غزوة المريسيع (بني المصطلق)
شعبان ٥، وقيل ٤، وقيل ٦، وعمره ﷺ ٥٧
المبحث الأول: نسب عشيرة بني المصطلق وصلتهم بقبائل المدينة المنورة
...
لا بد من التعريف ببني المصطلق وبيان حدود ديارهم التي قطنوها قبل الكلام على الغزوة وما جرى فيها. وسوف يشتمل هذا التعريف على مبحثين: المبحث الأول: نسب عشيرة بني المصطلق، وصلتهم بقبائل المدينة المنورة والحديث عن نسب قبيلة بني المصطلق ينحصر فيما يلي: أولا: سياق نسب الحارث بن أبي ضرار قائد هذه القبيلة والمتحدث عنها.
ثانياً: سياق نسب المصطلق الذي هو أصل هذه القبيلة ومنه تفرعت.
ثالثاً: بيان المتفق عليه من نسب هذه القبيلة والمختلف فيه، مع ذكر وجهة نظر كل فريق، وتحقيق المقام في ذلك حسب الإمكان.
فالحارث: هو ابن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة ١.
- ١الاستيعاب لابن عبد البر مع الإصابة٤/٢٥٨، والروض الأنف للسهيلي ٦/٤٣٥، وأسد الغابة لابن الأثير ١/٤٠٠ و ٧/٥٦. وذكر ابن حجر وابن الأثير في موضع من أسد الغابة (الحارث) بين حبيب وعائذ، وسمى ابن حجر (حبيباً) خبيباً بالخاء المعجمة. انظر: أسد الغابة١/٤٠٠والإصابة ١/٢٨١، ومعجم قبائل العرب لكحالة ٣/١١٠٤، وجذيمة: بجيم مضمومة فذال معجمة مفتوحة فتحتانية ساكنة. انظر: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٦.
وجذيمة هو: "المصطلق بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمر بن عامر ماء السماء، بطن من خزاعة" ١.
وعمرو بن ربيعة هو أبو خزاعة كلها ١.
- ١انظر: أسد الغابة ٧/٥٦، ونهاية الأرب للنويري ٢/٣٣٢، وقلائد الجمان للقلقشندي ص٩٨، ومعجم قبائل العرب لكحالة ١/٣٣٨.
والمتفق عليه في هذا كون بني المصطلق من خزاعة، وكون خزاعة من ولد عمرو بن لحي٣٤ ولخلاف في نسب عمرو بن لحي على قولين: القول الأول: ذهب أكثر العلماء إلى أن عمرو بن لحى من قحطان وهو: عمرو بن لحيى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
١- أن هذا قول أكثر علماء النسب وهم أعرف بذلك من غيرهم لأن هذا من اختصاصهم.
٢- أن هذا هو قول خزاعة أنفسهم، فكانت تقول: نحن بنو عمرو بن عامر من اليمن ١.
- ١انظر: سيرة ابن هشام ١/٩١. المصطلق: بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح الطاء المشالة المهلمة المبدلة من التاء لأجل الصاد وكسر اللام بعدها قاف، وهو لقب جذيمة بن سعد، لقب بذلك لحسن صوته وهو أول من غنى من خزاعة (شرح المواهب اللدنية ٢/٩٦) . (حلول) : الحلول: البيوت الكثيرة، وروى (خيول) و (كراكر) : جماعات انظر التعليق على سيرة ابن هشام ١/٩٢. ٢ سيرة ابن هشام ١/٩١-٩٢، وشفاء الغرام بأخيار البلد الحرام ٢/٤٥، و٤٧، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٥٦، و١٦١، ١٨٥، ١٨٧-١٨٩، وفتح الباري ٦/٥٤٨، والأعلام للزركلي ٢/٣٤٨. ٣ ذكر ابن كثير أن خزاعة انْتَزعت ولاية البيت من جرهم لما بغت وأكثرت الفساد والإلحاد في البلد الحرام، وأن ولاية البيت استمرت في خزاعة ثلاثمائة سنة، وقيل: خمسمائة سنة، يتوارثون ذلك كابراً عن كابر حتى كان آخرهم حليل بن حبشية ابن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي، الذي تزوج قصيّ بن كلاب على ابنته حبى بنت حليل بن حبشية. وأن ولاية البيت صارت إليه بعد حليل قيل بوصية من حليل، وقيل: إن قصيّاً استغاث بأخوته من أمه وبني كنانة وقضاعة وقبائل من قريش على خزاعة، فأجلاهم عن ولاية البيت. انظر: البداية والنهاية ٢/١٥٦٥، و١٨٥، و١٨٧، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٧، وانظر: فتح الباري ٦/٥٣٤، و٥٤٨. ٤ سيرة ابن هشام ١/٧٦، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم ص: ٤٨٠، وتاريخ ابن خلدون ٢/٣١٥، وشفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ٢/٤٤، ومعجم قبائل العرب لكحالة ١/٣٣٨.
- *أسد الغابة ٧/٥٦، واللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير ٣/٢١٩-٢٢٠ وفتح الباري ٥/١٧١ و٧/٤٣٠، وتاج العروس للزبيدي ٦/٤١٢، ونيل الأوطار للشوكاني ٧/٢٤٦. وخزاعة: بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي المخففة.
- *لحيى: باللام والمهملة مصغراً فتح الباري ٦/٥٤٧.
- *نهاية الأرب للنويري ٢/٣٣٢، واللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير ١/٤٣٩، وفتح الباري ٦/٥٤٧، ومعجم قبائل العرب لكحالة ١/٣٣٨.
٣- علة التسمية بخزاعة وهو من التخزع وهو التأخر والمفارقة، وذلك أن خزاعة انخزعت من ولد عمرو بن عامر حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام، فنزلت خزاعة بمر الظهران فأقامت بها.
ولذا قال عون بن أيوب الأنصاري في الاسلام: فلما هبطنا بطن مر تخزعت خزاعة منا في حلول١ كراكر٢ فعلى هذا تكون خزاعة٣ قحطانية يمنية، وجمهور العلماء على أن العرب القحطانية من اليمن وأنهم ليسوا من سلالة إسماعيل عليه السلام.
القول الثاني: أن خزاعة قبيلة عدنانية من ولد قمعة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وإليه ذهب ابن اسحاق وابن حزم وابن عبد البر وابن خلدون وغيرهم٤.
الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عمرو بن لُحيّ بن قَمَعَة بن خِنْدَف أبو خزاعة" ١.
الثاني: حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم٢ينتضلون ١، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً" الحديث ٢.
- ١ينتضلون: يرتمون بالسهم: يقال: انتضل القوم وتناضلوا: أي رموا اللسيق. انظر: النهاية لابن الأثير ٥/٧٢.
- ٢صحيح البخاري ٤/٣٠ كتاب الجهاد/باب التحريض علىالرمي و ٤/١١٧ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب {وَاذْكُرُوا} في الكتاب إسماعيل و ٤/١٤٤ كتاب المناقب، باب نسبة اليمن إلى إسماعيل.
وبهذين الحديثين وغيرهما ذهب هؤلاء العلماء وغيرهم إلى أن خزاعة قبيلة عدنانية، والظاهر أن خزاعة قبيلة قحطانية يمنية وهو المعروف عند أكثر العلماء.
وهذه الأحاديث التي استدل بها من قال بأن خزاعة من بني إسماعيل محتملة للتأويل، ولذا فقد أجاب عنها العلامة الهمداني: بقوله: "أما وصفهم بأنهم بنو إسماعيل فلا يدل أنهم من ولد إسماعيل من جهة الآباء، بل يحتمل أن يكون ذلك من جهة الأمهات، لأن القحطانية والعدنانية، قد اختلطوا بالمصاهرة" ٥. فعلى هذا فتكون خزاعة من بني إسماعيل من جهة الأمهات فقط. وهو جمع وجيه. وقال ابن حجر نقلاً عن ابن الكلبي: "لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم نزل بنو مازن على ماء يقال له غسان، فمن أقام به منهم فهو غساني، وانخزعت منهم بنو عمرو بن لحي عن قومهم فنزلوا مكة. وما حولها فسموا خزاعة، وتفرقت سائر الأزد" . ثم قال ابن حجر: "ووقع في حديث الباب ١ أنه عمرو بن لحي بن قمعة بن خِنْدَف ٢، وهذا يؤيد قول من يقول إن خزاعة من مضر، وذلك أن خندف اسم امرأة إلياس بن مضر، واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران ابن الحاف بن قضاعة. واشتهر بنوها بالنسبة إليها دون أبيهم، لأن إلياس لما مات حزنت عليه حزناً شديداً بحيث هجرت أهلها ودارها وساحت في الأرض حتى ماتت، فكان من رأى أولادها الصغار يقول من هؤلاء؟ فيقال: بنو خندف، إشارة إلى أنها ضيعتهم ..." إلى أن قال: "وجمع بعضهم بين القولين أعني نسبة خزاعة إلى اليمن وإلى مضر، فزعم أن حارثة بن عمرو لما مات قمعة بن خندف كانت امرأته حاملاً بلحي فولدته وهي عند حارثة فتبناه فنسب إليه، فعلى هذا فهو من مضر بالولادة، ومن اليمن بالتبني" .
- ١انظر: الحديث ص ٢٩.
- ٢قمعة: بفتح القاف والميم بعدها مهملة خفيفة، وخندف: بكسر المعجمة وسكون النون وفتح الدال بعدها فاء. انظر: القاموس المحيط للفيروز أبادي ٣/٧٤ و١٣٩، وفتح الباري ٦/٥٤٨، وفي لسان العرب ١٠/٤٤٧، قال: الخندفة: مشية كالهرولة ومنه سميت فيما – زعموا – خندف امرأة إلياس بن مضر بن نزار واسمها ليلى بنت حلوان فغلبت نسبة أولادها من إلياس إليها، وذكروا إن إبلا لإلياس انتشرت ليلاً فخرج مدركة في بغائها فردها فسمي مدركة، وخندفت الأم في أثره أي أسرعت فسميت خندف، وقعد طابخة يطبخ القدر فسمي طابخة وانقمع قمعة في البيت فسمي قمعة، وقالت خندف لزوجها ما زلت أخندف في أثركم فقال لها: فأنت خندف فذهب لها اسماً ولولد نسباً وسميت بها القبلية.
- *صحيح البخاري ٤/١٤٧ كتاب المناقب (باب قصة خزاعة) واللفظ له، ومسلم ٨/١٥٥ (كتاب الجنة) .
- *الشاهد من هذا كون أسلم من خزاعة وقد نسبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إسماعيل عليه السلام. ولذا بوب البخاري بقوله باب نسبة اليمن إلى إسماعيل ثم قال: "منهم أسلم ابن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة" ٤/١٤٤ كتاب المناقب.
- *فتح الباري ٦/٥٣٩.
والخلاصة: أنه اختلف في نسب خزاعة فمنهم من يراها قحطانية من جهة الآباء. ومنهم في قال بأنها قحطانية بالتبني. والذي يظهر أن خزاعة قبيلة يمنية قحطانية. فقد ذكر ابن حجر: حول قول البخاري: "باب نسبة اليمن إلى إسماعيل" منهم أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر ابن خزاعة - قوله: (ابن حارثة بن عمرو بن عامر) أي: ابن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، ثم أورد قول الرشاطي المصرح بأن الأزد من قحطان وأن من قبائل الأزد الأنصار وخزاعة فقال: "قال الرشاطي ١: " الأزد جرثومة من جراثيم قحطان، وفيهم قبائل، فمنهم الأنصار وخزاعة وغسان وبارق وغامد والعتيك، وغيرهم، وهو الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان ٢ "" .
- ١هو عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي بن أحمد الحافظ النسابة أبو محمد اللخمي المري المعروف بالرشاطي، روى عن أبي علي الغساني وأبي علي الصدفي وابن فتحون وجماعة وعنه أبو محمد عبيد الله وابن مضار وأبو بكر بن أبي جمرة وابن خالد بن رفاعة وغيرهم. قال الذهبي: ألف كتابه الحافل المسمى باقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب رواة الآثار، وكتاب الإعلام لما في المختلف والمؤتلف للدراقطني من الأوهام ... الخ، ولد سنة ٤٠٦هـ واستشهد عند دخول العدو المرية في جمادى الآخرة سنة ٥٤٢هـ وكان مولده سنة ٤٠٦ وقال ابن عاف في سنة ٤٦٥ والأول أصح. تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٣٠٧، والبداية والنهاية لابن كثير ١٢/٢٢٣، ومعجم المؤلفين لكحالة ٦/٩٠.
- ٢فتح الباري ٦/٥٣٩.
وهناك من ذهب إلى أن اليمن وعدنان الجميع من ولد إسماعيل عليه السلام كما هو صنيع البخاري في تبويبه وإيراه الأحاديث المؤيدة لقوله ومنها حديثا الباب ١. وعلى هذا فلا اعتراض على نسبة أسلم أو خزاعة إلى العدنانية.
- ١انظر ص ٤٧.
غير أن كون اليمن من ولد إسماعيل فيه نظر وذلك لما ورد عند أحمد وغيره، وهذا نصه عند أحمد: حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير، قال: ثنا مسعر ١ عن عبيد ٢ بن حنين بن حسن عن ابن معقل ٣ عن عائشة: "أنها كان عليها رقبة من ولد إسماعيل فجاء سبي من اليمن من خولان فأرادت أن تعتق منهم ٧.
- ١هو ابن كدام.
- ٢عبيد بن الحسن المزني أو الثعلبي أبو الحسن الكوفي، ثقة. والظاهر أن لفظ (ابن حنين) خطأ. انظر: التقريب ١/٥٤٢، وتهذيب التهذيب ٧/٦٢.
- ٣ابن معقل: بفتح أوله وسكون المهملة بعدها قاف هو عبد الله بن مقرن المزني. التقريب ١/٤٥٣.
- *مسند أحمد ٦/٢٦٣.
الحديث رجاله رجال الصحيح.
وفي مجمع الزوائد رواه أحمد والبزار بنحوه. ورجال أحمد رجال الصحيح ١.
- ١مجمع الزوائد للهيثمي ١٠/٤٦-٤٧، وفتح الباري ٥/١٧٢- ١٧٣ والحديث رواه الحاكم في المستدرك ٢/٢١٦ عن عائشة من طريقين: الأولى: عن مسعر عن عبيد بن الحسن كرواية أحمد. والثانية: عن شعبة عن عبيد بن الحسن به. وقال في الطريق الثانية: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن القحطانيين لا ينحدرون من إسماعيل عليه السلام. وقال محمد السفاريني حول حديث سلمة بن الأكوع المتقدم ١: "ظاهر الحديث أن أسلم من ولد إسماعيل عليه السلام" .والمشهور أنهم من قحطان وهم بطن من خزاعة القحطانية.
- ١انظر: ص ٤٨.
ويدل على أنهم من قحطان: أنه لما وفد على النبي صلى الله عليه وسلم عمرو ١ بن أفصى في عصابة من أسلم، فقالوا: "قد آمنا بالله ورسوله، واتبعنا مِنْهاجَك، فاجعل لنا عندك منزلة تعرف العرب فضيلتنا، فإنا أخوة الأنصار، ولك علينا الوفاء، والنصر في الشدة والرخاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسلم سالمها الله" ٤.
- ١لم أجد هذا الاسم بعد مراجعة طبقات ابن سعد وتاريخ البخاري الكبير والصغير، والاستيعاب، وأسد العابة، والإصابة، كما أني راجعت سيرة ابن هشام، وتاريخ الطبري، وابن كثير، فلم أجد هذا الاسم في جملة من وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- *شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٨٠١. وانظر: الحديث في صحيح البخاري ٤/١٤٥ كتاب المناقب، باب ذكر أسلم وغفار ومزينة..الخ، وصحيح مسلم٧/١٧٨كتاب الفضائل من حديث عبد الله بن عمر. ونصه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال على المنبر: "غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله وعصية عصت الله ورسوله" لفظ البخاري.
أما صلة بني المصطلق بقبائل المدينة فإن الجميع يرجعون إلى الأزد القبيلة اليمانية المشهورة ١.
- ١في القاموس المحيط ١/٣٧٤ (أزد بن الغوث) وبالسين أفصح أبو حي باليمن ومن أولاده: الأنصار كلهم، ويقال: أزد شنئوة وعمان والسراة.
إذ إن الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن عبد الله بن الأزد بن الغوث ابن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان ١.
- ١انظر: طبقات خليفة ص ٧٦.
زاد ابن قتيبة: "ابن سبأ وهما ابنا قبيلة نسبا إلى أمهما وهما الأنصار" ٣.
والمصطلق: هو جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو الجد الثاني بالنسبة للأوس والخزرج، والجد الرابع بالنسبة للمصطلق، فالأوس والخزرج وبنو المصطلق يجتمعون فيه ١.
- ١خليفة: الطبقات ص ١٠٧ وابن قتيبة: المعارف ص ٤٩.
وذكر ابن حزم بأن الأزد بن الغوث ينتهي نسبه إلى قحطان. ثم قال: "وللأزد قبائل وهي الأنصار: وهم بنو الخزرج والأوس ابني حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف ابن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث" ٥.
ولم يذكر خزاعة في قبائل قحطان لأنه يرى أنها قبيلة عدنانية كما تقدم ١.
- ١انظر ص ٤٧.
وقد وافق النويري ابن حزم في سياق نسب عمرو مزيقياء وأنه ينتهي إلى الأزد بن الغوث غير أنه ذكر أن امرئ القيس يلقب البطريق وأن ثعلبة يلقب العنقاء وذكر بين مازن والأزد غساناً وأنه يلقب بالسراج. ثم بين أن عقب عمرو مزيقياء يشكلون أفخاذاً ستة ١.
- ١بقية الأفخاذ هم جفنة وعمران ومحرق وكعب.
يهمنا منها ثعلبة وهم بطن الأنصار، وحارثة وهم بطن خزاعة ١ وكذلك قرر القلقشندي أن الأوس والخزرج وخزاعة كلهم في الأزد.
- ١نهاية الأرب ٢/٣٢٩.
- *ابن قتيبة: المعارف ص ٤٩.
- *جمهرة أنساب العرب ص ٤٨٤.
إذ بين بأن الأوس والخزرج هما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء ١، وخزاعة هم بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء. وإن الجميع يرجعون للأزد ٢.
- ١قلائد الجمان ص ٩٣ ومزيقياء: بمضمومة وفتح زاي وسكون مثناة تحت وكسر قاف وفتح تحتية أخرى ومد همزة. (المغني لمحمد طاهر الهندي ص ٧١) . وفي القاموس المحيط٣/٢٨٣ قال: ومزيقياء لقب عمرو بن عامر ملك اليمن كان يلبس كل يوم حلتين ويمزقهما بالعشي يكره العود فيهما ويأنف أن يلبسهما غيره.
- ٢قلائد الجمان ص ٩٨.
وبذلك يتضح أن بني المصطلق لهم رابطة قوية بأهل المدينة المنورة هي رابطة النسب والرحم. إذ عرفنا أن بني المصطلق بطن من خزاعة بلا نزاع.
المبحث الثاني: ديار بني المصطلق
أما المنطقة التي كانت تسكنها بنو المصطلق فقد عرفنا مما تقدم أن بني المصطلق بطن من خزاعة.
وبالتالي نستطيع تحديد المنطقة التي كانت تقطنها خزاعة قبل مجيء الإسلام وبعده.
ومن خلال تحديد مساكن خزاعة نعرف أماكن بني المصطلق.
وتذكر كتب التواريخ من مساكن بني المصطلق قديداً١ فقط حيث وقعت فيه غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم.
وانفرد أبو إسحاق الحربي بذكر عسفان ١ على أنها من مساكن بني المصطلق ٢. ولكن المؤرخين وغيرهم ذكروا ديار خزاعة، وبنو المصطلق منهم، فديارها ديارهم ويتبين مما ذكرته المصادر أن منازل خزاعة تقع بمكة وما حولها. كما أنهم يشاركون بني ضمرة في جبل الأبواء. وقد سمت المصادر من منازلهم ما يأتي:
- ١عسفان، كعثمان، وانظر تحديدها ص ٥٥.
- ٢كتاب المناسك للحربي ص٤٦٣،والقاموس المحيط٢/١٣٣،وتاج العروس ٣/٥٣٩.
- *قديد: تصغير قد وانظر تحديدها ص ٥٦.
قال الحربي: "بينها وبين مكة ثلاثة عشر ميلاً" ٢ وحددها ياقوت وابن منظور والفيروز آبادي والزبيدي بمرحلة ١. وقال الأسدي ٢ والسمهودي: "بين مكة ومر الظهران سبعة عشر ميلاً" ٥.
- ١معجم البلدان ٥/١٠٤، ولسان العرب ٧/١٧، والأم للشافعي ٥/١٣٤.
- ٢هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الأسدي، هكذا قال عنه السمهودي وقال لا يعرف زمنه غير أنه يعتقد أنه من أهل القرن الثالث. انظر: مقدمة حمد الجاسر لكتاب الحربي ص ٢٦٢ و٢٦٧.
ويتضح لنا مما تقدم أن تحديد المسافة بين مر الظهران ومكة بمرحلة هو الصحيح، وأما ما ذكره الحربي من تحديد هذه المسافة بثلاثة عشر ميلاً فهو خطأ وكذلك ما نقله ياقوت عن الواقدي بأن المسافة بين مر الظهران ومكة خمسة أميال خطأ أيضاً٦ إذ أن ياقوتاً نفسه حد السفر الذي تجوز فيه قصر الصلاة بثمانية وأربعين ميلاً٧.
فتكون المرحلة أربعة وعشرين ميلاً. فيكون الفرق شاسعاً بين تحديد هذه المسافة بمرحلة وبين قول الحربي، وقول الواقدي من باب أولى.
والذي يظهر من هذا أن المسافة بين مكة ومر الظهران هي مرحلة إلاّ ربع مرحلة، وينطبق هذا على تحديد الأسدي والسمهودي.
- *كتاب المناسك للحربي ص ٤٦٥.
- *ص٤٦٥ تعليق على كتاب المناسك للحربي، وخلاصة الوفاء ص ٤٨٢.
- *معجم البلدان ٥/١٠٤.
- *المصدر السابق ١/٣٥.
ويؤيد هذا القول أن المسافة الآن بين مكة ومر الظهران ثلاثون كيلو متراً. والمرحلة أربعون كيلو متراً كما قرر ذلك صاحب تيسير العلام ١.
- ١تيسير العلام شرح عمدة الأحكام لعبد الله بن عبد الرحمن بن صالح آل بسام ١/٥٠٠- ٥٠٢.
والفرق يسير بين تحديدها بمرحلة أو مرحلة إلاّ ربعاً، إذا نظرنا إلى اختلاف الناس في سرعة السير، وعدمه.
فقد قطع بعضهم المسافة بمرحلة، ويقطعها غيره بأقل من ذلك. لا سيما أن الفرق بين تحديدها بمرحلة أو مرحلة إلاّ ربعاً، وهو سبعة أميال أو عشرة كيلو مترات.
وعلى كل حال فأقرب تحديد لهذه المسافة هو ما بين مرحلة أو مرحلة إلاّ ربعاً، لاختلاف الناس سرعة وبطأ.
ذكر الحربي نقلاً عن أبي ١ إسحاق البكري: "أن تحديد المسافة بين عسفان ومر الظهران ثلاثة وعشرون ميلاً وهي لني المصطلق من خزاعة" ٤.
- ١أبو إسحاق البكري: هو إبراهيم بن إسحاق بن محمد بن زكريا بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. مقدمة كتاب المناسك للحربي ص ١٥.
ونقل ياقوت عن السكري ١ وغيره تحديد المسافة بين مكة وعسفان بمرحلتين ٢.
- ١السكري: هو الحافظ أبو سعد علي بن موسى النيسابوري، معدود في حفاظ خرسان (ت ٤٦٥) تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١١٦١.
- ٢معجم البلدان ٤/١٢١ - ١٢٢.
وهو أيضاً قول الفيروز آبادي والزبيدي ١.
- ١القاموس المحيط ٣/١٧٥، وتاج العروس ٦/١٩٨.
وبهذا تكون المسافة بين عسفان ومكة مرحلتين. وهو موافق لتحديدها بالكيلومترات إذ إن بين عسفان ومكة ثمانين كيلومتراً، وتقدم ١ لنا تحديد المرحلة بأربعين كيلومتراً.
- ١تقدم ص ٥٥.
- *كتاب المناسك ص ٤٦٣.
والذي يظهر أنها تبعد عن مكة بمرحلتين ونصف مرحلة؛ لأن بينها وبين مكة الآن ١٠٠ ك م، وهي تساوي مرحلتين ونصف ١ مرحلة وذكر الحربي المسافة بين خليص وقديد، وأنها تبعد عن قديد من جهة مكة بثمانية أميال ٢.
- ١انظر: نسب حرب للبلادي ص ٣٥٧.
- ٢كتاب المناسك ص ٤٦٠.
ذكر الحربي أن المسافة بينها وبين عسفان ثلاثة وعشرون ميلاً، وفيها هضبة يقال لها المشلل كان بها مناة الطاغية ١ فعلى هذا تكون المسافة بين قديد ومكة ثلاث مراحل؛ لأن عسفان على مرحلتين من مكة ٢.
- ١كتاب المناسك ٤٥٨ –٤٦٠.
- ٢انظر: ص٥٥.
بينها وبين قديد أربعة وعشرون ميلاً، وبينها وبين البحر نحو من ستة ١ أميال. هكذا ذكر الحربي ٢.
- ١تقدر الستة الأميال: بـ ١٠ كيلو مترات، وانظر تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ١/٥٠١.
- ٢كتاب المناسك ص ٤٥٧ و ٤٥٩.
وبهذا يتضح أن الحربي يرى أن المسافة بين الجحفة ومكة أربع مراحل وهو قول ياقوت ١.
- ١معجم البلدان ٢/١١١.
ونقل ياقوت أيضاً عن السكري: أن المسافة بينها وبين مكة ثلاث مراحل، وبهذا قال النووي ١.
- ١المصدر السابق ٢/١١١، وشرح صحيح مسلم ٣/٢٥٢.
ونص ابن حزم على أنها تبعد عن مكة باثنين وثمانين ميلاً. وهو يساوي ثلاث مراحل ونصفاً إلاّ ميلين ١. وتبعه على هذا الفيروز آبادي والزبيدي ٢.
- ١المحلى ٧/٦٣.
- ٢القاموس المحيط ٣/١٢١،وتاج العروس ٦/٥٣.
وقرر ابن حجر أن بينها وبين مكة خمس مراحل أو ست ١.
- ١فتح الباري ٣/٣٨٥.
والصحيح أن المسافة بين الجحفة ومكة خمس مراحل، وقد نص على هذا المعاصرون من أهل هذه البلاد وهو أعرف بها من غيرهم ١.
- ١انظر: تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ١/٥٠١، وغزوة بدر لباشميل ص ١٣٢.
ومن المنازل التي استقرت فيها خزاعة قرية الأبواء التي كانت في العهد الإسلامي الأول تابعة إدارياً للفرع ١ التي تتبع بدورها المدينة المنورة.
- ١الفرع: قال حمد الجاسر والفرع: بضم الفاء وإسكان الراء وقيل بضمهما عمل واسع من أعمال المدينة لا يزال معروفاً بهذا الاسم وفيه قرى كثيرة. انظر: التعليق على كتاب المناسك للحربي ص ٣٤١. وذكر البلادي أن الفرع قرية نسب الوادي إليها وهو واد خصب أكثر أودية الحجاز اليوم عيوناً ويجتمع مع القاحة في وادي الأبواء. ويطلق عليه الآن (وادي النخل) وهو لنبي عمرو بن حرب، ولذا يطلق عليه أيضاً وادي بني عمرو لأنهم سكانه. وهو يبعد عن المدينة المنورة جنوباً ١٥٠ كيلو متراً. نسب حرب لعاتق البلادي ص ٣٧٦ – ٣٧٧.
والأبواء جبل مرتفع ليس فيه سوى نبات الخزم والبشام، سميت به القرية وهي لأخلاط من الناس. منهم خزاعة وضمرة.
وتقع شمال الجحفة بثلاثة وعشرين ميلاً، هكذا نص الحربي. وهو قول ياقوت ١ وبهذا تكون المسافة بين الجحفة والأبواء ثلاثة وعشرين ميلاً، وهكذا أقر هذا التحديد من المعاصرين محمد أحمد باشميل وعبد الله آل بسام. وعلى هذا فتكون المسافة بينها مرحلة إلاّ ميلاً واحداً.
- ١كتاب المناسك ص ٤٥٤،ومعجم البلدان ١/٧٩، وانظر فتح الباري ٧/٢٧٩.
وذكر عبد الرحمن السعدي بأن الأبواء هي المسماة (مستورة) الآن. وتعبقه عبد الله آل بسام بقوله: "قد تحققنا من أهل تلك البلاد أن الأبواء تقع عن مستورة شرقاً بنحو ثلاث كيلومترات، وأن سيلهما واحد، ويسقيهما وادي النخل" ٢.
وعلى هذا فتكون المسافة بين الأبواء ومكة ست مراحل ١.
- ١تقدر الست المراحل بـ ٢٤٠ كيلو متراً. وقد ذكر البلادي أن الأبواء تقع شمال مكة بـ ٢٣٥ كيلومتراً والأمر سهل. وذكر أيضاً أن الأبواء الآن تسمى (الخريبة) تصغير خربة وهناك قبر آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم وأن سكانها في وقتنا الحاضر بنو محمد من حرب. نسب حرب ص ٢٩ و٧١ و٣٣١.
لأنه تقدم لنا أن الجحفة ١ تبعد عن مكة بخمس مراحل. وعرفنا أيضاً أن الأبواء ليست لخزاعة ٢ وحدهم.
- ١هي من مواقيت الحج المكانية ورد ذكرها في حديث ابن عباس وابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة (ذا الحليفة) ولأهل الشام (الجحفة) الحديث ... ولما خربت صار الناس يحرمون الآن من (رابغ) لأنها قبل حذائها بقليل من ناحية الشمال الغربي. وكانت الجحفة تسمى (مَهْيَعَة) بالفتح ثم السكون ثم ياء مفتوحة وعين مهملة. فجحفها السيل فسميت (الجحفة) بالضم ثم السكون والفاء (معجم البلدان لياقوت ٢/١١١و ٥/٢٣٥) .
- ٢موجود الآن طائفة من بقايا خزاعة في وادي فاطمة من الخبث عند القنفذة وفي الشرق الجنوبي من بحرة. انظر: قلب جزيرة العرب لفؤاد حمزة ص ١٥٦، ومعجم قبائل العرب لكحالة ١/٣٣٨، ونسب حرب. وهم منتشرون بين مكة والمدينة، وأن قدوم قبيلة حرب إلى هذه المناطق كان في القرن الثاني الهجري قادمة من خولان من اليمن، وانكمشت خزاعة إلى أماكنها حالياً. انظر: قلب جزيرة العرب لفؤاد حمزة ص ١٥٠- ١٥١، ونسب حرب للبلادي ص ١٤و ١١٩. وهذه الأماكن التي مرّت بنا تقطنها الآن قبائل من حرب، وهم منتشرون بين مكة والمدينة. نسب حرب لعاتق البلادي ص (١٤٨) .
- *تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ١/٥٨٤،وغزوة بدر لباشميل ص ١٣٢، الأبواء: بالفتح ثم السكون وواو وألف ممدودة.
صورة المصطلق (١)
المبحث الأول: موقف بني المصطلق من الإسلام
...
تأخر إسلام بني المصطلق شأن القبائل التهامية المجاورة لقريش؛ وذلك لما كان لقريش من السيطرة والحرمة في نفوس القبائل بحكم كونهم سكان الحرم، وحماة بيت الله الأمين، فكانت القبائل تنظر إليهم نظرة احترام وتوقير، وكانوا ينظرون ماذا تصنع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، فهم أعرف به من غيرهم، ولما لم يحصل منهم الإذعان لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم كان ذلك داعياً للقبائل المجاورة إلى عدم الاستجابة للرسول صلى الله عليه وسلم، لا سيما ما كان بين قريش وبين القبائل المجاورة من تبادل المنافع والمصالح، وخاصة قبيلة خزاعة - ومنهم بنو المصطلق - بحسب موقعهم الجغرافي إذ كانت قبيلة بني المصطلق على طريق قريش التجارية إلى الشام، مما جعلها تتأخر في إعلان إسلامها، حفاظاً على مصالحها. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأمن جانبها بحكم كونها فرعاً من خزاعة التي كانت محل عناية ونصح للرسول صلى الله عليه وسلم، رغم عدم دخولها في الإسلام.
ويتضح ذلك جلياً في موقف معبد بن أبي معبد الخزاعي في حمراء ١ الأسد، التي وقعت عقب غزوة أحد مباشرة. وقد استهدف الرسول صلى الله عليه وسلم تقوية معنويات المسلمين وتثبيت مركزهم داخل المدينة بعد أن أضعفتهم معنويات آثار أحد فخرج صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد يتبع جيش أبي سفيان خشية أن تسوّل لهم أنفسهم الكرة على المسلمين لاستئصالهم - وكان الأمر كما توقّع صلى الله عليه وسلم - فلما وصل حمراء الأسد مرّ به معبد بن أبي معبد الخزاعي فقال: "يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك ولوددنا أن الله عافاك مما حدث بك -" وكان معبد إذ ذاك مشركاً٢ ولكن خزاعة كانت عيبة ٢ نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، مسلمهم ومشركهم فكانوا لا يخفون عنه شيئاً حدث في مكة - ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم متجهاً نحو مكة، فلقي أبا سفيان بن حرب وجماعته بالروحاء ٣ وقد أجمعوا الرجعة إلى المدينة وقالوا: "أصبنا أشرافهم وقادتهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم، لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم، وبينما هم كذلك طلع عليهم معبد بن أبي معبد الخزاعي فلما رآه أبو سفيان قال: " ماوراءك يا معبد؟ " قال: "محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، ولا قبل لكم به، وهم يتحرّقون عليكم تحرّقاً قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه في يومكم ٤ وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق ما لم أر مثله قط" .
- ١ذكر إبراهيم الحربي أن حمراء الأسد فوق ذي الحليفة بثلاثة أميال يسرة عن الطريق إذا أصعدت إلى مكة. كتاب المناسك ص ٤٤٠، وقال خليفة بن خياط وابن عبد البر وياقوت والفيروز آبادي أنها تبعد عن المدينة بثمانية أميال، تاريخ خليفة، ص ٧٤، والاستيعاب ٣/٤٥٥، ومعجم البلدان ٢/٣٠١، والقاموس المحيط ٢/١٣، ولا فرق بين تحديد الحربي وغيره لأن ذا الحليفة على خمسة أميال ونصف من المدينة، انظر كتاب المناسك للحربي ص ٤٢٧، وهي تبعد عن المدينة بتسعة أميال. نسب حرب للبلادي ص ٣٥٩، وعلى هذا فتكون المسافة بين حمراء الأسد والمدينة بالكيلومترات ١/٣ ١٣ كيلومتراً.
- ٢عيبة الرجل: موضع سره انظر: النهاية لابن الأثير ٣/٣٢٧.
- ٣الروحاء: على طريق مكة تبعد عن المدينة بـ ٧٣ كيلومتراً. انظر: نسب حرب للبلادي ص ١٠٧.
- ٤يريد يوم أحد أضافه إليهم لكون النصر كان حليفاً لهم.
- *كون معبد إذ ذاك كان مشركاً هو المشهور عند العلماء. انظر: سيرة ابن هشام ٢/١٠٢، ومغازي الواقدي ١/٣٣٨، وتاريخ خليفة ص ٧٤، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/٤٩، والاستيعاب لابن عبد البر ٣/٤٥٤ على هامش الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٥/٢١٧-٢١٨. وذكر ابن القيم أنه أسلم في ذلك الوقت وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحق بأبي سفيان فيخذله. انظر: زاد المعاد ٢/١٢١. ومعبد هذا هو غير معبد ولد أم معبد الخزاعية. انظر: الإصابة لابن حجر ٣/٤٤١ – ٤٤٢.
فاندهش أبو سفيان، وقال: "ويحك يا معبد انظر ما تقول؟ " فقال معبد: "والله ما أرى أن ترتحل من مكانك هذا حتى ترى نواصي الخيل" . قال أبو سفيان: "والله لقد أجمعنا الكرة عليهم، لنستأصل بقيتهم" ، قال: "فإني أنهاك عن ذلك. والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتاً من الشعر" . قال: "وما قلت؟ "
فأنشده شعراً فيه تحذير له من لقاء المسلمين، وبيان قوتهم، فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، وانسحبوا في أسرع وقت يواصلون سيرهم نحو مكة ١.
- ١سيرة ابن هشام ٢/١٠١-١٠٣، مغازي الواقدي ١/٣٣٤-٣٤٠، الكامل لابن الأثير ٢/١٦٤، البداية والنهاية لابن كثير ٤/٤٩، الإصابة لابن حجر ٣/٤٤١.
فهذا يدل على إخلاص بعض رجال هذه القبيلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وثقته بهم.
وأما ما يتعلّق بموقف بني المصطلق من الإسلام، فإني لم أجد ما ينص على إسلام فرد منهم بعينه قبل غزو الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما يوجد بعض الأفراد من خزاعة عامة أعلنوا إسلامهم سابقاً أذكر بعضاً منهم على سبيل المثال لا الحصر فمنهم: أ- أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو من خزاعة هاجرت إلى الحبشة مع زوجها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية وولدت له بأرض الحبشة سعيد ابن خالد وأمة بنت خالد، التي تزوجها الزبير فيما بعد ١. قال ابن هشام: "ويقال: همينة بنت خلف" ٢.
- ١سيرة بن هشام ١/٣٢٣.
ب- أم معبد الخزاعية ١ فقد أسلمت عندما مرّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء الهجرة ونزل بها، وكان من حديثها أنها وصفت رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجها عندما جاء بعد ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من عندها ٢.
- ١هي عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة أم معبد الخزاعية. انظر: ترجمتها في الاستيعاب١/٣٩١،وأسد الغابة١/٤٥١،في ترجمة أخيها حبيش.
- ٢سيرة ابن هشام١/٤٨٧-٤٨٨،وطبقات ابن سعد٨/٢٨٩،وانظر الحديث في نزول الرسول صلى الله عليه وسلم عليها في المستدرك٣/٩-١٠ وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"،وأقره الذهبي.
ج- معتب بن عوف بن عامر بن الفضل بن عفيف بن كليب بن حبشية بن سلول ابن كعب بن عمرو من خزاعة، وهو الذي يقال له: (عيهامة) ويعرف بابن الحمراء. وذكر ابن حجر (هيعانة) (بدل عيهامة) . كان من المهاجرين إلى الحبشة وشهد بدراً وما بعدها ٥.
د- نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، استشهد في بئر معونة ١.
- ١سيرة ابن هشام ٢/١٨٣ و١٨٨، وطبقات ابن سعد ٤/٢٩٤، وتاريخ خليفة بن خياط ص ٧٦، الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٥٤١ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير٥/٢٩٩، والإصابة لابن حجر ٣/٥٤٣.
وبهذا القدر نكتفي لأن القصد هو التمثيل لا الحصر.
- *المصدر السابق١/٣٢٣، وطبقات ابن سعد ٨/٢٨٦، أنساب الأشراف للبلاذري ص ١٩٩.
- *سيرة ابن هشام ١/٣٢٧، وطبقات ابن سعد ٣/٢٦٤، والاستيعاب ٣/٤٦١، مع الإصابة وأسد الغابة ٥/٢٢٤، والإصابة لابن حجر ٣/٤٤٣، ومُعَتَّب بمضمومة وفتح عين وكسر مثناة فوق مشدّدة فموحّدة (المغني لمحمد طاهر الهندي ص٧٣) .
وبه يتضح مدى العلاقة التي تربط قبائل خزاعة عامة بالدعوة الإسلامية في أول أمرها، ومبادرة عدد من رجال هذه القبائل إلى الإسلام، لكن المصادر كما أشرت لا تنص على إسلام رجال من بني المصطلق بالذات، وأحسب أن سكوت المصادر يكفي للدلالة على بقاء هذه القبيلة على الشرك، ولا يمنع ذلك من التزامها بشيء من الولاء للمسلمين وفقاً للأعراف القبلية السائدة، والتي تلزمهم بموقف خزاعة الموالي للدولة الإسلامية.
المبحث الثاني: موقف بني المصطلق من الصراع بين المسلمين وقريش
لم تشر المصادر التي بين أيدينا إلى موقف عدائي محدد صدر من بني المصطلق ضد المسلمين منذ أن تأسست دولة الإسلام حتى كانت غزوة أحد، رغم تحرّك المسلمين العسكري في أطراف المدينة من جميع نواحيها، حيث أرسلوا السرايا استهدفت عرقلة التجارة المكية إلى الشام، بتهديد طرقها الرئيسية، كما لم تسهم بنو المصطلق مع المشركين في غزوة بدر الكبرى.
وأول إشارة إلى اتخاذهم موقفاً عدائياً واضحاً ضد المسلمين هو إسهامهم مع قريش في موقعة أحد، ضمن كتلة الأحابيش ١، التي اشتركت في المعركة تأييداً لقريش ٢.
- ١الأحابيش هم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، والهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة، انظر سيرة ابن هشام ١/٣٧٣، والمعارف لابن قتيبة ص٢٦، وأنساب الأشراف للبلادي ص٥٢، وفتح الباري لابن حجر ٥/٣٣٤ و٣٤٢، وسمّوا بذلك: لأنهم تحالفوا وتعاقدوا مع قريش على أنهم يد على من سواهم، وكان ذلك عند جبل بأسفل مكة يقال به ((حبشي)) فنسبوا إليه، وقيل سمّوا بذلك لتجمّعهم، والتحبّش التجمع، والحباشة الجماعة. المعارف لابن قتيبة ص ٢٦٩، ولسان العرب لابن منظور ٨/١٦٦، والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٢/٢٦٧، فتح الباري ٥/٣٣٤.
- ٢سيرة ابن هشام ٢/٦١، ومغازي الواقدي ١/٢٠٠، والكامل لابن الأثير ٢/١٤٩، وزاد المعاد لابن القيم ٢/١٠٢، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/١٠، ونور اليقين للخضري بك ص ١٣٣، والسيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة لأبي شهبة ص ١٩٦.
وبهذا نعلم أن بني المصطلق قد أثّرت فيها دعايات قريش للاشتراك معها في موقعة أحد، لتأخذ بثأرها وتغطي عار الهزيمة التي نزلت بها في موقعة بدر الكبرى.
وأما قبل ذلك فلم يوجد أي دليل على اشتراك بني المصطلق مع قريش ضد المسلمين حتى كانت عزوة أحد وما لحق بالمسلمين فيها من خسائر جسيمة ذات أثر عظيم في أرجاء شبه الجزيرة العربية، وداخل المدينة المنورة نفسها، فضعفت هيبة المسلمين وتجرّأ عليهم الأعراب، وشمت بهم اليهود والمنافقون، وقاموا بدعاية واسعة ضدهم، وقد أدت الظروف التي أعقبت غزوة (أحد) إلى ما يلي: ١- طمع المشركين في القضاء على الإسلام والمسلمين والإجهاز على الدعوة الإسلامية نهائياً، ويتمثّل هذا في رغبة أبي سفيان في العودة إلى المسلمين لاستئصال شأفتهم، غير أنه نكص على عقبيه، بتخذيل معبد بن أبي معبد الذي مرّ ذكره ١.
- ١انظر: ص ٦٤.
٢- تنفّس المنافقين واليهود الصعداء وتربّصهم الشر بالمسلمين، وهذا عدو داخلي بالمدينة المنورة نفسها.
٣- رغبة الأعداء المجاورين لعاصمة الإسلام من القبائل العربية في التحرّك ضد المسلمين، بسبب الدعايات المغرضة التي انتشرت على أيدي المرجفين في المدينة من اليهود والمنافقين ١.
- ١الرسول لسعيد حوى ١/٢٢٩.
وأصبح المؤمنون مدّدين في عُقر دارهم من الداخل والخارج، فمن الداخل المنافقون واليهود فكانوا يذيعون خبر المعركة، ويلفّقون الأكاذيب لإشاعة الضعف والخور في صفوف المسلمين، ولتشجيع عدوهم عليهم.
وأما من الخارج فقد صار المسلمون لا يحاربون قريشاً وحدها وإنما يواجهون الجزيرة برمتها.
ومن ذلك أن سارعت عدة قبائل إلى التجمّع للإغارة على المدينة والقضاء على المسلمين فيها، كما حدث ذلك: أ- من بني أسد بقيادة طليحة وسلمة ابني خويلد الأسديين، من القبائل النجدية ١.
- ١كان ذلك في شهر محرّم من السنة الثالثة للهجرة. انظر: طبقات ابن سعد ٢/٥٠، وزاد المعاد ٢/١٢١.
ب- خالد بن سفيان الهذلي الذي كان مقيماً في عرنة قرب عرفات ١.
- ١المصدر السابق.
فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجمّعهم ومحاولتهم اقتحام المدينة بعث إليهم من يؤدّبهم في عقر دارهم، فأرسل إلى طليحة ومن شايعه أبا سلمة ابن عبد الأسد ١ على رأس مائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار ففرّقوا جمعهم واستاقوا نعمهم وعادوا إلى المدينة سالمين.
- ١عبد الله بن عبد الأسد المخزومي أخو النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وابن عمته برة بنت عبد المطلب كان من السابقين إلى الإسلام وممن هاجر إلى الحبشة شهد بدراً ومات في جمادى الآخرة سنة أربع هجرية، بعد أحد وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده زوجه أم سلمة/ ت س ق التقريب ١/٤٢٧.
وأرسل إلى خالد بن سفيان عبد الله بن أنيس الجهني ١ فقتله في عقر داره ٢ فكان في ذلك ضربة لهم وعبرة لغيرهم ممن يحاول السير على منوالهم. وما نزل بهم حلّ بغيرهم من بني ثعلبة وبني محارب من القبائل الغطفانية التي حاولت الهجوم على المدينة المنورة كذلك فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس سبعمائة مقاتل فساروا حتى نزلوا ديار العدو فلم يجدوا فيها أحداً غير نسوة، فأخذوهن، فبلغ الخبر رجالهن فخافوا وتفرّقوا في رؤوس الجبال، ورجع المسلمون معزّزي الجانب، وعرفت هذه الغزوة بغزوة ذا الرقاع ٣.
- ١عبد الله بن أنيس الجهني أبو يحيى المدني، حليف الأنصار، صحابي شهد العقبة وأحداً (ت ٣٤) بالشام في خلافة معاوية، ووهم من قال توفي سنة ٨٠/ بخ م عم. المصدر السابق ١/٤٠٣.
- ٢انظر الحديث في إرسال عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان: سنن أبي داود، باب صلاة الطالب ١/٢٨٧، ومسند أحمد ٣/٤٩٦، ومسند أبي يعلى ١/١٠٧، والسنن الكبرى للبيهقي ٣/٢٥٦. وقال ابن حجر ٢/٣٤٧: إسناده حسن.
- ٣كانت هذه الغزوة في السنة الرابعة في جمادى الأولى على رأي بعض العلماء. انظر: سيرة ابن هشام ٢/٢٠٣، وزاد المعاد ٢/١٢٣، وانظر: الخلاف في وقتها في مبحث التيمّم. انظر ص ٣٤٣ وما بعدها.
وهكذا جنّد المسلمون أنفسهم عسكرياً وسياسياً، ليثبتوا للقبائل بأنهم مخطئون في تصوّرهم أن المسلمين بعد معركة (أحد) لا يستطيعون مقاومة من يريد النيل منهم، فجهزّوا تلك السرايا والغزوات ليشعروا عدوهم بأنهم قادرون على سحق كل من تحدّثه نفسه بالاعتداء عليهم، أو محاولة النيل منهم، فكانت حركاتهم العسكرية ناجحة، أنزلوا فيها بالأعداء ضربات زلزلت معنوياتهم، وجعلتهم يصحّحون تصوّراتهم الخاطئة، عن مدى قوة المسلمين العسكرية، وترابطهم السياسي والمعنوي، وخاصة المعسكر القرشي واليهودي ١.
- ١غزوة الأحزاب لباشميل ص ٢٠.
وبعد هذا كله جاء دور بين المصطلق؛ إذ إنها كانت ضمن كتلة الأحابيش ١ التي انضمت إلى جانب قريش في معركة أحد، ثم أخذت بعد رجوعها من معركة أحد تعد العدة وتجمع الجموع، وتفتني السلاح والخيل، على مدى سنتين، كان المسلمون خلال تلك الفترة يواجهون تحركّات قبائل الجزيرة، فهم ما بين سرية وغزوة.
- ١انظر: ص.
فانتهزت قبيلة بني المصطلق فرصة انشغال المسلمين ببقية القبائل، فأخذت تجمع الجموع، وتسعى في القبائل المجاورة لها، تحرّضها وتشجّعها على الانضمام معها في الهجوم على دولة الإسلام.
ولما وصل خبرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدّر للموقف قدره، وجعل يفكّر في مواجهة هذه القبيلة التي استعدت للمعركة استعداداً كاملاً، فبدأ بمراقبة حركات هذا العدو مراقبة شديدة، ثم أمر بريدة ١ بن الحصيب بالذهاب إليهم ليعرف وجهتهم وقوّتهم، فخرج مسرعاً حتى وصل عندهم فوجدهم قوماً مغرورين بأنفسهم وبما لديهم من القوة قد ألبّوا القبائل وجمعوا الجموع، فاتصل برئيسهم الحارث بن أبي ضرار، فسأله الحارث: "من الرجل؟ " قال: "رجل منكم قدمت لما بلغني عن جمعكم لهذا الرجل، فأسير في قومي ومن أطاعني، فتكون يدنا واحدة، حتى نستأصله" ، فازداد فرح القوم بانضمام قوة جديدة إلى قوتهم، فقال له الحارث: "فنحن على ذلك فعجّل علينا" ، قال بريدة: "أركب الآن فآتيكم بجمع كثيف من قومي ومن أطاعني فسرّوا بذلك منه فمضى إلى المدينة وأخبر المسلمين بأمرهم ٢.
- ١بريدة بن الحصيب بمهملتين مصغّراً، أبو سهل الأسلمي صحابي، أسلم قبل بدر (ت ٦٣هـ) / ع. التقريب ١/٩٦.
- ٢انظر: طبقات ابن سعد ٢/٦٣، ومغازي الواقدي ١/٤٠٤- ٤٠٥، وشرح المواهب اللدنية ٢/٩٦.
المبحث الأول: حكم إنذار العدو قبل بدئه بالقتال
...
الفصل الثالث: موقف المسلمين من تحركات بني المصطلق
لم يقف المسلمون من تحركات بني المصطلق الاستفزازية مكتوفي الأيدي، وإنما درسوا الموقف دراسة ميدانية، وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم عيونه ١ لكشف نيات هذه القبيلة ومعرفة استعدادها وتهيئها لغزو المدينة، وقد تم للمسلمين إدراك حقيقة ما تنويه هذه القبيلة من شر وما تبيته للمسلمين من وقيعة، ولم يكن للمسلمين - وقد أدركوا الأمر حق الإدارك وتيقنوا من خبث النيات السيئة لهذه القبيلة - أن يسكتوا عن الأمر ويتجاهلوا الموقف العدائي الواضح خاصة إذا عرفنا أن أعداء المسلمين كثر في تلك الآونة ٢، فما لم تلقَّن هذه القبيلة درساً قاسياً من المسلمين يوقفها عند حدها فإن غيرها من أعداء الإسلام سيقف الموقف نفسه. ومن هنا اندفع المسلمون لكسر شوكة هذا العدو وتحطيمه في عقر داره.
- ١انظر: ص.
- ٢الآونة: جمع أوان وهو الحين. انظر: القاموس المحيط ٤/١٩٩.
كما سنفصل القول في ذلك في بداية وصف المعركة. ويحسن أن نذكر الملابسات التي صاحبت هذه الغزوة، وأول أمر يحسن البدء به هو هل أُنذرت هذه القبيلة قبل غزوها أو لا؟
المبحث الأول: حكم إنذار العدو قبل بدئه بالقتال
قبل الحديث عن إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم لبني المصطلق أو عدم إنذاره لهم، يحسن أن نبدأ ببيان حكم الدعوة إلى الإسلام عموماً، وما هي الخطوات التي كان يتبعها الرسول صلى الله عليه وسلم مع المدعوين إلى الإسلام، وبيان الأدلة على وجوب إنذار العدو أو عدم وجوبه، وذكر الخلاف الوارد بين أهل العلم في ذلك، باختصار، ليكون ذلك تمهيداً لما نحن بصدده، حيال غزوة بني المصطلق. وفيما يأتي أقوال العلماء: أ- ذهب بعض العلماء إلى وجوب الدعوة إلى الإسلام مطلقاً، سواء أكان عند المدعوين علم بالإسلام أم لا، وإليه ذهب مالك وجماعة من العلماء ١.
- ١منهم علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز، والهادوية. انظر: المدونة الكبرى لمالك ٢/٣، نيل الأوطار للشوكاني ٧/٢٤٤.
ب- وذهب أكثر العلماء إلى التفصيل بين من بلغتهم الدعوة وعلموا بها، فلا يجب في حقهم الإنذار، وبين من لم تبلغهم الدعوة ولا علموا بها، فيجب الإنذار في حقهم، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة وأتباعهم.
ج- وهناك قول ثالث بعدم وجوب الإنذار مطلقاً، حكاه المازري ١.والقاضي عياض٣٤.
- ١هو أبو عبد الله محمد بن علي المازري، صاحب كتاب (المعلم بفوائد كتاب مسلم) لم يكمل (ت ٥٣٦) من مقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري ١/٢٥٨.
١- ما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على سرية، أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه، وبمن معه من المسلمين خيراً "، وقال: " إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتها أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام " وهو محل الشاهد. الحديث ...١.
- *هو عياض بن موسى اليحصبي المالكي، صاحب كتاب (الإكمال بشرح مسلم) كمل به كتاب المعلم للمازري، (ت ٥٤٤) المصدر السابق ١/٢٥٨.
- *انظر هذه المذاهب: في الاعتبار للحازمي ص ٢١١- ٢١٢، شرح مسلم للنووي ٤/٣٣٠، فتح الباري ٧/٤٧٨.
٢- ما رواه البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ويحبه الله ورسوله ". قال: فبات الناس يدوكون ١ ليلتهم أيهم يعطاها، قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: " فأرسلوا إليه "، فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: " يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ " فقال: "انفذ ٢ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام " الحديث.... ٤.
- ١يدوكون: أي يموجون ويخوضون فيمن يعطاها. انظر: النهاية لابن الأثير ٢/١٤٠.
- ٢انفذ على رسلك: أي انفصل وامض سالما. النهاية لابن الأثير ٥/٩٢.
ووجه الدلالة من الحديثين قوله: "ادعهم إلى الإسلام" وهو أمر والأمر يقتضي الوجوب ما لم يكن هناك صارف، وهو صريح في وجوب الدعوة قبل القتال...
- *مسلم في كتاب الجهاد ٥/١٣٩، وأبو داود في كتاب الجهاد باب في دعاء المشركين ٢/٣٥، واللفظ له وابن ماجة فيه في باب وصية الإمام ٢/٩٥٣، الترمذي في أبواب السير ٣/٥٣ إشارة، وعبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجهاد باب دعاء العدو ٥/٢١٨، أحمد في المسند ٥/٣٥٢، ٣٥٨ والدارمي في كتاب السير، في باب الدعوة إلى الإسلام قبل القتال ٢/١٣٦، ومنتقى ابن الجارود في الجهاد، باب وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم للجيوش والأمراء ص٣٤٧، وشرح معاني الآثار للطحاوي في كتاب السير ٣/٢٠٦، والسنن الكبرى للبيهقي في كتاب السير باب الإقامة بدار الشرك ٩/١٥، باب السيرة في أهل الكتاب ٩/٤٩، وكتاب الأموال لأبي عبيد ص ٣٤ في كتاب الفيء، والاعتبار للحازمي ص٢١٠.
- *البخاري في كتاب الجهاد، باب الدعاء إلى الإسلام ٤/٣٨، باب فضل من أسلم على يديه رجل ٤/٤٨ و٥/١٦، باب مناقب علي بن أبي طالب و٥/١١١ من كتاب المغازي، ومسلم واللفظ له ٧/١٢١-١٢٢، في فضائل علي بن أبي طالب.
١- ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهذا نصه: حدثنا علي ١ بن الحسن أخبرنا عبد الله ٢، أخبرنا ابن عون ٣ قال: كتبت إلى نافع ٤ فكتب إلي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق، وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية" ، حدثني به ابن عمر ٥ وكان في ذلك الجيش ". لفظ البخاري.
- ١علي بن الحسن بن شفيق، أبو عبد الرحمن المروزي، ثقة حافظ، من كبار العاشرة، (ت ٢١٥) وقيل قبل ذلك / ع. التقريب ٢/٣٤.
- ٢عبد الله بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقيه، عالم جواد، مجاهد جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، (ت ١٨١) /ع المصدر السابق ١/٤٤٥.
- ٣عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصري، ثقة ثبت، فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسن، من السادسة، (ت١٥٠) على الصحيح،/ع المصدر السابق١/٤٣٩.
- ٤نافع مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه، مشهور، من الثالثة، (ت ١١٧) أو بعد ذلك / ع المصدر السابق ٢/٢٩٦.
- ٥عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير واستصغر يوم أحد، وهو أحد المكثرين من الصحابة، والعبادلة، وكان من أشد الناس اتباعاً للأثر، (ت ٧٣) / ع التقريب ١/٤٣٥.
ولفظ مسلم: عن ابن عون قال: "كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إلي إنما كان ذلك في أول الإسلام، "قد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق، وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم" الحديث ٦ ... قال أبو داود بعد إيراده: "هذا حديث نبيل، رواه ابن عون عن نافع، ولم يشركه فيه أحد" . قلت: "لا يضر تفرده لأنه إمام جليل ثقة ثبت" .
- *البخاري: في كتاب العتق باب من ملك من العرب رقيقا ٣/١٢٩، ومسلم في كتاب الجهاد ٥/١٣٩، وأبو داود فيه، باب في دعاء المشركين ٢/٤٠، ومسند الشافعي٦٠/٢٤٤،ومسند أحمد٢/٣٢ و٥١، وشرح معاني الآثار للطحاوي كتاب السير٣/٢٠٩،السنن الكبرى للبيهقي فيه باب قسمة الغنيمة في دار الحرب٩/٥٤، ٩/١٠٧، باب جواز ترك دعاء من بلغته الدعوة، كتاب الأموال لأبي عبيد ص ١٧٥، باب الحكم في رقاب أهل العنوة من الأسرى والسبي، كتاب المعارف لابن قتيبة ص ٦١، والاعتبار للحازمي ص ٢١١- ٢١٢، انظر ص من هذه الرسالة.
٢- ما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى خيبر ليلاً، وكان إذا أتى قوماً بليل، لم يغر ١ بهم حتى يصبح، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ٢، ومكاتلهم ٣، فلما رأوه، قالوا: " محمد والله، محمد والخميس "٤، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة ٥ قوم فساء صباح المنذرين " ٦.
- ١في حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار على أهل خيبر ليلاً وتقدم في حديث سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا أن يدعوهم إلى الإسلام قبل القتال. وأجاب ابن حجر: بأن حديث أنس كان أول ما طرقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث علي بعد ذلك، فتح الباري ٧/٤٨٧.
- ٢بمساحيهم: المساحي: جمع مسحاة وهي المجرفة من الحديد. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/١٥٠.
- ٣والمكاتل: جمع مكتل وهو الزنبيل الكبير. المصدر السابق ٤/٣٢٨.
وفي لفظ: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوماً لم يغر حتى يصبح، فإن سمع أذاناً أمسك، وإن لم يسمع أذاناً أغار بعدما يصبح، فنزلنا خيبر ليلاً " وفي لفظ " صبحنا خيبر بكرة، فخرج أهلها بالماسحي " الحديث ١.
- ١المصدر السابق.
ووجه الدلالة من هذين الحديثين قوله: "أغار" أي أخذهم على غرة، ويدل على هذا صراحة لفظ: (وهو غارون) أي غافلون.
- *الخميس: الجيش العظيم، سمي بذلك لأنه مقسوم بخمسة أقسام، المقدمة، والساقة، والميمنة، والميسرة، والقلب. وقيل لأنه تخمس فيه الغنائم. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٧/٩٢.
- *الساحة في اللغة الناحية وفضاء بين دور الحي، وجمعه ساح وسوح وساحات. القاموس المحيط ١/٢٣٠.
- *البخاري في كتاب الجهاد باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام ٤/٣٨ و٥/١٠٨-١٠٩ من كتاب المغازي باب غزوة خيبر واللفظ له، ومسلم٥/١٨٥كتاب الجهاد.
أما المذهب الثالث القائل بعدم الإنذار مطلقاً، فهو مذهب ضعيف ترفضه الأحاديث المتقدمة.
وقد صرح بضعفه المازري والقاضي عياض وغيرهما من العلماء. والراجح في هذه المسألة هو مذهب جماهير العلماء القائلين بالتفصيل بين من لم تبلغه الدعوة إلى الإسلام فتجب دعوته، وبين من بلغته الدعوة فلا تجب، وبه يمكن الجمع بين الأحاديث، ومتى أمكن الجمع فلا يصار إلى غيره، لأن العمل بجميع الأحاديث أولى من رد بعضها ١.وقد وردت السنة بجواز الإغارة على من بلغته الدعوة إلى الإسلام، من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم: ١- كما هو في حديث عبد الله بن عمر وأنس بن مالك المتقدمين ٢.
- ١انظر: الاعتبار للحازمي ص٢١١-٢١٢، شرح معاني الآثار للطحاوي٣/٢٠٧ و٢٠٨و٢١٠،وشرح مسلم للنووي٤/٣٣٠و٣٤٣،ونصب الراية للزيلعي٣/٣٧٩ و٣٨٢، وفتح الباري ٦/١١٢ و٧/٤٧٨، وسبل السلام للصنعاني ٤/٤٥، ونيل الأوطار للشوكاني ٧/٢٤٤ و٢٤٦ و٢٤٧.
- ٢انظر: ص.
٢- ومن تقريره صلى الله عليه وسلم كما في حديث الصعب بن جثامة الليثي: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: "هم منهم" ٣.
٣- ومن قوله صلى الله عليه وسلم كما هو في حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إليه فقال: "أغر على أبنى ٤ صباحاً وحرق" ٥.
- *البخاري ٤/٤٨ كتاب الجهاد، باب أهل الدار يبيتون، ومسلم ٥/١٤٤ فيه واللفظ له (ويبيتون) مبني للمفعول.
- *أبنى: بالضم ثم السكون وفتح النون والقصر بوزن حبلى. موضع بالشام من جهة البلقاء، معجم البلدان لياقوت ١/٧٩.
- *رواه أبو داود في ٢/٣٦ من كتاب الجهاد باب الحرق في بلاد العدو وابن ماجه فيه ٢/٩٤٨ كلاهما من طريق صالح بن أبي الأخضر، قال فيه ابن حجر: "ضعيف يعتبر به" التقريب ١/٣٥٨ والحديث رواه الشافعي أيضاً في الأم ٤/١٧٤ من غير طريق صالح بن أبي الأخضر، ولفظه: قال الشافعي: أخبرنا بعض أصحابنا عن عبد الله بن جعفر الأزهري، قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن عروة عن أسامة بن زيد قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن أغزو صباحاً على أهل أبنى وأحرق".
وخلاصة القول في هذا: أن الدعوة إلى الإسلام واجبة قبل القيام بالهجوم الحربي في حق من لم تبلغه الدعوة الإسلامية ولا علم بها. فإن الإسلام دين هداية وبيان وإرشاد، وليس له غرض في الحروب المدمرة، كما هو واضح من هدي هذا الدين الحنيف.
أما من بغلته الدعوة الإسلامية وعلم بها، فلا يجب في حقه تجديد الدعوة لأن العلم بها حاصل لديه وخاصة إذا علم منه تبيت الشر للمسلمين، ومحاولة ضرب قلعة الإسلام، كما حصل من بني المصطلق.
ومن هنا يفهم الدارس لظروف وملابسات هذه الغزوة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم بالهجوم على هذه القبيلة إلا بعد أن علم أنها تحتشد لحربه وضرب دار الإسلام (المدينة المنورة) .
وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد تثبت في ذلك من بعض سفرائه حين بلغه خبر هذه القبيلة، كما ذكرنا ذلك مفصلاً في محله وقد مر قريباً١.
- *انظر ص.
المبحث الثاني: هل كان هناك إنذار لبني المصطلق بالحرب على وجه الخصوص
أما ما يتعلق بشأن بني المصطلق فللعلماء في ذلك قولان: أ- ذهب فريق من العلماء إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعاهم قبل القتال، ولكنهم امتنعوا عن قبول الإسلام، وثبتوا للقتال، ودارت المعركة بين الفريقين، وكان النصر حليف المسلمين، وعلى رأس القائلين بهذا: ١- ابن إسحاق: فقد ساق بسنده حدثني عاصم ١ بن عمر بن قتادة وعبد الله ٢ بن أبي بكر ومحمد بن يحيى بن حبان ٣، كل حدثني حديث بني المصطلق قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني المصطلق يجمعون له، الحديث.
- ١عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأوسي الأنصاري، أبو عمر المدني، ثقة عالم بالمغازي، من الرابعة (ت بعد ١٢٠) /ع التقريب ١/٣٨٥.
- ٢عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، الأنصاري المدني القاضي، ثقة، من الخامسة، (ت ١٣٥) / ع المصدر السابق ١/٤٠٥.
- ٣محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ الأنصاري المدني، ثقة، فقيه من الرابعة (ت ١٢١) /ع المصدر السابق ٢/٢١٦.
وفيه "فلما علم بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء لهم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس، واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم" ٤.
والحديث رجاله ثقات رجال الصحيح، ولكنه مرسل ١.
- ١قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي ص ٣٠٨: "رواه بنحوه ابن جرير في تاريخه من طريق ابن إسحاق بسنده مرسلاً، وكذلك رواه ابن هشام في (السيرة) وهذا الإسناد مع ضعفه ليس فيه أمر لعمر بعرض الإسلام، وقد أشار الزرقاني في شرحه على المواهب إلى ضعف هذه الزيادة، وحق له ذلك، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم ما يقتضي ضعفها ثم ساق ما قاله ابن القيم في ذلك، انظر قول ابن القيم ص ٨٤".
٢- الواقدي: ذكر الحديث مطولاً وفيه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى بني المصطلق دفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق، ويقال: إلى عمار بن ياسر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، ثم أمر عمر بن الخطاب فنادى في الناس، أن قولوا: لا إله إلا الله، تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم فأبوا فتراموا بالنبل، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم رجل واحد" ، الحديث ... وهو مرسل أيضاً. ثم قال: "وكان ابن عمر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار على بني المطلق وهو غارون، ونعمهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم. والحديث الأول أثبت عندنا "١.
- *سيرة ابن هشام ٢/٢٩٠، وانظر الحديث كاملاً من ص من هذه الرسالة.
٣- و ٤- وتابعه في هذا ابن سعد وابن سيد الناس، فقد ساقا القصة بدون إسناد، وأشارا إلى حديث ابن عمر، ثم قالا: "الأول أثبت "٢.
٥- أما ابن جرير الطبري فقد ساق حديث ابن إسحاق من طريقه ١. ولكنه لم يتعرض لذكر حديث ابن عمر.
- ١تاريخ الطبري ٢/٦٠٤.
٦- وساق ابن الأثير نحو قول ابن إسحاق بدون إسناد ١. ولم يذكر حديث ابن عمر أيضاً.
- ١الكامل ٢/١٩٢.
وسكوت الطبري وابن الأثير وعدم إيرادهما حديث ابن عمر، قد يفهم منه موافقتهما لابن إسحاق في رأيه.
ب- وذهب الفريق الثاني من العلماء إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار عليهم دون دعوة. وعلى رأسهم: ١- ابن عبد البر: فقد صرح بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار عليهم وهم غارون. ثم قال: وقيل إن بين المصطلق جمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغه ذلك خرج إليهم، فلقيهم على ماء يقال له المريسيع، فاقتتلوا فهزمهم الله.
ثم عقب بقوله: "والقول الأول أصح: أنه أغار عليهم وهم غارون"٥.
٢- ابن حزم فقد صرح بذلك أيضاً٦.
- *مغازي الواقدي ١/٤٠٤-٤٠٧.
- *طبقات ابن سعد ٢/٦٣-٦٤، وعيون الأثر ٢/٩١- ٩٢.
- *الدرر في اختصار المغازي والسير ص ٢٠٠.
- *جوامع السيرة ص ٢٠٣.
٣- ابن القيم: فقد ساق نحو قول ابن إسحاق وموافقيه. ثم قال: هكذا قال عبد المؤمن ١ بن خلف في سيرته وغيره، وهو وهم؛ فإنه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغار عليهم، على الماء فسبى ذراريهم وأموالهم، كما في الصحيح: "أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهو غارون" ٢.
- ١هو الإمام العلامة الحافظ الحجة الفقيه النسابة، شيخ المحدثين، شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، الشافعي، صاحب التصانيف (ت ٧٠٥) تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٤٧٧–١٤٧٩، والشوكاني في البدر ١/٤٠٣-٤٠٤.
٤- ابن كثير: فقد أورد رواية ابن إسحاق والواقدي بإسنادهما ثم عقب بقوله: وثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فقال: "قد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهو غارون" . الحديث ١.
- ١البداية والنهاية ٤/١٥٦، وانظر الحديث ص ٧٨.
٥- ابن حجر: فإنه بعد أن ساق قول ابن إسحاق، قال: هكذا ذكر ابن إسحاق بأسانيد مرسلة. والذي في الصحيح من حديث ابن عمر يدل على أنه أغار عليهم على حين غفلة منهم، فأوقع بهم. وساق الحديث.
ثم رام الجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق بقوله: ويحتمل أن يكون حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلاً، فلما كثر فيهم القتل انهزموا، بأن يكون لما دهمهم وهم على الماء ثبتوا وتصافّوا، ووقع القتال بين الطائفتين ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم. ثم قال: "وقد ذكر هذه القصة ابن سعد نحو ما ذكر ابن إسحاق، وأن الحارث كان جمع جموعاً وأرسل عيناً تأتيه بخبر المسلمين فظفروا به فتقلوه فلما بلغه ذلك ١ هلع وتفرق الجمع وانتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الماء وهو المريسيع فصف أصحابه للقتال ورموهم بالنبل ثم حملوا عليهم حملة واحدة فما أفلت منهم إنسان، بل قتل منهم عشرة وأسر الباقون رجلاً ونساء ". ثم قال: " وساق ذلك اليعمري في (عيون الأثر) " ثم ذكر حديث ابن عمر ثم قال: " أشار ابن سعد إلى حديث ابن عمر "، ثم قال: " الأول أثبت ". قال ابن حجر قلت: " والحكم بكون الذي في السير أثبت مما في الصحيح مردود، ولا سيما مع إمكان الجمع"١.
- ١الهلع/ محركة: أشد الجزع والضجر. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير٥/٢٦٩،والقاموس المحيط للفيروزآبادي٣/١٠٠.
- *زاد المعاد ٢/١٢٥.
والصواب في هذا مع القائلين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار عليهم هم غارون وذلك لما يلي: ١- صحة حديث ابن عمر وصراحته في ذلك، وهو ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها ١.
- ١انظر الحديث ص.
٢- صرح كثير من العلماء بأن من بلغته الدعوة العامة إلى الإسلام، أو قربت داره أو حاول النيل من المسلمين، أنه يجوز مباغتته على غرة ١.
- ١انظر شرح صحيح مسلم للنووي ٤/٣٤٣، فتح الباري ٦/١١٢ و٧/٣٤٠ و٤٤٥ و٤٧٨، شرح معاني الآثار للطحاوي ٣/٢٠٧-٢١٠، والمدونة الكبرى لمالك ٢/٢، وتحفة الأحوذي ٥/١٥٥-١٥٦.
وهذه الأوصاف تنطبق على بني المصطلق، فقد بلغتهم الدعوة العامة وكانوا ضمن المتألبين مع قريش في معركة أحد، ضد المسلمين ولم يكتفوا بهذا بعد عودتهم إلى بلادهم بل أخذوا يجمعون الجموع ويعدون بضرب المسلمين، مما يدل على أنهم على علم وبصيرة بالدعوة الإسلامية، ومثل هؤلاء لا تجب الدعوة في حقهم ١.
- ١انظر: ص.
٣- إن مستند القائلين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنذرهم هو حديث ابن إسحاق ١ والواقدي وكلا الحديثين مرسل. والمرسل معدود في قسم الحديث الضعيف عند جمهور العلماء، وذلك للجهل بحال الراوي المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون غير صحابي، وبالتالي يحتمل أن يكون ضعيفاً.
- ١علما بأن قول ابن إسحاق ليس صريحاً في إنذارهم، وإنما فيه مجرد وجود القتال بين الفريقين. وقد جمع ابن حجر بين ذلك. انظر: ص.
- *فتح الباري ٧/٤٣٠-٤٣١، وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٨.
وإن اتفق أن المرسل لا يروي إلا عن ثقة، فالتوثيق مع الإبهام غير كاف ولأنه إذا كان المجهول المسمى لا يقبل، فالمجهول عيناً وحالاً أولى ١.
- ١انظر: مقدمة صحيح مسلم ١/٢٤، ورسالة أبي داود إلى أهل مكة ص ٢٤، والكفاية للخطيب البغدادي ص ٥٥٠-٥٥٥، ومقدمة التمهيد لابن عبد البر ١/٥-٦، ومقدمة ابن الصلاح ص ٧٣- ٧٥ (التقييد والإيضاح) ، والتبصرة والتذكرة للعراقي ١/١٤٨، التقييد والإيضاح له ص ٧٣-٧٥، والتقريب للنووي ص ١١٩، (تدريب الراوي) وشرح مسلم له ١/٢٣، تدريب الراوي للسيوطي ص ١١٩، فتح المغيث للسخاوي ١/١٣٣ و ١٣٥-١٣٦.
٤- إن الظاهر من صنيع القائلين بحجيته، فيما لو لم يوجد في الباب غيره كما صرح بذلك أبو داود ١ وغيره، خلافاً للمالكية ٢.
- ١رسالة أبي داود إلى أهل مكة ص ٢٥، وفتح المغيث للسخاوي ١/١٣٣.
- ٢مقدمة التمهيد لابن عبد البر ١/٦.
٥- على فرض صحته فلا يقاوم الحديث المسند.
٦- ذكر الدكتور أكرم العمري أنه: "لا يمكن معارضة آية قرآنية أو حديث صحيح برواية من كتب التاريخ والأدب" . وقال في موضع آخر: "ولا شك أن مادة السيرة، في كتب الحديث موثقة يجب الاعتماد عليها وتقديمها على روايات كتب المغازي والتواريخ العامة. وخاصة إذا أوردتها كتب الحديث الصحيحة؛ لأنها ثمرة جهود جبارة، قدمها المحدثون عند تمحيص الحديث ونقده سنداً ومتناً، وهذا التدقيق والنقد الذي حظي به الحديث، لم تحظ به الكتب التاريخية" ٤.
- *انظر: نظرة في مصادر ودراسة السيرة النبوية لأكرم ضياء العمري ص ١ و٣.
الفصل الرابع: سبب وتاريخ غزوة بني المصطلق
الأول: تأييد هذه القبيلة لقريش وتكتلها معها في معركة أحد ضد المسلمين ١.
- ١انظر: ص من هذه الرسالة.
والثاني: سيطرتها على الخط الرئيسي المؤدي إلى مكة، فكانت حاجزاً منيعاً من نفوذ المسلمين إلى مكة.
الثالث: ويعتبر أهم الأسباب في هذه الغزوة هو أن قبيلة بني المصطلق أخذت تجمع الجموع لغزو المدينة المنورة وقد أطمعها في التفكير في غزو المدينة والتصميم على ذلك، انتصار المشركين في غزوة أحد بسبب خطأ ارتكبه الرماة في هذه الغزوة كما هو معروف.
ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم نبأ هذه القبيلة أعد عدته، واتخذ جميع التدابير المناسبة، وباغت هذه القبيلة في عقر دارها وهزمهم شر هزيمة.
أما عن تحديد زمن هذه الغزوة، فقد اختلف العلماء في ذلك، وانحصرت أقوالهم فيها فيما بين السنة الرابعة والسادسة للهجرة، وفيما يأتي رأى كل فريق مع أدلته، ثم ترجيح ما يظهر أنه الراجح، من خلال النصوص بعد مناقشتها وتحليلها.
أول من قال بذلك ابن إسحاق: فقد قال - عقب غزوة ذي قرد ١ فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعض جمادى الآخرة ورجباً، ثم غزا بني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست ٢.
- ١ذو قرد: محركة: على يوم من المدينة، بينها وبين خيبر، وتسمى غزوة (الغابة) وذلك أن عيينة بن حصن الفزاري أغار على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ترعى في الغابة قرب المدينة، فاستاقها. واختلف في تاريخها هل هي قبل الحديبية أو بعدها.
- ٢سيرة ابن هشام ٢/٢٨٩.
وفي مجمع الزوائد: روى الطبراني من طريق ابن إسحاق قال: "كانت غزوة بني المصطلق في شعبان سنة ست" ٣. قال الهيثمي: "رجاله ثقات" .
وتبع ابن إسحاق في هذا خليفة بن خياط وابن جرير الطبري، وابن حزم وابن عبد البر وابن العربي، وابن الأثير وابن خلدون.
فقد صرح كل منهم بأن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان من السنة السادسة ١.
- ١انظر: تاريخ خليفة ص ٨٠، وتاريخ الطبري ٢/٦٠٤، وجوامع السيرة لابن حزم ص ٢٠٦، والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ص ٢٠٠-٢٠٢، وعارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي لابن العربي ١٢/٤٩، والكامل لابن الأثير ٢/١٩٢، تاريخ ابن خلدون ٢/٢٩و ٣٣.
وقد أدى بهم هذا إلى إنكار وجود سعد بن معاذ في هذه الغزوة وتوهيم من ذكره فيها من العلماء، بناء على أنه استشهد في غزوة بني قريظة، التي وقعت عقب الخندق مباشرة، وكانت الخندق في السنة الرابعة على رأي ابن حزم وطائفة من العلماء ١.
- ١منهم: مالك بن أنس وموسى بن عقبة، والبخاري وابن قتيبة، ويعقوب بن سفيان الفسوي، والنووي، وابن خلدون. انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٤/٩٣-٩٤، فتح الباري ٥/٢٧٨و ٧/٣٩٣، المعارف لابن قتيبة ص ٧٠، المعرفة والتاريخ للفسوي ٣/٢٥٧-٢٥٨، شرح صحيح مسلم للنووي ٤/٥٣٢، تاريخ ابن خلدون ٢/٢٩.
- *مجمع الزوائد ٦/١٤٢-١٤٣.
وهذا نص كلام ابن حزم رحمه الله قال: "ذكر أصحاب المغازي أن الخندق كانت سنة خمس من الهجرة، والثابت أنها في الرابعة بلا شك. لحديث عبد الله بن عمر قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني" ١. فصح أن بينهما سنة واحدة فقط ١.
- ١جوامع السيرة لابن حزم ص ١٨٥.
وقد أجاب البيهقي عن هذا بقوله: "ولا اختلاف في الحقيقة بين من قال بأن الخندق كانت في السنة الخامسة، وبين من قال بأنها في السنة الرابعة، وذلك لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنوات وقبل استكمال خمس. ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد واعدوا المسلمين إلى بدر العام القابل، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعبان سنة أربع، للموعد، ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام، فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد شهرين، فتعين أن الخندق في شوال سنة خمس٣" اهـ. قال ابن كثير: "وقد صرح الزهري بأن الخندق كانت بعد أحد بسنتين، ولا خلاف أن أحداً في شوال سنة ثلاث إلا على قول من ذهب إلى أن أول التاريخ من محرم السنة الثانية لسنة الهجرة، ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الأول إلى آخرها، كما حكاه البيهقي عن جماعة من السلف.
- *انظر: الحديث في البخاري ٣/١٥٤، كتاب الشهادات، باب بلوغ الصبيان وشهادتهم، و ٥/٨٩ كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، وصحيح مسلم ٦/٢٩-٣٠، كتاب الإمارة، وأبو داود ٢/١٢٤، كتاب الخراج والفيء، باب متى يفرض للرجل في المقاتلة، و٢/٤٥٣ كتاب الحدود، باب في الغلام يصيب الحد، الترمذي ٢/١٢٧، الجهاد باب ما جاء في حد بلوغ الرجل ومتى يفرض له، ٢و/٤٠٧، أبواب الأحكام، باب ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة، والنسائي ٦/١٢٧، كتاب الطلاق، باب متى يقع طلاق الصبي، وابن ماجة ٢/٨٥٠ كتاب الحدود، باب من لا يجب عليه الحد.
- *البداية والنهاية لابن كثير ٤/٩٣-٩٤، وفتح الباري ٥/٢٧٨و ٧/٣٩٣، وزاد المعاد ٢/١٣٠، ٢/١٤٧، وعون المعبود شرح سنن أبي داود ٨/٢٣٧.
وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوي، فقد صرح بأن بدراً في الأولى وأحداً في الثانية وبدر الموعد في شعبان من السنة الثالثة، والخندق في شوال من السنة الرابعة ". ثم قال ابن كثير: "وهذا مخالف لقول الجمهور، فإن المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جعل أول التاريخ من محرم سنة الهجرة، وعند مالك ١ من ربيع الأول سنة الهجرة، فصارت الأقوال ثلاثة، والصحيح قول الجمهور أن أحداً في شوال سنة ثلاث وأن الخندق في شوال أيضاً سنة خمس.
- ١وهو قول ابن حزم أيضاً حكاه عنه ابن قيم الجوزية. انظر: زاد المعاد ٢/١٤٧.
وأما حديث ابن عمر: فقد أجاب عنه جماعة من العلماء منهم البيهقي: بأن معناه أن ابن عمر كان في أحد في أول ما طعن في الرابعة عشرة وكان في الأحزاب قد استكمل الخامسة عشرة "٢.
١- موسى بن عقبة كما نقل ذلك ابن كثير عنه بقوله: قال موسى بن عقبة عن الزهري: "هذه مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قاتل فيها، يوم بدر في رمضان سنة ثنتين، ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق - وهو يوم الأحزاب وبني قريظة - في شوال من سنة أربع، ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس.
ثم أورد ابن كثير قول البخاري عن موسى بن عقبة "أنها سنة أربع" ٣ وعقب عليه بقوله: "هكذا رواه البخاري عن مغازي موسى بن عقبة أنها سنة أربع، والذي حكاه موسى بن عقبة عن الزهري وعن عروة أنها كانت في شعبان سنة خمس "١.
- *البداية والنهاية لابن كثير ٤/٩٣-٩٤، فتح الباري ٥/٢٧٨و ٧/٣٩٣، زاد المعاد ٢/١٣٠، ٢/١٤٧، عون المعبود شرح سنن أبي داود ٨/٢٣٧.
- *انظر: صحيح البخاري ٥/٩٦، كتاب المغازي، باب غزوة بني المصطلق من خزاعة.
وقد تابع ابن حجر ابن كثير في تعقبه على البخاري بقوله: "كذا ذكره البخاري، وكأنه سبق قلم، أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع " والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد ١ النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم سنة خمس. ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب " ثم قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس " ثم قال ابن حجر: وقال الحاكم في (الإكليل) : " قول عروة وغيره أنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق " ثم قال ابن حجر، مؤيداً لقول الحاكم هذا: "قلت: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، فلو كانت المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطاً، لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة وكانت سنة خمس على الصحيح كما تقدم تقريره، وإن كانت كما قيل سنة أربع فهو أشد غلطاً"٣.
- ١هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، أبو سعيد، واعظ مفسر، مشارك في بعض العلوم، من آثاره ((دلائل النبوة)) وكتاب التفسير وكتاب الزهد (ت ٤٠٧) معجم المؤلفين بعمر رضا كحالة ٦/١٠٨.
فيظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان لتكون قد وقعت قبل الخندق، لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس أيضاً فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجوداً في المريسيع، ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق ومات من جراحته في قريظة، ويؤيده أيضاً أن حديث الإفك كان سنة خمس إذ الحديث فيه التصريح بأن القصة وقعت بعد نزول الحجاب. ثم ذكر ثلاثة أقوال في وقت نزول الحجاب وقال: أشهرها سنة أربع، فتكون المريسيع بعد ذلك، فيرجح أنها سنة خمس ١.
- ١فتح الباري ٧/٤٣٠ وانظر السيرة الحلبية ٢/٢٩٣، شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٦، وترتيب مسند أحمد للساعاتي ٢١/٧٠.
- *البداية والنهاية ٣/٢٤٢ و٤/١٥٦.
- *أي إذا كانت غزوة المريسيع في سنة أربع فهو أشد غلطاً، وذلك لأن في هذه السنة وفي نفس الشهر وقعت غزوة بدر الموعد، ولا يتأتى أيضاً بأن تكون الغزوتان وقعتا في شهر واحد، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى غزوة المريسيع لليلتين خلتا من شعبان وعاد منها لهلال رمضان. فقد استغرق الشهر كله في غزوة المريسيع. انظر: ص: ٩٦.
وروى البيهقي: أخبرنا أبو الحسين ١ بن الفضل القطان ببغداد، أنبا عبد الله ٢ بن جعفر ثنا يعقوب وثنا يعقوب وثنا إبراهيم ٣ بن المنذر، ثنا محمد بن ٤ فليح عن موسى ٥ بن عقبة عن ابن شهاب في ذكر مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس" .
- ١هو محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل بن يعقوب بن يوسف بن سالم أبو الحسين الأزرق، سمع إسماعيل بن محمد الصفار، وعبد الله بن جعفر درستويه، وغيرهم، قال الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة. انظر: تاريخ بغداد ٢/٢٤٩.
- ٢عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسي، النحوي، أبو محمد، صاحب يعقوب الفسوي، قال الخطيب: حدَّث عنه أبو الحسن بن رزقوية، وأبو الحسين بن الفضل، وأبو علي بن بن شاذان، سمعت هبة الله بن الحسن الطبري ذكر ابن درستويه وضعفه وقال: "بلغني أنه قيل له حدث عن عباس الدوري حديثاً ونحن نعطيك درهماً ففعل ولم يكن سمع من عباس". قال الخطيب: "وهذه الحكاية باطلة لأن أبا محمد بن درستويه كان أرفع قدراً من أن يكذب لأجل العوض الكثير، فكيف لأجل التافه الحقير"، وقال الخطيب أيضاً: "سألت البرقاني عن ابن درستويه فقال: ضعفوه، لأنه لما روى كتاب التاريخ عن يعقوب بن سفيان أنكروا عليه ذلك، وقالوا له إنما حدث يعقوب بهذا الكتاب قديماً فمتى سمعته منه؟ " قال الخطيب: "وفي هذا نظر، لأن جعفر بن درستويه من كبار المحدثين وفهمائهم، وعنده عن علي بن المديني وطبقته، فلا يستنكر أن يكون بكر بابنه في السماع من يعقوب بن سفيان وغيره. ونقل عن الحسين ابن عثمان الشيرازي أنه قال: ابن درستويه ثقة" إلى آخر ما ذكر في ترجمته (ت ٣٤٧) تاريخ بغداد ٩/٤٢٩، وانظر ميزان الاعتدال ٢/٤٠١، اللسان ٣/٢٦٧.
- ٣إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة، بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي، صدوق تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، من العاشرة. (ت ٢٣٦) خ ت س ق. المصدر السابق ١/٤٣. وفي ميزان الاعتدال ١/٦٧ رمز له (صح) دلالة منه على أنه ثقة.
- ٤محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي أو الخزاعي، صدوق يهم من التاسعة، (ت١٩٧) خ س ق. المصدر السابق ٢/٢٠١.
- ٥موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، ثقة فقيه، إمام في المغازي من الخامسة، لم يصح أن ابن معين لينه (ت١٤١) وقيل بعد ذلك./ ع المصدر السابق ٢/٢٨٦.
وهذا أصح مما روي عن ابن إسحاق أن ذلك كان سنة ست ١. قلت: الحديث مرسل.
- ١السنن الكبرى للبيهقي ٩/٥٤.
٢- أبو معشر ١ فقد ذكرها قبل الخندق كما نقل ذلك ابن حجر عنه ٢. وأبو مشعر روى عن أئمة أثبات أمثال ابن المسيب وهشام ابن عروة ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم.
- ١هو نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني، مولى بني هاشم مشهور بكنيته، ضعيف من السادسة. (ت١٧٠) / عم. التقريب ٢/٢٩٨. له كتاب في المغازي لكنه مفقود.
- ٢فتح الباري ٧/٤٣٠.
وروى عنه أئمة كذلك أمثال الثوري والليث بن سعد وابن مهدي ووكيع وغيرهم. وهو ضعيف في الحديث بصير بالمغازي، فقد أثنى عليه بذلك أحمد بن حنبل، وأبو زرعة الدمشقي وابن البرقي، والخليلي ١.
- ١انظر: تهذيب التهذيب ١/٤١٩-٤٢٢.
وخلاصة القول فيه أنه ضعيف في الحديث له إلمام بالمغازي. فمثله يصلح للشواهد والمتابعات.
٣- الواقدي، قال في سنة خمس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان ١، وقدم المدينة لهلال رمضان وغاب شهراً إلا ليلتين ١.
- ١مغازي الواقدي ١/٤٠٤.
٤- وهكذا ذكر ابن سعد وابن قتيبة والبلاذري ١.
- ١انظر: طبقات ابن سعد ٢/٦٣، والمعارف لابن قتيبة ص ٧٠، وأنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٤١ و ٣٤٣.
٥- وصرح الذهبي بقوله: "تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث في شعبان من السنة الخامسة، وفيها على الصحيح غزوة بني المصطلق وتسمى غزوة المريسيع" ٤.
٦- وبنحو هذا قال ابن القيم ١.
- ١زاد المعاد ٣/١٢٥.
أ- الخضري بك: فقد ذكرها في شعبان في حوادث سنة خمس ١.
- ١نور اليقين ص ١٥٢.
ب- الغزالي: قال في نهاية حديثه عن هذه الغزوة: "وكتاب السيرة على أن حديث الإفك وغزوة بني المصطلق كانا بعد الخندق، لكننا تابعنا ابن القيم في اعتبارها من حوادث السنة الخامسة قبل هجوم الأحزاب على المدينة، والتحقيق يساند ابن القيم ومتابعيه، فستعلم أن سعد بن معاذ قتل في معركة الأحزاب مع أن لسعد في غزوة بني المصطلق شأناً يذكر، إذ إن الرسول عليه الصلاة والسلام، اشتكى إليه عمل ١ ابن أبي ولا يتفق أن يستشهد سعد بن معاذ في غزوة الخندق ثم يحضر بعد ذلك في بني المصطلق لو صّح أنها وقعت في السنة السادسة" ٨.
- ١قال الألباني: لعله وهم أو سبق قلم، فإن المشتكي إليه إنما هو أسيد بن حضير كما في سيرة ابن هشام، وفي الباب مما يؤيد ما ذهب إليه ابن القيم أشياء صحيحة فيراجع في فتح الباري.
- *يريد بني المصطلق.
- *العبر في خبر من غبر ١/٧، تاريخ الإسلام له ٢/٢٧٥.
- *فقه السيرة: ٣١٦.
ج- وقال الدكتور البوطي: "ذكر ابن إسحاق وبعض علماء السيرة أنها كانت في العام السادس من الهجرة، والصحيح الذي ذهب إليه عامة المحققين أنها كانت في شعبان من العام الخامس للهجرة" ١.
د- الدكتور أبو شهبة قال: "اختلف في زمن هذه الغزوة فذهب ابن إسحاق إلى أنها في شعبان سنة ست، ووافقه الطبري، وقال موسى بن عقبة: إنها سنة خمس في شعبان، ووافقه الحاكم والبيهقي وأبو معشر، وهو الراجح الذي تشهد له الأحاديث الصحيحة" ٢.
هـ- وهكذا ذكر الساعاتي والصابوني: "بأنها كانت في السنة الخامسة على القول الأرجح" ٣.
فهؤلاء العلماء جميعاً قد صرحوا بأن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان من السنة الخامسة، وأنها قبل الخندق، لأن الخندق كانت في شوال من السنة المذكورة أيضاً٤.
١- اتفاقهم على أن هذه الغزوة كانت بعد نزول آية الحجاب، وكان نزولها في زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش وذلك للتصريح بذلك في حديث الإفك كما سيأتي ١.
- ١انظر: ص ٢٠٥.
أ- كان نزوله في السنة الثالثة، وبه جزم خليفة بن خياط وأبو عبيدة ١ وغير واحد.
- ١هو معمر بن المثنى التيمي، مولاهم، البصري، النحوي اللغوي، صدوق، أخباري وقد رمى برأي الخوارج، من السابعة (ت٢٠٨) وقيل بعد ذلك وقد قارب المائة. خت د، التقريب ٢/٢٦٦، وتهذيب التهذيب ١٠/٢٤٦.
- *فقه السيرة للبوطي القسم الثاني: ٩٣.
- *السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ١٩٦.
- *الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد ١٤/١٠٩، روائع البيان تفسير آيات الأحكام للصابوني ٢/١١٩.
- *ما عدا موسى بن عقبة وابن قتيبة فإنهما يريان أن الخندق في السنة الرابعة. انظر: ص٩٠.
ب- في السنة الرابعة عند جماعة من العلماء، وبه جزم الدمياطي ١ والذهبي وابن حجر.
- ١تقدمت ترجمته ص؟.
ج- كان في ذي القعدة من السنة الخامسة، وبه قال قتادة والواقدي ١.
- ١انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ٤/٣١٤ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٧/١٢٥، والمستدرك للحاكم ٤/٣، وتاريخ الإسلام للذهبي ٢/٣٤، وتفسير ابن كثير ٣/٥٠٣، وفتح الباري ٧/٤٣٠و ٨/٤٦٢-٤٦٣.
فعلى القول بأن الحجاب كان في السنة الثالثة أو الرابعة فيترجح كون غزوة بني المصطلق بعد ذلك، في السنة الخامسة، بعد نزول الحجاب وزواج رسول صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، للتصريح بذلك في سياق قصة الإفك. أما قول قتادة والواقدي فلا يلتفت إليه بعد جزم من ذكر بمخالفتهم ١.
- ١مع أن الواقدي قد تناقض في هذا فذكر في مغازيه بأن غزوة بني المصطلق كانت في السنة الخامسة من شعبان، وذكر فيها حديث الإفك المصرح بأن ذلك وقع بعد نزول الحجاب وزواج زينب بنت جحش، ثم ذكر بأن الحجاب كان في ذي القعدة من سنة خمس كما نقل عنه. انظر: المغازي للواقدي ١/٤٠٤ و ٢/٤٢٨، وانظر فتح الباري ٨/٤٦٢.
٢- وجود سعد بن معاذ فيها، فهذا مما يرجح تقدمها على غزوة الأحزاب، ولا يلتفت إلى من قال: بأن ذكره في غزوة بني المصطلق وهم من بعض الرواة ١، إذ التوهيم لا يكون إلا بأمر قاطع، وما دام الخلاف قائماً في تحديد زمن كل من الغزوتين، وتقديم أحداهما على الأخرى. فلا يستقيم التوهيم، بل الإقدام عليه من الصعوبة بمكان لا يخفى، لا سيما أنه مصرح بذكره في أصح الصحيح بعد كتاب الله صحيحي البخاري ومسلم.
- ١انظر: القائلين بهذا ص؟.
ولذا قال إسماعيل ١ القاضي: "الأولى أن تكون المريسيع قبل الخندق للحديث الصحيح عن عائشة "١.
- ١هو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم أبو إسحاق الأزدي مولى آل جرير بن حازم من أهل البصرة، سمع مسدد بن مسرهد، والقعنبي وابن المديني وغيرهم، وعنه عبد الله بن أحمد بن حنبل، ويحيى بن صاعد وغيرهم، قال الخطيب البغدادي: كان إسماعيل فاضلاً عالماً متقناً فقيهاً على مذهب مالك بن أنس، ثم ذكر شيئاً من مصنفاته. (ت ٢٨٢هـ) تاريخ بغداد ٦/٢٨٤.
وأما ما أبداه القطب ١ الحلبي من الاحتمال بقوله: "وقع في نسخة سماعنا (فقام سعد بن معاذ) ٣ وفي موضع آخر (فقام سعد أخو بني عبد الأشهل) ٤.
- ١هو عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي، الحافظ المتقن المقرئ، أبو علي الحلبي، ثم المصري مفيد الديار المصرية، صنف وخرج وأفاد، وشرح أكثر صحيح البخاري في عدة مجلدات (ت ٧٣٥) . ذيل تذكرة الحفاظ لمحمد بن علي الدمشقي ص١٣.
فيحتمل أن يكون آخر غير سعد بن معاذ، فإن في بني عبد الأشهل جماعة من الصحابة، يسمى كل منهم سعداً، منهم: سعد بن زيد الأشهلي، شهد بدراً، وكان على سبايا قريظة الذين بيعوا بنجد، وله ذكر في عدة أخبار، منها: في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته، فيحتمل أن يكون هو المتكلم في قصة الإفك فهذا مردود بتصريح القطب الحلبي نفسه بأنه سعد بن معاذ، في الموضع الأول. وأما الموضع الآخر فإن الرواية أيضاً في البخاري "فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل" كما أثبت ذلك في الحاشية. فكيف يتطرق الاحتمال بعد هذا التصريح بأنه سعد بن معاذ، إلى غيره. وأيضاً فإن في رواية معمر بن راشد عند مسلم "فقام سعد بن معاذ الأنصاري" ٥.
فيتعين بهذا أن يكون المذكور هو سعد بن معاذ، لا غيره. ويندفع الاحتمال الذي أورده القطب الحلبي رحمه الله.
٣- ما ذكره المقريزي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق أخذ بيد سعد بن معاذ، في نفر فخرج يقود به حتى دخل به على سعد بن عبادة ومن معه، فتحدثا عنده ساعة، وقرب سعد بن عبادة طعاماً، فأصاب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعد بن معاذ ومن معه، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمكث أياماً، ثم أخذ بيد سعد بن عبادة ونفر معه، فانطلق به، حتى دخل منزل سعد بن معاذ، فتحدثا ساعة، وقرب سعد بن معاذ طعاماً، فأصاب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعد بن عبادة ومن معهم، ثم خرج الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليذهب ما كان في أنفسهم من ذلك القول الذي تقاولا ١ اهـ.
- ١إمتاع الأسماع ١/٢١٠، وانظر السيرة الحلبية ٢/٣١٩.
- *انظر: شرح مسلم للنووي ٥/٦٣٥، وزاد المعاد لابن القيم ٢/١٢٨، وفتح الباري لابن حجر ٨/٤٧٢.
- *انظر هذه الرواية في البخاري ٣/١٥٣، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهنّ بعضاً.
- *انظر هذه الرواية في البخاري ٥/٩٨، كتاب المغازي، باب حديث الإفك. وهذا لفظها "فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل" وليس كما ذكر القطب الحلبي بقوله: "فقام سعد أخو بني عبد الأشهل".
- *انظر: صحيح مسلم ٨/١١٥، كتاب التوبة. وانظر فتح الباري ٨/٤٧١-٤٧٢.
٤- اتفاق أهل المغازي على أن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان، وأن غزوة الأحزاب كانت في شهر شوال، فمن هذه الناحية تكون غزوة بني المصطلق قبل الأحزاب، إذا غضضنا النظر، عن الخلاف في تحديد سنة كل منهما، وبهذا التقرير يكون الراجح في تحديد زمن هذه الغزوة أنها في شعبان من سنة خمس، وبوجه أعم تكون سابقة على غزوة الأحزاب، إذ الأحزاب في شوال من السنة المذكورة على الأصح كما تقدم ١.
- ١انظر: ص٩٢.
ويندفع ما تعلق به الذاهبون إلى تأخرها عن غزوة الأحزاب اعتماداً على ما ذكره ابن إسحاق في تحديدها بالسنة السادسة، وأن المحاورة في شأن أهل الإفك، كانت بين أسيد بن حضير وسعد بن عبادة، ومستند ابن إسحاق لا مطعن فيه، غير أن إطباق كتب الصحاح على ذكر سعد بن معاذ في هذه الغزوة، مما يرجح كون غزوة بني المصطلق كانت قبل الخندق، ولا داعي إلى تطرّق الوهم إلى أصحّ الكتب بعد كتاب الله؛ لأنه يمكن اللجوء في مثل هذه القضايا إلى الترجيع بين الأدلة وتمييز الصحيح والأصح أو الراجح والمرجوح، ولا شك أن ما ذكر في الصحيحين أرجح مما ذكر في غيرهما ولاسيما كتب المغازي والتواريخ ١.
- ١راجع نظرة في مصادر ودراسة السيرة النبوية، لأكرم ضياء العمري ص١و ٣.
والآن نبدأ الحديث مع القائلين بأنها كانت في السنة الرابعة.
ج- القائلون بأن غزوة بني المصطلق في السنة الرابعة: ١- موسى بن عقبة كما نقل ذلك عنه البخاري، وقد تقدم أن الذي حصل للبخاري سبق قلم، وأن الثابت عن موسى بن عقبة سنة خمس ١.
- ١انظر: ص؟ وما بعدها.
٢- المسعودي: ذكرها في السنة الرابعة، وذكر أن الخندق في السنة الخامسة ١.
- ١مروج الذهب ٢/٢٩٥.
٣- ابن العربي المالكي: صرح أيضاً بأنها في السنة الرابعة وأن الخندق بعدها ١.
- ١عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي ٧/١٧٣.
٤- أبو بكر العامري: اعتمد على النقل عن موسى بن عقبة بأنها كانت في السنة الرابعة ١.
- ١قال شارح بهجة المحافل محمد الأشخر: "كذا نقل البخاري عن موسى بن عقبة وهو سبق قلم والذي في مغازيه أنها في سنة خمس".
ونقل قول ابن إسحاق بأنها كانت في السادسة، ثم عقب عليه بقوله: والصواب الأول- أي أنها كانت في الرابعة - بدليل أن فيها حديث الإفك، وجرى فيه ذكر سعد بن معاذ، وسعد أصيب يوم الخندق، والخندق في السنة الرابعة على الأصح، فعلم بهذا أن المريسيع قبلها ١.
- ١بهجة المحافل ١/٢٤١.
٥- ومن المعاصرين محمد أحمد باشميل فقد ذكرها في حوادث سنة أربع، ضمن الحوادث الواقعة بين غزوتي أحد والأحزاب ١.
- ١غزوة الأحزاب ص ٩٤.
ويلاحظ مما ذكره هؤلاء العلماء في شأن غزوة بني المصطلق: أنها سابقة على غزوة الأحزاب، وهذا من المرجحات على تقدمها على غزوة الخندق.
غير أن تحديد زمنها بالسنة الرابعة، مردود بما أطبق عليه أهل المغازي بأن في السنة الرابعة كانت بدر الموعد، وكانت في شعبان، ومن المعلوم أن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان اتفاقاً، وكانت مدة غياب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ثمانية وعشرين يوماً، ابتداء من ليلتين خلتا من شعبان ١.
- ١انظر: ص٩٣و٩٦.
فإذا كانت غزوة بني المصطلق في السنة الرابعة على ما ذهب إليه هؤلاء العلماء، فمتى كانت بدر الموعد؟.
وعلى كل حال فكون غزوة بني المصطلق في شعبان سنة أربع، لا يستقيم مع قول أهل المغازي بأن في هذا التاريخ كانت بدر الموعد، وهذا مما يرجح تأخر غزوة بني المصطلق عن هذا التحديد.
الخليفة على المدينة في غياب الرسول صلى الله عليه وسلم: اختلف العلماء فيمن استخلف على المدينة في غياب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق. وأقوالهم تنحصر في أحد أشخاص أربعة: وهم: زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وأبو ذر الغفاري، ونميلة ابن عبد الله الليثي، وجعيل بن سراقة الضمري.
ولم أجد ما يرجح قول أحد على آخر، إذ هو مجرد قول بدون إسناد. غير أن الأكثر على أن الخليفة أبو ذر، أو نميلة بن عبد الله الليثي ١.
- ١انظر: أنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٤٢، سيرة ابن هشام ٢/٢٨٩، والروض الأنف للسهيلي ٦/٣٩٩، وعيون الأثر لابن سيد الناس ٢/٩٢، وتاريخ ابن خلدون ٢/٣٣، زاد المعاد ٢/١٢٥، شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٧، وأسد الغابة لابن الأثير ١/٣٣٨.
المبحث الأول: وقوع القتل في بني المصطلق
...
المبحث الأول: وقوع القتل والسبي في بني المصطلق قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد ابن يحيى بن حبان ١ - كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلق - قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني ٢ المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، خرج ٣ إليهم، حتى لقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع إلى الساحل فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل* من قتل منهم، ونفّل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فأفاءهم عليه، وقد أصيب رجل من المسلمين من بني كلب بن عوف بن عامر بن ليث بن بكر، يقال له: هشام١ بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت، وهو يرى أنه من العدو، فقتله خطأ.
- ١تقدمت تراجم رجال الإسناد، ص؟.
- ٢وعند الواقدي: عن مشايخه قالوا: إن بني المصطلق من خزاعة كانوا ينزلون ناحية الفرع، وهم حلفاء في بني مدلج، وكان رأسهم وسيدهم الحارث بن ضرار وكان قد سار في قومه ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلت الركبان تقدم من ناحيتهم فيخبرون بمسيرهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم علم ذلك فخرج حتى ورد ماءهم فوجد قوماً مغرورين قد تألبوا وجمعوا الجموع، فعاد فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فندب الناس فأسرعوا للخروج وقادوا الخيول وهي ثلاثون فرساً؛ من المهاجرين عشرة، وفي الأنصار عشرون. (مغازي الواقدي ١/٤٠٤، وطبقات ابن سعد ٢/٦٣) .
- ٣قال الذهبي: "خرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة". (تاريخ الإسلام ١/٢٣٠ القسم الخاص بالمغازي) . * وعند الواقدي في المغازي١/٤٠٧ فما أفلت منهم إنسان، وقتل عشرة منهم وأسر سائرهم. ١ هشام بن صبابة بن حزن بن سيار بن عبد الله بن كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة، الكناني الليثي، أخو مقيس بن صبابة. انظر: أسد الغابة لابن الأثير ٥/٤٠٠، وساق ابن حجر نسبه عن ابن الكلبي إلى كنانة. ثم قال: وقال أبو سعيد السكري: هو هشام بن حزن، وأمه صبابة بنت مقيس بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم. ثم ساق ابن حجر حديث ابن إسحاق هذا ثم قال: "وفي تفسير سعيد بن جبير الذي رواه ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عنه، وكذا في تفسير ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} ، [سورة النساء، من الآية: ٩٣] ، قال: نزلت في مقيس بن صبابة وكان قد أسلم هو وأخوه هشام فوجد مقيس أخاه قتيلاً فشكا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر له بالدية فأخذها ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، وارتد وأقام بمكة وقال في ذلك أبياتاً. وسمي الواقدي بسند له قاتله أوساً. وسمى المقتول هاشماً، وكذا وقع عن ابن شاهين من طريق محمد بن يزيد عن رجاله"، ثم قال ابن حجر، والأول أرجح وصبابة بالمهملة عند أكثر أهل اللغة، وقال ابن دريد: ضبابة بالضاد المعجمة، ومقيس: بكسر الميم وسكون القاف وفتح المثناة". انظر: الإصابة ٣/٦٠٣، فتح الباري ٨/٢٥٨، وعند ابن جرير: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج عن ابن جريج عن عكرمة أن رجلاً من الأنصار قتل أخا مقيس بن ضبابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله. قال ابن جريج وقال غيره: "ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ديته على بني النجار، ثم بعث مقيساً وبعث معه رجلا من بني فهر في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم فاحتمل مقيس الفهري وكان قوياً، فضرب به الأرض ورضخ رأسه بين حجرين، ثم ألفى يتغنى: قتلت به فهراً وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أظنه قد أحدث حدثاً، أما والله لئن كان فعل لا أؤمنه في حل ولا حرم، ولا سلم ولا حرب"، فقتل يوم الفتح، قال ابن جرير: "وفيه نزلت هذه الآية {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} "، الآية، [سورة النساء، من الآية: ٩٣] ، تفسير الطبري ٥/٢١٧. والحديث أورده الواحدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، في سبب نزول هذه الآية. انظر أسباب النزول للواحدي ص ١١٤. قلت: كون هذه الآية نزلت في شأن مقيس قول ضعيف. وذلك لما يأتي: ١- عطاء بن دينار الهذلي، لم يصح أنه سمع التفسير من ابن جبير، وإنما هي صحيفة رواها عنه. انظرك تهذيب التهذيب ٧/١٩٨ وتقريب التهذيب ٢/٢١ وميزان الاعتدال ٣/٦٩-٧٠. ٢- الحديث المروي عن ابن عباس فيه الكلبي وهو محمد بن السائب أبو النضر الكوفي النسابة المفسر قال عبد ابن حجر: في التقريب ٢/١٦٣ متهم بالكذب ورمي بالرفض. وفي ميزان الإعتدال ٣/٥٥٩. قال ابن معين: "الكلبي ليس بثقة"، وقال الجوزجاني وغيره: "كذاب". وقال الدارقطني وجماعة: "متروك". ثم قال الذهبي: "لا يحل ذكره في الكتب فكيف الاحتجاج به". وفيه أبو صالح: وهو باذام مولى أم هانىء. ضعفه البخاري، وقال النسائي: "ليس بثقة"، ثم قال الذهبي: "أبو صالح يروي عن ابن عباس التفسير ولم ير ابن عباس". ميزان الاعتدال ١/٢٩٦، و٣/٥٥٩. ٣- حديث الطبري فيه عنعنة ابن جريج، وفيه انقطاع لأن عكرمة لم يحضر القصة. أما كون هشام بن صبابة قتل في غزوة بني المصطلق فهو الذي أطبق عليه المؤرخون، إلاَّ ما كان من ابن عبد البر فقد ذكر في الاستيعاب ٣/٥٩٥ أنه قتل في غزوة ذي قرد، وهو شيء ذكره بدون إسناد. وأما مقيس فكان من النفر الذين أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دماءهم يوم فتح مكة، فقتله نميلة بن عبد الله وكان من قومه. انظر أسد الغابة ٥/٣٦٣ والإصابة ٣/٥٧٤ وسيرة ابن هشام ٢/٤١٠. * وعند الواقدي: وكانت الإبل ألفي بعير، وخمسة آلاف شاة وكان السبي مائتي أهل بيت مغازي الواقدي ١/١٤٠، وطبقات ابن سعد ٢/٦٤ وشرح المواهب للزرقاني ٢/٩٧-٩٨ وزاد: وكانت الأسرى أكثر من سبعمائة. ١ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٠ و٢٩٣.
وقدم مقيس بن صبابة من مكة مسلماً فيما يظهر، فقال: يا رسول الله جئتك مسلماً وجئت أطلب دية أخي، قتل خطأ، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية أخيه هشام بن صبابة، فأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه، فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتداً وأصيب من بني المصطلق يومئذ ناس، وقتل علي بن أبي طالب منهم رجلين مالكاً وابنه، وقتل عبد الرحمن بن عوف رجلاً من فرسانهم، يقال له: أحمر أو أحمير.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أصاب منهم سبياً* كثيراً، قسمه في المسلمين، وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
والحديث أورده من هذه الطريق: خليفة بن خياط، وابن جرير الطبري، وابن كثير ١.
- ١انظر تاريخ خليفة ص٨٠، وتاريخ ابن جرير ٢/٦٠٤ والبداية والنهاية ٤/١٥٦.
وأورده أيضاً الطبراني من هذه الطريق غير أنه قال: "فأمدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم" إلى أن قال: "فهزم الله بني المصطلق وقتل الحارث بن أبي ضرار أبا جويرية..." الخ. قال الهيثمي: "رجاله ثقات" ٢. قلت: "وسبق إلى هذا القول اليعقوبي فقد صرح في تاريخه بأن والد جويرية قتل في المعركة، ولكنه أورد ذلك بدون إسناد" ٣. قلت: "وهذا وهم" .
لأن والد جويرية: معدود في الصحابة، وله حديث عند أحمد، في قدومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وإسلامه ١.
- ١انظر الاستيعاب على هامش الاصابة ١/٢٩٩ وأسد الغابة ١/٣٩٩-٤٠٠ والإصابة ١/١٨١ وانظر حديثه في المسند ٤/٢٧٩.
والحديث مداره على ابن إسحاق، وقد صرح فيه بالتحديث، ورجال الإسناد ثقات، وهم رجال الصحيح.
غير أنه مرسل. والمرسل من قسم الحديث الضعيف. وذلك يشهد له حديث عبد الله بن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية" ٥.
فإنه صريح في وجود القتل والسبي فيكون الحديث حسناً لغيره.
- *مجمع الزوائد ٦/١٤٢.
- *تاريخ اليعقوبي ٢/٥٣.
- *انظر: الحديث، ص٧٨.
وقد جمع ابن حجر بين الحديث بقوله: ويحتمل أن يكون لما دهم المسلمون بني المصطلق وهم على الماء، ثبتوا قليلاً وقاتلوا، ولكن وقعت الغلبة عليهم ١.
- ١انظر ص٨٤.
المبحث الثاني: شعار المسلمين في هذه الغزوة
كان من الخطط المألوفة في معارك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتفق مع أصحابه على شعار يقولونه في المعركة وذلك خشية الاشتباه بين أفراد المسلمين والكفار ولقد كان شعار المسلمين في هذه المعركة هو "يا منصور أمت أمت" ، وإليك النصوص الواردة في ذلك.
ورد في مجمع البحرين: حدثنا محمد ١ بن الحسين بن مكرم، ثنا يحيى بن محمد بن السكن ٢.
- ١محمد بن الحسين بن مكرم، أبو بكر البغدادي، سمع بشر بن الوليد ومحمد بن بكار الريان، وانتقل إلى البصرة فسكنها حتى مات بها، ثم نقل توثيقه عن الدارقطني. وقال فيه إبراهيم بن فهد: "ما قدم علينا البصرة من بغداد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي بكر بن مكرم، بحديث أهل البصرة خاصة ولا أعرف منه". (ت ٣٠٩) تاريخ بغداد للخطيب ٢/٢٣٣. وفي تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٧٣٥ روي عنه محمد بن مخلد وأبو القاسم الطبراني وابن عدي وابن السني، وابن المقرئ، وخلق، ثم نقل فيه قول الدارقطني وإبراهيم ابن فهد.
- ٢يحيى بن محمد بن السكن بن حبيب القرشي، البزاز، البصري، نزيل بغداد، صدوق، من الحادية عشرة (ت ٢٥٠) / خ د س. التقريب ٢/٣٥٧.
ثنا محمد ١ بن جهضم، ثنا محمد بن الحسن ٢، عن خارجة بن الحارث ٣ بن رافع بن مكيث الجهني عن أبيه ٤ قال: سمعت سنان بن وبرة ٥ قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع، غزوة بني المصطلق، فكان شعارهم: "يا منصور أمت أمت" .
- ١محمد بن جهضم بن عبد الله الثقفي، أبو جعفر البصري، خراساني الأصل، صدوق من العاشرة، /خ م د س. المصدر السابق ٢/١٥١.
- ٢محمد بن الحسن الشيباني، أبو عبد الله، أحد الفقهاء/ لينه النسائي وغيره، من قبل حفظه، ويروي عن مالك بن أنس وغيره، وكان من كبار أهل العلم والفقه، قوياً في مالك، انظر: ميزان الاعتدال ٣/٥١٣.
- ٣خارجة بن الحارث بن رافع بن مكيث الجهني المدني صدوق من السابقة/ بخ د. التقريب ١/٢١٠.
- ٤الحارث بن رافع بن مكيث الجهني، مقبول من الثالثة، وله رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة/ د. التقريب ١/١٤٠، وفي تهذيب التهذيب ٢/١٤١، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وعن أبيه، وجابر، وسنان بن وبرة، وعنه ابنه خارجة وابن أخيه محمد بن خالد بن رافع. قلت: وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان: "لا يعرف". وقال البخاري: "الحارث بن رافع بن مكيث الجهني ثم الربعي. يعد في المدنيين، سمع جابر بن عبد الله، روى عنه ابنه خارجة"، انظر: التاريخ الكبير للبخاري ٢/٢٦٩، وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١/٧٤: روى عن جابر، وعنه ابنه خارجة، سمعت أبي يقول ذلك. قال أبو محمد: "روى عنه ابن أخيه محمد بن خالد بن رافع بن مكيث".
- ٥سنان بن وبرة ويقال: ابن وبر الجهني حليف بني الحارث بن الخزرج وهو الذي تنازع مع جهجاه الغفاري على الماء وكادت تحصل فتنة بين المهاجرين والأنصار. انظر: سيرة ابن هشام ٢/٢٩٠، وأسد الغابة ٢/٤٥٩. ويقال: إنه هو الذي سمع عبد الله بن أُبيّ يقول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل والصحيح أن الذي سمعه هو زيد بن أرقم كما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما. انظر: سيرة بن هشام ٢/٢٩٠، وأسد الغابة ٢/٤٥٩، والإصابة ٢/٤٨.
لا يروى عن سنان إلا بهذا الإسناد، تفرد به جهضم٤٥.
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد عن سنان المذكور وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وإسناد الكبير حسن ١.
- ١٦/١٤٢.
وأورده ابن الأثير بهذا الإسناد في ترجمة سنان بن وبرة وقال: "أخرجه ابن منده وأبو نعيم في هذه الترجمة" ٧.
- *تفرد به جهضم (كذا في الأصل وفي المسند محمد بن جهضم، وقال ابن حجر: "نقلاً عن الطبراني تفرد به محمد بن جهضم".
- *مجمع البحرين في زوائد المعجمين ٢/٢٤٠، وتفرد ابن جهضم لا يضر لأنه محتج به ولا مخالف له.
- *أسد الغابة ٢/٤٦٣ و٤٥٩.
وأخرجه أبو عمر: في ترجمة سنان بن تيم ١. وقال ابن حجر في الإِصابة: "روى الطبراني من طريق خارجة بن الحارث بن رافع الجهني عن أبيه سمعت سنان بن وبرة الجهني يقول: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق، وكان شعارنا يا منصور أمت. قال في الأوسط: لا يروى عن سنان إلاَّ بهذا الإِسناد، تفرد به محمد بن جهضم" ٢.
- ١المصدر السابق ٢/٤٥٩ والاستيعاب مع الإِصابة ٢/٨١.
وأورده في الفتح مقتصراً على قوله: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق" رواه الطبراني من حديث سنان بن وبرة ١.
- ١الفتح ٧/٤٣٠.
وأورده ابن هشام وغيره بدون إسناد ١.
- ١سيرة ابن هشام ٢/٢٩٤ وجوامع السيرة لابن حزم ص٢٠٥ والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر، ص٢٠٠
والحديث مداره على الحارث بن رافع بن مكيث الجهني، وقد وصفه ابن حجر بأنه (مقبول) والمقبول عنده هو: "من ليس له من الحديث إلاَّ القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإِشارة بلفظ (مقبول) حيث يتابع وإلاَّ فلين الحديث" ٥. وهنا قد جزم الطبراني بعدم وجود المتابعة، بقوله: "لا يروى عن سنان إلاَّ بهذا الإِسناد" .
والحديث: حسنه الهيثمي كما مر قريباً٦ ولعله اعتمد على توثيق ابن حبان للحارث. وهو متساهل في التوثيق، فإنه يوثق المجاهيل ١.
- ١انظر لسان الميزان لابن حجر ١/١٤ و٤٩٢، وفتح المغيث للسخاوي ١/٢٩٤، وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني ١/٣٢ و٣٤.
- *الإِصابة ٢/٨٤.
- *التقريب ١/٥.
- *انظر، ص١١٠.
ولعل الهيثمي أيضاً يقول بقاعدة بعض العلماء وهو تحسين حديث المستور إذا كان من التابعين كما هو مذهب ابن كثير وابن رجب ١. رحمهما الله ٢.
- ١هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب شهاب الدين صاحب كتاب (جامع العلوم والحكم) (ت ٧٩٥) انظر ذيل تذكرة الحفاظ للذهبي، ص: ١٣.
- ٢انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني المجلد الأول، الجزء الربع، ص١٠.
وعلى كل حال فالقول بما رآه الهيثمي من تحسين هذا الحديث أقرب إلى الصواب، لأن الحارث من التابعين وقد روى عن جماعة، وروى عنه ابنه وابن أخيه، وقد وثقه ابن حبان. وهي مسألة تاريخية وليست من العقائد حتى نتشدد في ذلك.
وأما قول ابن القطان ١: "بأن الحارث لا يعرف، فابن القطان من المتشددين في ذلك، ولم يوافقه الذهبي على هذه القاعدة التي مشى عليها" ٤.
- ١هو أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الفاسي صاحب كتاب (الوهم والإيهام) (ت٦٢٨) تذكرة الحفاظ ٤/١٤٠٧.
- *انظر: ميزان الاعتدال ١/٥٥٦ و٣/٤٢٦ وتذكرة الحفاظ ٤/١٤٠٧ وانظر الرفع والتكميل في الجرح والتعديل لعبد الحي اللكنوي، ص١١٠.
المبحث الثالث: ضعف مقاومة بني المصطلق
أما كون المسلمين لم يلقوا في هذه الغزوة مقاومة شديدة على الرغم من تحشد بني المصطلق واستعدادهم الكامل للمعركة، فلعل هذا يفسر بأمرين: الأول: علم المسلمين المسبق باحتشاد هذه القبيلة للهجوم على المدينة، واستعداد المسلمين الكامل في هذه الغزوة، وأخذهم الحذر التام.
الثاني: هجوم المسلمين المبكر على هذه القبيلة قبل أن تقوم هي بالهجوم.
ومن المعلوم أن العدو إذا بوغت في عقر داره على حين غفلة، فإِنه تتحطم معنوياته وتنهار قواه، ويسهل القضاء عليه، ويصاب بالذعر والاندحار، حتى ولو كان قد أعد عدته، وجمع الجموع، كما حصل لهذه القبيلة فإِنها قد تهيأت عسكرياً وجمعت جموعها لمهاجمة المدينة المنورة، غير أن المسلمين كشفوا القضية قبل أن تقوم هذه القبيلة بالهجوم، فكان المسلمون هم المهاجمين، ولقنوا هذا العدو درساً كان عبرة له، وردعاً لأمثاله، ممن تسول لهم أنفسهم مهاجمة عاصمة الإِسلام (المدينة المنورة) .
وهذان الأمران: يفسران عدم لقاء المسلمين أية مقاومة تذكر في هذه الغزوة، إلاَّ ما يحصل عادة من مناوشات ومحاولات يائسة للدفاع عن النفس. وبه يفسر ما ذكرته كتب المغازي من وجود صدام وقتلى، لم يؤد إلى وجود خسائر في صفوف المسلمين، مما يؤيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد علم بتبييت هذا العدو الغزو له، فعاملهم بنقيض قصدهم وهجم عليهم قبل أن يهجموا عليه، وهذا يدل على ما كان عليه المسلمون - بقيادة نبيهم صلى الله عليه وسلم - من يقظة كاملة لكل تحركات الأعداء من الداخل والخارج على سواء.
المبحث الرابع: موقف جويرية بنت الحارث رضي الله عنها
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر ١ بن الزبير عن عروة ٢ ابن الزبير، عن عائشة ٣، قالت: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له ٤، فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاَّحة ٥، لا يراها أحد إلاَّ أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو إلاَّ أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها صلى الله عليه وسلم ما رأيت، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، سيد قومه، وقد أصابني من البلاء، ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينُك على كتابتي، قال: "فهل لك في خير من ذلك؟ " . قالت: وما هو يا رسول الله؟. قال: "أقضي عنك كتابتك وأتزوجك" ، قالت: نعم يا رسول الله، قد فعلت، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية ابنة الحارث بن ضرار، فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة١ أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها٢.
- ١محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة، من السادسة (ت بضع عشرة ومائة) / ع. انظر التقريب ٢/١٥٠.
- ٢عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، من الثانية، (ت ٩٤) على الصحيح، ومولده في خلافة عمر الفاروق/ع المصدر السابق ٢/١٩.
- ٣عائشة بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقاً، وأفضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، إلاَّ خديجة ففيها خلاف شهير (ت ٥٧) على الصحيح/ ع. المصدر السابق ٢/٦٠٦.
- ٤وفي مغازي الواقدي ١/٤١٠ وقعت في السهم لثابت بن قيس وابن عم له – بالواو المشركة – وأن ثابتاً خلصها من ابن عمه بنخلات له بالمدينة.
- ٥ملاحة: بضم الميم وتشديد اللام أي شديدة الملاحة، وهو من أبنية المبالغة، انظر غريب الحديث لابن الأثير ٤/٣٥٥. وكنّت به عائشة عن جمالها، وكانت جويرية قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت مسافع بن صفوان المصطلق ذي الشفر بن سرح بن مالك ابن جذيمة، فقتل يوم المريسيع. انظر طبقات ابن سعد ٨/١١٦، وأسد الغابة لابن الأثير ٧/٥٦، والإصابة لابن حجر ٤/٢٦٥. وعند ابن إسجاق كانت تحت ابن عم لها يقال له: ابن ذي الشفر انظر سيرة ابن إسحاق المسماة المبتدأ والمبعث والمغازي ١/٢٤٥، والإصابة لابن حجر ٤/٢٦٦. وكانت وفاتها سنة ٥٦ المصادر السابقة. وهي التي روت حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها" قالت: نعم، يا رسول صلى الله عليه وسلم: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم، لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلمات" انظر صحيح مسلم ٨/٨٣، كتاب الذكر والدعاء وهو من رواية عبد الله بن عباس عنها. قال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة ٢/٢٧١ جويرية التي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلت" ...الخ. قال ابن حبان في الأنواع: "هي ابنة الحارث بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم كذا قال، وإنما هي أم المؤمنين وقد رواه ابن عباس عنها". انظر الإصابة لابن حجر ٤/٢٦٧-٢٦٨ قلت: "وقد وقع في الخطأ أيضاً الدكتور وهبة الزحيلي، فقد قال بأنها: جويرية بنت الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين، تزوجها قبله مسافع بن صفوان، وقتل يوم المريسيع وكان أبوها سيد قومه في الجاهلية". انظر آثار الحرب في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة، حاشية ص ٤٤٦. (مئة أهل بيت) قال صاحب عون المعبود: "كذا بالإضافة أي مئة طائفة كل واحدة منهن أهل بيت، ولم تقل مائة هم أهل بيت لإيهام أنهم مائة نفس كلهم أهل بيت وليس مراداً، وقد روى أنهم كانوا أكثر من سبعمائة قاله الزرقاني". عون المعبود ١٠/٤٤٤، وانظر شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٢٤٥. ٢ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٤ و٦٤٥ وانظر سيرة ابن إسحاق المسمي المبتدأ والمبعث والمغازي ١/٢٤٥. ٣ عبد العزيز بن يحيى بن يوسف البكائي بفتح الباء وتشديد الكاف الممدودة أبو الأصبغ الحراني، صدوق ربما وهم. (ت ٢٣٥) د س، التقريب ١/٥١٣. ٤ محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي، مولاهم، الحراني ثقة (ت ١٩١) على الصحيح/ زم ٤ المصدر السابق ٢/١٦٦. ٥ محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي، مولاهم، المدني، نزيل العراق إمام في المغازي، صدوق يدلس، ورمي بالتشيع والقدر، (ت ١٥٠) ويقال بعدها/ خت م ٤. التقريب ٢/١٤٤. ٦ تقدمت تراجم بقية رجال السند. ٧ سنن أبي داود ٢/٣٤٧. ٨ عون المعبود ١٠/٤٤١.
وأورده أبو داود في كتاب العتق من هذه الطريق: حدثنا عبد العزيز٣ بن يحيى أبو الأصبغ الحراني، قال حدثني محمد٤ - يعني ابن سلمة عن ابن إسحاق٥ عن محمد بن جعفر بن الزبير٦ عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "وقعت جويرية بنت الحارث بن المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس، أو ابن عم له، فكاتبت على نفسها، وكانت امرأة ملاحة تأخذها العين" ، الحديث ... ثم قال عقبة قال أبو داود: "وهذا حجة في أن الولي هو يزوج نفسه" ٧. قال صاحب عون المعبود: "قال المنذري: وفيه محمد بن إسحاق بن يسار" ، ثم قال صاحب العون: "قلت: وقد صرح بالتحديث في رواية يونس ابن بكير عنه. وأخرجه أحمد في مسنده" ٨. قلت: رواية يونس المشار إليها هي عند البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله١الحافظ وأبو بكر ١ أحمد بن الحسن القاضي، قالا ثنا أبو العباس ٢ محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار ٣، ثنا يونس بن بكير ٤ عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له. الحديث ٥.
- ١أحمد بن الحسن بن عمران بن موسى أبو بكر القاضي عن أحمد بن منصور والرمادي، وعنه أحمد بن الفرج بن الحجاج. انظر تاريخ بغداد ٤/٩٠.
- ٢هو المعروف بالأصم قال فيه الذهبي: "الإمام المفيد الثقة محدث المشرق أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم النيسابوري، حدث عن جماعة كثيرة منهم هارون بن هارون بن سليمان وأحمد بن شيبان الرملي، وأحمد بن عبد الجبار العطاردي، وعنه الحاكم وابن مندة وأبو عبد الله بن الأخرم وغيرهم، قال الحاكم كان محدث عصره بلا مدافعة، وقال أيضاً حدث ٧٦ سنة، ولم يختلف في صدقه وسماعه، (ت ٣٤٦) " تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠-٨٦٤.
- ٣أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي بضم العين المهملة والطاء المخففة. أبو عمر الكوفي، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، من العاشرة، لم يثبت أن أبا داود أخرج له، (ت٢٧٢/ د. التقريب ١/١٩.
- ٤يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر الجمال الكوفي صدوق يخطئ من التاسعة، (ت ١٩٩) / خت م د ت ز ق/ المصدر السابق ٢/٣٨٤. قلت: وقد تابعه محمد بن سلمة. كما عند أبي داود.
- ٥السنن الكبرى للبيهقي ٩/٧٤.
وهذا حديث أحمد المشار إليه فيما تقدم ١: حدثنا يعقوب ٢ قال حدثنا أبي ٣ عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين قالت: "لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له وكاتبته على نفسها الحديث" ١...
- ١انظر، ص١١٥.
- ٢يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو يوسف المدني، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار التاسعة (ت ٢٠٨) / ع المصدر السابق ٢/٤.
- ٣هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني نزيل بغداد، ثقة حجة، تكلم فيه بلا قادح، من الثامنة (ت ١٨٥) / ع. المصدر السابق ١/٣٥. ١- أخبرنا محمد بن عمر٥، حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح٦، ١ مسند أحمد ٦/٢٧٧. ٢ انظر تاريخ خليفة، ص ٨٠، ومسند أبي يعلى ٤/ق ٤٥٥ أ، وتاريخ الطبري ٢/٦١٠، أسد الغابة ٧/٥٦، والبداية والنهاية ٤/١٥٩، والإصابة ٤/٢٦٥. ٣ فتح الباري ٤/٣٢. ٤ دفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على البوطي ص ٨٢. ٥ محمد بن عمر هو الواقدي. ٦ عبد الله بن أبي نجيح، يسار، أبو يسار، الثقفي، مولاهم، ثقة رمي بالقدر، وربما دلس، من السادسة (ت ١٣١) أو بعدها/ ع. التقريب ١/٤٥٦.
- *هو الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري صاحب المستدرك، (ت٤٠٥) .
ورواه أيضاً خليفة بن خياط، وأبو يعلى الموصلي، وابن جرير الطبري، وابن الأثير، وابن كثير وابن حجر، جميعهم من طريق ابن إسحاق٢.
وعلى هذا فالحديث بجميع طرقه يدور على ابن إسحاق.
وقد صرح بالتحديث عند البيهقي وأحمد والسيرة الهشامية، وكذا عند ابن كثير وابن حجر. فأمن تدليسه. قال ابن حجر: "ابن إسحاق حسن الحديث إلاَّ أنه لا يحتج به إذا خولف" ٣. وقال الألباني: "الذي استقر عليه رأي العلماء المحققين أن حديث ابن إسحاق في مرتبة الحسن بشرطين: أن يصرح بالتحديث وأن لا يخالف من هو أوثق منه"٤.
وبهذا التقرير يكون الحديث حسناً لذاته، وهو ظاهر في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدى عن جويرية كتابتها وكان ذلك صداقاً لها.
وقد ورد عند ابن سعد ما يخالف هذا وهو: عن مجاهد ١، قال: قالت جويرية: يا رسول الله إن نساءك يفخرن علي، يقلن لم يتزوجك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألم أعظم صداقك، ألم أعتق أربعين من قومك" ٢.
- ١مجاهد بن جبر أبو الحجاج، المخزومي، مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، (ت ١٠٢أو ١٠٤) / ع. التقريب ٢/٢٢٩.
والحديث عند الحاكم من هذه الطريق وليس فيه الواقدي ١: ٢- أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله بن نمير والفضل بن دكين عن زكريا ٢ عن عامر ٣ قال: أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث، وجعل صداقها عتق كل مملوك من بني المصطلق، وكانت من ملك يمين النبي صلى الله عليه وسلم ٤.
- ١المستدرك ٤/٢٥.
- ٢زكرياء بن أبي زائدة خالد، ويقال هبيرة بن ميمون بن فيروز، الهمداني، الوادعي، أبو يحيى الكوفي، ثقة، وكان يدلس، من السادسة، (ت ١٤٧أو ١٤٨أو ١٤٩) /ع. التقريب ١/٢٦١.
- ٣هو ابن شراحيل الشعبي، أبو عمرو، ثقة، مشهور، فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: "ما رأيت أفقه منه"، (ت بعد المائة) / ع. المصدر السابق ١/٣٨٧.
- ٤طبقات ابن سعد ٨/١١٨.
والحديثان ضعيفان ففي الحديث الأول عنعنة ابن أبي نجيح ١.
- ١وضعه ابن حجر في الطبقة الثالثة من أقسام الموصوفين بالتدليس وهي الطبقة التي لا يحتج الأئمة من أحاديثهم إلاَّ بما صرحوا فيه بالسماع، وقال: "أكثر عن مجاهد وكان يدلس عنه. وصفه بذلك النسائي".انظر ص٢٨من طبقات المدلسين لابن حجر.
وفي الحديث الثاني علتان: الأولى: عنعنة زكرياء بن أبي زائدة ١.
- ١وخاصة عن الشعبي فقد قال فيه أبو زرعة: "زكرياء صويلح يدلس كثيراً عن الشعبي". وكذلك وصفه بذلك أبو حاتم، وفي التقريب قال عنه ابن حجر: ثقة وكان يدلس. انظر تهذيب التهذيب ٣/٣٣٠. والتقريب ١/٢٦١.
والثانية: الإرسال ١.
- ١والمرسل ضعيف عند جمهور المحدثين، قال ابن أبي حاتم: سمعت ((أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلاَّ بالأسانيد الصحاح المتصلة. انظر كتاب المراسيل لابن أبي حاتم، ص ١٣. وانظر ص ٨٥-٨٦ من هذه الرسالة.
- *طبقات ابن سعد ٨/١١٧.
المبحث الخامس: إسلام الحارث بن أبي ضرار
بعد أن ساق ابن هشام حديث ابن إسحاق من طريق عائشة المصرح بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدى عن جويرية كتابتها وتزوجها ١.
- ١انظر: الحديث، ص.
عقب قوله: قال ابن هشام: ويقال: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث، وكان بذات الجيش ١ دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة، وأمره بالاحتفاظ بها، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار، بفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء، فرغب في بعيرين منها، فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا محمد؟ أصبتم ابنتي وهذا فداؤها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، فوالله ما أطلع على ذلك إلاَّ الله"، فأسلم الحارث، وأسلم معه ابنان له، وناس من قومه، وأرسل إلى البعيرين، فجاء بهما، فدفع الإبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت وحسن إسلامها، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أبيها، فزوجه إياها وأصدقها أربع مئة درهم ٢.
- ١ذات الجيش: من المدينة على بريد من جهة مكة، وبينها وبين العقيق سبعة أميال، ومعجم ما استعجم للبكري ٢/٤٠٩-٤١٠. وعلى هذا تكون المسافة بين ذات الجيش والمدينة ٢٠ كيلو متراً لأن البريد أربع فراسخ والفرسخ يساوي خمس كيلومترات.
- ٢سيرة ابن هشام ٢/٢٩٥ و ٢/٦٤٥-٦٤٦، وزاد: ويقال: اشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثابت بن قيس، فأعتقها وتزوجها وأصدقها أربع مئة درهم.
وأكد السهيلي نسبة هذا القول إلى ابن هشام ١. قلت: هذا لا يقاوم حديث عائشة. لأنه لا إسناد له، وقد صدر (بيقال) الدالة على الضعف.
- ١الروض الأنف، ٦/٧٠٦-٧/٥٣٧.
فرد عليه الألباني بقوله: "هذا غير صحيح، وقد أشار لذلك ابن هشام في سيرته، فإنه ذكر هذه الرواية بدون إسناد، وصدرها بقوله: (ويقال) " ثم قال الألباني أيضاً: "والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قضى عنها كتابتها وتزوجها دون أن يخطبها من أبيها، فإنها كانت أسيرة، كما رواه ابن إسحاق بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها، ومن طريقة أخرجه أحمد وابن هشام، وفي حديثهما (إطلاق الأسرى) " ٢ انتهى قلت: وأخرجه من هذه الطريقة أبو داود أيضاً كما تقدم ١. وقال عقبة: "وهذا حجة في أن الولي هو يزوج نفسه" .
- ١انظر، ص.
وهذا يرد ما ذكره ابن هشام من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها من أبيها وتزوجها وأصدقها أربع مئة درهم، على أنه قد نسب ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر لابن إسحاق نحو ما ذكر ابن هشام، وليس فيه ذكر الزواج بعد قدوم الحارث إلى المدينة.
وهذا نصه: قال ابن إسحاق: "تزوج النبي صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، وكانت في سبايا بني المصطلق من خزاعة، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس، وذكر الخبر، وفيه: " فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار لفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء فرغب في بعيرين منها فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد أصبتم ابنتي وهذا فداؤها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأين البعيران اللذان غيبت بالعقيق في شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: " أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فوالله ما أطلع على ذلك إلا الله"، فأسلم الحارث وأسلم معه ابنان وناس من قومه ١.
- ١الاستيعاب ١/٢٩٩، مع الإصابة وأسد الغابة ١/٤٠٠، والإصابة ١/٢٨١، وهذه الرواية لم أجدها في سيرة ابن هشام.
- *فقه السيرة للغزالي، ص ٣٠٨ وانظر الحديث، ص ١١٣.
ولفظ ابن حجر: "ذكر ابن إسحاق في المغازي أن الحارث بن أبي ضرار، ولد جويرة، جاء إلى المدينة ومعه فداء ابنته بعد أن أسرت وتزوجها رسول بي ضرار والد جويرية جاء إلى المدينة، ومعه فداء ابنته بعد أن أسرت وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم" ، ثم ساق القصة ١.
- ١الإصابة ١/٢٨١.
فهذا يدل دلالة واضحة أن الحارث لم يكن موجوداً وقت العقد وأن قدومه إلى المدينة كان بعد زواج جويرية، وهذا هو ما دل عليه حديث عائشة رضي الله عنها.
وقد تقدم قول أبي داود عقب حديث عائشة: "وهذا حجة في أن الولي هو يزوج نفسه" ٢.
فهذا مما يؤكد لنا سقوط هذه القصة التي ذكرها ابن هشام بصيغة التمريض محذوفة السند.
والصحيح في هذا أن مجيء الحارث كان سبباً في إسلامه، ولا يبعد أنه طلب ابنته كما دل عليه حديث ابن إسحاق، ولكنه لم يمكن من ذلك ١.
- ١هذا الحديث نسبه إلى ابن إسحاق كل من عبد البر وابن الأثير وابن حجر، وانظر ص.
وقد ورد ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبيها: اذهب إليها فخيرها، فإن أرادت أن تذهب معك فخذها، فهذا لا يستبعد لعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أنها لا تختار عليه أحداً، وأن ذلك يكون أدعى لتمكن الحارث من الإسلام، لما فيه من حسن المعاملة ومما دل على هذا ما رواه ابن سعد وغيره من مرسل أبي قلابة، أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي ١ قال: حدثنا عبيد الله ٢ بن عمرو عن أيوب ٣ عن أبي قلابة ٤: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سبى جويرية بنت الحارث فجاء أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابنتي لا يسبى مثلها فأنا أكرم من ذلك فخل سبيلها، قال: " أرأيت إن خيرناها أليس قد أحسنا؟ ". قال: بلى وأديت ما عليك، قال: فأتاها أبوها فقال: إن هذا الرجل قد خيرك فلا تفضحينا، فقالت: فإني قد اخترت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قد والله فضحتنا ٥.
- ١عبد الله بن جعفر بن غيلان بالمعجمة. الرقي: بفتح الراء وتشديد القاف. أبو عبد الرحمن القرشي، مولاهم، ثقة لكنه تغير بآخره، فلم يفحش اختلاطه من العاشرة (ت ٢٢٠) ، ع: التقريب ١/٤٠٦.
- ٢عبيد الله بن عمرو بن الوليد الرقي أبو وهب الأسدي، ثقة فقيه ربما وهم من الثامنة (ت ٢٢٠) ، ع: المصدر السابق ١/٥٣٧، وقد وقع بأنه من الثالثة وأنه عبيد الله بن عمر، وهو خطأ.
- ٣أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني بفتح المهملة بعدها معجمة، ثم مثناة ثم تحتنية وبعد الألف نون أبو بكر البصري. ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، (ت ١٣١) ، ع: المصدر السابق ١/٨٩.
- ٤هو عبد الله بن زيد بن عمر أو عامر الجرمي، أبو قلابة البصري، ثقة فاضل، كثير الإرسال قال العجلي: فيه نصب يسير، من الثالثة (ت ١٠٤) ، بالشام هارباً من القضاء، ع: المصدر السابق ١/١٧.
- ٥طبقات ابن سعد الكبرى ٨/١١٨.
- *انظر: الحديث، ص ١١٥. وانظر عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٠/٤٤٥. باب بيع المكاتب.
وأخرجه خليفة: قال أخبرنا عبد الوهاب ١ بن عبد المجيد، قال: حدثنا أيوب عن أبي قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبى جويرية بنت الحارث فجاء أبوها فقال: "إن ابنتي لا تسبى" الحديث ٢.
- ١عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت الثقفي، أبو محمد البصري، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة (ت ١٩٤) ، ع: التقريب ١/٥٢٨.
- ٢تاريخ الخليفة بن خياط، ص ٨٠.
وأورده ابن حجر في التهذيب من طريق ابن سعد في ترجمة جويرية، وقال: هذا مرسل صحيح الإسناد ١.
- ١تهذيب التهذيب، ١٢/٤٠٧.
وأورده في الإصابة دون أن ينسبه إلى ابن سعد وصحح إسناده أيضاً، ونصه: عن أبي قلابة قال: سبى النبي صلى الله عليه وسلم جويرية – يعني وتزوجها - فجاء أبوها فقال: إن ابنتي لا يسبى مثلها فخل سبيلها، فقال: "أرأيت إن خيرتها أليس قد أحسنت؟ " قال: بلى، فأتاها أبوها فذكر لها ذلك، فقالت: اخترت الله ورسوله. ثم قال: وسنده صحيح ١. قلت: الظاهر في هذا الباب هو ما أفاده حديث عائشة من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدى عن جويرية كتابتها وتزوجها وهو صريح في ذلك، مع أن ما نسب لابن إسحاق، وكذا مرسل أبي قلابة، ليسا نصاً في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى الحارث ابنته ثم تزوجها منه بعد ذلك وإنما فيه مجرد مجيء الحارث يطلب فداء ابنته، وأمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم بتخييرها.
- ١الإصابة، ٤/٢٦٥.
ولسنا بحاجة إلى تلمس التوفيق بين حديث ساقط لا إسناد له. وحديث عائشة الصحيح، ومن هنا يتحتم القول بما في حديث عائشة لثبوته ولا ينظر إلى ما عداه من الروايات الضعيفة.
وخلاصة القول أن هذه الآثار تدل بمجموعها على قدوم الحارث بعد الوقعة. وكان ذلك سبباً في إسلامه، وهو ما دل عليه الحديث الآتي عند أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن سابق ١،ثنا عيسى ٢ بن دينار، ثنا أبي ٣ أنه سمع الحارث ٤ بن ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه ٥، وأقررت به، فدعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته، فيرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، رسولاً لأبان ٦ كذا وكذا، ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبَّان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول، فلم يأته فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة ٧ من الله عز وجل ورسوله، فدعا سروات ٨ قومه فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتاً يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف، ولا أرى حبس رسوله، إلا من سخطة كانت، فانطلقوا فنأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده، مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق، فرق ٩ فرجع فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله إن الحارث منعني من الزكاة وأراد قتلي، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه فلما غشيهم ١٠، قال لهم: إلى من بعثتم، قالوا إليك، قال، ولم؟ قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته بتة ١١ ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخشيت أن تكون كانت سخطة من الله عز وجل، ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَضْلاً مِنَ الله وَنِعْمَة والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ". [سورة الحجرات، الآيات ٦-٨] ٣.
- ١محمد بن سابق التميمي، أبو جعفر أو أبو سعيد البزاز، الكوفي، نزيل بغداد، صدوق، من كبارالعاشرة (ت٢١٣وقيل٢١٤) ، خ م د ت س. التقريب٢/١٦٣.
- ٢عيسى بن دينار الخزاعي مولاهم، أبو علي الكوفي، المؤذن، ثقة من السابعة، بخ دت. المصدر السابق ٢/٩٨.
- ٣هو دينار الكوفي والد عيسى، مقبول من الثالثة/ عخ دت، المصدر السابق ١/٢٣٧، وفي تهذيب الكمال٢/١٩٩ ق، وتهذيب التهذيب٣/٢١٧. روى عن مولاه عمرو ابن الحارث بن أبي ضرار، وعنه ابنه عيسى بن دينار، وذكره ابن حبان في الثقات. وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣/٤٣٤. روى عن مولاه عمرو بن الحارث، والحارث بن أبي ضرار الخزاعي، وعنه ابنه عيسى. ويلاحظ أن المزي وابن حجر لم يذكرا أن ديناراً روى عن الحارث مع أنه موجود في هذا الحديث وتنبه لذلك ابن أبي حاتم.
- ٤قال ابن حجر: "الحارث بن ضرار ويقال بن أبي ضرار الخزاعي، فرق ابن عبد البر بينه وبين والد جويرية. وجزم ابن فتحون وغيره بأن والد جويرية غير صاحب القصة والحديث، ولم يصنعوا شيئاً. والصواب أنه شخص واحد". الإصابة ١/٣٨٧. باب غلط من غلط في الصحابة. وقال الساعاتي: "الحارث بن ضرار: جاء في الإصابة وفي كتب الرجال أن اسمه الحارث بن أبي ضرار، وذكره ابن كثير في تفسيره فقال: الحارث بن ضرار بن أبي ضرار ملك بني المصطلق ووالد جويرية أم المؤمنين". ثم قال الساعاتي: "والظاهر أن اسم والده ضرار، ولكنه اشتهر باسم جده، كما قال سعد بن مالك بن أبي وقاص، فإنه اشتهر باسم جده، فقيل: سعد بن أبي وقاص، والله أعلم" اهـ. الفتح الرباني في ترتيب مسند أحمد ١٨/٢٨٢.
- ٥كان سبب إسلامه ما رواه ابن إسحاق من قصة مجيئه لفداء ابنته وتغييب البعيرين قاله الساعاتي في ترتيب مسند أحمد ١٨/٢٨٢. وقد تقدم الحديث المشار إليه ص ١٢٠.
- ٦إبان كذا بكسر الهمزة وتشديد الموحدة، أي وقت كذا، والمراد وقت حصول الثمرة.
- ٧سخطة: أي عدم الرضا علينا. غريب الحديث لابن الأثير ٢/٣٥٠
- ٨سروات قومه: أي أشرافهم. المصدر السابق ٢/٣٦٣
- ٩الفرق بالتحريك: الخوف والفزع. المصدر السابق ٣/٤٣٨.
- ١٠غشيهم: اختلط بهم.
- ١١ما رأيته بتة: أي أصلا.
ورواه من هذه الطريق ابن الأثير في ترجمة الحارث وقال: أخرجه الثلاثة ١، إلا أن أبا عمر قال: الحارث ابن ضرار، وقيل: ابن أبي ضرار، وقال: أخشى أن يكونا اثنين والله أعلم ٢. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني، إلا أن الطبراني قال: الحارث بن سرار ٣، وبدل (ضرار) ثم قال الهيثمي: "ورجال أحمد ثقات"٧. وقال ابن كثير: "ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية ٤ نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات بني المصطلق وقد روى ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن ملك بني المصطلق وهو الحارث بن أبي ضرار والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها، ثم ساق الحديث بإسناد أحمد" . ثم قال عقبه: "ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان التمار، عن محمد بن سابق به. ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق به، غير أنه سماه الحارث بن سرار والصواب الحارث بن ضرار" ٢.
- ١المراد بالثلاثة عم: ابن منده وأبو نعيم، وأبو عمر ابن عبد البر كما بين ذلك ابن الأثير في مقدمة كتابه ١/١١ من أسد الغابة.
- ٢أسد الغابة ١/٣٩٩ والاستيعاب لابن عبد البر ١/٢٩٩-٣٠٠ مع الإصابة.
- ٣أورده ابن حجر في الإصابة١/٣٨٦.في القسم الرابع من الحرف الحاء، ((فيمن ذكر في الصحابة ولا صحبة له، ولا إدراك وبيان غلط من غلط فيه)) فقال الحارث ابن سرار الخزاعي كذا وقع عند الطبراني، والصواب: "الحارث بن أبي ضرار".
- ٤هي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ} ، [سورة الحجرات، من الآية:٦] .
- *مسند أحمد، ٤/٢٧٩.
- *مجمع الزوائد، ٧/١٠٨.
وأورده ابن حجر في الإصابة مقتصراً على ما يأتي: وروى أحمد والطبراني ومطين ١ وابن سكن ٢ وابن مروديه ٣ من طريق عيسى بن دينار المؤذن عن أبيه أنه سمع الحارث ابن أبي ضرار يقول قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه، فذكر حديثاً طويلاً فيه قصة الوليد بن عقبة إذ جاء إليه مصدقاً ونزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ . [سورة الحجرات، الآية: ٦] ٦. وقال السيوطي: "أخرج أحمد وابن حاتم والطبراني وابن منده ٤ وابن مردويه بسند عن الحارث بن ضرار ٥ الخزاعي قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به ودعاني إلى الزكاة الحديث "٣. وفي لباب النقول قال: " وحديث أحمد رجال إسناده ثقات "٤.
- ١مطين: بضم الميم وفتح الطاء المهملة بعدها تحتية مشددة مفتوحة: هو الحافظ الكبير أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الكوفي، سمع أحمد بن يونس ويحيى الحماني، وعنه أبو القاسم الطبراني وأبو بكر الإسماعيلي، كان من أوعية العلم. ولد ٢٠٢ وتوفي ٢٩٧. صنف المسند وغير ذلك وله تاريخ صغير. تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٦٦٢.
- ٢ابن السكن: هو الحافظ الحجة أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن البغدادي نزيل مصر. سمع أبا القاسم البغوي ومحمد بن يوسف الفربري، وعنه ابن منده وعبد الغني بن سعيد ولد ٢٩٤ وتوفي ٣٥٣. المصدر السابق ٣/٩٣٧.
- ٣هو الحافظ الثبت العلامة أبو بكر أحمد بن موسى بن مروديه الأصبهاني، صاحب التفسير والتاريخ وغير ذلك، سمع أحمد بن عيسى الخفاف وأحمد بن محمد بن عاصم الكراني، وعنه أبو القاسم عبد الرحمن بن منده وأخوه عبد الوهاب. ولد ٣٢٣، وتوفي ٤١٠، المصدر السابق ٣/١٥٠.
- ٤هو الحافظ الإمام الرحال أبو عبد الله محمد بن يحي بن منده بن إبراهيم بن الوليد الأصبهاني، عن إسماعيل بن موسى الفزاري السدي وأبي كريب محمد بن العلاء وعنه أبو القاسم الطبرني وأبو الشيخ توفي في رجب سنة (٣٠١) تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٧٤١.
- ٥صوابه أبي ضرار كما تقدم، ص ١٢٤.
- *تفسير ابن كثير ٤/٢٠٨-٢٠٩.
- *الإصابة ١/٢٨١.
الحكم على الحديث: قال الهيثمي: "بأن رجال أحمد ثقات ".
ووصفه السيوطي: "بأنه بسند جيد، وبأن رجال إسناد أحمد ثقات".
ولكن الحديث بجميع طرقه يدور على دينار الكوفي ولم يوثقه أحد سوى ابن حبان وهو متساهل في التوثيق ولذا فإن ابن حجر لم يعتبر توثيقه لدينار المذكور، ووصفه بأنه (مقبول) .
(والمقبول) عنده هو من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ (مقبول) حيث يتابع، وإلا فلين الحديث ١. ولعل الهيثمي اعتمد على توثيق ابن حبان، وتابعه السيوطي على ذلك.
- ١انظر: تقريب التهذيب ١/٥.
والظاهر أن الحديث حسن لغيره للشواهده المتقدمة ١ عن ابن إسحاق وكذا مرسل أبي قلابة عند ابن سعد وغيره في قدوم الحارث إلى المدينة لفداء ابنته وإسلامه. ويشهد له أيضاً ما يأتي من الأحاديث الواردة في بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق لجبي الزكاة وقدوم وفد بني المصطلق بعده ٢.
- ١انظر: ص ١٢٠-٢٠٢.
- ٢انظر: ص١٣٠.
- *الدر المنثور ٦/٨٧.
- *لباب النقول في أسباب النزول، ص ٢٠١-٢٠٢.
وقد حسن المباركفوري حديثاً فيه دينار الكوفي وهو ما رواه أبو داود والترمذي في كتاب الصوم باب الشهر يكون تسعاً وعشرين من طريق عيسى بن دينار عن أبيه عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار عن ابن مسعود ١. قال المباركفوري: سكت عليه أبو داود والمنذري وابن حجر، ثم قال: "والظاهر أن حديث ابن مسعود حسن" .انتهى ٢.
- ١انظر سنن أبي داود ١/٥٤٢ والترمذي ٢/٩٨.
- ٢تحفة الأحوذي، شرح الترمذي ٣/٣٧١.
وقد تتبعت رجال الحديث فوجدتهم ثقات ما عدا ديناراً الكوفي. وبهذا التقرير يكون الحديث على أقل تقدير حسناً لغير.
وهو نص في أن الحارث بن أبي ضرار لم يعلم بقدوم الوليد بن عقبة إليه، وأن الجيش الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق بعد رجوع الوليد، لم يصل إلى ديار بني المصطلق، وإنما وجده الحارث خارجاً من المدينة فلما علم وجهتهم حلف أن الوليد لم يصل إليه ثم رجع الجيش والحارث جميعاً إلى المدينة وهذا يرد على ما رواه ابن جرير الطبري: حدثنا بشر ١ قال حدثنا يزيد ٢ قال ثنا سعيد ٣ عن قتادة ٤ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ، الآية قال: "هو الوليد بن عقبة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقاً٧ فلما أبصروه وأقبلوا نحوه هابهم، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث نبي الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق حتى آتاهم ليلاً، فبعث عيونه، فلما جاؤوا أخبروا خالد أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا آذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر فأنزل الله عز وجل، ما تسمعون ٥، فكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: "التبين من الله، والعجلة من الشيطان" ٢.
- ١بشر بن معاذ العقدي أبو سهل البصري الضرير، صدوق من العاشرة. (ت بضع وأربعين ومائتين) ، ت، س، ق. التقريب ١/١٠١.
- ٢يزيد بن زريع: بتقديم الزاي مصغراً، البصري أبو معاوية، ثقة ثبت، من الثامنة (ت ١٨٢) . ع: المصدر السابق ٢/٣٦٤.
- ٣سعيد بن أبي عروبة: بفتح مهملة وضم راء خفيفة وبموحدة، مهران: اليشكري بفتح تحتية وشين معجمة وضم كاف. مولاهم أبو النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة من السادسة، (ت ١٥٦ وقيل ١٥٧) ، ع: المصدر السابق ١/٣٠٢.
- ٤قتادة بن دعامة: بكسر المهملة وخفة عين مهملة ابن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة يقال ولد أكمه، وهو رأس الطبقة الرابعة، (ت بضع عشرة ومائة) ، ع: المصدر السابق ٢/١٢٣.
- ٥يريد قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} .
- *مصدقاً أي جابياً للزكاة.
والحديث مرسل.
ذكر الصابوني في روائع البيان نقلاً عن الفخر الرازي قوله: "ما ذكره المفسرون من أن هذه الآيات نزلت في (الوليد بن عقبة) حين بعث إلى بني المصطلق الخ إن كان مرادهم أن الآية نزلت عامة لبيان وجوب التثبيت من خبر الفاسق، وأنها نزلت في ذلك الحين الذي وقعت فيه حادثة الوليد فهذا جيد، وإن كان غرضهم أنها نزلت لهذه الحادثة بالذات فهو ضعيف، لأن الوليد لم يتقصد الإساءة إليهم، وحديث أحمد يدل على أن الوليد خاف وفرق حين رأى جماعة الحارث - وقد خرجت في انتظاره - فظنها خرجت لحربه فرجع وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أخبره ظنًا منه أنهم خرجوا لقتاله، إلى أن قال: ويتأكد ما ذكرنا أن إطلاق لفظ (الفسق) على الوليد شيء بعيد، لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطئ لا يسمى فاسقًا ١، وختم ابن حجر ترجمته بقوله: والرجل قد ثبتت صحبته وله ذنوب أمرها إلى الله تعالى والصواب السكوت والله أعلم ٢.
- ١روائع البيان تفسير آيات الأحكام ٢/٤٧٦.
- ٢تهذيب التهذيب١١/١٤٢-١٤٤.
- *تفسير الطبري، ٢٦/١٢٤.
المبحث السادس: إسلام بني المصطلق وأداؤهم الزكاة
١- مرَّ بنا في هذا حديث أحمد في قدوم الحارث بن أبي ضرار إلى المدينة متبرئًا مما نسبه إليه الوليد بن عقبة من منع الزكاة وإرادتهم قتله ١.
- ١تقدم الحديث، ص ١٢٣.
٢- ما رواه ابن إسحاق: حدثني يزيد ١ بن رومان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث إلى بني المصطلق بعد إسلامهم الوليد ٢ بن عقبة أبي معيط، فلمَّا سمعوا به، ركبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله، ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يغزوهم، فبينا هم على ذلك، قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤدي ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعًا، فبلغنا أنه زعم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنا خرجنا إليه لنقتله، ووالله ما جئنا لذلك، فأنزل الله تعالى فيه وفيهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ ، [سورة الحجرات، من الآيات: ٦-٨] ، إلى آخر الآية ٣.
- ١يزيد بن رومان المدني، مولى آل الزبير، ثقة، من الخامسة، (ت١٣٠) ، وروايته عن أبي هريرة مرسلة. ع، التقريب ٢/٣٦٤.
- ٢الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية القرشي، الأموي، أخو عثمان بن عفان لأمه، له صحبة، وعاش إلى خلافة معاوية، د. المصدر السابق ٢/٣٣٤.
- ٣سيرة ابن هشام ٢/٢٩٦.
والحديث مرسل.
وأورده الطبري من هذه الطريق في تفسيره ١.
- ١٢٦/١٢٤-١٢٥.
كما أورده أيضاً من طرق أخرى غير طريق ابن إسحاق، منها: ١- من حديث أم سلمة، وهذا نصه: حدثنا أبو كريب ١ قال: ثنا جعفر بن عون ٢ عن موسى ٣ بن عبيدة، عن ثابت ٤ مولى أم سلمة، عن أم سلمة ٥ قالت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً في صدقات بني المصطلق، بعد الوقعة، فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظّمون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت: فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، قال فبلغ القوم رجوعه، قال: فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصفوا له حين صلى الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلاً مصدقاً، فسررنا بذلك، وقرّت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون غضباً من الله ورسوله، فلم يزالوا يكلّمونه حتى جاء بلال، وأذّن العصر، قال: ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ، [سورة الحجرات، الآية: ٦] ٦.
- ١هو محمد بن العلاء بن كريب مصغراً، الهمداني، الكوفي، ثقة حافظ، مشهور بكنيته من العاشرة، (ت١٤٧ هـ) ، ع: التقريب ٢/١٩٧.
- ٢جعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث، بمهملتين، ثم تحتانية بعدها مثلثة. مصغراً، المخزومي، صدوق، من التاسعة، (ت٢٠٦) وقيل: ٢٠٧، ع: المصدر السابق ١/١٣١.
- ٣موسى بن عبيدة. مصغراً، ابن نشيط: بفتح النون وكسر المعجمة، بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة، الربذي: بفتح الراء والموحّدة، ثم معجمة، أبو عبد العزيز، ضعيف، ولا سيما في عبد الله بن دينار، وكان عابداً، من صغار السادسة، (ت ١٥٣ هـ) تق: المصدر السابق ٢/٢٨٦.
- ٤ثابت مولى أم سلمة: روى عن أم سلمة، وعنه موعس بن عبيدة الربذي. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١/٤٦١.
- ٥أم سلمة، هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن المغيرة بن المخزوم المخزومية أم المؤمنين تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أبي سلمة سنة أربع وقيل سنة ثلاث من الهجرة، وعاشت بعد ذلك ستين سنة. (ت ٦٢ هـ) على الأصح/ ع: التقريب ٢/٦١.
٢- من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وهذا نصه: حدثني محمد ١ بن سعد، قال: ثني أبي ٢، قال: ثني عمي ٣ قال: ثني أبي ٤، عن أبيه ٥، عن ابن عباس: في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ، [سورة الحجرات، الآية: ٦] . قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ثم أحد بني عمرو بن أمية، ثم أحد بني معيط إلى بني المصطلق، ليأخذ منهم الصدقات، وأنه أتاهم الخبر فرحوا، وخرجوا ليتلقّوا رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه، رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة. الحديث ٦ ...
- ١هو ابن عطية العوفي. ميزان الاعتدال ٣/٥٦٠.
- ٢هو سعد بن محمد بن الحسن بن عطية. لسان الميزان لابن حجر ٣/١٨.
- ٣هو الحسين بن الحسن بن عطية. ميزان الاعتدال ١/٥٣٢.
- ٤هو الحسن بن عطية. المصدر السابق ١/٥٠٣. والتقريب ١/١٦٨.
- ٥هو عطية بن سعد بن جنادة العوفي، المصدريين السابقين ٣/٧٩و٢/٢٤. وانظر الحديث في السنن الكبرى للبيهقي ٩/٥٤، ولم أترجم لهؤلاء لأن كل واحد منهم لا يخلو عن ضعف وإنما عرفت بهم لأنهم وردوا في السند مثل الرموز فذكرت ذلك توضيحاً لهم.
- ٦تفسير الطبري ٢٦/١٢٣-١٢٤.
- *تفسير الطبري ٢٦/١٢٣.
حدثنا محمد ١ بن بشار، قال ثنا عبد الرحمن ٢، قال: ثنا سفيان ٣ عن هلال الوزان ٤ عن ابن أبي ليلى ٥، في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ، [سورة الحجرات، الآية: ٦] . قال: نزلت في الوليد ابن عقبة بن أبي معيط ٦.
- ١محمد بن بشار بن عثمان العبدي، البصري، أبو بكر، بندار: بضم الموحدة وسكون النون. ثقة، من العاشرة، (٢٥٢هـ ع: التقريب ٢/١٤٧.
- ٢عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري، مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة، ثبت حافظ، عارف بالرجال والحديث. قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه. من التاسعة، (ت ١٩٨هـ، ع: المصدر السابق ١/٤٩٩.
- ٣سفيان هنا: هو ابن عينية لأن هلالا الوزان لم يذكر في تلاميذه غير ابن عينية (انظر: تهذيب التهذيب ١١/٧٧، والتاريخ الكبير للبخاري ٨/٢٠٧، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٩/٧٥) .
- ٤هلال بن أبي حميد أو ابن مقلاص: بكسر الميم وسكون القاف. أو ابن عبد الله الجهني، مولاهم، أبو الجهم، ويقال غير ذلك في اسم أبيه، وفي كنيته، الصيرفي الوزان الكوفي، ثقة، من السادسة، / خ، م،د، ت،س. التقريب ٢/٣٢٣.
- ٥هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، المدني، ثم الكوفي، ثقة، من الثانية. اختلف في سماعه من عمر، مات بوقعة الجماجم، سنة ٨٦هـ/ع. المصدر السابق ١/٤٩٦. وكانت وقعة الجماجم بين ابن الأشعث ومعه أهل العراق، وبين الحجاج ومعه أهل الشام، وكانت في عهد عبد الملك بن مروان، وكانت سنة ٨٢هـ، ودامت أكثر من سنة. البداية والنهاية ٩/٤٠.
- ٦تفسير الطبري ٢٦/١٢٣-١٢٤.
حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، في قوله، تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ، [سورة الحجرات، الآية: ٦] . قال: هو ابن أبي معيط الوليد ابن عقبة، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مصدّقاً إلى بني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام. الحديث ١. وقد تقدّم ٢.
- ١وذكر ابن سعد أنه بعد أن قدم وفد بني المصطلق ونزلت الآية بتكذيب الوليد، وتصديقهم، يعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، معهم عباد بن بشر، يأخذ صدقاتهم، ويعلّمهم شرائع الإسلام، فأقام عندهم عشراً، ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، راضياً. انظر طبقات ابن سعد ٢/١٦١-١٦٢.
- ٢تقدم الحديث مع تراجم رجاله، ص ١٢٨.
هذه الأحاديث الواردة في إرسال الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق مصدقاً، ونزول الآية المذكورة من سورة الحجرات، لا يخلو كل حديث منها عن ضعف وذلك لما يأتي: أ- حديث أم سلمة فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، وفيه ثابت مولى أم سلمة وهو مجهول، لأنني لم أجد من ترجم له غير ابن أبي حاتم، ولم يزد في ترجمته على قوله: روى عن أم سلمة وروى عنه موسى بن عبيدة الربذي.
ب- وحديث ابن عباس مسلسل بالضعفاء.
ج- والأحاديث الباقية مراسيل، وعلى هذا فهذه الأحاديث لا يسلم واحد منها عن قدح، غير أن اختلاف مخرج المرسل يدل على أن للحديث أصلاً، فإذا انضم بعضها إلى بعض تقّوت وارتقت إلى درجة الحسن لغيره.
وقد أشار إلى هذه القاعدة ابن الصلاح في مقدمته بقوله: ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه من وجه آخر ١.
- ١مقدّمة ابن صلاح، ص ٧٣. مع (التقييد والإيضاح) .
وهنا قد وجد هذا الشرط الذي أوضحه ابن الصلاح، إذ أن ابن إسحاق أورده من مرسل يزيد بن رومان. وأورده ابن جرير الطبري من مرسل ابن أبي ليلى، وقتادة ومجاهد ١. وقال ابن كثير: "ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى ويزيد بن رومان والضّحاك ٢ ومقاتل ٣ بن حيان وغيرهم، في هذه الآية، أنها نزلت في الوليد ابن عقبة" ٥.
- ١تفسير الطبري ٢٦/١٢٣-١٢٥.
- ٢الضّحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم، أبو محمد الخراساني، صدوق كثير الإرسال، من الخامسة، (ت بعد المائة) / عم التقريب ١/٣٧٣.
- ٣مقاتل بن حيان النبطي، بفتح النون الموحدة، أبو سطام، الخزاز منقوطتين، صدوق فاضل، من السادسة / م عم التقريب ٢/٢٧٢.
فهذا الحديث قد ورد من ثلاثة طرق مرفوعة، وهي حديث أحمد في قدوم الحارث ابن أبي ضرار المدينة، وإسلامه، وحديث أم سلمة وابن عباس.
- *تفسير ابن كثير ٤/٢٠٨-٢١٠.
كما ورد من خمس طرق مرسلة. ولذلك قال الشوكاني: بعد إيراده حديث أحمد في قدوم الحارث المدينة، "قال ابن كثير: هذا من أحسن ما روي في سبب نزول هذه الآية" . ثم قال الشوكاني: "وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أن سبب نزول هذه الآية. الوليد بن عقبة، وأنه المراد بها، وإن اختلفت القصص" ١ قلت: ويؤيد ما تقدّم، ما ذكر ابن عبد البر من اتفاق العلماء بالتأويل على أن هذه الآية نزلت في الوليد ١.
- ١انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٦٣٢. (مع الإصابة) وأسد الغابة ٥/٤٥١ لابن الأثير. وتهذيب التهذيب ١١/١٤٣. والإصابة لابن حجر ٣/٦٣٧، وأضواء البيان لمحمد الأمين الشنقطي ٧/٦٢٦. وروائع البيان، تفسير آيات الأحكام للصابوني ٢/٤٧٥-٤٧٦.
وبهذا نكون قد انتهينا إلى أن الحديث لا يقل عن درجة الحسن لغيره.
- *فتح القدير ٥/٦٠-٦٢.
المبحث الثامن: موقف بني المصطلق بعد الغزوة
لقد صار بنو المصطلق بعد الغزوة دعاة إلى الله عز وجل، منضمّين تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصبحوا محل عناية واحترام بين المؤمنين، إذ كان زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم رفعة لهم، وإعلاء لشأنهم، ومنزلتهم، فكان لهذه المصاهرة، أثرها الفعّال في نفوس المسلمين، حتى أطلق المسلمون ما بأيديهم من أسرى بني المصطلق، وكبر عليهم استرقاقهم، بعد أن صاروا أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان لهذه المعاملة الحسنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام لأسرى بني المصطلق أثر جميل في قلوب بني المصطلق، فسارعوا إلى الإسلام واعتنقوه عن الإيمان راسخ وقناعة كاملة، ورأوا أن مثل هذه الأخلاق الكريمة لا يمكن أن تصدر إلا من نبي، لأن القوم يعرفون تاريخ الحروب القبلية وما يحصل فيها من فتك ونهب، وسلب، وكان الشعار المعروف لديهم "من عز بز" ١.
وأنه لا مكان في عرف القوى الجاهلية للمغلوب المنهزم، ولا للضعيف المنكوب، فحين غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهزمهم، كانت معاملته لهم بعد الهزيمة على خلاف ما كان يتوقّعه هؤلاء القوم، فقد عاملهم بالرفق واللين، وتزوج ابنة شريفهم لجبر خاطرها وردّ اعتبارها إليها وإلى قومها، وانطلق المسلمون يفكون أسراهم حين انتشر خبر زواجه صلى الله عليه وسلم من جويرية، فلم يعد يحسن استرقاق أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكم كان لهذا الصنيع الإسلامي من جميل الأثر وعظيم الوقع في نفوس بني المصطلق جميعاً فلم يكن موقف هؤلاء بعد هذه الغزوة إلا الانضمام فوراً لكتائب الإسلام المجاهدة وبذل المج والأرواح لنشر هذه المبادئ الإسلامية السامية، التي شملتهم بعطفها وحنانها وذاقوا حلاوة المعاملة الإنسانية الرفيعة تحت توجيهات نبيهم صلى الله عليه وسلم ومما يدل على حسن إسلام هذه القبيلة، وما كان لها من دور فعّال في سبيل الدعوة إلى الإسلام وإعلاء كلمة الله ما رواه أحمد والبيهقي أن الحارث بن أبي ضرار قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة معلناً إسلامه فقال: يا رسول الله أرجع إلى قومي، فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي منهم جمعت زكاته، إذا كان وقت كذا وكذا، أرسل إلي رسولك كان وقت كذا وكذا أرسل إلي رسولك ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما بلغ الوقت الذي أراد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه من يأتيه بالزكاة، لم يأت أحد، فشق ذلك عليه وظن أنه قد حدث سخطة، من الله عز وجل ورسوله، فدعا بسروات قومه، وقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لي وقتاً يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة، كانت فلننطلق لإلى المدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم الوليد بن عقبة، فلما وصل إلى بعض الطريق رجع، وقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الحارث منعني الزكاة وهم بقتلي، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش بالذهاب إلى الحارث ولما وصل الحارث المدينة دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت إليك الوليد فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله" ، فحلف الحارث بالله ما رأيته، ولا أتاني، فأنزل الله تصديقه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ، [الحجرات، الآيات: ٦-٨] ١.
- *أي من غلب سلب، وهو مثل، وأول من قاله رجل من طيء يقال له: جابر بن رألان بفتح الراء وسكون الهمزة أحد بني ثعل بضم الثاء وفتح العين المهملة، وكان من حديثه أنه خرج ومعه صاحبان له، حتى إذا كانوا بظهر الحيرة، وكان للمنذر بن ماء السماء يوم يركب فيه، فلا يلقى أحداً إلا قتله، فلقي في ذلك اليوم جابراً وصاحبيه فأخذتهم الخيل بالسوية فأتى بهم المنذر، فقال: اقترعوا فأيكم قرع خليت سبيله، وقتلت الباقين، فاقترعوا، فقرعم جابر بن رألان فخلى سبيله وقتل صاحبيه، فلما رآهما يقادان ليقتلا، قال: (من عز بز) فأرسلها مثلاً. مجمع الأمثال للميداني ٢/٣٠٧، رقم ٤٠٤٤.
فهذه الرواية توضح حسن إسلام بني المصطلق وحرصهم على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بأدائهم الزكاة التي يشق على العرب دفعها، مما يدل على حسن إسلامهم أيضاَ تكريم الله بإنزاله قرآناً في تصديقهم، ويدل الحديث كذلك على ما قامت به هذه القبيلة من خدمات جليلة للإسلام، فلقد كان بنو المصطلق عام الفتح ضمن الكتائب الإسلامية الزاحفة نحو مكة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسل إليه بشر ١ بن سفيان وبديل ٢ بن ورقاء يستنفرانهم، ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قديداً من بلاد بني المصطلق عبأ الجيش وعقد الألوية، واجتمع إليه من كان تخلّف من القبائل، ودخلت خزاعة في خمسمائة مقاتل من ضمنهم بنو المصطلق وعقد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة ألوية بقيادة ثلاثة من أبطالهم وهم: عمرو ٣ بن سالم، وبشر بن سفيان، وأبو شريح ٤ الكعبي خويلد بن عمرو، وهكذا ظل بنو المصطلق دعاة إلى الله عز وجل ومجاهدين لإعزاز الإسلام ونصرته. فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
- ١بشر بن سفيان بن عمرو بن عويمر بن صرمة بن عبد الله بن قمير مصغراً ابن حبُشِيَّة، بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة ووكسر الشين المعجمة، ابن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة وهو لحى الخزاعي الكعبي، كان شريفاً في قومه، كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يدعوه إلى الإسلام، وله ذكر في قصة الحديبية، وشهد الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ١/٢١٦، أسد الغابة.
- ٢بيدل بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة بعدها تحتانية ساكنة، ابن ورقاء بن عمرو بن ربيع بن جزي بن عامر بن مازن الخزاعي، المصدر السابق ١/٢٠٣.
- ٣عمرو بن سالم الخزاعي الكعبي، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان من أمر خزاعة، وبني بكر، ومساعدة قريش لبني بكر ضد خزاعة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت يا عمرو بن سالم. المصدر السابق٤/٢٢٤.
- ٤هو خويلد بن عمرو أو عكسه، وقيل عبد الرحمن بن عمرو، وقيل هانء، وقيل كعب صحابي، نزل المدينة، (ت ٦٨) / ع. التقريب ٤٣٤.
- *مسند الإمام أحمد ٤/٢٧٩؛ وسنن البيهقي الكبرى ٩/٥٤-٥٥؛ وتقدّم الحديث مع الكلام على الإسناد، ص ١٢٣.
المبحث الأول: ظهور المنافقين
...
المبحث الأول: ظهور النفاق قبل الحديث عن ظهور النفاق وأثره في المجتمع الإسلامي يحسن بي أن أعطي نبذة عن تعريف النفاق لغة وشرعاً، فأقول: أ- النفاق لغة: ضرب من التمويه والستر والتغطية، وحقيقته: إظهار شيء وإبطان ضده. مشتق من النافقاء أحد جحرة ١، اليربوع ٢، يكتمها ويظهر غيرها، فإذا طلب من واحد هرب إلى الآخر وخرج منه.
- ١جحرة: كعنبة: جمع جحر. المصباح المنير ١/ ١٠٠.
- ٢اليربوع: ويسمى الدرص وذا الرميح - تصغير رمح حيوان طويل الرجلين قصير اليدين جدا، وله ذنب كذنب الجرذ، يرفعه صعدا، في طرفه شبه النوارة، لونه كلون الغزال. يسكن باطن الأرض، وتسمى حفرته النافقاء والقاصعاء والراهطاء، فإذا طلب من إحدى هذه الكوى خرج من الأخرى، وظاهر بيته تراب وباطنه حفر، وكذلك المنافق: ظاهره إيمان وباطنه كفر. حياة الحيوان: للدميري ٢/ ٤٣٥.
ب- وشرعا: هو إظهار الإيمان وستر الكفر.
والنفاق وما تصرف منه لم يكن معروفا عند العربية في الجاهلية بهذا المعنى وإن كان أصله في اللغة معروفا، يقال نافق ينافق منافقة ونفاقا. وإنما هو اسم إسلامي أطلق على من أظهر الإيمان وستر الكفر، مأخوذ من نافقاء اليربوع، لأن المنافق لما أبطن الكفر وأظهر الإيمان، وورى بشيء عن شيء، ودخل في باب الخديعة وأوهم الغير خلاف ما هو عليه أشبه في ذلك فعل اليربوع.
والمعنيان اللغوي والشرعي متلازمان، إذ إن كلا من اليربوع، والمنافق اتخذ التمويه والتلبيس ذريعة إلى ستر الحقيقة وإظهار خلاف الواقع، فوسيلة كل منهما المكر والكيد والخداع، والتضليل وقلب الحقائق، فإذا طلب من جهة فر إلى جهة أخرى ونجا بحيلته ودهائه ١.
- ١انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٩٨ ولسان العرب لابن منظور ١٢/ ٢٣٦- ٢٣٧ وحياة الحيوان للدميري ٢/ ٤٣٥- ٤٣٦ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/ ٢٨٦. وشرح ثلاثيات مسند أحمد لمحمد السفاريني ١/ ٢٤٩ و ٢/ ٤٠٨- ٤٠٨ والنفاق والمنافقون لإبراهيم علي سالم، المقدمة ص١.
ولما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى، واستقبله المسلمون بحرارة الإسلام وعاطفة الإيمان الجياشة، ورأى عبد الله بن أبي ابن سلول ومن شايعه من اليهود وغيرهم، ما قوبل به الرسول صلى الله عليه وسلم والمهاجرون من حفاوة وإعزاز، ساءهم ذلك، وأخذوا يناوئون الإسلام ويعرقلون سيره، ويترصون الدوائر بالمسلمين.
أما اليهود فذلك دأبهم وديدنهم لأنهم لا يريدون للبشرية خيرا، بل يريدون أن تظل السعادة والسيادة فيهم، لأنهو شعب الله المختار في زعمهم.
وأما عبد الله بن أبي فإنه لم تخسر شخصية مكانتها في المدينة بمقدم نبي الإسلام، خسارته، ذلك أن الرجل كان ينظم له الخرز ليتوج ملكا على الأوس والخزرج، كما سيأتي ذلك واضحا في حديث أسامة بن زيد ١ وكان ذلك من أقوى الأسباب التي صرفته عن اعتناق الإسلام، بصدق وإخلاص.
- ١انظر ص ١٥٠ وما بعدها.
وكان دخوله في الإسلام ظاهرا بعد غزوة بدر الكبرى ١ وهذا أمر طبيعي فإنه يريد أن ينظر في هذا الأمر الجديد، فإن اندحر فقد خلص منه، وهذا غاية مناه، وإن حصلت به العزة والمنعة، سالمه، وهذا ما حصل بالفعل، فقد قويت شوكة الإسلام، وأخذت صخرة الكفر تتحطم تحت جحافل المسلمين، خاصة في معركة بدر الكبرى، فلما رأى عبد الله بن أبي أن لا قبل له بمقاومة الإسلام علانية عمد إلى وسيلة أخرى هي طعن الإسلام في السر والخفاء، فتظاهر بالإسلام ليحقن دمه وليقضي بذلك كثيرا من مآربه، "فكان أول ظهور النفاق، في المدينة بدخول هذا المنافق في الإسلام ظاهرا" وهو شخص متبوع، فشايعه على ذلك أتباعه من المنافقين، فكان يقوم بعليمهم النفاق، وقد كان لهذا العدو الخفي، أضراره الجسيمة على الإسلام والمسلمين، ومواقف ابن أبي وأتباعه من دعوة الإسلام تنبئ عن أخطارهم التي لا تقف عند حد.
- ١انظر المصدر السابق. وأول موقف برزت فيه عداوة عبد الله بن أبي ابن سلول للإسلام بوضوح هو ما دل عليه حديث البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد٢، وهذا سياقه عند مسلم: قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي٣ ومحمد بن رافع٤ ١ سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٤- ٥٨٥. ٢ أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، الأمير أبو محمد وأبو زيد، صحابي مشهور، (ت٥٤) وهو ابن ٧٥ سنة بالمدينة / ع. التقريب ١/ ٥٣. ٣ إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، أبو محمد بن راهويه المروزي، ثقة حافظ مجتهد، قرين أحمد بن حنبل، ذكر أبو داود أنه تغير قبل موته بيسير، (ت٢٣٨) وله ٧٢سنة، / خ م د ت س، المصدر السابق ١/ ٥٤. ٤ محمد بن رافع القشيري النيسابوري، ثقة عابد، من الحادية عشرة، (ت٢٤٥) / خ م د ت س، المصدر السابق ٢/ ١٦٠.
ولكن الله خيب سعيهم وأحبط أعمالهم، ورد كيدهم في نحورهم، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ، [سورة الصف الآية: ٨] .
المبحث الثاني: موقف المنافقين قبل بدر الكبرى
لقد دخل الإسلام المدينة المنورة، قبل مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، وانتشر في ربوعها، وأصبح سكانها يرددون حديث الإسلام، ويلهجون بذكره في منتدياتهم ومجالسهم العامة والخاصة، منشرحين لهذا الخير الذي ساقه الله إليهم، وحباهم به.
ثم ازداد فرحهم وغبطتهم بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم، فالتفوا حوله يتلقون منه نور الإيمان ومبادئ الإسلام، فجمعهم الله به بعد الفرقة، وسادت بينهم المودة والإخاء بعد أن كانوا أعداء متناحرين متدابرين، يوضح هذا قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ، [سورة آل عمران، الآية: ١٠٣] .
غير أن مرض الحسد والخبث حال بين ضعفاء النفوس وبين الدخول في هذا الدين الحنيف، وعلى رأس هذا الفريق عبد الله بن أبي ابن سلول، الذي رأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه عزه ومجده، إذ كان مقدمه صلى الله عليه وسلم والأوس والخزرج ملتفون حوله، وقد باشروا نسج الخرز ليتوجوه ويرئسوه عليهم، فكان مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم قاطعا لدابره، إذ لم يتم له ما كان يحلم به من الرياسة والسيادة، ولما فقد مكانته في المجتمع وحرم من المنصب القيادي الذي كان يحلم به رأى أن السبب الوحيد في ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جاء به، فامتلأ قلبه غيظا وحقدا وحسدا على النبي صلى الله عليه وسلم وصار يحارب الإسلام سرا وعلانية مع من انضم إليه من مرضى القلوب من قومه وغيرهم وحلفائه من اليهود القاطنين في المدينة آنذاك١.
فكانوا يدا واحدة في عداوة الإسلام وأهله.
وعبد بن حميد ١ و (اللفظ لابن رافع) قال ابن رافع حدثنا: وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق ٢ أخبرنا معمر ٣ عن الزهري عن عروة أن أسامة ين زيد أخبره: أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارا عليه إكاف ٤ تحته قطيفة فدكية ٥، وأردف وراءه أسامة وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، وذاك قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين، عبدة الأوثان واليهود فيهم عبد الله بن أبي، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة ٦ الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ القرآن، فقال عبد الله بن أبي: "أيها المرء لا أحسن ٧ من هذا إن كان ما تقول حقا فلا تؤذنا في مجالسنا وارجع إلى رحلك فمن جاءك منا فاقصص عليه "، فقال عبد الله بن رواحة: " إغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك "، قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى هموا أن يتواثبوا فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم، ثم ركب دابته، حتى دخل على سعد ابن عبادة فقال: " أي سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب (يريد عبد الله بن أبي) " قال كذا وكذا، قال: " اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة ٨ أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة ٩ فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق ١٠ بذلك فذلك فعل به ما رأيت"، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم ١١.
- ١عبد بن حميد بن نصر الكسي، أبو محمد، قيل اسمه عبد الحميد وبذلك جزم ابن حبان وغير واحد، ثقة حافظ، من الحادية عشرة (ت٢٤٩) / خت م ت، المصدر السابق ١/ =٥٢٩. قال ابن الأثير: الكسي: بكسر أولها وتشديد السين المهملة – هذه نسبة إلى كس وهي مدينة بما وراء النهر بقرب نخشب ذكرها الحفاظ في تواريخهم كذلك. غير أن الناس يكثرون ذكرها بفتح الكاف والشين المعجمة، ينسب إليها جماعة منهم عبد الحميد بن حميد بن نصر الكسي، المعروف بعبد بن حميد. اللباب في تهذيب الأنساب ٣/ ٩٨.
- ٢عبد الرزاق بن همام بن نافع، الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع، من التاسعة، (ت٢١١) / ع. التقريب ١/ ٥٠٥.
- ٣معمر بن راشد الأزدي، مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار السابعة (ت١٤٥) / ع. المصدر السابق ٢/ ٢٦٦.
- ٤إكاف: بوزن كتاب: برذعة الحمار، القاموس المحيط ٣/ ١١٨ وفي رواية للبخاري ٧/ ١٠٣ من كتاب المرضى، باب عيادة المريض (أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على إكاف على قطيفة فدكية) قال ابن حجر: (عل) الثالثة بدل من الثانية وهي بدل من الأولى والحاصل أن الإكاف يلي الحمار، والقطيفة فوق الإكاف، والراكب فوق القطيفة. فتح الباري ١/ ١٢٢.
- ٥قطيفة فدكية: القطيفة: كساء له خمل، والفدكية: منسوبة إلى فدك بلدة معروفة على مرحلتين من المدينة، فتح الباري ٨/ ٢٣١ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٤٤١.
- ٦عجاجة الدابة: هو ما ارتفع من غبار حوافرها.
- ٧قوله لا أحسن من هذا قال ابن حجر: "بنصب أحسن وقتح أوله على أنه أفعل تفضيل، ويجوز في أحسن الرفع على أنه خبر (لا) والاسم محذوفن أي أحسن من هذا، ووقع في رواية الكشميهني: بضم أوله وكسر السين وضم النون – لا أحسن – ووقع في رواية أخرى لأحسن بحذف الألف لكن بفتح السين وضم النون على أنها لام قسم كأنه قال: أحسن من هذا أن تقعد في بيتك، حكاه عياض عن أبي علي واستحسنه، وحكى ابن الجوزي: تشديد السين المهملة بغير نون من الحس أي لا أعلم منه شيئا" انتهى، فتح الباري ٨/ ٢٣٢. وقال النووي: لا أحسن من هذا: "هكذا هو في جميع نسخ بلادنا بألف في أحسن أي ليس شيء أحسن من هذا، وكذا حكاه القاضي عن جماهير رواة مسلم، قال: ووقع للقاضي أبي علي لأحسن من هذا بالقصر من غير ألف قال القاضي: وهو عندي أظهر، وتقديره أحسن من هذا أن تقعد في بيتك ولا تأتينا". انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٤٤٢.
- ٨البحيرة: بالتصغير قال النووي: قال القاضي: وروينا في غير مسلم هذه البحيرة مكبرة وكلاهما بمعنى، وأصلها القرية، والمراد بها هنا مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، شرح النووي على مسلم ٤/ ٤٤٢.
- ٩فيعصبوه بالعصابة: أي اتفقوا على أن يجعلوه ملكهم وكان من عادتهم إذا ملكوا إنسانا أن يتوجوه ويعصبوه. المصدر السابق ٤/ ٤٤٢.
- ١٠شرق بذلك: أي غص به وهو مجاز فيما ناله من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحل به حتى كأنه شيء لم يقدر على إساغته فغص به. النهاية لابن الأثير ٢/ ٤٦٥- ٤٦٦.
- ١١صحيح مسلم ٥/ ١٨٢- ١٨٣ كتاب الجهاد والسير وصحيح البخاري ٤/ ٤٤ كتاب الجهاد (باب الردف على الحمار) و٦/ ٣٣ كتاب التفسير (باب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) و ٧/ ١٠٣ كتاب المرضى (باب عيادة المريض) و ٧/ ١٤٥ كتاب اللباس (باب الارتداف على الدابة و٨/ ٣٨- ٣٩ كتاب الأدب (باب كنية المشرك) .
وحدثني محمد بن رافع حدثنا حجين ١ (يعني ابن المثنى) حدثنا ليث ٢ عن عقيل ٣ عن ابن شهاب في هذا الإسناد بمثله.
- ١حجين: مصغرا آخره نون ابن المثنى اليمامي، أبو عمير، سكن بغداد، وولي قضاء خراسان، ثقة من التاسعة (ت٢٨٥) وقيل بعد ذلك./خ م د ت س التقريب١/١٥٥.
- ٢الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصرين ثقة ثبت، فقيه إمام مشهور، من السابعة، (ت١٧٥) / ع. التقريب ٢/ ١٣٨.
- ٣عقيل بالتصغير ابن خالد بن عقيل مكبرا، الأيلي، بفتح الهمزة بعدها تحتانية ساكنة، ثم لام، أبو خالد الأموي، مولاهم، ثقة ثبت، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر من السادسة، (ت١٤٤) على الصحيح/ ع. التقريب ٢/ ٢٩ وتقدمت تراجم بقية رجال الإسناد.
وزاد: وذلك قبل أن يسلم عبد الله٣٤.
- *قوله: قبل أن يسلم عبد الله: قال النووي: معناه قبل أن يظهر الإسلام، وإلا فقد كان كافرا، منافقا ظاهر النفاق، شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٤٤٢.
- *صحيح مسلم ٥/ ١٨٢- ١٨٣ كتاب الجهاد والسير، وصحيح البخاري ٤/ ٤٤ كتاب الجهاد (باب الردف على الحمار) و٦/ ٣٣ كتاب التفسير (باب ولتسمعن من الذين أوتوا من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) .
المبحث الثالث: موقف المنافقين بعد بدر الكبرى
فعند البخاري: من حديث أسامة المتقدم ١: "فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا، فقتل الله به صناديد كفار قريش، قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه ٢، فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأسلموا" ٣.
- ١انظر ص ١٥٠ وما بعدها.
- ٢توجه: أي نفذ على وجهه ومقصده.
وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبي، قال: فانطلق إليه وركب حمارا، وانطلق المسلمون وهي أرض سبخة ١، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إليك عني فوالله آذاني نتن ٢ حمارك" ، قال: فقال رجل ٢ من الأنصار والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك، قال: فغضب لعبد الله رجل من قومه، قال: فغضب لكل واحد منهما أصحابهن قال: فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنعال، قال: فبلغنا أنها نزلت فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ، [سورة الحجرات، من الآية: ٩] ٤.
- ١قوله: وهي أرض سبخة: بفتح المهملة وكسر الموحدة، بعدها معجمة، أي ذات سباخ وهي الأرض التي لا تنبت، وكانت تلك صفة الأرض التي مر بها صلى الله عليه وسلم، إذ ذاك، وذكر ذلك للتوطئة لقول عبد الله بن أبي إذ تأذى بالغبار فتح الباري ٥/ ٢٩٨.
- ٢قوله فقال رجل من الأنصار: هو عبد الله بن رواحة على القول باتحاد القصتين.
- *صحيح البخاري ٦/ ٣٤ كتاب التفسير (باب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) و ٨/ ٣٩ كتاب الأدب (باب كنية المشرك. قال ابن حجر: "هذا حديث آخر أفرده ابن أبي حاتم عن الذي قبله، وإن كان الإسناد متحدا، وقد أخرج مسلم الحديث الذي قبله مقتصرا عليه، ولم يخرج شيئا من هذا الحديث الآخر". فتح الباري ٨/ ٢٣٢.
فهذا الحديث بظاهره يخالف حديث أسامة بن زيد لأن في حديث أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من بيته قاصدا عيادة سعد بن عبادة، وفي حديث أنس بن مالك: أنه صلى الله عليه وسلم دعي إلى إتيان عبد الله بن أبي ابن سلول.
وقد حاول ابن حجر الجمع بين الروايتين فقال: "يحتمل اتحادهما بأن يكون الباعث له صلى الله عليه وسلم عيادة سعد بن عبادة، فاتفق مروره بعبد الله بن أبي، فقيل له حينئذ لو أتيته فأتاه" . قال: "ويدل على اتحادهما أن في حديث أسامة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه" ، ثم قال ابن حجر: "وقد استشكل ابن ١ بطال نزول الآية المذكورة في حديث أنس وهي قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ، [سورة الحجرات، من الآية: ٩] ، في هذه القصة، لأن المخاصمة وقعت بين من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه، وبين أصحاب عبد الله بن أبي، وكانوا إذ ذاك كفارا، فكيف ينزل فيهم ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ، ولا سيما إن كانت قصة أنس وأسامة متحدة، فإن في رواية أسامة فاستب المسلمون والمشركون ". ثم قال ابن حجر: "ويمكن أن يحمل على التغليب، ثم قال: مع أن فيها إشكالا من جهة أخرى وهي: أن حديث أسامة صريح في أن ذلك كان قبل وقعة بدر، وقبل أن يسلم عبد الله بن أبي وأصحابه، والآية المذكورة، في الحجرات، ونزولها متأخر جدا، كان في وقت مجيء الوفود، ثم أجاب عن هذا الإشكال بقوله: لكنه يحتمل أن تكون آية الإصلاح، نزلت قديما فيندفع الإشكال "١.
- ١ابن بطال هو الإمام أبو الحسن علي بن خلف الشهير بابن بطال المغربي المالكين له شرح على صحيح البخاري، وغالبه فقه الإمام مالك، من غير تعرض لموضوع الكتاب غالبا، أصله من قرطبة وكان عالما فقيها عني بالحديث وولي قضاء لورقة، له كتاب الاعتصام في الحديث (ت٤٤٤ أو ٤٤٩) مقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري ١/ ٢٥٥.
- *نتن حمارك: أي ريحها.
- *صحيح مسلم ٥/ ١٨٣ كتاب الجهاد، والبخاري ٣/ ١٥٩ كتاب الصلح باب الصلح باب ما جاء في الإصلاح بين الناس وأحمد ٣/ ١٥٧.
تلك نبذة من مواقف عبد الله بن أبي قبل أن يعلن إسلامه ظاهرا، ثم بدا له أن يظهر إسلامه في أعقاب غزوة بدر، لأن شوكة المسلمين قويت، وأصبحت مصالح عبد الله بن أبي مرهونة بأن يظهر إسلامه، وتبعه على ذلك بقية المنافقين.
ولكن عداوتهم للإسلام وإضمارهم الشر للمسلمين لم تتغير، فمازالوا يتربصون الدوائر بالمسلمين، وينتهزون الفرص المواتية للانقضاض عليهم، متعاونين في ذلك مع اليهود، يوضح ذلك انحيازهم إلى جانب يهود بني قينقاع ١، الذين نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لا يعتدي أحد الجانبين على الآخر، ولكن اليهود لم يلتزموا بهذا العهد الذي أقروه على أنفسهم.
- ١بنو قينقاع: بفتح القاف وتثليث النون بطن من بطون يهود المدينة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/ ١٣٦ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/ ٧٦.
فقد ذكر ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: "كان من حديث بني قينقاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بسوق بني قينقاع، ثم قال: "يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم "، قالوا: " يا محمد إنك ترى أنا قومك، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس".
- *فتح الباري ٥/ ٢٩٩.
ثم ساق ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيهم ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ١ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ﴾ [سورة آل عمران، الآيتان: : ١٢- ١٣] ٢.
والحديث بهذه الطريق أخرجه أبو داود في سننه ١.
- ١٢/ ١٣٨ كتاب الخراج (باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة) .
وحسن إسناده الحافظ ابن حجر ١.
- ١فتح الباري ٧/ ٣٣٢.
وهناك سبب آخر ذكره ابن هشام بسند مرسل أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع، فهذان سببان ذكرا في قصة نقض بني قينقاع العهد المبرم بينهم، وبين المسلمين، وكل منهما كاف في ضرب هذه الشرذمة من اليهود، وقد كان صنيعهم هذا مستوجبا ما عاملهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضرب الحصار وشد الخناق عليهم.
- *الفئتان: هما أصحاب بدر، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فئة، وقريش فئة.
- *سيرة ابن إسحاق المسماة: المبتدأ والمبعث والمغازي ١/٢٩٤، وسيرة ابن هشام ٢/٤٧.
وذلك فيما رواه ابن إسحاق عن عاصم ١ بن عمر بن قتادة، مرسلا، أن بني قينقاع أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال: "يا محمد أحسن في موالي" - وكانوا حلفاء الخزرج - قال: فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا محمد أحسن في موالي" ، قال: فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرسلني" وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللا ٢، ثم قال: "ويحك أرسلني" ، قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم لك" ٣.
- ١تقدمت ترجمته.
- ٢الظلل: جمع ظلة، وهي السحابة في الأصل فاستعارها هنا، لتغير الوجه إلى السواد إذا اشتد غضبه.
وروى ابن إسحاق أيضا بسند مرسل من طريق عبادة ١ بن الوليد ابن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث ٢ بأمرهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وقام دونهم، قال: ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحد بني عوف بن الخزرج لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي، فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ إلى الله عز وجل، وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم، قال: ففيه وفي عبد الله بن أبي، نزلت هذه القصة من المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ، [سورة المائدة الآيتان: ٥١-٥٢] ، – لعبد الله بن أبي، وقوله: إني أخشى الدوائر- ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ ، [سورة المائدة، الآيتان: ٥٢-٥٣] ، ثم ذكر القصة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ، [سورة المائدة، الآية: ٥٥] .
- ١عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، ويقال له عبد الله، ثقة من الرابعة / خ م د س ق. التقريب ١/ ٣٩٦.
- ٢تشبث: التشبث بالشيء التعلق به. مختار الصحاح، ص ٣٢٧.
- *سيرة ابن هشام ٢/ ٤٨ وسيرة ابن إسحاق المسماة بكتاب المبدأ والمبعث والمغازي ١/ ٢٩٥- ٢٩٦.
وذكر لتولي عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا، وتبرئه من بني قينقاع وحلفهم وولايتهم: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ، [سورة المائدة، الآية: ٥٦] ١.
فلقد أوضحت هذه الآيات والأحاديث أن المنافقين اتخذوا موقفا مؤازرا لبني قينقاع وسعوا في خلاصهم من العقاب بعد ما أحدثوا من تمرد في وجه الدولة والخروج على العهد الذي أقروه على أنفسهم والتزموا به.
وقد ذكر ابن حجر وغيره أن بني قينقاع أول يهود نقضوا عهدهم مع المسلمين وهذا نص كلامه: قال: كان الكفار بعد الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسام: قسم وادعهم على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة قريظة والنضير وقينقاع.
وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش.
وقسم تاركوه وانتظروا ما يئول إليه أمره كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، ومنهم من لا يحب ظهوره كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا وهم المنافقون، فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع فحارهم في شوال بعد وقعة بدر فنزلوا على حكمه، وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات ١ ثم نقض العهد بنو النضير، ثم نقضت قريظة ٢.
- ١أذرعات: بكسر الراء وفتحها بلدة بالشام، انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي٣/ ٢٣، وهي الآن في (سوريا) على حدود الأردن الشمالية.
- ٢فتح الباري ٧/ ٣٣٠ وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٢/ ٧٩.
- *سيرة ابن إسحاق المسماة بكتاب المبدأ والمبعث والمغازي ١/ ٢٩٥- ٢٩٦، وسيرة ابن هشام ٢/ ٤٩.
المبحث الرابع: موقف المنافقين في أحد
روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد والطبري من حديث زيد ١ بن ثابت رضي الله عنه قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة أحد، رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين: فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم، فنَزلت ٢: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّه أَرْكَسَهُمْ١ بِمَاكَسَبُوا﴾ ٢، وقال: "إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي ٣ النار خبث الفضة" ٤. قال ابن حجر: "قوله رجع ناس ممن خرج معه: يعني عبد الله بن أبي وأصحابه "، وقد ورد ذلك صريحا في رواية موسى بن عقبة في المغازي، وأن عبد الله بن أبي كان وافق رأيه رأي النبي صلى الله عليه وسلم على الإقامة بالمدينة، فلما أشار غيره بالخروج وأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج، قال: عبد الله بن أبي لأصحابه: أطاعهم وعصاني علام نقتل أنفسنا؟ فرجع بثلث الناس. قال ابن إسحاق في روايته: "فاتبعهم عبد الله بن عمورو بن حرام وهو والد جابر وكان خزرجيا كعبد الله بن أبي فناشدهم أن يرجعوا فأبوا، فقال: أبعدكم الله "١. قلت: رواية ابن إسحاق المشار إليها خلاصتها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع بوصول قريش ونزولها في أطراف المدينة قال للمسلمين: "إني قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا ٣ ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها بالمدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة، وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها "، وكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى رأيه في ذلك، وألا يخرج إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج، فقال رجال من المسلمين، ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيره، ممن كان فاته بدر يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: " يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدونا قط، إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا " فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ... حتى خرج في ألف من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد، انخذل عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس وقال: " أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس "، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يقول: " يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عند من حضر عن عدوهم " فقالوا: " لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال "، قال: " فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم "، قال: " أبعدكم الله، أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه "١. قلت: الحديث مرسل لأنه من رواية الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة وحصين بن عبد الرحمن وهؤلاء لم يحضروا القصة، وهو من هذه الطريق عند الطبري وابن كثير ٤.
- ١زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوذان بفتح اللام وسكون الواو وبذال معجمة، الأنصاري النجاري، أبو سعيد وأبو خارجة، صحابي مشهور، كان يكتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، (ت٤٥ أو ٤٧) وقيل بعد الخمسين /ع. التقريب ١/ ٢٧٢.
- ٢قوله: فنَزلت: فما لكم في المنافقين فئتين الخ: قال ابن حجر: "هذا هو الصحيح في سبب نزولها، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم عن أبي سعيد بن معاذ ن قال: نزلت هذه الآية في الأنصار، خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من لي بمن يؤذيني؟ " فذكر منازعة سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسيد بن حضير ومحمد بن مسلمة، قال: فأنزل الله هذه الآية" قال ابن حجر: "وفي سبب نزولها قول آخر: أخرجه أحمد من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه "أن قوماً أتوا المدينة فأسلموا، فأصابهم الوباء فرجعوا، واستقبلهم ناس من الصحابة فأخبروهم فقال بعضهم: نافقوا،، وقال بعضهم: لا، فنَزلت" وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سلمة مرسلا، فإن كان محفوظا احتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعا، فتح الباري ٧/ ٣٥٦ قلت: الراجح أنها نزلت في رجوع عبد الله ابن أبي وأصحابه يوم أحد ويدل عليه سياق الحديث حيث ذكر الخروج إلى أحد ورجوع ناس ممن خرج معه صلى الله عليه وسلم ثم عقب بنزول الآية، وقد بينت روايات المغازي أن هؤلاء الناس هم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه. وقد رجح هذا القول الشوكاني، فقد أورد حديث زيد بن ثابت وقال: هذا أصح ما روي في سبب نزول هذه الآية، وقد رويت أسباب غير ذلك وأشار ابن كثير إلى رواية ابن أبي حاتم المصرح فيها بأن الآية نزلت في شأن قصة الإفك، ثم قال: وهذا غريب. انظر فتح القدير للشوكاني ١/ ٤٩٧ وتفسير ابن كثير ١/ ٥٣٣. وأورد الطبري الأقوال المتقدمة وغيرها، ثم قال: "وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن اختلاف أهل ذلك إنما هو على قولين: أحدهما أنهم قوم كانوا من أهل مكة على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، والآخر أنهم كانوا من أهل المدينة، وفي قول الله تعالى: {فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُم أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا} ، أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة، لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك فلم يكن عليه فرض هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه". انظر تفسير الطبري ٥/ ١٩٤. والظاهر في السبب هو ما قدمنا ترجيحه.
- ٣وعند أحمد في مسنده ٣/ ٣٥١ "ورأيت بقرا منحرة" وفي المستدرك ٢/ ١٢٩ "ورأيت بقرا تذبح".
- ٤تاريخ الطبري ٢/ ٤٩٩- ٥٠٣ وتفسير ابن كثير ١/ ٤٢٥.
- *أركسهم: أي ردهم إلى كفرهم، مختار الصحاح ص ٢٥٤.
- *سورة النساء، الآية: ٨٨، وتمامها: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} .
- *قوله: "تنفي الذنوب": كذا وقع هنا وتقدم في فضائل المدينة: "تنفي الرجال" وفي تفسير سورة النساء تنفي الخبث، قال ابن حجر: "وهو المحفوظ والحديث في هذه المواضع الثلاثة من طريق شعبة"، وتقدم في فضائل المدينة من حديث جابر بن عبد الله "المدينة كالكير تنفي خبثها" وفي حديث أبي هريرة "تنفي الناس" هذه الألفاظ كلها عند البخاري -قال ابن حجر: وأخرج حديث زيد بن ثابت مسلم والترمذي والنسائي من طريق غندر عن شعبة باللفظ الذي أخرجه البخاري في التفسير من طريق غندر المذكور ثم قال ابن حجر: "وغندر أثبت الناس في شعبة وروايته توافق حديث جابر بلفظ "تنفي خبثها"" وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة (تخرج الخبث) ثم قال ابن حجر: "ورواية "تنفي الرجال" لا تنافي الرواية بلفظ: "الخبث" بل هي مفسرة للرواية المشهورة- يعني تنفي الخبث- بخلاف "تنفي الذنوب" ثم قال ابن حجر:" ويحتمل أن يكون فيه حذف تقديره "تنفي أهل الذنوب" فيلتئم مع باقي الروايات". انتهى بتصرف. فتح الباري٤/ ٩٧ و٧/ ٣٥٦.
- *البخاري ٥/ ٨٠ كتاب المغازي باب غزوة أحد و ٣/ ٢٠ كتاب الحج (باب المدينة تنفي الخبث) و٣/ ١٩ (باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس) و٦/ ٣٩ كتاب التفسير وأخرجه مسلم ٨/ ١٢١ (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم) و٤/ ١٢٠ كتاب الحج في صيانة المدينة من دخول الطاعون، والترمذي ٤/ ٣٠٦ التفسير. والنسائي في السنن الكبرى عن محمد بن بشار عن غندر به، انظر تحفة الأشراف للمزي ٣/ ٢١٩- ٢٢٠. وأحمد ٥/ ١٨٤ والطبري في التفسير ٥/ ١٩٢.
- *فتح الباري ٤/ ٩٧ و٧/ ٣٥٦ و٨/ ٢٥٧.
وله شاهد عند الحاكم والبيهقي من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقال الحاكم عقبه: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، وأقره الذهبي ١. قال ناصر الدين الألباني: "حديث أحمد على شرط مسلم، غير أن فيه أبا الزبير، مدلس وقد عنعنه. وحديث البيهقي إسناده حسن، وأشار إلى حديث الحاكم وتصحيحه له، وموافقة الذهبي له، ثم قال: الحديث صحيح"٥.
- ١المستدرك ٢/ ١٢٨- ١٢٩ وحديث البيهقي أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية ٤/ ١١.
وهكذا فقد صح أن المنافقين خذلوا المسلمين في أحرج المواقف، بتأثيرهم على الضعفاء، وسحبهم ثلث جيش المسلمين، الذي خرج للتصدي للمشركين، واحتجوا لأنفسهم بأوهى الأسباب، وهو زعمهم أن القتال لن يقع - وكأن المسلمين خرجوا للنزهة - مع أنهم يعتقدون أن القتال حاصل لا محالة، وهو صريح قول ابن أبي "أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس" ولكنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وإنما الذي صدهم عن الانضمام مع كتائب المسلمين هو كفرهم ونفاقهم كما أوضح الله ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ ، [سورة آل عمران، الآية: ١٦٧] . قال ابن كثير: "في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِم﴾ ، يعني أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا ﴿لَو نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُم﴾ ، فإنهم يتحققون أن جندا من المشركين قد جاؤوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من أشرافهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين أنه كائن بينهم قتال لا محالة" ١.
- *سيرة ابن هشام ٢/ ٦٠- ٦٤.
- *حاشية فقه السيرة للغزالي، ص ٢٦٩.
- *تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٥.
المحبث الأول: مقالة عبد الله بن أبي
...
المبحث الأول: مقالة عبد الله بن أبي قال البخاري: "حدثنا عبد الله ١ بن رجاء حدثنا إسرائيل ٢ عن أبي إسحاق ٣ عن زيد بن أرقم ٤، قال: كنت في غزاة ٥ فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ٦ ليخرجن الأعز منها الأذل فذكرت ٧ ذلك لعمي - أو لعمر- فذكره للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فدعاني فحدثته، فأرسل ٨ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه فأصابني ٩ هم لم يصبني مثله قط، فجلست ١٠ في البيت، فقال لي عمي: "ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك" ٤، فأنزل ١١ الله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ ، [سور المنافقون، الآية: ١] ٦.
- ١عبد الله بن رجاء بن عمر الغداني بضم الغين المعجمة وفتح الدال المخففة وبع الألف نون، بصري، صدوق يهم قليلا، من التاسعة، (ت٢٢٠) وقيل قبلها، خ خد س ق. التقريب ١/ ٤١٤. وفي تهذيب التهذيب ٥/ ٢١٠: سئل أبو زرعة عنه، فأثنى عليه وقال: "حسن الحديث عن إسرائيل"، وفي ميزان الاعتدال ٢/ ٤٢١: رمز له بـ (صح) إشارة إلى أن الأئمة على توثيقه، وأنه لا يلتفت إلى من ضعفه.
- ٢إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، بفتح المهملة وكسر الموحدة، الهمداني أبو يوسف الكوفي، ثقة، تكلم فيه بلا حجة، من السابعة. (ت١٦٠) وقيل بعدها، ع المصدر السابق ١/ ٦٤. وفي تهذيب التهذيب ١/ ٢٦١- ٢٦٣: هو أثبت في أبي إسحاق. وفي ميزان الاعتدال ١/ ٢٠٨ -٢١٠، قال عنه عيسى بن يونس: قال لي أخي إسرائيل: "كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة من القرآن". وقال أحمد بن حنبل: "ثقة"، وجعل يعجب من حفظه، وقال أيضا: "كان ثبتا"، ونقل تضعيفه عن يحيى القطان وابن المديني وابن حزم الظاهري، ثم قال الذهبي: "قلت: إسرائيل اعتمده البخاري ومسلم في الأصول، وهو في الثبت كالأسطوانة، فلا يلتفت على تضعيف من ضعفه"، ثم قال أيضا: "نعم شعبة أثبت منه إلا في أبي إسحاق".
- ٣هو عمرو بن عبد الله أبو إسحاق السبيعي الهمداني، مكثر، ثقة عابد، من الثالثة، اختلط بآخره، (ت١٢٩) وقيل قبل ذلك. ع. التقريب ٢/ ٧٣ وقد وصف بالتدليس كما في تهذيب التهذيب ٨/ ٦٦ و ٦٧.
- ٤زيد بن أرقم بن زيد بن قيس الأنصاري، الخزرجي، صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في سورة المنافقين. (ت٦٦ أو ٦٨) ، ع: المصدر السابق ١/ ٢٧٢، وفي أسد الغابة ٢/ ٢٧٦ الإصابة ١/ ٥٦٠: استصغر يوم أحد، ويقال كان أول مشاهده المريسيع، قلت: كونه حضر غزوة المريسيع فهذا مما لا خلاف فيه لتصريح الأحاديث بذلك، وإنما الخلاف هل كانت هذه الغزوة قبل غزوة الخندق، وعلى هذا يحصل التردد في أول مشاهده.
- ٥هي غزوة بني المصطلق كما سيأتي في المبحث الثاني ص ١٧٦.
- ٦من (عنده) ك كذا هنا. وبقية الأحاديث لئن رجعنا إلى المدينة.
- ٧فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فعمه هنا هو سعد بن عبادة كما بينت ذلك رواية الطبراني الآتية وعمر هو ابن الخطاب، ووقع هنا بالشك (فذكرت ذلك لعمي أو لعمر) ووقع من هذه الطريق عند البخاري في التفسير ٦/ ١٢٦و ١٢٧ والترمذي ٥/ ٨٧ "فذكرت ذلك لعمي" بدون شك. ووقع من رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق، ومن رواية محمد بن كعب القرظي أن الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم هو زيد نفسه. انظر: ص ١٧٩. وقد جمع ابن حجر بين هذا الاختلاف بما يأتي: أ- يحتمل أن زيدا أطلق الإخبار مجازا، ولم يرتض هذا الجواب لأن في مرسل الحسن عند عبد الرزاق فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعلك أخطأ سمعك أو شبه عليك"، وانظر الحديث في تفسير الطبري ٢٨/ ١١٤. ب- أو لعله راسل بذلك أولا على لسان عمه ثم حضر بعد ذلك فأخبر. ج- ويحتمل أن يكون أخبر بذلك حقيقة بعد أن أنكر عبد الله بن أبي فتح الباري ٨/ ٦٤٥ و٦٤٧ قلت: ويدل للتوجيه الثاني حديث الباب، وحديث الترمذي ٥/ ٨٧ "فذكرت ذلك لعمي فذكر ذلك عمي للنبي صلى الله عليه وسلم، فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته، ويدل للتوجيه الثالث رواية الطبراني في مجمع الزوائد ٧/ ١٢٤ "عن زيد بن أرقم قال: كنت جالسا مع عبد الله بن أبي فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه، فقال عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فأتيت سعد بن عبادة فأخبرته فأتى رسول الله فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله إلى عبد الله بن أبي فحلف بالله ما تكلم بهذا، فنظر رسول الله إلى سعد، فقال سعد: يا رسول الله إنما أخبرنيه الغلام، زيد بن أرقم فجاء سعد فأخذ بيدي فانطلق بي، فقال: هذا حدثني فانتهرني ابن أبي، فانتهيت إلى رسول الله، وبكيت وقلت: والذي أنزل النور عليك لقد قالهن وانصرف عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله {إذا جاءك المنافقون} إلى آخر السورة، قال الهيثمي: "هو في الصحيح بغير سياقه رواه لطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف". قال ابن حجر: "بينت هذه الرواية ورواية ابن مردويه: أن المراد بعم زيد بن أرقم في هذه الروايات هو سعد بن عبادة وهو سيد قومه الخزرج، وليس عمه حقيقة، وإنما عمه حقيقة هو ثابت بن قيس له صحبة، وعمه زوج أمه عبد الله بن رواحة". فتح الباري ٨/ ٦٤٥.
- ٨جاء عند الطبري في التفسير ٢٨/ ١٠٩ من هذه الطريق أن المرسل إلى عبد الله بن أبي هو علي رضي الله عنه.
- ٩قوله: "فأصابني هم" وفي رواية زهير بن معاوية: "فوقع في نفسي مما قالوا شدة" انظر ص ١٨٠، وفي رواية أبي سعيد الأزدي عن زيد عند الترمذي ٥/ ٨٨ "فوقع علي من لهم ما لم يقع على أحد".
- ١٠فجلست في البيت "المراد به المكان الذي كان نازلا فيه". وفي رواية محمد بن كعب القرظي عند البخاري ٦/ ١٢٧ "فرجعت إلى المنزل فنمت" وعند الترمذي ٥/ ٨٩ "ونمت كئيبا حزينا" انظر ص ١٧٩ وفي رواية ابن أبي ليلى عند النسائي "جلست في البيت مخافة إذا رآني الناس أن يقولوا كذبت وهي في السنن الكبرى عن إسحاق بن إبراهيم عن يحيى بن آدم عن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن زيد بن أرقم". انظر تحفة الأشراف في معرفة الأطراف للمزي ٣/ ١٩٨ وفتح الباري ٨/ ٦٤٥ وعلقها البخاري عن ابن أبي زائدة بصيغة الجزم، عقب رواية محمد بن كعب القرظي، انظر البخاري ٦/ ١٢٧ وانظر الحديث بطوله في تفسير الطبري ٢٨/ ١١٢.
- ١١في رواية زهير حتى أنزل الله عز وجل تصديقي في {إذا جاءك المنافقون} انظر ص ١٨٠.
- *وفي رواية محمد بن كعب القرظي عند البخاري (فلامني الأنصار) وعند الترمذي (فلامني قومي) انظر ص ١٧٩.
- *وكان نزول ذلك وهم راجعون من الغزوة إلى المدينة، كما بينت ذلك رواية الترمذي من طريق أبي سعيد الأزذي وهي: حدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدي عن أبي سعيد الأزدي، أخبرنا زيد بن أرقم، قال: غزونا مع رسول الله صلى اله عليه وسلم الحديث ... وفيه "فبينا أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قد خفقت برأسي من الهم، إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم أن أبا بكر لحقني فقال: "ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ " قلت: ما قال لي شيئا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي، فقال: "أبشر"، ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقون" هذا حديث صحيح. الترمذي ٥/ ٨٨، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٨٨ وقال عقبه: "قد اتفق الشيخان على إخراج أحرف يسيرة من هذا الحديث"، من حديث أبي إسحاق السبيعي عن زيد بن أرقم، وأخرج البخاري متابعا لأبي إسحاق من حديث شعبة، عن الحكم عن محمد بن كعب القرظي، عن زيد بن أرقم، ولم يخرجاه بطوله، والإسناد صحيح وأقره الذهبي، وانظر حاشية ص ١٨٠، وفي رواية أبي الأسود عن عروة "فبينما هم يسيرون أبصروا رسول الله صلى اله عليه وسلم يوحى إليه "فنَزلت"، أي: السورة"، انظر فتح الباري ٨/ ٦٤٥.
فبعث ١ إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ، فقال: "إن الله قد صدقك يا زيد" ٢ والحديث فيه أبو إسحاق السبيعي وهو مدلس وقد عنعن، ولكنه صرح بالسماع في رواية زهير بن معاوية، وتابعه محمد ابن كعب القرظي ٢.
- ١وفي رواية محمد بن كعب القرظي عند الترمذي ٥/ ٨٩ "فأتاني النبي صلى اله عليه وسلم أو أتيته، فقال: "إن الله قد صدقك" قال: فنزلت هذه لآية: {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} " وانظر الحديث أيضا ص ١٧٩، وعند الطبري في التفسير ٢٨/ ١٩: "فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بلغني فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "إن الله تبارك وتعالى قد صدقك وعذرك"،" وفي مرسل الحسن عند الطبري أيضا في التفسير ٢٨/ ١١٤ وابن حجر في الفتح ٨/ ٦٤٦ "فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأذن الغلام، فقال: "وفت أذنك، وفت أذنك يا غلام" "وعند البخاري في التفسير ٦/ ١٢٨ من حديث أنس بن مالك قال: "حزنت على من أصيب بالحرة، فكتب إلى زيد بن أرقم وبلغه شدة حزني"، يذكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم اغفر للأنصار" الحديث ... وفيه: فسأل أنسا بعض من كان عنده فقال: هو الذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا الذي أوفى الله له بأذنه".
- ٢البخاري ٦/ ١٢٧ كتاب التفسير ومسلم كتاب صفات المنافقين.
وقد رواه البخاري عن شيخين آخرين له هما آدم بن أبي إياس، وعبيد الله بن موسى، كلاهما عن إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق ١.
- ١البخاري ٦/ ١٢٦و١٢٧ كتاب التفسير.
وكان سبب هذا القول الذي تضمنه حديث زيد بن أرقم هو الشجار الذي حدث بين المهاجري والأنصاري، المصرح به في حديث جابر بن عبد الله وهذا نصه: قال البخاري: "حدثنا علي ١ حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما قال: " كنا في غزاة - قال سفيان مرة في جيش - فكسع ٢ رجل من المهاجرين ٣ رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري ٤: يا للمهاجرين فسمع ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما بال دعوى الجاهلية؟ " قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال: "دعوها ٥ فإنها منتنة ٢ " ، فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها؟ ٣ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ٦، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" .
- ١علي هو ابن المديني وسفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار.
- ٢فكسع: الكسع المشهور فيه: أنه ضرب الدبر باليد أو الرجل. القاموس المحيط ٣/ ٧٨ وفتح الباري ٨/ ٦٤٩، ووقع عند الطبري في هذا الحديث من طريق الحسين ابن واقد لمروزي عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله أن رجلا من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار برجله، وذلك في أهل اليمن شديد الحديث ... تفسير الطبري ٢٨/ ١١٣.
- ٣ورد عند ابن إسحاق تسمية المهاجري: بأنه جهجاه بن مسعود الغفاري، أجير لعمر بن الخطاب، والأنصاري: سنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج، انظر ص ١٨٨، وسمى ابن حجر المهاجري: جهجاه بن قيس ويقال ابن سعيد الغفاري فتح الباري ٦/ ٥٤٧ و٨/ ٦٤٩.
- ٤قال ابن حجر في الفتح ٨/ ٦٤٩: أثناء شرحه لهذا الحديث: "اتفقت الطرق على أن المهاجري واحد، ووقع عند مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر" واقتتل غلامان من المهاجرين، وغلام من الأنصار، فنادى المهاجري: يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري: يا للأنصار، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما هذا؟ أدعوى الجاهلية"، قالوا: لا، إن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر الحديث ... ثم قال ابن حجر: "ويمكن تأويل هذه الرواية بأن قوله: (من المهاجرين) ، بيان لأحد الغلامين، والتقدير: اقتتل غلامان: غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار، فحذف لفظ غلام من الأول، ويؤيده قوله في بقية الخبر (فنادى المهاجري) فأفرده فتتوافق الروايات"، قلت: هذا التأويل الذي أشار إليه ابن حجر، هو نص الحديث عند مسلم، وهذا لفظه: حدثنا أحمد بن عبد اله بن يونس حدثنا زهير حدثنا أبو الزير عن جابر قال: اقتتل غلامان غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار، فنادى المهاجري أو المهاجرون: يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري: يا للأنصار"، الحديث انظر صحيح مسلم ٨/ ١٩ كتاب البر والصلة والآداب مطبعة المشهد الحسني و ٤/ ١٩٩٨من تحقيق فؤاد عبد الباقي الطبعة الثانية، دار إحياء التراث العربي بيروت- لبنان و٥/ ٤٤٤ (بشرح النووي) مطابع الشعب. والحديث أيضا عند أحمد بلفظه عند مسلم ٣/ ٣٢٣. ولعل الرواية التي أشار إليها ابن حجر اطلع عليها في نسخة غير هذه النسخ الموجودة بين أيدينا.
- ٥دعوها: قال ابن حجر: أي دعوى الجاهلية، وقيل الكسعة، والأول هو المعتمد وأبعد من قال: المراد الكسعة. فتح الباري ٦/ ٥٤٧ و ٨/ ٦٤٩. قلت: وقد ورد عند أحمد "دعوا الكسعة فإنها منتنة" من طريق عمرو بن دينار البصري الأعور المعروف بقهرمان، وهو ضعيف، انظر الحديث في المسند ٣/ ٣٨٥.
- ٦وفي رواية ابن جريج فقال عمر: "ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث" انظر ص ١٨٤ وعند ابن إسحاق قال عمر بن الخطاب: مر به عباد بن بشر فليقتله. انظر ص ١٨٨ ويمكن الجمع: "بأن عمر بن الخطاب أولا طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بقتله فلما لم يأذن له، قال: إن لم تأذن لي بقتله، فمر عباد بن بشر يقتله".
- *البخاري ٦/ ١٢٦- ١٢٧ من كتاب التفسير ومسلم ٨/ ١١٩ كتاب صفات المنافقين والترمذي ٥/ ٨٧- ٨٨ كتاب التفسير وأحمد ٤/ ٣٦٨ و٣٧٣، أسباب النزول للواحدي، ص ٢٧٨، والنسائي في السنن الكبرى نحوه من رواية زهير وسنده: عن أبي داود الحراني عن الحسن بن محمد بن أعين عن زهير. انظر تحفة الأشراف للمزي ٣/ ١٩٩.
وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين كثروا بعد. قال سفيان: فحفظته من عمرو، وقال عمرو: "سمعت جابرا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم" ٥.
- *منتة: أي مذمومة في الشرع، مجتنبة مكروهة، كما يجتنب الشيء النتن، غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١٤ وقال ابن حجر: قبيحة خبيثة وقد ثبت في بعض روايات فتح الباري ٨/٦٤٩. قلت ثبت عند البخاري دعوها فإنها خبيثة)) . انظر: ص ١٨٤ من رواية ابن جريج.
- *في رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار "أقد تداعوا علينا". انظر: ص ١٨٤.
- *البخاري ٤/ ١٤٦، كتاب المناقب و٦/ ١٢٨، ومسلم ٨/ ١٩ كتاب البر والصلة والآداب والترمذي ٥/ ٩٠ في التفسير، والحميدي ٢/ ٥١٩ وأحمد ٣/ ٣٩٢.
المبحث الثاني: تعيين الغزوة التي حدثت فيها مقالة ابن أبي
ورد تعيينها بأنها غزوة بني المصطلق من قول سفيان بن عيينة عند أحمد والإسماعيلي والترمذي ورواية الإسماعيلي والترمذي أصرح في ذلك، وإليك النصوص الواردة في ذلك: قال أحمد: حدثنا حسين ١ بن محمد ثنا سفيان - يعني ابن عيينة - عن عمرو قال: حدثنا جابر بن عبد الله يقول: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة، قال: يرون أنها غزوة بني المصطلق، فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين الحديث ... وفيه فبلغ ذلك عبد الله بن أبي فقال: "فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" ٢. "رجاله رجال الجماعة" . والحديث عند البخاري ومسلم وليس فيه تفسير الغزوة ٢.
- ١الحسين بن محمد بن بهرام، التميمي، أبو محمد، المروذي: بفتح الميم وتشديد الراء، وبذال معجمة، نزيل بغداد، ثقة من التاسعة، (ت٢١٣) أو بعدها بسنة أو بسنتين، ع. التقريب ١/ ١٧٩.
- ٢البخاري ٦/ ١٢٨ كتاب التفسير (باب قوله: سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم) ومسلم ٨/ ١٩ كتاب البر والصلة والآداب.
عند الإسماعيلي ١ في مستخرجه ٢ من طريق ابن أبي عمر ٣ وهي زيادة صححة حكمها حكم الصحيح، لأنها خارجة من مخرجه ٤.
- ١هو أبو بكر الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي، الجرجاني كبير الشافعية بناحيته، له مستخرج على صحيح البخاري وله معجم كبير، وله غير ذلك، قال الذهبي: "من جملتها مسند عمر رضي الله عنه هذبه في مجلدين طالعته وعلقت منه وابتهرت بحفظ هذا الإمام وجزمت بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدمين في الحفظ والمعرفة، (ت٣٧١?ـ) " تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/ ٩٤٧- ٩٥١.
- ٢فتح الباري ٨/ ٦٤٩.
- ٣هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، نزيل مكة، صدوق، صنف المسند وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم كانت فيه غفلة. من العاشرة (ت٢٤٣) م ت س ق التقريب ٢/ ٢١٨.
- ٤انظر التبصرة والتذكرة للعراقي ١/ ٦٠. وتدريب الراوي للسيوطي، ص ٥٨.
عند الترمذي: وهذا نصه: حدثنا ابن أبي عمر أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول كنا في غزاة ٣قال سفيان: أين يرون أنها غزوة بني المصطلق - فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار- الحديث ... وفيه فسمع ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال: أوقد فعلوها؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ... وفي آخره زيادة على ما في الصحيح وهي: وقال غير عمرو فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: "والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز ففعل" ١. "هذا حديث حسن صحيح" ٢.
- *مسند أحمد ٣/ ٣٩٢- ٣٩٣.
وقد وصف ابن حجر ابن أبي عمر بأنه من رجال السنن، ولكن تابعه حسين بن محمد بن بهرام عند أحمد وهو ثقة، فيكون الحديث صحيحا لغيره.
ما أخرجه اببن أبي شيبة عن عروة بن الزبير - رضي الله عنه - أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق لما أتوا المنزل كان بين غلمان من المهاجرين، وغلمان من الأنصار الحديث وفيه فقال ابن أبي: "أما والله لو أنهم لم ينفقوا عليهم انفضوا من حوله، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" .الحديث ١. وهو مرسل.
- ١الدر المنثور للسيوطي٦/ ٢٢٥. (٤) عمر بن ثابت الأنصاري الخزرجي المدني، ثقة من الثالثة، أخطأ من عده في الصحابة، م عم. المصدر السابق ٢/ ٥٢ وتهذيب التهذيب ٧/ ٤٣٠ وقد وقع في هذه الرواية عمرو ابن ثابت قال ابن حجر: وهو خطأ نبه عليه النسائي وقال: الصواب عمر بن ثابت. انظر تهذيب التهذيب ٨/ ١٠ والتقريب ٢/ ٦٦.
وبنحوه عند ابن أبي حاتم من طريق عقيل عن الزهري عن عروة بن الزبير وعمر ١ بن ثابت. قال ابن حجر: "وهو مرسل جيد" ٤.
- ١فتح الباري ٨/ ٦٤٩. وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٧١.
وهكذا ذكر ابن إسحاق عن مشايخه، عاصم بن عمر وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان بأن قول ابن أبي هذا كان في غزوة بني المصطلق ١."
- ١سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٠- ٢٩١.
- *ففعل أبي فأقر بأنه الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو العزيز.
- *الترمذي ٥/ ٩٠ كتاب التفسير.
رجاله رجال الجماعة وهو مرسل أيضا ".
فهذه الأحاديث كلها صريحة في أن هذه الكلمة صدرت من عبد الله بن أبي ابن سلول في غزوة بني المصطلق.
صرح الواحدي بأن هذا هو قول أهل التفسير وأصحاب السير ١.
- ١أسباب النزول، ص ٢٨٧.
وبعد أن بينا أن هذه المقالة صدرت من ابن أبي في غزوة بني المصطلق يحسن أن نذكر الأحاديث الدالة على أن هذه المقالة صدرت من عبد الله بن أبي ابن سلول أيضا في غزوة تبوك، ثم نعقب ذلك بالقول الراجح حسب ما يظهر.
أ- جاء عند الترمذي والنسائي وهذا سياق الترمذي: حدثنا محمد ابن بشار أخبرنا محمد بن أبي عدي، قال: أنبأنا شعبة عن الحكم بن عتبة قال: سمعت محمد بن كعب القرظي منذ أربعين سنة يحدث عن زيد بن أرقم أن عبد الله بن أبي قال في غزوة تبوك: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فحلف ما قاله، فلامني قومي، فقالوا: ما أردت إلا هذه فأتيت البيت ونمت كئيبا حزينان فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم، أو أتيته فقال: "إن الله قد صدقك ". قال: فنَزلت هذه الآية: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ ، [سورة المنافقون، من الآية: ٧] ، "هذا حديث حسن صحيح "٢.
وأخرجه النسائي في السنن الكبرى: عم محمد بن بشار بندار عن محمد بن جعفر غندر وابن أبي عدي، كلاهما عن شعبة به ١. "وكلا الحديثين رجالهما رجال الجماعة".
- ١تحفة الأشراف للمزي ٣/ ٢٠١.
وهو عند البخاري وأحمد من طريق شعبة عن الحكم به ١.
- ١البخاري ٦/ ١٢٧، كتاب التفسير وأحمد ٤/ ٣٦٨.
- *الترمذي ٥/ ٨٩، كتاب التفسير.
وليس فيه لفظ: "غزوة تبوك" .
فهذا الحديث صحيح وهو صريح في صدور هذا القول من عبد الله ابن أبي في غزوة تبوك.
ب- قال ابن حجر: "ويؤيده قوله في رواية زهير في " سفر أصاب الناس فيه شدة "" ١. قلت: رواية زهير المشار إليها هي ما ساقه البخاري: حدثنا عمرو ابن خالد ثنا زهير بن معاوية حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت زيد بن أرقم قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيه شدة" ٢، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله" . وقال: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل، قالوا: كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله عز وجل تصديقي في ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ ، [سورة المنافقون، الآية: ١] .
- *فتح الباري ٨/ ٦٤٤.
- *قلت: يجوز أن تكون الشدة هذه حصلت في غزوة بني المصطلق بقلة الزاد والماء الذي كان سببا في صدور هذه المقالة من عبد الله بن أبي كما صرح بذلك أبو سعيد الأزدي في روايته عن زيد بن أرقم قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناس من الأعراب فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا إليه فيسبق الأعرابي فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه"، قال: فأتى رجل من الأنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه، فانتزع قباض الماء فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره وكان من أصحابه، فغضب عبد الله بن أبي، ثم قال: "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله" يعني الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام فقال عبد الله: "إذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمدا الطعام"، ثم قال لأصحابه: "لئن رجعنا إلى المدينة فلنخرج الأعز منها الأذل". أخرجه الترمذي ٥/ ٨٨ وقال حسن صحيح، والحاكم ٢/ ٤٨٨ وقال صحيح الإسناد وأقره الذهبي.
فدعاهم النبي صلى اله عليه وسلم ليستغفر لهم، فلووا رؤوسهم الحديث ١ ...
- ١البخاري ٦/ ١٢٧، كتاب التفسير ومسلم ٨/ ١١٩، كتاب صفات المنافقين وأحمد ٤/ ٣٧٣.
ج- ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الربيع ١ الزهراني، حدثنا حماد ٢ بن زيد حدثنا أيوب عن سعيد ٣ ابن جبير "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلا لم يرتحل حتى يصلي فيه، فلما كانت غزوة تبوك بلغه أن عبد الله بن أبي ابن سلول قال: " ليخرجن الأعز منها الأذل "، فارتحل قبل أن ينزل آخر النهار، وقيل لعبد الله بن أبي ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر لك فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ﴾ [سورة المنافقون، الآيات: ١-٥] . قال ابن كثير: "وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن جبير "٥. قلت: رجاله رجال الجماعة ما عدا أبا الربيع الزهراني، فأخرج له من عدا الترمذي وابن ماجة. ونسبه ابن حجر لبعد بن حميد وقال: "بإسناد صحيح "٦.
- ١أبو الربيع الزهراني هو سليمان بن داود العتكي البصري، نزيل بغداد، ثقة، من العاشرة (ت٢٣٤) ، خ م د س التقريب ١/ ٣٢٤.
- ٢حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، من كبار الثامنة، ثقة ثبت فقيه، (ت١٧٩) ، ع: المصدر السابق١/ ١٩٧.
- ٣سعيد بن جبير الأسدي مولاهم، الكوفي، ثقة ثبت فقيه من الثالثة، قتل بين يدي الحجاج سنة ٥٠، ع: المصدر السابق١/ ٢٩٢.
وهكذا نسبه السيوطي لابن أبي حتم وعبد بن حميد ١.
- ١الدر المنثور ٦/ ٢٢٤.
وقد أجاب العلماء عن هذه الأحاديث الدالة بأن المقالة المذكورة كانت في غزوة بوك - بما يأتي: قال ابن العربي: "اختلفت الرواة في هذا الحديث فروى محمد بن كعب القرظي أن ذلك كان في غزوة تبوك، حسبما ذكره أبو عيسى الترمذي ".
- *تفسير ابن كثير ٤/ ٣٦٩.
- *فتح الباري ٨/ ٦٤٤.
وروى في الصحيح أنها كانت في غزوة بني المصطلق ١، حسن صحيح وهو الصحيح، وإن كان صحح أيو عيسى حديث محمد ابن كعب، لكن صحيح الصحيح ما بيناه ٢.
- ١يريد حديث جابر بن عبد الله المتقدم، ص ١٧٥ وما بعدها.
- ٢عارضة الأحوذي، ١٢/ ٢٠٠. والمعنى: أن الترمذي قال عن حديث جابر بن عبد الله بأنه حسن صحيح، والحديث ثابت في الصحيحين، وقال عن حديث محمد بن كعب القرظي، بأنه حسن صحيح كذلك، وحديث محمد بن كعب القرظي عند الترمذي والنسائي. فقال ابن العربي: وإن كان الترمذي قد صحح كلا الحديثين، لكن الصحيح حديث جابر بن عبد الله لأنه ثابت في الصحيحين.
وقال ابن كثير عقب مرسل سعيد بن جبير المتقدم ١، قوله: "إن ذلك كان في غزوة تبوك فيه نظر، بل ليس بجيد، فإن عبد الله بن أبي ابن سلول، لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك، بل رجع بطائفة من الجيش، وإنما المشهور عند أصحاب المغازي والسير أن ذلك كان في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق "٤. وقال ابن حجر عقب مرسل سعيد بن جبير نفسه: "والذي عليه أهل المغازي أنها غزوة بني المصطلق ٢، ويؤيده "أن في حديث جابر بن عبد الله" ، وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين، حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين كثروا بعد"٦.
- ١انظر ص ١٨١.
- ٢فتح الباري ٨/ ٦٤٤ و٦٥٠.
فهذا مما يؤيد تقدم القصة، ويوضح وهم من قال إنها كانت بتبوك، لأن المهاجرين حينئذ كانوا كثيرا جدا، وقد انضافت إليهم مسلمة الفتح في غزوة تبوك، فكانوا حينئذ أكثر من الأنصار ١ اهـ.
- ١المصدر السابق ٨/ ٦٧٧ و٦٥٠.
- *تفسير ابن كثير ٤/ ٣٦٩.
- *انظر الحديث ص ١٧٥- ١٧٦ وما بعدها.
ومن خلال هذه الأجوبة والأدلة المتقدمة يكون الأرجح أن هذه المقالة كانت في غزوة بني المصطلق.
ويضاف إلى هذا: اتفاق أهل المغازي والسير أن عبد الله بن أبي كان ممن تخلف عن غزوة تبوك ولم يحضرها، ولولا لكان القول بالتعدد أولى من الترجيح.
المبحث الثالث: القضاء على فتنة المنافقين
قال البخاري: حدثنا محمد ١ أخبرنا مخلد ٢ بن يزيد أخبرنا ابن جريج ٣، قال أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع جابرا رضي الله عنه يقول: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثاب ٤ معه ناس من المهاجرين، حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب ٥، فكسع أنصاريا، فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما بال دعوى الجاهلية" ، ثم قال: "ما شأنهم؟ "
- ١محمد هنا: المراد به ابن سلام، كما جزم بذلك أبو نعيم في المستخرج، وأبو علي الجياني، انظر فتح الباري ٦/ ٥٤٧، وهدي السارب مقدمة فتح الباري ص ٢٣٩، وهو محمد بن سلام بن الفرج، السلمي، مولاهم، البيكندي، بكسر الموحدة وسكون التحتانية وفتح الكاف وسكون النون، أبو جعفر، مختلف في لام أبيه والراجح التخفيف، ثقة ثبت من العاشرة (ت٢٢٧) ، خ: التقريب ٢/ ١٦٨.
- ٢مخلد بن يزيد القرشي، الحراني، صدوق له أوهام، من كبار التاسعة (ت١٩٣) ، خ م د س ق. المصدر السابق ٢/ ٢٣٥.
- ٣عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، مولاهم المكي، ثقة، فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل، من السادسة (ت١٥٠) أو بعدها، ع. المصدر السابق١/٥٢٠.
- ٤ثاب معه: أي اجتمع.
- ٥رجل لعاب: أي بطال، وقيل كان يلعب بالحراب كما تصنع الحبشة، وهو جهجاه ابن قيس الغفاري، فتح الباري ٦/ ٥٤٦ وسماه ابن إسحاق: جهجاه بن مسعود. وكان جهجاه من المتألبين على عثمان بن عفان وأنه قام إلى عثمان وهو على المنبر فأخذ عصاه وكسرها فما حال عليه الحول حتى أرسل الله في يده الأكلة فمات منها، هكذا نقل ابن حجر في الإصابة ١/ ٢٥٣.
فأخبر بكسعة المهاجري، الأنصاري، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوها فإنها خبيثة" ، وقال عبد الله ابن أبي ابن سلول: "أقد تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل" ، فقال عمر: "ألا نقتل يا رسول هذا الخبيث" لعبد الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه" ١.
الحديث فيه مخلد بن يزيد، وصف بأن له أوهاما، كما في التقريب ١.
- ١/ ٢٣٥.
وفي هدي الساري قال ابن حجر: "وثقه ابن معين وغيره" ، وقال أحمد: "لا بأس به" ، وكان يهم، وكذا قال الساجي: "وأنكر له أبو داود حديثا وصله" .
ثم عقب ابن حجر بقوله: "قلت: أخرج له البخاري أحاديث قليلة من روايته عن ابن جريج توبع عليها" . وروى له مسلم والباقون سوى الترمذي، انتهى كلام ابن حجر ١. قلت: قد ورد الحديث عن جابر بعدة طرق صحاح، وليس فيها مخلد بن يزيد. فزال ما يخشى من أوهامه، وما دام أن الحديث في البخاري فإنه صحيح لاتفاق الأمة على صحة ما فيه، ولعل ما قيل عن مخلد من أوهام لم تكن تضره حين أخرج له البخاري لما نعلم من شدة تحريه ودقة شروطه فيمن يخرج عنهم.
- ١هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص ٤٤٣.
وعند مسلم وأحمد من طريق أبي الزبير ١ عن جابر "فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما هذا دعوى أهل الجاهلية "، فقالوا: لا، يا رسول الله إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر، قال: " فلا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره "١. قال النووي: "أما تسمية النبي صلى الله عليه وسلم ذلك دعوى الجاهلية، فهو كراهة منه لذلك؛ فإنه مما كانت عليه الجاهلية من التعاضد بالقبائل في أمور الدنيا ومتعلقاتها، وكانت الجاهلية تأخذ حقوقها بالعصبات والقبائل، فجاء الإسلام بإبطال ذلك، وفصل القضايا بلأحكام الشرعية، فإذا اعتدى إنسان على آخر حكم القاضي بينهما وألزمه مقتضى عدوانه، كما تقرر من قواعد الإسلام.
- ١أبو الزبير هو: محمد بن مسلم بن تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة، وضم الراء الأسدي، مولاهم، أبو الزبير المكي، صدوق إلا أنه يدلس، من الرابعة، (ت١٢٦) : ع. التقريب ٢/ ٢٠٧. وقد صرح بالتحديث هنا عن جابر كما هو عند أحمد ٣/ ٣٢٣- ٣٢٤.
- *البخاري ٤/ ١٤٦-١٤٧، كتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوى الجاهلية.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم في آخر هذه القصة "لا بأس" فمعناه لم يحصل من هذه القصة بأس مما كنت خفته، فإنه خاف أن يكون حدث أمر عظيم يوجب فتنة وفسادا، وليس هو عائدا إلى رفع كراهة الدعاء بدعوى الجاهلية ١. قال ابن حجر: "يستفاد من قوله " لا بأس " جواز القول المذكور بالقصد المذكور والتفصيل المبين، لا على ما كانوا عليه في الجاهلية من نصرة من يكون من القبيلة مطلقا" ٣. قلت: كانت هذه الكلمة شعار أهل الجاهلية، وهو نصرة الأخ مطلقا ولو كان يعلم أنه على باطل، فما دام من قبيلته أو من أحلافه فتجب نصرته، فجاء الإسلام فهذب هذه الكلمة وجعل معناها غير ما تعارف عليه أهل الجاهلية، فجعل كف الظالم عن ظلمه نصرا له، ونصره حقيقة إن كان مظلوما حتى يتوصل إلى حقه، وقد تضمن الحديث المتقدم، آنفا بيان هذا المبدأ.
- ١شرح النووي على مسلم ٥/ ٤٤٤.
وقد ورد عند البخاري ما يزيد هذا المعنى وضوحاً.
وهذا نصه: حدثنا محمد بن عبد الرحيم ١ ثنا سعيد ٢ بن سليمان حدثنا هشيم ٣ أخبرنا عبيد الله ٤ بن أبي بكر بن أنس عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" ، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره" ٣.
- ١محمد بن عبد الرحيم، ابن أبي زهير البغدادي، أبو يحيى البزاز، المعروف بصاعقة، ثقة حافظ، من الحادية عشرة (ت٢٥٥) ، خ د ت س. التقريب ٢/ ١٨٥.
- ٢سعيد بن سليمان الضبي أبو عثمان الواسطي، نزيل بغداد، البزاز، لقبه سعدويه، ثقة حافظ، من كبار العاشرة، (ت٢٢٥) : ع، المصدر السابق ١/ ٢٩٨.
- ٣هشيم بالتصغير، ابن بشير بوزن عظيم، ابن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية ابن أبي خازم، بمعجمتين، الواسطي، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفاي، من السابعة (ت١٨٣) ، ع: المصدر السابق٢/ ٣٢٠.
- ٤عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك، أبو معاذ، ثقة من الرابعة: ع. المصدر السابق١/٥٣١.
- *مسلم ٨/ ١٩، وأحمد ٣/ ٣٢٣ –٣٢٤.
- *فتح الباري ٨/ ٦٤٩.
وهكذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الفتنة التي كادت تفكك وحدة المسلمين وتمزق شملهم وتجعلهم شيعا وأحزابا، فتقر بذلك أعين المنافقين وأعداء الدين، لكن الإيمان الذي ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عليه، كان أقوى من مكيدة المنافقين، فما أن سمع المسلمون كلام الرسول صلى الله عليه وسلم بأمرهم بترك دعوى الجاهلية، حتى خمدت الفتنة التي أوقد المنافقون نارها، ثم اتخذ الرسول الكريم التدابير التي تقضي على آثارها وتعيد الإخاء والمودة إلى نفوس المسلمين، كما سيأتي في المبحث التالي.
- *البخاري ٩/ ٢٠، كتاب الإكراه.
المبحث الرابع: معالجة آثار الفتنة
قال البخاري: "حدثنا الحميدي ١ حدثنا سفيان قال: حفظناه من عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحديث ... "
- ١هو عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي المكي، أبو بكر، ثقة حافظ فقيه، أجل أصحاب ابن عيينة، من العاشرة، (ت٢١٩) ، وقيل بعدها. قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عن الحميدي، لا يعدوه إلى غيره / خ مق د ت س فق. التقريب ١/ ٤١٥.
وفيه: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق" ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" ١. قال النووي: "قوله صلى الله عليه وسلم: " دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه "، فيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الحلم، وفيه ترك بعض الأمور المختارة والصبر على بعض المفاسد، خوفا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم منه" ، وكان صلى الله عليه وسلم يتألف الناس ويصبر على جفاء الأعراب والمنافقين وغيرهم لتقوى شوكة المسلمين، وتتم دعوة الإسلام، ويتمكن الإيمان من قلوب المؤلفة، ويرغب غيرهم في الإسلام، وكان يعطيهم الأموال الجزيلة لذلك، ولم يقتل المنافقين لهذا المعنى، ولإظهارهم الإسلام، وقد أمر بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه صلى الله عليه وسلم، ويجاهدون معه، إما حمية وإما لطلب دنيا أو عصبية لمن معه من عشائرهم ١. وقال ابن العربي: "قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " هو إخبار عن وجه المصلحة في الإمساك عن قتلهم، لما يرجى من تأليف الكلمة بالعفو عنه، والاستدراك لما فاتهم في المستقبل من أمرهم توقعا لسوء الأحدوثة المنفرة عن القبول للنبي صلى الله عليه وسلم والإقبال عليه" ٣.
- ١شرح صحيح مسلم للنووي ٥/ ٤٤٥.
وعند ابن إسحاق من طريق عاصم بم عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكرن ومحمد بن حبان، قال: كل قد حدثني حديث بني المصطلق وساق الحديث بتفاصيل الغزوة وفيه "فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الماء ١ وردت واردة الناس، ومع عمر بن لخطاب أجير له، من بني غفار يقال له جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر ٢ الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فغضب عبد الله بن أبي ابن سلول، وعنده رهط من قومه، فيهم: زيد بن أرقم غلام حدث، فقال: "أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب ٣ قريش إلا كما قال الأول ٤: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" ، ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: "هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموه بلادكم، وقاسمتموه أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم" ، فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول صلى الله عليه وسلم، وذلك عند فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه، فأخبره، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: "مر به عباد بن بشر فليقتله" ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لا" ، ولكن أذن بالرحيل، وذلك ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها، فارتحل الناس، وقد مشى عبد الله ٥ بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه، فحلف بالله: ما قلت ما قال: ولا تكلمت به - وكان شريفا عظيما - فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار من أصحابه: "يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل" ، حدبا ٦ على ابن أبي ابن سلول، ودفعا عنه، فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال: "يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة مبكرة، ما كنت تروح في مثلها" ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ " قال: وأي صاحب يا رسول الله؟ قال: "عبد الله بن أبي" ، قال: وما قال؟ قال: "زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" ، قال: فأنت يا رسول الله، والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل، وأنت العزيز، ثم قال: "يا رسول الله ارفق به ٧، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه ينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا" . ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذنهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي، إلى أن قال: "وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنفونه" ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شانهم: "كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله، لأرعدت ٣ له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته" . قال: قال عمر: "قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري" ٤.
- ١هو ماء المريسيع.
- ٢معشر: كمسكن: الجماعة وأهل الرجل. القاموس المحيط ٢/ ٩٠.
- ٣جلابيب: لقب لمن أسلم من المهاجرين، لقبهم بذلك المشركون، وأصل الجلابيب: الأزر الغلاظ، كانوا يلتحفون بها، فلقبوهم بذلك.
- ٤كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، وعند الطبري كما قال القائل، وهو مثل من أمثال عرب، وأول من قاله: حازم بن المنذر الحماني، وذلك أنه مر بمحلة همدان فوجد غلاما ملفوفا في ثوب، فرحمه وحمله معه وقدم به منزله وأمر أمة له أن ترضعه حتى كبر وراهق الحلم، فجعله راعيا لغنمه وسماه جحيشا، وكان لحازم ابنة يقال لها: راعوم فهويت الغلام وهويها وانتبه حازم لهذا فترصد لهم حتى عرف الحقيقة ووجدهم على الفاحشة، فقال: سمن كلبك يأكلك، فأرسلها مثلا وشد على جحيش ليقتله ففر ولحق بقبيلته، انظر مجمع الأمثال للميداني ١/ ٣٣٣. ورقم المثل (١٧٨٧) .
- ٥قال القسطلاني في إرشاد الساري شرح البخاري ٧/ ٢٥٧، دار الكتاب العربي، بيروت، عبد الله بن أبي ابن سلول برفع ابن لأنه صفة لعبد الله، لا لأبي وسلول غير منصرف للتأنيث والعلمية، لأنها أمه.
- ٦حدبا على ابن أبي: أي عطفا عليه.
- ٧هذه الكلمة قالها أيضا سعد بن عبادة عندما عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر ص ١٥٢ مما تقدم.
- *البخاري ٦/ ١٢٨، كتاب التفسير، باب قوله: يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ومسند الحميدي ٢/ ٥١٩.
- *عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي ١٢/ ٢٠٤ وانظر شرح ثلاثيات مسند أحمد لمحمد السفارني ٢/ ٤١٢- ٤١٣.
- *لأرعدت له آنف: أي انتفخت واضطربت أنوفهم حمية وعصبية.
- *سيرم ابن هشام ٢/ ٢٩٠- ٢٩٣.
"الحديث رجاله ثقات، ولكنه مرسل" . وأورده ابن جرير الطبري من هذه الطريق نفسها ١.
- ١تاريخ الطبري٢/ ٦٠٥.
وله شاهد عند ابن أبي حاتم من مرسل عروة بن الزبير، وعمر بن ثابت الأنصاري.
وهو مرسل جيد كما قال ابن حجر ١. وهو أيضا عند ابن أبي شيبة من مرسل عروة وحده ٢.
- ١فتح الباري ٨/ ٦٤٩، وانظر تفسير ابن كثير ٤/ ٣٧١.
- ٢الدر المنثور للسيوطي ٦/ ٢٢٥.
وأصله في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم وجابر بن عبد الله ١. وبهذا يكون الحديث حسنا لغيره.
- ١انظر ص ١٧١- ١٧٤ وما بعدها.
والحكمة ظاهرة من أمره صلى الله عليه وسلم بالرحيل في وقت غير معتاد، وهي أن ترك مثل هذا الخبر ينتشر في الجيش يسبب بلبلة في الأفكار، ويثير القيل والقال مما ويصرف أذهان الجند الإسلامي إلى مهاترات كلامية، لا تحمد عقباها، فكانت مسيرة الجيش المتصلة ليلا ونهارا، مما أجهدهم، حتى وقعوا نياما، فمسح النوم العميق بعد النصب الشديد آثار الفتنة.
وهذا منهج في سياسة الأمور ينبغي أن يسلكه القادة الراشدون في كل زمان ومكان.
المبحث الخامس: موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه
١- ما رواه ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبد الله أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغنك عنه، فإن كنت لابد فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر، فأدخل النار "، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا ".
وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه، ويعنفونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه من شانهم: "كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله، لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته ". قال: قال عمر: "قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري "١.
ومن طريقه رواه ابن جرير الطبري وابن كثير ١.
- ١تفسير الطبري ٢٨/ ١١٦، والتاريخ ٢/ ٦٠٨، وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٧٢، والبداية والنهاية ٤/ ١٥٨.
٢- ما رواه الحميدي: حدثنا سفيان ١ قال: ثنا أبو ٢ هارون المدني قال: قال عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول لأبيه: "والله لا تدخل المدينة أبدا حتى تقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز وأنا الأذل "، قال: وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد أن تقتل أبي، فوالذي بعثك بالحق ما تأملت وجهه قط هيبة له، وإن شئت أن آتيك برأسه، أتيتك، فإني أكره أن أرى قاتل أبي"٥.
- ١هو ابن عيينة وذلك لأن الحميدي كان رئيس أصحاب ابن عيينة، انظر تهذيب التهذيب ٥/ ٢١٥.
- ٢هو موسى بن أبي عيسى الحناط، بمهملة ونون ثقيلة آخره مهملة الغفاري، أبو هارون المدني، مشهور بكنيته واسم أبيه ميسرة، ثقة، من السادسة/ خت م د ق. التقريب ٢/ ٢٨٧.
٣- ورواه الطبراني من طريق عروة بن الزبير ولفظه: أن عبد الله ابن عبد الله بن أبي استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل أباه، قال: "لا تقتل أباك" ١. قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح" ، إلا أن عروة بن الزبير لم يدرك عبد الله بن عبد الله بن أبي. قلت: وذلك لأن عبد الله بن عبد الله بن أبي، قتل في خلافة أبي بكر الصديق سنة اثنتي عشرة، كما ذكر ذلك ابن سعد وابن الأثير وابن حجر ١. وكانت ولادة عروة في خلافة عمر بن الخطاب ٢.
- ١انظر طبقات ابن سعد ٣/ ٥٤٢، وأسد الغابة ٣/ ٢٩٨، والإصابة ٢/ ٣٣٦.
- ٢انظر تهذيب التهذيب ٧/ ١٨٣- ١٨٤. والتقريب ٢/ ١٩.
- *سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٢- ٢٩٣.
- *مسند الحميدي ٢/ ٥٢٠، وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٧٢.
فتكون ولادته بعد وفاة عبد الله.
٤- ورواه البزار من حديث أبي هريرة ولفظه: قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي وهو في ظل أطم ١، فقال، عبر علينا ابن أبي كبشة ٢، فقال: ابنه عبد الله بن عبد الله: يا رسول الله، والذي أكرمك، لئن شئت أتيتك برأسه، فقال: "لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته" ٦. قال الهيثمي: "رجاله ثقات" .
- ١الأطم: بالضم: بناء مرتفع، وجمعه آطام، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير١/٥٤.
- ٢ابن أبي كبشة: يريد به النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن حجر: "قال ابن قتيبة والخطابي والدارقطني: هو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأوثان فعبد الشعرى فنسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إليه للاشتراك في مطلق المخالفة"، ثم قال ابن حجر: "وكذا قاله ابن الزبير قال: واسم هذا الرجل: وجز بن عامر بن غالب وقيل غير ذلك". وقد ورد في حديث أبي سفيان عند هرقل لما سأله عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان لما خرجوا من عند هرقل وسمع منه تعظيمه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لقد أمر أمر ابن أبي كبشة". انظر صحيح البخاري ١/٦- ٧ (باب كيف كان بدء الوحي) ، وفتح الباري ١/ ٤٠.
٥- ما أورده ابن كثير بقوله: وذكر عكرمة ١ وابن زيد ٢ وغيرهما أن الناس لما قفلوا راجعين على المدينة وقف عبد الله بن عبد الله هذا على باب المدينة واستل سيفه فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبو عبد الله ابن أبي، قال له ابنه وراءك؟ فقال مالك ويلك؟ فقال: "والله لا تجوز من ههنا حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه العزيز وأنت الذليل" ، قلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إنما يسير ساقة فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال ابنه عبد الله: "والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له" ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أما إذا أذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجز الآن" ١. قلت: وهو منقطع أيضا وذلك لما تقدم من أن وفاة عبد الله بن عبد الله بن أبي، كانت سنة اثنتي عشرة، وعكرمة أقل ما قيل في وفاته أنها سنة (١٠٤) وكان عمره ثمانين سنة، فتكون ولادته سنة أربع وعشرين بعد وفاة عبد الله باثنتي عشرة سنة ٣، وبهذا تكون الأحاديث الأربعة منقطعة، ولكن بمجموعها يؤيد بعضها بعضا وترتقي إلى درجة الحسن لغيره.
- ١عكرمة بن عبد الله، مولى ابن عباس، أصله بربري، ثقة ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، من الثالثة، (ت١٠٧) وقيل بعدها/ ع. التقريب ٢/ ٣٠.
- ٢هو محمد بن يزيد بن المهاجر بن قنفذ، بضم القاف والفاء بينهما نون ساكنة وآخره ذال عجمة، التيمي، المدني، ثقة، من الخامسة/م عم. المصدر السابق٢/ ١٦٢.
- ٣انظر تهذيب التهذيب ٧/ ٢٧١.
- *مجمع الزوائد ٩/ ٣١٨.
- *مجمع الزوائد ٩/ ٣١٨.
ويقويها ما رواه الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول: "كنا في غزاة قال سفيان يرون أنها غزوة بني المصطلق فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار" . الحديث ...
وفي آخره، وقال غير عمرو فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز ففعل. "هذا حديث حسن صحيح" ٣.
والحديث أخرجه الشيخان دون هذه الزيادة، وقد تقدم ١. ومجموع هذه الروايات المختلفة يبرز لنا موقفا صلبا قويا من مواقف العقيدة الإسلامية إذا تمكنت من قلب المسلم ورسخت فيه، ذلك لأن بناء الشخصية الإسلامية على هذه العقيدة يخرج للبشرية نمطا فريدا من الناس يتحدون جميع الروابط والأواصر التي عهدها البشر في أعرافهم وتقاليدهم ومذاهبهم الاجتماعية، وتكون الآصرة الوحيدة في حياة المسلم هي آصرة العقيدة وحدها، ومن هنا نفهم ما ورد في التاريخ الإسلامي من رسوخ المسلم وثباته في وجه أبيه وأخيه الكافرين ولو أدى به ذلك إلى قتلهما، لأن أغلى شيء يملكه المسلم هو عقيدته، فإذا وقف في سبيل الدعوة إليها عرف اجتماعي أو رابطة قبلية أو مذاهب تقليدية، تحداها المسلم بعزم وإصرار.
- ١انظر ص ١٧٥، وما بعدها.
- *تفسير ابن كثير ٤/ ٣٧٢، وتاريخه ٤/ ١٥٨.
- *الترمذي ٥/ ٩٠، كتاب التفسير.
ومن ذلك هذا الموقف المشرف الذي وقفه عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه عبد الله بن أبي ابن سلول، حتى وصل به الأمر إلى مراودة الرسول صلى الله عليه وسلم واستئذانه في قتله إن كان يحب ذلك.
وليس في الدنيا مذهب يخلق هذا النوع الفريد من التفاني في سبيل المبدأ أو العقيدة وتلك معجزة عقيدة الإسلام التي يفتقر إليها الناس في كل زمان ومكان، وهي وحدها الكفيلة بسعادة البشرية ووحدتها وقوتها فما أحوجها إلى مثل هذا الغرس الطيب لينشأ جيل فريد في تصوره الإسلامي، وسلوكه العملي في واقع الحياة، لانتشال شباب الأمة الإسلامية من وهده الضلال إلى قمة العقيدة الإسلامية واستعلائها. ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، [سورة آل عمران، من الآية: ١٣٩] .
ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، [سورة المجادلة، الآية: ٢٢] . قال ابن كثير: "قوله ﴿وَلَو كَانُوا آبَاءَهم﴾ نزلت في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر. ﴿أَوْ أَبْنَاءَهَم﴾ نزلت في أبي بكر الصديق هم صلى الله عليه وسلم يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن، ﴿أَوْ إِخْوَانَهُم﴾ في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ، ﴿أَوْ عَشِيْرَتَهُم﴾ في عمر بن الخطاب قتل قريبا له يومئذ.
وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا: عقبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ وهو من عشيرتهم"١.
- *تفسير ابن كثير ٤/ ٣٢٩.
المبحث السادس: هبوب العاصفة في طريق العودة من المريسيع
ذكر ابن إسحاق في حديثه الطويل الذي يرويه عن مشايخه: عاصم ابن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة بني المصطلق سلك بالناس طريق الحجاز، حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع ١ يقال له: نقعاء، فلما راح رسول الله صلى الله عليه وسلم هبت ريح شديدة آذتهم، وتخوفوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تخافوها فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار" ، فلما قدموا المدينة، وجدوا رفاعة بن زيد ابن التابوت أحد بني قينقاع، وكان عظيما من عظماء يهود، وكهفا للمنافقين، مات في ذلك اليوم، الحديث ٢ ...
- ١النقيع من ديار مزينة، وكان طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق، ونقعاء: موضع فوق النقيع، وبين النقيع والمدينة عشرون فرسخا، معجم البلدان لياقوت ٥/ ٢٩٩ و٣٠١. قلت: وهو يقدر ب ١٠٠ كيلومتر لأن الفرسخ يعادل خمس كيلوات. انظر نسب حرب ص ٣٨٩.
- ٢سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٢.
والحديث عند ابن جرير الطبري من هذه الطريق ١. وكذا أورده ابن كثير من هذه الطريق أيضا، وزاد: وهكذا ذكر موسى بن عقبة والواقدي، ثم قال: وروى مسلم من طريق الأعمش عن أبي سفيان ٢ عن جابر، نحو هذه القصة، إلا أنه لم يسم الذي مات من المنافقين، قال: هبت ريح شديدة، والنبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فقال: "هذه لموت منافق" ، فلما قدمنا المدينة إذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين. انتهى ٣. قلت: حديث مسلم المشار إليه هو: حدثني أبو كريب ٤ محمد بن العلاء حدثنا حفص ٥ (يعني بن غياث) عن الأعمش ٦، عن أبي سفيان، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بعثت هذه الريح لموت منافق" ، فلما قدم المدينة، فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات ٧.
- ١تفسير الطبري ٢٨/ ١١٥- ١١٦، وتاريخه ٢/ ٦٠٤- ٦٠٧.
- ٢أبو سفيان: هو طلحة بن نافع، أبو سفيان الإسكاف، نزيل مكة، صدوق من الرابعة /ع. تقريب التذيب ١/ ٣٨٠.
- ٣البداية والنهاية ٤/ ١٥٨.
- ٤تقدمت ترجمته.
- ٥حفص بن غياث بمعجمة مكسورة، وياء ومثلثة، ابن طلق بن معاوية النغعي، أبو عمر الكوفي، القاضي، ثقة فقيه، تغير حفظه قليلا في الآخر، من الثامنة، (ت١٩٤) / ع. التقريب ١/ ١٨٩.
- ٦سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي، الأعمش، ثقة حافظ، عارف بالقراءة ورع، لكنه يدلس، من الخامسة، (ت١٤٧أو١٤٨) /ع. المصدر السابق١/ ٣٣١.
- ٧مسلم ٨/ ١٢٤، كتاب صفة المنافقين.
وأورده عبد بن حميد من هذه الطريق وسمى المنافق رافع بن التابوت وهذا نصه: حدثنا إبراهيم ١ بن الأشعث، ثنا فضيل ٢ بن عياض عن سليمان ٣، عن أبي سفيان، عن جابر - رضي الله عنه - "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فهاجت ريح تكاد تدفن الراكب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هبت هذه الريح لموت منافق" ، فلما رجعنا إلى المدينة وجدنا مات في ذلك اليوم منافق عظيم النفاق، فسمعت بعد يقولون هو رافع بن التابوت ٤.
- ١إبراهيم بن الأشعث خادم الفضيل، وثقه ابن حبان، والحاكم وضعفه أبو حاتم: لسان الميزان ١/ ٣٦.
- ٢فضيل بن عياض بن مسعود أبو علي الزاهد المشهور، أصله من خراسان وسكن مكة ثقة، عابد إمام ن من الثامنة، (ت١٨٧) وقيل قبلها/ خ م د ت س. المصدر السابق ٢/ ١١٣.
- ٣سليمان: هو الأعمش.
- ٤مسند عبد بن حميد ٢/ ١٣٥ ق. أ.
١- من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.
٢ و ٣- ومن طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، وبين في طريق ابن لهيعة جهة السفر الذي عصفت فيه الريح.
وهذا نص الحديث: حدثنا حسن ١، ثنا ابن لهيعة، ثنا أبو الزبير، عن جابر أنهم غزوا فيما بين مكة والمدينة، فهاجت عليهم ريح شديدة حتى دفعت الرجال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا لموت المنافق" ، فرجعنا إلى المدينة فوجدنا منافقا عظيم النفاق قد مات ٢.
- ١الحسن بن موسى الأشيب بمعجمة، ثم تحتانية أبو علي البغدادي، قاضي الموصل وغيرها، ثقة من التاسعة، (ت٢٠٩) /ع. التقريب ١/ ١٧١.
- ٢مسند أحمد ٣/ ٣١٥ و ٣٤١ و ٣٤٦.
أ- من طريق جابر بن عبد الله وهذا نصه: حدثني خارجة بن الحارث، عن عباس ١ بن سهل، عن جابر بن عبد الله قال: كانت الريح يومئذ أشد ما كانت قط، إلى أن زالت الشمس، ثم سكنت آخر النهار، قال جابر: فسألت حين قدمت قبل أن أدخل بيتي، من مات؟ فقالوا: زيد بن رفاعة بن التابوت.
- ١عباس بن سهل بن سعد الساعدي، ثقة، من الرابعة، (ت١٢٠) ، وقيل قبل ذلك / خ م د ت ق. التقريب ١/ ٣٩٧.
وذكر أهل المدينة أنهم وجدوا مثل ذلك من شدة الريح حتى دفن عدو الله فسكنت الريح ١.
- ١مغازي الواقدي ٢/ ٤٢٣.
ب- من حديث رافع بن خديج: حدثني عبيد الله ١ بن الهرير عن أبيه ٢، عن رافع بن خديج، قال: لما رجعنا من المريسيع قبل الزوال كان الجهد بيننا يومنا وليلتنا الحديث طويل وفيه "ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس مبرداً، فنزل من الغد ماء يقال له نقعاء فوق النقيع، وسرح الناس ظهرهم، فأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق الناس منها، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخافوا أن يكون عيينة بن حصن خالف إلى المدينة، وقالوا: لم تهج هذه الريح إلا من حدث وإنما بالمدينة الذراري والصبيان، وكانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين عيينة بن حصن مدة، فكان ذلك حين انقضائها، فدخلهم أشد الخوف، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفهم، فقال: " ليس عليكم بأس منها، ما بالمدينة من نقب ٣ إلا عليه ملك يحرسه، وما كان ليدخلها عدو حتى تأتوها، ولكنه مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة، فلذلك عصفت الريح، وكان موته للمنافقين غيظا شديدا"، وهو زيد بن رفاعة بن التابوت، مات ذلك اليوم ٣.
- ١عبيد الله بن الهرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري، الحارثي، المدني، مستور، من السابعة، /د. التقريب ١/ ٥٤٠.وفي تهذيب التهذيب ٧/ ٥٤ روى عن أبيه وعمرو بن عبيد الله بن حنظلة، وعنه ابن أبي فديك والواقدي، قال البخاري: حديثه ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان في الثقات. وفي ميزان الاعتدال: ٣/ ١٦- ١٧، ما رأيت من وثقه.
- ٢هرير مصغرا ابن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري المدني، مقبول من الخامسة، /د. المصدر السابق ٢/ ٣١٧، وفي تهذيب التهذيب ١١/ ٢٩، وثقه ابن معين وابن حبان، وقال الأزدي يتكلمون في حديثه.
- ٣مغازي الواقدي ٢/ ٤٢٢.
ج- ومن حديث عبادة بن الصامت: حدثني عبد الحميد ١ بن جعفر عن أبيه ٢ قال: قال عبادة بن الصامت ٣ يومئذ لابن أبي: "أبا حباب ٤، مات خليلك! " . قال: "أي أخلائي؟ " قال: "من موته فتح للإسلام وأهله" ، قال: "من؟ " قال: "زيد بن رفاعة ابن التابوت" . قال: "يا ويلاه، كان والله وكان! " فجعل يذكر ٥، فقلت: "اعتصمت بالذنب الأبتر" ٥، قال: "من أخبرك يا أبا الوليد بموته؟ " قلت: "رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا الساعة أنه مات هذه الساعة" ، قال: "فأسقط في يديه وانصرف كئيبا حزينا" ، قالوا: "وسكنت الريح آخر النهار، فجمع الناس ظهورهم" ٦.
- ١عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم، من السادسة، (ت١٥٣) ، /خت م عم. التقريب ١/ ٤٦٧.
- ٢هو جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاري والد عبد الحميد، ثقة، من الثالثة/ بخ م عم. التقريب ١/ ١٣١.
- ٣عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري، الخزرجي أبو الوليد المدني، أحد النقباء، بدري مشهور، مات بالرملة سنة ٣٤ وله ٧٢ سنة، وقيل عاش إلى خلافة معاوية /ع. المصدر السابق ١/ ٣٩٥.
- ٤أبو حباب: كنية عبد الله بن أبي ابن سلول، بابنه عبد الله بن عبد الله، كان اسمه حبابا فكان يكتني به، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، وكان من خيرة الصحابة، انظر الاستعياب لابن عبد البر ٢/ ٣٣٥، والإصابة لابن حجر ٢/ ٣٣٥- ٣٣٦. وأسد الغابة لابن الأثير ٣/ ٢٩٦، وقد ورد النهي عن تسمية حباب، فروى ابن سعد بسند مرسل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان اسمه حبابا، فقال: "أنت عبد الله، فإن حبابا اسم شيطان"، وأورد أيضا من مرسل عروة بن الزبير وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعامر الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الحباب: شيطان"، انظر طبقات ابن سعد ٣/ ٥٤١، والبداية والنهاية لابن كثير ٦/٣٣٨.
- ٥أي يعدد محاسنه.
- *النقب: الطريق بين جبلين. غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١٠٢.
مناقشة الأحاديث: حديث ابن إسحاق مرسل ورجاله ثقات.
- *الأبتر: المقطوع، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ٩٣.
- *مغازي الواقدي ٢/ ٤٢٣.
وحديث مسلم وعبد بن حميد فيهما الأعمش وأبو سفيان، والأعمش مدلس وقد عنعن ١، وقد وضعه ابن حجر في المرتبة الثانية من طبقات المدلسين وهي المرتبة التي احتمل الأئمة تدليسهم.
- ١وقد صرّح الأعمش بالتحديث عند أبي يعلى ٢/٢٣٤. وهذا نصّ الحديث: ثنا ابن نمير - محمّد بن عبد الله - ثنا محاضر - ابن مورع - ثنا الأعمش، ثنا أبو سفيان عن جابر، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فهاجت ريح تكاد تدفن الراكب. ثم ساق الحديث كسياق مسلم.
وهذا نص كلامه: "الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى، كالثوري، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة" ٢. وقال النووي في تقريبه: "وما كان في الصحيحين وشبههما عن المدلسين بعن محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى" ٣.
وأما أبو سفيان: "فقال أبو خيثمة ١ عن ابن عيينة ووكيع عن شعبة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة" ، وقال أبو حاتم ٢: "عن شعبة أيضان لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث، وكذا قال علي ابن المديني" . قال ابن حجر: "ولم يخرج البخاري له سوى أربعة أحاديث عن جابر وأظنها التي عناها شيخه علي ابن المديني. منها حديثان في الأشربة والثالث في الفضائل حديث اهتز العرش - يعني لموت سعد بن معاذ - مقرونا بأبي صالح ٣، والرابع في تفسير سورة الجمعة قرنه بسالم بن أبي الجعد". انتهى كلام ابن حجر ٤.
- ١هو زهير بن حرب بن شداد، أبو خيثمة النسائي، نزيل بغداد، ثقة ثبت من العاشرة، (ت٢٣٤) / خ م د س ق. التقريب ١/ ٢٦٤.
- ٢أبو حاتم: هو محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي أحد الأئمة الأعلام (ت٢٧٧) ، ومقدمة علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ٨.
- ٣هو ذكوان السمان.
- ٤تهذيب التهذيب ٥/ ٢٧، وانظر الأحاديث الأربعة في البخاري ٥/ ٣٠، كتاب الفضائل (باب مناقب سعد بن معاذ) و٦/ ١٢٦ كتاب التفسير و٧/ ٩٤، كتاب الأشربة باب شرب اللبن.
- *طبقات المدلسين لابن حجر ص (٢٣) .
- *تقريب النووي ص ١٤ (تدريب الراوي) انظر فتح المغيث للسخاوي١/ ١٧٦.
وعلى هذا فرواية أبي سفيان عن جابر بطريق الوجادة، وهي مختلف في الاحتجاج بها لأنها من قبيل المنقطع ١.
- ١انظر تقريب النووي ٢٨١- ٢٨٤ (تدريب الراوي) .
ولكن قد تابعه أبو الزبير في جابر بن عبد الله وصرح بإخبار جابر له عند أحمد في مسنده ١.
- ١مسند الإمام أحمد ٣/ ٣٤٦.
وبهذا يكون الحديث قد ورد مرسلا عند ابن إسحاق ورجاله ثقات ووصله مسلم وأحمد وعبد بن حميد والواقدي. فيكون حديث ابن إسحاق عندئذ حسنا لغيره.
الفصل الثالث: إختلاق المنافقين حادثة الإفك
حاك المنافقون في هذه الغزوة حادثة الإفك بعد أن فشل كيدهم في المحاولة الأولى لإثارة النعرة الجاهلية. وقد تضمن حديث مسلم سياق القصة وبيانها أحسن بيان، وهذا نصه: حدثنا حبان ١ بن موسى أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا يونس ٢ بن يزيد الأيلي، ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ومحمّد ابن رافع وعبد بن حميد، قال ابن رافع: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر ٣، والسياق حديث معمر من رواية عبد وابن رافع، قال يونس ومعمر جميعا عن الزهري: أخبرني سعيد ٤ بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة ٥ بن وقاص وعبيد الله ٦ بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا.
- ١حبان بكسر المهملة بعدها موحدة، ابن موسى بن سوار: بفتح السين المهملة بعدها واو ثقيلة مفتوحة، السلمي، أبو محمد المروزي، ثقة من العاشرة، (ت٢٣٣) / خ م ت س. التقريب ١/ ١٤٧.
- ٢يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي، بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام، أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة (ت١٥٩) على الصحيح/ع. المصدر السابق٢/٣٨٦.
- ٣تقدمت تراجم بقية رجال الإسناد.
- ٤سعيد بن المسيب بن حزن بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي بعدها نون، ابن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، الفقهاء الكبار، من كبار الثانية، (ت بعد التسعين/ع. التقريب١/ ٣٠٥) .
- ٥علقمة بن وقاص بتشديد القاف الليثي المدني، ثقة ثبت من الثانية، أخطأ من زعم أن له صحبة، وقيل إنه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، (ت في خلافة عبد الملك) / ع. المصدر السابق ٢٠/ ٣١.
- ٦هو أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه، ثبت من الثالثة، (ت٩٤ وقيل ٩٨ وقيل غير ذلك) / ع. المصدر السابق١/ ٥٣٥.
وكلهم حدثني ١ طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصا، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضا، ذكروا أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه" ، قالت عائشة: "فأقرع بيننا في غزوة غزاها ٢ فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعدما أنزل الحجاب ٣، فأنا أحمل في هودجي ٤، وأنزل فيه مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل" .
- ١هو من قول الزهري، كما في رواية فليح عن الزهري، قال الزهري: وكلهم حدثني طائفة من حديثها انظر البخاري ٣/ ١٥١ كتاب الشهادات (باب تعديل النساء بعضهن بعضا) وتاريخ ابن شبة ١/١٠١ ومسند أبي يعلى ٤/ ٤٤٤.
- ٢في غزوة غزاها: هي غزوة بني المصطلق كما هو عند ابن إسحاق من رواية عباد ابن عبد الله بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، ومن طريق ابن إسحاق أخرجها ابن جرير الطبري. وعند أبي يعلى من رواية صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة وابن المسيب وعلقمة وعبيد الله ولفظه: "قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمي عليهن فخرج بي رسول الله صلى الله عليه وسلم". انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٧ وتاريخ الطبري ٢/ ٦١١ وتفسيره ١٨/ ٩٣ ومسند أبي يعلى ٤/ ٤٥٠ وانظر فتح الباري ٨/ ٤٥٨، وسيأتي بحث القرعة في الأحكام ص ٣١٨.
- ٣تقدم الكلام على وقت نزول الحجاب ص ٩٤.
- ٤الهودج: مركب النساء. انظر القاموس المحيط١/ ٢١٢. وفي فتح الباري٨/ ٤٥٨. الهودج: بفتح الهاء والدال بينهما واو ساكنة وآخره جيم: محمل له قبة تستر بالثياب ونحوه، يوضع على ظهر البعير يركب فيه النساء ليكون أستر لهن.
فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحيل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ١ ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني اتغاؤه، وأقبل الرهط ٢ الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، قالت وكانت النساء إذ ذاك خفاف لم يهبلن ٣ ولم يغشن ٤ اللحم إنما يأكلن العلقة ٥ من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل ٦ الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني، فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس ٧ من وراء الجيش فادلج ٨، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي، فاستيقظت باسترجاعه ٩ حين عرفني، فخمرت ١٠ وجهي بجلبابي، ووالله ما يكلمني ١١ كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين ١٢ في نحر الظهيرة ١٣، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول".
- ١جزع ظفار: بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها مهملة، في رواية فليح بن سليمان عن الزهري ((من جزع أظفار)) بزيادة الف انظر البخاري ٣/ ١٥٢ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا. ومسند أبي يعلى ٤/ ٤٤٤. قال ابن بطال: الرواية (أظفار) بألف وأهل اللغة لا يعرفونه بألف، ويقولون: (ظفار) وقال القرطبي: "وقع في بعض راوايات مسلم (أظفار) وهي خطأ"، قال ابن حجر: معقبا على هذا قلت: لكنها في أكثر روايات أصحاب الزهري، حتى إن في رواية صالح ابن أبي الأخضر، عند الطبراني "جزع الأظافير" إلى أن قال: وإن ثبتت الرواية "أنه جزع أظفار" فلعل عقدها كان من الظفر أحد أنواع القسط وهو طيب الرائحة يتبخر به، فلعله عمل مثل الخرز، فأطلقت عليه جزعا تشبيها به، ونظمته قلادة إما لحسن لونه، أو لطيب رائحته، وقد حكى ابن التين: أن قيمته كانت اثني عشر درهما وهذا يؤيد أنه ليس جزعا ظفاريا، إذا لو كان كذلك لكانت قيمته أكثر من ذلك انظر فتح الباري ٨/ ٤٥٩. والجزع: هو الخرز اليماني الصيني فيه سواد وبياض تشبع الأعين، وظفار "بوزن قطام وهي مبنية على الكسر، اسم مدينة لحمير باليمن". انظر النهاير في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ٢٦٩ والقاموس المحيط ٣/ ١٢، وشرح مسلم للنووي ٥/ ٦٣٠، وفتح الباري ٨/ ٤٥٩.
- ٢الرهط من الرجال ما دون العشرة وقيل إلى الأربعين ولا تكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أرهط وأرهاط وأراهط جمع الجمع. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٢٨٣. وقال ابن حجر: "لم أعرف منهم هنا أحدا إلا أن في رواية الواقدي أن أحدهم أبو موهوبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند البلاذري: شهد أبو مويهبة غزوة المريسيع وكان يقود بعير عائشة، وكان من مولدي مزينة، وكأن الأصل أبو موهوبة ويصغر فيقال: أبو مويهبة". فتح الباري ٨/ ٤٥٩. وانظر مغازي الواقدي ٢/ ٤٢٦ وأنساب الأشراف للبلاذري ص ٤٨٨.
- ٣يهبلن: بضم التحتانية وتشديد الموحدة أي لم يكثر عليهن اللحم، يقال هبله اللحم إذا كثر عليه وركب بعضه بعضا. (ابن الأثير: النهاية ٥/ ٢٤٠) .
- ٤لم يغشهن اللحم: أي لم يغط اللحم بعضه بعضا، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٢٤٠ و٣/ ٣٦٩ ومختار الصحاح ص ٦٨٩ و ٤٧٥. وفي رواية فليح: "لم يثقلن ولم يغشهن اللحم" البخاري ٣/ ١٥٢ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا وابن شيبة ١/ ١٠١ وأبي يعلى ٤/ ٤٤٤ وفي رواية الليث عن يونس: "لم يثقلهن اللحم" البخاري ٦/ ٨٥ كتاب التفسير وقال ابن أبي جمرة: ليس هذا تكرار لأن كل سمين ثقيل من غير عكس، لأن الهزيل قد يمتلئ بطنه طعاما فيثقل بدنه، فأشارت إلى أن المعنيين لم يكونا في نساء ذلك الزمان. فتح الباري ٨/ ٤٥٩- ٤٦٠.
- ٥العلقة: بضم المهملة وسكون اللام من الطعام: أي البلغة منه، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٢٨٩.
- ٦في رواية الليث عن يونس "فلم يستنكر القوم خفة الهودج"، البخاري ٦/ ٨٥ كتاب التفسير قال ابن حجر: وهو أوضح لأن مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه، فكأنها تقول: كأنها لخفة جسمها بحيث إن الذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجودها فيه وعدمها، ولهذا أردفت ذلك بقولها: وكنت جارية حديثة السن، أي أنها مع نحافتها صغيرة السن فذلك أبلغ في خفتها. فتح الباري ٨/٤٦٠.
- ٧عرس: التعريس هو نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٢٠٦.
- ٨فادلج: بالتشديد سار آخر الليل. المصدر السابق ٢/ ١٢٩. يقال: أدلج بالتخفيف إذا سار أول اليل، وادلج بالتشديد إذا سار من آخره.
- ٩باسترجاعه: أي قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون. كما صرحت بذلك رواية ابن إسحاق انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٨.
- ١٠فخمرت وجهي: أي غطيته. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٧٧.
- ١١قال ابن حجر: عبرت بهذه الصيغة إشارة إلى أنه استمر منه ترك المخاطبة لئلا يفهم لو عبرت بصيغة الماضي اختصاص النفي بحال الاستيقاظ، فعبرت بصيغة المضارعة. انظر فتح الباري ٨/ ٤٦٣.
- ١٢موغرين: الوغرة: بسكون الغين المعجمة شدة الحر. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٢٠٨. وكذا فسرها عبد الرزاق بقوله: الوغرة شدة الحر، عندما سأله عبد بن حميد بقوله: ما قوله موغرين، انظر صحيح مسلم ٨/ ١١٨، كتاب التوبة وفي رواية فليح بن سليمان "معرسين" بدل موغرين، انظر البخاري ٣/ ١٥٢ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا ومسند أبي يعلى ٤/ ٤٤٤ وفي غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٢٠٦ "أن التعريس هو نزول المسافر آخر الليل" ولكن قال ابن زيد: التعريس النزول في السفر في أي وقت كان فيحمل الحديث على هذا، قال ابن حجر: وروى "موغرين: والتغوير النزول في وقت القائلة". انظر فتح الباري ٨/ ٤٦١ و ٤٦٤ وفي صحيح مسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان "موعرين" بعين وراء مهملتين. قال النووي: روايته بالعين ضعيف. شرح مسلم للنووي ٥/ ٣٦١. لكن قال ابن حجر: بأن رواية يعقوب بن إبراهيم عند مسلم إنما هي "موعزين" بعين مهملة وزاي، قال "ووجهها القرطبي بقوله: كأنه من وعزت إلى فلان بكذا أي تقدمت والأول أولى -يعني موغرين - وصحفه بعضهم بمهملتين وهو غلط". فتح الباري ٨/ ٢٦٣ قلت: الرواية في صحيح مسلم الموجود بأيدينا "موعرين"بعين وراء مهملتين. وقول النووي بأنه ضعيف أولى من قول القرطبي بأنه تصحيف، وذلك أن في القاموس المحيط ٢/ ١٥٥"وعر صدره لغة في وغر".
- ١٣نحر الظهيرة: أولها وفي القاموس المحيط ٢/ ١٣٩ نحر النهار والشهر أوله.
فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك ١، وهو يريبني ٢ في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف ٣ الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسلم ثم يقول: "كيف تيكم؟ " فذاك يربيني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت ٤ وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع ٥، وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف ٦ قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه ٧ وكنا نتأذى بالكنف ٨ أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح ٩، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح ١٠ بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا ١١ من شأننا.
- ١وفي رواية ابن إسحاق من حديث عباد وعمرة عن عائشة، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبوي ولا يذكرون لي قليلا ولا كثيرا، انظر: سيرة ابن هشام٢/٢٩٩،ومن طريقه أخرجه ابن جرير الطبري في التاريخ٢/٦١٣.
- ٢يريبني: يشككني، يقال: رابني الشيء وأرابني بمعنى شككني. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٢٨٦.
- ٣في رواية ابن إسحاق "كنت إذا اشتكيت وحمني ولطف بي، فلم يفعل ذلك بي، في شكواي تلك، فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني، قال: "كيف تيكم" لا يزيد على ذلك". سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٩.
- ٤نقه المريض من باب طرب وخضع إذا برأ وأفاق وكان قريب العهد بالمرض، ولم يرجع إليه كمال صحته وقوته. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١١١ والقاموس المحيط ٤/ ٢٩٤. ومختار الصحاح ص ٦٧٨. وعند ابن إسحاق حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة. سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٩.
- ٥المناصع: المواضع التي يتخلى فيها لقضاء الحاجة واحدها منصع كمقعد. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٦٥ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/ ٨٩ وفي فتح الباري ١/ ٢٤٩ "المناصع أماكن معروفة من ناحية البقيع".
- ٦الكنف: جمع كنيف، المكان الساتر وأرادت به هنا المكان المعد لقضاء الحاجة. القاموس المحيط ٣/ ١٩٢ ومختار الصحاح ص ٥٨٠.
- ٧التّنَزه: البعد لقضاء الحاجة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٤٣ وعند ابن إسحاق: وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم، نعافها ونكرهها، وإنما كنا نذهب في فسح المدينة. سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٩
- ٨نتأذى: أي نتقذر.
- ٩قال ابن عبد البر: اسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم وهي ابنة خالة أبي بكر الصديق. وقيل - أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف - وأمها ريطة بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق. والظاهر أنها سلمى بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، واسم أبي رهم أنيس مكبرا لا سلمى بنت صخر فإن هذا نسب أم أبي بكر الصديق خالة أم مسطح وهي سلمى بنت صخر بن عامر ... الخ ووالدة أم مسطح اسمها ريطة بنت صخر بن عامر بن سعد بن تيم، وقال ابن حجر: رائطة حكاه أبو نعيم. انظر الاستيعاب على هامش الإصابة ٣/ ٤٩٤ وطبقات ابن سعد ٨/ ٢٢٨ و ٣/ ٥٣ و ١٦٩ وأسد الغابة لابن الأثير ٤/ ٣٠٨ و٥/ ١٥٦ و٧/ ٣٢٦ و٣٩٣. وفتح الباري ٨/ ٤٦٥.
- ١٠مسطح: بمكسور وسكون سين وطاء مهملة- لقب واسمه عوف يكنى أبا عباد وقيل أبا عبد الله، (ت٣٤) في خلافة عثمان، ويقال عاش إلى خلافة علي رضي الله عنه وشهد معه صفين ومات سنة ٣٧، انظر الاستيعاب ٣/ ٤٩٤ وأسد الغابة ٤/ ٣٠٨ و ٥/ ١٥٦ والإصابة ٣/ ٤٠٨ وفتح الباري ٨/ ٤٦٥.
- ١١ظاهر هذا الحديث وحديث البخاري من رواية يونس عن الزهري ٦/ ٨٥ كتاب التفسير "أن أم مسطح عثرت بعد أن قضت عائشة حاجتها ثم أخبرتها الخبر"، لكن في حديث أبي أسامة عن هشام بن عروة وفيه: "أن أم مسطح عثرت ثلاث مرات في كل مرة تقول لها عائشة: تسبين ابنك وفي الثالثة انتهرتها عائشة، فقالت: "والله ما أسبه إلا فيك"، فقلت: "في أي شأني"، قالت: "فبقرت لي الحديث" فقلت: "وقد كان هذا؟ " قالت:"نعم والله". "فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلا ولا كثيرا" وفي رواية ابن إسحاق "فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت" وفي رواية ابن حاطب عن علقمة بن وقاص "فذهب عني الذي خرجت له حتى ما أجد منه شيئا" انظر البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه وتفسير الطبري ١٨/ ٩٣و ٩٥ وسيرة ابن هشام قال ابن حجر: "ويجمع بين الأحاديث بأن معنى قولها: قد فرغنا من شأننا أي المسير، لا من قضاء الحاجة". فتح الباري ٨/ ٤٦٦.
فعثرت ١ أم مسطح في مرطها ٢ فقالت: "تعس ٣ مسطح" فقلت لها: "بئس ما قلت أتسبين رجلا قد شهد بدرا" ٦؟!! قالت: "أي هنتاه ٤ أولم تسمعي ما قال؟ " قلت: "وماذا قال؟ " قالت: "فأخبرتني بقول ٥ أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت على بيتي فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " كيف تيكم؟ " قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت ٦ أبوي فقلت لأمي: "يا أمتاه ما يتحدث الناس "، فقالت: " يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة ٧ عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن ٨ عليها "، قالت: " قلت: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا١؟ " قالت: "فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ ٩ لي دمع ولا اكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي ".
- ١فعثرت في مرطها: أي وطئته برجلها فسقطت، والمرط: بكسر الميم واحد المروط وهي أكسية من صوف أو خز، كان يؤتزر بها. مختار الصحاح ص ٤١٢و ٦٢١.
- ٢فعثرت في مرطها: أي وطئته برجلها فسقطت، والمرط: بكسر الميم واحد المروط وهي أكسية من صوف أو خز، كان يؤتزر بها. مختار الصحاح ص ٤١٢و ٦٢١.
- ٣تعس: يتعس إذا عثر وانكب لوجهه وهو دعاء عليه بالهلاك، غريب الحديث لابن الأثير ١/ ١٩٠ وفتح الباري ٨/ ٤٦٦.
- ٤أي هنتاه: وتفتح النون وتسكن وتضم الهاء الآخرة وتسكن ومعناها: يا بلهاء كأنها نسبت إلى قلة المعرفة، بمكايد الناس وشرورهم. صلى الله عليه وسلما النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٢٧٩- ٢٨٠.
- ٥قال ابن حجر: "طرق الحديث الإفك مجتمعة على أن عائشة بلغها الخبر من أم مسطح لكن وقع عند البخاري في لمغازي من حديث أم رومان ما يخالف هذا ولفظه: "بينا أنا وعائشة إذ ولجت امرأة من الأنصار، فقالت: فعل الله بفلان وفعل، فقالت أم روما: وما ذاك؟ قالت: ابني فيمن حدث الحديث، قالت: وما ذاك؟ قالت: كذا وكذا"، وفي قصة يوسف "قالت: فعل الله بفلان وفعل، قالت: " فقلت لم؟ " قالت:" إنه نمى ذكر الحديث " فقالت عائشة:" أي حديث؟ "فأخبرتها"، قالت: "فسمعه أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم؟ " قالت: "نعم"، فخرت مغشيا عليها"، انظر البخاري كتاب الأنبياء ٤/ ١٢٠ وكتاب المغازي ٥/ ١٠٠ قال ابن حجر: "وطريق الجمع: أنها سمعت ذلك أولا من أم مسطح، ثم ذهبت لبيت أمها لتستيقن الخبر منها فأخبرتها أمها بالأمر مجملا بقولها هوني عليك وما أشبه لها ثم دخلت الأنصارية فأخبرتها بمثل ذلك بحضرة أمها فقوي عندها القطع بوقوع ذلك فسألت هل سمعه أبوها وزوجها؟ ترجيا منها أن لا يكون سمعا ذلك، ليكون أسهل عليها، فلما قالت لها أنهما سمعاه غشي عليها، ثم قال ابن حجر: ولم أقف على اسم هذه المرأة الأنصارية ولا على اسم ولدها انظر فتح الباري ٨/ ٤٦٧.
- ٦في رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة "فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار فوجدت أم رومان في السفل وأبا بكر فوق البيت يقرأ، فقالت أمي: ما جاء بك يا بنية؟ فأخبرتها وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني". البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه وأحمد ٦/ ٥٩ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٣ وهذا لا يعارض رواية بن إسحاق "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل على وعندي أمي تمرضني قال: "كيف تيكم" لا يزيد على ذلك" لأن أمها كانت تمرضها فلما نقهت ذهبت إلى بيتها. سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٩.
- ٧الوضاءة: الحسن والبهجة. النهاية في غريب الحديث لابن الاثير ١٩٥ وفي رواية أبي أسامة عن هشام "لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدنها" البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه وأحمد ٦/ ٥٩ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤ وفي رواية ابن حاطب عن علقمة بن وقاص لقل رجل أحب امرأة قط إلا قالوا لها نحو الذي قالوا لك. مسند إسحاق ابن رهويه ٤/ ١٣٤ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤/ ٩٥.
- ٨كثرن عليها: أي القول في عيبها.
- ٩لا يرقأ لي دمع: أي لا ينقطع ولا يسكن، انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٢٤٨.
- *فيه منقبة عظيمة لمن شهد بدرا، ويزيد ذلك وضوحا قصة حاطب بن أبي بلتعه عندما كتب إلى أهل مكة يخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يغزوكم في عام فتح مكة، وكشف أمره واعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما صنع "وفيها فقال عمر: "يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا، قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". البخاري ٥/ ١١٩باب غزوة الفتح.
استشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عند تأخر نزول الوحي: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة ابن زيد حين استلبث ١ الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم من نفسه لهم من الود فقال: "يا رسول الله هم أهلك ٢ ولا نعلم إلا خيرا"، وأما علي ٣ بن أبي طالب فقال: "لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير ٤، وإن تسأل الجارية تصدقك" ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: "طأي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ " قالت له بريرة: "والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا أغمصه ٥ عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن ٦، فتأكله" قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم علىالمنبر ٧،فاستعذر ٨ من عبد الله بن أبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهل بيتي ٩، فوالله ١٠ ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ١١ ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي "٤، فقام سعد ابن معاذ الأنصاري فقال: " أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه ١٢، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ".
- ١استلبث الوحي: استفعل من اللبث وهو الإبطاء والتأخر النهاية في غريب الحديث لابن الاثير ٤/ ٢٢٤، وفي فتح الباري ٨/ ٤٦٨،: استلبث الوحي بالرفع: طال لبث نزوله، وبالنصب استبطأ النبي صلى الله عليه وسلم نزوله.
- ٢مبتدأ وخبر، وعند البخاري ٦/ ٨٦ كتاب التفسير من رواية الليث عن يونس فقال: "يا رسول الله أهلك" بالنصب على تقدير أمسك أهلك.
- ٣قال ابن حجر: "وقع بسبب هذا الكلام من علي أن نسبته عائشة إلى الإساءة في شأنها"، فتح الباري ٨/ ٤٦٩ وسيأتي الجواب عن هذا في مواقف بعض الصحابة من حادثة الإفك. انظر ص ٢٦١.
- ٤وعند ابن إسحاق "إن النساء لكثير وإنك لقادر على أن تستخلف" سيرة ابن هشام ٢/٣٠١.
- ٥أغمصه عليها: أي أعيبها به وأطعن به عليها،. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٣٨٦. وفي رواية أبي أسامة عهن هشام "وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسقطوا لها به، فقالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر" البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه وأحمد ٦/ ٦٠ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤. وبينت هذا المبهم في رواية هشام بن عروة "رواية ابن إسحاق" فقام إليها علي بن أبي طالب فضربها ضربا شديدا ويقول: أصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠١ وفي رواية ابن حاطب "وسأل الجارية الحبشية فقالت: والله لعائشة أطيب من طيب الذهب، وما بها عيب إلا أنها ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها، ولئن كانت صنعت ما قال الناسن ليخبرنك الله"، قال: فعجب الناس من فقهها، مسند إسحاق بن راهويه ٤/ ١٣٤ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٥.
- ٦الداجن: هي الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، وقد يقع على غير الشاة من كل ما يألف البيوت من الطير وغيرها، النهاية في غريب الحديث لابن الاثير ٢/ ١٠٢ قلت: والمراد به هنا الشاة لرواية ابن حاطب التي مر ذكرها، ورواية أبي أسامة عن هشام بن عروة "والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها". البخاري ٦/ ٩٨ كتاب التفسير ومسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة والترمذي٥/ ١٣كتاب التفسير وأحمد٦/٦٠وتفسير الطبري١٨/٩٤.
- ٧المنبر: المراد به هنا الذي اتخذ في السنة الثانية، وكان من الطين وأما الذي اتخذ من خشب إنما كان في السنة الثامنة، وغزوة بني المصطلق كانت في الخامسة أو السادسة. السيرة الحلبية ٢/ ٣١٨.
- ٨فاستعذر: أي قال: من يقوم بعذري إن كافأته على سوء صنيعه فلا يلومني. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ١٩٧.
- ٩في رواية هشام بن عروة "شيروا علي - بلفظ الأمر - في أناس أبنوا أهلي وأيم الله ما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط". البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣فيه، وأحمد ٦/ ٥٩ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٣. والابن: التهمة، كما في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير١/ ١٧ وفي الاعتصام عند البخاري ٩/ ٩٢ "ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي" بصيغة الاستفهام. وفي رواية ابن حاطب "كيف ترون فيمن يؤذيني في أهلي، ويجمع في بيته من يؤذيني", انظر مسند إسحاق بن راهويه ٤/ ١٣٤ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٥.
- ١٠في رواية فليح بن سليمان عند أبي يعلى ٤/ ٤٤٤ "فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا" ثلاث مرات.
- ١١هو صفوان بن معطل كما هو مصرح به في أول الحديث انظر ص ٢٠٨.
- ١٢في رواية صالح بن كيسان عند البخاري ٥/ ٩٨ كتاب المغازي باب حديث الإفك "ضربت عنقه"، بإسناد الضمير إلى نفسه. قال ابن حجر: "إنما قال ذلك لنه سيدهم، فجزم بأن حكمه فيهم نافذ" فتح الباري ٨/ ٤٧٢.
- *وفي رواية محمد بن ثور عن معمر عند الطبري في التفسير ١٨/ ٨٩- ٩٢ "قلت: سبحان الله، أو قد تحدث الناس بهذا، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: نعم، وفي رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة قلت: وقد علم به أبي؟ قالت نعم. قلت: ورسوله الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: "نعم ورسول الله صلى الله عليه وسلم" البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ وفي وأحمد ٦/ ٦٠ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤. وفي رواية ابن إسحاق "قلت لأمي: يغفر الله لك تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا". سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٩. وفي رواية ابن حاطب "ورجعت على أبوي أبي بكر وأم رومان فقلت: أما اتقيتما الله في ووصلتما رحمي، قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: وتحدث الناس بما تحدثوا به"، مسند إسحاق بن راهويه ٤/ ١٣٤ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤- ٩٥. وفي رواية أبي أسامة عن هشامك فاستعبرت فبكيت، فسمع صوتي أبو بكر وهو فوق البيت يقرأ فنزل، فقال لأمي: ما شانها؟ فقالت: بلغها الذي ذكر من أمرها، ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك يا بنية إلا رجعت إلى بيتك فرجعت. البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه، وأحمد ٦/ ٦٠ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤.
قالت: فقام سعد ١ بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً٧ صالحا، ولكن اجتهلته ٢ الحمية، فقال لسعد بن معاذ: "كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله "، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: " كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين"، فثار ٣ الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، وسكت ٤، قالت وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة ٥ من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي، قالت: فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول ٦ الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ ما قيل لي ما قيل.
- ١في رواية صالح بن كيسان عند البخاري ٥/ ٩٨ كتاب المغازي باب حديث الإفك "فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه، وهو سعد ابن عبادة وهو سيد الخزرج"، وفي رواية أبي أسامة عن هشام: "وقام رجل من بني الخزرج وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل". البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير.
- ٢اجتهلته الحمية: أي حملته الأنفة والغضب على الجهل. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ٣٢٢ وفي حديث يونس عن الزهري وابن كيسان عن الزهري أيضا: "احتملته الحمية". البخاري ٥/ ٩٩ و٦/ ٨٦ ومسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة. وهو كذلك في رواية فليح بن سليمان عن الزهري، البخاري ٣/ ١٥٣ كتاب الشهادات وابن شبة ١/ ١٠١ وأبي يعلى: ٤/ ٤٤٤ ولذا قال ابن حجر: "احتملته الحمية كذا للأكثر. ومعناه أغضبته". فتح الباري ٨/ ٤٧٢.
- ٣فثار الحيان: أي تناهضوا للنزاع والعصبية، شرح مسلم للنووي ٥/ ٦٣٥.
- ٤في رواية ابن حاطب "وكثر اللغط في الحيين في المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على المنبر فما زال النبي صلى الله عليه وسلم يومئ بيده إلى الناس، ههنا وههنا حتى هدأ الصوت" تفسير الطبري ١٨/ ٩٥ وفي رواية فليح بن سليمان "فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت" البخاري ٣/ ١٥٣ كتاب الشهادات. باب تعديل النساء بعضهن بعضا. قال ابن حجر: "ويحمل على أنه سكتهم وهو على المنبر ثم نزل إليهم أيضا ليكمل تسكيتهم". فتح الباري ٨/ ٤٧٤.
- ٥قال ابن حجر لم أقف على اسمها.
- ٦وفي رواية هشام بن عروة "وأصبح عندي، فلم يزالا حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلى العصر ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي", البخاري ٦/ ٨٩. كتاب التفسيرن والترمذي ٥/ ١٣ فيه وفي رواية ابن حاطب "فجاء أبواي فدخلا وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس على سرير وجاهي". تفسير الطبري ١٨/ ٩٥. وفي رواية محمد بن ثور عن معمر "ثم جلس عندي، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل". المصدر السابق ١٨/ ٩٥. وعند البخاري ٥/ ١٠٠ كتاب المغازي من حديث أم رومان "أن عائشة في تلك الحالة كانتبها الحمى النافض، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل فوجدها كذلك، فقال: "ما شأن هذه؟ " قلت: يا رسول الله أخذتها الحمى ينافض، قال: "فلعل في حديث تحدث به؟ " قالت: نعم، فقعدت عائشة".
- *زاد هشام بن عروة في روايته "ولا غبت في سفر إلا غاب معي". البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير ومسلم ٨/ ١١٩ كتاب التوبة.
- *وعند الواقدي في مغازيه١٢/٤٣١ "وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن الغضب بلغ منه وعلى ذلك ما غمص عليه في نفاق ولا غير ذلك، إلا أن الغضب يبلغ من أهله".
مفاتحة الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة وجوابها له: وقد لبث شهرا ١ لا يوحى إليه في شأني بشيء، قال: فتشهد ٢ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: "أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ٣، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه" ، قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص ٤ دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما قال، فقال: والله ما أدري ما أقول ٥ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت ٦، وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن ٧، إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر ٨ في نفوسكم، وصدقتم به، فإن قلت لكم: إني بريئة - والله يعلم أني بريئة - لا تصدقوني - ولئن اعترفت لكم بأمر- الله يعلم أني بريئة - لتصدقونني ٩ - وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف ١٠ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ، [سورة يوسف، الآية: ١٨] ١. قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببرائتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله عز وجل في بأمر يتلى ١١، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها".
- ١وعند ابن حزم: "أن المدة كانت خمسين يوما أو أزيد"، جوامع السيرة ٢٠٦ قال ابن حجر: "ويجمع بأنها المدة التي كانت بين قدومهم المدينة ونزول القرآن في قصة الإفك وأما التقييد بالشهر فهو المدة التي أولها إتيان عائشة إلى بيت أبويها حين بلغها الخبر" فتح الباري ٨/ ٤٧٥.
- ٢وفي رواية هشام "فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد". البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير.
- ٣كذا وكذا: قال ابن حجر: "هو كناية عما رميت به من الإفك، ولم أر في شيء من الطرق التصريح، فلعل الكناية من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم". فتح الباري ٨/ ٤٧٥. وعند ابن إسحاق قال: "يا عائشة إنه قد كان ما قد بلغك من قول الناس فاتقي الله، وإن كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس، فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده". سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠١ وعند ابن حاطب "فقال أبواي: أي بنية إن كنت صنعت ما قال الناس، فاستغفري الله، وإن لم تكوني صنعتيه، فأخبري رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذرك". تفسير الطبري ١٨/ ٩٥ وفي رواية هشام: "قال: "يا عائشة إن كنت قارفت سوءا وظلمت فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده"، قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب، فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئا". البخاري ٦/ ٩٠ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه أحمد ٦/ ٦٠.
- ٤قلص دمعي: أي ارتفع وذهب،. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/ ١٠٠.
- ٥في رواية هشام بن عروة: "فماذا أقول". البخاري ٦/ ٩٠ كتاب التفسير الترمذي ٥/ ١٣ فيه. قال النووي: قولها لأبويها: "أجيبا عني، فيه تفويض الكلام إلى الكبار، لأنهم أعرف بمقاصده واللائق بالمواطن منه، وأبواها يعرفان حالها، وأما قول أبويها: لا ندري ما نقول: فمعناه أن الأمر الذي سألها عنه، لا يقفان منه على زائد على ما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل نزول الوحي من حسن الظن بها، والسرائر إلى الله تعالى"، شرح مسلم للنووي ٥/ ٦٣٦.وقال ابن حجر: "قيل إنما قالت عائشة لأبيها ذلك مع أن السؤال إنما وقع عما في باطن الأمر، وهو لا اطلاع له على ذلك لكن قالته إشارة إلى أنها لم يقع منها شيء في الباطن يخالف الظاهر الذي هو يطلع عليه، فكأنها قالت له: برئني بما شئت وأنت على ثقة من الصدق فيما تقول، وإنما أجابها أبو بكر بقوله: لا أدري لأنه كثير الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاب بما يطابق السؤال في المعنى، ولأنه وإن كان يتحقق براءتها لكنه كره أن يزكي ولده، وكذا الجواب عن قول أمها لا أدري". فتح الباري ٨/ ٤٧٥.
- ٦في رواية هشام بن عروة "فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله ثم قلت: أما بعد". البخاري ٦/ ٩٠ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه وأحمد ٦/ ٦٠ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤.
- ٧قال ابن حجر: قالت: "هذا توطئة لعذرها لكونها لم تستحضر اسم يعقوب عليه السلام". فتح الباري ٨/ ٤٧٥.
- ٨في رواية فليح: "لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس ووقر في أنفسكم". البخاري ٣/ ١٥٣ كتاب الشهادات. وفي رواية هشام "فوالله لئن قلت لكم أني لم أفعل - والله عز وجل يشهد أني لصادقة - ما ذاك بنافعي عندكم، لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم". المصدر السابق ٦/ ٩٠ كتاب التفسير. وفي حديث أم رومان "فقالت والله لئن حلفت لا تصدقوني، ولئن اعتذرت لا تعذروني". المصدر السابق ٤/ ١٢٠ كتاب لأنبياء "باب: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ} ".
- ٩قالت ذلك لأن المرء مؤاخذ بإقراره واعترافه.
- ١٠في رواية الليث عن يونس عند البخاري ٦/ ٨٧ كتاب التفسير "والله ما أجد لكم إلا قول أبي يوسف". وفي رواية هشام بن عروة وابن حاطب "والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه". المصدر السابق ٦/ ٩٠ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣. وتفسير الطبري ١٨/ ٩٥ وفي رواية ابن إسحاق "ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره". سيرة ابن هشام ٢/ ٢٠١ فهذه الروايات تدل على أنها لم تستحضر اسم يعقوب عليه والسلام. لكن وقع في حديث أم رومان "مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه"، فهذا تصريح منها باسم يعقوب، انظر البخاري ٦/ ٤٦ كتاب التفسير باب: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً} لكن قال ابن حجر: "إنها رواية المعنى، وذلك للتصريح في حديث هشام وغيره بأنها لم تستحضر اسمه". فتح الباري ٨/ ٤٧٦.
- ١١وفي رواية ابن إسحاق "يقرأ به في المساجد ويصلى به". انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠١.
نزول الوحي ببراءة عائشة
قالت: فوالله ما رام ١ رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ٢ عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان ٣ من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فلما سري ٤ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: "أبشري ٢ يا عائشة، أما والله فقد برأك الله" ، فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد ٥ إلا الله هو الذي برأني قالت: فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ، [عشر آيات من سورة النور: من الآية١١-٢٠] فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات ببراءتي قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره - والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، [سورة النور، الآية: ٢٢] . قال حبان بن موسى، قال عبد الله بن المبارك: "هذه أرجى آية في كتاب الله" فقال أبو بكر: "والله إني لأحب أن يغفر الله ٦ لي" ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: "لا أنزعها منه أبدا" ، قالت عائشة: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري، ما علمت أو ما رأيت" ، فقالت: "يا رسول الله أحمي سمعي ٧ وبصري، والله ما علمت إلا خيرا" ، قالت عائشة: "وهي التي كانت تساميني ٨ من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع" ٣.
- ١ما رام: أي ما برح وما فارق مجلسهن يقال: رام يريم إذا برح وزال من مكانه، وأكثر ما يستعمل في النفي. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٢٩٠. وفي رواية ابن إسحاق "فوالله ما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه فسجى بثوبه ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فوالله ما فزعت ولا باليت قد عرفت أني بريئة، وأن الله عز وجل غير ظالمي، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس". سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٢ وفي حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري عن عائشة قالت: "رميت بالذي رميت به وأنا غافلة بينما رسول لله صلى الله عليه وسلم عندي جالس، إذ أوحي إليه، قالت: وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السبات فأوحي إليه وهو جالس عندي ثم استوى جالسا فمسح وجهه ثم قال: "يا عائشة أبشري" فقلت: "بحمد الله لا بحمدك" مسند عبد بن حميد ٢/ ١٩٥ب.
- ٢البرحاء: شدة الكرب من ثقل الوحي. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير١/١١٣.
- ٣الجمان: هو اللؤلؤ الصغار وقيل حب يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ المصدر السابق ١/ ٣٠١.
- ٤سري: انكشف عنه ما يجده من لهم والثقل. مختار الصحاح ص ٢٩٧. وفي رواية هشام بن عروة "فرفع عنه وإني لا أتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول: "أبشري"". البخاري ٦/ ٩٠ كتاب التفسير. وفي رواية ابن حاطب "فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما زال يضحك حتى إني لأنظر إلى نواجذه سرورا ثم مسح وجهه". تفسير الطبري ١٨/ ٩٥.
- ٥وفي رواية ابن حاطب "قلت: بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد أصحابك". تفسير الطبري ١٨/ ٩٥. وفي رواية هشام: "أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك" قالت: وكنت أشد ما كنت غضبا فقال لي أبواي: "قومي إليه"، فقلت: "والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه". البخاري ٦/ ٩٠ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣فيه وقال النووي: "قالت عائشة ما قالت إدلالا عليه وعتبا، لكونهم شكوا في حالها، مع علمهم بحسن طرائقها، وجميل أحوالها، وارتفاعها عن هذا الباطل الذي افتراه ظالمون، ولا حجة له ولا شبهة فيه، قالت: وإنما أحمد ربي سبحانه وتعالى الذي أنزل براءتي وأنعم علي بما لم أكن أتوقعه، كما قالت: ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله تعالى في بأمر يتلى". ا?. شرح مسلم للنووي ٥/ ٦٣٨ وقال ابن حجر: "يحتمل أن تكون تمسكت بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم لها: "إحمدي الله" ففهمت منه أمرها بإفراد الله تعالى بالحمد، فقالت ذلك، وما أضافته إليه من الألفاظ المذكورة كان من باعث الغضب". فتح الباري ٨/ ٤٧٧.
- ٦وفي رواية فليح "فقال أبو بكر: "بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي"، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه". البخاري ٣/ ١٥٤ كتاب الشهادات. وفي رواية هشام: "قال أبو بكر: "بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا" وعاد له بما كان يصنع". المصدر السابق ٦/٩٠ كتاب التفسير.
- ٧أحمي سمعي وبصري: أي أمنعهما من أن أنسب إليهما ما لم يدركاه، ومن العذاب لو كذبت عليهما. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ٤٤٨.
- ٨تساميني: أي تعالني وتفاخرني، وهو مفاعلة من السمو، أي تطاولني عنده صلى الله عليه وسلم المصدر السابق ٢/ ٤٠٥.
- *جزء من آية ١٨ من سورة يوسف: {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} .
- *وفي رواية فليح أن قال لي: "يا عائشة إحمدي الله فقد برأك الله".البخاري٣/١٥٤.
وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك، قال الزهري: "فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط" . وقال في حديث يونس: "احتملته الحمية" ٤.
وحدثني أبو الربيع العتكي، حدثنا فليح ١ بن سليمان، ح وحدثنا الحسن ٢ بن علي الحلواني، وعبد بن حميد قالا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي عن صالح ٣ بن كيسان كلاهما ٤ عن الزهري، بمثل حديث يونس ومعمر بإسنادهما.
- ١فليح بن سليمان بن أبي المغيرة الخزاعي، أو الأسلمي، أبو يحيى المدني، ويقال: فليح لقب واسمه عبد الملك، صدوق كثير الخطأ، من السابعة (ت١٦٧) /ع. التقريب ٢/ ١١٤. ولم يرو له مسلم سوى هذا الحديث. انظر هدي الساري ص ٤٣٥.
- ٢الحسن بن علي بن محمد الهذلي، أبو علي الخلال، الحلواني، نزيل مكة، ثقة حافظ، له تصانيف، من الحادية عشرة، (ت٢٤٢) / خ م د ت ق. التقريب ١/ ١٦٨.
- ٣صالح بن كيسان المدني، أبو محمد أو أبو الحارث، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبت، من الرابعة، (ت١٣٠،أو بعد ١٤٠) / ع. التقريب ١/ ٣٦٢. وتقدمت ترجمة بقية رجال الإسناد.
- ٤الضمير: لصالح بن كيسان وفليح بن سليمان. ١ الرجل هو صفوان بن المعطل، انظر ترجمته وافية من ص ٢٤٧- ٢٦٠ من هذه الرسالة. ٢ انظر ص ٢٠٩ حاشية رقم
- *في رواية هشام: "فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا". البخاري ٦/ ٩٠ ومعنى عصمها: حفظها ومنعها، والورع في الأصل: الكف عن المحارم والتحرج منه. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١٧٤.
- *صحيح مسلم ٨/ ١١٢- ١١٨ (كتاب التوبة) .
وفي حديث فليح "احتملته الحمية" ، كما قال معمر، وفي حديث صالح "احتملته الحمية" ، كقول يونس. وزاد في حديث صالح: قال عروة: "كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: فإنه قال: " فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء ".
وزاد أيضا: قال عروة: قالت عائشة: "والله إن الرجل ١ الذي قيل له ما قيل، ليقول سبحان الله، فو الذي نفسي بيده ما كشفت عن كنف أنثى قط ". قالت: "ثم قتل بعد ذلك شهيدا في سبيل الله ".
- ١عما تقدم. ٣ مسلم ٨/ ١١٨ (كتاب التوبة) .
وفي حديث يعقوب بن إبراهيم "موعرين٢ في نحر الظهيرة ". وقال عبد الرزاق: "موغرين ". قال عبد بن حميد: "قلت لعبد الرزاق ما قوله موغرين؟ " قال: " الوغرة شدة الحر"٣. قلت: في الحديث الثاني الذي أورده مسلم (فليح بن سليمان) وهو كثير الخطأ. ولكن قد تابعه يونس ومعمر وصالح بن كيسان في الزهري.
المبحث الأول: التحقيق فيمن تولي كبر الإفك
...
المبحث الأول: التحقيق فيمن تولى كبر الإفك إن الحق الذي لا مرية فيه ولا شبهة، أن الذي تولى كبر الإفك ١ هو: عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، وبذلك تظاهرت الروايات عن عائشة رضي الله عنها، وهي صاحبة القصة.
- ١الإفك: أسوأ الكذب وأقبحه، وهو مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه فالإفك إذا هم الحديث المقلوب. انظر تفسير الشوكاني ٤/ ١٢.
فقد بوب البخاري بقوله: باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، [سورة النور الآية:١١] .
ثم ساق بسنده: حدثنا أبو نعيم ١، حدثنا سفيان ٢ عن معمر عن الزهري عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ ، [سورة النور، من الآية: ١١] . قالت: "
- ١أبو نعيم هو الفضل بن دكين، الكوفي، الملائي، بضم الميم بعدها لام خفيفة مشهور بكنيته، مولى تيم، ثقة ثبت، من التاسعة، (ت ٢١٨ وقيل ٢١٩) وهو من كبار شيوخ البخاري/ ع. التقريب ٢/ ١١٠.
- ٢سفيان هو الشوري.
عبد الله بن أبي ابن سلول "١. وعنده أيضا من رواية صالح بن كيسان عن الزهري: " وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول "٢.
وفي رواية فليح بن سليمان والليث عن يونس ١ عن الزهري: "وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول "٤.
- ١تقدمت ترجمته مع بقية تراجم رجال الأسانيد.
وعند مسلم من رواية يونس ومعمر كلاهما عن الزهري "وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول"٥.
فهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول، وما كنا بحاجة إلى الكلام في هذا وتثبيته بالأدلة والبراهين، بعد أن استفاض أن صاحب هذه المقالة الخبيثة هو عبد الله بن أبي ابن سلول، لولا ورود ما يشير إلى أن حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ومسطح بن أثاثة ممن تولى كبره أيضا.
وذلك أيضا فيما رواه البخاري ومسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: وكان الذي يتكلم فيه مسطح وحسان بن ثابت والمنافق عبد الله بن أبي، وهو الذي كان يستوشيه ١ ويجمعه، وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة ٢.
- ١يستوشيه: الأصل فيه: استخراج الحديث باللطف والسؤال والبحث عنه. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير٥/ ١٩٠.
- ٢البخاري ٦/ ٨٩ تفسير سورة النور باب قوله تعالى: {إن الذي يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة} . ومسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة والترمذي ٥/ ١٣ تفسير سورة النور.
- *البخاري ٦/ ٨٤ كتاب التفسير.
- *المصدر السابق ٥/ ٩٦ كتاب المغازي، باب حديث الإفك.
- *البخاري ٣/ ١٥١ كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضا و ٦/ ٨٤ كتاب التفسير باب قوله تعالى: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا} .
- *صحيح مسلم ٨/ ١١٢ كتاب التوبة.
وعند أحمد والطبري من رواية هشام المذكورة: "وكان الذين تكلموا فيه: المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره ومسطح وحسان وثابت" ١.
وورد عند البخاري ومسلم: حدثني محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي ١، أنبأنا شعبة ٢، عن الأعمش ٣ عن أبي الضحى ٤ عن مسروق، قال: "دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب وقال: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بريبة ... وتصبح غَرْثَى من لحوم الغوافل ٥ قالت: "لست كذاك "٧. قلت: "تدعين مثل هذا يدخل عليك "، وقد أنزل الله ﴿والذي تولى كبره منهم﴾ . فقالت: " وأي عذاب أشد من العمى". وقالت: "وقد كان يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" لفظ البخاري ٦. قلت: الذي يظهر في هذا المقام أن الذي بدأ بالكلام في الإفك وكان يصول فيه ويجول هو عبد الله بن أبي ابن سلول، وهو الذي كان يجمع الناس في بيته ممن هم على شاكلته في الخبث والنفاق وكان يذيع ذلك ويردده مع عصابته وأهل بيته، ولما انتشر الكلام في ذلك من قبلهم، وكانوا يتناقلونه فيما بينهم، أثر ذلك في بعض المؤمنين فانزلقوا معهم، وصاروا يتكلمون بذلك مع من تكلم، ويرددون قول الإفك والنفاق دون وعي وإدراك لما يقصده ابن أبي من وراء ذلك.
- ١هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وقد ينسب لجده، وقيل هم إبراهيم أبو عمرو البصري، ثقة، من التاسعة، (ت١٩٤) على الصحيح/ ع. التقريب ٢/ ١٤١.
- ٢شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، مولاهم، أبو بسطام، بكسر الموحدة وسكون المهملة، الواسطي، ثم البصري، ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابدا من السابعة، (ت١٦٠) / ع. التقريب ١/ ٣٥١.
- ٣الأعمش مدلس وقد عنعن ولكن لا تضر عنعنته هنا، لأن الراوي عنه شعبة، وقد قال كفيتكم تدليس الأعمش وأبي إسحاق وقتادة، قال السخاوي في فتح المغيث ١/ ١٧٦: فإذا جاء حديثهم من طريق شعبة، بالعنعنة حمل على السماع جزما.
- ٤مسلم بن صبيح مصغرا الهمداني أبو الضحى الكوفي، العطار، مشهور بكنيته، ثقة فاضل، من الرابعة (ت١٠٠) /ع. المصدر السابق٢/ ٢٤٥.
- ٥هذا البيت من جملة أبيات قالها حسان يعتذر إلى عائشة، والمراد بالحصان هنا العفيفة، والرزان: الملازمة موضعها التي لا تتصرف كثيرا، وامرأة رزان إذا كانت ذات ثبات ووقار وعفاف وكانت رزينة في مجلسها، وما تزن بريبة: أي ما تتهم، وغرثى: أي جائعة، والغوافل: جمع غافلة يريد أنها لا ترتع في أعراض الناس، انظر ديوان حسان بن ثابت ص ٣٢٤
- ٦البخاري ٦/ ٨٨ تفسير سورة النور ومسلم ٧/ ١٦٣ كتاب فضائل الصحابة.
- *مسند أحمد ٦/ ٥٩ وتفسير الطبري ١٨/ ٨٩.
- *لست كذلك: بل اغتبت وخضت في قول أهل الإفك.
فقد روى إسحاق بن راهويه: أخبرنا يحيى ١ بن آدم نا ابن أبي زائدة ٢ وهو يحيى بن زكرياء عن محمد ٣ بن عمرو عن يحيى ٤ بن عبد الرحمن بن حاطب عن علقمة بن وقاص وغيره عن عائشة قالت: لما قال أهل الإفك ما قالوا دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُم﴾ هؤلاء الآيات وكان الذي تولى كبره الذي يجمعهم في بيته عبد الله بن أبي ابن سلول ٥.
- ١يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي، أبو زكرياء مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل من كبار التاسعة (ت٢٠٣) / ع. التقريب ٢/ ٣٤١.
- ٢يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة الهمداني، أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن من كبار التاسعة (ت١٨٣ أو ١٨٤) /ع. المصدر السابق ٢/ ٣٤٧.
- ٣محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص، الليثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة (ت١٤٥) / ع. المصدر السابق ٢/ ١٩٦.
- ٤يجيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، أبو محمد أو أبو بكر، المدني، ثقة من الثالثة، (ت١٠٤) /م عم. المصدر السابق ٢/ ٣٥٢.
- ٥مسند إسحاق بن راهويه ٤/ ق ١٣٥ ب وتفسير الطبري ١٨/ ٨٩.
وأورد الطبري الأحاديث التي يفهم منها أن حسان بن ثابت ومسطحا وحمنة ممن تولى كبر الإفك ثم عقب بقوله: "وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: الذي تولى كبره من عصبة الإفك كان عبد الله بن أبي، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن الذي بدأ بذكر الإفك وكان يجمع أهله ويحدثهم عبد الله بن أبي ابن سلول "١. وأورد عن ابن زيد أنه قال: " أما الذي تولى كبره منهم فعبد الله بن أبي ابن سلول الخبيث، هو الذي ابتدأ هذا الكلام، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقود بها ". وقال ابن القيم أثناء شرحه لقصة الإفك: " ولما قدم صفوان لعائشة، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة ورأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته وما يليق به، ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفسا فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه فجعل يستحكي الإفك، ويستوشيه، ويشيعه ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون به إليه "٢. وقال ابن كثير تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُم﴾ الآية. فكان المقدم في هذه اللعنة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، فإنه كان يجمعه ويستوشيه حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به، وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريبا من شهر حتى نزل القرآن إلى أن قال: " ... ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي ابن سلول، قبحه الله تعالى ولعنه، وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث ". وقال ذلك مجاهد وغير واحد. ثم قال: "وقيل المراد به حسان بن ثابت وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على إيراد ذلك، لما كان لإيراده كبير فائدة، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هاجهم ٣ وجبريل معك" ٤ انتهى.
- *تفسير الطبري ١٨/ ٨٩ وانظر فتح القدير للشوكاني ٤/ ١٢.
- *زاد المعاد ٢/ ١٢٦ وانظر تفسير مجاهد بن جبير. سورة النور، ص ٤٢٧ ومسند أبي يعلى ٤/ق، ٤٤٧.أ
- *الحديث في صحيح مسلم ٧/ ١٦٣ (كتاب فضائل الصحابة) ونصه: "حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن عدي" وهو ابن ثايت قال: سمعت البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: "اهجهم أو هاجهم وجبريل معك" ومن طريق الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة أنشدك الله هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يا حسان أجب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أيده بروح القدس"، قال أبو هريرة: "نعم". ومن طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه أن حسان بن ثابت كان ممن كثر على عائشة فسببته فقالت: "يا ابن أختي دعه فإنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".
- *تفسير ابن كثير ٣/ ٢٦٨ و٢٧٢.
وقال ابن حجر أثناء شرحه للآية المذكورة ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ : "هو عبد الله بن أبي وبه تظاهرت الروايات عن عائشة من قصة الإفك المطولة" ١.
وقال تحت قول مسروق "تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم﴾ ٢ قال: " وهذا مشكل لأن ظاهره أن المراد بقوله ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم﴾ هو حسان بن ثابت، وقد تقدم قبل هذا أنه عبد الله بن أبي وهو المعتمد "٣، انتهى. قلت: وسيأتي أيضا موقف الزهري مع الوليد بن عبد الملك وهشام بن عبد الملك عندما قالا: الذي تولى كبره هو علي بن أبي طالب فغضب الزهري وقال: "هو عبد الله بن أبي ابن سلول " وساق بسنده إلى عائشة أنها قالت: " الذي تولى كبره عبد الله بن أبي"٤.
وبهذا يتضح أن الذي تفوه به وتولى عبأه وتبعته هو عبد الله بن أبي. وهو الذي ترجح عند المحققين من أهل العلم ١. ويؤيده أن الآية الكريمة هددت الذي تولى كبره بالعذاب العظيم قال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
- ١انظر الجامع لأحكام القرآن المعروف بتفسير القرطبي ١٢/ ٢٠٠ وروح المعاني للألوسي ١٨/ ١٠٥- ١٠٦ وفتح البيان في مقاصد القرآن لصديق حسن خان ٦/ ٣٣٠.
- *فتح الباري ٨/٤٥٢.
- *تقدم الحديث، ص ٢٢٩.
- *فتح الباري ٨/ ٤٥٢ و٤٨٥.
- *انظر ص ٢٦١ وما بعدها.
وهذا التهديد يتناسب مع نفاق عبد الله بن أبي، وأما من ذكر من الصحابة المشهود لهم بالخير ولبعضهم بالجنة، فإنهم لا يدخلون في هذا الوعيد كما هو ظاهر، وإنما هؤلاء يدخلون في مثل قوله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ ، [سورة النور الآية: ١٢] .
فهذا عتاب للمؤمنين الذين تورطوا وانخدعوا بدعايات النفاق وأكاذيب المرجفين، والآيات التي تضمنت قصة الإفك واضحة في سياقها ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ، [سورة النور، من الآية: ١١] ، وهذا هو مطلع هذه الآيات وسياقها ثم ذكرت أن الذي تولى كبره من هذه العصبة واحد منهم، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، [سورة النور، من الآية: ١١] ، ولا شك أن هذا الأسلوب القرآني في سباقه ولحاقه يدل على واحد معين من هذه العصبة، وهو عبد الله بن أبي ابن سلول، كما في الصحيح وغيره بخلاف ما قد يفهم من بعض الروايات التي ألحقت حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش بابن أبي في تولي كبر الإفك، فهؤلاء جماعة والآية تشير إلى واحد من عصبة الإفك، فالتعبير (بالذي) وإعادة الضمير إليه مفردا مرتين في قوله: ﴿كِبْرَهُ﴾ وقوله: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مع ذكر العصبة سابقا واضح في أن المراد واحد بعينه من هذه العصبة هو الذي تولى كبره وعظمه ١.
- ١انظر روح المعاني للألوسي ١٨/ ١٠٥- ١٠٦.
وقد وضحته الروايات الصحيحة المتضافرة أنه رأس النفاق ابن سلول، وبهذا التقرير يندفع الإشكال وتتضح الحال، ويظهر أن هؤلاء الصحابة الأجلاء لا يصلح منهم أن يكون هو المراد بهذا التولي لكبر الإفك.
وإذا درسنا الآيات وتأملنا سياقها سياقاً ولحاقاً اتضح أن كل واحد من هؤلاء الصحابة ليس مرادا بتولي كبر الإفك، لأن العتاب الذي عوتب به هؤلاء، نصت عليه الآيات في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ، [سورة النور الآية: ١٦] ، وقوله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ ، ولا شك أن صفة الإيمان ثابتة لحسان ومسطح وحمنة، ومنتفية عن عبد الله بن أبي ابن سلول، وإن كان في الظاهر مسلما، فيكون هذا العتاب لهؤلاء المؤمنين الذين تورطوا في هذه الدعاية السيئة غفلة منهم وانخداعا ببهرج النفاق وزخرف قوله، يوضح ذلك تعقيبه جل شأنه على قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، [سورة النور، الآية: ١٤] ، بقوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ١ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ ، [سورة النور الآية: ١٥] ، فهذه الآية توضح أن هؤلاء المؤمنين خدعوا بهذه الأكاذيب وسرت فيهم أراجيف المنافقين وأباطيلهم فصاروا يرددون قول أهل الزيغ والنفاق دون وعي وإدراك لمقصد المنافقين من وراء هذا القول الشنيع.
وبهذا يكون الذي تولى كبر الإفك وحمل لواءه وإشاعته بين الناس هو عبد الله بن أبي ابن سلول رأس النفاق.
وأما ذكر بعض الروايات لحمنة وحسان ومسطح مع عبد الله بن أبي ابن سلول، فيفسر ذلك على أنهم ذكروا من باب التبعية لا أنهم تولوا كبر الإفك أصالة، وإنما الذي تولاه هو ابن أبي ابن سلول المنافق، لكنهم حين قالوا بقالته ذكروا معه تبعا، والله أعلم ١.
- ١انظر مجمع الزوائد للهيثمي٧/ ٧٧وتفسير سورة النور للمودودي، ص١٢٦- ١٢٧.
- *تلقونه: بفتح التاء وتشديد اللام، وهو من التلقي وإحدى التائين فيه محذوفة وهي القراءة المشهورة، وكانت عائشة تقرأ {تَلَقَّوْنَهُ} بكسر اللام وضم القاف مخففا، وتقول: الولق- بفتح الواو وسكون اللام بعدها قاف- الكذب. وقد وردت القراءة الأخيرة عن عائشة في صحيح البخاري ٦/ ١٠٠ من كتاب التفسير وهذا سياقه حدثني يحيى حدثنا وكيع عن نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة عن عائشة كانت تقرأ {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} وتقول: الولق: الكذب. قال ابن أبي مليكة: وكانت أعلم من غيرها بذلك لأنه نزل فيها.
المبحث الثاني: إقامة الحد على القاذفين
ذكر البخاري: تحت قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ ، [سورة آل عمران، من الآية: ١٥٩] .
"وشاور ١ عليا وأسامة فيما رمى أهل الإفك عائشة، فسمع منهما ٢ حتى نزل القرآن ٣ فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم ٤، ولكن حكم بما أمره الله" ٥. قال ابن حجر: قوله: "فجلد الرامين" لم يقع في شيء من طرق حديث الإفك في الصحيحين ولا أحدهما.
- ١قال ابن حجر: أما أصل مشاورتهما فذكره البخاري موصولا في هذا الباب باختصار، وتقدم في سورة النور في قصة الإفك. انظر فتح الباري ١٣/ ٣٤٢ وانظر الحديث في البخاري ٩/ ٩١ كتاب الاعتصام و٦/ ٨٤ باب {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا} .
- ٢الضمير لعلي وأسامة. قال ابن حجر: فسمع كلامهما ولم يعمل بجميعه حتى نزل الوحي، فلم يعمل بما أومأ إليه علي من المفارقة في قوله: (والنساء سواها كثير) ، وعمل بقوله: (وسل الجارية) فسألها. وعمل بقول أسامة في عدم المفارقة ولكنه أذن لها في التوجه إلى بيت أبيها. فتح الباري ١٣/ ٣٤٢.
- ٣هو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} ، [بسورة النور، من الآية: ١١] .
- ٤قوله: (إلى تنازعهم) قال ابن بطال عن القابسي: كأنه أراد تنازعهما فسقطت الألف، لأن المراد أسامة وعلي، وقال الكرماني: القياس أن يقال تنازعهما إلا أن يقال أن أقل الجمع اثنان. أو أراد بالجمع علي وأسامة ومن معهما أو من وافقهما على ذلك. المصدر السابق ١٣/ ٣٤٢.
وهو عند أحمد وأصحاب السنن من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم عن عمرة عن عائشة قالت: "لما نزلت برائتي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فدعا بهم وحدهم" ، وفي لفظ: "فأمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم" ، وسموا في رواية أبي داود: مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش. قال الترمذي: "حسن ١ لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق من هذا الوجه" . ثم قال ابن حجر: "قلت: ووقع التصريح بتحديثه ٢ في بعض طرقه" ٨. قلت: الحديث الذي أشار إليه ابن حجر أنه عند أحمد وأصحاب السنن هو: حدثنا محمد بن بشار ثنا ابن أبي عدي ٣ عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة ٤ بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: "لما نزل عذري ٥ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن ٦، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم" ٥. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق" قال العراقي ٧ بعد أورد قول الترمذي هذا: "قلت: قد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند البيهقي" . قال الشارح: "فزال بذلك ما يخشى من تدليسه، لأن المشهور قبول حديث ابن إسحاق، إلا أنه مدلس فإذا صرح بالتحديث كان حديثه مقبولاً" ٧.
- ١في النسخة الموجودة بأيدينا (حسن غريب) .
- ٢الضمير لابن إسحاق ووقع تصريحه بالتحديث عن شبخه عبد الله بن أبيبكر عند البيهقي كماذكر ذلك العراقي، ووقع أيضا في سيرة ابن هشام. انظر السيرة٢/٢٩٧.
- ٣ابن أبي عدي هو محمد بن إبراهيم، وعبد الله بن أبي بكر هو ابن محمد بن حزم وقد تقدمت ترجمتهما.
- ٤عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زررة الأنصارية، المدنية، أكثرت عن عائشة ثقة من الثالثة، (ت قبل المائة) . ويقال بعدها/ع. التقريب ٢/ ٦٠٧.
- ٥تريد الآيات الدالة على براءتها مما رماها به أصحاب الإفك.
- ٦هو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} ، [سورة النور، من الآية: ١١] ، إلى آخر الآيات النازلة في ذلك.
- ٧هو الإمام الحافظ الحجة المحدث الكبير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين ابن عبد الرحمن بن أبي بكر العراقي الشافعي. صاحب الألفية في علم الحديث وصاحب التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح (ت٨٠٦) مقدمة التبصرة والتذكرة شرح ألفية العراقي ١/٩ و١٨.
- *صحيح البخاري ٩/ ٩١ كتاب الاعتصام باب قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} .
- *فتح الباري ١٣٠/٣٤٢.
والحديث المشار إليه عند البيهقي: هو أخبرنا أبن عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد ابن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس ١ محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر ابن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم القصة التي نزل بها عذري على الناس نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر برجلين وامرأة ممن كان باء بالفاحشة في عائشة فجلدوا الحد قال: وكان رماها عبد الله بن أبي ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش رموها بصفوان بن المعطل السلمي" . وكذلك رواه محمد بن أبي عدي عن محمد بن إسحاق ٢.
- ١أبو العباس: محمد بن يعقوب هو الأصم وقد تقدمت ترجمته مع بقية رجال الإسناد.
- ٢السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٢٥٠ كتاب لحدود، باب ما جاء في حد قذف المحصنات.
- *الترمذي ٥/ ١٧ تفسير سورة النور وابن ماجة ٢/ ٨٥٧ في الحدود، باب حد القذف وأبو داود فيه ٢/ ٤٧١ ومصنف عبد الرزاق ٥/ ٤١٩ وأحمد ٦/ ٦١.
- *طرح التثريب شرح التقريب ٨/ ٧٢.
والحديث أورده أبو داود من طريق ابن أبي عدي وهذا نصه: حدثنا قتيبة ١ بن سعيد الثقفي ومالك ٢ بن عبد الواحد المسمعي، وهذا حديثه أن ابن عدي حدثهم عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لما نزل عذري قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذاك وتلا- تعني القرآن- فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم" ٤.
- ١قتيبة بن سعيد بن جميل بفتح الجيم ابن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني بفتح الموحدة وسكون المعجمة، ثقة ثبت، من العاشرة، (ت٢٤٠) /ع. التقريب٢/ ١٢٣.
- ٢مالك بن عبد الواحد المسمعي أبو غسان البصري ثقة من العاشرة، (ت٢٣٠) / م د. المصدر السابق ٢/ ٢٢٥.
ومن طريق محمد بن مسلمة وهذا نصه: حدثنا النفيلي ١، ثنا محمد ابن سلمة، عن محمد بن إسحاق، بهذا الحديث ولم يذكر عائشة ٢، قال: فأمر برجلين وامرأة ممن تكلم بالفاحشة: حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة. قال النفيلي: "ويقولون: المرأة حمنة بنت جحش" ١. قلت: وقد صرح ابن إسحاق أيضا بتسميتهم في (مغازيه) في حديث عائشة الطويل في سياق قصة الإفك مصرحا بالتحديث وهذا نصه: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه ٣، عن عائشة، وعبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ٤، ثم ساق الحديث وفي آخره "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك" ، قالت: "قلت: بحمد الله" ، ثم خرج إلى الناس، فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن في ذلك، ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، فضربوا حدهم "٤.
- ١هو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل أبو جعفر النفيلي، الحراني، ثقة حافظ من كبار العاشرة (ت٢٣٤) / خ عم. المصدر السابق ١/ ٤٤٨.
- ٢قال صاحب عون المعبود: والحديث أسنده ابن إسحاق مرة وأرسله أخرى انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٢/ ١٧٤. قال ابن الصلاح: "ومذهب الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث – فيما حكاه الخطيب أبو بكر – أن الزيادة من الثقة مقبولة إذا تفرد بها سواء كان ذلك من شخص واحد بأن رواه مرة ناقصا ومرة أخرى وفيه تلك الزيادة، أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقصا، خلافا لمن رد من أهل الحديث مطلقا، وخلافا لمن رد الزيادة منه ومن قبلها من غيره". انظر مقدمة ابن الصلاح ص ١١١- ١١٢ مع التقييد والإيضاح.
- ٣هو عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام، كان قاضي مكة زمن أبيه، وخليفته إذا حج، ثقة من الثالثة/ع. التقريب ١/ ٣٩٢.
- ٤تقدمت ترجمتهم.
- *سنن أبي داود ٢/ ٤٧١ كتاب الحدود باب في حد القذف.
وأورده ابن جرير الطبري في التاريخ من هذه الطريق ١.
- ١٢/ ٦١١- ٦١٦ وأورده في التفسير أيضا مختصرا ١٨/ ٩٣.
والحديث عند البزار من حديث أبي هريرة وفيه التصريح بتسميتهم أيضا وهذا نصه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق ". الحديث ...
وفيه: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيء فيقوم على الباب فيقول: "كيف تيكم" حتى جاء يوما فقال: "أبشري يا عائشة فقد أنزل الله عذرك" ، فقالت: "بحمد الله لا بحمدك" ، وأنزل الله في ذلك عشر آيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ، [سورة النور، من الآية: ١١] ، قال: "فحد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسطحا وحمنة وحسان" ٦. قال الهيثمي: "فيه محمد ١ بن عمرو وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات. فهذان الحديثان صريحان في إقامة الحد على هؤلاء المذكورين تطهيرا لما علق بهم من درن مقالة أهل الإفك والافتراء، وكلا الحديثين حسن لذاته" .
- ١هو محمد بن عمرو بن علقمة بم وقاص الليثي تقدمت ترجمته.
- *سنن أي داود ٢/ ٤٧١ كتاب الحدود باب في حد القذف.
- *سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٧- ٣٠٢.
- *مجمع الزوائد للهيثمي ٩/ ٢٣٠.
وعلى هذا فلا يلتفت إلى قول من قال بأن الحد لم يقم عليهم مستندا إلى أن الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار ١. فهذان الحديثان من أبين البينات في ذلك.
- ١قائل هذا هو الماوردي. انظر فتح الباري ٨/ ٤٧٩ و٤٨١.
وإنما الخلاف قائم في إقامة الحد على عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك أن الحديثين المذكورين لن يتعرضا لذكره أصلا، في إقامة الحد عليه أو عدمه.
وقد ورد عند الطبري من طريق هشام بن عروة عن أبيه التصريح بأن ابن أبي لم يسم في أهل الإفك، وهذا نص الحديث: حدثنا عبد الوارث ١ بن عبد الصمد، قال: ثنا أبي ٢، قال ثنا أبان العطار ٣، قال: ثنا هشام بن عروة - عن عروة - أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: "كتبت إلي تسألني في الذين جاؤا بالإفك، وهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ وأنه لم يسم منهم أحد ٤ إلا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، وهو يقال في آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة كما قال الله" ٧.
- ١عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، أبو عبدة، صدوق، من الحادية عشرة، (ت٢٥٢) / م ت س ق. التقريب ١/ ٥٢٧.
- ٢هو عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد، العنبري، مولاهم، التنوري، أبو سهل صدوق، ثبت في شعبة، من التاسعة، (ت٢٠٧) /ع. المصدر السابق١/ ٥٠٧.
- ٣أبان بن يزيد العطار، البصري، أبو يزيد، ثقة، له أفراد، من السابعة، (ت في حدود ١٦٠) / خ م د ت س. المصدر السابق ١/ ٣١.
- ٤يريد لم يسم منهم أحد فيمن أقيم عليه الحد غير هؤلاء، ولا يريد أن عبد الله بن أبي ابن سلول لم يذكر فيمن قال الإفك، بل هو الذي تولى كبره كما صرحت الأحاديث بذلك.
- *تفسير الطبري ١٨/ ٨٦.
وعند البخاري من رواية صالح بن كيسان: قالت عائشة: "وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول" . قال عروة: "أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده، فيقره، ويستمعه ويستوشيه" . وقال عروة أيضا: "لم يسم من أهل الإفك إلا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة كما قال الله تعالى" ١. ومن خلال هذه الأحاديث الصحيحة التي لم تتعرض لذكر عبد الله بن أبي ابن سلول فيمن أقيم عليه الحد، وإنما اقتصرت على ذكر الثلاثة المصرح بهم فيها جزم من جزم من العلماء بأن عبد الله بن أبي ابن سلول لم يقم عليه الحد وذكروا عدة أشياء في وجه الحكمة في ترك إقامة الحد عليه، ومن الذاهبين إلى هذا: القرطبي فإنه بعد أن ذكر ما ظاهره أن عبد الله بن أبي أقيم عليه الحد عقب بقوله: المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الذي حد حسان ومسطح وحمنة بنت جحش، ولم يسمع بحد لعبد الله ابن أبي، ثم أورد حديث أبي داود ١ في إقامة الحد على هؤلاء الثلاثة دون عبد الله بن أبي ابن سلول، ثم أشار إلى وجه الحكمة في عدم إقامة الحد عليه فقال: قال علماؤنا: "وإنما لم يحد عبد الله بن أبي، لأن الله تعالى قد أعد له في الآخرة عذابا عظيما، فلو حد في الدنيا لكان ذلك نقصا من عذابه في الآخرة وتخفيفا عنه، مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة رضي الله عنها وبكذب كل من رماها، فقد حصلت فائدة الحد، إذ مقصوده إظهار القاذف وبراءة المقذوف كما قال تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ،" [سورة النور الآية: ١٣] ٣.
- ١تقدم حديث أبي داود ص ٢٣٧.
وإنما حد هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحدود: "إنها كفارة لمن أقيمت عليه" كما في حديث ١ عبادة بن الصامت ثم قال القرطبي أيضا: "ويحتمل أن يقال: إنما ترك حد ابن أبي استئلافا لقومه واحتراما لابنه، وإطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك، وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عبادة ومن قومه" ٢ كما في صحيح مسلم ٢.ا?
- ١الحديث في كتاب الحدود عند البخاري ٨/ ١٣٣ ومسلم فيه ٥/ ١٢٦- ١٢٧ وهذا لفظ البخاري عن عبادة بن الصامت قال: "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس، فقال: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا"، وقرأ هذه الآية كلها، "فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه". قلت: الآية هي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً} ، الخ. [سورة الممتحنة، من الآية: ١٢] .
- ٢انظر الحديث في صحيح مسلم.
- *البخاري ٥/ ٩٦ كتاب المغازي باب حديث الإفك.
- *آية ١٣ من سورة النور، وهي: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} .
قال: "ولما جاء الوحي ببراءة عائشة رضي الله عنها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن صرح بالإفك فحدوا ثمانين ثمانين، ولم يحد الخبيث عبد الله بن أبي مع أنه رأس أهل الإفك، ثم ذكر وجه الحكمة في ذلك. فقال: أ- قيل لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة، والخبيث ليس أهلا لذلك، وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة، فيكفيه ذلك عن الحد.
ب- وقيل: بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه.
ج- وقيل: الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار وهو لم يقر بالقذف ولا شهد به عليه أحد، فإنه كان يذكره بين أصحابه، ولم يشهدوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين.
- *تفسير القرطبي ١٢/ ٢٠١- ٢٠٢.
د- وقيل: بل ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته عليه، كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه بما يوجب قتله مرارا، وهي تأليف قومه، وعدم تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان مطاعا فيهم، رئيسا عليهم، فلم يؤمن إثارة الفتنة في حده، ثم قال في ختام كلامه: ولعله ترك لهذه الوجوه كلها، فجلد مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وهؤلاء من المؤمنين الصادقين تطهيرا لهم وتكفيرا، وترك عبد الله بن أبي إذ فليس هو من أهل ذلك "١.ا?
وقد وردت آثار تدل على أن عبد الله بن أبي ابن سلول ممن أقيم عليه الحد ولكنها كلها ضعيفة لا تقوم بمثلها الحجة، وفيما يأتي سردها وبيان ما فيها من ضعف: حديث عبد الله بن عمر عند الطبراني فقد ساق قصة الإفك مطولا وفيه: "لما أنزل الله براءة عائشة قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة قد أنزل الله عذرك" ، فقلت: "بحمد الله لا بحمدك" ، فتلا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النور إلى الموضع الذي انتهى إليه خبرها وعذرها وبراءتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قومي إلى البيت" فقامت وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فأمر أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس ثم تلا عليهم ما أنزل الله عز وجل من البراءة لعائشة، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث إلى عبد الله ابن أبي المنافق فجيء به فضربه النبي صلى الله عليه وسلم حدين، وبعث إلى حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش فضربوا ضربا وجيعا ووجي في رقابهم، قال ابن عمر: "إنما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم حدين لأن من قذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعليه حدان "١ قال الهيثمي: " فيه إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي وهو كذاب "٢.
- *زاد المعاد ٢/ ١٢٧- ١٢٨ قال ابن حجر فتح الباري ٨/ ٤٧٩ و٤٨١ بعد أن نقل قول ابن القيم هذا: "وفاته أنه ورد أن ابن أبي ذكر فيمن أقيم عليه الحد، ووقع ذلك في رواية أبي أويس عن حسن بن زيد عن عبد الله بن أبي بكر، أخرجه الحاكم في (الإكليل) مرسلا، وفيه رد على الماوردي حيث صحح أنه لم يحدهم مستندا إلى أن الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار، وقيل: حدهم، وما ضعفه هو الصحيح المعتمد".
ما رواه الطبراني أيضا عن سعيد بن جبير قال: "جلد النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت وعبد الله بن أبي ومسطحا وحمنة بنت جحش كل واحد ثمانين جلدة في قذف عائشة "٣. قال الهيثمي: "فيه ابن لهيعة وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح". قلت: والحديث مرسل والمرسل من قسم الحديث الضعيف عند المحققين من أهل العلم.
ما رواه الحاكم في (الإكليل) من رواية أبي أويس ١ عن الحسن ٢ بن زيد وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما مرسلا. أن ابن أبي ممن جلد الحد ٣ والحديث فيه علة الإرسال كالحديث الذي قبله.
- ١هو عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو أويس المدني، قريب مالك، وصهره، صدوق يهم، من السابعة (ت ١٦٧) / م عم. التقريب.
- ٢الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو محمد المدني، صدوق يهم، وكان فاضلا، ولي إمرة المدينة للمنصور، من السابعة (ت١٦٨) / س. المصدر السابق ١/ ١٦٦.
- ٣فتح الباري ٨/ ٤٧٩ و٤٨١ وهذا الحديث أورده ابن حجر ردا على ابن القيم في جزمه بأن عبد الله بن أبي ابن سلول لم يقم عليه الحد.
وخلاصة القول: أن في إقامة الحد على عبد الله بن أبي ابن سلول قولين لأهل العلم.
الأول: أنه لم يقم عليه حد في ذلك وقد نصره القرطبي وابن القيم، وبينا الحكمة في ترك حده، كما سبق ١.
- ١انظر ص ٢٣٩ وما بعدها.
- *مجمع الزوائد ٩/ ٢٣٧- ٢٤٠.
- *انظر ترجمته في ميزان الاعتدال ١/ ٢٥٣ فقد وصفه بأنه يأتي بالأباطيل، وأنه يضع الحديث، وبأنه كذاب، وذكر له عدة أحاديث من أباطيله، وفي نهاية ترجمته قال: قلت: مجمع على تركه.
- *مجمع الزوائد ٧/ ٨٠.
الثاني: أنه أقيم عليه الحد مع من حد من الصحابة وأشار إلى هذا القول ابن حجر في الفتح ومستند هذا القول هو هذه الروايات التي لا تخلو كل منها من مقال. والمسألة محتملة، ولكن أكثر أهل العلم أنه لم يقم عليه حد. والله أعلم.
المبحث الأول: صفوان المعطل
...
هو صفوان بن المعطل ١ بن رحضة ٢ بن المؤمل بن خزاعي بن محاربن مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور السلمي الذاكوني ٣، يكنى أبا عمرو ٤.
- ١المعطل: بضم الميم وفتح العين المهملة، وبالطاء المهملة، المفتوحة الثقيلة.
- ٢وعند ابن حزم رخصة بدل رحضة) ثم ساق بقية نسبه كسياق ابن الكلبي. قال المعلق: والمعروف في أسمائهم (رحضة) . قلت: الظاهر أن هذه الكلمة صحفت من رحضة إلى (رخصة) بأن تكون النقطة تقدمت قليلا فصارت رخصة.
- ٣في اللباب لابن الأثير ١/ ٥٣١، الذكواني: نسبة إلى ذكوان وهم بطن كبير من سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر. وهو ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم، ينسب إليه خلق كثير منهم: صفوان بن المعطل بن رحضة بن المؤمل بن خزاعي بن محارب بن مرة بن هلال بن فالح بن ذكوان السلمي الذكواني.
- ٤أسد الغابة ٣/ ٣٠ نقلا عن ابن الكلبي.
وساق نسبه إلى خليفة إلى مرة، وأسقط (المؤمل) ١.
في أسد الغابة نقلا عن ابن الكلبي: أنه أسلم قبل المريسيع وشهدها٢. وقال الواقدي: "شهد صفوان الخندق فما بعدها" ٣. قلت: الراجح ما ذهب إليه ابن الكلبي، ويسانده أن في حديث الإفك، "قالت عائشة وكان يراني قبل أن يضرب علي الحجاب" .
فهذا يدل على تقدم إسلامه، لأن نزول الحجاب كان في السنة الرابعة على المشهور٤.
وأما شهوده غزوة المريسيع فهذا مما لا ينبغي النزاع فيه لأن ما حصل له مع عائشة في هذه الغزوة أمر مصرح به في أصح الصحيح.
وأما الواقدي فقد تناقض في هذا وذلك أنه يرى تقدم غزوة المريسيع على غزوة الخندق.
وقد ذكر حديث الإفك في غزوة المريسيع وفيه قصة صفوان مع عائشة، فقوله هنا بأن صفوان شهد الخندق فما بعدها، أكبر دليل على تناقضه٥.
اختلف العلماء في سنة وفاته والمشهور منها ما يأتي: قال ابن إسحاق: "قتل في غزوة أرمينية شهيدا سنة تسع عشرة، في خلافة عمر بن الخطاب، وكان أمير الجيش يومئذ عثمان بن أبي العاص الثقفي "، وتبعه على هذا أبو أحمد ١ في الكنى، وابن السكن وابن الأثير، وابن كثير ٢. وقال خليفة بن خياط وابن سعد: "مات في أواخر خلافة معاوية سنة تسع وخمسين "٣، وتبعهما السهيلي ٣.
- ١أبو أحمد هو الحاكم الكبير محدث خراسان الإمام الحافظ الجهبذ، محمد بمن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري، الكرابيسي، صاحب التصانيف، ومؤلف كتاب الكنى، سمع ابن خزيمة والباغندي وغيرهما، وعنه الحاكم أبو عبد الله صاحب المستدرك وصاعد بن محمد القاضي وغيرهما. (ت٣٧٨) تذكرة الحفاظ للذهبي٣/٩٧٦-٩٧٨.
- ٢انظر: الاستيعاب لابن عبد البر٢/١٨٧ وأسد الغابة لابن الأثير٣/٣٠ والكامل له ٢/٥٦٣، والبداية والنهاية٧/ ٩٦-٩٧، والإصابة٢/١٩٠،وفتح الباري٨/٤٦١، وتعجيل المنفعة، ص ١٢٧ ثلاثتها لابن حجر.
- ٣الروض الأنف، ٦/ ٤٣٧- ٤٣٨.
- *طبقات خليفة ص ٥١. ٢أسد الغابة٣/٣٠وفتح الباري٨/٤٦١،وتعجيل المنفعة لابن حجر ص:١٢٦- ١٢٨. ٣ المصادر السابقة. ٤ انظر ص ٩٤ مما تقدم. ٥ انظر مغازي الواقدي ١/ ٤٠٤ و٢/ ٤٤٠.
وعند الواقدي والطبري، مات سنة ستين بشمشاط٥٦. قلت: الراجح في هذا ما ذهب إليه ابن إسحاق وموافقوه، وذلك لأن في حديث الإفك، التصريح من عائشة رضي الله عنها "بأنه قتل شهيدا في سبيل الله"٧.
فهذا يدل على أن وفاته كانت قبل وفاة عائشة رضي الله عنها. وعائشة إنما توفيت في ستة سبع وخمسين، والأكثر على أنها توفيت سنة ثمان وخمسين، وعلى كل حال فالذي ينبغي الجزم به أن وفاته قبل وفاة عائشة لهذا الحديث الصحيح.
- *تاريخ خليفة بن خياط، ص ٢٢٦ وتعجيل المنفعة، ص ١٢٨.
- *شمشاط: بكسر أوله وسكون ثانية وشين مثل الأولى، وآخره طاء مهملة، مدينة بالروم على شاطئ الفرات من أعمال خرتبرت، وهي غير سمساط: بسينين مهملتين، وكلتاهما على الفرات، إلا أن سمساط بالإهمال من أعمال الشام وشمشاط بالإعجام في طرف أرمينية. معجم البلدان لياقوت ٣/ ٣٦٢ و٢/ ٣٥٥.
- *تاريخ الإسلام للذهبي ٢/ ٢٦٦ والإصابة لابن حجر ٢/ ١٩١.
- *البخاري ٦/ ٨٩، كتاب التفسير باب {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا} ومسلم ٨/ ١١٩ كتاب التوبة.
روى البزار من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق، فلما كان في جوف الليل انطلقت عائشة لحاجة فانحلت قلادتها فذهبت في طلبها" الحديث ... وفيه "فلما رجعت عائشة لم تر العسكر، قال: وكان صفوان بن المعطل السلمي، يتخلف عن الناس فيصيب القدح والجراب والإداوة، أحسبه قال: فيحمله، قال: فتظر فإذا عائشة فغطى أحسبه قال وجهه عنها ثم أدنى بعيره منها" الحديث ... قال الهيثمي: "رواه البزار ١ وفيه محمد بن عمرو ٢ وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات" ٣.
- ١البزار: هو الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري صاحب المسند الكبير المعلل، سمع من هدبة بن خالد وعبد الأعلى بن حماد وغيرهم، وعنه: عبد الباقي بن قانع وأبو الشيخ وخلق، (ت٢٩٢) . تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ٦٥٣- ٦٥٤.
- ٢هو ابن علقمة بن وقاص الليثي.
ونسبه السيوطي للبزار أيضا وابن مردويه وساق المتن بدون تردد، وقال: "بسند حسن" ٤.
ورد عند أبي داود أن سبب تأخره هو غلبة النوم عليه.
وهذا نصه: حدثنا عثمان ١ بن أبي شيبة أخبرنا جرير ٢ عن الأعمش ٣ عن أبي صالح ٤ عن أبي سعيد ٥، قال: "جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان ابن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال: يا رسول الله، أما قولها يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين ٦، وقد نهيتها، قال: فقال: " لو كانت سورة واحدة لكفت الناس " وأما قولها يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: " لا تصوم ٧ امرأة، إلا بإذن زوجها". وأما قولها إني لا أصلي حتى تطلع الشمس فإنا أهل ٨ بيت عرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس ٩، قال: "فإذا استيقظت فصل" ٢. قال أبو داود: "رواه حماد ١٠ - يعني ابن سلمة - عن حميد ١١ أو ثابت ١٢ عن أبي ١٣ المتوكل٧" . قلت: والحديث بهذا الإسناد: عند أحمد وابن حبان والطحاوي وأبي يعلى والحاكم وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي ١٤.
- ١عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفي، ثقة حافظ، شهير، وله أوهام، وقيل كان لا يحفظ القرآن، من العاشرة (ت٢٣٩) خ م د س ق. التقريب ٢/ ١٣.
- ٢جرير بن عبد الحميد بن قرط بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة، الضبي الكوفي، نزيل الري وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، وقيل كان في آخر عمره يهم من حفظه، (ت ١٨٨) ، ع. المصدر السابق ١/ ١٢٧.
- ٣هو سليمان بن مهران، تقدمت ترجمته.
- ٤أبو صالح السمان ذكوان الزيات المدني، ثقة ثبت، وكان يجلب الزيت إلى الكوفة من الثالثة، (ت١٠١) . ع: المصدر السابق ١/ ٢٣٨.
- ٥أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري، وله ولأبيه صحبة استصغر يوم أحد ثم شهد ما بعدها وروى الكثير، مختلف في وفاته، ع: المصدر السابق ١/ ٢٨٩.
- ٦قال صاحب عون المعبود ٧/ ١٢٩:أي تقرأ بسورتين طويلتين في ركعة أو في ركعتين وقد نهيتها عن تطويل القراءة وإطالة الصلاة، وفي مسند أبي يعلى ٢/ ١٢١: "فإنها تقرأ بسورتي" بالإضافة إلى ياء المتكلم والإفراد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقرأي سورته" وفي مشكل الآثار ٢/ ٤٢٤:فإنها تقوم بسورتي التي أقرأها فتقرأ بها وقد وجهها الطحاوي بقوله: يحتمل أن يكون صفوان ظنها إذا قرأت سورته التي يقوم بها، لا يحصل لهما جميعا إلا ثواب واحد، فيريدها أن تقرأ غير ما يقرأ فيحصل لهما ثوابان، فأعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك يحصل له بها ثوابا، لأن قراءة كل واحد لها غير قراءة الآخر إياها". وعند أحمد في المسند ٣/ ٨٥:فإنها تقرأ بسورتي فتعطلني.
- ٧المراد به صوم التطوع إذا كان زوجها حاضرا، لأن حق الزوج مقدم على نفل العبادة، أما إذا كان غائبا عنها فلها أن تصوم، لحديث: "لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه" البخاري٧/٢٧كتاب النكاح باب صوم المرأة بإذن زوجها تطوعاً.
- ٨قوله: "فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك"، أي فإنا أهل صنعة لا ننام الليل، وذلك أنهم كانوا يسقون الماء في طول الليل، ولذا قال: لا نكاد نستيقظ: أي إذا رقدنا آخر الليل. عون المعبود ٧/ ١٣٠.
- ٩وعند أحمد: فإني ثقيل الرأس، وأنا من أهل بيت يعرفون بذاك بثقل الرؤوس قال: "فإذا قمت فصل". مسند أحمد ٣/ ٨٤- ٨٥.
- ١٠حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار الثامنة، (ت١٦٧) ، خت م عم. التقريب ١/ ١٩٧.
- ١١حميد بن أبي حميد الطويل ثقة مدلس من الخامسة، (ت ١٤٢?) ع: التقريب.
- ١٢ثابت بن أسلم البناني أبو محمد البصري، ثقة عابد من الرابعة (ت بضع وعشرين بعد المائة) ع: التقريب ١/ ١١٥.
- ١٣هو علي بن داود ويقال دؤاد بضم الدال بعدها واو بهمزة أبو المتوكل الناجي بنون وجيم. مشهور بكنيته، ثقة من الثالثة، (ت١٠٨) ، ع: المصدر السابق ٢/ ٣٦.
- ١٤صحيح ابن حبان ٣/ ٣٣، ومشكل الآثار ٢/ ٤٢٤، ومسند أبي يعلى٢/١٢١ و/١٣٤، والمستدرك١/٤٣٦، ومسند أحمد٣/٨٠ و٨٤.
- *مجمع الزوائد ٩/ ٢٣٠.
- *الدر المنثور ٥/ ٢٧.
- *قوله: "فإذا استيقظت فصل"، قال في عون المعبود ٧/ ١٣٠- ١٣١: "ذلك أمر عجيب من لطف الله سبحانه بعباده ومن لطف نبيه صلى الله عليه وسلم ورفقه بأمته، ويشبه أن يكون ذلك منه على معنى ملكة الطبع، واستيلاء العادة، فصار كالشيء المعجوز عنه، وكان صاحبه في ذلك بمنزلة من يغمى عليه، فعذر فيه ولم يثرب عليه، ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك إنما كان يصيبه في بعض الأوقات دون بعض، وذلك إذا لم يكن بحضرته من يوقظه ويبعثه من المنام، فيتمادى به النوم حتى تطلع الشمس، دون أن يكون ذلك منه في عامة الأحوال فإنه يبعد أن يبقى الإنسان على هذا في دائم الأوقات وليس بحضرته أحد لا يصلح هذا القدر من شأنه، ولا يراعي هذا من حاله، ولا يجوز أن يظن به الامتناع من الصلاة في وقتها ذلك، مع زوال العذر بوقوع التنبيه والإيقاظ ممن يحضره ويشاهده. قلت: وهذا هو الظاهر الذي ينبغي في حقه لأنه لا يمكن أن يتخلف صفوان عن الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون عذر وذلك لما عرف من حرص الصحابة على الخير واتباع هدى نبيهم، وخاصة صلاة الصبح التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى البردين دخل الجنة"، صحيح البخاري ١/ ١٠٠ باب فضل صلاة الفجر. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفقد أصحابه ويسأل عنهم، فيبعد أن يتخلف صفوان عن صلاة الصبح مرارا ولا يفطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة. وقد ورد في مسند أحمد ٥/ ٣١٢ أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة التي تكره فيها الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا صليت الصبح فأمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس فإذا طلعت فصل فإن الصلاة محضورة ومتقلبة"،فهذا يدل على أنه كان يصلي الصبح في وقتها.
- *سنن أبي داود ١/ ٥٧٢، كتاب الصيام باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها.
وبهذه المتابعة التي ذكرها أبو داود علم بأن الحديث صحيح لا مطعن فيه، وأنه لا معارضة بينه وبين حديث أبي هريرة المتقدم ١، المصرح بأن صفوان كان يتخلف عن الناس، فيصيب القدح والجراب والإداوة فيحمله ويعطيه أهله، لأنه يقال: إن سبب تأخره عن الجيش هو غلبة النوم ثم بعد استيقاظه يمر بمكان تعريس الجيش فإذا وجد شيئا من المتاع حمله حتى يقدم به على صاحبه. غير أن أبا بكر البزار قد طعن في حديث أبي داود هذا سندا ومتنا.
- ١انظر ص ٢٥٠.
وهذا معنى كلامه: قال: "أما من حيث السند فإن الأعمش مدلس، ولم يقل حدثنا أبو صالح، فأحسب أنه أخذه من غير ثقة وأمسك عن ذكر الواسطة فصار الحديث ظاهر إسناده حسن، وكلامه منكر لما فيه" .
وأما من حيث المتن: "فإنه ورد فيه أن صفوان بن المعطل كانت له زوجة، وأنه كان لا يصلي الفجر حتى تطلع الشمس" .
وفي هذا كله مخالفة لما ثبت في حديث الإفك المتفق على صحته، وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدح صفوان وأثنى عليه وذكره بخير ١، وفيه أيضا قال: عروة: "قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل، ليقول: سبحان الله! فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف ٢ أنثى قط، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله "١.
- ١تقدم ذلك في حديث الإفك في قوله صلى الله عليه وسلم: ((ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا)) . انظر ص ٢١٥. وفي هذا رد على ما أورده ابن حجر في الإصابة، وفي تعجيل المنفعة منسوبا إلى أبي يعلى والبغوي من حديث الحسن عن سعيد مولى أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((دعوا صفوان بن المعطل فإنه طيب القلب خبيث اللسان)) . انظر: الإصابة ٢/ ١٩١، وتعجيل المنفعة، ص ١٢٨.
- ٢كناية عن بعده من النساء وأنه ما لمس ثوب امرأة قط، فضلا عن غيره، لأن الكنف هو الثوب الساتر.
وقد أجاب العلماء عن اعتراض البزار على هذا الحديث بما يأتي: أ- من حيث السند: أجاب ابن حجر بقوله: "وما أعله به ليس بقادح، فإن ابن سعد صرح في روايته ١ بالتحديث بين الأعمش وأبي صالح، وأما رجاله: فرجال الصحيح.
- ١لم أجد هذه الرواية في طبقات ابن سعد الكبرى المطبوعة المتداولة.
وأيضا فإن للحديث متابعا ثم، أورد المتابعة التي ذكرها أبو داود عقب حديث الأعمش، ثم قال: وهذه متابعة جيدة تؤذن بأن للحديث أصلا، وغفل من جعل هذه الطريق الثانية علة للطريق الأولى ١.
- ١فتح الباري ٨/ ٤٦٢.
وأشار إلى حديث أبي داود هذا في الإصابة وقال: إسناده صحيح ١. وفي تعجيل المنفعة قال: بسند جيد "٥.
- ١الإصابة ٢/ ١٩١.
وأجاب صاحب عون المعبود بقوله: "والحاصل أن أبا صالح ليس بمتفرد بهذه الرواية عن أبي سعيد، بل تابعه أبو المتوكل عنه. ثم الأعمش ليس بمتفرد أيضا، بل تابعه حميد أو ثابت وكذا جرير ليس بمتفرد بل تابعه حماد بن سلمة. ثم قال: وفي هذا كله رد على الإمام أبي بكر البزار "٦. وقال الألباني: "أخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم وأحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين"٧.
- *الحديث المشار إليه في البخاري ٥/ ٩٨ و١٠٠، ٦/ ٨٩ ومسلم ٨/ ١١٥ و١١٨ و١١٩.
- *تعجيل المنفعة ص ١٢٨.
- *عون المعبود ٧/ ١٣١.
- *انظر المجلد الأول من سلسلة الأحاديث الصحيحة تحت حديث رقم ٣٩٥.
فأجاب ابن القيم بقوله: "اعتراض البزار على هذا الحديث بحديث الإفك، فيه نظر، فلعله تزوج بعد ذلك" ١.
وأجاب ابن حجر بعدة أجوبة لا تسلم من الاعتراض. ثم قال: "والذي يظهر أن مراده بالنفي المذكور في قصة الإفك، ما قبل هذه القصة، ولا مانع أن يتزوج بعد ذلك، وهذا جمع لا اعتراض عليه، إلا ما جاء عند ابن إسحاق أن صفوان كان حصورا، لكنه لم يثبت، فلا يعارض الحديث الصحيح.
وعند الطبراني من حديث ابن عباس: "أنه كان لا يقرب النساء "" ٢.
وفي الإصابة بعد أن أورد حديث أبي داود، قال عقبه: ولكن يشكل عليه أن عائشة قالت في حديث الإفك: "إن صفوان بن المعطل قال: والله ما كشفت كنف أنثى قط" .
وقد أورد هذا الإشكال قديما البخاري ومال إلى تضعيف حديث أبي سعيد بذلك، ثم قال ابن حجر: "ويمكن أن يجاب بأنه تزوج بعد ذلك" ٣. قلت: حديث ابن إسحاق مرسل رواه عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحمد هذا من الرابعة ١.
- ١سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٦، وانظر التقريب ٢/ ١٤٠.
وحديث الطبراني: أورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: "فيه إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل متروك" ٥.
وإشكال البخاري المشار إليه، أورده في التاريخ الصغير، وهذا نصه: حدثني الأويسي ١، ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح عن ابن شهاب، قال عروة: قالت عائشة: "والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل، يعني صفوان ابن المعطل السلمي ثم الذكواني - ليقول سبحان الله، فوالذي نفسي بيده، ما كشفت من كنف أنثى قط، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله" ، هذا في قصة الإفك.
- ١عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أويس بن سعد بن أبي سرح الأويسي، أبو القاسم المدني، ثقة من كبار العاشرة، خ د ت ق كن. المصدر السابق١/٥١٠.
- *تهذيب السنن ٧/ ١٢٩ على هامش عون المعبود.
- *فتح الباري ٨/ ٤٦٢.
- *الإصابة ٢/ ١٩١.
- *مجمع الزوائد ٩/ ٢٣٦، وانظر التقريب ١/ ٧٥.
ثم عقب على هذا بقوله: قال أبو عوانة ١ وأبو حمزة ٢ عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد، جاءت امرأة صفوان بن المعطل النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "إن صفوان يضربني" ٤.
- ١وضاح بتشديد المعجمة ثم مهملة ابن عبد الله اليشكري، بفتح التحتية وبشين معجمة وضم كاف الواسطي، البزاز أبو عوانة مشهور بكنيته ثقة ثبت، من السابعة (ت١٧٥ أو١٧٦) ع. التقريب ٢/ ٣٣١.
- ٢هو محمد بن ميمون المروزي، أبو حمزة السكري، ثقة فاضل، من السابعة (ت١٦٧ أو١٦٨) ع. المصدر السابق ٢/ ٢١٢.
وخلاصة القول في هذا ما أجاب به ابن القيم وابن حجر من أن النفي المذكور في حديث عائشة في قصة الإفك يحمل على ما قبل قصة الإفك، وأن حديث أبي داود ومجيء زوجة صفوان تشكوه يحمل على أنه تزوج بعد ذلك، وبهذا يلتئم شمل الأحاديث ومتى أمكن الجمع فهو أولى من الترجيح.
روى ابن إسحاق: حدثني محمد ١ بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن ثابت ٢ بن قيس بن الشماس وثب على صفوان بن المعطل حين ضرب حسان فجمع يديه إلى عنقه بحبل، ثم انطلق به إلى دار بني الحارث ابن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة، فقال: "ما هذا؟ " قال: "أما أعجبك ضرب حسان بالسيف! والله ما أراه إلا قد قتله" ، قال له عبد الله بن رواحة: "هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء مما صنعت؟ " قال: "لا والله" ، قال: "لقد اجترأت، أطلق الرجل" ، فأطلقه، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا حسانا وصفوان بن المعطل، فقال ابن المعطل: "يا رسول الله: آذاني ٣ وهجاني، فاحتملني الغضب، فضربته" ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: "أحسن يا حسان، أتشوهت* على قومي، أن هداهم الله للإسلام" ، ثم قال: "أحسن يا حسان في الذي أصابك" ، قال: "هي لك يا رسول الله" ٢ والحديث أخرجه ابن جرير الطبري من هذه الطريق ٤.
- ١محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي أبو عبد الله المدني، ثقة له أفراد من الرابعة (ت١٢٠) على الصحيح، ع: التقريب ٢/ ١٤٠.
- ٢ثابت بن قيس بن شماس أنصاري خزرجي، خطيب الأنصار، من كبار الصحابة، بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة واستشهد باليمامة، فنفذت وصيته بمنام رآه خالد بن الوليد، خ د س. المصدر السابق ١/ ١١٦.
- ٣يريد قول حسان: أمس الجلابيب قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد إلى آخر ما ذكر من الأبيات، ويريد بالجلابيب (الغرباء) وبيضة البلد أي:منفرداً لا يدانيه أحد، وعندها اعترضه صفوان فضربه بالسيف وهو يقول: تلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٤- ٣٠٥. (*) أتشوهت على قومي: أي أقبحت ذلك من فعلهم حين سميتهم بالجلابيب من أجل هجرتهم إلى الله وإلى رسوله)) .
- ٤تاريخ ابن جرير ٢/ ٦١٨.
- *تاريخ البخاري الصغير، ص ٢٥.
وأشار ابن حجر إلى هذا الحديث في (تعجيل المنفعة) وقال: "سنده صحيح" ٤، وقال في الإصابة: "وقصة صفوان مع حسان مشهورة ذكرها يونس بن بكير في زيادات المغازي موصولة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قعد صفوان بن المعطل لحسان فضربه بالسيف قائلا: تلق ذباب السيف مني فإنني غلام إذا هوجيت لست بشاعر فجاء حسان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستعداه على صفوان فاستوهبه الضربة فوهبها له. ثم قال: وذكرها موسى بن عقبة في المغازي عن الزهري نحوه، وزاد أن سعد بن عبادة كسا صفوان حلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كساه الله من حلل الجنة" ١، وفي سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري وتعجيل المنفعة أن هذا حديث ابن إسحاق وليس من الزيادات ".
- *المصدر السابق ٢/ ٣٠٥.
- *تعجيل المنفعة، ص١٢٨.
والحديث بهذا السياق الذي ذكره ابن حجر عند الطبراني، وفيه: زيادة وهي "أن النبي صلى الله عليه وسلم عوض حسان بن ثابت في ضربته حائطا من نخل عظيم وجارية رومية، ويقال قبطية تدعى سيرين ١ فولدت لحسان ابنه عبد الرحمن الشاعر، وباع هذا الحائط من معاوية في ولايته بمال عظيم "، قال الهيثمي بعد إيراده: " رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن بعض هذا يخالف ما في الصحيح "٣. وقال ابن إسحاق: "حدثني محمد بن إبراهيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى حسان في ضربته بيرحاء وهي قصر بني حديلة ٢ اليوم بالمدينة وكانت مالا لأبي طلحة بن سهل تصدق بها على آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان في ضربته، وأعطاه سيرين أمة قبطية، فولدت له عبد الرحمن بن حسان"٥. قلت: هذا مخالف لما ثبت في الصحيحين من أن الذي أعطى حسان هذا المال هو أبو طلحة وذلك لقرابته منه.
- ١سيرين هي أخت مارية سرية الرسول صلى الله عليه وسلم أهداهما له المقوقس صاحب الإسكندرية، أسد الغابة٧/ ١٦٠.
- ٢حديلة: قال ابن حجر: "هو بالمهملة مصغرا، ووهم من قاله بالجيم، وبنو حديلة بالمهملة مصغرا، بطن من الأنصار وهم بنو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار وكان قصر بني حديلة حائطا لأبي طلحة يقال لها بيرحاء" وأن هذا القصر نسب إليهم بسبب المجاورة لكونهم كانوا ساكنين في تلك البقعة، وإلا فالذي بنى القصر هو معاوية بن أبي سفيان بعد أن اشترى حصة حسان بن ثابت منه. وصار هذا القصر فيما بعد للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور. انظر فتح الباري ٥/ ٣٨٨ قلت: كان هذا القصر في مكان قصر المدينة الموجود حاليا.
- *الإصابة ٢/ ١٩١.
- *مجمع الزوائد ٩/ ٢٣٤- ٢٣٦.
- *سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٦.
وهذا نص الحديث: حدثنا إسماعيل ١ قال حدثني مالك عن إسحاق ٢ بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس ٣ بن مالك رضي الله عنه يقول: "كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة ٤ المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما أنزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ، [سورة آل عمران، من الآية: ٩٢] ، قام أبو طلحة فقال: " يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله "، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بخ ذلك مال رابح ٥، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين "، قال أبو طلحة: " أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه ٦، هذا لفظ البخاري في التفسير وبين حديث أنس الآخر أن أبا طلحة جعلها لحسان بن ثابت وأبي بن كعب وهذا نصه: حدثنا محمد ٦ بن عبد الله الأنصاري قال: حدثني أبي ٧ عن ثمامة ٨ عن أنس رضي الله عنه قال: "فجعلها لحسان وأبي، وأنا أقرب إليه ٩، ولم يجعل لي منها شيئا" ٥.
- ١إسماعيل هو ابن أبي أويس، وهو إسماعيل بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله بن أبي أويس المدني، أخطأ في أحاديث من حفظه من العاشرة، (ت٢٢٦) خ م د ت ق. قلت: تابعه يحيى بن يحيى بن بكير التميمي الحنظلي عند مسلم ٣/ ٧٩، كتاب الزكاة.
- ٢إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري المدني، أبو يحيى، ثقة حجة، من الرابعة، (ت١٣٢) وقيل بعدها، ع. التقريب ١/ ٥٩.
- ٣أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خدمه عشر سنين، صحابي مشهور، (ت٩٢ وقيل٩٣) ،ع. التقريب١/ ٨٤.
- ٤من جهة الشمال تجاه باب عثمان بن عفان مع ميل إلى الغرب.
- ٥رويت هذه اللفظة "رايح ورابح ورائح" قال ابن حجر: "رابح من الربح، ورايح أو رائح بمعنى أن أجرها يروح ويغدو عليه. فتح الباري ٣/ ٣٢٦.
- ٦محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، البصري، القاضي، ثقة من التاسعة، (ت٢١٥) / ع. التقريب ٢/ ١٨٠.
- ٧هو عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري، صدوق، كثير الغلط، من السادسة، خ ت ق. المصدر السابق ١/ ٤٤٥.
- ٨ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري، قاضيها، صدوق من الرابعة، ع: المصدر السابق١/١٢٠.وهذا الحديث عند مسلم من طريق محمد بن حاتم حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن أنس، صحيح مسلم٣/٧٩. وعند أبي دلود من طريق موسى بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة ... الخ. سنن أبي داود ١/ ٣٩٢.
- ٩انظر تخريج الحديث، ص ٢٠٩.
- *البخاري ٦/ ٣١ كتاب التفسير باب {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} و ٢/ ١٠٢ كتاب الزكاة باب الزكاة على الأقارب و٣/ ٩٠ كتاب الوكالة، باب إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله، و٤/ ٦ كتاب الوصايا باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه و٤/
- *باب من تصدق إلى وكيله ثم رد الوكيل إليه و٤/ ١٠ (باب إذا وقف أرضا ولم يبين الحدود فهو جائز) من كتاب الوصايا و٧/ ٩٥ كتاب الأشربة باب استعذاب الماء ومسلم ٣/ ٧٩ كتاب الزكاة وأبو داود ١/ ٣٩٢ فيه باب في صلة الرحم.
- *وهذه القرابة بين أبي طلحة وحسان وأبي بينها محمد بن عبد الله الأنصاري المترجم له في هذا السند. فقال: أبو طلحة هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وحسان هو:ابن ثابت بن المنذر بن حرلم، يجتمعان إلى حرام، وهو الأب الثالث، وأبي: هو ابن كعب بن قيس ابن عتيك بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، فعمرو يجمع حسان وأبا طلحة وأبيا. قال الأنصاري: "بين أبي وأبي طلحة ستة آباء"، انظر سنن أبي داود ١/ ٣٩٢- ٣٩٣ كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم، وصحيح لبخاري ٤/
- *كتاب الوصايا باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه وفي حديث الباب: تصريح أنس بن مالك بأنه أقرب إلى أبي طلحة من حسان وأبي بن كعب، وقد وقع عند البخاري ٤/ ٦ من كتاب الوصايا باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه "قال أنس: فجعلها لحسان وأبي وكانا أقرب إليه مني" وقد أورد ابن حجر عدة روايات مصرحة بهذا، ثم وجه قول أنس هذا بأن الذي يجمع أبا طلحة وأنسا، هو النجار، لأنه من بني عدي بن النجار، وأبو طلحة وأبي بن كعب من بني مالك بن النجار فلهذا كان أبي بن كعب أقرب إلى أبي طلحة من أنس. انظر فتح الباري ٥/ ٣٨٠- ٣٨١. وأما حديث الباب فقد تعرض له أثناء شرحه له في كتاب التفسير وبين أن المزي أغفل التنبيه على هذه الطريق، ولكنه لم يتعرض لتوجيه قول أنس بأنه أقرب إلى أبي طلحة من حسان وأبي بن كعب فالله أعلم. انظر فتح الباري ٨/ ٢٢٤.
المبحث الثاني: موقف علي بن أبي طالب
ورد في حديث الإفك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب في فراق أهله، فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال: "يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا" ، وأما علي بن أبي طالب فقال: "لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك" ١.
وعند ابن إسحاق: فأما أسامة فأثنى علي خيرا، وقاله: ثم قال: "يا رسول الله، أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل" ، وأما علي فإنه قال: "يا رسول الله إن النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية، فإنها ستصدقك" ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ليسألها، قالت: فقام إليها علي بن أبي طالب فضربها ضربا شديدا، ويقول: "اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم" ٢.
وبهذا وجدت عائشة رضي الله عنها على علي رضي الله عنه ووصفته بأنه كان مسيئا في حقها - حيث إنه لم يقل كما قال أسامة بن زيد، روى البخاري: حدثني عبد الله ١ بن محمد قال: أملى علي هشام ٢ ابن يوسف من حفظه قال: "أخبرني معمر عن الزهري قال: قال لي الوليد ٣ بن عبد الملك: " أبلغك أن عليا كان في من قذف عائشة؟ " قلت: لا - ولكن قد أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة ٤ بن عبد الرحمن وأبو بكر ٥ بن عبد الرحمن بن الحارث - أن عائشة رضي الله عنها قالت لهما: كان علي مسلما ٦ في شأنها، فراجعوه ٧ فلم يرجع، وقال: مسلما* بلا شك فيه، وعليه وكان في أصل العتيق كذلك "٥. قال ابن حجر: "المراجعة وقعت مع هشام بن يوسف فيما أحسب، وذلك أن عبد الرزاق رواه عن معمر فخالفه، فرواه بلفظ (مسيئا) . كذلك أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم في المستخرجين ".
- ١عبد الله بن محمد بن جعفر الجعفي، أبو جعفر البخاري، المعروف بالمسندي، ثقة حافظ، جمع المسند، من العاشرة (ت٢٢٩) /خ ت. التقريب ١/ ٤٤٧.
- ٢هشام بن يوسف الصنعاني، أبو عبد الرحمن القاضي، ثقة من التاسعة (ت١٩٧) /خ عم. المصدر السابق ٢/ ٣٢٠.
- ٣الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، المعروف بالوليد الأول، الخليفة الأموي (ت٩٦?) وتقدمت ترجمة بقية رجال الإسناد.
- ٤أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، قيل اسمه عبد الله وقيل اسمه إسماعيل، ثقة مكثر من الثالثة (ت٩٤) ، وكان مولده سنة بضع وعشرين /ع. المصدر السابق ٢/ ٤٣٠.
- ٥أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي المدني، قيل اسمه محمد وقيل المغيرة، وقيل أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل أبو بكر اسمه وكنيته، ثقة فقيه، عابد، أحد الفقهاء السبعة، من الثالثة (ت٩٤) وقيل غير ذلك/ ع. المصدر السابق ٢/ ٣٩٨، وإنما قال الزهري من قومك أي من قريش: لأن أبا بكر بن عبد الرحمن مخزومي، وأبا سلمة زهري: يجمعهما مع بني أمية رهط الوليد مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، فتح الباري ٧/ ٤٣٧.
- ٦قال ابن التين: "قوله مسلما: بكسر اللام، وضبط أيضا بفتحها والمعنى متقارب، عقب عليه ابن حجر بقوله: كون مسلما بكسر اللام وفتحها معناهما متقارب فيه نظر، لأن رواية الفتح تقتضي سلامته من ذلك، ورواية الكسر تقتضي تسليمه لذلك". المصدر السابق٧/ ٤٣٧.
- ٧من قوله فراجعوه فلم يرجع إلى آخر الحديث ليس من أصل الحديث على حسب المتن الذي اعتمده وإنما هذا موجود في النسخة التي شرح عليها ابن حجر. (*) قال القسطلاني في إرشاد الساري ٦/ ٣٤٣ قوله (مسلما) بكسر اللام المشددة، ولأبي ذر (مسلما) بفتحها. وقوله (بلا شك فيه) لا بلفظ مسيئا. وكان في أصل العتيق مسلما (كذلك) لا مسيئا.
- *صحيح مسلم ٨/ ١١٥، كتاب التوبة، والبخاري ٣/ ١٥١، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضا.
- *سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠١.
وزعم الكرماني أن المراجعة وقعت في ذلك عند الزهري، قال وقوله: فلم يرجع أي: فلم يجب بغير ذلك، قال: "ويحتمل أن يكون المراد، فلم يرجع الزهري إلى الوليد، ثم قال ابن حجر قلت: ويقوي رواية عبد الرزاق، ما في رواية ابن مردويه بلفظ: "أن عليا أساء في شأني والله يغفر له" . وقال ابن التين: "روى (مسيئا) وفيه بعد" .
- *صحيح البخاري ٥/ ١٠٠ (كتاب المغازي باب حديث الإفك) .
ثم عقب ابن حجر على هذا بقوله: "بل هو الأقوى من حيث نقل الرواية، وقد ذكر عياض أن النسفي١رواه عن البخاري بلفظ: (مسيئا) " . وقال: "وكذلك رواه أبو علي بن السكن عن الفربري" . وقال الأصيلي ١ بعد أن رواه بلفظ: " (مسلما) : كذا قرأناه والأعراف غيره" ٣. قلت: وقد أورد صاحب (الدر المنثور) ما يقوي لفظ: (مسيئا) . قال: أخرج البخاري ٢ وابن المنذر والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في (الدلائل) عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: الذي تولى كبره منهم علي، فقلت: لا، حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، كلهم سمع عائشة تقول: "الذي تولى كبره عبد الله بن أبي" . قال: "فقال لي فما كان جرمه قلت: حدثني شيخان من قومك: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنهما سمعا عائشة تقول: " كان مسيئا في أمري"٥.
- ١هو الحافظ الثبت العلامة أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن محمد الأندلسي، أخذ صحيح البخاري عن أبي زيد محمد بن أحمد المروزي، قال القاضي عياض قال الدارقطني: حدثني أبو محمد الأصيلي ولم أر مثله. (ت٣٩٢) تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/ ١٠٢٤.
- ٢تقدم حديث البخاري في ص ٢٦١ من هذه الرسالة.
وقد بينت رواية ابن مردويه سبب هذه المقالة الصادرة من الوليد قال الزهري: كنت عند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي وهو يقرأ سورة النور، مستلقيا، فلما بلغ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، [سورة النور، الآية: ١١] ، جلس ثم قال: "يا أبا بكر من تولى كبره منهم؟ أليس علي بن أبي طالب؟ " قال: "قلت في نفسي: " ماذا أقول؟ لئن قلت لا، لقد خشيت أن ألقى منه شرا، ولئن قلت نعم، لقد جئت بأمر عظيم، قلت في نفسي: لقد عودني الله على الصدق خيرا، قلت: لا "، قال: فضرب بقضيبه على السرير ثم قال: " فمن فمن؟ " حتى ردد ذلك مرارا، قلت: " لكن عبد الله بن أبي "١.
- *هو إبراهيم بن معقل بن الحجاج الحافظ العلامة أبو إسحاق النسفي، قاضي نسف وعالمها ومصنف المسند الكبير والتفسير وغير ذلك، وحدث بصحيح البخاري عنه (ت٢٩٥) تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ٦٨٦.
- *فتح الباري ٧/ ٤٣٧.
- *الدر المنثور للسيوطي ٥/ ٣٢.
وقد جاء عن الزهري أيضا: أن هشام ١ بن عبد الملك، كان يعتقد هذا أيضا، فقد أخرج يعقوب بن شيبة في مسنده: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، ثنا الشافعي ٢، ثنا عمي ٣. قال: دخل سليمان ٤ بن يسار على هشام بن عبد الملك، فقال له: "يا سليمان ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، من هو؟ قال: "ابن أبي" . قال: "كذبت هو علي" ، قال: "أمير المؤمنين أعلم بما يقول" ، فدخل الزهري، فقال: "يا ابن شهاب من الذي تولى كبره؟ " قال: "ابن أبي" ، قال: "كذبت هو علي" ، فقال: "أنا أكذب، لا أبا لك ٥، والله لو نادى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت" .
- ١هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الخليفة الأموي، (ت١٢٥?) .
- ٢هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، أبو عبد الله الإمام المشهور صاحب المذهب (ت٢٠٤) ، التقريب ٢/ ١٤٣ خت م عم.
- ٣هو محمد بن علي بن شافع المطلبي، المكي وثقه الشافعي، من السابعة، د س، المصدر السابق ٢/ ١٩٢.
- ٤سليمان بن يسار الهلالي، المدني، مولى ميمونة، وقيل أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، من كبار الثالثة (ت بعد المائة وقيل قبلها) /ع. المصدرالسابق١/٣٣١.
- ٥قوله: لا أبا لك: قال في النهاية: هذا اللفظ أكثر ما يذكر في المدح، أي لا كافي لك غير نفسك، وقد يذكر في معرض الذم كما يقال: لا أم لك. انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ١٩. قلت: وهنا يحمل قول الزهري على الذم، لأنه صدر منه في حالة الغضب.
حدثني عروة وسعيد وعبيد الله وعلقمة عن عائشة: "أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي (فذكر له قصة مع هشام وفي آخرها - نحن هيجنا الشيخ) " ٧.
- *فتح االباري ٧/ ٤٣٧.
- *فتح الباري ٧/ ٤٣٧، والدر المنثور ٥/ ٣٢.
قال النووي: "الذي قاله علي رضي الله عنه هو الصواب في حقه صلى الله عليه وسلم، لأنه رآه مصلحة ونصيحة للنبي صلى الله عليه وسلم في اعتقاده، ولم يكن ذلك في نفس الأمر، لأنه رأى انزعاج النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر، وتقلقه، فأراد راحة خاطره، وكان ذلك أهم من غيره" .ا?ـ ١. وقال ابن قيم الجوزية: "ولما استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في فراق أهله فأشار عليه رضي الله عنه أن يفارقها ويأخذ غيرها تلويحا لا تصريحا، لأنه لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين، ليتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس، فأشار بحسم الداء" ٢. وقال ابن حجر: "هذا الذي قاله علي رضي الله عنه حمله عليه ترجيح جانب النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى عنده من القلق والغم بسبب القول الذي قيل، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الغيرة ٢، فرأى علي أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق براءتها فيمكن رجعتها" .
- ١شرح مسلم ٥/ ٦٣٤.
- ٢الغيرة بفتح الغين: مصدر قولك "غار الرجل على أهله يغار غيرا وغيرة وغارا ومعناه الحميةوالأنفة".انظر: مختار الصحاح ص:٤٨٦،والنهاية لابن الأثير٣/٤٠١. (*) هو عبد الله بن أبي جمرة محدث مقرئ من آثاره: مختصر الجامع الصحيح للبخاري، وشرح بهجة النفوس في سفرين، (ت٦٩٩?) ، معجم المؤلفين لكحالة ٦/ ٤٠.
ثم أورد ما ذكره ابن أبي جمرة في هذا: فقال: وقال الشيخ أبو محمد* بن أبي جمرة: "لم يجزم علي بالإشارة بفراقها، لأنه عقب بذلك بقوله: " وسل الجارية تصدقك" ففوض الأمر في ذلك إلى نظر النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه قال: إن أردت تعجيل الراحة ففارقها، وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطلع على براءتها، لأنه كان يتحقق أن بريرة لا تخبره إلا بما علمته، وهي لم تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة"١.
- *زاد المعاد ٢/ ١٢٦.
وبهذا اتضح عذر علي رضي الله عنه وأنه على خلاف ما وصفه به الوليد وهشام بل وعلى خلاف ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها فإنها لم تقل كان علي ممن تولى كبر الإفك وإنما قالت: كان مسيئا في شأني، حيث إنه لم يجزم ببراءتها كما جزم أسامة بن زيد بذلك ١.
- ١قال ابن حجر في الفتح ٧/ ٤٣٧: "وكأن بعض من لا خير فيه من الناصبة تقرب إلى بني أمية بهذه الكذبة فحرفوا قول عائشة إلى غير وجهه لعلمهم بانحرافهم عن علي فظنوا صحتها، حتى بين الزهري للوليد أن الحق خلاف ذلك".
- *فتح الباري ٨/ ٤٦٨.
المبحث الثالث: موقف بريرة
ورد ذكرها في حديث الإفك عندما استشار الرسول صلى الله عليه وسلم عليا في شأن عائشة رضي الله عنها، فقال: "لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك" ، قالت عائشة: "فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة" ، فقال: "أي بريرة ١ هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ " الحديث ٢ ...
- ١بريرة: بفتح الموحدة، وكسر الراء الأولى وسكون التحتانية.
- ٢انظر الحديث في صحيح مسلم ٨/ ١١٥ كتاب التوبة وصحيح البخاري ٣/ ١٥١، كتاب الشهادات.
ورغم هذا كله فقد استشكل العلماء وجودها في قصة الإفك وذلك لأن قصة الإفك متقدمة، وكان شراء عائشة لبريرة ومكاتبتها متأخرين وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال بما يأتي: أ- قال ابن القيم: "وقد استشكل وجود بريرة في هذا الحديث وذلك أن بريرة إنما كاتبت وعتقت بعد هذا بمدة طويلة، وكان العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في المدينة، والعباس إنما قدم المدينة بعد الفتح، ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شفع إلى بريرة أن تراجع زوجها فأبت أن تراجعه، يا عباس ألا تعجب من بغض بريرة مغيثا وحبه لها، ففي قصة الإفك لم تكن بريرة عند عائشة، وهذا الذي ذكروه إن كان لازما فيكون الوهم من تسمية الجارية بريرة، ولم يقل علي سل بريرة، وإنما قال: فسل الجارية تصدقك، فظن بعض الرواة أنها بريرة فسماها بذلك، وإن لم يلزم بأن يكون طلب مغيث لها استمر إلى ما بعد الفتح ولم ييأس منها زال الإشكال "١. قلت: ما أشار إليه من قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس هو ما رواه البخاري عن ابن عباس: "أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعباس: "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا" ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو راجعته، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: "إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه" ٢.
ب- وقال ابن حجر في أثناء شرحه لحديث الإفك تحت قوله: "فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة - قد قيل: إن تسميتها هنا وهم، لأن قصتها كانت بعد فتح مكة" ، ثم أشار إلى حديث ابن عباس الآنف الذكر، ثم عقب بقوله: "ويمكن الجواب بأن تكون بريرة كانت تخدم عائشة وهي في رق مواليها، وأما قصتها معها في مكاتبتها وغير ذلك فكان بعد ذلك بمدة، أو أن اسم هذه الجارية المذكورة في قصة الإفك، وافق اسم بريرة التي وقع لها التخيير بعد عتقها" . ثم قال ابن حجر: "وجزم البدر الزركشي فيما استدركته عائشة على الصحابة أن تسمية هذه الجارية ببريرة مدرج من بعض الرواة، وأنها جارية أخرى ... " ثم قال: "وأخذ هذا من ابن القيم ١ الحنبلي٤" . قلت: كلام البدر الزركشي المشار إليه هذا نصه: "فإنه بعد أن ذكر نزول القرآن ببراءة عائشة مما رميت به وجلد الذين قذفوها قال عقب ذلك: تنبيه جليل على وهمين وقعا في حديث الإفك في صحيح البخاري أحدهما ٢ قول علي رضي الله عنه " وسل الجارية تصدقك " قال: " فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ... ".
- ١انظر قول ابن القيم ص ٢٦٦.
- ٢وثانيهما هو وجود سعد بن معاذ في غزوة بني المصطلق، ومراجعته لسعد بن عبادة في شأن أهل الإفك.
- *زاد المعاد ٢/ ١٢٩.
- *صحيح البخاري ٧/ ٤٢ كتاب الطلاق باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في زوج بريرة.
- *فتح الباري ٨/ ٤٦٩.
وبريرة إنما اشترتها عائشة وأعتقتها بعد ذلك.
ويدل عليه أنها لما أعتقت واختارت نفسها، جعل زوجها يطوف وراءها في سكك المدينة ودموعه تتحادر على لحيته، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم "لو راجعته " فقلت: أتأمرني؟ فقال: " إنما أنا شافع ". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا عباس ألا تعجب من حب مغيث لبريرة وبغضها له " والعباس إنما قدم المدينة بعد الفتح.
والمخلص من هذا الإشكال: أن تفسير الجارية ببريرة مدرج في الحديث من بعض الرواة، ظنا منه أنها هي. وهذا كثيرا ما يقع في الحديث من تفسير بعض الرواة، فيظن أنه من الحديث، وهو نوع غامض لا ينتبه له إلا الحذاق.
ومن نظائره ما وقع في الترمذي وغيره ١ من حديث يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: "خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش "، فذكر الراهب وقال في آخرها: "
- ١انظر سنن الترمذي ٥/ ٢٥٠ كتاب المناقب باب ما جاء في بدء نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
فرده أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالا وزوده الراهب من الكعك ١ والزبيب "٢.
- ١الكعك: خبز معروف فارسي، معرب. القاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/ ٣١٧، ومختار الصحاح لأبي بكر الرازي، ص ٥٧٢
فهذا من الأوهام الظاهرة، لأن بلالا إنما اشتراه أبو بكر بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وبعد أن أسلم بلال، وعذبه قومه، ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام مع عمه أبي طالب كان له من العمر اثنتا عشرة سنة وشهران وأيام، ولعل بلالا لم يكن ولد. ولما خرج في المرة الثانية، كان له قريب من خمس وعشرين سنة ولم يكن مع عمه أبي طالب، إنما كان مع ميسرة"٣.ا? قلت: أورد ابن حجر استشكال ١ البدر الزركشي، ثم عقب بقوله: وأجاب غيره بجواز أنها كانت تخدم عائشة بالأجرة، وهي في رق مواليها قبل وقوع قصتها في المكاتبة. ثم قال ابن حجر: هذا أولى من دعوى الإدراج وتغليط الحفاظ ٢.
- ١تقدم ص ٢٦٧.
- ٢فتح الباري ٨/ ٤٦٩ و٩/٤٠٩.
وبين هذا الغير في موضع آخر ١ بأنه تقي الدين السبكي ٢.
- ١فتح الباري ٨/ ٤٦٩ و٩/ ٤٠٩.
- ٢هو علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام، تقي الدين السبكي، الخزرجي الأنصاري، أبو الحسن الدمشقي الشافعي، صاحب كتاب (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) في الرد على ابن تيمية، وكمل على شرح المهذب للنووي في خمس مجلدات وهو والد تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب صاحب كتاب (طبقات الشافعية الكبرى) ، (ت٧٥٦) ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن محمد بن علي تلميذ الذهبي، ص ٣٩- ٤٠.
والخلاصة: أن البدر الزركشي ذكر ثلاثة أوهام تتعلق بحديث الإفك، وهم في ذكر بريرة، ووهم في ذكر سعد بن معاذ في هذه الغزوة ومحاورته مع سعد بن عبادة، ووهم في سماع مسروق من أم رومان، أم عائشة التي هي إحدى من روى قصة الإفك، ثم كر على الوهمين الأخيرين بما يدفعهما.
- *في حديث الترمذي: الزيت. انظر سنن الترمذي ٥/ ٢٥٠ كتاب المناقب باب ما جاء في بدء نبوة النبي صلى الله عليه وسلم
- *الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة، ص ٤٧- ٥٠.
أما الوهم المتعلق ببريرة، فلم يدفعه بشيء، بل نظر له بوهم لا شك فيه، وهو ما وقع في حديث الترمذي في قصة ذهاب الرسول صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب إلى الشام، وما حصل له مع الراهب، وما كان من أمر عمه له بالرجوع إلى مكة، وما كان من قصة أبي بكر وبلال، وتزويد الراهب له، بالكعك والزيت، فهذا الصنيع منه يدل على أنه جازم بأن ذكر بريرة في حديث الإفك، مدرج من بعض الرواة، وأن الجارية التي أرادها علي بن أبي طالب غير بريرة، مولاة عائشة رضي الله عنها. فظن هذا الراوي أنها هي، غير أنه في ختام كلامه على هذه الأوهام الثلاثة، قال: "فهذه ثلاثة أوهام ادعيت في حديث الإفك، والثلاثة ثابتة في الصحيح، فلا ينبغي الإقدام على التوهيم إلا بأمر بين، وقد تقدم ما يدفع الكل" .
لكن المتتبع لكلامه يجد أنه تقدم له ما يدفع وهمين فقط. وهما: الوهم في ذكر سعد بن معاذ، والوهم في سماع مسروق من أم رومان.
أما الوهم المدعى في بريرة، فلم يسبق له ما يدفعه كما يفهم من كلامه وتعميمه، بل الذي سبق له يدل على جزمه بهذا الوهم كما نظر لذلك بالوهم المذكور في قصة ذهاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الشام، وقد مر قريبا ١.
- ١انظر: ص ٢٦٨، وما بعدها.
ولعل هذا الصنيع منه هو الذي حمل ابن حجر، فقال عنه: إنه جازم بهذا الوهم كما سبق ذكره ١.
- ١انظر: ص ٢٦٧.
ولكنني أستشعر من صنيعه أنه متردد في الجزم بهذا الوهم أيضا، لأن قوله: "هو ثلاثة أوهام ادعيت في حديث الإفك، والثلاثة ثابتة في الصحيح فلا ينبغي الإقدام على التوهيم إلا بأمر بين" دليل على ما أقول.
هذا على فرض أن هناك تعارضا بين قصة مغيث وزوجته، وبين ذكر بريرة في قصة الإفك، ولكن يظهر للمتأمل أن لا وجود للتعارض أصلا، لأن رؤية ابن عباس لمغيث وهو يطوف في سكك المدينة متابعا لزوجه بريرة، وهي كارهة له، لا يدل على عدم وجود صلة بين عائشة وبريرة قبل ذلك، لأن بريرة مولاة للأنصار وهي موجودة حتما في المدينة، قبل هجرة العباس وابنه، فما المانع من وجود صلة وثيقة بينها وبين عائشة أم المؤمنين، بل مجيئها إلى عائشة تستعينها في فكاك رقبتها يدل دلالة واضحة على تقدم الصلة بينهما، ومعروف أن الناس يتسابقون إلى خدمة بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلتكن بريرة إحدى الخدم في بيت عائشة بالأجرة، أو بغيرها، ونكون قد سلمنا من توهيم العلماء وتغليط الحفاظ، وتكلفات الجمع التي ذكرت في هذا الصدد خاصة أن ذكر بريرة في حديث الإفك ثابت في أصح الصحيح في البخاري ومسلم، وغيرهما من كتب السنة وتظافرت الروايات على ذكرها، مما يدفع أي ريب في وجودها في هذه الحادثة، ومساءلة الرسول صلى الله عليه وسلم لها والله أعلم.
المبحث الرابع: موقف أبي أيوب الأنصاري وزوجه
قال البخاري: "لما أخبرت عائشة بالأمر ١ قالت: يا رسول الله أتأذن لي أن أنطلق إلى أهلي، فأذن لها وأرسل معها الغلام" ٢.
- ١أي: بأمر الإفك.
"وقال رجل من الأنصار: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم" ٣. قال ابن حجر: قوله: "وقال رجل من الأنصار ... " الخ وقع عند ابن إسحاق أنه أبو أيوب الأنصاري، وأخرجه الحاكم من طريقه، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين، وأبو بكر الآجري ١ في طرق حديث الإفك من طريق عطاء ٢ الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة ٣.
- ١أبو بكر الآجري هو محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الإمام المحدث القدوة، مصنف كتاب الشريعة في السنةوغير ذلك (ت٣٦٠) تذكرة الحفاظ للذهبي٣/٩٣٦.
- ٢عطاء بن أبي مسلم أبو عثمان الخراساني، واسم أبيه ميسرة وقيل عبد الله، صدوق يهم كثيرا ويدلس، من الخامسة، (ت ١٣٥) لم يصح أن البخاري أخرج له/ م عم. التقريب ٢/ ٢٣. وفي تهذيب التهذيب ٧/ ٢١٣ نقل توثيقه عن ابن معين وأبي حاتم وابن سعد والدارقطني وقال النسائي: ليس به بأس، ونقل تضعيفه عن البخاري وابن حبان، وقال شعبة: كان نسيا. وفي ميزان الاعتدال ٣/ ٧٣- ٧٥ نقل توثيقه عن أحمد والعجلي ويعقوب بن شيبة، علاوة على من ذكرهم ابن حجر، ونقل تضعيفه عن العقيلي وابن حبان ولم يرتض ذلك، ونقل عن النرمذي أنه قال في كتاب العلل: "قال محمد - يعني البخاري-: "ما أعرف لمالك رجلا يستحق أن يترك حديثه غير عطاء الخراساني"، قلت: "ما شأنه؟ " قال: "عامة أحاديثه مقلوبة". ثم قال الترمذي معقبا على هذا: "عطاء ثقة"، روى عنه مثل مالك ومعمر، ولم أسمع أن أحدا من المتقدمين تكلم فيه". ا?ـ. لم أجد هذا في العلل الموجود بأيدينا وبهذا التقرير يكون قول ابن حجر في عطاء: " صدوق يهم كثيرا" فيه نظر. والظاهر أنه ثقة قد وثقه أجلة أئمة النقد. أمثال أحمد وابن معين وأبي حاتم والدارقطني والعجلي ويعقوب بن شيبة وغيرهم.
- ٣فتح الباري ١٣/ ٣٤٤.
- *قال ابن حجر في فتح الباري ١٣/ ٣٤٤:هو موصول بالسند قبله. قلت: والسند الذي قبله هو:حدثني محمد بن حرب، حدثنا يحيى بن أبي زكريا الغساني عن هشام عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي، ما علمت عليهم من سوء قط.
- *البخاري ٩/ ٩٢ كتاب الاعتصام باب قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} .
وأشار ابن حجر أيضا إلى هذا في تفسير سورة النور أثناء شرحه لحديث الإفك، فقال: وفي رواية هشام عن عروة: "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فتشهد وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: " أما بعد "" .
وزاد عطاء الخراساني عن الزهري هنا قبل قوله فقام: "وكانت أم أيوب الأنصارية قالت لأبي أيوب: " أما سمعت ما يتحدث الناس؟ " فحدثته بقول أهل الإفك، فقال: " ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم "، ثم أشار إلى ما علقه البخاري بقوله: " وقال رجل من الأنصار"٤. وقال: فيستفاد معرفته من رواية عطاء هذه ١. قلت: وقد رواه الواحدي أيضا موصولا من طريق عطاء المذكور ولفظه: عن الزهري عن عروة أن عائشة رضي الله عنها حدثته بحديث الإفك وقالت فيه: "وكان أبو أيوب ٢ الأنصاري حين أخبرته امرأته ٣ وقالت: " يا أبا أيوب ألم تسمع بما تحدث الناس؟ " قال: " وما يتحدثون؟ " فأخبرته بقول أهل الإفك، فقال: " ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ". قالت: "فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ، [سورة النور، الآية: ١٦] ٣.
- ١فتح الباري ٨/ ٤٧٠.
- ٢أبو أيوب هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري الخزرجي من كبار الصحابة، شهد بدرا، ونزل النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة عليه، مات غازيا بالروم سنة خمسين وقيل بعدها/ ع. التقريب ١/ ٢١٣.
- ٣هي أم أيوب الأنصارية الخزرجية، زوج أبي أيوب الأنصار، وهي بنت قيس بن سعد، وكان أبوها خال زوجها./ د ق. المصدر السابق ٢/ ٦١٩.
- *تقدم ص ٢٧١.
ورواية ابن إسحاق التي أشار إليها ابن حجر فيما تقدم ١، هذا نصها: قال ابن إسحاق: حدثني أبي ٢ إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أم أيوب: "يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ " قال: "بلى، وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة؟ " قالت: "لا والله ما كنت لأفعله" قال: "فعائشة والله خير منك" ، قالت: "فلما نزل القرآن بذكر من قال من أهل الفاحشة ما قال من أهل الإفك، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، [سورة النور، الآية: ١١] .
- ١انظر ص ٢٧١.
- ٢هو إسحاق بن يسار المدني، والد محمد صاحب المغازي، ثقة من الثالثة/مد. التقريب ١/ ٦٢.
- *أسباب النزول للواحدي، ص ٢١٨.
وذلك حسان بن ثابت وأصحابه الذين قالوا ما قالوا. ثم قال تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ ، [سورة النور، الآية: ١٢] ، أي فقالوا: كما قال أبو أيوب وصاحبته ". الحديث ... ١.
وأخرجه من طريق الطبري وابن كثير ١.
- ١تفسير الطبري ١٨/ ٩٦ وتاريخه ٢/ ٦١٧ وتفسير ابن كثير ٣/ ٢٧٣.
وفي الدر، أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا ... الحديث ١ وأما رواية الحاكم فقال ابن حجر فيما تقدم ٢ إنها من طريق ابن إسحاق، وقال في موضع ٣ آخر بعد أن ذكر رواية ابن إسحاق: وللحاكم من طريق أفلح ٤ مولى أبي أيوب ونحوه ٥. وقال السيوطي بعد أن ذكر الطريق المتقدمة: "وأخرج الواحدي ٦ وابن عساكر الحاكم عن أفلح مولى أبي أيوب، أن أم أيوب قالت: "ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ " قال: "بلى، وذلك الكذب" ، الحديث"٩ ...
- ١الدر المنثور للسيوطي ٥/ ٣٣.
- ٢انظر ص ٢٧١.
- ٣فتح الباري ٨/ ٤٧٠.
- ٤أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، أبو عبد الرحمن، وقيل أبو كثير، ثقة مخضرم، من الثانية، (ت ٦٣) / م مد. التقريب ١/ ٨٣.
- ٥طالعت المستدرك فلم أجد هذه الرواية فلعلها في الإكليل فإن ابن حجر كثيرا ما ينسب إليه.
- ٦كذا هو في الدر الواحدي وصوابه: (الواقدي) كما في رواية الشوكاني، وكما هو أصل الحديث من هذه الطريق عند الواقدي، وأما الواحدي فقد أخرج الحديث من طريق عطاء الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة كما تقدم، ص ٢٧٢، وانظر أسباب النزول له، ص ٢١٨.
وهكذا ذكر الشوكاني بعد أن ساق الطريق الأولى، التي عند السيوطي قال: "وأخرج الواقدي والحاكم وابن عساكر عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب فذكر نحوه ١ فهذا ظاهر في أن للحاكم روايتين: إحداهما من طريق ابن إسحاق، والأخرى ليست من طريقه" .
- ١فتح القدير للشوكاني ٤/ ١٥- ١٦.
- *سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٢- ٣٠٣.
- *الدر المنثور ٥/ ٣٣.
وحديث الواقدي المشار إليه هو: حدثني ابن أبي ١ حبيبة عن داود ٢ بن الحصين عن أبي سفيان ٣ عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب قالت لأبي أيوب: "ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ " قال: "بلى، وذلك الكذب" ، ثم ساق قريبا من ألفاظ حديث ابن إسحاق ٤ المتقدم ٥.
- ١إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري، الأشهلي، مولاهم أبو إسماعيل المدني، ضعيف، من السابعة، (ت ١٦٥) وهو ابن ٨٢ سنة، / دت س. التقريب ١/ ٣١.
- ٢داود بن الحصين الأموس، أبو سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة، ورمي برأي الخوارج، من السادسة (ت ١٣٥) /ع. المصدر السابق ١/ ٢٣١.
- ٣أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد، قيل اسمه وهب، وقيل قزمان، ثقة من الثالثة / ع. المصدر السابق ٢/ ٤٢٩.
- ٤تقدم ص ٢٧٣.
- ٥مغازي الواقدي ٢/ ٤٣٤.
فهذه ثلاث روايات وردت في هذا الباب: الأولى: رواية ابن إسحاق وفيها الإبهام المذكور (عن بعض رجال بني النجار) .
الثانية: رواية الحاكم والواقدي وابن عساكر من طريق أفلح مولى أبي أيوب وهي موصولة عند الواقدي، وأما رواية الحاكم وابن عساكر فلا نستطيع الجزم بوصلها أو عدمه إلا بعد الإطلاع على تاريخ ابن عساكر والإكليل للحاكم.
الثالثة: رواية أبي بكر الآجري والواحدي من طريق عطاء الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة وهي موصولة عند الواحدي.
فهذه الروايات بمجموعها يقوي بعضها بعضا ويكون الحديث على أقل تقدير حسنا لغيره.
وهذه الأحاديث المتعاضدة تبرز موقف أبي أيوب وزوجه من حادثة الإفك، وهو موقف جدير بالتنويه، ذلك لأن بعض الناس وقعوا في شرك هذه الدسيسة السيئة والفرية الذميمة فأخذوا يشيعونها دون وعي لأبعادها السيئة، أما أبو أيوب وزوجه فقد نفياها واعتبراها بهتانا عظيما، وأوضحا أن أقل رتبة في الورع والاستقامة من عائشة وصفوان لا يقع في مثل هذه السفاسف. فكيف بأم المؤمنين وزوج سيد الخلق أجمعين، فرضي الله عن أبي أيوب وزوجه وأرضاهما.
ولقد أنصفتهما عائشة رضي الله عنها فنوهت بموقفهما النزيه الشريف من هذه الفرية وكأنها تعرض بمن وقع في حبائل هذه الفتنة العمياء.
وأنزل الله سبحانه فيما أنزل في كتابه: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ إشارة إلى موقف أبي أيوب وزوجه، وقولهما ذلك كما أثبتت ذلك الروايات السابقة، وعلى هذا جرى عامة المفسرين فإنهم حين يفسرون قوله سبحانه ﴿ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ يذكرون هذه روايات المتعلقة بموقف أبي أيوب وزوجه على أن المراد بهذه الإشارة القرآنية هو أبو أيوب الأنصاري وزوجه والله أعلم.
المبحث الخامس: النزاع بين الأوس والخزرج
حصل نزاع شديد بين الحيين الأوس والخزرج بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين خطب في الناس يستعذر من ابن أبي، فقال: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" .
فقام سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأوس فقال: "أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ".
فرد عليه سعد بن عبادة سيد الخزرج بقوله: "كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ".
فقام أسيد بن حضير ابن عم ١ سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: "كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين ".
- ١قال ابن حجر: ليس ابن عمه لحما، ولكنهما يجتمعان في امرئ القيس لأن سعد بن معاذ هو ابن النعمان بن امرئ القيس، وأسيد بن حضير ابن سماك وابن عتيك بن امرئ القيس (الفتح ٨/ ٤٧٤، والإصابة ١/ ٤٩ و٢/ ٣٧، وأسد الغابة ١/ ١١١ و٢/ ٣٧٣) .
فثار الحيان، الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا، وسكت. وسوف أسرد الروايات المتعلقة بهذا الشجار مبينا السبب الدافع لسعد بن عبادة على مقالته، ومحاولا بعد ذلك تحليلها حسب الإمكان. فأقول: إن السبب الدافع لسعد ابن عبادة على ما جرى منه هو قول سعد بن معاذ: "إن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك "، فأثرت هذه الكلمة في سعد بن عبادة تأثيرا شديدا، ذلك لأنه رأى أن فيها هضما لحقه بحكم أنه سيد الخزرج ويريد سعد بن معاذ أن يتحكم فيهم، مما يجعله يتهم سعد بن معاذ بأن فعله هذا لم يكن نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد بذلك الانتقام من الخزرج لما كان بينهم من العداوة قبل الإسلام، وهذه الروايات المتعلقة بذلك: فقد صرحت عائشة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله الحديث، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي " فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: " أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك". قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية، فقال لسعد ابن معاذ: "كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله" . فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: "كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين" . فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا الحديث ... ١.
وفي لفظ: "وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية" ٢.
وعند الواقدي: "وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن الغضب بلغ منه، وعلى ذلك ما غمص عليه في نفاق ولا غير ذلك إلا أن الغضب يبلغ من أهله" ٣.
ما رواه البخاري في المغازي: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا وكلهم حدثني طائفة من حديثها ثم ساق الحديث ...
وفيه: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله ابن أبي وهو على المنبر فقال: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي ... " فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال: "أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا٤ من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك" . قالت: فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه ١ وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: "كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل" ، وهذا محل الشاهد ٢.
- ١قال ابن حجر: "قوله: (من فخذه) بعد قوله: (بنت عمه) ، إشارة إلى أنها ليست بنت عمه لحما لأن سعد بن عبادة يجتمع معها في ثعلبة: فهو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة ... الخ" وهي الفريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبدود بن زيد بن ثعلبة. الخ، انظر فتح الباري ٨/ ٤٧٢ و٧/ ١٢٦ من كتاب المناقب.
- ٢كتاب المغازي باب حديث الإفك ٥/ ٩٨- ٩٩.
- *صحيح مسلم ٨/ ١١٦ و١١٨ من كتاب التوبة، وانظر سياق حديث الإفك، ص ٢٠٥ وما بعدها.
- *صحيح مسلم ٨/ ١١٦ و١١٨ من كتاب التوبة، وانظر سياق حديث الإفك، ص ٢٠٥ وما بعدها.
- *مغازي الواقدي، ٢/ ٤٣١. (من) تبعيضية والأخرى بيانية، فتح الباري ٨/ ٤٧٢.
وعند ابن إسحاق من رواية عباد بن عبد الله بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة "فقام سعد بن عبادة وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا، فقال: كذبت لعمر الله لا تضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا" ٣ا?.
وعند ابن إسحاق بن راهويه والطبري من حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن علقمة بن وقاص وغيره أيضاً قال: خرجت عائشة تريد المذهب ومعها أم مسطح وكان مسطح بن أثاثة ممن قال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس قبل ذلك فقال: "كيف ترون فيمن يؤذيني في أهلي ويجمع في بيته من يؤذيني؟ " فقال سعد بن معاذ: "أي رسول الله إن كان منا معشر الأوس جلدنا رأسه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فأطعناك" ، فقال سعد بن عبادة: "يا ابن معاذ والله ما بك نصرة رسول الله، ولكنها قد كانت ضغائن ١ في الجاهلية وأحن ٢ لم تحلل ٣ لنا من صدوركم" فقال ابن معاذ: "الله أعلم ما أردت" .
- ١ضغائن: جمع ضغينة وهي: الحقد والعداوة والبغضاء. النهاية لابن الأثير ٣/ ٩١.
- ٢الإحن: جمع أحنة: وهي الحقد والبغضاء. المصدر السابق ١/ ٢٧.
- ٣لم تحلل لنا من صدوركم: أي لم تزل كامنة لنا في صدوركم.
- *سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٠ غير أن ابن إسحاق صرح بوقوع المحاورة بين أسيد بن حضير وبين سعد بن عبادة، ولم يذكر في حديثه سعد بن معاذ أصلا.
فقام أسيد بن حضير فقال: "يا ابن عبادة إن سعدا ليس شديدا، ولكنك تجادل عن المنافقينن وتدفع عنهم" ، وكثر اللغط في المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على المنبر، فما زال النبي صلى الله عليه وسلم يومئ بيده إلى الناس ههنا وههنا حتى هدأ الصوت " الحديث ١ ...
- ١مسند إسحاق بن راهويه ٤/ ١٣٤، وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤.
وقد صرح إسحاق بن راهويه في روايته بتحديث ابن حاطب لمحمد ١ بن بشر العبدي، ولكن الذي يظهر أنه سقط من السند شيخ محمد بن بشر العبدي وهو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، ويكون هو الذي قال: حدثنا ابن حاطب، كما هو مصرح به عند الطبري في هذا الحديث.
- ١في الأصل (محمد بن بسر العبدي) والتصحيح من إسناد الطبري.
ويقوي هذا أن محمد بن بشر العبدي من التاسعة، وابن حاطب من الثالثة فبينهما ست طبقات ١.
- ١انظر التقريب ٢/ ١٤٧ و٣٥٢.
وفي إسناد الطبري شيخه سفيان بن وكيع بن الجراح، وهو متكلم فيه ١. ولكن ما يدل عليه هذا الحديث، ثابت عند البخاري وابن إسحاق، كما أوضحت ذلك ٢.
- ١انظر المصدر السابق ١/ ٣١٢، وتهذيب التهذيب ٤/ ١٢٣- ١٢٤ وميزان الاعتدال ٢/ ١٧٣.
- ٢انظر، ص ٢٧٨- ٢٧٩.
من المعلوم أن سعد بن عبادة رئيس قبيلة الخزرج، التي منها عبد الله بن أبي ابن سلول، وأن سعد بن معاذ رئيس الأوس، وقد جرى بين السعدين رضي الله عنهما نزاع أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي ". الحديث.
فقام سعد بن معاذ فقال: "يا رسول الله إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك".
وفي هذه الكلمة من سعد بن معاذ إغفال لقيادة سعد بن عبادة لقومه الخزرج، وسبب هذا الإغفال -فيما يبدو - هو تأثر سعد بن معاذ من ألم رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الفرية على أهله.
غير أن هذا السبب الحامل لسعد بن معاذ على مقالته لم يكن ليجدي نفعا في تهدئة انفعال سعد بن عبادة الذي رأى في هذا الإغفال هضما لحقه وتنقصا لقبيلته، فقال فورا: "كذبت ١ لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله" ، فأثارت هذه الكلمة أيضا أسيد بن حضير ابن عم سعد ابن معاذ فقال لسعد بن عبادة: "كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق ٢ تجادل عن المنافقين" .
- ١قوله: (كذبت) أجاب ابن التين نقلا عن الداودي أن معنى ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجعل حكمه إليك، فلذلك لا تقدر على قتله. قال ابن حجر: "وهو حمل جيد". فتح الباري ٨/ ٤٧٣.
- ٢قوله: (فإنك منافق) الخ أجاب المازري عن هذا بما يأتي: أ- أن ذلك وقع من أسيد على جهة الغيظ والحنق والمبالغة في زجر سعد بن عبادة، عن المجادلة عن ابن أبي وغيره، ولم يرد النفاق الذي هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر. ب- أو أراد أن سعد بن عبادة كان يظهر المودة للأوس ثم ظهر منه في هذه القصة ضد ذلك، فأشبه حال المنافق، لأن حقيقته إظهار شيء وإخفاء غيره، ولم يرد بذلك نفاق الكفر، قال: ولعل هذا هو السبب في ترك إنكار النبي صلى الله عليه وسلم عليه. انظر فتح الباري ٨/ ٤٧٣- ٤٧٤.
وكانت هذه الكلمة القوية من أسيد بن حضير سببا في احتدام الصراع العنيف الذي دار بين الفريقين (الأوس والخزرج) وارتفعت الأصوات من كلا الجانبين وكثر اللغط وكادت تكون كارثة، تقر بها أعين الحاقدين على الإسلام وأهله، لولا أن الله سلم. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حكيما في معالجة الموقف، فما زال بالحيين يخفضهم وينهاهم عن هذه العصبيات الجاهلية، التي أرسل لهدمها حتى هدأ القوم وعادوا إلى صوابهم راشدين.
وكان في ذلك انتصار للمسلمين وانكسار لأعداء الله من المنافقين والمشركين.
المبحث الأول: الإنتقاد الوارد على الزهري في جمعه حديث الإفك والجواب عنه مع تخريج الحديث
...
المبحث الأول: الانتقاد الوارد على الزهري في جمعه حديث الإفك والجواب عنه مع تخريج الحديث تقدم في أول حديث الإفك أن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها مما قالوا: "وكلهم حدثني طائفة من حديثها ... " ١.
ومن هنا انتقد على الزهري هذا في كونه لم يفرد حديث كل واحد منهم على الآخر.
وقد أجاب العلماء عن هذا بما يأتي: أ- أجاب النووي بقوله: "هذا الذي ذكره الزهري من جمعه الحديث عنهم جائز لا مانع منه، ولا كراهة فيه، لأنه قد بين أن بعض الحديث عن بعضهم وبعضه عن بعضهم، وهؤلاء أئمة حفاظ ثقات من أجل التابعين، فإذا ترددت اللفظة من هذا الحديث، كونها عن هذا أو ذاك لم يضر، وجاز الاحتجاج بها لأنهما ثقتان ".
- *انظر الحديث، ص ٢٠٥.
وقد اتفق العلماء على أنه لو قال حدثني زيد أو عمرو وهما ثقتان معروفان بالثقة عند المخاطب، جاز الاحتجاج به. وقال أيضا في أثناء تعداد فوائد الحديث ١: إحداها: جواز رواية الحديث الواحد عن جماعة عن كل واحد قطعة مبهمة منه، وهذا وإن كان فعل الزهري وحده ٢، فقد أجمع المسلمون على قبوله منه، والاحتجاج به ٣.
- ١حديث الإفك.
- ٢قلت: وهو صنيع ابن إسحاق والواقدي، أيضا. انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٠ ومغازي الواقدي ١/ ٤٠٤
- ٣شرح مسلم للنووي ٥/ ٦٢٨- ٦٢٩ و٦٤١.
ب- وأورد أحمد بن عبد الرحيم العراقي قول النووي هذان وزاد: وحكى القاضي عياض عن بعضهم أنه انتقد هذا على الزهري قديما، وقال: "كان الأولى أن يذكر حديث كل منهم بجهته ".
ثم عقب العراقي بقوله: "ولا درك على الزهري في شيء منه، لأنه قد بين ذلك في حديثه، والكل ثقات "٤.
ج- ونقل ابن حجر قول عياض هذا الذي ذكره العراقي، ثم عقب بقوله: "وقد تتبعت طرق الحديث فوجدته من رواية عروة على انفراده، ومن رواية علقمة بن وقاص على انفراده، وفي سياق كل منهما مخالفات ونقص وبعض زيادة لما في سياق الزهري عن الأربعة ". ثم قال: "وأما رواية سعيد بن المسيب وعبيد الله فلم أجدهما إلا من رواية الزهري عنهما".
ثم ذكر أن الحديث رواه جماعة عن عائشة غير مشايخ الزهري الأربعة.
وذكر أيضا أنه رواه جماعة من الصحابة غير عائشة رضي الله عنها، ثم أشار إلى الذين خرجوا هذه الروايات من العلماء. انتهى باختصار من فتح الباري ٨/ ٤٥٦ وفيما يلي تخريجه: أولاً: رواية الحديث من طريق الزهري عن مشايخه الأربعة: أ- رواية صالح بن كيسان عنه. أخرجها البخاري في المغازي باب حديث الإفك ٥/ ٩٦ و٦/ ٦٤ التفسير، باب ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرا﴾ و٨/ ١١٤ كتاب الأيمان والنذور، باب قول الرجل لعمر الله و٩/ ٩١ كتاب الاعتصام باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ وأخرجها مسلم ٨/١١٨ كتاب التوبة، وأحمد في مسنده ٦/ ١٩٧ و١٩٨، وأبو يعلى في مسنده ٤/ ق ٤٤٧ أو ٤/ ق ٤٥٠ ب.
- *طرح التثريب ٨/ ٤٧.
ب- رواية فليح بن سليمان عنه: أخرجها البخاري ٣/ ١٥١ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا، ومسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة وابن شيبه في تاريخ المدينة ١/ ١٠١ وأبو يعلى في مسنده ٤/ ق ٤٤٤ و٤/ ق ٤٤٧ أ.
ج- رواية معمر بن راشد عنه: أخرجها مسلم ٨/ ١١٢ كتاب التوبة والترمذي٥/١٧ وعبد الرزاق في المصنف ٥/٤١٠ حديث الإفك وأحمد في المسند ٦/١٩٤ وإسحاق بن راهويه في مسنده ٤/ ق ١٢٧ ب والطبري في التفسير ١٨/ ٨٩- ٩٠.
د- رواية يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري: أخرجها البخاري ٣/ ١٤٧ كتاب الشهادات، باب إذا عدل رجل أحدا فقال لا نعلم إلا خيرا و٤/ ٢٧ كتاب الجهاد والسير باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه و٦/ ٦٤ من تفسير سورة يوسف باب قوله تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً﴾ و٦/٨٤ تفسير سورة النور باب: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ و٨/١١٤كتاب الأيمان والنذور باب قول الرجل لعمر الله ٩/١١٦، كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ و٩/ ١٢٧ من كتاب التوحيد باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الماهر بالقرآن مع الكرام البررة"
ومسلم ٨/ ١١٢ كتاب التوبة والترمذي ٥/ ١٧ كتاب التفسير وأبو داود ٢/ ٥٣٦ كتاب السنة باب في القرآن.
هـ- رواية محمد بن إسحاق عن الزهري ٢/ ٢٩٧ من سيرة ابن هشام والطبري من هذه الطريق في التفسير ١٨/٩٢ والتاريخ ٢/٦١١.
ثناياً: رواية الحديث عن عروة على انفراده أخرجها البخاري ٣/ ١٥٤ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا من طريق هشام بن عروة عنه و٦/ ٨٤ تفسير سورة النور باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ من طريق الزهري عنه و٦/ ٨٩ تفسير سورة النور باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من طريق هشام بن عروة عنه. وكتاب الاعتصام باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ من طريق هشام عنه. ومسلم ٨/١١٨ كتاب التوبة من طريق هشام بن عروة عنه. والترمذي ٥/١٣ كتاب التفسير وأحمد في المسند ٦/٥٩ من طريق هشام بن عروة عنه. وابن إسحاق٢/٢٩٦ سيرة ابن هشام من طريق الزهري عنه. والطبري في التاريخ ٢/٦١٠- ٦١١.
ثالثاً: رواية الحديث عن علقمة بن وقاص على انفراده، أخرجها إسحاق ابن راهويه في مسنده ٤/ق ١٣٤ ب و٤/ق١٣٥ب من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنه. والطبري في التفسير ١٨/ ٩٤ من هذه الطريق.
رابعاً: روابية الحديث عن عائشة من غير مشايخ الزهري: أ- أخرجه البخاري ٣/١٥٤ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر عنها.
ب- وأخرجه ابن إسحاق من طريق يحيى بن عباد عن أبيه عن عائشة ومن طريق عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، سيرة ابن هشام ٢/٢٩٧. وأخرجه أبو داود في كتاب الحدود باب في حد القذف ٢/٤٧١، والترمذي ٥/١٧ في تفسير سورة النور وابن ماجه ٢/ ٨٥٧ كتاب الحدود باب حد القذف. الجميع من طريق ابن إسحاق الثانية. مختصرا.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،