غزوة ذات الرقاع في سنة أربع
المبحث الثاني عشر: غزوة ذات الرقاع
وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة من غطفان. وهي التي صلى النبي فيها صلاة الخوف وكانت تسمى أيضًا (غزوة نجد) .
١ - سبب تسميتها بهذا الاسم
٥٩٣ - من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "خرجنا مع النبي ﷺ في غزاة، ونحن في تسعة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا وحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذاك قال: ما كنت أصنع بأن أذكره، كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه" ١ .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة ذات الرقاع حديث رقم: ٤١٢٥، ومسلم في صحيحه كتاب الهجرة والمغازي باب غزوة الرقاع حديث رقم: ١٨١٦.
٢ - وقتها
قال الإِمام البخاري: إن غزوة ذات الرقاع كانت بعد غزوة خيبر ١ ، وأيده في ذلك ابن كثير في سيرته ٢ ، وابن حجر في الفتح ٣ ، وابن القيم في زاد المعاد ٤ .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب حفصة من بني ثعلبة من غطفان، ونزل نخلا وهي بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء بعد فتح خيبر: ٧/ ٤١٦.
- ٢السيرة النبوية ابن كثير: ٣/ ١٦١.
- ٣ابن حجر في الفتح: ٧/ ٤١٨.
- ٤زاد المعاد: ٣/ ٢٥٣.
إلا أن محمَّد بن إسحاق وجماعة من أهل السير والمغازي قالوا: إنها كانت في جمادى الأولى بعد غزوة بني النضير بشهرين، وذلك في السنة الرابعة للهجرة ١ . قلت: وما في الصحيح أصح، وأولى بالتقديم، وله من أحاديث الصحابة رضوان الله عليهم ما يسنده ويقويه، من قول أبي هريرة: "صليت مع النبي ﷺ في غزوة نجد صلاة الخوف" ، وإنما جاء أبو هريرة إلى النبي ﷺ أيام خيبر ٢ .
- ١ابن هشام في السيرة: ٣/ ١٥٧.
- ٢أخرجه أحمد: ٢/ ٣٢٠، والنسائي: ٣/ ١٧٣، وإسناده صحيح، وابن حبان في صحيحه: ٥٨٥ موارد الظمآن، وأبو داود في الصلاة باب من قال يكبرون جميعًا وإن وكانوا مستدبري القبلة حديث رقم: ١٢٤٠.
ويؤيده أيضًا ما جاء من حديث أبي موسى الأشعري السابق في سبب تسمية هذه الغزوة بهذا الاسم، وإخباره بأنه حضرها، وإنما جاء أبو موسى الأشعري مع جعفر بعد غزوة خيبر ".
ويؤيده أيضًا ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "غزوت مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فذكر صلاة الخوف " ١ ، وإنما كانت إجازة النبي ﷺ لابن عمر بالقتال عام الخندق" .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة ذات الرقاع حديث رقم: ٤١٣٢.
٣ - محاولة اغتيال النبي عليه السلام، وصلاته بالمسلمين صلاة الخوف
٥٩٤ - من حديث جابر رضي الله عنه قال: "أقبلنا مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كنا بذات الرقاع قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة، تركناها لرسول الله ﷺ ، قال: فجاء رجل من المشركين، وسيف رسول الله ﷺ معلق بشجرة، فأخذ سيف نبي الله ﷺ فاخترطه، فقال لرسول الله ﷺ : أتخافني؟ قال: (لا) قال: فمن يمنعك مني؟ قال: (الله يمنعني منك) قال: فتهدده أصحاب رسول الله ﷺ ، فأغمد السيف، وعلقه، قال: فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان" .
وقد جاء التصريح باسم هذا الرجل في رواية أحمد كما يلي: "قاتل رسول الله ﷺ في محارب خصفة، فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث حتى قام على رأس رسول الله ﷺ بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ قال: (الله عز وجل فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن كخير آخذ، قال: (أتشهد أن لا إله إلا الله؟) قال: لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، قال: فذهب إلى أصحابه، قال: قد جئتكم من عند خير الناس" ١ .
- ١أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة ذات الرقاع حديث رقم: ٤١٣٦، مسلم في صلاة المسافرين باب صلاة الخوف حديث رقم: ٨٤٣، وأحمد في المسند: ٣/ ١١١، ٣٦٤، ٣٦٥. أما عن تفصيلات صلاة الخوف فيستطاع الرجوع إلى ذلك إلى كتاب الصلاة باب صلاة الخوف في كل من صحيحي البخاري ومسلم، وسائر كتب السنة المشرفة، وكتب الفقه.
٤ - عباد بن بشر وما حصل معه أثناء الحراسة
٥٩٥ - من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع فأصيبت امرأة من المشركين، فلما انصرف رسول الله ﷺ قافلًا، وجاء زوجها، وكان غائبًا، فحلف أن لا ينتهي حتى يهريق دمًا في أصحاب محمد ﷺ ، فخرج يتبع أثر النبي ﷺ ، فنزل النبي ﷺ منزلًا، فقال: (عن رجل يكلؤنا) ١ فانتدب رجل من المهاجرين، ورجل من الأنصار، فقالا: نحن يا رسول الله، قال: (فكونا بفم الشعب) ٢ . قال: وكانوا نزلوا إلى شعب الوادي، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل أحب إليك أن أكفيكه أوله أو آخره؟ قال: اكفني أوله، فاضطجع المهاجري، فنام، وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل، فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة ٣ القوم، فرماه بسهم، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائمًا، ثم رماه بسهم آخر، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائمًا ثم عاد له بثالث فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه ٤ فقال: اجلس فقد أوتيت، فوثب فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذروا به ٥ فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله ألا أهببتني قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها ٦ ، فلما تابع الرمي ركعت فأريتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها وأنفذها" ٧ .
- ١يكلؤنا: يحرسنا.
- ٢الشعب: الوادي، وزاد ابن إسحاق: وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر الأنصاري.
- ٣ربيئة: العين أو الطليعة التي تقوم على حراسة القوم من عدوهم.
- ٤أهب صاحبه: أيقظه.
- ٥نذروا به: عرفوا بخطره.
- ٦أنفذها: أفرغ منها.
- ٧أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٣٤٤، ٣٥٩، أبو داود في الطهارة باب الوضوء من الدم حديث: ١٩٨، وابن هشام في السيرة: ٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩، والبيهقي في السنن: ٩/ ١٥٠، كتاب السير باب صلاة الحرص، وفي الدلائل: ٣/ ٣٧٩، وفي سند هذا الحديث عقيل بن جابر بن عبد الله، وثقه ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وصححه ابن خزيمة: ٣٦، وذكره البخاري معلقًا، كذا قال في التلخيص الحبير: ١/ ١١٤ - ١١٥، قلت: وإسناده حسن.
٥ - قصة جمل جابر بن عبد الله رضي الله عنه
٥ - قصة جمل جابر بن عبد الله رضي الله عنه : ٥٩٦ - من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "خرجت مع رسول الله ﷺ في عزاة، فأبطأ بي جملي، فأتى عليَّ رسول الله ﷺ ، فقال لي: (يا جابر) قلت: نعم. قال: (ما شأنك) ، قلت: أبطأ بي جملي وأعيا ١ فتخلفت، فنزل فحجنه بمحجنة ٢ ثم قال: (اركب) فركبت فلقد رأيتني أكفه عن رسول الله ﷺ فقال: (أتزوجت؟) فقلت: نعم، فقال: (أبكرًا أم ثيبًا؟) فقلت: بل ثيب. قال: (فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟) فقلت: إن لي أخوات، فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن، وتمشطهن، وتقوم عليهن. قال: (أما إنك قادم، فإذا قدمت فالكيس الكيس!) ثم. قال: (أتبيع جملك؟) قلت: نعم، فاشتراه مني بأوقية.
- ١أعيا: عجز عن السير.
- ٢حجنه بمحجنه: المحجن: العصا فيها تعقيف يلتقط بها الركب ما سقط منه.
ثم قدم رسول الله ﷺ ، وقدمت بالغداة، فجئت المسجد فوجدته على باب المسجد، فقال: (الآن حين قدمت؟) قلت: نعم، قال: (فدع جملك، وادخل فصل ركعتين) قال: فدخلت فصليت، ثم رجعت. فأمر بلالًا أن يزن لي أوقية. فوزن لي بلال، فأرجح في الميزان. قال فانطلقت. فلما وليت قال: (ادع لي جابرًا) فدعيت. فقلت: الآن يرد علي الجمل ولم يكن شيء أبغض إلي منه. فقال: (خذ جملك ولك ثمنه) ١ .
- ١أخرجه البخاري في كتاب البيوع باب شراء الدواب والحمير حديث رقم: ٢٠٩٧ وفي مواطن أخرى متعددة، ومسلم في كتاب الرضاع باب استحباب نكاح البكر حديث: ٧١٥/ ٥٧، ص: ١٠٨٩، ومسلم في المساقاة باب بيع البعير واستثناء ركوبه: ٧١٥/ ١١٤، والطيالسي: ١/ ٣٠٥ برقم: ١٥٥٠، وأحمد في المسند: ٣/ ٢٩٩، ٣٠٣، والحميدي رقم: ١٢٨٧، والترمذي في البيوع باب ما جاء في اشتراط ظهر الدابة عند البيع رقم: ١٢٥٣، وأبو داود في الإمارة باب في شرط في بيع: ٣٥٠٥، والنسائي في البيع باب البيع يكون فيه اشتراط فيصح البيع والشرط: ٧/ ٢٩٧، وابن ماجه في التجارات باب في السوم: ٢٢٠٥، وأبو يعلى في المسند: ١٧٩٣، وكل هؤلاء أخرجوه عنه بطرق تعددة وكلها صحيحه والحمد لله.
ولم يأت في لفظ الصحيحين التصريح باسم الغزوة التي حصلت فيها قصة جابر، ولكن جاء من نفس الطريق طريق وهب بن كيسان عن جابر التصريح بأن الغزوة هي غزوة ذات الرقاع، وذلك عند ابن هشام في السيرة: ٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧، عن ابن إسحاق حدثني وهب بن كيسان عن جابر … ، وهذا سند صحيح، لأن ابن إسحاق صرح بالتحديث، فزالت عنه شبهة التدليس.
١ - في الحديث جواز المساومة لمن يعرض سلعته للبيع.
٢ - وفيه أن القبض ليس شرطًا في صحة البيع.
٣ - وجواز التحدث بالعمل الصالح للإتيان بالقصة على وجهها لا على وجه تزكية النفس، وإرادة الفخر.
٤ - وفيه تفقد الإمام والكبير لأصحابه وسؤاله عما ينزل بهم، وإعانتهم بما تيسر من حال أو مال أو دعاء.
٥ - وفيه جواز الضرب للدابة للمسير، وإن كانت غير مكلفة، إذا لم تكن قادرة.
٦ - وفيه توقير التابع لرئيسه.
٧ - وفيه الوكالة في وفاء الدين، والشراء بالنسيئة.
٨ - وفيه جواز الزيادة في الثمن عند الأداء، والرجحان في الوزن لكن برضا المالك.
٩ - وفيه فضيلة لجابر حيث ترك حظ نفسه وامتثل أمر النبي ﷺ له ببيع جمله مع احتياجه إليه.
١٠ - وفيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ .
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،