيرِ وامِق قال: فرفع السّيف ليضربَها، ثم كفّ عنها. قال: قلت: كلّ عملك قد رأيت، أرأيت رفعك للسيف عن المرأة بعد ما أهويت به إليها! قال: فقال: أكرمت سيف رسول الله أن أقتل به امرأة ١ . (٢: ٥١٠/ ٥١١) .

  1. ١حديث صحيح أخرجه البزار (ح ١٧٨٧) والبيهقي في الدلائل (٣/ ٢٣٣) من حديث الزبير بن العوام. وقال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ١٠٩). وأخرجه مسلم مختصرًا من حديث أنس رضي الله عنه (صحيح مسلم - فضائل الصحابة ح ٢٤٧٠) والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٣٠) والله أعلم.
٢/١٣٥٢/١٣٥

١٢٠ / أ- رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ يأخذ هذا السيف بحقِّه؟ فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم؛ حتَّى قام إليه أبو دُجَانة سماك بن خَرَشة أخو بني ساعدة، فقال: وما حقُّه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به في العدوّ حتى ينحَنِيَ؛ فقال: أنا آخذه بحقَّه يا رسول الله؛ فأعطاه إياه -وكان أبو دُجَانة رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب إذا كانت، وكان إذا أعلِم بعصابة له حمراء يعصبها على رأسه علم النَّاس أنه سيقاتل- فلمّا أخذ السيف من يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ عصابته تلك، فعصب بها رأسه؛ ثم جعل يتبختر بين الصّفَين ١ . (٢: ٥١١) .

  1. ١(تكملة: ١١٧): إسناده ضعيف كما سبق إلّا أن متنه صحيح كما ذكرنا في الرواية السابقة.

١٢١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال الزبير: والله لقد رأيتُني أنظر إلى خَدَمِ هند بنت عتبة وصواحبها مشمّرات هوارب، ما دون أخْذِهنَّ قليل كثير؛ إذ مالت الرُّماة إلى العسكر حين كَشَفْنَا القوم عنه يريدون النَّهب، وخلَّوْا ظهورنا للخيل؛ فأتينا من أدبَارنا وصَرخَ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتِلَ! فانكفأنا وانكفأ علينا القوم؛ بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحدٌ من القوم ١ . (٢: ٥١٣) .

  1. ١إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا وقد صرّح بالتحديث فإسناده حسن والحديث أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٨٨).

١٢٢ - قال أبو جعفر: فلمّا أتيَ المسلمون من خلفهم انكشفوا وأصاب منهم المشركون، وكان المسلمون لمّا أصابهم ما أصابهم من البلاء أثلاثًا: ثلث قتيل، وثلث جريح، وثلث منهزم؛ وقد جهدته الحرب حتى ما يدري ما يصنع، وأصيبت رَبَاعِيَةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السفْلى، وشُقَّتْ شفته، وكُلِم في وجنتيه وجبْهته في أصول شعره، وعلاه ابنُ قميئة بالسّيف على شقّه الأيمن؛ وكان الذي أصابه عُتْبة بن أبي وقاص ١ . (٢: ٥١٤/ ٥١٥) .

  1. ١ذكر الطبري هذا بلاغًا وإصابة رباعيته - صلى الله عليه وسلم - صحيح كما سنذكر بعد قليل.
٢/١٣٦٢/١٣٦

١٢٣ - حدَّثنا ابن بشار، قال: حدَّثنا ابن أبي عَدِيّ، عن حُمَيد، عن أنس بن مالك، قال: لمَّا كان يوم أحدٍ، كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشُجَّ، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: كيف يُفلح قومٌ خضَّبوا وجه نبيّهم بالدم. وهو يدعوهم إلى الله عزّ وجلّ! فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية ١ . (٢: ٥١٥) .

  1. ١حديث صحيح أخرجه الترمذي في سننه (كتاب التفسير ح ٣٠٠١، ٣٠٠٢) وقال: حسن صحيح وأخرجه مسلم في صحيحه (باب غزوة أحد / ١٧٩١) وأخرجه البخاري موصولًا من حديث ابن عباس (ح ٤٠٧٤) مختصرًا ومعلقًا من حديث أنس والله أعلم.

١٢٣ / أ- قال أبو جعفر: وقاتَل مُصعب بن عمير دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه لواؤه حتى قتل؛ وكان الذي أصابه ابن قَمِيئة الليثيّ. وهو يظنّ أنَّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فرجع إلى قريش، فقال: قتلت محمدًا. فلما قتِل مُصعب بن عمير أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللواءَ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شُرَحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ؛ وكان أحدَ النّفر الَّذين يحملون اللِّواء، ثم مَرّ به سباع بن عبد العُزَّى الغُبْشانيّ -وكان يكنى بأبي نِيَار- فقال له حمزة بن عبد المطلب: هلمَّ إليّ يا بن مُقَطِّعة البُظور- وكانت أمّه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفيّ، وكانت ختَّانة بمكَّة - فلمَّا التقيا ضربه حمزة فقتله، فقال وَحْشِيّ غُلامُ جبَير بن مطعِم: والله إني لأنْظُر إلى حمزة يَهُذُّ الناس بسيفه، ما يُليق شيئًا يمرُّ به؛ مثل الجمل الأورق؛ إذ تقدَّمني إليه سباع بن عبد العزّى، فقال له حمزة: هلُمَّ إليّ يا بن مقطِّعة البظور! فضربه؛ فكأنما أخطأ رأسَه، وهززت حربتي حتى إذا رضيتُ منها دفعتُها عليه فوقعت في لَبّته حتى خرجت من بين رجليه، وأقبل نحوي، فغلب فوقع، فأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذتُ حربتي؛ ثم تنحَّيت إلى العسكر؛ ولم يكن لي بشيء حاجة غيره. وقد قتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف مسافع بن طلحة وأخاه كِلابَ بن طلحة؛ كلاهما يشُعره سهمًا؛ فيأتي أمّه سُلافة فَيَضَعُ رأسه في حجرها؛ فتقول: يا بنيَّ! مَنْ أصابك؟ فيقول: سمعتُ رجلًا حين رماني يقول: خذها وأنا ابن الأقلح! فتقول: أقلحيّ! فنذَرَتْ لله إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخَمْرَ. وكان عاصم قد عاهد الله ألّا يمسّ مشركًا أبدًا ولا يمسَّه مشركٌ ١ . (٢: ٥١٦/ ٥١٧) .

  1. ١ذكر الطبري هنا تفاصيل وبلا إسناد ولبعضها ما يشهد لها: فقد أخرج البخاري في صحيحه -كتاب المغازي باب قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه (ح ٤٠٧٢) حديثًا طويلًا من طريق جعفر بن عمرو بن أمية الضمري وعبيد الله بن عدي بن الخيار عن وحشي (مولى جبير بن مطعم) وفيه فلما أن خرج الناس عام عينين (وعينين جبل بحيال أحد بينه وبينه واد) خرجت مع الناس إلى القتال فلما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ قال فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال: يا سباع، يا بن أم أنمارٍ مقطعة البظور، أتحادّ الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: ثم شدّ عليه فكان كأمس الذاهب قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنيته حتى خرجت من بين وركيه، قال: فكان ذاك العهد به اهـ. وأخرج البخاري في صحيحه -كتاب المغازي (ح ٤٠٨٦) من حديث أبي هريرة الطويل في سرية عاصم بن ثابت رضي الله عنه. وفي آخره (وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عطيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدّبْر فحمته من رُسُلِهم فلم يقدروا منه على شيء) وقال الحافظ في شرح هذا الحديث: ووقع عند ابن إسحاق وكذا في رواية بريدة بن سفيان أن عاصمًا لما قتل أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت! سعد بن شهيد وهي أم مسافع وجلاس ابني طلحة العبدري، وكان عاصم فتلهما يوم بدر وكانت نذرت لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنَّ الخمر في قحفِه، فمنعته الدبر، (فإن كان محفوظًا) احتمل أن تكون قريش لم تشعر بما جرى لهذيل من منع الدبر لها من أخذ رأس عاصم، فأرسلت من يأخذه أو عرفوا بذلك ورجوا أن تكون الدبر تركته فيمكنوا من أخذه - وقال الحافظ كذلك. وفي رواية الأسود عن عروة (فبعث الله عليهم الدبر تطير في وجوههم وتلدغهم فحالت بينهم وأن يقطعوا). وفي رواية ابن إسحاق عن عاصم بن عمر عن قتادة قال: (كان عاصم بن ثابت أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدًا) (فتح الباري ٧/ ٤٤٤).
٢/١٣٨٢/١٣٨

١٢٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: لقد وجدنا بأنس بن النَّضر يومئذ سبعين ضربة وطعنة فما عرفه إلّا أخته، عرفتْه بحسن بنانِه ١ . (٢: ٥١٨/ ٥١٧) .

  1. ١إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق عن حميد عن أنس وكذلك البيهقي (٣/ ٢٤٥) وقال المحققان (همام وأبو صعيليك): فيكون الحديث مقبولًا لكون حميد يدلّس عن الثقات وتدليسه هنا ثابت (تهذيب سيرة ابن هشام ٣/ ١٢٠).

١٢٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: كان أوّل مَنْ عرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الهزيمة وقول الناس: "قُتِل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " - كما حدثني ابن شهاب الزهريّ - كعب بن مالك، أخو بني سلمة، قال: عرفت عينيه تزهرَان تحت المغْفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشرَ المسلمين أبشروا! هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأشار إليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن أنصت. فلمّا عرف المسلمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهضوا به، ونهض نحو الشِّعب، معه عليّ بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، والحارث بن الصَّقَة، في رهط من المسلمين. فلما أسند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشِّعب أدركه أبيّ بن خلف وهو يقول: أين مُحَمَّد! لا نجَوْتُ إن نجوتَ! فقال القوم: يا رسولَ الله، أيعطف عليه رجل مِنَّا؟ قال: دعوه، فلمَّا دنا تناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحربة من الحارث بن الصمَّة - قال: يقول بعض الناس فيما ذكر لي: فلمَّا أخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، انتفض بها انتفاضة تطايَرْنا عنه تطايُر الشَّعْراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها؛ ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تَدأدَأ منها عن فرسه مرَارًا ١ . (٢: ٥١٨) .

  1. ١إسناده ضعيف ولكن أخرج الطبراني عن كعب بن مالك قال: لما كان يوم أحد وصرنا إلى الشّعب، كنت أول من عرفته، فقلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأشار إليّ بيده، أن اسكت، ثم ألبسني لأمته، ولبس لأمتي فلقد ضربت حتى جرحت عشرين جراحة -أو قال: بضعة وعشرين جرحًا- كل من يضربني يحسبني رسول الله. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار، ورجال الأوسط ثقات (المجمع ٦/ ١١٢). وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٠١) وصحح إسناده ووافقه الذهبي والبيهقي في الدلائل. (٣/ ٢٣٧).
٢/١٣٩٢/١٣٩

١٢٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني صالح بن كيسان، عمَّن حدثه، عن سعد بن أبي وقَّاص، أنه كان يقول: والله ما حَرَصْت على قتل رجل قطّ ما حرَصْت على قتل عُتْبة بن أبي وقَّاص؛ وإن كان ما علمتُ لَسيِّيء الخلق، مبغَّضًا في قومه؛ ولقد كفاني منه قولُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اشتدّ غضب الله على من دَمَّى وجه رسول الله" ١ . (٥١٩: ٢) .

  1. ١إسناده ضعيف ولكن أخرج البخاري في صحيحه -كتاب المغازي- (ح ٤٠٧٣): (اشتد عضب الله على قوم فعلوا بنبيه - يشير إلى رباعيته) وأخرج البخاري (ح ٤٠٧٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (اشتد غضب الله على قومٍ دمّوا وجه نبي الله - صلى الله عليه وسلم -). والحديث أخرجه مسلم (٢/ ١٤١٧).

١٢٧ - حدَّثنا محمد بن الحُسين، قال: حدَّثنا أحمد بن المفضل، قال: حدَّثنا أسباط، عن السُّديّ، قال: أتى ابن قميئة الحارثيّ أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فرمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحجر، فكسر أنفه ورباعيتَه، وشجَّه في وجهه، فأثقله وتفرّق عنه أصحابه، ودخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة، فقاموا عليها، وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدْعُو الناس: إليّ عباد الله! إليّ عباد الله! فاجتمع إليه ثلاثون رجلًا، فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحد إلّا طلحة وسهل بن حُنَيف، فحماه طلحة، فرمي بسهم في يده فيبسَتْ يَدُه، وأقبل أبيّ بن خَلف الجُمحي؛ وقد حلف ليقتلنّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: بل أنا أقتله، فقال: يا كذّاب، أين تَفِرُّ! فحمل عليه فطعنه النبيّ في جيب الدرع؛ فجرح جرحًا خفيفًا، فوقع يخورُ خُوَارَ الثور، فاحتملوه، وقالوا: ليس بك جراحة، فما يجزعك؟ قال: أليس قال: "لأقتلنَك" ! لو كانت بجميع ربيعة ومضر لقتلتهم! فلم يلبث إلّا يومًا أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح ١ . (٢: ٥١٩/ ٥٢٠) .

  1. ١هذا إسناد مرسل، والشج في وجهه - صلى الله عليه وسلم - وكسر رباعيته وتفرّق بعض الصحابة عنه يوم أحد صحيح كما سبق. وأما استماتة طلحة في الدفاع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (مع غيره من الصحابة المعروفين وإصابة يده رضي الله عنه أثناء ذلك فصحيح. كما أخرج البخاري في صحيحه -كتاب المغازي (ح ٤٠٦٣) عن قيس قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد). = = وأما مقتل أبي بن خلف الجمحي على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحُد؛ فقد ورد من ثلاثة طرق. (مرسل السدي (كما عند الطبري) ومرسل سعيد بن المسيب (كما عند ابن سعد) وورد موصولًا عند الواحدي في أسباب النزول ص ٥٦). وأما ابن سعد فقد أخرج في طبقاته (٢/ ٤٦) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبي بن خلف الجمحي أسر يوم بدرٍ فلما افتدى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن عندي فرسًا أعلفها كل يوم فرق ذُرَةٍ لعلي أقتلك عليها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله. فلما كان يوم أحد أقبل أبي بن خلف يركض فرسه تلك حتى دنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه. فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: استأخروا استأخروا، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحربة في يده فرمى لها أبي بن خلف فكسرت الحربة ضلعًا من أضلاعه فرجع إلى أصحابه ثقيلًا فاحتملوه حتى ولّوا به، وطفقوا يقولون له: لا بأس بك فقال لهم أبيّ: يقل لي: بل أنا أقتلك إن شاء الله، فانطلق به أصحابه فمات ببعض الطريق فدفنوه، قال سعيد بن المسيب: وفيه أنزل الله تبارك وتعالى: {وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}. قلنا: وقد سبق أن جعلنا بعض الروايات المرسلة في قسم الصحيح بشرط تعدد مخارج المرسل ووجود طريق آخر موصولا ولو ضعيفًا ضعفا يسيرًا، والأمر كذلك في هذا الموضع والله أعلم.
٢/١٤٠٢/١٤٠

١٢٧ / أ- وفشا في النَّاس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قُتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أمَنة من أبي سفيان! يا قوم إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم. قال أنس بن النّضر: يا قوم إن كان محمَّد قد قتِل؛ فإن ربّ محمد لم يقتل. فقاتِلوا على ما قاتل عليه محمَّد: اللهمّ إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء! ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل؛ وانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو النَّاس حتَّى انتهى إلى أصحاب الصخرة؛ فلمّا رأوه وَضَعَ رَجُلٌ سهمًا في قوسه، فأراد أن يرميَه فقال: أنا رسولُ الله؛ ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيًّا، وفرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رأى أنّ في أصحابه مَنْ يمتنع به؛ فلمَّا اجتمعوا وفيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذهب عنهم الحزن؛ فأقبلوا يذكرون الفتح، وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فقال الله عزّ وجلّ للذين قالوا: "إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم" : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ١ . (٢: ٥٢٠) .

  1. ١إن كان هذا جزءًا من الرواية السابقة (٢/ ٥١٩ / ١٢٧) فالإسناد مرسل (عن السدي) وأما شجاعة أنس بن النضر ودفاعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى استشهاده (وذلك في معركة أحد) فصحيح كما أخرج البخاري (في صحيحه -كتاب المغازي ح ٤٠٤٨) عن أنس رضي الله عنه أن عمه غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال النبي - صلى الله عليه وسلم - لئن أشهدني الله مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليرين الله ما أُجدُّ فلقي يوم أحد فهزم الناس فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ فقال: أين يا سعد؟ إلي أجد ريح الجنة دون أحد فمضى فقتل فما عرف حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم.
٢/١٤١٢/١٤١

١٢٧ / ب - فأقبل أبو سفيان حتّى أشرف عليهم، فلمّا نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه، وأهمَّهم أبو سفيان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليس لهم أن يعلُونا؛ اللَّهمّ إنْ تقتَل هذه العصابة لا تُعْبَد! ثم نَدَب أصحابه، فرَمَوْهم بالحجارة حتى أنزلوهم؛ فقال أبو سفيان يومئذ: اعلُ هُبَل، حنظلة بحنظلة، ويومٌ بيوم بدر. وقتلوا يومئذ حنظلة بن الراهب، وكان جُنُبًا فغسَّلته الملائكة؛ وكان حنظلة بن أبي سفيان قُتِل يوم بدر؛ وقال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر: قل: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: أفيكم محمَّد! أما إنَّها قد كانت فيكم مُثلة؛ ما أمرت بها ولا نهيت عنها، ولا سَرَّتْني ولا ساءتني؛ فذكر الله عزّ وجلّ إشراف أبي سفيان عليهم، فقال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ والغمّ الأول: ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والغمّ الثاني: إشراف العدوّ عليهم، ﴿لِكَيلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من الغنيمة ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من القتل حين تذكرون. فشغلهم أبو سفيان ١ . (٢: ٥٢١) .

  1. ١إن كان هذا المقطع تابعًا للرواية السابقة فهو من مراسيل السدي، وأما ما ذكر من تفاصيل وعبارات مرفوعة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكالآتي: ١ - قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس لهم أن يعلونا) فصحيح كما ذكرنا. ٢ - قوله عليه الصلاة والسلام: (إن تقتل هذه العصابة لا تعبد) فقد أخرجه البخاري كما سبق من قوله عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر، وأخرجه مسلم من قوله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة أحد وأشار إلى ذلك الحافظ في الفتح ولا تعارض فلعله قاله - صلى الله عليه وسلم - في الغزوتين والله أعلم. = = ٣ - وأما قول أبي سفيان وردّ سيدنا عمر عليه بأمر من رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - فصحيح كما سبق. ٤ - وأما قصة غسيل الملائكة حنظلة فصحيح كما أخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٠٤) عن عبد الله بن الزبير قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عند قتل حنظلة بن أبي عامر بعد أن التقى هو وأبو سفيان حين علاه شداد بن الأسود بالسيف فقتله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن صاحبكم تغسله الملائكة فاسألوا صاحبته فقالت: إنه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لذلك غسلته الملائكة. وقال الحاكم (٣/ ٢٠٥): صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ويؤيده ما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب وهما جنب فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لقد رأيت الملائكة تغسلهما). وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن (مجمع الزوائد ٣/ ٢٣). ولقد أخرج الحافظ ابن كثير هذه الرواية بطولها (أي ١٢٧، أ، ب، حـ) فقال: قال ابن جرير في تأريخه: حدثنا محمد بن الحسين ثنا أحمد بن الفضل حدثنا أسباط عن السدي قال: أتى ابن قمئة الحارثي فرمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحجر فكسر أنفه ... ثم ذكر ابن كثير الخبر كما عند الطبري إلى قوله: فقال أبو سفيان يومئذ اعل هبل حنظلة بحنظلة ويوم أحد بيوم بدر وذكر تمام القصة. ثم قال الحافظ ابن كثير: وهذا غربب جدًّا وفيه نكارة (البداية والنهاية ٤/ ٢٥). قلنا: ولم يوضح الحافظ ابن كثير رحمه الله وجه الغرابة والنكارة في هذا الخبر ولعلّه عنى بالغرابة ما جمعه السدي في روايته الطويلة هذه (إن كانت بسند واحد) تفاصيل كثيرة لم نجدها عند غيره بسند واحد بل هي عدة أحاديث وردت بأسانيد مختلفة جمعها السدي هنا ومن عادة السدي أن يجمع مرويات عدد من الصحابة دون أن يميّز بين كلامهم (كما يفعل في التفسير) ولعل هذا من ذاك، وأما وجه النكارة فلعل الحافظ عنى بذلك قوله: (فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان) ولعله أراد بالنكارة عبارة أخرى هي: (وانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة فلما رأوه وضع رجل سهمًا في قوسه فأراد أن يرميه فقال: أنا رسول الله ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيًّا) وهذا مع كونه ضعيف السند فهو مخالف لما ثبت من أن كعب بن مالك هو الذي عرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
٢/١٤٢٢/١٤٢

١٢٨ - قال أبو جعفر: وأما ابنُ إسحاق، فإنه قال - فيما حدَّثنا ابنُ حُميد قال: حدَّثنا سلمة عنه -: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشِّعب؛ ومعه أولئك النَّفر من أصحابه إذ علَتْ عالية من قريش الجبل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اللَّهمَّ إنَّه لا ينبغي لهم أن يعلُونا؛ فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل؛ ونهض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى صَخْرة من الجبل ليعلوها. وقد كان بدّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وظاهَرَ بين دِرْعَين، فلما ذهب لينهض لم يستطع؛ فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض حتَّى استوى عليها ١ . (٢: ٥٢١ - ٥٢٢) .

  1. ١إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق، ورواه ابن إسحاق بلاغًا إلّا أن الإمام أحمد أخرج في مسنده (ح ٢٦٠٩) حديثًا طويلًا عن ابن عباس رضي الله عنهما وفيه: حتى إذا طلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين السعدين نعرفه بتكفئه إذا مشى، قال: وفرحنا حتى كأنه لي يصبنا ما أصابنا، قال: فرقى نحونا، وهو يقول: اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله ويقول مرة أخرى: اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا ... حتى انتهى إلينا فمكث ساعة ..... الحديث. وقال الهيثمي: رواه أحمد وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وقد وثق على ضعفه - وأخرج نحوه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٧) وصحح إسناده ووافقه الذهبي وقال الحافظ ابن كثير: هذا حديث غريب وسياقه عجيب (التفسير ١/ ٤١٢) والله أعلم. وأما مساندة طلحة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نهوضه لقعوده فسنتحدث عنه بعد الرواية التالية.
٢/١٤٣٢/١٤٣

١٢٩ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما حدَّثنا يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزُّبير، قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يومئذ: أوجب طلحة حين صنع برسول الله ما صنع ١ . (٢: ٥٢٢) .

  1. ١إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن له متابعة عند ابن هشام في سيرته من طريق ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن الزبير به وإسناده حسن، وأخرج الترمذي في سننه (ح ١٦٩٢) من حديث الزبير رضي الله عنه قال: كان على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد درعان فنهض إلى الصخرة فلم يستطع فقعد طلحة تحته حتى استوى على الصخرة. قال الزبير: فسمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: أوجب طلحة، وقال الترمذي: حسن غريب وأخرجه الحاكم (٣/ ٣٧٤) وصححه وأقره الذهبي.

١٣٠ - قال أبو جعفر: وقد كان حنظلة بن أبي عامر الغسيل التقى هو وأبو سفيان بن حرب، فلمّا استعلاه حنظلة رآه شدّاد بن الأسود - وكان يقال له. ابن شَعوب. قد علا أبا سفيان، فضربه شدّاد فقتله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن صاحبكم -يعني حنظلة- لتغسلُه الملائكة. فسلوا أهله: ما شأنه؟ فسئلت صاحبته، فقالت: خرج وهو جُنُب حين سمع الهائعة؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لذلك غسَّلته الملائكة ١ . (٢: ٥٢٢) .

  1. ١ذكر الطبري هذا بلا إسناد والحديث صحيح أخرجه الحاكم (٣/ ٢٠٤) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي ورواه الطبراني وحسّن الهيثمي إسناده (٣/ ٢٣).
٢/١٤٤٢/١٤٤

١٣١ - قال أبو جعفر: ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف على القوم - فيما حدَّثنا هارون بن إسحاق قال: حدَّثنا مصعب بن المقدام، قال: حدَّثنا إسرائيل. وحدّثنا ابن وكيع، قال: حدّثني أبي، عن إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَرَاء، قال: ثمّ إن أبا سفيان أشرف علينا، فقال: أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تجيبوه؛ مرتين، ثمّ قال: أفي القوم ابن أبي قُحافة؟ ثلاثًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تجيبوه، ثم قال: أفِي القوم ابن الخطاب؟ ثلاثًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أجيبوه، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: أمَّا هؤلاء فقد قُتِلوا، لو كانوا في الأحياء لأجابوا، فلم يملك عمرُ بن الخطَّاب نفسَه أن قال: كذبتَ يا عدوّ الله، قد أبقى الله لك ما يخزيك! فقال: اعْلُ هُبَل! اعلُ هُبَل! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعْلَى وأجَل. قال أبو سفيان: ألا لنا العُزّى ولا عُزَّى لكم! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم! قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحرب سِجَال؛ أمَّا إنكم ستجدون في القوم مُثَلًا لم آمُرْ بها ولم تسؤني ١ . (٢: ٥٢٦/ ٥٢٧) .

  1. ١حديث صحيح كما سبق أن ذكرنا فقد أخرجه البخاري في المغازي (ح ٤٠٤٣) وأحمد في مسنده (٤/ ٢٩٣) وغيرهما مع اختلاف يسير والله أعلم.

١٣٢ - وفرغ الناس لقتلاهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازنيّ أخي بني النَّجار، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: مَن رجلٌ ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ - وسعد أخو بني الحارث بن الخزرج - أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسولَ الله ما فعل؛ فنظر فوجده جريحًا في القتلَى به رمَق، قال: فقلت له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أنظر له: أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: فأنا في الأموات، أبلغْ رسول الله عنِّي السَّلام، وقل له: إنّ سعدَ بن الربيع يقول لك: جزاك الله خير ما جزي نبي عن أمته وأبلغ عني قومك السلام وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عُذْر لكم عند الله إن خُلِصَ إلى نبيِّكم - صلى الله عليه وسلم - وفيكم عينٌ تطرف، ثم لم أبرح حتَّى مات؛ فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتُه خبرَه ١ (٢: ٥٢٨) .

  1. ١إسناده ضعيف، والحديث صحيح بمجموعِ طرقه فقد أخرجه الحاكم في المستدرك من طريقين أحدهما من طريق ابن إسحاق والآخر من طريق غير ابن إسحاق وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي (المستدرك ٣/ ٢٠١) ولفظه: (عن زيد بن ثابت قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد لطلب سعد بن الربيع وقال لي: إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله: كيف تجدك؟ قال: فجعلت أطوف بين القتلى فأصبته وهو في آخر رمق وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح أو ضربة بسيف ورمية بسهم فقلت له: يا سعد إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ عليك السلام ويقول لك: خبرني كيف تجدك؟ قال: على رسول الله السلام وعليك السلام قل له: يا رسول الله أجدني أجد ريح الجنة وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيكم شفر يطرف قال: وفاضت نفسه رحمه الله). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح. وله طريق آخر مرسل ذكره في المطالب العالية (ح ٤٣١٧) من حديث عمرو بن يحيى المازني وطريق آخر من مرسل يحيى بن سعيد في طبقاته (٣/ ٥٢٣) أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد أنه قال: لما كان يوم أحد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من يأتيني بخبر سعد بن الربيع ... الحديث. قلنا: وهذه مراسيل متعددة المخارج تتقوى بما عند الحاكم في مستدركه فيكون الحديث صحيحًا والله تعالى أعلم.
٢/١٤٥٢/١٤٥

وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني- يلتمس حمزة بن عبد المطَّلب، فوجده ببطن الوادي قد بُقِرَ بَطْنُه عن كبده، ومثلَ به، فجُدِعَ أنفه وأذناه.

١٣٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: فحدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رأى بحمِزة ما رأى، قال: لولا أن تحزن صفيَّة أو تكون سنَّة من بعدي لتركته حتى يكون في أجواف السباع وحواصل الطَّير؛ ولئن أنا أظهرَني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلنَّ بثلاثين رجلًا منهم؛ فلمَّا رأى المسلمون حزْن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغيظه على ما فُعِل بعمِّه، قالوا: والله لئن ظهرْنا عليهم يومًا من الدهر لنَمثُلَنّ بهم مُثْلَةً لم يمثلها أحد من العرب بأحد قطّ! ١ (٢: ٥٢٨/ ٥٢٩) .

  1. ١إسناده ضعيف، ولكن أخرج الحاكم في المستدرك (١/ ٣٦٥) عن أنس رضي الله عنه قال: (لما كان يوم أحد مرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحمزة بن عبد المطلب وقد جذع ومثّل به فقال: لولا أن = = تجد صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع فكفنه في نمرة، .. الحديث). وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم والحديث أخرجه البيهقي في السنن وأبو داود (ص ٣١٣٦) وغيرهم.
٢/١٤٦٢/١٤٦

١٣٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، قال: أخبرني بُرَيدة بن سفيان بن فروة الأسلميّ، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، عن ابن عباس. قال ابن حميد، قال سلَمة: وحدّثني محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني الحسن بن عُمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مِقسَم، عن ابن عباس، قال: إن الله عزّ وجلّ أنزل في ذلك من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول أصحابه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ، إلى آخر السورة، فعفا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصبر ونهى عن المُثْلَة ١ . (٢/ ٥٢٩) .

  1. ١إسناده ضعيف والحديث صحيح فقد أخرج الترمذي في سننه (ح ٣١٢٩) عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: (أصيب من الأنصار يوم أحد أربعة وستون وأصيب من المهاجرِين ستة فيهم حمزة، فمثلوا بقتلاهم. فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا من الدهر لنزيدن عليهم فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، مرتين فأنزل الله عزَّ وجلَّ على نبيه - صلى الله عليه وسلم - {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ} فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كفوا عن القوم). وقال الترمذي حسن غريب وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٥٩) وصحح إسناده ووافقه الذهبي.

١٣٥ - قال ابن إسحاق: وأقبلَتْ - فيما بلغني - صفيَّةُ بنتُ عبد المطلب لتنظر إلى حمزة - وكان أخاها لأبيها وأمها - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابنها الزُّبَيْر بن العوام: القَها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها. فلقيها الزبير فقال لها: يا أمّهْ؛ إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن ترجِعي، فقالت: ولم، وقد بلغني أنه مُثِلَ بأخي وذلك في الله قليل! فما أرضانا بما كان من ذلك! لاحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله. فلمّا جاء الزبير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك، قال: خَلّ سبيلها، فأتَتْهُ فنظرتْ إليه وصَلّتْ عليه؛ واسترجعَتْ واستغفرت له؛ ثم أمرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به فَدُفِن ١ . (٢: ٥٢٩) .

  1. ١حديث صحيح أخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٢٩٠) وأبو يعلى (٢/ ٤٥) بإسناد حسن والله أعلم. وكذلك أخرجه أحمد في مسنده (١/ ١٦٥).
٢/١٤٧٢/١٤٧

١٣٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني عاصم بن قتادة، عن محمود بن لَبِيد، قال: لمَّا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أُحد وقع حُسَيل بن جابر- وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان وثابت بن وقْش بن زَعوراء في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدُهما لصاحبه؛ وهما شيخان كبيران: لا أبا لك! ما تنتظر؟ فوالله إنْ بقي لواحد منّا من عمره إلّا ظِمْء حِمَار، إنَّما نحن هامة اليومِ أو غَدٍ؛ أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لعلّ الله عزّ وجلّ يرزقنا شهادة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذا أسيافهما، ثم خرجا حتى دخلا في النَّاس، ولم يُعلَم بهما؛ فأمَّا ثابت بن وقْش فقتله المشركون، وأما حُسَيل بن جابر، اليَمَان، فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه؛ ولا يعرفونه. فقال حُذَيفة: أبي والله! قالوا: والله إنْ عرفناه. وصدقوا، قال حُذَيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين! فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يَدِيَهُ فتصدّق حُذَيفة بِديَتِه على المسلمين، فزادته عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيرًا ١ . (٢: ٥٣٠) .

  1. ١إسناده إلى ابن إسحاق والحديث أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا وسنده حسن فقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث وأخرجه البخاري في صحيحه في مناقب الأنصار (ح ٣٨٢٤) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.

١٣٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سلمة قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: كان فينا رجلٌ أتيٌّ لا يُدْرَى من أين هو، يقال له قُزْمَان، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا ذُكِر له: إنّه لَمِنْ أهل النار؛ فلمَّا كان يوم أحُد، قاتل قتالًا شديدَّا، فقَتَل هو وحده ثمانيةً من المشركين أو تسعة؛ وكان شهمًا شجاعًا ذا بأس؛ فأثبتته الجراحة، فاحتمل إلى دار بني ظَفَر. قال: فجعل رجالٌ من المسلمين يقولون: والله لقد أبليت اليوم يا قُزمان؛ فأبشر! قال: بم أبشر! فوالله إن قاتلتُ إلّا على أحساب قومي؛ ولولا ذلك ما قاتلت؛ فلمّا اشتدّت عليه جراحته، أخذ سهمًا من كنانته فقطع رواهِشَه فنزفه الدم فمات؛ فأخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أشهد أنّي رسولُ الله حقًّا ١ ! (٢: ٥٣١) .

  1. ١إسناده ضعيف إلا أن الحديث صحيح فقد أخرجه البخاري من روايته (ح ٤٢٠٢، ٤٢٠٣) دون أن يُسمِّي الرجل ودون تسمية الغزوة إلّا أنه أخرج الروايتين في غزوة خيبر مع اختلاف = = في الألفاظ، بينما ذكر مسلم أن ذلك كان في غزوة حنين (ح ١١٢) والله أعلم.