غزوة دومة الجندل في شهر ربيع الأول سنة خمس
[غزوة دومة الجندل]
قال الواقديّ: وفيها غزَا دَوْمة الجنْدل في شهر ربيع الأول، وكان سببُها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلغه أن جمعًا تجمَّعوا بها ودنوْا من أطرافه. فغزاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى بلغ دَوْمة الجندل، ولم يلقَ كيدًا، وخلَّف على المدينة سباع بن عُرْفَطَة الغِفاريّ ١ . (٢: ٥٦٤) . قال أبو جعفر: وفيها وادَعَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عُيَينَةَ بن حِصْن أن يرعى بتَغْلَمَين وما والاها ٢ . (٢: ٥٦٤) .
- ١الواقدي متروك، وأخرج ابن هشام في السيرة النبوية قصة غزوة - صلى الله عليه وسلم - لدومة الجندل (عن ابن إسحاق معلقًا).
- ٢ضعيف.
٢١٤ - قال محمد بن عمر -فيما حدَّثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه-: وذلك أن بلاد عُيَينَةَ أجدبت، فوادع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرعى بتغلمين إلى المَرَاض؛ وكان ما هنالك قد أخصب بسحابة وقعت، فوادعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرعى فيما هنالك ١ (٥٦٤: ٢) . قال الواقديّ: وفيها تُوفيتْ أم سعد بن عبادة وسعد غائبٌ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى دومة الجندل ٢ . (٢: ٥٦٤) .
- ١الواقدي متروك.
- ٢ضعيف.
٢١٥ - فحدثت عن محمد بن عمر، قال: كان الذي أشار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخندق سَلْمان، وكان أوّل مشهد شهِده سلْمان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وهو يومئذ حرّ، وقال: يا رسولَ الله؛ إنا كنَّا بفارس إذا حوصرنا خَنْدَقْنا علينَا ١ . (٢: ٥٦٦) .
- ١بين الطبري والواقدي انقطاع، والواقدي متروك وقد ذكره بلا إسناد. وقال الأستاذ العمري في حاشية السيرة: أقدم من أشار إلى ذلك أبو معشر السدي (ت ١٧١ هـ) بدون إسناد (فتح الباري ٧/ ٣٩٣) والواقدي: مغازي (٢/ ٤٤٥) بدون إسناد وابن هشام (السيرة ٢/ ٥٢٤) اهـ. (السيرة النبوية الشريفة. العمري ٢/ ٤٢٠).
٢١٦ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: فعَمِل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل فيه المسلمون: فدأب فيه ودأبوا، وأبطأ عَن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وعن المسلمين في عملهم رجالٌ من المنافقين، وجعلوا يُوَرُّون بالضَّعْف من العمل، ويتسلَّلون إلى أهاليهم بغير علْم من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا إذن. وجعل الرَّجُل من المسلمين إذا نابتْه نائبة من الحاجة التي لا بدَّ منها يذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويستأذنه في اللحوق بحاجته؛ فيأذن له؛ فإذا قضى حاجتَه رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبةً في الخير، واحتسابًا له؛ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فنزلت هذه الآية في كلّ من كان من أهل الحِسْبَة من المؤمنين والرغبة في الخير؛ والطاعة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -. ثم قال يعني المنافقين الذين كانوا يتسلَّلون من العمل، ويذهبون بغير إذْن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ﴾ ، أي: قد علم ما أنتم عليه من صدق أو كَذِب، وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه؛ وارتجزوا فيه برَجُل من المسلمين يقال له: جُعَيل، فسمَّاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "عَمْرًا" ، فقالوا: سَمَّاهُ مِنْ بعدِ جُعَيلٍ عَمْرَا ... وكانَ للْبَائِس يَومًا ظَهْرَا فإذا مرّوا بعمرو، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "عمرا" ، وإذا قالوا: "ظهرا" ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ظهْرا" ١ .
- ١إسناده مرسل، وكذلك أخرجه ابن هشام من الطريق نفسه مرسلًا وكذلك أخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٤١٠).
٢١٧ - فحدَّثنا محمد بن بشار، قال: حدَّثنا محمد بن خالد بن عَثْمَة، قال: حدَّثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزنيّ، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، قال: خط رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الخَنْدق عامَ الأحزاب من أجُم الشَّيخَين طرف بني حارثة؛ حتى بلغ المذاد ثم قطَّعه أربعين ذراعًا بين كلِّ عشرة، فاحْتقّ المهاجرون والأنصار في سلْمان الفارسيّ -وكان رجلًا قوتًا- فقالت الأنصار: سلْمان منَّا، وقالت المهاجرون: سلْمان منَّا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: سلْمان منَّا أهلَ البيت. قال عمرو بن عوف: فكنتُ أنا وسلْمان، وحُذَيفة بن اليمان، والنعمان بن مقرِّن المزنيّ، وستة من الأنصار في أربعين ذراعًا، فحفرنا تحت ذو باب حتى بلغنا النَّدى، فأخرج الله عزّ وجلّ من بطن الخندق صخرةً بيضاء مَرْوَةً فكسرت حديدَنا، وشقَّت علينا. فقلنا: يا سلْمان! ارقَ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره خبرَ هذه الصخرة، فإمَّا أن نعدِل عنها فإنَّ المعدل قريب، وإمَّا أن يأمرنا فيها بأمره؛ فإنا لا نحب أن نجاوزَ خطَّه.
فَرَقَى سلمان حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ضاربٌ عليه قُبَّة تُرْكيَّة، فقال: يا رسول الله! بأبينا أنت وأمِّنا! خرجتْ صخرة بيضاء من الخندق مَرْوة، فكسرتْ حديدَنا، وشقَّت علينا حتى ما نُحِيك فيها قليلًا ولا كثيرًا؛ فمُرْنا فيها بأمرك؛ فإنا لا نحبَّ أن نجاوزَ خطَّك. فهبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع سلْمان في الخندق، ورقينا نحن التِّسعةَ على شقَّة الخندق، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المِعْول من سلمان، فضرب الصَّخرة ضَرْبةً صدَعها، وبرقت منها بَرْقة أضاء ما بين لابتَيها - يعني: لابتي المدينة- حتَّى لكأن مصباحًا في جوف بيت مظلم. فكبَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكبير فتح، وكبَّر المسلمون. ثم ضربها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثانية، فصدَعها وبرق منها برقة أضاء منها ما بين لابتيها، حتَّى لكأنَ مصباحًا في جوف بيت مظلم؛ فكبَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكبيرَ فتح وكبّر المسلمون. ثم ضربها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الثالثة فكسرها، وبرقَ منها برقة أضاء ما بين لابتيها؛ حتى لكأن مصباحًا في جوف بيت مظلم، فكبَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكبيرَ فتح وكبَّر المسلمون، ثم أخذ بيد سلمان فرقِيَ، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! لقد رأيت شيئًا ما رأيته قطّ! فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى القوم، فقال: هل رأيتُم ما يقول سلْمان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، بأبينا أنت وأمِّنا! قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموْج، فرأيناك تكبِّر فنكبّر، ولا نرى شيئًا غير ذلك. قال: صدقتم، ضربت ضربتي الأولى، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحِيرة ومدائن كسرى، كأنَّها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريلُ: أنّ أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربتُ ضربتي الثانية، فبرق الذي رأيتُم، أضاءت لي منها قصور الحُيرة ومدائن كسرى، كأنَّها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريلُ: أن أمَّتي ظاهرة عليها، ثم ضربتُ ضربتي الثالثة، فبرق الَّذي رأيتُم؛ أضاءت لي منها قصور الحُمْر من أرض الرُّوم، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل: أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا! يبلغهم النَّصر، وأبشروا! يبلغهم النصر، وأبشروا! يبلغهم النصر! فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمدُ لله موعد صادق بارّ، وعدنا النصر بعد الحصر فطلعت الأحزاب، فقال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ . وقال المنافقون: ألا تعجبون! يحدّثكم ويُمَنّيكم ويَعِدُكم الباطل! يخبركم أنه يبصر من يثرب قصورَ الحيرة ومدائن كسرى؛ وأنها تُفتح لكم؛ وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرؤوا! وأنزل القرآن: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ ١ . (٢: ٥٦٧/ ٥٦٨ / ٥٦٩/ ٥٧٠) .
- ١في إسناده كثير بن عبد الله بن عوف المزني وهو متروك، وقال المحدث الألباني في هذه الرواية: ضعيف جدًّا بهذا السياق، رواه ابن جربر في تأريخه من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده و (كثير) هذا متروك، بل قال الشافعي، وأبو داود: ركن من أركان الكذب (السيرة النبوية للغزالي / ٣٢١).
٢١٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق عمّن لا يتَّهم عن أبي هريرة: أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمن عمر وعثمان وما بعده: افتتحوا ما بدا لكم، فو الَّذي نفس أبي هريرة بيده! ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلَّا وقد أعطِيَ محمَّد مفاتيحَها قبل ذلك ١ . (٢: ٥٧٠) .
- ١في إسناده مبهم. وهو ضعيف.
٢١٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمَة عن ابن إسحاق قال: كان أهلُ الخندق ثلاثة آلاف. قال: ولمَّا فرغ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجُرُف والغابة، في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومَنْ تابعهم من كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غَطَفان ومَنْ تابعهم من أهل نجْدٍ؛ حتى نزلوا بذَنب نَقَمَى إلى جانب أُحُد.
وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون؛ حتى جعلوا ظهورهم إلى سَلْع، في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، وأمر بالذراريّ والنساء، فرفعوا في الآطام وخرج عَدُوُّ الله حُيَيُّ بن أخطب؛ حتى أتى كعب بن أسد القُرظيّ صاحب عَقْد بني قُرَيظة وعهدهم؛ وكان قد وادَع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على قومِه، وعاهده على ذلك وعاقده؛ فلمّا سمع كعب بحُييّ بن أخطب، أغْلَقَ دونه حِصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيَيٌّ: يا كعب، افتح لي، قال: ويحك يا حيَيّ! إنك امرؤٌ مشؤوم، إني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلَّا وفاءً وصدقًا. قال: ويحك! افتح لي أكلّمك، قال: ما أنا بفاعل؛ قال: والله إن أغلقتَ دوني إلَّا على جَشيشتك أن آكل معك منها؛ فأحفَظ الرجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب جئتك بعزّ الدَّهر وببَحْرٍ طامٍ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزِلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنَب نَقَمَى إلى جانب أحُد؛ قد عاهدوني وعاقدوني ألَّا يبوحوا حتى يستأصِلوا محمدًا ومَنْ معه. فقال له كعب بن أسَد: جئتني والله بذلّ الدهر بجَهَام قد هراق ماءَه يرعِد ويُبرق، لسِي فيه شيء! ويحك فدعني ومحمدًا وما أنا عليه؛ فلم أرَ من محمدٍ إلا صدقًا ووفاءً! فلم يزلْ حُيَيّ بكعب يَفْتِله في الذّرْوة والغارب؛ حتى سَمَح له على أن أعطاه عهدًا من الله وميثاقًا: لئن رجعت قريش وغَطفان ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حِصْنك حتى يصيبَني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهدَه، وبرئ ممَّا كان عليه فيما بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فلما انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر وإلى المسلمين، بعث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سعد بن مُعاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بني عبد الأشهل -وهو يومئذ سيِّد الأوس- وسعد بن عبادة بن دُلَيم، أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج -وهو يومئذ سيِّد الخزْرج- ومعهما عبدُ الله بن رَواحة أخو بلْحارث بن الخزرج، وخَوَّات بن جُبَير، أخو بني عمرو بن عوف؛ فقال: انْطلِقُوا حتى تنظروا: أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًّا فالحنوا لي لَحْنًا نعرفه، ولا تَفُتُّوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس.
فخرجوا حتى أتوْهم فوجدوهم على أخبث ما بلَغهم عنهم، ونالوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقالوا: لا عَقْد بيننا وبين محمَّد ولا عهد. فشاتَمهم سعد بن عبادة وشاتَمُوه، وكان رجلًا فيه حَدّ، فقال له سعد بن مُعاذ: دَعْ عنك مشاتَمتهم؛ فما بيننا وبينهم أرْبَى من المشاتمة. ثم أقبل سعد وسعد ومَنْ معهما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلَّموا عليه، ثم قالوا: عَضل والقَارة، [أي] : كغدر عَضَل والقارة بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحاب الرَّجيع؛ خُبَيب بن عَدِيّ وأصحابه. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: الله أكبر! أبشروا يا معشرَ المسلمين! وعَظُمَ عند ذلك البلاء، واشتدَّ الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتَّى ظنّ المؤمنونَ كلّ ظنّ، ونَجَمَ النِّفاق من بعض المنافقين، حتى قال مُعَتِّبُ بن قُشَير، أخو بني عمرو بن عوف: كان محمدٌ يعِدُنا أن نأكلَ كنوزَ كسرى وقيصر؛ وأحدنا لا يقدِرُ أن يذهب إلى الغائط! وحتى قال أوس بن قيظيّ، أحد بني حارثة بن الحارث: يا رسول الله! إن بيوتَنا لعوْرَة من العدوّ -وذلك عن ملأ من رجال قومه- فَائْذن لنا فلنرجع إلى دارنا؛ فإنَّها خارجة من المدينة.
فأقام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وأقام المشركون عليه بضعًا وعشرين ليلة، قريبًا من شهر؛ ولم يكن بين القوم حَرْب إلَّا الرَّمي بالنَّبْل والحصار ١ . (٢: ٥٧٠/ ٥٧١ / ٥٧٢) .
- ١إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وذكره ابن إسحاق بلاغًا، وكذلك أخرجه ابن هشام من كلام ابن إسحاق دون أن يسنده.
٢٢٠ - فأقام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون وعدوّهم محاصروهم؛ لم يكن بينهم قتال إلَّا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ودّ بن أبي قيس، أخو بني عامر بن لُؤيّ، وعِكْرمة بن أبي جهل، وهُبَيرة بن أبي وهب المخزوميَّان، ونوْفَل بن عبد الله، وضِرار بن الخطَّاب بن مرداس أخو بني محارب بن فِهْر؛ قد تلبَّسوا للقتال، وخرجوا على خيلهم، ومرّوا علي بني كِنانة، فقالوا: تهيَّؤوا يا بني كنانة للحرب؛ فستعلمون اليوم من الفرسان! ثم أقبلوا نحو الخندق؛ حتى وقفوا عليه، فلمَّا رأوه قالوا: والله إنَّ هذه لمكيدةٌ ما كانت العرب تكيدها؛ ثم تيمَّموا مكانًا من الخندق ضيقًا، فضربوا خيولَهم، فاقتحمتِ منه؛ فجالت بهم في السَّبَخة بين الخندق وَسلْع، وخرج عليّ بن أبي طالب في نَفر من المسلمين؛ حتى أخذ عليهم الثُّغْرَة التي أقْحَمُوا منها خيلَهم، وأقبلت الفرسان تُعْنِقُ نحوهم. وقد كان عمرو بن عبد وُدٍّ قاتل يوم بدر؛ حتى أثبتتْه الجراحة، فلم يشهد أحدًا، فلما كان يوم الخندق خرج مُعْلمًا ليُرَى مكانُه؛ فلمَّا وقف هو وخيله، قال له على: يا عمرو؛ إنك كنتَ تعاهد الله ألَّا يَدْعُوك رجلٌ من قريش إلى خلَّتَين إلا أخذتَ منه إحداهما! قال: أجَل! قال له عليٌّ بن أبي طالب: فإني أدعوك إلى الله عزّ وجلّ وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك؛ قال: فإني أدعوك إلى النِّزال، قال: ولمَ يا بن أخي؛ فوالله ما أحب أن أقتلك! قال عليّ: ولكني والله أحبُّ أن أقتلك. قال: فحمِيَ عَمْرو عند ذلك، فاقتحم عن فَرَسه فَعَقَره -أو ضَرَبَ وجْهَه- ثم أقبل على عليّ، فتنازلا وتجاولا، فقتله عليّ - عليه السلام - وخرجت خيلُه منهزمة؛ حتى اقتحمت من الخَنْدق هاربة، وقتل مع عمرو رجلان: مُنَبه بن عثمان بن عُبيد بن السَّبَّاق بن عبد الدَّار، أصابه سهم فمات منه بمكّة؛ ومن بني مخزوم نوفل بن عبد الله بن المغيرة، وكان اقتحم الخندق فتورّط فيه، فرموه بالحجارة، فقال: يا معشرَ العرب، قَتْلَة أحسن من هذه! فنزل إليه عليّ فقتله، فغلب المسلمون على جسده، فسألوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعهم جسدَه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا حاجة لنا بجَسده ولا ثمنه؛ فشأنكم به. فخلّى بينهم وبينه ١ . (٢: ٥٧٣/ ٥٧٤) .
- ١لم يتبين لنا إن كانت هذه القصة (قصة المبارزات هذه) تتمة للرواية السابقة أم أنها تكملة الرواية التي قبلها، وإسناد كليهما ضعيف. وأخرج ابن هشام هذه القصة عن ابن إسحاق معلقًا وذكره ابن سعد في طبقاته ضمن أحداث غزوة الخندق دون ذكر إسناده مبدوءًا بقوله: (قالوا)، (الطبقات الكبرى ٢/ ٦٨). وأخرج الحاكم طرفًا من رواية الطبري عن ابن إسحاق معلقًا (المستدرك ٣/ ٣٢). وأما قوله [لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه] فقد أخرجه الترمذي مرفوعًا في سننه باب لا تفادى جثة الأسير، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحكم وكذلك أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٢٤٨) من طريقين ضعيفين والله تعالى أعلم.
٢٢١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عمن لا يتَّهم، عن عُبيد الله بن كعب بن مالك، أنَّه كان يقول: ما أصاب سعدًا يومئذ بالسَّهم إلا أبو أسامة الجُشَميّ حليف بني مخزوم؛ فالله أعلم أيّ ذلك كان ١ . (٢: ٥٧٦/ ٥٧٧) .
- ١في إسناده مبهم ومتنه مخالف لما في الصحيح كما تبين.
٢٢٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سَلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عَبَّاد، قال: كانت صفِيَّة بنت عبد المطلب في فارع (حِصْنِ حسَّان بن ثابت) . قالت: وكان حسَّان مَعَنا فيه مع النِّساء والصبيان. قالت صفية: فمرَّ بنا رجلٌ من يهود، فجعل يُطِيف بالحصن، وقد حاربَتْ بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ليس بيننا وبينهم أحدٌ يدفع عنَّا، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في نحورِ عدوّهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إن أتانا آت. قالت: فقلت: يا حسَّان! إنَّ هذا اليهوديّ كما ترى يُطِيف بالحصن، وإني والله ما آمنُه أن يدلّ على عوراتنا مَنْ وراءنا من يهود، وقد شغل عنَّا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فانزلْ إليه فاقتلْه. فقال: يغفر الله لكِ يا بنتَ عبد المطَّلب والله لقد عرفتِ ما أنا بصاحب هذا! قالت: فلمَّا قال ذلك لي، ولَمْ أرَ عنده شيئًا احتجزت؛ ثم أخذت عمودًا، ثم نزلت من الحِصْنِ إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلمَّا فرغت منه رجعت إلى الحصْن، فقلت: يا حسَّان! انزل إليه فاسلبه، فإنَّه لم يمنعْني من سلَبه إلَّا أنه رجلٌ: قال: ما لي بسلَبه من حاجة يا بنت عبد المطلب ١ ! (٢: ٥٧٧) .
- ١إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وهو مرسل؛ فعباد تابعي. وكذلك أخرجه ابن هشام مرسلًا (٢/ ٢٢٨)، وأخرجه الطبراني مرسلًا كذلك عن عروة (المجمع ٦/ ١٣٤). وجاءت هذه القصة موصولة عند أبي يعلى والبزار وقال الهيثمي: رواه البزار وأبو يعلى باختصار وإسنادهما ضعيف. (مجمع الزوائد ٦/ ١٣٣). قلنا: وبالإضافة إلى ضعف الإسناد فإن متنه يخالف فحوى الروايات الصحيحهّ والتي تؤكد: أن حسّان بن ثابت - رضي الله عنه - كان يرافق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزواته ويهجو المشركين، وكان لهجائه وقع شديد على المشركين ولم يكن يومئذ للناس أساليب تقرب الصوت كالمكبرات أو المذياع فكان لا بد له أن يقترب حتى يسمع المشركون هجاءه فكيف يقترب من العدو إن لم يكن شجاعًا؟ ! وقد دأبنا على عدم قبول هذه الأحاديث المخالفة متونها ما أجمع عليه جمهور أهل السنة والجماعة من عدالة الصحابة فالخبر غير صحيح سندًا ومتنًا ولله الحمد.
٢٢٣ - قال ابن إسحاق: وأقامَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه؛ فيما وصف الله عزّ وجلّ من الخوف والشدّة؛ لتظاهر عدوِّهم عليهم، وإتيانهم من فَوْقهم ومن أسفل منهم.
ثم إنَّ نُعَيمَ بن مسعود بن عامر بن أنَيف بن ثعلبة بن قُنْفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن رَيث بن غَطَفان أتَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسولَ الله! إني قد أسلمت، وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامي؛ فمُرْني بما شئتَ. فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: إنَّما أنت فينا رجلٌ واحد؛ فَخَذّلْ عنَّا إن استطعت؛ فإنَّ الحربَ خدعة. فخرج نُعَيم بن مسعود حتى أتى بني قُرَيظة -وكان لهم نديمًا في الجاهليّة- فقال لهم: يا بني قُرَيظة، قد عرفتم وُدّي إيَّاكم، وخاصّة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت، لستَ عندنا بمتَّهم؛ فقال لهم: إن قريشًا وغَطَفان قد جاؤوا لحرب محمَّد، وقد ظاهرتموهم عليه، وإنَّ قريشًا وغَطَفان ليسوا كهيئتكم؛ البلد بلدكم، به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم؛ لا تقدرون على أن تحَوَّلوا منه إلى غيره، وإنَّ قريشًا وغَطَفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم وبلدهم بغيره؛ فليسوا كهيئتكم، إن رأوا نُهْزَةً وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقُوا ببلادهم، وخلّوا بينكم وبين الرجل ببلدكم؛ ولا طاقةَ لكم به إن خلا بكم؛ فلا تقاتلُوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رُهُنًا من أشرافهم يكونون بأيديكم؛ ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدًا؛ حتى تناجزوه، فقالوا: لقد أشرت برأي ونصحٍ. ثم خرج حتى أتى قريشًا، فقال لأبي سُفيان بن حرب ومَنْ معه من رجال قريش: يا معشرَ قريش، قد عرفتم ودّي إياكم، وفراقي محمدًا؛ وقد بلغني أمْرٌ رأيتُ حقًّا عليّ أن أبلغكموه نصحًا لكم، فاكتموا عليّ. قالوا: نفعل، قال: فاعلموا أنّ معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أن قد ندِمْنا على ما فعلنا، فهل يرضيك عنَّا أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغَطَفَان رجالًا من أشرافهم؛ فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم؛ ثمّ نكون معك على مَنْ بقي منهم؟ فأرسل إليهم أن نعم. فإن بعثتْ إليكم يهودُ يلتمسون منكم رُهُنًا من رجالكم؛ فلا تدفعوا إليهم منكم رجلًا واحدًا. ثم خرجَ حتى أتى غطفان، فقال: يا معشرَ غطفان؛ أنتم أصلي وعشيرتي، وأحبّ الناس إليّ، ولا أراكم تتَّهمونني! قالوا: صدقتَ، قال: فاكتموا عليّ، قالوا: نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذَّرهم ما حذَّرهم؛ فلمَّا كانت ليلة السَّبت في شوّال سنة خمس؛ وكان ممَّا صنع الله عزّ وجلّ لرسوله [أن] أرسل أبو سفيان ورؤوس غَطَفان إلى بني قريظة عِكْرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغَطَفان، فقالوا لهم: إنَّا لسْنا بدار مقام؛ قد هلك الخفّ والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجزَ محمدًا ونفرُغ ممَّا بيننا وبينه؛ فأرسلوا إليهم أن اليوم السَّبت؛ وهو يوم لا نعمل فيه شيئًا؛ وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثًا فأصابه ما لم يخْفَ عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رُهُنًا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا؛ حتى نناجز محمدًا؛ فإنَّا نخشى إن ضرّستْكم الحرب، واشتدّ عليكم القتال، أن تشمِّروا إلى بلادكم وتتركونا والرّجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمدٍ. فلمّا رجعت إليهم الرُّسل بالذي قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: تعلمون والله أن الذي حدَّثكم نُعيم بن مسعود لحقّ. فأرسلوا إلى بني قريظة: إنَّا والله لا ندفع إليكم رجلًا واحدًا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت الرُّسل إليهم بهذا: إنَّ الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ؛ ما يريد القوم إلَّا أن يقاتلوا؛ فإن وجدوا فرصة انتهزوها؛ وإن كان غير ذلك تشمَّروا إلى بلادهم، وخلُّوا بينكم وبين الرجل في بلادكم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنَّا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رُهُنًا، فأبوا عليهم، وخذَّل الله بينهم؛ وبعث الله عزّ وجلّ عليهم الريح في ليالٍ شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورَهم، وتَطْرح أبنيتهم. فلمّا انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما اختلف من أمرهم، وما فرّق الله من جماعتهم، دعا حُذيفة بن اليَمان، فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلًا ١ . (٢: ٥٧٧/ ٥٧٨ / ٥٧٩) .
- ١ذكره ابن إسحاق معلقًا وكذلك هو عند ابن هشام في سيرته، وحديث قصة نعيم بن مسعود أخرجه الحافظ عبد الرزاق مرسلًا في مصنفه عن سعيد بن المسيب"المصنف ٥/ ٣٦٨ / ح ٩٧٣٧). وقد ضعّف كلّ من الألباني المحدث والعمري المؤرخ هذه الرواية والله أعلم (السيرة للغزالي / ٣٣٢) و (العمري ٢/ ٤٣٠).
٢٢٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق قال: فلمَّا أصبَح نبيّ الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف عن الخندق راجعًا إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح ١ . (٢: ٥٨١) .
- ١إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف وقد ذكره ابن إسحاق معلقًا، وكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق معلقًا. ولكن وضعه للسلاح بعد رجوعه - صلى الله عليه وسلم - من الأحزاب فثابت كما عند البخاري في صحيحه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: (لما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل - عليه السلام - ... ) الحديث"صحيح البخاري / كتاب المغازي / باب ١٤٧ - مرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة / ح ٤١١٧).
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،