السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

ذكر يوم الرجيع في سنة ثلاث

تقرأ في محمد بن يوسف الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ، ١٨٥ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ

الباب الخامس عشر في سرية الرجيع

٧/٣٩٧/٣٩

كانت في صفر سنة ثلاث. واختلف في سببها وفي عدد رجالها فقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه كما في الصحيح وعروة، وابن عقبة كما رواه البيهقي عنهما أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعث عشرة عيونا إلى مكة ليأتوه بخبر قريش وجزم ابن سعد بأنهم عشرة وسمى منهم سبعة: ١- عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح.

٢- ومرثد بن أبي مرثد [ (١) ] كنّاز بن [حصين بن يربوع بن طريف الغنوي] .

٣- وعبد اللَّه بن طارق [حليف بني ظفر] .

٤- وخبيب بن عديّ [ (٢) ] [أحد بني جحجبي بن كلفة بن عمرو بن عوف] .

٥- وزيد بن الدثنة [ (٣) ] [بن معاوية أخو بني بياضة بن عمرو بن زريق] .

٦- وخالد بن البكير [ (٤) ] [الليثي] .

٧- ومعتّب بن عبيد ويقال ابن عوف.

وذكرهم محمد بن عمر رحمه اللَّه تعالى ثم قال: «ويقال كانوا عشرة» . انتهى. والظاهر أن الثلاثة كانوا تبعا فلم يحصل الاعتناء بتسميتهم. وذكر ابن إسحاق أنهم كانوا ستة وهم [من ذكرنا] ما عدا معتّب. وذكر ابن عقبة، وابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد وغيرهم، ولفظ محمد بن عمر أحسن سياقا. قال نقلا عن شيوخه: «مشت بنو لحيان من هذيل، بعد قتل سفيان [بن خالد] بن نبيح الهذلي إلى عضل والقارة، وهما حيّان، فجعلوا لهم فرائض أن يقدموا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فيكلّموه فيخرج إليهم نفرا من أصحابه يدعونهم إلى الإسلام. قالوا: فنقتل من أردنا ونسير بهم إلى قريش بمكة، فنصيب بهم ثمنا، فإنه ليس شيء أحب إليهم من أن يؤتوا بأحد من أصحاب محمد يمثلون به ويقتلونه بمن قتل منهم ببدر. فقدم سبعة نفر من عضل والقارة [وهما حيّان إلى خزيمة] مقرّين بالإسلام. فقالوا: (يا رسول اللَّه، إن فينا إسلاما فاشيا، فابعث معنا نفرا من أصحابك يقرئوننا القرآن ويفقّهوننا في الإسلام) . فبعث معهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سبعة نفر، وأمّر عليهم مرثد بن أبي مرثد، ويقال عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. قلت وهو الصحيح، فقد رواه البخاري عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه. فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا بالهدّة- وفي رواية بالهدأة بين عسفان ومكة. قال أبو هريرة وعروة وابن عقبة: فغدروا بهم فنفروا لهم، وفي لفظ، فاستصرخوا عليهم قريبا من مائة رام، وفي رواية في الصحيح في الجهاد: «فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل» .

٧/٤٠٧/٤٠

والجمع واضح بأن تكون المائة الأخرى غير رماة. وذكر أبو معشر في مغازيه أن الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم نزلوا بالرجيع سحرا، فأكلوا تمر عجوة فسقط نواة في الأرض وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون النهار. فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنما فرأت النّويّ فأنكرت صغرهن، وقالت هذا تمر يثرب، فصاحت في قومها: «قد أتيتم، فاقتصوا آثارهم حتى نزلوا منزلا فوجدوا فيه نوى تمر تزوّدوه من المدينة فجاءوا في طلبهم فوجدوهم قد ركنوا في الجبل، انتهى. فلم يرع القوم إلا بالرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم. فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد، وفي لفظ قردد، بواد يقال له غران.

وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: «لكم العهد والميثاق أن نزلتم إلينا ألّا نقتل منكم رجلا، إنّا واللَّه لا نريد قتلكم، إنما نريد أن نصيب منكم شيئا من أهل مكة» . فقال عاصم: «أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم إني أحمي لك اليوم دينك فاحم لحمي، اللهم أخبر عنا رسولك» . قال إبراهيم بن سعد كما رواه أبو داود الطيالسي: «فاستجاب اللَّه تعالى لعاصم فأخبر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خبره وخبر أصحابه بذلك يوم أصيبوا» . وفي حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه كما في الصحيح: [ (١) ] وأخبر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يوم أصيبوا خبرهم، فقاتلوهم فرموهم حتى قتلوا عاصما في سبعة [في نفر النّبل] . وبقي خبيب، وزيد، وعبد اللَّه بن طارق كما عند ابن إسحاق. قال ابن إسحاق وغيره: «فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد [بن شهيد] ، وأسلمت بعد ذلك، وكانت قد نذرت حين قتل ابنيها مسافع والجلاس ابني طلحة بن أبي طلحة العبدري، وكان عاصم قتلهما يوم أحد، لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنّ الخمر في قحفه، وجعلت لمن جاء به مائة ناقة، فمنعته الدّبر. وفي حديث أبي هريرة في الصحيح: «وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر» ، قال الحافظ: «لعله عقبة بن أبي معيط فإن عاصما قتله صبرا بإذن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، بعد أن انصرفوا من بدر، وكأن قريشا لم تشعر بما جرى لهذيل من منع الدّبر لها من أخذ رأس عاصم، فأرسلت من يأخذه أو عرفوا بذلك ورجوا أن تكون الدّبر تركته فيتمكنوا من أخذه» . انتهى.

٧/٤١٧/٤١

فبعث اللَّه عليه مثل الظلة من الدّبر يطير في وجوههم ويلدغهم فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء. انتهى. فلما حالت بينهم وبينه، قالوا دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه، فبعث اللَّه تبارك وتعالى الوادي فاحتمله فذهب به. وكان عاصم رضي اللَّه تعالى عنه قد أعطى اللَّه عهدا ألّا يمس مشركا ولا يمسّه مشرك، فبرّ اللَّه عز وجل قسمه، فلم يروه ولا وصلوا منه إلى شيء.

وكان عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه يقول حين بلغه خبره: «يحفظ اللَّه تبارك وتعالى العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته» . وصعد خبيب وزيد، وعبد اللَّه الجبل، فلم يقدروا عليهم حتى أعطوهم العهد والميثاق، فنزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال عبد اللَّه بن طارق: «هذا أول الغدر واللَّه لا أصحبكم إن لي بهؤلاء القتلى أسوة» فجرّروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، كذا في الصحيح [ (١) ] .

وعند ابن إسحاق. وأما زيد بن الدّثنة وخبيب بن عديّ وعبد اللَّه بن طارق فلانوا ورقّوا ورغبوا في الحياة فأعطوا بأيديهم فأسروهم ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظّهران انتزع عبد اللَّه بن طارق يده من القران، ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبروه بالظّهران، وانطلقوا بزيد وخبيب فباعوهما بمكة، قال والذي باعهما زهير، وجامع الهذليّان. قال ابن هشام باعوهما بأسيرين من هذيل [كانا بمكة] وقال محمد بن عمر: بيع الأول بمثقال ذهبا ويقال بخمسين فريضة، وبيع الثاني بخمسين فريضة ويقال اشترك فيه ناس من قريش ودخلوا بهما في شهر حرام في ذي القعدة فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم.

ذكر قتل زيد بن الدثنة رضي الله تعالى عنه

٧/٤٢٧/٤٢

قال ابن إسحاق وابن سعد: فاشترى زيدا صفوان بن أمية، وأسلم بعد ذلك ليقتله بأبيه أمية بن خلف وحبسه عند ناس من بني جمح ويقال عند نسطاس غلامه. فلما انسلخت الأشهر الحرم بعثه صفوان مع غلامه نسطاس إلى التنعيم وأخرجه من الحرم ليقتله، واجتمع رهط من قريش، منهم أبو سفيان بن حرب. فقال أبو سفيان حين قدّم ليقتل: «أنشدك اللَّه يا زيد أتحب أن محمدا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟» قال: «واللَّه ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي» . فقال أبو سفيان: «ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا» . ثم قتله نسطاس، وأسلم بعد ذلك. وذكر ابن عقبة أن زيدا وخبيبا قتلا في يوم واحد وأن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سمع يوم قتلا وهو يقول: «وعليكما السلام» .

ذكر قصة قتل خبيب بن عدي رضي الله تعالى عنه وما وقع في ذلك من الآيات

قال أبو هريرة كما في الصحيح [ (١) ] : «فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل» . وقال ابن عقبة: «واشترك في ابتياع خبيب، زعموا أبا إهاب بن عزيز، وعكرمة بن أبي جهل، والأخنس بن شريق [ (٢) ] ، وعبيدة بن حكيم بن الأوقص، وأمية بن أبي عتبة، وصفوان بن أمية وبنو الحضرمي، وهم أبناء من قتل من المشركين يوم بدر» وقال ابن إسحاق: «فابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل، وكان أخا الحارث بن عامر لأمه» . وقال ابن هشام: كان ابن أخته لا ابن أخيه عقبة بن الحارث بن عامر ليقتله بأبيه الحارث. قال أبو هريرة كما في الصحيح: «وكان خبيب بن عدي قتل الحارث يوم بدر» . انتهى. فجلس خبيب في بيت امرأة يقال لها ماويّة مولاة حجير بن أبي إهاب، وأسلمت بعد ذلك فأساؤوا إساءة. فقال لهم: «ما يصنع القوم الكرام هنا بأسيرهم» فأحسنوا إليه بعد.

وروى ابن سعد عن موهب مولى الحارث أنهم جعلوا خبيبا عنده، فكأنه كان زوج ماويّة. قالت ماوية كما عند محمد بن عمر، وموهب كما عند ابن سعد أنهما قالا لخبيب: «ألك حاجة؟» فقال: «نعم لا تسقوني إلا العذاب ولا تطعموني ما ذبح على النّصب وتخبروني إذا أرادوا قتلى» .

٧/٤٣٧/٤٣

وروى البخاري عن بعض بنات الحارث بن عامر، قال خلف في الأطراف: اسمها زينب، وابن إسحاق ومحمد بن عمر عن ماويّة قالت زينب: «ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وأنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزقا رزقه اللَّه تعالى خبيبا» . وقالت ماويّة: «اطلعت عليه من صير الباب وإنه لفي الحديد وإن في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرّجل يأكل منه وما أعلم في أرض اللَّه تعالى عنبا يؤكل» . زاد محمد بن عمر: كان خبيب يتهجّد بالقرآن فكان يسمعه النساء فيبكين ويرفقن عليه.

فلما انسلخت الأشهر الحرم، وأجمعوا على قتله قالت ماوية كما عند محمد بن عمر: «فأتيته فأخبرته فو اللَّه ما اكترث بذلك» . وقال: «ابعثني بحديدة أستصلح بها» . قالت: «فبعثت إليه بموسى مع أبي حسين بن الحارث» . قال محمد بن عمر: وكانت تحضنه ولم يكن ابنها.

فلما ولّى الغلام قلت: «واللَّه أدرك الرجل ثأره، أيّ شيء صنعت؟ بعثت هذا الغلام بهذه الحديدة، فيقتله ويقول: رجل برجل» . فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال: «لعمرك أما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة؟» ثم خلّى سبيله. فقلت: «يا خبيب إنما أمنتك بأمانة اللَّه» فقال خبيب: «ما كنت لأقتله وما نستحلّ في ديننا الغدر» .

وفي الصحيح عن أبي هريرة [ (١) ] : « [فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله] استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها فأعارته، قالت فغفلت عن صبي لي حتى أتاه، فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك مني، وفي يده الموسى. فقال: «أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء اللَّه» . قال الحافظ: والجمع بين الروايتين أنه طلب الموسى من كل منهما، وكان الذي أوصله إليه ابن أحدهما. وأما ابن الذي خشيت عليه حين درج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فهذا غير الذي أحضر إليه الحديدة. واللَّه تعالى أعلم.

فأخرجوه في الحديد حتى انتهوا به إلى التنعيم، وخرج معه النساء والصبيان والعبيد وجماعة من أهل مكة. فلم يتخلّف أحد إمّا موتور فهو يريد أن يتشفّى بالنظر من وتره، وإما غير موتور فهو مخالف للإسلام وأهله. فلما انتهوا به إلى التنعيم أمروا بخشبة طويلة فحفروا لها.

فلما انتهوا بخبيب إليها قال: «هل أنتم تاركي فأصلّي ركعتين؟» قالوا: نعم. فركع ركعتين أتمّهما من غير أن يطوّل فيهما. ثم أقبل على القوم فقال: «أما واللَّه لولا أن تظنوا أني إنما طوّلت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة» .

٧/٤٤٧/٤٤

وذكر ابن عقبة رحمه الله تعالى أنه صلى الركعتين في موضع مسجد التنعيم. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، كما في الصحيح [ (١) ] : «فكان خبيب رضي الله تعالى عنه أول من سنّ هاتين الركعتين عند القتل» انتهى. ثم قال خبيب: «اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا» . قال معاوية بن أبي سفيان: «لقد حضرت مع أبي سفيان، فلقد رأيتني وإن أبا سفيان ليضجعني إلى الأرض فرقا من دعوة خبيب» . وكانوا يقولون أن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه. وقال حويطب بن عبد العزّى: وأسلم بعد ذلك: «لقد رأيتني أدخلت إصبعي في أذنيّ وعدوت هاربا فرقا أن أسمع دعاءه» ، وكذلك قال جماعة منهم.

فلما صلى الركعتين جعلوه على الخشبة ثم وجّهوه إلى المدينة وأوثقوه رباطا، ثم قالوا له: «ارجع عن الإسلام نخل سبيلك» . قال: «لا والله ما أحب أني رجعت عن الإسلام وأن لي ما في الأرض جميعا» . قالوا: «أفتحب أن محمدا في مكانك وأنت جالس في بيتك؟» قال: «لا والله ما أحب أن يشاك محمد شوكة وأنا جالس في بيتي» . فجعلوا يقولون: «ارجع يا خبيب» . فقال: «لا أرجع أبدا» . قالوا: «أما واللات والعزى» لئن لم تفعل لنقتلنّك. فقال: «إن قتلى في الله لقليل» . ثم قال: «اللهم إني لا أرى إلا وجه عدو، الله إنه ليس هنا أحد يبلغ رسولك عني السلام، فبلّغه أنت عني السلام» . فلما رفع على الخشبة استقبل الدعاء. وروى محمد بن عمر عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا في أصحابه فأخذته غمية كما كانت تأخذه فلما نزل عليه الوحي سمعناه يقول: «وعليه السلام ورحمة الله وبركاته» . ثم قال: «هذا جبريل يقرئني من خبيب السلام» .

وفي رواية أبي الأسود عن عروة: «فجاء جبرئيل إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فأخبره فأخبر أصحابه بذلك» . قال ابن عقبة رحمه اللَّه تعالى: فزعموا أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال ذلك اليوم وهو جالس: «وعليك السلام، خبيب قتلته قريش» .

ثم دعا المشركون أربعين ولدا ممن قتل آباؤهم ببدر كفّارا، فأعطوا كل غلام رمحا وقالوا: هذا الذي قتل آباؤكم، فطعنوه برماحهم طعنا خفيفا فاضطرب على الخشبة، فانقلب فصار وجهه إلى الكعبة، فقال: «الحمد للَّه الذي جعل وجهي نحو قبلته التي رضي لنفسه» ثم قتلوه رحمه اللَّه تعالى.

وفي حديث أبي هريرة: «ثم قام إليه أبو سروعة» - واسمه كما في الصحيح في غزوة بدر عن أبي هريرة، وجزم جماعة من أهل النسب أنه أبو سروعة أخو عقبة بن الحارث، وأسلم بعد ذلك- (فقتله) وذكر أبو عمر في الاستيعاب أن أبا صبيرة بن العبدري قتل خبيبا مع عقبة وصوابه أبو ميسرة كما عند ابن إسحاق رحمه اللَّه تعالى. وروى ابن إسحاق بسند صحيح عن عقبة بن الحارث قال: «لأنا كنت أضعف من ذلك، ولكن أبا ميسرة العبدري أخذ الحربة فجعلها في يدي، ثم أخذ بيدي وبالحربة. ثم طعنته بها حتى قتلته» وذكر محمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر وغيرهما أن خبيبا رضي اللَّه تعالى عنه حين رأى ما صنعوا به قال: لقد جمّع الأحزاب حولي وألّبوا ... قبائلهم واستجمعوا كلّ مجمع وكلّهم مبدي العداوة جاهد ... علي لأنّي في وثاق مضيّع وقد جمّعوا أبناءهم ونساءهم ... وقرّبت من جذع طويل ممنّع وقد خيّروني الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناي من غير مجزع وما بي حذار الموت إنّي لميّت ... ولكن حذاري حرّ نار تلفّع إلى اللَّه أشكو غربتي ثمّ كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي فذا العرش صبّرني على ما يراد بي ... فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع لعمرك ما آسي إذا متّ مسلما ... على أي جنب كان في اللَّه مصرعي فلست بمبد للعدوّ تخشّعا ... ولا جزعا إنّي إلى اللَّه مرجعي وروى البخاري عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه أن خبيبا رضي اللَّه تعالى عنه قال: فلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان في اللَّه مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع وروى الإمام أحمد بن عمرو بن أمية رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعثه وحده عينا إلى قريش قال: «فجئت خشبة خبيب وأنا أتخوّف العيون فرقيت- وفي لفظ فصعدت فيها- فحللت خبيبا فوقع إلى الأرض فانتبذت غير بعيد، فسمعت وجبة خلفي فالتفتّ فلم أر خبيبا، وكأنما ابتلعته الأرض فلم أر لخبيب أثرا حتى الساعة» وذكر أبو يوسف رحمه اللَّه تعالى في كتاب اللطائف عن الضحاك رحمه اللَّه تعالى أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أرسل المقداد والزبير في إنزال خبيب عن خشبته ودخلا إلى التنعيم فوجدا حوله أربعين رجلا نشاوى فأنزلاه فحمله الزبير على فرسه وهو رطب لم يتغير منه شيء، فنذر بهم المشركون فلما لحقوهم قذفه الزبير فابتلعته الأرض فسمّي بليع الأرض.

٧/٤٥٧/٤٥

وذكر القيرواني في حلى العليّ أن خبيبا لما قتل جعلوا وجهه إلى غير القبلة فوجدوه مستقبلا لها فأداروه مرارا ثم عجزوا فتركوه. وروى ابن إسحاق عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: «لما أصيبت السريّة التي كان فيها مرثد وعاصم بالرجيع قال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في أهليهم ولا هم أدّوا رسالة صاحبهم» . فأنزل اللَّه عز وجل في ذلك من قول المنافقين: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ [البقرة ٢٠٤] وهو مخالف لما يقوله بلسانه، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ [البقرة ٢٠٤] ، أي ذو جدال إذا كلمك وراجعك وَإِذا تَوَلَّى أي خرج من عندك سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [البقرة ٢٠٥] أي لا يحب عمله ولا يرضاه. وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ [البقرة ٢٠٦] . كذا ذكر ابن إسحاق أن هذه الآيات نزلت في شأن هذه السرية، وذكر غيره أنها نزلت في الأخنس بن شريق واللَّه تعالى أعلم.

٧/٤٦٧/٤٦

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ أي يبيع نفسه في الجهاد ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [البقرة ٢٠٧] قالوا نزلت هذه الآية في صهيب رضي اللَّه تعالى عنه.

تنبيهات

الأول: وقع في الصحيح في حديث: «وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر» .

واعتمد على ذلك البخاري، فذكر خبيب بن عدي فيمن شهد بدرا قال في الفتح وهو اعتماد متجه. وتعقب الحافظ أبو محمد الدمياطي، وتبعه في العيون بأن أهل المغازي لم يذكر أحد منهم أن خبيب بن عدي ممن شهد بدرا ولا قتل الحارث بن عامر، إنما ذكروا أن الذي قتل الحارث بن عامر ببدر هو خبيب بن إساف، وهو غير خبيب بن عدي وهو خزرجي، وخبيب بن عديّ أوسي. قال الحافظ: «ويلزم من الذي قال ذلك ردّ هذا الحديث الصحيح، فلو لم يقتل خبيب بن عدي الحارث بن عامر، ما كان لاعتناء آل الحارث بن عامر بأسر خبيب معنى، ولا بقتله مع التصريح في الحديث الصحيح أنهم قتلوه به. ولكن يحتمل أن يكونوا قتلوا خبيب بن عدي لكون خبيب بن إساف- بهمزة مسكورة وقد تبدل تحتية وبسين مهملة- قتل الحارث بن عامر، على عادتهم في الجاهلية بقتل بعض القبيلة عن بعض، ويحتمل أن يكون خبيب بن عدي شرك في قتل الحارث والعلم عند اللَّه.

الثاني: قال أبو هريرة كما في الصحيح: «فكان أول من سنّ الركعتين عند القتل» وجزم بذلك خلائق لا يحصون. وقدمه في الإشارة ثم قال: وقيل أسامة بن زيد حين أراد المكري الغدر به، قلت كذا في نسختين من الإشارة: أسامة، وصوابه زيد بن حارثة والد أسامة كما في الروض: «قال أبو بكر بن أبي خيثمة حدثنا يحيى بن معين قال أخبرنا يحيى [بن عبد اللَّه] بن بكير قال حدثنا الليث بن سعد رحمه اللَّه تعالى قال: «بلغني أن زيد بن حارثة اكترى من رجل بغلا إلى الطائف واشترط عليه المكري أن ينزله حيث شاء قال فمال به إلى خربة فقال له انزل، فنزل فإذا في الخربة قتلى كثيرة. قال فلما أراد أن يقتله قال له: دعني أصلّي ركعتين. قال: صلّ، فقد صلّى هؤلاء قبلك فلم تنفعهم صلاتهم شيئا. قال فلما صلّيت أتاني ليقتلني. قال فقلت: «يا أرحم الراحمين» . قال فسمع صوتا قال: لا تقتله. قال: فهاب ذلك فخرج يطلب أحدا فلم ير شيئا، فرجع إليّ، فناديت: يا أرحم الراحمين، ففعل ذلك ثلاثا. فإذا أنا بفارس على فرس في يده حربة من حديد في رأسها شعلة من نار فطعنه بها فأنفذها من ظهره فوقع ميتا. ثم قال لي: «لما دعوت المرّة الأولى يا أرحم الراحمين كنت في السماء السابعة. فلما دعوت المرة الثانية يا أرحم الراحمين كنت في السماء الدنيا فلما دعوت المرة الثالثة يا أرحم الراحمين أتيتك» . انتهى فهذا كما ترى غير متصل فلا يقاوم ما في الصحيح.

٧/٤٧٧/٤٧

الثالث: قال السهيلي رحمه اللَّه تعالى: «وإنما صار فعل خبيب رضي اللَّه تعالى عنه سنّة [حسنة] . والسنّة إنما هي أقوال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأفعاله وإقراره غيره على قول أو فعل لأن خبيبا فعلهما في حياة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فاستحسن ذلك من فعله.

الرابع: قال في الروض: «فإن قيل: فهل أجيبت فيهم دعوة خبيب؟ والدعوة على تلك الحال من مثل ذلك العبد مستجابة. قلنا: أصابت منهم من سبق في علم اللَّه أن يموت كافرا، ومن أسلم منهم فلم يعنه خبيب ولا قصده بدعائه، ومن قتل منهم كافرا بعد هذه الدعوة فإنما قتلوا بددا غير معسكرين ولا مجتمعين كاجتماعهم في أحد، وقبل ذلك في بدر، وإن كانت الخندق بعد قصة خبيب فقد قتل فيها منهم آحاد متبدّدون، ثم لم يكن لهم بعد ذلك جمع ولا معسكر غزوا فيه فنفذت الدعوة على صورتها وفيمن أراد خبيب رحمه اللَّه تعالى وحاشا له أن يكره إيمانهم وإسلامهم.

الخامس: قول سيدنا خبيب: «ذلك في ذات الإله» إلى آخره قال أبو القاسم الراغب: «الذات تأنيث ذو وهي كلمة يتوصّل بها إلى الوصف بأسماء الأجناس والأنواع وتضاف إلى الظاهر دون المضمر وتثنّى وتجمع ولا يستعمل شيء منها إلا مضافا وقد يسبقها لفظ الذات لعين الشيء، واستعملوها مفردة ومضافة وأدخلوا عليها الألف واللام وأجروها مجرى النفس والخاصة [فقالوا ذاته ونفسه وخاصته] وليس ذلك من كلام العرب» . وقال القاضي: ذات الشيء نفسه وحقيقته. وقد استعمل أهل الكلام «الذات» بالألف واللام وغلّطهم أكثر النحاة وجوزه بعضهم لأنها ترد بمعنى النفس وحقيقة الشيء، وجاء في الشعر لكنه شاذّ. وقال ابن برهان- بفتح الباء الموحدة- «إطلاق المتكلمين الذات في حق اللَّه تعالى من جهلهم لأن ذات تأنيث ذو، وهو جلّت عظمته لا يصح له إلحاق تأنيث، ولهذا امتنع أن يقال علّامة وإن كان أعلم العالمين» . قال: «وقولهم الصفات الذاتية جهل منهم أيضا لأن النسب إلى ذات دور» .

٧/٤٨٧/٤٨

وقال التاج الكندي في الرد على الخطيب ابن نباتة [ (١) ] في قوله: كنه ذاته، ذات بمعنى صاحبة تأنيث ذو، وليس لها في اللغة مدلول غير ذلك، وإطلاق المتكلمين وغيرهم الذات بمعنى النفس خطأ عند المحققين. وتعقّب بأن الممتنع استعمالها بمعنى صاحبة، أما إذا قطعت عن هذا المعنى واستعملت بمعنى الاسمية فلا محذور كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [آل عمران ١١٩] أي بنفس الصدور.

وقد حكى المطرزيّ [ (٢) ] رحمه اللَّه تعالى أن كل ذات شيء وكل شيء ذات. وقال الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى في تهذيبه: «مراد الفقهاء بالذات الحقيقية» وهذا اصطلاح المتكلمين وقد أنكره بعض الأدباء عليهم وقال إنه لا يعرف في لغة العرب ذات بمعنى الحقيقة [وإنما ذات بمعنى صاحبة] وهذا الإنكار منكر بل الذي قاله الفقهاء والمتكلمون صحيح فقد قال الإمام أبو الحسن الواحدي [في أول سورة الأنفال] في قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ قال: [أبو العباس أحمد بن يحيى] ثعلب: معنى ذات بينكم أي الحالة التي بينكم فالتأنيث عنده للحالة [وهو قول الكوفيين] وقال الزّجّاج: معنى ذات بينكم حقيقة وصلكم والمراد بالبين الوصل فالتقدير: فأصلحوا حقيقة وصلكم. قال الواحدي: فذات عنده بمعنى النفس [كما يقال ذات الشيء ونفسه] . انتهى.

وعلى جواز ذلك مشى الإمام البخاري فقال في كتاب التوحيد من صحيحه: (باب ما يذكر في الذات والنعوت) [ (٣) ] . فاستعملها على نحو ما تقدم من أن المراد بها نفس الشيء وحقيقته على طريقة المتكلمين في حق اللَّه تعالى، ففرّق بين النعوت والذات واستدل البخاري على ذلك بقول خبيب السابق. وتعقبه السبكي رحمه اللَّه تعالى بأن خبيبا لم يرد بالذات الحقيقة التي هي مراد البخاري، وإنما مراده: في سبيل اللَّه أو في طاعته. قال الكرماني: وقد يجاب بأن غرضه إطلاق الذات في الجملة، قال في الفتح: والاعتراض أقوى من الجواب. واستدل غيره بقوله صلى الله عليه وسلم: «لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله عز وجل» [ (١) ] .

٧/٤٩٧/٤٩

وفي رواية «كل ذلك في ذات الله تعالى» .

وبحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: «لا يفقه كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله تعالى»