السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

غزوة المريسيع (بني المصطلق)

التاريخشعبان ٥، وقيل ٤، وقيل ٦
عمره ﷺ٥٧

شعبان ٥، وقيل ٤، وقيل ٦، وعمره ﷺ ٥٧

تقرأ في ابن القيم، ت ٧٥١هـ، ١٩ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: دار عطاءات العلم ودار ابن حزم، الطبعة الثالثة ١٤٤٠ هـ
٣/٢٩٩٣/٢٩٩

وكانت في شعبان سنة خمس

٣/٣٠٩٣/٣٠٩

فقال موسى بن عقبة: غزوة المريسيع كانت سنة أربعٍ قبل الخندق، حكاه عنه البخاري. وقال الواقدي: كانت سنة خمس، قال: وكانت قريظة والخندق بعدها

فصل في غزوة المريسيع

٤/٢٩٩٤/٢٩٩

وكانت في شعبان سنة خمس، وسببها: أنه بلغه - صلى الله عليه وسلم - أن الحارث بن أبي ضرار سيِّدَ بني المصطلق سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم له ذلك، فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلَّمه ورجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره خبرهم، فندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناسَ فأسرعوا في الخروج، وخرج معه جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة مثلها، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وقيل: أبا ذر، وقيل: نميلة بن عبد الله الليثي.

وخرج يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، وبلغ الحارثَ بن أبي ضرار ومن معه مسيرُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقَتْلُه عينَه الذي كان وجَّهه ليأتيه بخبره وخبر المسلمين، فخافوا خوفًا شديدًا وتفرَّق عنهم من كان معهم من العرب، وانتهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المُريسيع ــ وهو مكان الماء ــ فاضطرب (٢) عليه قُبَّتَه ومعه عائشة وأم سلمة، فتهيَّؤُوا للقتال.

وصفَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، ورايةُ المهاجرين مع أبي بكر الصديق

قصة الإفك في الفقول من غزوة المريسيع

٤/٣٠١٤/٣٠١

وذكر الطبراني في «معجمه» (١) من حديث محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: «لمّا كان من أمر عقدي ما كان، قال أهلُ الإفك ما قالوا، فخرجتُ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوةٍ أخرى فسقط أيضًا عقدي حتى حبس التماسُه الناسَ ولقيتُ من أبي بكرٍ ما شاء الله، وقال لي: يا بُنيَّة في كل سفرٍ تكُونين عناءً وبلاءً؟! وليس مع الناس ماء، فأنزل الله الرخصة بالتيمم» .

وهذا يدل على أن قصة العقد التي نزل التيمم لأجلها بعد هذه الغزوة، وهو الظاهر (٢) ، ولكن فيها كانت قصةُ الإفك بسبب فقدِ العقد والتماسِه، فاشتبه على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى، والله أعلم. ونحن نشير إلى قصة الإفك: وذلك أن عائشة -رضي الله عنها- كانت قد خرج بها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها، وكانت تلك عادته مع نسائه، فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض المنازل، فخرجت عائشة لحاجتها (٣) ثم رجعت ففقدت عقدًا لأختها كانت أعارتها إياه، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه، فجاء النفر الذين كانوا يُرحِّلون هودجها فظنوها فيه فحملوا الهودج ولا ينكرون خفته، لأنها -رضي الله عنها- كانت فتيَّة السنِّ لم يغشَها اللحمُ الذي يُثقلها، وأيضًا فإن النفر لما تساعَدوا على حمل الهودج لم يُنكروا خِفَّته، ولو كان الذي حمله واحدًا أو اثنين لم يخفَ عليهما الحال.

٤/٣٠٢٤/٣٠٢

فرجعت عائشة إلى منازلهم وقد أصابت العِقدَ فإذا ليس بها داعٍ ولا مجيب، فقعدت في المنزل وظنَّت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها ــ والله غالب على أمره يدبّر الأمرَ فوقَ عرشه كما يشاء ــ، فغلبتْها عيناها فنامت فلم تستيقظ إلا بقول صَفوان بن المعطَّل: إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! وكان صفوان قد عرَّس في أخريات الجيش، لأنه كان كثير النوم كما جاء عنه في «صحيح أبي حاتم» وفي «السنن» (١) . فلما رآها عرفها ــ وكان يراها قبلَ نزول الحجاب ــ فاسترجع وأناخ راحلته فقرَّبها إليها فركبت (٢) ، وما كلَّمها كلمةً واحدةً ولم تسمع منه إلا استرجاعه.

ثم سار بها يقودها حتى قدم بها وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة، فلما رأى ذلك الناسُ تكلَّم كلٌّ منهم بشاكلته وما يليق به، ووجد الخبيثُ عدوُّ الله ابنُ أبيٍّ متنفَّسًا فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه، فجعل يستحكي الإفكَ ويستوشيه، ويُشِيعه ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون إليه به.

٤/٣٠٣٤/٣٠٣

فلما قدموا المدينة أفاض أهلُ الإفك في الحديثِ ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ساكت لا يتكلم، ثم استشار أصحابه في فراقها فأشار عليه عليٌّ بأن يُفارِقها ويأخذَ غيرَها تلويحًا لا تصريحًا، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها وبأن لا (١) يلتفت إلى كلام الأعداء (٢) .

فعليٌّ لمّا رأى أن ما قيل مشكوك فيه أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين ليتخلَّص رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من الهمِّ والغمِّ الذي لحقه بكلام الناس فأشار بحسم الداء؛ وأسامة لمّا علم حبَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها ولأبيها، وعلم من عفَّتها وبراءتها وحصانتها وديانتها ما هي فوقَ ذلك وأعظمُ منه، وعرف من كرامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ربِّه ومنزلته عنده ودفاعِه عنه أنه لا يجعل ربَّةَ بيته وحبيبتَه من النساء وبنتَ صديقه بالمنزلة التي أنزلها بها أرباب الإفك، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرمُ على ربه وأعزُّ عليه من أن يجعل تحته امرأةً بغيًّا، وعلم أن الصديقة حبيبةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرمُ على ربها من أن يبتليها بالفاحشة وهي تحت رسوله (٣) ؛ فمن قويت معرفةُ الله ومعرفةُ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - وقدرُه عند الله في قلبه قال (٤) كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة لمَّا سمعوا ذلك:

فصل: ما وقع في حديث الإفك من رواية مسروق عن أم رومان، وقول بعضهم إنه غلط ظاهر

٤/٣١١٤/٣١١

فقال: أنا أعذرك منه، فردَّ عليه سعدُ بن عبادة؛ ولم يذكر سعد بن معاذ. قال أبو محمد بن حزم (١) : وهذا هو الصحيح الذي لا شك فيه، وذكرُ سعد بن معاذ وهمٌ لأن سعد بن معاذ مات إثر فتح بني قريظة بلا شك، وكانت في آخر ذي القعدة من السنة الرابعة، وغزوةُ بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة، بعد سنةٍ وثمانِ أشهرٍ من موت سعد، وكانت المقاولة بين الرجلين المذكورين بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق بأزيد من خمسين ليلةً. قلت: الصحيح أن الخندق كان في سنة خمسٍ كما سيأتي (٢) .

فصل

ومما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرق البخاري (٣) عن أبي وائل عن مسروق قال: «سألت أم رومان عن حديث الإفك فحدثتني» . قال غير واحد (٤) : وهذا غلط ظاهر، فإن أم رومان ماتت على عهدِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قبرها وقال: «من سرَّه أن ينظر إلى امرأةٍ من الحُور العِين فلينظر إلى هذه» (١) . قالوا: ولو كان مسروق قدم المدينة في حياتها وسألها لَلَقِي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وسمع منه، ومسروقٌ إنما قدم المدينة بعد موتِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قالوا: وقد روى مسروق عن أمِّ رومان حديثًا غير هذا فأرسل الرواية عنها، فظن بعض الرواة أنه سمع منها فحمل هذا الحديث على السماع. قالوا: ولعل مسروقًا قال: «سُئِلت أم رومان» فتصحّف على بعضهم بـ «سألت» ، لأن من الناس من يكتب الهمزة بالألف على كل حال. وقال آخرون: كل هذا لا يرد الرواية الصحيحة التي أدخلها البخاري في «صحيحه» . وقد قال إبراهيم الحربي (٢) وغيره: إن مسروقًا سألها وله خمس عشرة سنةً، ومات وله ثمانٍ وسبعون سنةً، وأم رومان أقدم من حدث عنه. قالوا: وأما حديث موتها في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزولِه في قبرها فحديث لا يصح (٣) ، وفيه علتان تمنعان صحته: إحداهما: رواية علي بن زيد بن جُدعان له، وهو ضعيف الحديث لا يحتج بحديثه.

٤/٣١٢٤/٣١٢

والثانية: أنه رواه عن القاسم بن محمد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والقاسم لم يدرك

فصل: استشكال ذكر بريرة في حديث الإفك

٤/٣١٣٤/٣١٣

زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

فكيف يُقدَّم هذا على حديثٍ إسناده كالشمس يرويه (١) البخاري في «صحيحه» ويقول فيه مسروق: «سألت أم رومان فحدثتني» ، وهذا يردُّ أن يكون اللفظ: «سُئِلت» .

وقد قال أبو نعيم في كتاب «معرفة الصحابة» (٢) : قد قيل: إن أم رومان توفيت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو وهمٌ.

فصل

ومما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرقه أن عليًّا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - لما استشاره: سَل الجاريةَ تصدقك، فدعا بريرة فسألها فقالت: ما علمتُ عليها إلا ما يعلم الصائغ على التبر، أو كما قالت (٣) .

وقد استشكل هذا، فإن بريرة إنما كاتبت وعَتَقتْ بعد ذلك بمدة طويلة، وكان العباسُ عمُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ ذاك في المدينة ــ والعباس إنما قدم المدينة بعد الفتح ــ، ولهذا قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد شفع (٤) إلى بريرة أن تراجع زوجها (٥) فأبت أن تراجعه: «يا عباس، ألا تعجب من بُغضِ بريرة مُغيثًا وحبِّه