غزوة بنى قريظة في سنة خمس
بعد بني قريظة، سنة ٥هـ، وعمره ﷺ ٥٧
ذكر نقض بني قريظة العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم
لما نزل المشركون فيما ذكر، خرج عدوّ الله حيي بن اخطب النّضريّ حتى أتى كعب ابن أسد القرظيّ صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، وعاهده على ذلك، فلما سمع كعب بحييّ أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حييّ: ويحك يا كعب! افتح، قال: ويحك يا حييّ! إنك امرؤ مشؤوم، وإنّي قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا صدقا ووفاء. قال: ويحك! افتح لي أكلّمك، قال: والله ما أنا بفاعل، قال: والله، إن أغلقت دوني إلا خوفا على جشيشتك أن آكل معك منها. فأحفظ الرّجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب! جئتك بعزّ الدهر، وبحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاقدوني وعاهدوني على ألّا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. قال له كعب: جئتني والله بذلّ الدّهر وبجهام قد أهرق ماؤه، فهو يرعد ويبرق، وليس فيه شيء، ويحك يا حييّ! خلّني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حييّ بكعب يفتله في الذّروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاه عهدا وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ ممّا كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ووعظهم عمرو بن سعدى وخوّفهم سوء فعالهم، وذكّرهم ميثاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده، وقال لهم: إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوّه، فأبوا.
وخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني قريظة بنو سعنة: أسد وأسيد وثعلبة فكانوا معه، وأسلموا.
وأمر كعب بن أسد حيي بن اخطب أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم. فبلغ عمر بن الخطاب خبر نقض بني قريظة العهد، فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم، فبعث سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة وهما سيّدا قومهما، ومعهما عبد الله بن رواحة وخوّات بن جبير- زاد محمد بن عمر: وأسيد بن حضير- فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقّا فالحنوا إليّ لحنا أعرفه ولا تفتّوا في أعضاد النّاس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس.
فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم قد نقضوا العهد، فناشدوهم الله والعهد الذي كان بينهم أن يرجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك، قبل أن يلتحم الأمر، ولا يطيعوا حيي بن اخطب، فقال كعب: لا نردّه أبدا، قد قطعته كما قطعت هذا القبال- لقبال نعله- وقال: من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟ لا عهد بيننا وبينه. فشاتمهم سعد بن عبادة، كما قال ابن عقبة ومحمد بن عمر وابن عائذ وابن سعد- وقال ابن إسحاق: أنه سعد بن معاذ- وشاتموه وكان رجلا فيه حدّة، فقال له سعد بن معاذ- أو سعد بن عبادة إن كان الأول سعد بن معاذ-: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. وقال أسيد بن حضير لكعب: أتسبّ سيدك يا عدو الله ما أنت له بكفء يا بن اليهوديّة، ولتولّينّ قريش إن شاء الله منهزمين، وتتركك في عقر دارك فنسير إليك، فننزلك من جحرك هذا على حكمنا. ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سعد بن عبادة: عضل والقارة، يعني كغدر عضل والقارة بأصحاب الرّجيع. وسكت الباقون، ثم جلسوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا يا معشر المؤمنين بنصر الله تعالى وعونه، إني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق وآخذ المفتاح، وليهلكنّ كسرى وقيصر ولتنفقنّ أموالهم في سبيل الله.
يقول ذلك حين رأى ما بالمسلمين من الكرب. قال ابن عقبة: ثم تقنّع رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه حين جاءه الخبر عن بني قريظة، فاضطجع ومكث طويلا، وانتهى الخبر إلى المسلمين بنقض بني قريظة العهد، فاشتد الخوف وعظم البلاء، وخيف على الذراريّ والنساء، وكانوا كما قال الله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب ١٠] .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قبالة عدوّهم، لا يستطيعون الزّوال عن مكانهم، يعتقبون خندقهم يحرسونه.
ونجم النفاق من بعض المنافقين، فقال معتّب بن قشير: كان محمد يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر وأن أموالهما تنفق في سبيل الله، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب ١٢] وقال رجال ممّن معه: يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب ١٣] وهمّت بنو قريظة بالإغارة على المدينة ليلا، فبلغ ذلك المسلمين، فعظم الخطب، واشتدّ البلاء، ثم كفهّم الله تعالى عن ذلك لمّا بلغهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل سلمة بن أسلم بن حريش الأشهليّ في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة يحرسون المدينة، ويظهرون التكبير، فإذا أصبحوا أمنوا.
واجتمعت جماعة من بني حارثة فبعثوا أوس بن قيظيّ- بالتحتية والظاء المعجمة المشالة- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن بيوتنا عورة، وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا، ليس بيننا وبين غطفان أحد يردّهم عنّا، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا، فنمنع ذرارينا ونساءنا فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرحوا بذلك وتهيّئوا للانصراف. قال محمد بن عمر: فبلغ سعد بن معاذ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: لا تأذن لهم، إنا والله ما أصابنا وإيّاهم شدّة قطّ إلا صنعوا هكذا، ثم أقبل عليهم فقال: يا بني حارثة، هذا لنا منكم أبدا، ما أصابنا وإياكم شدة إلا صنعتم هكذا. فردّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان المسلمون يتناوبون حراسة نبيّهم، وكانوا في قرّ شديد وجوع، وكان ليلهم نهارا.
روى محمد بن عمر عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يختلف إلى ثلمة في الخندق يحرسها، حتى إذا آذاه البرد جاءني فأدفأته في حضني، فإذا دفئ خرج إلى تلك الثّلمة، ويقول: «ما أخشى أن يؤتى الناس إلّا منها» فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حضني قد دفئ وهو يقول: ليت رجلا صالحا يحرس هذه الثّلمة الليلة، فسمع صوت السّلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا؟» فقال سعد بن أبي وقاص: سعد يا رسول الله، فقال: «عليك هذه الثّلمة فاحرسها» . قالت: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى سمعت غطيطه. قال ابن سعد: وكان عباد بن بشر، والزبير بن العوام، على حرس رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
وروى محمد بن عمر عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الخندق، وكنا في قرّ شديد، فإني لأنظر إليه ليلة قام فصلّى ما شاء الله أن يصلي في قبّته، ثم خرج فنظر ساعة فأسمعه يقول: «هذه خيل المشركين تطيق بالخندق» ، ثم نادى عباد بن بشر، فقال عبّاد: لبيك! قال: «أمعك أحد؟» قال: نعم، أنا في نفر من أصحابي حول قبّتك. قال: «انطلق في أصحابك فأطف بالخندق، فهذه خيل المشركين تطيف بكم، يطمعون أن يصيبوا منكم غرّة، اللهمّ فادفع عنّا شرّهم، وانصرنا عليهم، واغلبهم، فلا يغلبهم أحد غيرك» .
فخرج عبّاد في أصحابه فإذا هو بأبي سفيان بن حرب في خيل المشركين يطوفون بمضيق من الخندق، وقد نذر بهم المسلمون فرموهم بالحجارة والنّبل، حتى أذلقهم المسلمون بالرّمي، فانكشفوا منهزمين إلى منازلهم، قال عبّاد: ورجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدته يصلي فأخبرته. قالت أم سلمة: يرحم الله عباد بن بشر، فإنه كان ألزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبّته يحرسها أبدا. فلما أصبح المشركون ورأوا الخندق قالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها، ولا تكيدها. وقال بعضهم: إنّ معه رجلا فارسيّا فهو الذي أشار عليه به. قالوا: فمن هناك إذا؟ ونادوا المسلمين، وكان بينهم الرميّ بالنّبل والحجارة، والخندق حاجز بين الفريقين.
وكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يوما، ويغدو خالد بن الوليد يوما، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوما، ويغدو ضرار بن الخطاب الفهريّ يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم، ويتفرّقون مرة، ويجتمعون أخرى، ويناوشون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقدمون رماتهم.
شرح غريب ذكر نقض بني قريظة العهد
أكلّمك بالجزم: جواب شرط محذوف ويجوز الرفع.
الجشيشة- بجيم مفتوحة فشينين معجمتين بينهما تحتية- وهي أن تطحن الحنطة أو غيرها طحنا جليلا، ثم تلقى في القدر ويلقى عليها لحم أو تمر، وتطبخ، وقد يقال لها: دشيشة- بالدال المهملة- قال المحب الطبري: وهذا هو الجاري على ألسنة الناس اليوم. وقال في الإملاء: والصواب فيه الجيم.
أحفظ الرجل- بالحاء المهملة والفاء والظاء المعجمة المشالة-: أغضبه.
ببحر طام- بطاء مهملة-: مرتفع.
القادة: الكبراء، من قاد الأمير الجيش قيادة فهو قائد، وجمعه قادة.
الجهام- بجيم مفتوحة فهاء مخففة فميم-: السحاب الذي لا ماء فيه.
أهرق- بضم الهمزة وسكون الهاء وكسر الراء-: صبّ وأفرغ.
يفتله في الذّروة والغارب- قال في الروض: هذا مثل، وأصله في البعير يستصعب عليك، فتأخذ الفراد من ذروته وغارب سنامه، وتفتل هناك فيجد البعير لذة، فيستأنس عند ذلك، فضرب هذا الكلام مثلا في المراوضة والمخاتلة. قال الحطيئة: لعمرك ما قراد بني بغيض* إذا نزع القراد بمستطاع يريد أنهم لا يخدعون ولا يستذلّون. وقال أبو ذر: الذّروة والغارب أعلى ظهر البعير، وأراد بذلك أنه لم يزل يخدعه كما يخدع البعير إذا كان نافرا، فيمسح باليد على ظهره حتى يستأنس، فيجعل الخطام على رأسه.
بنو سعنة- بسين وعين مهملتين فنون وقيل بالتحتية- وبسط الكلام عليه في باب «حسن خلقه» .
أسيد: قال الحافظ عبد الغني بن سعيد المصريّ: إنه بفتح الهمزة وزن أمير، وقيل: بضم الهمزة.
اللّحن هنا: العدول بالكلام عن الوجه المعروف إلى وجه لا يعرفه إلا صاحبه.
تفتّوا- بضم الفاء وتشديد الفوقية- يقال: فتّ في عضده إذا أضعفه وكسر قوّته.
في أعضاد الناس، ولم يقل: أعضاد الناس، لأنه كناية عن الرّعب الداخل في القلوب، ولم يرد كسرا حقيقيا، ولا العضد الذي هو العضو، وإنما هو عبارة عما يدخل في القلب من الوهن، وهو من أفصح الكلام.
ناشده الله: سأله به.
القبال (بكسر القاف وبالموحدة واللام) .
الشّتم كالضرب: السّبّ.
أربى: أزيد وأعظم.
عقر الدّار- بفتح العين المهملة وضمها وبالقاف-: أصلها.
الرّجيع- بفتح الراء وبالجيم-: ماء لبني هذيل بين مكة وعسفان.
تقنّع: غطّى رأسه بثوب.
نجم النّفاق- بفتحات-: ظهر وطلع.
القرّ- بضم القاف-: البرد.
الثّلمة- بالضّمّ- في الحائط وغيره: الخلل.
الحضن- بالكسر-: ما دون الإبط إلى الكشح.
الغطيط: الصوت الذي يخرج مع نفس النائم، وهو تزيّده حيث لا يجد مساغا.
الغرّة- بكسر الغين المعجمة- الغفلة.
نذر- بذال معجمة-: علم، وزنا ومعنى.
المكيدة: المكر والاحتيال.
يجيلون خيلهم- بجيم فتحتية مشدّدة- يطلقونها.
يغدو، يقال: غدا إلى كذا: أصبح إليه.
يناوشون- بتحتية فنون فألف فواو فشين معجمة فواو فنون-: يتدانون إلى القتال.
الباب العشرون في غزوة بني قريظة
تقدم في غزوة الخندق أنّهم ظاهروا قريشا وأعانوهم على حرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ونقضوا العهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فما أجدى ذلك عنهم شيئا وباءوا بغضب من الله ورسوله، والصّفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة. قال الله سبحانه وتعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ- أَي أَعانوهم- مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ- أَي حصونهم- وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً.
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [الأحزاب ٢٥: ٢٧] . قال محمد بن عمر عن شيوخه: لما تفرّق المشركون عن الخندق خافت بنو قريظة خوفا شديدا، وقالوا: محمد يزحف إلينا، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لم يأمر بقتالهم حتّى جاءه جبريل يأمره به.
روى الإمام أحمد والشّيخان- مختصرا- والبيهقي والحاكم في صحيحه مطوّلا عن عائشة، وأبو نعيم، والبيهقي من وجه آخر عنها، وابن عائذ عن جابر بن عبد الله، وابن سعد عن حميد بن هلال، وابن جرير عن عبد الله بن أبي أوفى والبيهقي وابن سعد عن الماجشون، والبيهقيّ عن عبيد الله بن كعب بن مالك، وسعيد بن جبير وابن سعد عن يزيد بن الأصم، ومحمد بن عمر عن شيوخه: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما رجع عن الخندق، والمسلمون وقد عضّهم الحصار، فرجعوا مجهودين، فوضعوا السلاح، ووضعه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ودخل بيت عائشة ودعا بماء فأخذ يغسل رأسه- قال ابن عقبة قد رجّل أحد شقّيه. قال محمد بن عمر: غسل رأسه واغتسل، ودعا بالمجمرة ليتبخّر، وقد صلّى الظّهر، قالت عائشة: فسلّم علينا رجل ونحن في البيت. قال محمد بن عمر: وقف موضع الجنائز، فنادى عذيرك من محارب! فقام رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فزعا فوثب وثبة شديدة، فخرج إليه، وقمت في أثره أنظر من خلل الباب، فإذا هو دحية الكلبيّ فيما كنت أرى- وهو ينفض الغبار عن وجهه، وهو معتمّ، وقال ابن إسحاق: معتجر بعمامة، قال الماجشون- كما رواه أبو نعيم عنها، سوداء من إستبرق، مرخ من عمامته بين كتفيه، على بغلة شهباء- وفي لفظ: فرس- عليها رحالة وعليها قطيفة من ديباج- قال الماجشون: أحمر- على ثناياه أثر الغبار، وفي رواية: قد عصّب رأسه الغبار، عليه لأمته، فاتكأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على عرف الدّابّة، فقال: يا رسول الله، ما أسرعتم ما حللتم، عذيرك من محارب! عفا الله عنك، وفي لفظ غفر الله لك، أوقد وضعتم السّلاح قبل أن نضعه؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «نعم قال: فو الله ما وضعناه، وفي لفظ: «ما وضعت الملائكة السّلاح منذ نزل بك العدوّ. وما رجعنا الآن إلّا من طلب القوم حتّى بلغنا حمراء الأسد- يعني الأحزاب- وقد هزمهم الله تعالى، وإن الله- تعالى- يأمرك بقتال بني قريظة، وأنا عامد إليهم بمن معي من الملائكة لأزلزل بهم الحصون، فاخرج بالنّاس» . قال حميد بن هلال: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «فإنّ في أصحابي جهدا فلو أنظرتهم أيّاما قال جبريل: انهض إليهم، فو الله لأدقّنهم كدقّ البيض على الصّفا لأضعضعنّها، فأدبر جبريل ومن معه من الملائكة حتّى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار. قال أنس- رضي الله عنه- فيما رواه البخاري: كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم- موكب جبريل حين سار إلى بني قريظة [ (١) ] .. انتهى. قالت عائشة: فرجعت، فلمّا دخل قلت يا رسول الله- من ذاك الرجل الّذي كنت تكلّمه؟ قال: «ورأيته» ؟ قلت نعم، قال، «لمن تشبّهت» ؟ قلت: بدحية بن خليفة الكلبي، قال: «ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة» . قال قتادة فيما رواه ابن عائذ: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم بعث يومئذ مناديا ينادى «يا خيل الله اركبي» وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بلالا فأذّن في الناس: «من كان سامعا مطيعا فلا يصلّين العصر إلّا ببني قريظة» .
وروى الشيخان عن ابن عمر، والبيهقي عن عائشة، والبيهقي عن الزهري وعن ابن عقبة، والطبراني عن كعب بن مالك: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه: «عزمت عليكم ألّا تصلّوا صلاة العصر» .
ووقع في مسلم في حديث ابن عمر صلاة الظّهر فأدرك بعضهم صلاة العصر، وفي لفظ الظهر في الطّريق، فقال بعضهم: لا نصلّيها حتّى نأتي بني قريظة، إنّا لفي عزيمة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما علينا من إثم، فصلّوا العصر ببني قريظة حين وصلوها بعد غروب الشمس. وقال بعضهم: بل نصلّي، لم يرد منّا أن ندع الصّلاة، فصلّوا، فذكر ذلك لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلم يعنّف واحدا من الفريقين، ودعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب فدفع إليه لواءه، وكان اللّواء على حاله لم يحلّ من مرجعه من الخندق، فابتدره النّاس [ (٢) ] .
ذكر مسيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني قريظة
قال محمد بن عمر، وابن سعد، وابن هشام، والبلاذري: فاستعمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على المدينة ابن أم مكتوم. قال محمد بن عمر: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إليهم لسبع بقين من ذي القعدة، ولبس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- السّلاح والدّرع [ (١) ] والمغفر والبيضة وأخذ قناة بيده، وتقلّد التّرس، وركب فرسه اللّحيف [ (٢) ] ، وحفّ به أصحابه، قد لبسوا السّلاح وركبوا الخيل، وكانت الخيل ستّة وثلاثين فرسا وسار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أصحابه، والخيل والرّجّالة حوله قال ابن سعد: وكان معه- صلّى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف، قلت: كذا ذكر محمد ابن عمر: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم. ركب فرسا. وروى الطبراني في الأوسط بسند رجاله ثقات عن أبي رافع، وابن سعد عن البيهقي وغيره والطبراني عن ابن عباس: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: لما أتى بني قريظة ركب على حمار عري يقال له يعفور، والنّاس حوله [ (٣) ] .
وروى الحاكم، والبيهقي وأبو نعيم عن عائشة وابن إسحاق عن..... ومحمد ابن عمر عن شيوخه: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مر بنفر من بني النجار بالصّورين فيهم حارثة بن النعمان قد صفّوا عليهم السّلاح فقال: «هل مرّ بكم أحد؟» قالوا: نعم، دحية الكلبي مر على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من إستبرق وأمرنا بحمل السلاح سلاحنا فأخذنا وصففنا، وقال لنا: هذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يطلع عليكم الآن، قال حارثة بن النعمان: وكنا صفّين، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «ذاك جبريل بعث إلى بني قريظة ليزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم»
[ (٤) ] .
وسبق عليّ في نفر من المهاجرين والأنصار فيهم أبو قتادة- إلى بني قريظة.
روى محمد بن عمر عن أبي قتادة قال: انتهينا إلى بني قريظة، فلمّا رأونا أيقنوا بالشّرّ، وغرز عليّ الرّاية عند أصل الحصن، فاستقبلونا في صياصيهم يشتمون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأزواجه. قال أبو قتادة: وسكتنا، وقلنا: السّيف بيننا وبينكم، وانتهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى بني قريظة، فنزل قريبا من حصنهم على بئر أنّا بأسفل حرّة بني قريظة، فلمّا رآه علي- رضي الله عنه- رجع إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأمرني أن ألزم اللّواء، فلزمته، وكره أن يسمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أذاهم وشتمهم. فقال لرسول الله- صلى الله عليه وسلم: «لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابيث، فإن الله- تعالى- كافيك اليهود. فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «لم تأمرني بالرّجوع؟ فكتمه ما سمع، فقال: «أظنّك سمعت منهم لي أذى» فقال: نعم يا رسول الله. قال: «لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً» . فسار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إليهم، وتقدّمه أسيد بن الحضير- فقال: يا أعداء الله: لا نبرح عن حصنكم حتّى تموتوا جوعا، إنما أنتم بمنزلة ثعلب في جحر، فقالوا: يا ابن الحضير: نحن مواليك دون الخزرج، وخاروا، فقال: لا عهد بيني وبينكم ولا إلّا وذمة، ودنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم. وترّسنا عنه، ونادى بأعلى صوته نفرا من أشرافهم، حتى أسمعهم فقال: «أجيبوا يا إخوة القردة والخنازير وعبدة الطّاغوت هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ أتشتمونني؟! فجعلوا يحلفون ما فعلنا، ويقولون: يا أبا القاسم ما كنت جهولا، وفي لفظ ما كنت فاحشا. واجتمع المسلمون عند رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عشاء، وبعث سعد بن عبادة- رضي الله عنه- بأحمال تمر لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- والمسلمين. فكان طعامهم، وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم يومئذ «نعم الطّعام التّمر» .
ذكر محاصرة المسلمين لبني قريظة
غدا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سحرا، وقدّم الرماة وعبّأ أصحابه فأحاطوا بحصون يهود، ورموهم بالنّبل والحجارة، وهم يرمون من حصونهم حتّى أمسوا، فباتوا حول الحصون، وجعل المسلمون يعتقبون، يعقب بعضهم بعضا، فما برح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يراميهم حتى أيقنوا بالهلكة، وتركوا رمي المسلمين، وقالوا: دعونا نكلمكم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «نعم» فأنزلوا نبّاش بن قيس، فكلم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم على أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النّضير من الأموال والحلقة وتحقن دماءنا، ونخرج من بلادك بالنّساء والذّراري، ولنا ما حملت الإبل إلّا الحلقة، فأبى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: تحقن دماءنا وتسلّم لنا النّساء والذّريّة ولا حاجة لنا فيما حملت الإبل، فأبى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إلا أن ينزلوا على حكمه، وعاد نبّاش إليهم بذلك.
ذكر اعتراف كعب بن أسد كبير بني قريظة وغيره بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
فلما عاد نبّاش إلى قومه، وأخبرهم الخبر، قال كعب بن أسد: يا معشر بني قريظة، والله قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإنّي عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا ما شئتم منها، قالوا: وما هي؟ قال: نتابع هذا الرّجل ونصدّقه. فو الله لقد تبيّن لكم أنه نبي مرسل، وأنّه الّذي تجدونه في كتابكم فتأمنون به على دمائكم وأموالكم ونسائكم، والله إنكم لتعلمون أنّ محمّدا نبي، وما منعنا من الدّخول معه إلّا الحسد للعرب حيث لم يكن نبيا من بني إسرائيل، فهو حيث جعله الله، ولقد كنت كارها لنقض العهد والعقد ولكنّ البلاء والشؤم من هذا الجالس- يعني حيي بن اخطب- ولقد كان حيي بن اخطب دخل معهم في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاء لكعب بن أسد، بما كان عاهده عليه- أتذكرون ما قال لكم ابن جوّاس حين قدم عليكم: تركت الخمر والخمير والتمير، وأجئت إلى السّقاء والتّمر والشّعير، قالوا: وما ذاك؟ قال: إنّه يخرج بهذه القرية نبيّ، فإن يخرج وأنا حيّ أتبعه وأنصره، وإن خرج بعدي، فإياكم أن تخدعوا عنه، واتّبعوه، فكونوا أنصاره وأولياءه، وقد آمنتم بالكتابين، كليهما الأوّل والآخر، وأقرئوه منّي السّلام، وأخبروه أنّي مصدّق به. قال كعب: فتعالوا فلنتابعه ونصدّقه، فقالوا: لا نفارق حكم التّوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم علىّ هذه فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثمّ نخرج إلى محمّد وأصحابه رجالا مصلتين السّيوف ولم نترك وراءنا ثقلا حتّى يحكم الله بيننا وبين محمّد، فإن نهلك نهلك، ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، إن نظهر فلعمري لنجدنّ النّساء والأبناء. قالوا: أنقتل هولاء المساكين؟! فما خير العيش بعدهم؟ قال: فإن أبيتم علىّ هذه فإن اللّيلة ليلة السّبت، وأنّه عسى وأن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا، لعلّنا نصيب من محمّد وأصحابه غرّة، قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ! فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمّه ليلة واحدة من الدّهر حازما، فقال ثعلبة وأسيد ابنا سعية، وأسد بن عبيد ابن عمّهم، وهم نفر من هذيل ليسوا من بني قريظة، ولا النّضير، نسبهم فوق ذلك وهم بنو عمّ القوم: يا معشر بني قريظة، والله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنّ صفته عندنا، وحدّثنا بها علماؤنا وعلماء بني النّضير، هذا أولهم: يعني حيي بن اخطب مع جبير بن الهيبان- أنه أصدق النّاس عندنا، هو خبّرنا بصفته عند موته. قالوا: لا نفارق التّوراة. فلمّا رأى هولاء النّفر إباءهم نزلوا تلك الليلة التي في صبحها نزلت بنو قريظة فأسلموا وأمنوا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم. وقال عمرو بن سعدى: يا معشر يهود، إنكم قد حالفتم محمّدا على ما حالفتموه عليه، فنقضتم عهده الذي كان بينكم وبينه، فلم أدخل فيه، ولم أشرككم في غدركم، فإن أبيتم أن تدخلوا معه فاثبتوا على اليهودية وأعطوا الجزية فو الله ما أدري يقبلها أم لا، قالوا: فنحن لا نقرّ للعرب بخرج في رقابنا يأخذونه، القتل خير من ذلك، قال: فإنّي بريء منكم. وخرج في تلك الليلة مع ابني سعية، فمرّ بحرس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعليهم محمد بن مسلمة، فقال محمد: من هذا؟ قال: عمرو بن سعدى، قال محمّد: مرّ اللهمّ لا تحرمني إقالة عثرات الكرام، وخلّى سبيله، وخرج حتّى أتى مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فبات به حتّى أصبح فلما أصبح غدا فلم يدر أنّى هو حتّى السّاعة فذكر شأنه لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-. فقال: «ذاك رجل نجّاه الله بوفائه»
[ (١) ] .
ذكر طلب يهود أبي لبابة وما وقع له ونزول توبته
قال أهل المغازي وجدّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حصارهم، فلمّا اشتدّ عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليلة السبت أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر [ (٢) ] فنستشيره في أمرنا فأرسله إليهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما رأوه قام إليه الرّجال وبهش إليه النّساء والصّبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم، فقال كعب بن أسد: يا أبا لبابة، إنّا قد اخترناك على غيرك، إن محمدا قد أبى إلّا أن ننزل على حكمه أفترى أن ننزل على حكمه؟ قال نعم، وأشار بيده إلى حلقه أي أنه الذّبح. قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي عن مكانهما حتّى عرفت أنّي قد خنت الله ورسوله. فندمت واسترجعت فنزلت وإنّ لحيتي لمبتلّة من الدّموع، والنّاس ينتظرون رجوعي إليهم حتّى أخذت من وراء الحصن طريقا أخرى، حتى جئت إلى المسجد، ولم آت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فارتبطت وكان ارتباطي على الأسطوانة المخلقة التي يقال لها أسطوانة التّوبة، وقلت لا أبرح من مكاني حتّى أموت أو يتوب الله عليّ ممّا صنعت، وعاهدت الله تعالى بألا أطأ أرض بني قريظة أبدا ولا أرى في بلد خنت الله تعالى ورسوله- صلى الله عليه وسلّم- فيه أبدا، وبلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذهابي وما صنعت، فقال: «دعوه حتّى يحدث الله تعالى- فيه ما شاء، لو كان جاءني استغفرت له، فإذا لم يأتني وذهب، فدعوه» .
وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال ٢٧] قال أبو لبابة: فكنت في أمر عظيم، في حر شديد عدّة ليال لا آكل فيهنّ ولا أشرب، وقلت: لا أزال هكذا حتّى أفارق الدّنيا، أو يتوب الله عليّ. وأذكر رؤيا رأيتها في النّوم ونحن محاصرون بني قريظة. كأنّي في حمأة آسنة، فلم أخرج منها حتّى كدت أموت من ريحها، ثمّ أرى نهرا جاريا فأراني اغتسلت فيه حتّى استنقيت وأراني أجد ريحا طيّبة فاستعبرتها أبا بكر فقال: لتدخلنّ في أمر تغتمّ له، ثمّ يفرج عندئذ، فكنت أذكر قول أبي بكر وأنا مرتبط، فأرجو أن ينزل الله تعالى- توبتي. قال: فلم أزل كذلك حتّى ما أسمع الصّوت من الجهد- ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- ينظر إليّ. قال ابن هشام: أقام مرتبطا ستّ ليال تأتيه امرأته كلّ صلاة فتحلّه حتّى يتوضّأ ويصلي ثمّ يرتبط. وقال ابن عقبة: زعموا أنّه ارتبط قريباً من عشرين ليلة. قال في البداية: وهذا أشبه الأقاويل، وقال ابن إسحاق: أقام مرتبطا خمسا وعشرين ليلة. قال أبو عمر: روى ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا لبابة ارتبط بسلسلة ربوض والرّبوض الثّقيلة- بضع عشرة ليلة حتّى ذهب سمعه فما يكاد يسمع، ويكاد يذهب بصره. وكانت ابنته تحلّه إذا حضرت الصّلاة أو أراد أن يذهب لحاجته فإذا فرغ أعادت الرباط. والظّاهر أنّ زوجته كانت تباشر حلّه مرّة وابنته مرّة.
وأنزل الله تعالى- في توبة أبي لبابة وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة ١٠٢] قال ابن إسحاق: حدّثني يزيد بن عبد الله بن قسيط: إن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم من السحر وهو في بيت أم سلمة، قالت أمّ سلمة: فسمعت رسول اللَّه- صلى الله عليه وسلم من السّحر وهو يضحك، قالت: فقلت: يا رسول الله ممّ تضحك؟ أضحك الله سنّك، قال: «تيب على أبي لبابة» قالت: فقلت أفلا أبشّره يا رسول الله؟ قال: بلى إن شئت» قال: فقامت على باب حجرتها- وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب- فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك قالت: فسار النّاس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتّى يكون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو الّذي يطلقني بيده. فلمّا مرّ عليه خارجا إلى صلاة الصّبح أطلقه. قال السّهيليّ وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن علي بن الحسين- رضوان الله عليهم أجمعين- قال: أن فاطمة- رضي الله عنها. جاءت تحلّه فقال إنّي حلفت ألا يحلّني إلا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال النبي- صلى الله عليه وسلّم: «إن فاطمة بضعة مني» قلت: علي بن زيد هو ابن جدعان ضعيف، وعلي بن الحسين روايته مرسلة- قال أبو لبابة: يا رسول الله إنّ من توبتي أن أهجر دار قومي الّتي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كلّه صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال: «يجزئك الثّلث يا أبا لبابة»
[ (١) ] .
ذكر نزول بني قريظة على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورده الأمر إلى سعد بن معاذ - رضي الله عنه -
فلمّا جهدهم الحصار، نزلوا على حكم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم بأسراهم فكتّفوا رباطا، وجعل على كتافهم محمد بن مسلمة، ونحّوا ناحية، وأخرجوا النّساء والذّرّية من الحصون فكانوا ناحية واستعمل عليهم عبد الله بن سلام، وجمعت أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث والثّياب، ووجدوا فيها ألفا وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع، وألفي رمح، وألفا وخمسمائة ترس وحجفة [ (١) ] وأثاثا كثيرا، وآنية كثيرة، وخمرا، وجرارا، وسكرا فهريق ذلك كله. ولم يخمّسه ووجد من الجمال النّواضح عدّة، ومن الماشية شيئا كثيرا، فجمع هذا كله.
وتنحّى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجلس وتواثبت الأوس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله حلفاؤنا دون الخزرج، وقد رأيت ما صنعت ببني قينقاع بالأمس حلفاء ابن أبيّ وهبت له ثلاثمائة حاسر، وأربعمائة دارع. وقد ندم حلفاؤنا على ما كان من نقضهم العهد فهبهم لنا، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- ساكت لا يتكلّم حتّى أكثروا عليه وألحّوا ونطقت الأوس كلّها، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم» ؟ قالوا: بلى. قال: «فذلك إلى سعد بن معاذ»
[ (٢) ] . وقال ابن عقبة: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «اختاروا من شئتم من أصحابي»
فاختاروا سعد بن معاذ، فرضي بذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وسعد يومئذ في المسجد بالمدينة، في خيمة كعيبة بنت سعيد- بالتّصغير فيهما- الأسلميّة، وكانت تداوي الجرحى وتلّمّ الشّعث، وتقوم على الضّائع الذي لا أحد له، وكان لها خيمة في المسجد، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- جعل سعد بن معاذ فيها ليعوده من قريب فلمّا جعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الحكم إلى سعد خرجت الأوس حتّى جاءوه فحملوه على حمار بأعرابي بشندة من ليف وعلى الحمار قطيفة فوق الشّندة، وخطامه من ليف، وكان رجلا جسيما، فخرجوا حوله يقولون: يا أبا عمرو، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد ولّاك أمر مواليك لتحسن فيهم، فأحسن فقد رأيت ابن أبيّ وما صنع في حلفائه، وأكثروا من هذا وشبهه، وهو لا يتكلم، حتّى إذا أكثروا عليه قال سعد: قد آن لسعد ألّا تأخذه في الله لومة لائم، فقال الضّحّاك بن خليفة بن ثعلبة بن عدي بن كعب بن عبد الأشهل الأنصاري: وا قوماه! وقال غيره منهم نحو ذلك ثم رجع الضّحّاك إلى الأوس فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته الّتي سمع منه، وأقبل سعد إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم والنّاس حول رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس، فلمّا طلع سعد بن معاذ- وفي الصّحيحين- فلما دنا من المسجد: أي الذي كان فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أعدّه ببني قريظة أيام حصارهم- للصلاة، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «قوموا إلى سيدكم» وفي لفظ «خيركم»
فأمّا المهاجرون من قريش فإنّما يقولون: إنّما أراد الأنصار، وأمّا الأنصار فيقولون: قد عمّم بها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- المسلمين، وعند الإمام أحمد «قوموا إلى سيدكم» فأنزلوه، وكان رجال من بني عبد الأشهل يقولون: قمنا له على أرجلنا صفّين، يحيّيه كلّ رجل منّا حتى انتهى إلي رسول الله- صلى الله عليه وسلم. [ (١) ]
وفي حديث جابر- رضي الله عنه: عند ابن عائذ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: - احكم فيهم يا سعد، فقال: الله ورسوله أحق بالحكم. قال: «قد أمرك الله أن تحكم فيهم» .
وقالت الأوس الذين بقوا عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم: يا أبا عمرو: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد ولاك الحكم في أمر مواليك فأحسن فيهم، واذكر بلاءهم عندك، فقال سعد: أترضون حكمي لبني قريظة؟ قالوا: نعم، قد رضينا بحكمك، وأنت غائب عنا، اختيارا منا لك، ورجاء أن تمنّ علينا كما فعل غيرك بحلفائه بني قينقاع، وأثرنا عندك أثرنا، وأحوج ما كنا اليوم إلى مجازاتك. فقال سعد: ما آلوكم جهدا، فقالوا: ما يعني بقوله هذا؟ ثم قال سعد: عليكم عهد الله وميثاقه، أنّ الحكم فيهم ما حكمت؟ قالوا: نعم، ثم قال سعد للنّاحية الّتي فيها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهو معرض عنها إجلالا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعلى من هاهنا مثل ذلك؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن معه: «نعم» قال سعد: فإنّي أحكم فيهم أن يقتل كلّ من جرت عليه الموسى، وتسبى النّساء والذّرّية، وتقسّم الأموال وتكون الدّيار للمهاجرين دون الأنصار. فقالت الأنصار. إخواننا كنّا معهم، فقال: أحببت أن يستغنوا عنكم» فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: لقد حكمت فيهم بحكم الله الّذي حكم به من فوق سبع سموات [ (٢) ] .
وذكر ابن إسحاق في غير رواية البكّائي: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال في حكم سعد: «بذلك طرقني الملك سحرا» ، وكان سعد بن معاذ في الليلة التي في صبيحتها نزلت بنو قريظة على حكم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد دعا فقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فإنّه لا قوم أحب إلي أن أقاتلهم من قوم كذبوا رسولك آذوه وأخرجوه، وإن كانت الحرب قد وضعت أوزارها عنّا وعنهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، فأقرّ الله تعالى عينه منهم [ (٣) ] .
ذكر قتلهم وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم
فلما حكم سعد، بما حكم، وانصرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الخميس لتسع ليال كما ذكر محمد بن عمر وابن سعد، وجزم به الدّمياطي، وقيل لخمس- كما جزم به في الإشارة- خلون من ذي الحجة، وأمر بهم فأدخلوا المدينة، وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بالسّبي فسيقوا إلى دار أسامة بن زيد، والنّساء والذّرّية إلى دار رملة بنت الحارث، ويقال حبسوا جميعا في دار رملة، وأمر لهم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بأحمال تمر فنثرت لهم، فباتوا يكدمونها كدم الحمر، وأمر بالسّلاح والأثاث والمتاع والثياب فحمل إلى دار ابنة الحارث وبالإبل والغنم ترعى هناك في الشّجر، فلما أصبح رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- غدا إلى السّوق، فأمر بأخدود فخدّت في السّوق ما بين موضع دار أبي الجهم العدوي إلى أحجار الزّيت، فكان أصحابه هناك يحفرون، وجلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومعه علية أصحابه ودعا برجال بني قريظة، فكانوا يخرجون أرسالا، تضرب أعناقهم في تلك الخنادق، فقالوا لكعب بن أسد- وهم يذهب بهم إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أرسالا: يا كعب، ما ترى محمدا يصنع بنا؟ قال: ما يسوءكم، ويلكم! على كل حال لا تعقلون!! ألا ترون الدّاعي لا ينزع، وأنّه من ذهب منكم لا يرجع؟ هو والله السّيف، قد دعوتكم إلى غير هذا فأبيتم عليّ قالوا: ليس هذا بحين عتاب، لولا أنّا كرهنا أن نزرى برأيك ما دخلنا في نقض العهد الّذي كان بيننا وبين محمّد، قال حيّ بن أخطب: اتركوا ما ترون من التّلاوم، فإنه لا يردّ عنكم شيئا، واصبروا للسيف، وكان الذين يلون قتلهم علي ابن أبي طالب والزبير بن العوام وجاء سعد بن عبادة والحباب بن المنذر، فقالا: يا رسول الله، إن الأوس قد كرهت قتل بني قريظة لمكان حلفهم، فقال سعد بن معاذ: ما كرهه من الأوس أحد فيه خير، فمن كرهه فلا أرضاه الله. فقام أسيد بن الحضير- رضي الله عنه- فقال: يا رسول الله: لا تبقين دارا من دور الأوس إلّا فرّقتهم فيها، فمن سخط فلا يرغم الله إلّا أنفه، فابعث إلى داري أوّل دورهم، ففرّقهم في دور الأوس فقتلوهم، ثمّ أتي بحييّ بن أخطب [ (١) ] مجموعة يداه إلى عنقه، عليه حلّة شقحيّة. وقال ابن إسحاق: فقاحيّة قد لبسها للقتل، ثمّ عمد إليها فشّقها أنملة أنملة لئلّا يسلبه أيّاها أحد. فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين طلع: «ألم يمكّن الله منك يا عدو الله: قال بلى والله، أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولقد التمست العزّ في مكانه فأبى الله إلا أن يمكنك. ولقد قلقلت كل مقلقل، ولكنه من يخذل الله يخذل. ثم أقبل علي الناس فقال: أيها الناس، لا بأس بأمر الله، قدر وكتاب وملحمة كتبت على بني إسرائيل! ثمّ جلس فضربت عنقه، وأتي بنبّاش بن قيس وقد جابذ الذي جاء به حتى قاتله فدقّ الذي جاء به أنفه فأرعفه.
فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- للذي جاء به «لم صنعت هذا به. أما كان في السّيف كفاية؟» فقال: يا رسول الله، جابذني لأن يهرب، فقال نبّاش: كذب والتّوراة يا أبا القاسم، لو خلّاني ما تأخرت عن موطن قتل فيه قومي حتّى أكون كأحدهم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «أحسنوا إسارهم وقيّلوهم واسقوهم، حتّى يبردوا، فتقتلوا من بقي، لا تجمعوا عليهم حرّ الشّمس وحرّ السّلاح» وكان يوما صائفا، فقيّلوهم وسقوهم، فلما أبردوا راح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقتل من بقي، وأتى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بكعب بن أسد، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «كعب» ؟ قال: نعم يا أبا القاسم قال: ما انتفعتم بنصح ابن جوّاس لكم، وكان مصدّقا بي، أما أمركم باتّباعي، وإن رأيتموني أن تقروني منه السلام» ؟ قال: بلى والتّوراة يا أبا القاسم، ولولا أن تعيّرني يهود بالجزع من السّيف لاتّبعتك ولكني على دين يهود، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «قدّمّه فاضرب عنقه» فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بقتل كلّ من أنبت منهم.
وروى ابن إسحاق، والإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي في صحيحه، والنسائي عن عطية القرظيّ قال: كنت غلاما فوجدوني لم أنبت، فخلّوا سبيلي [ (١) ] .
وروى الطبراني عن أسلم الأنصاري قال: جعلني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أسارى قريظة، فكنت أنظر إلى فرج الغلام فإن رأيته أنبت ضربت عنقه، وأن لم أره جعلته في مغانم المسلمين [ (٢) ] .
وكان رفاعة بن شموال القرظيّ رجلا قد بلغ، فلاذ بسلمى بنت قيس أم المنذر، أخت سليط بن قيس، وكانت إحدى خالات النبي- صلى الله عليه وسلم- قد صلّت القبلتين مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وبايعته مع بيعة النّساء، فقالت: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، هب لي رفاعة، فإنّه زعم أنه سيصليّ، ويأكل لحم الجمل، فوهبه لها فاستحيته فأسلم بعد.
ولم يزل ذلك الدأب حتّى فرغ منهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقتّلوا إلى أن غاب الشّفق، ثمّ ردّ عليهم التّراب في الخندق، كلّ ذلك بعين سعد بن معاذ فاستجاب الله دعوته وأقرّ عينه- رضي الله عنه ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة من بني النضير يقال لها نباتة تحت رجل من بني قريظة يقال له الحكم، وكان يحبّها وتحبّه، فلمّا اشتدّ عليهم الحصار بكت إليه وقالت إنّك لمفارقي، فقال: هو والتّوراة، ما ترين فأنت امرأة، فدلّي عليهم هذه الرّحى، فإنّا لم نقتل منهم أحدا بعد، وأنت امرأة، وإن يظهر محمد علينا فإنّه لا يقتل النّساء، وإنّما كره أن تسبى، فأحبّ أن تقتل، وكانت في حصن الزّبير بن باطا فدلّت رحى من فوق الحصن، وكان المسلمون ربّما جلسوا تحت الحصن يستظلّون في فيئه، فأطلعت الرّحى فلمّا رآها القوم انفضّوا، وتدرك خلّاد بن سويد فتشدخ رأسه، فحذر المسلمون أهل الحصن، فلما كان اليوم الّذي أمر بهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يقتلوا فيه دخلت على عائشة- رضي الله عنها- فجعلت تضحك ظهرا لبطن، وهي تقول: سراة بني قريظة يقتلون إذ سمعت صوت قائل يا «نباتة» ، قالت أنا والله الّتي أدعى، قالت عائشة ولم؟ قالت: قتلني زوجي، وكانت جارية حلوة الكلام فقالت عائشة: وكيف قتلك زوجك؟ قالت: في حصن الزّبير بن باطا فأمرني فدلّيت رحى على أصحاب محمد فشدخت رأس رجل منهم فمات، وأنا أقتل به، فانطلق بها، فأمر بها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فقتلت، بخلّاد بن سويد. فكانت عائشة تقول: لا أنسى طيب نفس نباتة، وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنّها تقتل.
وروى أبو داود قصّتها مختصرة.
ذكر خبر ثابت بن قيس ومن الزبير بن باطا
كان الزّبير بن باطا منّ على ثابت بن قيس بن شمّاس [ (١) ] يوم بعاث، فأتى ثابت الزّبير فقال: يا أبا عبد الرّحمن هل تعرفني؟ قال: وهل يجهل مثلك مثلي؟ قال ثابت: إنّ لك عندي يدا، وقدرت أن أجزيك بها، قال الزّبير: إنّ الكريم يجزي الكريم وأحوج ما كنت إليك اليوم، فأتى ثابت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله: إنه كان للزّبير عندي يد خير جزّ ناصيتي يوم بعاث، فقال: أذكر هذه النّعمة عندك، وقد أحببت أن أجزيه بها، فهبه لي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «هو لك» فأتاه ثابت فقال: «إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد وهبك لي، قال الزّبير: شيخ كبير لا أهل لي ولا مال بيثرب ما أصنع بالحياة؟ فأتى ثابت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال يا رسول الله: اعطني ماله وأهله، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «هو لك» فرجع إلى الزّبير، فقال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد أعطاني ولدك وأهلك ومالك، فقال الزبير: يا ثابت أما أنت فقد كافأتني وقد قضيت الّذي عليك يا ثابت: ما فعل بالّذي كأن وجهه مرآة صينيّة تتراءى عذارى الحي في وجهه، كعب بن أسد؟ قال: قتل، قال: فما فعل المجلسان؟ يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة. قال: قتلوا، قال: يا ثابت: ما في العيش خير بعد هؤلاء، أرجع إلى دار قد كانوا حلولا فيها فأخلد فيها بعدهم؟ لا حاجة لي في ذلك، ولكن يا ثابت انظر إلى امرأتي وولدي فإنهم جزعوا من الموت فاطلب إلى صاحبك فيهم أن يطلقهم، وأن يردّ أموالهم، فطلب ثابت من النبي- صلى الله عليه وسلم- أهل الزّبير وماله وولده، فرد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أهله وماله إلّا السّلاح. قال الزّبير: يا ثابت أسألك بيدي عندك إلّا ألحقتني بالقوم فما أنا بصائر لله فتلة دلو ناضح حتّى ألقى الأحبّة، قال ابن إسحاق: فقدّمه ثابت فضربت عنقه، وقال محمد بن عمر: قال ثابت: ما كنت لأقتلك، قال الزبير: لا أبالي من قتلني، فقتله الزبير بن العوام. ولمّا بلغ أبا بكر الصديق قوله: «ألقى الأحبّة» قال: يلقاهم والله في نار جهنّم خالدا مخلّدا!
ذكر اصطفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ريحانة بنت زيد النضرية لنفسه
كانت ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة من بني النضير متزوّجة في بني قريظة، اصطفاها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لنفسه، وكانت جميلة، فعرض عليها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الإسلام فأبت إلّا اليهوديّة، فعزلها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ووجد في نفسه فأرسل إلى ابن سعيّة، فذكر له ذلك، فقال ابن سعيّة: فداك أبي وأمي هي تسلم؟ فخرج حتّى جاءها، فجعل يقول لها: لا تتّبعي قومك، فقد رأيت ما أدخل عليهم حيي بن اخطب، فاسلمي يصطفيك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لنفسه، فأجابت إلى ذلك، فبينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أصحابه، إذ سمع وقع نعلين فقال: «إنّ هاتين لنعلا ابن سعيّة يبشرني بإسلام ريحانة» ، فجاءه، فقال: يا رسول الله، قد أسلمت ريحانة، فسر بذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم-[ (١) ] وسيأتي في ترجمتها نبذة من أخبارها وتحرير نسبها.
ذكر قسم المغنم وبيعه
لمّا اجتمعت المغانم أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بالمتاع فبيع فيمن يريد، وبيع السّبي وقسّمت النّخل أسهما، وكانت الخيل ستّة وثلاثين فرسا، فأسهم للفرس بسهمين، ولصاحبه سهم، وللرّاجل سهم. وقاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أفراس فلم يضرب إلّا سهما واحدا.
وأسهم لخلّاد بن سويد وقد قتل تحت الحصن، وأسهم لأبي سنان بن محصن، مات ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحاصرهم. وكان يقاتل مع المسلمين، وكان المسلمون ثلاثة آلاف، وكانت سهمان الخيل والرجال على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما، للفرس سهمان، ولصاحبه سهم وكان السّبي ألفا من النّساء والصّبيان، فأخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خمسه قبل بيع المغنم، فجزّأ السّبي خمسة أجزاء، فأخذ خمسا، وكان يعتق منه ويهب منه، ويخدم منه من أراد وكذلك النخل عزل خمسه، وكلّ ذلك يسهم عليه خمسة أجزاء، ويكتب في سهم منها لله ثم يخرج السهم، فحيث صار سهمه أخذه ولم يتخيّر، وصار الخمس إلى محمية بن جزء الزبيدي، ثم فضّ أربعة أسهم على الناس وأحذى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- النّساء اللّائي حضرن القتال ولم يسهم لهنّ، وهنّ صفية بنت عبد المطلب، وأم عمارة نسيبة، وأم سليط، وأم العلاء الأنصاريّة، والسّميراء بنت قيس، وأم سعد بن معاذ، وكبشة بنت رافع.
ولمّا بيعت السّبايا والذّرية، بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بطائفة- قال محمد بن عمر- إلى الشام مع سعد بن عبادة ببيعهم ويشتري بهم سلاحا وخيلا. وقال ابن إسحاق وغيره: بعث سعد بن زيد الأنصاري الأشهلي بسبايا من بني قريظة إلى نجد، فابتاع لهم بها خيلا وسلاحا، واشترى عثمان بن عفان وعبد الرحمن ابن عوف- رضي الله عنهما- طائفة فاقتسما، فسهمه عثمان بمال كثير، وجعل عثمان على كل من اشتراه من سبيهم شيئا موفيا، فكان يوجد عند العجائز المال ولا يوجد عند الشّواب فربح عثمان مالا كثيرا، وذلك أنّ عثمان صار في سهمه العجائز، ويقال لمّا قسّم جعل الشّوابّ على حدة والعجائز على حدة، ثمّ خيّر عبد الرحمن عثمان، فأخذ العجائز. قال ابن أبي سبرة: وإنما لم يؤخذ ما جاءت به العجائز فيكون في الغنيمة لأنه لم يوجد معهن إلا بعد شهر أو شهرين، فمن جاء منهن بالّذي وقّت لهنّ عتق، فلم يتعرّض لهن، واشترى أبو الشّحم اليهودي امرأتين مع كل واحدة منهن ثلاثة أطفال بمائة وخمسين دينارا، وجعل يقول: ألستم على دين يهود؟ فتقول المرأتان: لا نفارق دين قومنا حتّى نموت عليه، وهنّ يبكين.
ونهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يفرق في القسم والبيع بين النّساء والذّرية وقال: «لا يفارق بين الأمّ وولدها حتّى يبلغ» . قيل يا رسول الله وما بلوغه؟ قال: «تحيض الجارية ويحتلم الغلام»
[ (١) ] وكانت الأم وأولادها الصّغار تباع من المشركين من العرب ومن يهود. وإذا كان الولد صغيرا ليس معه أمّ لم يبع من المشركين ولا من اليهود إلّا من المسلمين.
واستشهد يوم بني قريظة خلّاد بن سويد، ومنذر بن محمد.
ذكر بعض ما قيل من الأشعار في هذه الغزوة
روى البخاري والنسائي عن البراء بن عازب- رضي الله عنه- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لحسّان يوم قريظة: اهجهم أو هاجهم وجبريل معك.
[ (١) ]
وروى ابن مردويه عن جابر- رضي الله عنه، قال: لما كان يوم الأحزاب، وردّهم الله بغيظهم. قال النبي- صلى الله عليه وسلم- «من يحمي أعراض المسلمين؟» فقام كعب، وابن رواحة، وحسّان، فقال لحسّان: «اهجهم أنت فإنّه سيعينك عليهم روح القدس» ، فقال حسان- رضي الله عنه: لقد لقيت قريظة ما أساها ... وما وجدت لذلّ من نصير أصابهم بلاء كان فيه ... سوى ما قد أصاب بني النّضير غداة أتاهم يهوي إليهم ... رسول الله كالقمر المنير له خيل مجنبّة تعادى ... بفرسان عليها كالصّقور تركناهم وما ظفروا بشيء ... دماؤهم عليهم كالعبير فهم صرعى تحوم الطّير فيهم ... كذاك يدان ذو العند الفجور فأنذر مثلها نصحا قريشا ... من الرّحمن إن قبلت نذيري وقال أيضا: لقد لقيت قريظة ما أساها ... وحلّ بحصنها ذلّ ذليل وسعد كان أنذرهم بنصح ... بأنّ إلهكم ربّ جليل فما برحوا بنقض العهد حتّى ... فلاهم في بلادهم الرّسول أحاط بحصنهم منّا صفوف ... له من حرّ وقعتهم صليل وقال أيضا: تفاقد معشر نصروا قريشا ... وليس لهم ببلدتهم نصير هم أوتوا الكتاب فضيّعوه ... وهم عمي عن التّوراة بور كفرتم بالقران وقد أتيتم ... بتصديق الّذي قال النّذير فهان على سراة بني لؤيّ ... حريق بالبويرة مستطير وقال أيضا لقد سجمت [ (٢) ] من دمع عينيّ عبرة ... وحقّ لعيني أن تفيض على سعد قتيل ثوى في معرك فجعت به ... عيون ذواري الدّمع دائمة الوجد على ملّة الرّحمن وارث جنّة ... مع الشّهداء وفدها أكرم الوعد فإن تك قد ودّعتنا وتركتنا ... وأمسيت في غبراء مظلمة اللّحد فأنت الّذي يا سعد أبت بمشهد ... كريم وأثواب المكارم والحمد بحكمك في حيّي قريظة بالّذي ... قضى الله فيهم ما قضيت على عمد فوافق حكم الله حكمك فيهم ... ولم تعف إذ ذكّرت ما كان من عهد فإن كان ريب الدّهر أمضاك في الألى ... شروا هذه الدّنيا بجنّاتها الخلد فنعم مصير الصّادقين إذا دعوا ... إلى الله يوما للوجاهة والقصد وقال أيضا يبكي سعد بن معاذ ورجالا من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم: إلا يا لقومي هل لما حمّ دافع ... وهل ما مضى من صالح العيش راجع تذكّرت عصرا قد مضى فتهافتت ... بنات الحشا وانهلّ منّي المدامع صبابة وجد ذكّرتني أخوّة ... وقتلى مضى فيها طفيل ورافع وسعد فأضحوا في الجنان وأوحشت ... منازلهم فالأرض منهم بلاقع [ (١) ] وفوا يوم بدر للرّسول وفوقهم ... ظلال المنايا والسّيوف اللّوامع دعا فأجابوه بحقّ وكلّهم ... مطيع له في كل أمر وسامع فما نكلوا حتّى توالوا جماعة ... ولا يقطع الآجال إلّا المصارع لأنّهم يرجون منه شفاعة ... إذا لم يكن إلّا النّبيّون شافع فذلك يا خير العباد بلاؤنا ... إجابتنا لله والموت ناقع لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأوّلنا في ملّة الله تابع ونعلم أنّ الملك لله وحده ... وأنّ قضاء الله لا بدّ واقع
تنبيهات
الأوّل: قريظة بضم القاف وفتح الراء وسكون التحتية وبالظاء المعجمة المشالة فتاء تأنيث، قال السمعاني هو اسم رجل نزل أولاده قلعة حصينة بقرب المدينة فنسبت إليهم.
وقريظة والنضير أخوان من أولاد هارون- عليه الصلاة والسلام.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،