السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

غزوة الخندق

التاريخشوال ٥ على الأصح، وقيل ٤
عمره ﷺ٥٧
الموضعالخندق
ما نزل فيهالأحزاب ٩

شوال ٥ على الأصح، وقيل ٤، وعمره ﷺ ٥٧

تقرأ في إبراهيم العلي، ت ١٤٢٥هـ، ٤٤ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: دار النفائس، الأردن، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ

١ - وقت الغزوة وسببها

١/٢٦٤١/٢٦٤

اختلف في وقتها وتاريخها على قولين أحدهما قول ابن إسحاق أنها في سنة خمس: ٤٢٣ - عن محمَّد بن إسحاق قال: كانت الخندق في شوال سنة خمس وفيها مات سعد بن معاذ رضي الله عنه ١ قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (وكانت في سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين إذ لا خلاف أن أحدًا كانت في شوال سنة ثلاث، وواعد المشركون رسول الله ﷺ في العام المقبل وهو سنة أربع ثم أخلفوه، لأجل جدب تلك السنة، فرجعوا، فلما كانت سنة خمس جاءوا لحربه، هذا قول أهل السير والمغازي ٢ .

  1. ١قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٤٢، رواه الطبراني ورجاله ثقات، سيرة ابن هشام: ٢/ ٢١٤.
  2. ٢زاد المعاد: ٣/ ٢٦٩.

وذهب إلى هذا القول ابن سعد في الطبقات, والبيهقي في السنن وقطع به الذهبي، واعتمده الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وأبي عبيد في كتاب الأموال ١ . وقال ابن كثير: وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة نص على ذلك ابن إسحاق وعروة ابن الزبير وقتادة والبيهقي وغير واحد من العلماء سلفًا وخلفًا، وقد صرح الزهريّ بأن الخندق قد كانت بعد أحد بسنتين، ولا خلاف أن أحدًا في شوال سنة ثلاث " ٢ .

  1. ١السيرة النبوية ابن هشام: ٢/ ٢١٤، طبقات ابن سعد: ٢/ ٦٥، المغازي النبوية ص: ٧٩، كتاب الأموال ص: ١٣٥، فتح الباري: ٧/ ٣٩٣، المغازي باب غزوة الخندق، دلائل النبوة للبيهقي: ٣/ ٣٩٣ - ٣٩٧.
  2. ٢سيرة ابن كثير: ٣/ ١٨٠ وانظر الرد على القائلين بغير القول عند ابن إسحاق.
١/٢٦٥١/٢٦٥

والقول الآخر: أنها كانت في شوال سنة أربع للهجرة، قال بذلك موسى بن عقبة في مغازيه، وتابعه على ذلك مالك بن أنس، ومال البخاري إلى ذلك، وقد رد ابن حجر في فتح الباري على القائلين بهذا القول، وبين ضعفه، وبأنه غير معتمد، وناقش ذلك حجة بحجة ودليلًا بدليل فانظره ١ .

  1. ١فتح الباري: ٧/ ٣٩٣، المغازي باب غزوة الخندق وهو غزوة الأحزاب.

٤٢٤ - قال ابن إسحاق حدثنا يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب القرظي، والزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم من علمائنا، كلهم قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق قالوا: "إنه كان الذين حزبوا الأحزاب نفرًا من اليهود، وكان منهم سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، فلما قدموا على قريش، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم عليه، حتى نستأصله. فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا يختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين أنزل الله فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ ١ ٢ .

  1. ١الآيات من سورة النساء: ٥١ - ٥٤.
  2. ٢السيرة النبوية ابن هشام: ٢/ ٢١٤ - ٢١٥ بإسناده ورجاله ثقات وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث ولكنه مرسل، وقد وصله السيوطي من رواية ابن إسحاق عن ابن عباس في لباب النقول، لأسباب النزول ص: ١٧، رواه الطبراني في الكبير: ١١/ ٢٥١، وقال الهيثمي في المجمع: ٧/ ٦ وفيه يونس بن سليمان الجمال ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح.

٢ - حفر الخندق

١/٢٦٦١/٢٦٦

٤٢٥ - من حديث أنس رضي الله عنه قال: "خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرين والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: (اللهم إن العيش عيش الآخرة فأغفر للأنصار والمهاجرة) فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدًا … على الجهاد ما بقينا أبدًا وفي لفظ آخر قال: "جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمدًا … على الإِسلام ما بقينا أبدًا قال يقول النبي ﷺ وهو يجيبهم (اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة) قال: يؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهم بإهالة ١ سنخ توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن " ٢ .

  1. ١الإهالة: الدهن الذي يؤتدم به سواء كان زيتًا أو سمنًا أو شحمًا.
  2. ٢أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق حديث رقم: ٤٠٩٩ - ٤١٠٠، مسلم في صحيحه الجهاد والسير باب غزوة الأحزاب وهي الخندق حديث رقم: ١٨٠٥، الفتح الرباني: ٢١/ ٧٧.

٤٢٦ - من حديث البراء بن عازب قال: "لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله ﷺ ، رأيته ينقل من تراب الخندق، حتى وارى عني التراب جلدة بطنه -وكان كثير الشعر- فسمعنه يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل من التراب يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزل سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا … وإن أرادوا فتنة أبينا قال: ثم يمد صوته بآخرها" ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق حديث رقم: ٤١٠٦، ٤١٠٤، مسلم في صحيحه الجهاد والسير باب غزوة الأحزاب رقم: ١٨٠٣، الفتح الرباني: ٢١/ ٧٧، وكذلك جاء شبيهًا بالحديثين من حديث سهل بن سعد الساعدي عند البخاري في المغازي باب غزوة الخندق رقم: ٤٠٩٨، ومسلم رقم:١٨٠٤.

أ - إبصاره قصور الملوك وإعطاؤه مفاتيح ملكهم

١/٢٦٧١/٢٦٧

٤٢٧ - من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا إلى رسول الله ﷺ فجاءنا فأخذ المعول فقال: (بسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية، فقطع الثلث الآخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثم ضرب الثالثة، وقال: بسم الله فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة) " ١ .

  1. ١أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٣٠٣ والنسائي في الجهاد باب غزوة الترك: ٦/ ٤٣ - ٤٤، والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٤١٧ - ٤١٨ ,وحسن إسناده الحافظ في الفتح ٧/ ٣٩٧، حيث قال ووقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن عن البراء فذكر الحديث وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٠ - ١٣١ رواه أحمد وفيه ميمون أبو عبد الله وثقه ابن حبان وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات. وللحديث شواهد من حديث ابن عباس عند الطبراني كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣١ - ١٣٢، سنورد تخريجه في الحديث التالي برقم: ٤٢٨، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣١، رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما حيي بن عبد الله وثقه ابن معين وضعفه جماعة وبقية رجاله رجال الصحيح، وله شاهد من حديث جابر في الصحيحين سيأتي ذكره وبهذا يكون الحديث كما قال الحافظ أو أكثر. * السمت: الدعاء.

ب - تكثيره الطعام

٤٢٨ - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "احتفر رسول الله ﷺ الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: (هل دللتم على أحد يطعمنا أكلة) قال رجل: نعم، قال: (أما لا فتقدم فدلنا عليه) . فانطلقوا إلى رجل فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه فيه، فأرسلت إليه امرأته أن جيء فإن رسول الله ﷺ قد أتانا فجاء الرجل يسعى. فقال: بأبي وأمي، وله معزة وجديها فوثب إليها, فقال النبي ﷺ : (الجدي من ورائنا) فذبح الجدي، وعمدت امرأته إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت، وأدركت وتردت، فقربتها إلى رسول الله ﷺ وأصحابه فوضع النبي ﷺ أصبعه فيها فقال: (بسم الله، اللهم بارك فيها، اللهم بارك فيها اطعموا) فأكلوا منه حتى صدروا, ولم يأكلوا إلا ثلثها وبقى ثلثاها، فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا، وسرحوا إلينا نغديكم، فذهبوا وجاء أولئك العشرة مكانه، فأكلوا منها حتى شبعوا، ثم قام ودعا لربة البيت وسمَّت عليها وعلى أهلها، ثم مشوا إلى الخندق فقالوا: اذهبوا بنا إلى سلمان، وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال النبي لأصحابه: (دعونى فأكون أول من ضربها فقال: بسم الله) فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: (الله أكبر قصور الروم ورب الكعبة) ، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال: (الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة) ، فقال عندها المنافقون: نحن نخندق وهو يعدنا قصور فارس والروم ١ .

  1. ١قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣١ - ١٣٢ رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ابن حنبل ونعيم العنبري وهما ثقتان.
١/٢٦٨١/٢٦٨

٤٢٩ - من حديث جابر رضي الله عنه قال: "لما حفر الخندق رأيت برسول الله ﷺ خمصًا ١ فانكفأت ٢ إلى امرأتي، فقلت لها: هل عندك شيء؛ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصًا شديدًا، فأخرجت لي جرابًا ٣ فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة ٤ داجن ٥ ، قال: فذبحتها وطحنت، ففزعت إلى فراغي، فقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله ﷺ . فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه، قال: فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله! إنا قد ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعًا من شعير كان عندنا، فتعال أنت في نفر معك، فصاح رسول الله ﷺ وقال: (يا أهل الخندق! إن جابرًا قد صنع لكم سورًا ٦ فحيهلا بكم). وقال رسول الله ﷺ : (لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينتكم، حتى أجيء) فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس، حتى جئت امرأتي. فقالت: بك وبك ٧ ، فقلت: قد فعلت الذي قلت لي. فأخرجت له عجينتنا فبصق فيها وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيه وبارك، ثم قال: (ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي في برمتكم ٨ ولا تنزلوها) وهم ألف. فأقسم بالله إلا أكلوا حتى تركوه وانحرفوا ٩ ، وإن برمتنا لتغط ١٠ كما هي، وإن عجينتنا -أو كما قال الضحاك- لتخبز كما هو " ١١ .

  1. ١خمصًا: خلاء البطن من الطعام.
  2. ٢انكفأت: فرجعت وانقلبت.
  3. ٣الجراب: الوعاء من الجلد.
  4. ٤البهيمة: السخلة الصغيرة من ولاد المعز.
  5. ٥داجن: ما ألف البيوت.
  6. ٦السور: الطعام الذي يدعى إليه.
  7. ٧بك وبك: ذمته ودعت عليه.
  8. ٨اقدحي في برمتكم: أي اغرفي.
  9. ٩تركوا، وانحرفوا: شبعوا وانصرفوا.
  10. ١٠لتغط: تغلي ويسمع غلبانها.
  11. ١١أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق رقم: ٤١٠٢ ورقم: ٤١٠١، مسلم في صحيحه كتاب الأشربة باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه حديث رقم: ٢٠٣٩، الفتح الرباني: ٢٢/ ٦٠، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٠ - ٣١، وأحمد في المسند: ٣/ ٣٠ مختصرًا والدارمي في المقدمة باب ما أكرم به النبي في بركة طعامه: ١/ ١٩ - ١٢ والطبراني في الأحاديث الطوال برقم: ٥١، ٢٥/ ٣٠٢.

٤ - منزل المشركين في الخندق

١/٢٦٩١/٢٦٩

٤٣٠ - من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ﴿إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر﴾ قالت: كان ذاك يوم الخندق" ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق حديث رقم: ٤١٠٣.

وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنه كما قال الحافظ في الفتح تفسير آخر قال: "وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ﴿إذ جاءوكم من فوقكم﴾ قال: عيينة بن حصن ﴿ومن أسفل منكم﴾ أبو سفيان بن حرب" ١ .

  1. ١فتح الباري على صحيح البخاري في التعليق على الحديث السابق: ٧/ ٤٤٠.

وقد بين ابن إسحاق بسنده الذي ذكره في بداية غزوة الخندق ورجاله ثقات، وقد صرح هو بالتحديث، لكن الحديث مرسل ولذا فإنه يستأنس به تحديد الموقع الذي نزل فيه المشركون قال: (نزلت قريش بمجمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وتهامة، ونزل عيينة في غطفان ومن معهم من أهل نجد إلى جانب أحد بباب نعمان، وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف، والخندق بينهم وبين القوم، وجعل النساء والذراري في الأطام " ١ .

  1. ١انظر تخريج السند أولًا في حديث رقم: ٤٢٤ والحديث في السيرة لابن هشام: ٢/ ٣١٥ - ٣١٦. وانظر فتح الباري: ٧/ ٤٠٠.
١/٢٧٠١/٢٧٠

وقد جاء تحديد موضع الخندق من حديث عمرو بن عوف المزني: "أن رسول الله ﷺ خط الخندق من أحمر السبختين طرف بني حارثة عام حرب الأحزاب، حتى بلغ المداحج فقطع لكل عشرة أربعين ذراعًا " ١ .

  1. ١قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٠، رواه الطبراني وفيه كثير بن عبد الله المزني وقد ضعفه الجمهور وحسن الترمذي حديثه وبقية رجال ثقات.

والحديث يستأنس به في هذا الموطن لأنه ليس فيه إثبات حكم شرعي أو غير ذلك، وإنما هو تحديد مكان تاريخي ألا وهو مكان الخندق.

٥ - شعار المسلمين يوم الخندق

٤٣١ - عن المهلب بن أبي صفرة قال: سمعت من يحدث عن النبي ﷺ قال: "وهو يخاف أن يبيته أبو سفيان فقال: (إن بيتم فادعو حم لا ينصرون) ١ .

  1. ١أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٦٥، ٢٨٩، ٥/ ٣٧٧، الترمذي في كتاب فضائل الجهاد باب ما جاء في الشعار حديث رقم: ١٦٨٢ أبو داود في الجهاد باب في الرجل ينادي بالثمار وصححه الحاكم: ٢/ ١٠٧، وقد وصله من حديث البراء حيث قال في هذه الرواية: صحيح الإسناد على شرط الشيخين إلا أنه فيه إرسال فهذا الرجل الذي لم يسمه المهلب بن أبي صفرة البراء بن عازب" وقد أخرجه الحاكم أيضًا في نفس الصفحة عن البراء بن عازب بإسناد المهلب وصرح فيه باسم البراء.

١ - رجل المهمات الصعبة

١/٢٧١١/٢٧١

٤٣٢ - من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: "لما كان يوم الخندق كنت أنا وعمر بن أبي سلمة في الأطم ١ الذي فيه نساء رسول الله ﷺ ، أطم حسان، فكان يرفعني وأرفعه، فهذا رفعني عرفت أبي حين يمر إلى بني قريظة، وكان يقاتل مع رسول الله ﷺ يوم الخندق فقال: (من يأتي بني قريظة فيقاتلهم؟) فقلت له حين رجع: يا أبت تالله إن كنت لأعرفك حين تمر ذاهبًا إلى بني قريظة فقال: " يا بني أما والله إن كان رسول الله ﷺ ليجمع لي أبويه جميعًا يفديني بهما، يقول: (فداك أبي وأمى) ٢ .

  1. ١الأطم: بناء مرتفع كالحصن.
  2. ٢أخرجه البخاري في مناقب الصحابة باب مناقب الزبير رقم: ٣٧٢٠، مسلم في فضائل الصحابة باب فضائل طلحة والزبير رقم: ٢٤١٦، أحمد فى المسند: ١/ ١٦٤، ١٦٦.

٤٣٣ - من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : قال: "اشتد الأمر يوم الخندق فقال رسول الله ﷺ ألا رجل يأتينا بخبر بني قريظة؟ فانطلق الزبير فجاء بخبرهم، ثم اشتد الأمر أيضًا فذكر ثلاث مرات فقال رسول الله ﷺ : (إن لكل نبي حواري والزبير حواري) ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب مناقب الزبير رقم: ٣٧١٩، مسلم في الفضائل باب فضائل طلحة والزبير حديث رقم: ٢٤١٥، الترمذي في المناقب باب مناقب الزبير: ٣٧٤٥، ابن ماجه في المقدمة باب فضائل الزبير: ١٢٢، الحميدي رقم: ١٢٣١، أحمد في المسند: ٣/ ٣٠٧ ,٣١٤ ,٣٣٨ ,٣٦٥.

٢ - إشغال المشركين المسلمين عن الصلاة

لقد ضيق أهل الكفر حصارهم على رسول الله وأصحابه في المدينة المنورة يوم الخندق حتى شغلوهم عن الصلاة، واستبسل الصحابة وأبدوا من ضروب الشجاعة الشيء الكثير أيضًا، وقد جاءت قصة إشغال المشركين النبي وأصحابه عن الصلاة من رواية عدة من الصحابة، وأجمع الروايات ما ثبت من: ٤٣٤ - حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل "وفي رواية -قبل أن ينزل صلاة الخوف فرجالًا أو ركبانًا" فلما كفينا القتال وذلك قوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ أمر النبي ﷺ بلالًا فأقام الظهر فصلاها كما يصليها في وقتها " ١ .

  1. ١أخرجه النسائي في كتاب الأذان باب الأذان للفائت من الصلوات: ٢/ ١٧، أحمد في المسند: ٣/ ٢٥، ٤٩، ٦٧، البيهقي في السنن: ١/ ٤٠٢، والشافعي في الأم: ١/ ٧٥، الدرامي في السنن: ١/ ٣٥٨ وصححه ابن حبان: ٢٨٥، وغير ابن حبان وإسناده صحيح، وقال ابن سيد الناس (هذا إسناد صحيح جليل)، ورواه الطيالسي برقم: ٢٢٣١، وصححه ابن السكن كما قال ابن حجر في التلخيص ص: ٧٣.
١/٢٧٢١/٢٧٢

٤٣٥ - من حديث علي كرم الله وجهه: "عن النبي ﷺ أنه قال يوم الخندق: (ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق رقم: ٤١١١، مسلم في المساجد باب التغليظ في تفويت صلاة العصر رقم: ٦٢٧، أبو داود في الصلاة باب في وقت الصلاة حديث رقم: ٤٠٩، النسائي كتاب الصلاة باب المحافظة على صلاة العصر: ١/ ٢٣٦، ابن ماجه في الصلاة باب المحافظة على صلاة العصر حديث رقم: ٦٨٤، أحمد: ١/ ٧٩، ٨١، ١١٣، ١٢٢، ١٢٦، ١٣٥، ١٣٧، ١٤٦ ,١٥٠، ١٥٢.

٤٣٦ - من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "إن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس جعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب قال النبي ﷺ : (والله ما صليتها) ، فنزلنا مع النبي ﷺ بطحان، فتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب" ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق رقم: ٤١١٢، مسلم في المساجد باب الدليل لمن قال أن الصلاة الوسطى صلاة العصر حديث رقم: ٦٣١، الترمذي الصلاة باب في الرجل إذا فاته الصلوات بأيهن يبدأ رقم: ١٨٠، وقد جاء شبيها بما سبق من حديث ابن مسعود عند مسلم برقم: ٦٢٨ المساجد باب التغليظ في تفويت صلاة العصر، الترمذي الصلاة باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيهن يبدأ رقم: ١٧٩، ابن ماجه الصلاة باب المحافظة على صلاة العصر رقم: ٦٨٦، أحمد في المسند: ١/ ٤٠٤، ٤٥٦.

٣ - مفاوضة الرسول زعيم بني غطفان لتخفيف الحصار

٤٣٧ - من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمَّد شاطرنا تمر المدينة فقال ﷺ : (حتى أستأمر السعود) فبعث إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسعد بن مسعود، وسعد بن خيثمة، فقال: (إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وأن الحارث سألكم أن تشاطروه تمر المدينة، فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا في أمركم بعد) فقالوا: يا رسول الله أوحي من السماء، فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك وهواك فرأينا نتبع هواك ورأيك، فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء، ما ينالون منا ثمرة إلا شراء أو قرى، فقال رسول الله ﷺ : (هوذا تسمعون ما يقولون) ، قالوا: غدرت يا محمَّد، فقال حسان بن ثابت رضي الله عنه : يا جار من يغدر بذمة جاره ..... منكم فإن محمدًا لا يغدر وأمانة المري حين لقيتها … كسر الزجاجة صدعها لا يجبر إن تغدروا فالغدر من عاداتكم … واللؤم ينبت في أصول السخبر ١

  1. ١كشف الأستار عن زوائد البزار رقم: ١٨٠٣ وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٢ رواه البزار والطبراني ورجال البزار والطبراني فيهما محمَّد بن عمرو وحدثه حن وبقية رجاله ثقات، والسخبر: شجر تألفه الحيات فتسكن في أصوله.

٤ - قتل علي بن أبي طالب عمرو بن عبدود العامري

١/٢٧٣١/٢٧٣

٤٣٨ - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قتل رجل من المشركين يوم الخندق فطلبوا أن يواروه فأبى رسول الله ﷺ حتى أعطوه الدية، وقتل من بني عامر بن لؤي عمرو بن عبدود، قتله علي بن أبي طالب مبارزة" ١ .

  1. ١أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٢ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وقد جاء أيضًا من حديث ابن شهاب الزهري وهو مرسل عند الحاكم: ٣/ ٣٢ وقال إسناد هذا المغازي صحيح على شرط الشيخين، قد أورد الآثار عن ابن إسحاق الحاكم: ٣/ ٢٣ - ٣٤، فانظر هناك إن أحببت الاستزادة.

وقد جاءت قصة مبارزة علي بن أبي طالب رضي الله عنه لعمرو بن عبدود العامري مفصلة عند ابن إسحاق في السيرة مستقصاة ومستوفاة، إلا أنها مرسلة، ولم يصل بها ابن إسحاق إلى صحابي روى هذا الحديث، ولذلك لم أورد التفاصيل هنا، واقتصرت على ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنه ، من أن قاتل عمرو بن عبدود العامري هو علي بن أبي طالب كما مر في الحديث السابق، الذي أوردناه.

هذا ما وصلت إليه بعد بذل الجهد فقد بحثت عن إسناد لهذا الحديث مفصلًا فلم أصل إلى ذلك، فاقتصرت على ما مضى، والله تعالى أعلم، فليس كل ما أورده أهل السير وأخذ مأخذ المسلمات ثبت عند أهل الحديث والمحدثين، فاعلم هذا أخي القارئ بارك الله فيك.

٦ - إصابة سعد بن معاذ رضي الله عنه

١/٢٧٤١/٢٧٤

٤٣٩ - من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "لما كان يوم الخندق ورجل يتترس جعل يقول بالترس هكذا، فوضعه فوق أنفه، ثم يقول هكذا يسفله، بعد قال: فأهويت إلى كنانتي، فأخرجت منها سهمًا مدمى، فوضعته في كبد القوس، فلما قال هكذا تسفل الترس رميت، فما نسيت وقع القدح على كذا وكذا من الترس، مال وسقط فقال برجله هكذا، فضحك نبي الله ﷺ أحسبه قال حتى بدت نواجذه، قال قالت: لم فعل، قال كفعل الرجل" ١ .

  1. ١قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٥ - ١٣٦، رواه أحمد والبزار إلا أنه قال كان رجل معه ترسان وكان سعد راميًا فكان يقول كذا وكذا بالترسين يغطي جبهته فنزع له سعد بسهم فلما رفع رأسه رماه فلم يخط هذه منه يعني جبهته والباقي بنحوه ورجالهما رجال الصحيح غير محمَّد بن محمَّد بن الأسود وهو ثقة، وانظر كشف الأستار: ١٨٠٨.

٤٤٠ - من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "خرجت يوم الخندق أقفوا آثار الناس قالت: فسمعت وئيد ١ الأرض ورائي يعني حس الأرض، قالت: فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة ٢ قالت: فجلست إلى الأرض، فمر سعد وعليه درع من حديد قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم، قالت: فمر وهو يرتجز ويقول: لبث قليلًا يدرك الهيجا جمل … ما أحسن الموت إذا حان الأجل قالت: فقمت فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه سبغة يعني له مغفرًا ٣ . فقال عمر: ما جاء بك، لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز ٤ ، قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت ساعتئذ فدخلت فيها، قالت: فرفع الرجل السبغة عن وجهه، فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عمر ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم: وأين التحور أو الفرار إلا إلى الله عز وجل ، قالت: ويرمي سعدًا رجل من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له فقال له: "خذها وأنا ابن العرقة" فأصاب أكحله ٥ فقطعه فدعا الله عز وجل سعد فقال: "اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة" قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت: فرقى كلمه ٦ وبعث الله عز وجل الريح على المشركين فكفى الله عز وجل المؤمنين القتال، وكان الله قويًّا عزيزًا، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن حصن ومن معه بنجد ٧ .

  1. ١وئيد: صوت شدة الوطء على الأرض سمع كالدوي من بعد.
  2. ٢المجنة: الترس.
  3. ٣مغفر: هو ما يلبسه الدارع على رأسه من الزرد.
  4. ٤تحوز: حرب أو أسر.
  5. ٥الأكحل: عرق في وسط الذراع في كل عضو منه شعبة إذا قطع لم يرقأ الدم.
  6. ٦الكلم: الجرح والكليم: الجريح.
  7. ٧قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٦ - ١٣٨رواه أحمد وفيه محمَّد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات، وقال الساعاتي في الفتح الرباني: ٢١/ ٨١ - ٨٣ أورده الحافظ ابن كثير في تاريخه ثم قال هذا الحديث إسناده جيد، وله شواهد من وجوه كثير سيرة ابن كثير: ٣/ ٢٣٨.

٧ - محاولة فاشلة عند حصون النساء

١/٢٧٥١/٢٧٥

٤٤١ - من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه قال: "لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة، فجعل النبي في النساء والصبيان والذراري فيه، وقال: (إن ألم بكن أحد فألمعن بالسيف) فجاءهن رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له نجدان أحد بني حشاش على فرس، حتى كان في أصل الحصين ثم جعل يقول للنساء: انزلن إلى خير لكن، فحركن السيف فأبصره أصحاب رسول الله ﷺ ، فابتدر الحصين قوم فيهم رجل من بني الحارثة يقال له: ظهير بن رافع، فقال: يا نجدان ابرز، فبرز إليه، فحمل على فرسه، فقتله وأخذ رأسه فذهب به إلى الني ﷺ " ١ .

  1. ١قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٣، رواه الطبراني ورجاله ثقات.

٤٤٢ - من حديث ابن أبي أوفى رضي الله عنه قال: (دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: (اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم) ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق حديث رقم: ٤١١٥ مسلم في الجهاد والسير استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو حديث رقم: ١٧٤٢/ ٢١، الترمذي كتاب فضائل الجهاد باب ما جاء في الدعاء عند القتال: ١٦٧٨، أبو داود الجهاد باب فى كراهية تمني لقاء العدو رقم: ٢٦٣١.
١/٢٧٦١/٢٧٦

٤٤٣ - من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "إن رسول الله ﷺ كان يقول: (لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده) ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق رقم: ٤١١٤ مسلم في الذكر والدعاء باب التحوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل حديث رقم: ٢٧٢٤.

٨ - عدم صحة ما يروى من جبن حسان

من حديث ابن إسحاق قال: حدثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: "كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، وكان حسان بن ثابت معنا فيه مع النساء والصبيان حين خندق النبي ﷺ ، قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود، فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة أو قطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ﷺ ، والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم، إذ أتانا آت، فقلت لحسان بن ثابت إن هذا اليهودي يطيف بالحصن كما ترى، ولا آمنه أن يدل على عورتنا من ورائنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه، فانزل إليه فاقتله. فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت صفية: فلما قال ذلك، احتجزت عمودًا ثم نزلت من الحصين إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصين، فقلت يا حسان أنزل فاستلبه، فإنه لم يمنعني أن أستلبه إلا أنه رجل، فقال: ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب" ١ .

  1. ١ابن هشام في السيرة: ٢/ ٢٢٨، وقد جاء من طريق الزبير بن العوام وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٣ - ١٣٤، وقال: رواه البزار وأبو يعلى باختصار وإسنادهما ضعيف، ومن حديث عروة وقال: ٦/ ١٣٤، رواه الطبراى ورجاله إلى عروة رجال الصحيح، ولكنه مرسل فالحديث ضعيف.
١/٢٧٧١/٢٧٧

وهذا الخبر لا يصح لأمرين: الأول: من حيث الإسناد، فالخبر ليس مسندًا، وقد علمنا علماؤنا أنه لا يؤخذ من الأخبار إلا إذا كان له إسناد، ولا يؤخذ الخبر المسند إلا إذا كان إسناده صحيحًا.

وهذا الخبر ساقط لا يصح ولا يجوز أن يروى، فيساء إلى صحابي من صحابة رسول الله ﷺ ، كان ينافح عن الدعوة الإِسلامية، وعن رسول الله ﷺ عمره كله.

الثاني: لو كان حسان بن ثابت رضي الله عنه معروفًا بالجبن الذي ذكر عنه لهجاه أعداؤه ومبغضوه بهذه الخصلة الذميمة لا سيما الذين كان يهاجيهم، فلم يسلم من هجاته أحد من زعماء الجاهلية ".

والرسول ﷺ كان يؤيده ويدعو له، ويشجعه على هجاء زعماء المشركين ١ .

  1. ١غزوة الأحزاب الدكتور أبو فارس ص: ١٩٧ - ١٩٨.

٩ - تحسس الأخبار عن المشركين

٤٤٤ - من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه : فعن محمَّد بن كعب القرظي قال: "قال فتى منا من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله لقد رأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد ١ . قال: والله لو أدركنا ما تركناه يمشي على الأرض، ولجعلناه على أعناقنا، قال: فقال حذيفة: يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق، وصلى رسول الله ﷺ من الليل هويًا ٢ ، ثم التفت إلينا فقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم، يشترط له رسول الله ﷺ أنه يرجع، أدخله الله الجنة) ، فما قام رجل، ثم صلى رسول الله ﷺ هويًا، ثم التفت إلينا فقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع، يشرط له رسول الله ﷺ الرجعة، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة)، فما قام رجل من القوم من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد.

  1. ١نجهد: في مشقة شديدة.
  2. ٢هويًا: الحين الطويل من الزمان.
١/٢٧٨١/٢٧٨

فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله ﷺ فلم يكن لي بد في القيام حين دعاني فقال: (يا حذيفة فاذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون ولا تحدثن شيئًا حتى تأتينا) ، قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل ما تفعل، لا تقر لهم قدر، ولا نار، ولا بناء، فقام أبو سفيان بن حرب فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ إلى جليسه، فقال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع ١ وأخلفتنا بنو قريظة، بلغنا منهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه ثم ضربه فوثب على ثلاث، فما أطلق عقله، إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله لا تحدث شيئًا حتى تأتيني ثم شئت لقتلته بسهم.

  1. ١الكهل: اسم لجميع الخيل.

قال حذيفة، ثم رجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي في مرط ١ لبعض نسائه مرجل ٢ ، فلما رآني أدخلني إلى رحله، وطرح عليه طرف المرط، ثم ركع وسجد وإنه لفيه، فلمّا سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش وانشمروا إلى بلادهم).

  1. ١مرط: كساء من صوف أو خز يؤتزر به وتتلفع به المرأة.
  2. ٢مرجل: فيه خطوط وأرقام.

هذا اللفظ لأحمد وفي لفظ مسلم بعض الزيادة أذكرها هنا لاكتمال المعنى والفائدة فبعد أن ذكر حذيفة استنفار الرسول عليه السلام للصحابة ثلاثًا ثم قوله قم يا حذيفة قال: (… فمضيت كأنما أمشي في حمام ١ حتى أتيتهم، فهذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهمي في كبد قوسي ٢ وأردت أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله ﷺ : (لا تذعرهم علي) ولو رميته لأصبته، قال: فرجعت كأنما أمشي في مثل الحمام، فأتيت رسول الله ﷺ ثم أصابني البرد حين فرغت وقررت ٣ . فأخبرت رسول الله ﷺ فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى الصبح، فلما أن أصبحت، قال رسول الله ﷺ : قم يا نومان) " ٤ .

  1. ١كأنما أمشي في حمام: أي أنه لم يجد من البرد ما يجد الناس.
  2. ٢كبد القوس: مقبضه.
  3. ٣قررت: بردت.
  4. ٤أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٣٩٢ - ٣٩٣، مسلم في كتاب الجهاد والسير باب غزوة الأحزاب رقم: ١٧٨٨، الحاكم في المستدرك: ٣/ ٣١، وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن: ٩/ ١٥٩ والدلائل: ٣/ ٤٤٩ - ٤٥٤، وأبو نعيم في الدلائل: ٢/ ٥٠٠ - ٥٠١، وقد جاء في المطالب العالية برقم: ٤٣٢٩، ونسبه إلى أبي بكر بن أبي شيية وحسن إسناده، وقال الهيثمي: ٦/ ١٣٦ ورواه البزار ورجاله ثقات، وقال البوصيري: رواه ابن أبي شيبة والبزار وأصله في الصحيح وفي هذا زيادة ظاهرة، قلت: وفي لفظه اختلاف عما في الصحيح فالمقدم ما في الصحيح والله أعلم.

١٠ - نصر الله رسوله بريح الصبا

١/٢٧٩١/٢٧٩

٤٤٥ - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أتت الصبا الشمال ليلة الأحزاب، فقالت: مري حتى ننصر رسول الله ﷺ ، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل، فكانت الريح التي نصر بها رسول الله ﷺ الصبا" ١ .

  1. ١قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٤٩ - ١٤٠: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، كشف الأستار: ١٨١١ وقال البزار: رواه جماعة عن داود عن عكرمة مرسلًا، ولا نعلم أحدًا وصله إلا حفص ورجل من أهل البصرة وكان ثقة يقال له: خلف بن عمرو.

٤٤٦ - من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ (نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور) ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء باب قول النبي ﷺ نصرت بالصبا حديث رقم: ١٠٣٥، مسلم في كتاب صلاة الاستسقاء باب في ريح الصبا والدبور حديث رقم: ٩٠٠، وقد جاء من حديث أنس عند الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله ثقات كما قال الهيثمي: ٦/ ٦٥.