السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

غزوة الخندق

التاريخشوال ٥ على الأصح، وقيل ٤
عمره ﷺ٥٧
الموضعالخندق
ما نزل فيهالأحزاب ٩

شوال ٥ على الأصح، وقيل ٤، وعمره ﷺ ٥٧

تقرأ في إبراهيم بن محمد المدخلي، ٦٢٨ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ
عناوينه هنا (٢٧)
  1. الفصل الأول: سبب الغزوة
  2. الفصل الثاني: تاريخ الغزوة
  3. المبحث الأول: الحقد اليهودي على البشرية منذ القدم
  4. المبحث الثاني: الوفد اليهودي المحرض
  5. المبحث الثالث: القبائل التي أغراها اليهود على قتال المسلمين
  6. الفصل الثاني: دور المنافقين في هذه الغزوة
  7. الفصل الأول: مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه حول خطة الدفع "حفر الخندق".
  8. الفصل الثاني: تواضعه صلى الله عليه وسلم ومباشرته الحفر بنفسه
  9. الفصل الثالث: الكدية وتغلب المسلمين عليها
  10. الفصل الرابع: مكان الخندق وسرعة إنجاز المسلمين لحفره
  11. المبحث الأول: عدد جيش المشركين، وبيان قواده
  12. المبحث الثاني: عدد جيش المسلمين
  13. الفصل الثاني: تواطؤ اليهود مع المشركين وعزمهم على ضرب المسلمين من الخلف
  14. الفصل الثالث: تخذيل المنافقين للصف الإسلامي
  15. المبحث الأول: الحصار الذي لحق بالمسلمين
  16. المبحث الثاني: المبارزة
  17. مقتل عمرو بن عبدود
  18. مقتل نوفل المخزومي
  19. المبحث الثالث: القتلى من الجانبين
  20. الفصل الثاني: اشتداد المعركة يمنع المسلمين من الصلاة
  21. ذكر ذلك صاحب السيرة الحلبية فقال
  22. الفصل الثالث: دور سعد بن معاذ وبلاؤه في هذه الغزوة
  23. الفصل الرابع: دور نعيم بن مسعود الأشجعي في هذه الغزوة
  24. الفصل الخامس: دور حذيفة بن اليمان في هذه الغزوة
  25. المبحث الأول: هبوب الريح
  26. المبحث الثاني: نتائج الغزوة
  27. الخاتمة: في الأحكام والفوائد والعبر المستنبطة من هذه الغزوة

الفصل الأول: سبب الغزوة

١/٤٥١/٤٥

...

يبدو أن أصحاب المغازي ومن جاء بعدهم من العلماء متفقون على أن سبب هذه الغزوة هو إجلاء يهود بني النضير من المدينة حيث إن الحسد والحقد قد تمكنا من قلوبهم مما جعلهم يضمرون العداء ويتحينون الفرص للتشفي ممن طردهم - وما طردهم إلا بسبب ما ارتكبوه ضد المسلمين - أو التحريش ضده وكانوا لا يستطيعون تنفيذ الأول وهو التشفي وحده، وهذا طبعهم الذي أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم في أكثر من آية منها على سبيل المثال قولهم لنبيهم موسى عليه السلام: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ١.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل بجلاء على جبنهم، وخبث نفوسهم، وعلى عدم طاعتهم لنبيهم بعكس أمة محمد صلى الله عليه وسلم حيث كان حسناً ما أجاب به الصحابة رضي الله عنهم يوم بدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في قتال كفار قريش حيث كان آخر ما قالوه "فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً إنا لصُبُر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله"١. كما رواه البخاري ١ في كتاب التفسير.

  1. ١صحيح البخاري مع الفتح ٧/٢٨٧ كتاب المغازي.
  2. *سورة المائدة الآية (٢٤) .
١/٤٦١/٤٦

وعندما لم يستطع يهود خيبر - وخاصة بني النضير ١ - مجابهة المسلمين لجأوا إلى الأسلوب الثاني وهو أسلوب المكر والتحريش فقد روى ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن رومان ٢ عن عروة ومن لا أتهم عن عبيد الله٥بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب ٣ القرظي ٤، والزهري، وعاصم ٥ بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر ٦، وغيرهم من علمائنا، وبعضهم يحدث مالا يحدث بعض قالوا: "أنه كان من حديث الخندق ٧ أن نفراً من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري ٨، وحيي بن أخطب النضري ٩، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ١٠، وهوذة بن قيس الوائلي ١١، وأبو عمار ١٢ الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

  1. ١ذلك لأنهم خسروا الكثير من مناطق نفوذهم وسلطانهم فهم موتورون، وأكثر حقداً وتحمساً من غيرهم.
  2. ٢يزيد بن رومان الأسدي أبو روح المدني مولى آل الزبير - ثقة - من الخامسة مات سنة ثلاثين وروايته عن أبي هريرة مرسلة روى له الجماعة، التقريب ٣٨٢، وتهذيب التهذيب ١١/٣٥.
  3. ٣محمد بن كعب بن سليم بن أسد أبو حمزة القرظي المدني، وكان قد نزل الكوفة مدة وكان ابوه من سبي قريظة - ثقة - عالم من الثالثة ولد سنة أربعين على الصحيح، ووهم من قال ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال البخاري أن أباه كان ممن لم ينبت من سبي قريظة مات محمد سنة ١٢٠، وقيل قبل ذلك روى له الجماعة، تهذيب التهذيب ٩/٤٢٠، التقريب ٣١٦.
  4. ٤القرظي: بضم القاف وفتح الراء، وفي آخرها ظاء معجمة هذه النسبة إلى قريظة وهم اسم رجل نزل أولاده حصناً بقرب المدينة وقريظة والنضير إخوان من أولاد هارون عليه السلام، والمنتسب إلى قريظة جماعة منهم كعب بن سليم القرظي المدني يروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - روى عنه ابنه محمد بن كعب وابنه محمد بن كعب القرظي أبو حمزة يروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وابن عمر - رضي الله عنهما - وغيرهما وكان من فضلاء المدينة. انظر في ذلك اللباب في تهذيب الأنساب ٣/٢٦
  5. ٥عاصم بن عمر بن قتادة ابن النعمان الأوسي الأنصاري أبو عمرو المدني - ثقة - عالم بالمغازي من الرابعة مات بعد العشرين ومائة روي له الجماعة، تهذيب التهذيب ٥/٥٣، والتقريب ١٥٩.
  6. ٦عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي - ثقة - من الخامسة مات سنة (١٣٥) ، وهو ابن سبعين سنة روى له الجماعة، التقريب ١٦٩، وتهذيب التهذيب ٥/١٦٤.
  7. ٧الخندق: حفير حول أسوار المدن معرب (كندة) وهي الحفرة، وخندق حفرة. ترتيب القاموس ٢/١١٦.
  8. ٨سلام بن أبي الحقيق أبو رافع قتله الصحابة من الخزرج، وذلك بقيادة عبد الله بن عتيك الخزرجي الأنصاري، وكان أبو رافع عدواً لله ولرسوله، وكان قتله في خيبر بعد وقعة بني قريظة ذلك لأن الأوس قتلوا كعب بن الأشراف وكانت الطائفتان الأوس والخزرج تتسابقان في الخيرات. السيرة النبوية لابن حزم ٢/٢٧٤.
  9. ٩حيي بن أخطب النضري ستأتي ترجمته في الحقد اليهودي قريباً.
  10. ١٠كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق هو أحد اليهود من بني النضير، وكان قد خلف على صفية بعد سلام بن مسلمة القرظي، وقد جيء به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أيام خيبر وكان عنده كنز بني النضير فسأله عنه فجحده فأتى رجل من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة فأنكر وحفرت تلك الخربة فوجد بعض كنزهم، وأخيراً دفعه إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة. السيرة النبوية ٤/٣٣٦، والمعارف لابن قتيبة ١٣٨.
  11. ١١هوذة بن قيس الوائلي لم أجد له ترجمة في غير هذا المكان. السيرة النبوية ٣/١٤، وتفسير القرآن العظيم، وهو هناك هودة ١/٥١٣.
  12. ١٢أبو عمار الوائلي لم أجد له ترجمة.
  13. *تفسير القرآن العظيم ٢/٣٨-٣٩، والسيرة النبوية ٢/٦١٥.
  14. *عبيد الله بن كعب بن مالك الأنصاري - ثقة - من الثالثة روى له (خ م د س) التقريب ٢٢٧.
١/٤٨١/٤٨

خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: "إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله " فقالت لهم قريش: " يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه؟ " قالوا بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. فهم الذين أنزل الله فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ١. قال ابن إسحاق: "فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له. ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاؤا غطفان ١ فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم يكونون معهم عليه، وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك، واجتمعوا معهم فيه ٢. وقد أورد الطبري ٣ هذا الأثر في تفسيره عن محمد بن حميد عن سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق بهذا الإسناد".

  1. ١غطفان بن سعد بطن عظيم متسع كثير الشعوب والأفخاذ من قيس عيلان من العدنانية، وهم بنو غطفان بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان كانت منازلهم بنجد مما يلي وادي القرى وجبل طيء ثم تفرقوا في الفتوحات الإسلامية، واستولت عليها قبائل طيء، وتنقسم إلى ثلاثة أفخاذ عظيمة هي: أ - أشجع بن ريث بن غطفان. ب - عبس. ج - ذبيان. (=) وقد حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، وجاءوا من بلادهم لذلك وكانوا أكثر الجموع في الأحزاب ثم ارتدوا بعد موته صلى الله عليه وسلم فحاربهم أبو بكرا لصديق - رضي الله عنه- وبعث إليهم خالد بن الوليد - رضي الله عنه - فقتل منهم كثيراً وتشتت شملهم. معجم قبائل العرب ٣/٨٨٨، والمعارف لابن قتيبة ٨٢.
  2. ٢السيرة النبوية لابن هشام ٣/٢١٤، وسائر كتب المغازي.
  3. ٣جامع البيان ٢١/١٢٩.
  4. *سورة النساء الآية ٥٠، وانظر ذلك في السيرة النبوية ٢/٢١٤-٢١٥، والبداية والنهاية ٤/٩٤، وتاريخ الطبري ٢/٥٦٥، والطبقات الكبرى ٢/٦٥، وعيون الأثر ٢/٥٥.
١/٥٠١/٥٠

كما أورده ابن كثير ١ عن ابن إسحاق أيضاً. وكذا ذكره جميع أصحاب المغازي والسير والتفاسير ٢. وقد نقل الحافظ ٣ هذا القول من مغازي موسى بن عقبة مما يؤيد ويقوي حديث الباب.

  1. ١تفسير ابن كثير ٣/٤٧٠، والبداية والنهاية ٤/٩٤.
  2. ٢مثل ابن إسحاق، وابن سعد، وابن جرير، وابن حزم، والسهيلي، وابن سيد الناس، وابن كثير.
  3. ٣فتح الباري ٧/٣٩٣.

نجد أن رجاله كلهم ثقات، وأن الذي قال فيه ابن إسحاق (ومن لا أتهم) في قوله (عن عروة ومن لا أتهم) .

لا يؤثر عدم تسميته لأنه مع عروة وعروة ثقة.

١/٥١١/٥١

وهذا الإسناد ينتهي إلى هؤلاء التابعين وحكايتهم لشيء حصل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه حذف للواسطة الذي شاهد ذلك وهو الصحابي ويحتمل أن يكون سقط قبل الصحابي تابعي فهو يعتبر منقطعاً١.

ويظهر أن للقصة أصلاً، ولذلك أوردها المفسرون عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ٢.

فقد قال ابن كثير - رحمه الله -: "وقال ابن إسحاق حدثني محمد بن أبي عدي ١، عن داود ٢، عن عكرمة ٣ أو عن سعيد ٤ بن جبير عن ابن عباس ٥، قال: "كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان، وبني قريظة حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع، والربيع بن أبي الحقيق، وأبو عامر، ووحوح بن عامر، وهوذة بن قيس. فأما وحوح وأبو عامر وهوذة فمن بني وائل ٦، وكان سائرهم من بني النضير ٧، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود، وأهل العلم بالكتاب الأول فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه، وممن اتبعه فأنزل الله - عز وجل - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ...﴾ " ٦.

  1. ١محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وقد ينسب لجده وقيل هو إبراهيم أبو عمرو البصري - ثقة - من التاسعة مات سنة أربع وتسعين ومائة على الصحيح روى له (ع) ، التقريب ٢٨٨.
  2. ٢داود بن أبي هند القشيري مولاهم أبو بكر أو أبو محمد البصري - ثقة متقن - كان يهم بأخرة من الخامسة مات سنة أربعين ومائة وقيل قبلها روى له (خت م) ، التقريب ٩٧.
  3. ٣عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس أصله بربري - ثقة ثبت - عالم بالتفسير ولم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا يثبت عنه بدعة من الثالثة مات سنة سبع ومائة وقيل قبل ذلك روى له (ع) التقريب ٢٤٢-٢٤٣.
  4. ٤سعيد بن جبير الأسدي مولاهم الكوفي - ثقة ثبت فقيه - من الثالثة وروايته عن عائشة وأبي موسى ونحوهما مرسلة قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين ولم يكمل الخمسين روى له (ع) التقريب ١٢٠.
  5. ٥عبد الله بن عباس الصحابي الجليل - مشهور -.
  6. ٦الوائلي نسبة إلى عدة قبائل، ولم يذكرهم ابن الأثير هنا. انظر اللباب في تهذيب الأنساب ٣/٣٥١.
  7. ٧النضري بفتح النون والضاد وبعدها راء هذه النسبة إلى بني النضير وهم جماعة من اليهود. اللباب ٣/٣١٤.
  8. *المنقطع: قال السيوطي: الصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء والخطيب، وابن عبد البر وغيرهم من المحدثين أن المنقطع هو ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه، وأكثر ما يستعمل في رواية من دون التابعي عن الصحابي. وقيل: هو ما اختل منه رجل قبل التابعي محذوفاً أو مبهماً. تدريب الراوي ١/٢٠٧، أما الصنعاني فقد قال: المشهور أن المنقطع ما سقط من رواته راو واحد غير الصحابي إذا لو كان الساقط الصحابي لكان مرسلاً. ثم قال: وحكى الحاكم وغيره من أهل الحديث أنه ما سقط منه قبل الوصول إلى التابعي شخص واحد. انظر توضيح الأفكار ١/٣٢٤.
  9. *سورة النساء الآية ٥٠.
  10. *تفسير القرآن العظيم ١/٥١٣.
١/٥٣١/٥٣

والحديث بهذا السند يعتبر حسنا لذاته والشك في قوله عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير لا يضر فكلاهما ثقتان.

ومن طريق ابن إسحاق أخرجه كذلك الطبري ١. قال عبد الرزاق ٢ عن الزهري في حديثه عن ابن المسيب مطولاً فيه: "وكان حيي بن أخطب استجاش المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الخ الحديث" ٣. ودرجة حديث عبد الرزاق: إسناده ضعيف لأن عبد الرزاق أخرجه عن ابن المسيب مرسلاً وبين عبد الرزاق والزهري راوٍ لم يذكر، ويحتمل أن يكون الذي بينهما (معمراً) ، لأن عبد الرزاق غالباً ما يأخذ عن معمر عن الزهري، علماً بأن مراسيل ابن المسيب أصح المراسيل، قد اتفق النقاد من المحدثين على ذلك.

  1. ١جامع البيان ٥/١٣٥.
  2. ٢عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري - بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وفتح المثناة التحتية - مولاهم أبو بكر الصنعاني - ثقة حافظ - مصنف شهير عمي في آخر عمره فتغير وكان يتشيع من التاسعة مات سنة إحدى عشرة ومائتين وله خمس وثمانون روى له (ع) التقريب ٢١٣.
  3. *مصنف عبد الرزاق ٥/٣٧١.
١/٥٤١/٥٤

والذي يظهر أن القصة مشهورة وممن ذكرها: ابن سعد، وابن القيم، وابن حجر قال ابن سعد: "مشيراً إلى جم غفير من العلماء الذي نقل عنهم شيخه الواقدي، قالوا: لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير ساروا إلى خيبر فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة، فألبوا قريشاً، ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدوهم وجامعوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعداً ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسُليماً ففارقوهم على مثل ذلك" ١.

وما ذكره ابن سعد يعتبر ضعيفاً لأنه من طريق الواقدي ١ وهو متروك. قال ابن القيم - رحمه الله -: "وكان سبب غزوة الخندق أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين على المسلمين يوم أُحد وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو المسلمين فخرج لذلك ثم رجع للعام المقبل فقد خرج أشراف اليهود إلى قريش بمكة يحرضونهم على غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم وحربه ٢. وكان القرشيون قد جربوها واكتووا بنارها فصاروا يتهيبونها ويزهدون فيها. فزينها الوفد اليهودي وهون أمرها وقالوا: إنا سنكون معكم حتى نستأصله ".

  1. ١محمد بن عمر بن واقد الأسلمي المدني القاضي نزيل بغداد متروك مع سعة علمه من التاسعة مات سنة سبع وثمانين ومائة وله ثمان وستون روى له ابن ماجه. التقريب ٢١٢-٢١٣.
  2. ٢زاد المعاد ٣/٢٧٠.
  3. *الطبقات الكبرى ٢/٦٥.
١/٥٥١/٥٥

أما الحافظ فقال: "وذكر موسى بن عقبة ١ في المغازي قال خرج حيي بن أخطب بعد قتل ٢ بني النضير إلى مكة يحرض قريشاً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان، ويحثهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لهم نصف ثمر خيبر فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل إليهم طليحة بن خويلد بمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش فنزلوا بمر الظهران فجاءهم من أجابهم من بني سليم مدداً لهم فصاروا في جمع عظيم فهم الذين سماهم الله - تعالى - الأحزاب"٤.

  1. ١موسى بن عقبة أبي عياش بتحتانية ومعجمة الأسدي مولى آل الزبير - ثقة فقيه - إمام من المغازي، من الخامسة لم يصح أن ابن معين لينه مات سنة إحدى وأربعين ومائة، وقيل قبل ذلك روى له (ع) التقريب ٣٥٢.
  2. ٢لم يقتل بنو النضير، ولكنهم أُجلوا وقد صرح القرآن الكريم بذلك كما في سورة الحشر، والذين قتلوا هم بنو قريظة.
  3. *فتح الباري ٧/٣٩٣.
١/٥٦١/٥٦

وما ذكره الحافظ نقلاً عن موسى بن عقبة لا نستطيع الجزم بضعفه أو صحته لعدم اطلاعنا على مغازي موسى بن عقبة.

ويتبين مما أوردناه من الآثار السابقة أن يهود بني النضير الذين أجلوا إلى خبير كانوا هم السبب المباشر في وقوع هذه الغزوة وقد ثبت ذلك بطرق تكون بمجموعها صالحة للاحتجاج بها.

وهكذا نرى اتفاق علماء المغازي والسير، وغيرهم من المفسرين على أن سبب هذه الغزوة المباشر هو حقد اليهود، وأملهم في القضاء على الإسلام والمسلمين ليشفوا الغيظ الذي أحرق قلوبهم نتيجة طردهم (من حوالي المدينة ١) رغم أن إجلاءهم كان نتيجة نقضهم للعهود وتلاعبهم بالمواثيق. لذلك قال أبو الحسن الندوي: وتمت الاتفاقية العسكرية والتي كان قريش وغطفان واليهود من أهم أعضائها واتفقوا على شروط من أهمها: ١- أن تشارك غطفان في جيش الاتحاد بأكبر عدد ممكن.

  1. ١تاريخ الخميس ١/٤٨٠، ولا يفهم من هذا أنهم خارج المدينة بل كانوا فيها.

٢- أن يدفع اليهود لقبائل غطفان كل تمر خيبر لسنة كاملة.

١/٥٧١/٥٧

وأسندت قيادة الجيش لأبي سفيان بن حرب ١. وقد شذ صاحب العقد الثمين ٢ فقال: وكان المشركون عشرة آلاف عليهم الحارث بن عوف النضري ٣.

  1. ١السيرة النبوية للندوي ١٩٨.
  2. ٢وهو الإمام محمد بن أحمد الحسني المكي ت ٨٣٢هـ.
  3. ٣لعله يريد الحارث بن عوف المري زعيم بن مرة ولكنه مخالف لما ذكره أهل المغازي.

الفصل الثاني: تاريخ الغزوة

١/٦١١/٦١

أما بالنسبة لتحديد زمن هذه الغزوة فقد اختلف العلماء في ذلك وانحصرت أقوالهم فيها فيما بين السنة الرابعة والخامسة للهجرة النبوية الشريفة، وقد شذ اليعقوبي ١ فقال: إنها كانت في السنة السادسة بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة وخمسين شهراً٢.

  1. ١هو أحمد بن أبي يعقوب إسحاق بن جعفر ابن وهب بن واضح العباسي، ويعرف بابن واضح وباليعقوبي واليعقوبي - مؤرخ - من مؤلفاته التاريخ - توفي سنة ٢٨٤، معجم المؤلفين ١/١٦١.

وهذا التحديد يبدو أنه خطأ بدليل التفصيل بعده بالأشهر ولأن الخمسة والخمسين شهراً تأتي أقل من خمس سنوات فلينظر.

وسأذكر فيما يلي رأي كل فريق مع أدلته وترجيح ما يظهر بالدليل بعد المناقشة والتحليل حسب الإمكان:

  1. *تاريخ اليعقوبي ٢/٥٠.
١/٦٢١/٦٢

الزهري ثم تابعه موسى بن عقبة صاحب المغازي قال ابن كثير ١: "وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع، وكذلك قال الإمام مالك بن أنس فيما رواه أحمد بن حنبل عن موسى ٢ بن داود عنه" ٣.

  1. ١هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع البصروي ثم الدمشقي المعروف بابن كثير - عماد الدين أبو الفداء - محدث مؤرخ مفسر فقيه ولد عام ٧٠٠ وتوفي ٧٧٤. انظر معجم المؤلفين ٢/٢٨٣.
  2. ٢موسى بن داود هو الضبي، أبو عبد الله الطرسوسي نزيل بغداد، ولي قضاء طرسوس الخلقاني بضم المعجمة وسكون اللام بعدها قاف - صدوق فقيه - له أوهام من صغار التاسعة مات سنة (٢١٧) روى له (م د س ق) التقريب ٣٥٠.

وقد ذكر البخاري رأي موسى بن عقبة في صحيحه فقال: "قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع" هكذا رواه تعليقاً وبه قال ١ أثبت ذلك الحافظ حيث قال: "ومال المصنف إلى قول موسى بن عقبة ٢ وقد تابع هؤلاء في ذلك ابن قتيبة ٣ والفسوي ٤ وابن حزم ٥ والنووي ٦ وابن خلدون"٥.

  1. ١صحيح البخاري ٥/٤٤.
  2. ٢فتح الباري ٥/٢٧٨ و ٧/٣٩٣.
  3. ٣المعارف ٧٠، وابن قتيبة هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد عالم مشارك في أنواع العلوم كاللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه وغريب الحديث والشعر والفقه والأخبار وأيام الناس وغير ذلك. سكن بغداد وحدث بها ولي قضاء الدينورت ٢٧٦هـ. تاريخ بغداد ١٠/١٧٠، انظر السير ١٣/٢٩٦.
  4. ٤المعرفة والتاريخ ٣/٢٥٨ تحقيق أكرم العمري والفسوي هو: يعقوب بن سفيان الفارسي أبو سفيان - ثقة حافظ - من الحادية عشرة مات سنة سبع ومائتين، روى له (س ق) التقريب ٣٨٦.
  5. ٥جوامع السيرة ١٨٥ وابن حزم هو: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن سفيان بن يزيد الفارسي الأندلسي القرطبي اليزيدي - أبو محمد - فقيه أديب أصولي محدث حافظ متكلم مشارك في التاريخ والأنساب واللغة والشعر ولد بقرطبه وتوفي عام (٤٥٦) تذكرة الحفاظ ٣/١١٤٦، السير ١٨/١٨٤.
  6. ٦في تهذيب الأسماء واللغاب ١/٢٠، والروضة ١٠/٢٠٧، والنووي هو: محي الدين أبو زكريا يحى بن شرف بن مرى الحزامي الحوراني صاحب التصانيف النافعة ولد سنة (٦٣١) وتوفي (٦٧٦هـ) انظر في ذلك تذكرة الحفاظ ٤/١٤٧٠-١٤٧٤.
  7. *البداية والنهاية ٤/٩٣.
  8. *تاريخ ابن خلدون ٢/٢٩، وابن خلدون هو: عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد الحضرمي الأشبيلي التونسي ثم القاهري المالكي المعروف بابن خلدون ولي الدين أبو زيد عالم أديب مؤرخ توفي (٨٠٨) ، انظر الضوء اللامع للسخاوي ٤/١٤٥، ومعجم المؤلفين ٥/١٨٨.
١/٦٤١/٦٤

كما قال به النسفي ١. أمّا خليفة ٢ بن خياط فلم توجد الغزوة في تاريخه ٣ ويبدو أنها سقطت منه ٤.

  1. ١مدارك التنزيل وحقائق التأويل ٤/١٥٦ والنسفي هو: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي حافظ الدين أبو البركات فقيه أصولي مفسر متكلم توفي في ايزخ قرب أصبهان ت (٧١٠هـ) معجم المؤلفين ٦/٣٢.
  2. ٢خليفة بن خياط بن خليفة العصفري التميمي البصري الملقب - شباب - بفتح المعجمة وموحدتين الأولى خفيفة صدوق ربما أخطأ وكان اخبارياً علامة من العاشرة مات سنة أربعين ومائتين وقد روى له البخاري. انظر التقريب ٩٤.
  3. ٣تاريخ خليفة بن خياط ص ٧٧.
  4. ٤قاله محقق الكتاب الدكتور أكرم العمري.

وذكر ابن العربي ١ أن ابن وهب ٢ وابن القاسم ٣ قالا بذلك ٤ ولذلك قال ابن حزم: "والثابت أنها في الرابعة بلا شك مستدلاً بحديث ابن عمر الآتي. ثم عقب قائلاً فصح أنه لم يكن بينهما - أي بين أحد والخندق - إلا سنة واحدة فقط" ١.

  1. ١هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري الأندلسي الأشبيلي المالكي المعروف بابن العربي أبو بكر عالم مشارك في الحديث والفقه والأصول وعلوم القرآن والأدب والنحو والتاريخ وغير ذلك توفي (٥٤٣) . تذكرة الحفاظ ٤/١٢٩٤.
  2. ٢عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه ثقة حافظ عابد من التاسعة مات سنة سبع وتسعين ومائة، وله اثنتان وسبعون سنة، روى له (ع) التقريب ١٩٣.
  3. ٣عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بضم المهملة وفتح المثناة بعدها قاف، أبو عبد الله البصري الفقيه صاحب مالك (ثقة) من كبار العاشرة مات سنة إحدى وتسعين ومائة روى له (خ مد س) التقريب ٢٠٨.
  4. ٤أحكام القرآن ٣/١٥١.
١/٦٥١/٦٥

والقائلون بأنها كانت سنة أربع جميعهم يستدلون بحديث ابن عمر وهذا سياقه. قال البخاري رحمه الله: "حدثنا يعقوب بن إبراهيم ١ حدثنا يحيى بن سعيد ٢ عن عبيد الله ٣ قال أخبرني نافع ٤ عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة فلم يجزه وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه"١.

  1. ١هو الدروقي - حافظ فقيه - من العاشرة روى له (ع) ت (٢٥٢) التقريب ٣٨٦، وتهذيب التهذيب ١١/٣٨١.
  2. ٢يحى بن سعيد القطان ثقة متقن حافظ إمام قدوة من كبار التاسعة روى له (ع) ت (١٩٨) التقريب ٣٧٥.
  3. ٣هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني - أبو عثمان ثقة ثبت - وهو أحد الفقهاء السبعة من الخامسة روى له (ع) ت (١٤٧) تهذيب التهذيب ٧/٣٨.
  4. ٤نافع هو أبو عبد الله الفقيه مولى عبد الله بن عمر أصابه ابن عمر في بعض مغازيه ثقة ثبت فقيه مشهور من الثالثة روى له (ع) مات سنة (١١٧) أو بعد ذلك، تهذيب التهذيب ١٠/٤١٢.
  5. *جوامع السيرة ١٨٥.
١/٦٦١/٦٦

الحديث رواه أيضا مسلم ١ وأبو داود ٢ والترمذي ٣ والنسائي ٤ وابن ماجه ٥ وأحمد ٦ وأبو عوانه ٧ والبيهقي ٨.

  1. ١صحيح مسلم كتاب الإمارة باب سن البلوغ. حديث رقم (١٨٦٨)
  2. ٢سنن أبي داود ٢/١٢٤ كتاب الخراج والفي باب متى يفرض للرجل في المقاتلة، ٢/٤٥٣كتاب الحدود باب في الغلام يصيب الحد.
  3. ٣سنن الترمذي ٢/٤٠٧ باب ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة، ٣/١٢٧ باب ما جاء في حد بلوغ الرجل ومتى يفرض له.
  4. ٤سنن النسائي ٦/١٢٧ كتاب الطلاق باب متى يقع طلاق الصبي.
  5. ٥سنن ابن ماجه ٢/٨٥٠ كتاب الحدود باب من لا يجب عليه الحد.
  6. ٦مسند أحمد ٣/١٧.
  7. ٧مسند أبي عوانة ٤/٥٣-٥٤.
  8. ٨دلائل النبوة ٣/٣٩٥.

هذا الحديث مخرج في الصحيحين كما هو مبين وفي غيرهما من كتب السنة وقد أورده القائلون بأن هذه الغزوة كانت سنة أربع دليلاً لهم.

  1. *صحيح البخاري ٥/٨٩ كتاب المغازي باب غزوة الخندق.
١/٦٧١/٦٧

والزهري من القائلين بهذا القول وقد مر أن موسى بن عقبة روى عنه أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع ١.

  1. ١البداية والنهاية ٤/٩٣، أحكام القرآن ٣/١٥١٠.

ومع ذلك فقد صرح في موضع آخر بأن الخندق بعد أحد بسنتين ١ وأحد كانت في السنة الثالثة ٢ وهو قول الجمهور.

  1. ١البداية والنهاية ٤/٩٣، أحكام القرآن ٣/١٥١٠.
  2. ٢وهو قول جل أهل المغازي والسير.

ب - القائلون بأن هذه الغزوة كانت في شوال سنة خمس: أما الذين قالوا بأنها كانت سنة خمس فهم كثيرون وهم الجمهور كما قال ابن كثير ١. ويتقدمهم أمام أهل المغازي ابن إسحاق وعروة ابن الزبير وقتادة ٢ والبيهقي ٣ وغير واحد من العلماء سلفاً وخلفاً٧.

  1. ١البداية والنهاية ٤/٩٤.
  2. ٢قتادة بن دعامة السدوسي (أبو الخطاب) البصري (ثقة) ثبت يقال ولد أكمه وهو رأس الطبقة الرابعة ت (١١٧) أو (١١٨) روى له (ع) . التقريب ٣٨١، وتهذيب التهذيب ٨/٣٥١.
  3. ٣هو أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي البيهقي الخراساني أبو بكر محدث فقيه ولد عام ٣٨٤هـ، وتوفي عام ٤٥٨، وعمل كتباً كثيرة لم يسبق إلى تحريرها. تذكرة الحفاظ ٣/١٣٢.
  4. *البداية والنهاية ٤/٩٣.
١/٦٨١/٦٨

وممن قال به أيضا الواقدي وكاتبه ابن سعد ١ لكنهما قالا: "إنها كانت في ذي القعدة وتابعهما في ذلك المقريزي" ٢. حيث قال: "وكان من خبرها أن رسول صلى الله عليه وسلم عسكر يوم الثلاثاء لثمان مضت من ذي القعدة سنة خمس" ٣.

  1. ١محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم البصري نزيل بغداد كاتب الواقدي صدوق فاضل من العاشرة توفي سنة (٣٠) وهو ابن اثنتين وستين، روى له أبو داود فقط. التقريب ٢٩٨، وانظر مغازي الواقدي ٢/٤٤٠، والطبقات الكبرى ٢/٦٥.

أما ابن هشام ١ فقد قال: "بأنها كانت في شوال وفي سنة خمس متابعاً في ذلك ابن إسحاق" ٥.

  1. ١عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري الذهلي السدوسي المعافري البصري (أبو محمد) أخباري نسابة أديب لغوي نحوي قدم مصر وحدث بها وتوفي فيها سنة (٢٦٣) . انظر سير أعلام النبلاء ١٠/٤٢٨.
  2. *أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد المحيوي الحسيني ت (٨٤٥) انظر الضوء اللامع ٢/٢١.
  3. *الامتاع ١/٢١٦.
  4. *السيرة النبوية ٢/٢١٤.
١/٦٩١/٦٩

وقال به أيضاً البلاذري ١ والطبري ٢ والمسعودي ٣ وابن عبد البر ٤ والخطيب ٥.

  1. ١أحمد بن يحى بن جابر بن داود البغدادي البلاذري أديب شاعر مؤرخ من أهل بغداد سمع بدمشق وبإنطاكية وهو صاحب التصانيف وسمع من ابن سعد والدولابي قال ابن عساكر بلغني أنه كان أديباً راوية وأنه مدح المأمون وجالس المتوكل وتوفي في أيام المعتمد وشوش في آخر أيامه وكانت وفاته (٢٧٩) لسان الميزان ١/٣٢٢، وتذكرة الحفاظ (٢٩٣) .
  2. ٢محمد بن جرير الطبري أحد الأعلام وصاحب التصانيف من أهل آمل طبرستان، أكثر التطواف وسمع محمداً بن عبد الملك بن أبي الشوارب وأبا همام السكوني وغيرهما ت ٣١٠هـ، انظر تذكرة الحفاظ ٢/٧١٠، وقال ذلك في كتابه تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٣.
  3. ٣قاله في التنبيه والإشراف ص ٢١٦، والمسعودي هو: علي بن الحسين بن علي المسعودي أبو الحسن أخباري صاحب تصانيف ذكر بعضها ابن حجر في اللسان ٤/٢٢٤، وذكره ابن دحية في كتاب صفين فقال مجهول لا يعرف ونكره لا يتعرف كذل قال ولم يصب. قال الحافظ وكتبه طافحة بأنه كان شيعياً معتزلياً توفي (٣٤٥) لسان الميزان ٤/٢٢٤-٢٢٥، ومعجم المؤلفين ٧/٨٠.
  4. ٤ابن عبد البر قال الذهبي: "هو الإمام شيخ الإسلام حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي ولد سنة (٣٦٨) " قال أبو الوليد الباجي: "لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر في الحديث، وقال ابن حزم التمهيد لصاحبنا أبي عمر لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلاً فكيف أحسن منه ت (٤٦٣) ". تذكرة الحفاظ ٣/١١٢٨.
  5. ٥قال الذهبي هو: "الحافظ الكبير الإمام محدث الشام والعراق أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدى البغدادي صاحب التصانيف ولد سنة (٣٩٢هـ) كان والده خطيب قرية درزيجان من سواد العراق. سمع وقرأ القرآن على الكتاني فحرص على ولده هذا وأسمعه في الصغر سنة ثلاث وأربع مائة ثم أُلهم طلب هذا الشأن ورحل فيه إلى الأقاليم وبرع وصنف وجمع وسارت بتصانيفه الركبان" قال ابن ماكولا: "كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظاً واتقاناً وضبطاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم" وقال ذلك في تاريخه ١/١٧٠. انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ٣/١١٣٥-١١٤٦.
١/٧٠١/٧٠

وممن قال بهذا القول أيضا السهيلي ١ وابن الأثير ٢ والنويري ٣ حيث حكاه عن ابن إسحاق وممن قال به من المشاهير ابن كثير ٤ والسمهودي ٥.

  1. ١انظر: الروض الأنف ٣/٢٥٨، والسهيلي هو: الحافظ العلامة البارع أبو القاسم أبو زيد أبو الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن أصبع بن حسين بن سعدون ولد الخطيب أبي محمد بن الأمام الخطيب أبي عمر الخثعمي الأندلسي المالقي الضرير صاحب التصانيف المؤنقة. ولد عام ٥٠٨هـ. وتوفي عام ٥٨١هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ٤/١٣٤٨.
  2. ٢قال ذلك في الكامل ٢/١٢٢، وابن الأثير هو: أبو الحسن علي ابن الأثير أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري المحدث اللغوي، صاحب التاريخ ومعرفة الصحابة والأنساب وغير ذلك. ولد عام ٥٥٥هـ، وتوفي ٦٣٠هـ. تذكرة الحفاظ ٤/١٣٩٩ قال ذلك في الكامل ٢/١٢٢.
  3. ٣هو: أحمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الوهاب بن عبادة البكري النويري (شهاب الدين) أبو العباس. مؤرخ أديب مشارك في علوم كثيرة من تصانيفه نهاية الأدب. ولد عام ٦٧٧هـ، توفي عام ٧٣٣هـ. انظر قوله في كتابه نهاية الأرب ١٧/١٦٦.
  4. ٤البداية والنهاية ٤/٩٤.
  5. ٥هو علي بن عبد الله بن أحمد بن علي بن عيسى بن محمد بن عيسى الحسني نور الدين أبو الحسن. مؤرخ فقيه. ولد بسمهود ونشأ بها وتوفي بالمدينة. من تصانيفه وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى. ولد عام ٨٤٤هـ، توفي عام ٩١١هـ. انظر قوله في وفاء الوفاء ١٠/١١٢، وانظر ترجمته في الضوء اللامع ٥/٢٤٥.
١/٧١١/٧١

وممن قال به من المعاصرين محمد محمد أبو شهبه ١، وعماد الدين خليل ٢، ومصطفى السباعي ٣.

  1. ١السيرة النبوية على ضوء الكتاب والسنة ٢/٢٢٨.
  2. ٢دراسة في السيرة ٢١٦.
  3. ٣السيرة النبوية دروس وعبر ٨٨.

وهكذا يتبين أن الكثرة الكاثرة هم القائلون بأنها كانت سنة خمس. قال الذهبي ١: "وهو المقطوع به" ، وقال ابن القيم ٢: "وهو الأصح" ، وقال الحافظ ٣: "وهو المعتمد حكى ذلك كله القسطلاني ٤. وقد أجابوا عن حديث عرض ابن عمر المتقدم مؤلين له وقالوا: "يحتمل أنه عرض في أحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الأحزاب في أواخر الخامسة عشرة، وهذا هو جواب البيهقي" ١.

  1. ١الذهبي هو: محمد بن أحمد بن عثمان قايماز. انظر: معجم المؤلفين ٨/٢٨٠.
  2. ٢هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حرير الزرعي. نسبة إلى بلدة أزرع ثم الدمشقي. أبو عبد الله شمس الدين. كان رضي الله عنه من أجلة العلماء، وكذلك كان أبوه فقد كان قيماً على الجوزية (مدرسة في دمشق ولذلك عرف بابن القيم الجوزية) . ولد عام ٦٩هـ في شهر صفر، وتوفي عام ٧٥١هـ. وله مصنفات قيمة مثل زاد المعاد، وأعلام الموقعين، وغيرهما، شذرات الذهب ٦/١٦٨، والدبر الطالع ١/١٤٣.
  3. ٣هو: أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد الكناني العسقلاني المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة. ويعرف بابن حجر، شهاب الدين ابو الفضل، محدث مؤرخ أديب شاعر. ولد عام ٧٧٣هـ، وتوفي عام ٨٥٢هـ. زادت تصانيفه على مائة وخمسين مصنفاً منها: فتح الباري، الإصابة في تمييز الصحابة، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، وغير ذلك. انظر: الضوء اللامع ٢/٣٦ ترجمة ١٠٤.
  4. ٤المواهب اللدنية ٢/١٠٣، والقسطلاني هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد بن محمد بن محمد بن حسين بن علي القسطلاني الأصل المصري. شهاب الدين. أبو العباس، محدث مؤرخ فقيه ومقرئ. ولد بمصر عام ٨٥١هـ. وتوفي عام ٩٢٣. من تصانيفه إرشاد الساري علي صحيح البخاري، المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، فتح الداني في شرح الأماني، منهاج الابتهاج وغيرها.
١/٧٢١/٧٢

وعقب ابن كثير ١ على قول ابن حزم المتقدم، والثابت أنها في الرابعة بلا شك بقوله: "هذا الحديث مخرج في الصحيحين، وليس يدل على ما ادعاه ابن حزم، لأن مناط إجازة الحرب كان عنده صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سنة، فكان لا يجيز من لم يبلغها، ومن بلغها أجازه. فلما كان ابن عمر يوم أحد ممن لم يبلغها لم يجزه. ولما كان قد بلغها يوم الخندق أجازه.

  1. ١الفصول في سيرة الرسول ص ٥٦، البداية والنهاية ٤/٩٤.

وليس ينفي هذا أن يكون قد زاد عليها بسنة أو سنتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك فكأنه قال: وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا بالغ أو من أبناء الحرب. وقال البيهقي: "ولا اختلاف بينهم في الحقيقة لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس" ١.

  1. *دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
١/٧٣١/٧٣

وقد أورد ابن حجر هذا الجواب عن البيهقي ومفاده: "بأن قول ابن عمر " عرضت يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة " أي دخلت فيها، وأن قوله عرضت يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة، أي تجاوزتها فألغى الكسر في الأولى، وجبره في الثانية، وهو شائع مسموع في كلامهم. وبه يرتفع الإشكال المذكور، وهو أولى من الترجيح" ٢.

وقد روى الطبراني ١ بسنده عن ابن إسحاق أثراً يعتبر شاهداً لأصحاب هذا الرأي حيث قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي١ ثنا محمد بن محمد بن عبد الله ابن نمير٢ ثنا يونس بن بكير٣ عن محمد بن إسحاق قال: "لما كانت٤ ١ محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الحافظ مطّين بفتح المثناة التحتية. قال صاحب المغني هو لقب أبي جعفر محمد بن عبد الله قال وبكسرها (المثناة) لقب عبد الله بن محمد. قال الحافظ: "هو محدث الكوفة، وقد وثقه الناس ". قال الذهبي سئل عنه الدارقطني فقال: " ثقة جبل ". قال: " وبكل حال فمطين ثقة مطلقاً. ولد ٢٠٢هـ، وتوفي عام ٢٩٧هـ". انظر: لسان الميزان ٥/٢٣٣- ٢٣٤، تذكرة الحفاظ ٢/٦٦٢، المغني في أسماء الرجال ٧٢.

  1. ١المعجم الكبير ٦/١٦، والطبراني هو: كما قال الذهبي فيه. الحافظ الإمام العلامة الحجة (بقية الحفاظ) أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي بمفتوحة وسكون الخاء المعجمة نسبة إلى لخم وهو مالك بن عدي - المغني ٦٧. الشامي الطبراني مسند الدنيا. ولد سنة ٢٦٠هـ، وتوفي ٣٦٠هـ. وقال الحافظ: "لا ينكر له التفرد في سعة ما روى. لينه الحافظ أبو بكر بن مردويه لكونه غلط أو نسى فمن ذلك أنه وهم وحدث بالمغازي عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، وإنما أراد عبد الرحيم أخاه فتوهم أن شيخه عبد الرحيم اسمه أحمد واستمر على هذا يروي عنه ويسميه أحمد. وقد مات أحمد قبل دخول الطبراني مصر بعشر سنين أو أكثر وإلى الطبراني المنتهى في كثرة الحديث وعلوه. ومن تصانيفه المعاجم الثلاثة الكبير والأوسط والصغير، الدعاء في مجلد كبير، دلائل النبوة، كتاب الأوائل، وتفسير كبير". تذكرة الحفاظ ٣/٩١٢، لسان الميزان ٣/٧٣، معجم المؤلفين ٤/٢٥٣. ٤ كذا في المطبوعة ولما هنا زائدة.
  2. *دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
  3. *فتح الباري ٥/٢٧٨، التلخيص ٤/٨٩- ٩٠.
١/٧٤١/٧٤

٢ محمد بن عبد الله بن نمير الهمذاني بسكون الميم الكوفي أبو عبد الرحمن، ثقة حافظ، فاضل من العاشرة. مات سنة أربع وثلاثين أي ٢٣٤هـ. وروى له (ع) . التقريب ٣٠٦.

٣ يونس بن بكير بن واصل الشيباني أبو بكر الحمال الكوفي، صدوق يخطئ من التاسعة. مات سنة ١٩٩. روى له (خت م ت ق) . قال الذهبي هو حسن الحديث. التقريب ٣٩٠، ميزان الاعتدال ٤/٤٧٨.

١/٧٥١/٧٥

الخندق في شوال سنة خمس وفيها مات سعد بن معاذ -رضي الله عنه-. وهذا الأثر يعتبر على ضوء هذا السند حسناً إلى ابن إسحاق منقطعاً بعده والله أعلم.

وكذا أورد هذا الأثر البيهقي حيث قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ١ حدثنا أبو العباس ٢ محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار ٣ العطاردي حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق به ٤.

  1. ١أبو عبد الله الحافظ الكبير إمام المحدثين محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع. صاحب التصانيف قال الحافظ: "إمام صدوق ولكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة فيكثر من ذلك فما أدري هل خفيت عليه فما هو ممن يجهل ذلك، وإن علم فهو خيانة عظيمة ثم هو شيعي مشهور بذلك من غير تعرض للشيخين. مات ٤٠٥هـ". لسان الميزان ٥/٢٣٢، تذكرة الحفاظ ٣/١٠٣٩، والمترجم له هو: الحاكم.
  2. ٢هو الإمام المفيد الثقة محدث المشرق (أبو العباس) محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم المعقلي النيسابوري، وكان يكره أن يقال له الأصم. قال الحاكم: وإنما ظهر به الصمم بعد مجيئه من الرحلة ت ٢٨٤هـ. تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠.
  3. ٣أحمد بن عبد الجبار بن محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زراره التميمي العطاردي أبو عمر الكوفي. قال مطين: "كان يكذب"، وقال أبو أحمد "الحاكم ليس بالقوى عندهم تركه ابن عقدة"، وقال الحافظ: "ضعيف وسماعه للسيرة صحيح من العاشرة ولم يثبت أن أبا داود أخرج له. مات سنة ٢٧٢هـ". تهذيب التهذيب ١/٥١
  4. *دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
١/٧٦١/٧٦

كما أورده الهيثمي ١ عن ابن إسحاق، وقال رواه الطبراني ورجاله ثقات. وقال الحافظ: "ويؤيد قول ابن إسحاق أن أبا سفيان قال للمسلمين لما رجع من أحد: موعدكم العام المقبل ببدر فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من السنة المقبلة إلى بدر فتأخر مجيء أبي سفيان تلك السنة للجدب الذي كان حينئذ، وقال لقومه إنما يصلح الغزو في سنة الخصب فرجعوا بعد أن وصلوا عسفان أو دونها" .

  1. ١مجمع الزوائد ٦/١٤٢. قلت: "حكم الهيثمي على هذا السند جيد لأن يونس بن بكير أكثرهم على توثيقه ومن هؤلاء ابن معين خلافاً لما توصل إليه الحافظان الذهبي وابن حجر فيما تقدم".

ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي.

وعقب ١ على ذلك بقوله: "وقد بين البيهقي سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة ويلقون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في تاريخه فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأن غزوة أحد كانت في السنة الثانية، وأن الخندق كانت في الرابعة، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء، ثم قال: ولكنه بناء واهٍ مخالف لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية، وأحد في الثالثة، والخندق في الخامسة وهو المعتمد "١.

  1. ١أي الحافظ ابن حجر.
١/٧٧١/٧٧

أما ابن العربي فقد قال: "إن الخندق بعد مضي أربع سنين وعشرة أشهر وخمسة أيام من الهجرة "٢، وهذا موافق لأصحاب الرأي القائل بأنها كانت في الخامسة، وموافق لابن سعد حيث قال بأنها كانت في الخامسة، وفي شهر ذي القعدة، وذلك بناءً على التاريخ من بداية المحرم. وأخيراً نعرج على كلام البيهقي لنراه يقول: قلت: " لا اختلاف بينهم في الحقيقة، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل يوم بدر لسنة ونصف من مقدمه المدينة في شهر رمضان ثم قاتل يوم أحد من السنة القابلة لسنتين ونصف من مقدمه المدينة في شوال، ثم قاتل يوم الخندق بعد أحد بسنتين على رأس أربع سنين ونصف من مقدمه المدينة فمن قال سنة أربع أراد أربع سنين، وقبل بلوغ الخمس، ومن قال سنة خمس أراد بعد الدخول في السنة الخامسة، وقبل انقضائها"١ والله أعلم.

  1. *فتح الباري ٧/٣٠٣.
  2. *عارضة الأحوذي ٧/١٧٣.
١/٧٨١/٧٨

هذا نص كلام البيهقي وهو توجيه حسن أخذ به كثير من العلماء لفك الإشكال، أما ابن سيد الناس ١ فقد نقل كلا القولين، ولم يرجح أحدهما على الآخر ٢.

  1. ١هو: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى اليعمري الأندلسي الأشبيلي المصري المعروف بابن سيد الناس، فتح الدين أبو الفتح، محدث حافظ مؤرخ فقيه ناظم ناشد نحوي أديب، وهو من شيوخ الذهبي. ولد عام ٦٧١هـ، وتوفي عام ٧٣٤هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ٤/١٥٠٣.
  2. ٢عيون الأثر ٢/٥٥.

استعرضنا أدلة الفريقين، وتبين من ذلك أن الحق مع القائلين بوقوع هذه الغزوة في سنة خمس لما يأتي: ١- احتمال حديث ابن عمر لتأويلهم.

٢- اطباق أهل المغازي والسير والمؤرخين والعلماء من بعدهم على هذا الرأي.

  1. *دلائل النبوة ٣/٣٩٥.
١/٧٩١/٧٩

٣- ما ذكر من مواعدة قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد -بدر الموعد- يجعل ذلك واضحاً ومواعدة قريش لملاقاته صلى الله عليه وسلم ساقها ابن حجر كاملة ١، وقد بين -رحمه الله- في المقدمة ٢ أن ما يورده في كتابه منتزعاً من أمهات المسانيد، والجوامع والمستخرجات، والأجزاء، والفوائد بشرط الصحة أو الحسن.

  1. ١فتح الباري ٧/٣٩٣.
  2. ٢هدي الساري ٤.

المبحث الأول: الحقد اليهودي على البشرية منذ القدم

١/٨٥١/٨٥

...

المبحث الأول: الحقد اليهودي على البشرية منذ القدم.

إن الحقد الذي تمكن في قلوب اليهود على البشرية عامة وعلى المؤمنين خاصة قديم يرافق هذا الحقد عناد وصلف وكبرياء. وذلك لأنهم يعتقدون أنهم أهل السيادة في الأرض حيث قالوا إنهم أبناء الله وأحباؤه وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ١ الآية. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "قالوا: أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية وهو يحبنا. ونقلوا عن كتابهم ما يوافق هدفهم وحرفوه ١. ونجد أكبر شاهد على حقدهم وكراهيتهم للمؤمنين قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ " ٣ الآية.

  1. ١تفسير ابن كثير ٢/٣٤.
  2. *سورة المائدة الآية رقم ١٨.
  3. *سورة المائدة الآية ٨٢.
١/٨٦١/٨٦

أما كراهتهم للعرب خاصة فهو واضح بالقرآن والسنة ذلك أن القرآن حكى لنا أنهم يستبيحون أكل أموال العرب وليس عليهم سبيل في ذلك بدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ١ الآية. قال ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية أي: "إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأميين وهم العرب فإن الله قد أحلها لنا. أقول: ولكن الله سبحانه وتعالى كفانا شرهم والمجادلة معهم عند ادعائهم هذا وذلك بتمام الآية السابقة حيث قال ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُون َ﴾ " ٢. قال ابن كثير: "أي: وقد اختلقوا هذه المقالة وائتفكوها بهذه الضلالة. فإن الله قد حرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها وإنما هم قوم بهت ١. ومع هذا فإننا إذا أردنا أن نتعرض لحقدهم وغرورهم الذي وضحه القرآن لطال بنا البحث ولكن أردنا التنويه بخبثهم ودسهم وعدم انصياعهم مع أنه واضح للعيان" .

  1. ١تفسير ابن كثير ١/٣٧٤.
  2. *سورة آل عمران الآية ٧٥.
  3. *سورة آل عمران الآية ٧٥.
١/٨٧١/٨٧

فهذه أم المؤمنين صفية ١ بنت حيي بن أخطب تقول عن أبيها وعمها عندما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يحمل النور معه. وكان أهل الكتاب يعرفون علامات مبعثه وصفاته ولكن العمى عمى القلب فهذا حيي بن أخطب وهو القطب الدوار والخصم الألد الذي حرك أعداء هذا الدين لهذه الغزوة وأثار كوامن ٢ قريش وألبهم ضد المسلمين وضد حامل هذه الرسالة الصافية صلوات الله وسلام عليه. تحدث أم المؤمنين فتقول فيما رواه ابن إسحاق: قال حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال حُدثت عن صفية بنت حيي بن أخطب أنها قالت: " كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه" . قالت: "فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قباء ٣ في بني عمرو بن عوف قالت غدا ٤ عليه أبي حيي بن أخطب ٥ وعمي أبو ياسر ٦ مغلسين ٧ قالت فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس ". قالت: " فأتيا كالين ٨ كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى. قالت: فهششت ٩ إليهما كما كنت أصنع فوالله ما ألتفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب أهو هو قال: نعم والله قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم قال: فما في نفسك منه؟ قال عداوته والله ما بقيت"٣.

  1. ١صفية بيت حيى بن أخطب أم المؤمنين سبيت في غزوة خيبر واصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت وأعتقها وتزوجها وجعل عتقها مهرها. توفيت رضي الله عنها سنة ٥٢هـ وذلك في خلافة معاوية رضي الله عنه، وأوردها الذهبي فيمن مات سنة خمسين. الطبقات الكبرى ٨/١٢٠، ودول الإسلام ١/٣٧، سمط النجوم العوالي ٣/١٥٩.
  2. ٢كوامن: هو كل ما اختفى من الأحاسيس والمشاعر والأحقاد. مختار الصحاح ٥٧٩.
  3. ٣قباء: بالضم وأصله اسم بئر هناك عرفت القرية بها وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار، وأول ما نزل الرسول صلى الله عليه وسلم عند مقدمه من مكة فيه وأقام به الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وركب يوم الجمعة يريد المدينة فجمع في مسجد بني سالم بن عوف فكانت أول جمعة جمعت في الإسلام. معجم البلدان ٤/٣٠١.
  4. ٤غدا: أي ذهب أول النهار نقيض الرواح وقد غدا يغدوا والغدوة بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس والجمع غدوات. النهاية في غريب الحديث ٣/٤٦، مختار الصحاح ٤٦٩.
  5. ٥حيي بن أخطب بن سعية، وقيل سعنة بن عامر بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن ينحوم من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران عليه السلام وهو من سبط لاوي بن يعقوب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم. الطبقات الكبرى ٨/١٢٠، أسد الغابة ٥/٤٩٠، الإصابة ٤/٣٤٦، كلهم ذكر ترجمته عند ذكر صفية أم المؤمنين - رضي الله عنها وأرضاها -.
  6. ٦أبو ياسر بن أخطب لم يرد ذكره منفرداً بل مقترناً بأخيه وبكونهما عدوين لدودين للنبي صلى الله عليه وسلم. انظر: السيرة النبوية ١/٥١٤، ٥١٩، ٥٤٦، ٥٤٧، ٥٤٨، ٥٦٠.
  7. ٧مغلسين: الغَلَس بفتحتين ظلمة آخر الليل والتغليس السير بغلس. مختار الصحاح ٤٧٨.
  8. ٨كالين: كلّ الرجل والبعير من المشي يكل كلالاً وكلالة أي أعيا مختار الصحاح ٥٧٦.
  9. ٩هششت: الهشاشة بالفتح الارتياح والخفة للمعروف. المصدر السابق ٦٩٥.
١/٨٩١/٨٩

والحديث بهذا الإسناد - منقطع - لأن عبد الله بن أبي بكر بن حزم روى عن مجهول - الواسطة بينه وبين صفية -.

والحديث وإن كان منقطعاً فالآيات والواقع الملموس من هذه الطائفة تؤيده وقد دل كتاب الله على معنى هذا الحديث في أكثر من آية منها علي سبيل المثال قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. قال ابن كثير: "هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن ينوهوا بذكره في الناس فيكونوا على أهبة من أمره فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا - بتشديد الواو التي بعد العين - عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون ١ الطفيف والخط الدنيوي السخيف فبئست الصفقة صفقتهم وبئست البيعة بيعتهم" ٣. وقال الطبري عند تفسير هذه الآية: "واذكر أيضا من هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم يامحمد إذ أخذ الله ميثاقهم ليبين للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم وهو التوراة والإنجيل وأنك لله رسول مرسل بالحق ولا يكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم. يقول: فتركوا أمر الله وضيعوه ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك فكتموا أمرك وكذبوا بك واشتروا به ثمناً قليلاً ".

  1. ١دون: بالضم نقيض فوق وهو الخسيس. القاموس المحيط ٤/٢٢٣- ٢٢٤.
  2. *السيرة النبوية ١/٥١٨- ٥١٩، ٢/٢٤١، الاكتفاء ١/٤٧٣، وفاء الوفاء ٢٦٩.
  3. *سورة آل عمران الآيتان ١٨٧- ١٨٨.
  4. *تفسير ابن كثير ١/٤٣٦.
١/٩١١/٩١

يقول: "وابتاعوا بكتابهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك عوضاً منه خسيساً قليلاً من عوض الدنيا ثم ذم جل ثناؤه شراءهم ما اشتروا به من ذلك فقال: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ "١.

ثم أورد الطبري - رحمه الله - حديثاً يؤيد ما سبق. حيث قال: حدثنا بشر ١ قال حدثنا يزيد ٢ قال حدثنا سعيد ٣ عن قتادة ٤ ذكر لنا أن أعداء الله اليهود يهود خيبر ٥ أتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فزعموا أنهم راضون بالذي جاء به وأنهم متابعوه وهم متمسكون بضلالتهم وأرادوا أن يحمدهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بما لم يفعلوا فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ الآية.

  1. ١هو: بشر بن معاذ العقدي بفتح المهملة والقاف أبو سهل البصري الضرير، صدوق من العاشرة مات سنة بضع وأربعين ومائتين. روى له (ت س ق) . تهذيب التهذيب ١/٤٥٨.
  2. ٢يزيد بن زريع بتقديم الزامي مصغراً - البصري - أبو معاوية (ثقة ثبت) من الثامنة مات اثنتين وثمانين ومائة. روى له (ع) . التقريب ٣٨٢.
  3. ٣سعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري (ثقة حافظ) . له تصانيف لكنه كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة من السادسة مات سنة ١٥٧، وقيل ١٥٦. روى له (ع) . التقريب ١٢٤.
  4. ٤قتادة بن دعامة ثقة. وقد تقدم ص ٦٧.
  5. ٥خيبر الموضع المذكور في غزاة النبي صلى الله عليه وسلم وهي ناحية على ثمانية برد شمال المدينة يطلق هذا الاسم على الولاية وتشتمل هذه الولاية على سبعة حصون وبها نخل ومزارع. انظر: معجم البلدان ٢/٤٠٩، وهي تبعد عن المدينة شمالاً بـ ١٧٠ كيلو متر.
  6. *جامع البيان ٤/٢٠٢.
١/٩٢١/٩٢

والحديث بهذا السند إلى قتادة حسن ولم يسم قتادة من ذكر له ذلك. ومن الجدير بالإشارة أن اليهود يحقدون أشد الحقد على النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يعرفوه حتى أنهم عندما ما سمعوا أوصافه قال بعضهم لبعض: اقتلوه ويشهد لذلك ما رواه ابن سعد من سند منقطع من أعلاه حيث قال: أخبرنا عمرو بن عاصم ١ الكلابي أخبرنا همام ٢ بن يحي عن إسحاق ٣ بن عبد الله أن أم ٤ النبي صلى الله عليه وسلم لما دفعته إلى السعدية ٥ التي أرضعته قالت لها احفظي ابني وأخبرتها بما رأت فمر بها اليهود فقالت إلا تحدثوني عن ابني هذا؟ فإني حملته كذا ووضعته كذا ورأيت كذا وصفت أمه قالت فقال بعضهم لبعض: "اقتلوه فقالوا: أيتيم هو؟ فقالت: لا هذا أبوه وأنا أمه فقالوا: لو كان يتيماً لقتلناه" ٢ أ. هـ وليس ذلك بمستبعد عن قوم وصفهم الله في كتابه بأنهم يقتلون أنبياءهم.

  1. ١عمرو بن عاصم بن عبيد الله الكلابي القيسي أبو عثمان البصري (صدوق) في حفظه شيء من صغار التاسعة ت ٢١٣. روى له (ع) . التقريب ٢٦٠.
  2. ٢همام بن يحيى بن دينار العوذي بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة أبو عبد الله أو أبو بكر البصري - ثقة - ربما وهم من السابعة مات سنة ١٦٤هـ. روى له (ع) . التقريب ٣٦٥.
  3. ٣إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري المدني أبو يحيى (ثقة حجة) من الرابعة ت (١٣٢) (١٣٤) وقيل بعدها. روى له (ع) . التقريب ٢٩.
  4. ٤أم النبي صلى الله عليه وسلم هي: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة وقد توفيت بالابواء وهي كما قال ياقوت في معجم البلدان ١/٧٩. قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً قال أنها سميت بالابواء لتبوء السيول بها وقد ماتت بها آمنة وهي راجعة من المدينة وقد ذهبت لزيارة أخواله عليه الصلاة والسلام. الطبقات الكبرى ١/٥٩، السيرة النبوية ١/١٩٦، الروض الأنف ١/١٩٤.
  5. ٥هي حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم وهي من هوازن كما في الإصابة في تمييز الصحابة ٤/٢٨٤. قال ابن القيم في الزاد ١/٨٣ واختلف في إسلام أبويه من الرضاعة.
  6. *سورة آل عمران الآيتان ١٨٧- ١٨٨. وانظر: تفسير الطبري ٤/٢٠٨.
١/٩٣١/٩٣

مما سبق من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة يتضح بعض الأدلة التي جاءت مبينة لما يعرف به اليهود على مدى الأزمان من حقد دفين وعداوة ظاهرة للأمة الإسلامية ونبيها المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ذلك الحقد الذي أعمى قلوبهم وأحرقها وشتت شملهم في الدنيا حيث نفاهم صلى الله عليه وسلم من المدينة وذلك بقوة الله التي تسانده حيث أخبر تعالى عن ذلك فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١.

  1. *الطبقات الكبرى ١/١١٣، ١٢٠، ١٥٣، ١٥٥، ١٥٩، السيرة النبوية ١/٥٤٦ وما بعدها.
١/٩٤١/٩٤

ويجدر بنا ونحن بصدد الحديث عن حقدهم ودسائسهم أن نبين طوائف اليهود الذين تمركزوا في المدينة منذ زمن طويل وهذه الطوائف هي: بنو قينقاع وبنو النضير، وبنو قريظة وكل طائفة من هذه الطوائف كان لها موقف مع النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكانت كلها مواقف تنضح بالحقد والكراهية.

وكان من موقف بني قينقاع كما قال الحافظ ١ ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم بدر جمع يهود بني قينقاع في سوقهم فقال: يايهود أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشاً يوم بدر. فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال ولو قاتلناك لتعلمن أنا نحن الناس ٢. فأنزل الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ... إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ الآيتان ٣. وهكذا يظهر أن أول من نقض العهد من اليهود هم بنو قينقاع ٤. قال ابن هشام: "وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور ٥ بن مخرمة عن أبي عون ٦ قال كان من أمر بني فينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب ٧ لها فباعته بسوق بني قنيقاع وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهودياً وشدت اليهود على المسلم فقتلوه. فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع "١ وأثر ابن هشام فيه انقطاع من أسفله ومن أعلاه. قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: "فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه " وكان ذلك في شوال بعد وقعة بدر وأراد قتلهم فاستوهبهم منه كبير المنافقين ٨.

  1. ١فتح الباري ٧/٣٣٢ بتصرف.
  2. ٢تفسير ابن كثير ١/٣٥٠، السيرة النبوية ٢/٤٧.
  3. ٣سورة آل عمران الآيتان ١٢، ١٣.
  4. ٤الطبقات الكبرى ٢/٢٩، فتح الباري ٧/٣٣٠.
  5. ٥عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة أبو محمد المدني المخرمي بسكون المعجمة وفتح الراء الخفيفة - ليس به باس - ت ١٧٠. روى له البخاري تعليقاً ومسلم والأربعة. تهذيب التهذيب ٥/١٧١.
  6. ٦أبو عون هو: محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد الثقفي الكوفي الأعور - ثقة - من الرابعة ت ١١٦. روى له (خ م د ت س) . تهذيب التهذيب ٩/٣٢٢.
  7. ٧الجلب: بفتحتين فعل بمعنى مفعول وهو ما يجلبه الإنسان من بلد إلى بلد وذلك من التجارة. المصباح المنير ١٢٧.
  8. ٨هو: عبد الله بن أبي بن سلول ونفاقه مشهور. انظر: البداية والنهاية ٤/٤.
  9. *سورة الحشر الآية ٢.
١/٩٦١/٩٦

وكانوا حلفاءه فوهبهم له وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات ١. قال ابن حزم: "وهم قوم عبد الله بن سلام ٢ - مخفف - وكانوا في طرف المدينة ٣ وكانوا سبعمائة مقاتل"٦.

  1. ١أذرعات بالفتح ثم السكون وكسر الراء وعين مهملة وألف وتاء بلد في إطراف الشام تجاور أرض البلقاء. مراصد الإطلاع ١/٤٧.
  2. ٢عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري كان حليفا لهم من بني قينقاع وهو من ولد يوسف بن يعقوب عليهما السلام وكان اسمه في الجاهلية الحصين فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلم عبد الله. أسد الغابة ٣/١٧٦.
  3. ٣انظر رسالة - طوائف ليهود الثلاث في المدينة- لأكرم حسين السندي.
  4. *السيرة النبوية ٢/٤٨.
  5. *جوامع السيرة ١٥٤.
١/٩٧١/٩٧

ثم نقض العهد بعد ذلك بنو النضير وكان رئيسهم حيي بن أخطب والمشهور في كتب السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهض بنفسه إلى بني النضير مستعيناً بهم في دية القتيلين الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري ١ الذي نجا من حادثة بئر معونة.

  1. ١هو: عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله بن إياس بن عبيد بن ناشرة بن كعب بن جدي بن ضمرة يكنى أبا أمية. أسلم قديماً وكان أول مشاهده بئر معونة وكان صاحب نجدة. أسد الغابة ٤/٨٦، الاستيعاب ٣/٢٤٨.

فلما كلمهم صلى الله عليه وسلم قالوا: "نعم فقعد رسول صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعمر وعلي ونفر من أصحابه إلى جدار من جدرهم" فاجتمع بنو النضير وقالوا: "من رجل يصعد على ظهر البيت فيلقي صخرة على محمد فيقتله فيريحنا منه. فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فأوحى الله تعالى بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام ولم يشعر بذلك أحد من أصحابه ممن كانوا معه فلما استلبثه أصحابه رضي الله عنهم قاموا فرجعوا إلى المدينة واتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرهم بما أوحى الله تعالى إليه بما أرادته اليهود وأمر أصحابه بالتهيؤ لحربهم" ٢.

  1. *جوامع السيرة ١٨١، السيرة النبوية ٢/١٩٠.
١/٩٨١/٩٨

لكن ابن حجر أورد غير هذا حيث قال: وروى ابن مردويه ١ قصة بني النضير بإسناد صحيح إلى معمر ٢ عن الزهري أخبرني عبد الله ٣ بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أبي وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى أن قال: فلما كانت غزوة بدر كتبت كفار قريش بعدها إلى اليهود إنكم أهل الحلقة والحصون يتهددونهم ٤ فأجمع بنو النضير على الغدر فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ٥ ويلقاك ثلاثة من علمائنا فإن آمنوا بك اتبعناك ففعل فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير فأخبر أخوها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إليهم قال ابن حجر: فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه صلى الله عليه وسلم أن يعينوه في دية الرجلين لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي فالله أعلم "١.

  1. ١هو أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك بن موسى بن جعفر الاصبهاني أبو بكر (محدث) حافظ مفسر مؤرخ ت لست بقين من رمضان عام ٤١٠هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/٣٠٨.
  2. ٢هو معمر بن راشد الازدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن (ثقة ثبت) فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئاً وكذا فيما حدث بالبصرة من كبار السابعة مات سنة ١٥٤ وهو ابن ثمان وخمسين. روى له (ع) . التقريب ٣٤٤.
  3. ٣عبد الله بن كعب وليس بن عبد الرحمن بن مالك الأنصاري المدني ثقة يقال له رؤية. مات سنة سبع أو ثمان وتسعين ٩٨هـ. روى له (خ م د س ق) . تهذيب التهذيب ٥/٣٦٠.
  4. ٤هكذا في الأصل والمناسب يغرونهم.
  5. ٥الغدر ضد الوفاء غدره وبه كنصر وضرب وسمع. القاموس ٢/١٠٣.
١/٩٩١/٩٩

أما بنو قريظة فكان سبب محاصرتهم وقتلهم ما وقع منهم من نقض عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومما لأتهم ١ لقريش وغطفان ومطاوعتهم لعدو الله وعدو رسوله حيي بن أخطب حتى أنه لم يزل بسيدهم كعب بن أسد يفتله في الذروة والغارب ٢ حتى نقض عهده وأخلف وعده ٣. وكان مصير هذه الطائفة أن نزلت على حكم الصحابي الجليل سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه ومواليه فحكم فيهم أن يقتل رجالهم ويسبى نساؤهم وذراريهم وتقسم أموالهم ٤ فقال صلى الله عليه وسلم: "قضيت بحكم الله"٦.

  1. ١مالأه بالمد ساعده على الأمر وشايعه. القاموس المحيط ١/٣٠.
  2. ٢أي يدور من وراء خديعته. القاموس المحيط ٤/٢٩.
  3. ٣السيرة النبوية ٢/٢٤٠، سمط النجوم العوالي ٢/١١٥، زاد المعاد ٢/١٣٠.
  4. ٤السيرة النبوية ٢/٢٤٠، جوامع السيرة ١٩٥..
  5. *فتح الباري ٧/٣٣١.
  6. *وذلك من حديث صحيح رواه أبو سعيد الخدري. انظر: صحيح البخاري ٥/٩٣ (باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة) .
١/١٠٠١/١٠٠

أما يهود خيبر فقد نقضوا العهد وخرج إليهم صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم سنة سبع وحاصرهم حتى فتحها وغنم ما فيها ١.

  1. ١البداية والنهاية ٤/١٨١، فتح الباري ٧/٤٦٤، جوامع السيرة ٢١١.

بعد أن رأينا طباع اليهود وأن ديدنهم الحقد والعداوة للإسلام والمسلمين مهما كلفهم ذلك وأنهم لا زالوا ولن يزالوا يكيدون للمسلمين ويقتلونهم متى سنحت الفرصة لهم فهم مهما اضطهدوا فعندما يفيقون يكون أول عمل لهم هو ضد المسلمين فقط.

ولا أدل على ذلك أن يهود أسبانيا عندما طردهم فرديناد ملك أسبانيا أنقذ السلطان بيازيد الثاني يهود أسبانيا من إبادة محققة وقدمت لهم الحكومة العثمانية جميع الحقوق وأصبحوا في حالة مرضية للغاية فما عليهم إلا أن يدفعوا الجزية ويعيشوا في أمن واطمئنان.

على الرغم من كل ما قدمته الحكومة العثمانية وولاتها فقد توجه اليهودي دافيد روبيني عام ٥٠٥هـ إلى البابا كليمنت السابع وعرض عليه مشروع محالفة عسكرية مسيحية يهودية ضد المسلمين تقضي بما يلي: (١) إنهاء العداء القائم بين المسيحيين واليهود على حساب المسلمين.

١/١٠١١/١٠١

١ تعاون جيوش أوروبا مع جموع الشعب اليهودي الذين يقيمون داخل الدولة العثمانية للانقضاض عليها من الداخل وغزوها من الخارج واحتلال أرضيها.

  1. ١سورة البقرة الآية ١٤.

(٣) تتولى الدولة المسيحية تزويد اليهود الذين يقيمون داخل الدولة الإسلامية بالأسلحة التي تساعدهم في الانقضاض على المسلمين ١.

  1. ١السياسة اليهودية ١٩٥- ١٩٦.

هذه هي أخلاق اليهود من قديم الزمان ولازالت هي أخلاقهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

قال الأستاذ محمد عزة دروزة: "ولليهود في العهد المدني شأن كبير متعدد النواحي لأنهم أول من اصطدم مع النبي صلى الله عليه وسلم ولقد شغلوا في القرآن المدني حيزاً واسعاً منذ بدء تنزيله" ثم قال: "ولعل من الدلائل على أنهم أول من اصطدم مع النبي ما جاء في الآيات الأولى من البقرة التي هي أول السور المدنية في ترتيب النزول فقد جاء في أولها: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ " ٢.

١/١٠٢١/١٠٢

فقد قال جمهور المفسرين: "إن شياطينهم هم اليهود ويدل هذا بوضوح على أن اليهود هم الذين أغروا المنافقين بالنفاق وشجعوهم في مواقف الخداع" ١.

  1. *سيرة الرسول ٢/١٢١.

المبحث الثاني: الوفد اليهودي المحرض

١/١٠٣١/١٠٣

لما نفدت حيل اليهود وأصبح مكرهم مكشوفاً وعجزهم واضحاً لجأوا إلى كفار قريش -ليدللوا بذلك على جبنهم وذلهم- لجأوا محرضين كفار قريش ليشنوا حرباً عامة على المسلمين في المدينة ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ١. وقد أعطوا العهود والمواثيق لكفار قريش أنهم سيكونون معهم محاولين بذلك تغطية الذلة والجبن الذي هو من أخلاقهم دائماً وأبداً.

تكون الوفد من بني النضير ومن بني وائل، وحيكت المؤامرة في خيبر وانطلق بعدها الوفد يضم: سلام بن أبي الحقيق النضري - أبا رافع - وحيي بن أخطب النضري وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري.

ومن بني وائل هوذة بن قيس الوائلي، وأبو عامر الوائلي، ووحوح بن عامر الوائلي كل هؤلاء توجهوا إلى مكة يرأسهم حيي بن أخطب الذي أعمى قلبه الحقد والحسد، وكان أهل مكة ينتظرون بفارغ الصبر من يشد من عزمهم ويساعدهم على حرب محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.

  1. *سورة الأنفال الآية ٣٠.
١/١٠٤١/١٠٤

سار الوفد حتى وصل مكة فسألهم أهلها: من أهدى أنحن أم محمد؟ وبينوا لهم صفة الطرفين قريش، ومحمد صلى الله عليه وسلم، وكانت صفة محمد التي عيب بها هي: أنه كان يعيب آلهتهم وينفرهم من عبادتها، ويدعوهم إلى عبادة الواحد القهار. فكان رد أولئك اليهود في صالح الكفار ولكن كان الفشل حليفهم حيث رد عليهم القرآن وذلك بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ١.

ثم ما لبثوا أن فاتحوهم في الموضوع الذي جاءوا من أجله فسر كفار قريش بذلك أكثر وأكثر ونشطوا له فاجتمعوا لذلك واتعدوا له.

ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قيل إنهم أعطوهم تمر خيبر سنة كاملة مقابل ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم ضده. وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك فاجتمعوا فيه وأجابوهم.

وقد تقدم ذكر ذلك في حديث ابن إسحاق ١ المتقدم. أما ابن سعد فقال: مشيراً إلى جم غفير من العلماء الذين نقل عنهم الواقدي قالوا: "لما أجلى رسول صلى الله عليه وسلم، بني النضير ساروا إلى خيبر فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة فألبوا قريشاً ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاهدوهم وجامعوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعداً. ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسليماً ففارقوهم على مثل ذلك "١. أما الحافظ فقد نقل ذلك من مغازي موسى بن عقبة وقال: " خرج حيي بن أخطب بعد قتل ٢ بني النضير إلى مكة يحرض قريشاً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان ويحضهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنهم نصف تمر خيبر فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك"٣ ... الخ.

  1. ١السيرة النبوية ٢/٢١٤.
  2. ٢قد بينت أنه لم يحصل قتل بل جرت مصالحة مع بني النضير وتم إجلاؤهم.
  3. *سورة النساء الآية ٥١.
١/١٠٥١/١٠٥

أما ابن جرير ١ فقد ساق القصة بسنده إلى ابن إسحاق وفيها بين مدللاً بذلك على ذهاب أولئك اليهود إلى كفار قريش وإلى غطفان وتحريضهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. وقد أورد الخبر نفسه في تفسير سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ١. عن ابن عباس رضي الله عنهما ٢. وقد أورده ابن هشام ٣ عن يزيد بن رومان. وكلها آثار مقطوعة لكنها تتقوي بما جاء في ذلك من شواهد والقرآن يؤيد ذلك بوضوح.

  1. ١جامع البيان ٢٠/١٢٩.
  2. ٢جامع البيان ٥/١٣٥.
  3. ٣السيرة النبوية ٢/٢١٤.
  4. *الطبقات الكبرى ٢/٦٥- ٦٦.
  5. *فتح الباري ٧/٣٩٣.
١/١٠٦١/١٠٦

إضافة إلى ذلك فقد ذكر القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ ٤. قال: يعني غزوة الأحزاب، وبني قريظة وكان سببها: - أن نفراً من اليهود منهم.

كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم ١، وحيي بن أخطب النضريون، وهوذة بن قيس، وأبو عامر من بني وائل، وكلهم يهود ٢ هم الذين حزبوا الأحزاب وألبوا وجمعوا وخرجوا في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل فأتوا مكة فدعوا إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وواعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك فأجابهم أهل مكة إلى ذلك ثم خرج اليهود المذكورون إلى غطفان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم ٣.

  1. ١كثير من أهل المغازي لم يذكروا ابن مشكم هذا.
  2. ٢الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٢٨.
  3. ٣تقدم الحديث مطولاً في سبب الغزوة.
  4. *سورة النساء الآية ٥١.
  5. *سورة الأحزاب الآية ٨.
١/١٠٧١/١٠٧

أما صاحب السيرة الحلبية فقال: " وسببها لما وقع إجلاء بني النضير من أماكنهم سار منهم جمع من كبرائهم منهم: سيدهم حيي بن أخطب أبو صفية أم المؤمنين رضي الله عنها، وعظيمهم سلام بن مشكم ورئيسهم كنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس، وأبو عامر الفاسق إلى أن قدموا مكة على قريش يدعونهم ويحرضونهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم" . وقالوا: "إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله أي ونكون معكم على عداوته فقال أبو سفيان: مرحباً وأهلاً وأحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد" ٢.

  1. *السيرة الحلبية ٢/٦٢٨.
١/١٠٨١/١٠٨

وهكذا نرى أن أصحاب السير قد أطبقوا على ذكر هذا السبب وعلى ذكر هذا الوفد إلا أن بعضهم يذكر اسماً لم يذكره الآخر وبعضهم قد يذكر الكنية ولا يذكر الاسم، وقد يحصل في ذلك لبس، وتفادياً لذلك اللبس جئت بأقوال أهل السير والمغازي ليتبين الأمر ويتضح المراد ويبدو من استعراض كلام الحلبي أنه ذكر رئيس زعماء الوفد وفرق بين زعيمهم وسيدهم وعظيمهم وفي دلائل النبوة للبيهقي طرف من هذا ١.

  1. ١دلائل النبوة ٣/٤٢٨.

مما سبق يظهر بوضوح أن هذا الوفد قد تكون في خيبر فعلاً وكان اليهود هم المتزعمين لذلك الموقف المخزي، وهو موقف لا يستغرب منهم فتاريخهم مليء بالكيد والدسائس لغيرهم عموماً ولأهل الإسلام خصوصاً.

إلا أن الغريب ١ وجود بني وائل في هذا الوفد، ولعل سبب تمالؤهم مع اليهود يرجع إلى أن اليهود لما جاءوا إلى خيبر، وكان بنو وائل يسكنونها قبلهم وجاء اليهود ومعهم الأموال وأخذوا في تنميتها وسيطروا بواسطة تلك الأموال على أولئك الضعفاء فأغروهم بذلك وأخرجوهم معهم ولعلهم ضغطوا عليهم بذلك.

  1. ١ذلك لأن القرطبي قال في الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٢٨. قال بعد أن ذكر الوفد (وكلهم يهود) فلعلهم كانوا قبل ظهور دعوة الإسلام معتنقين دين اليهود فصاروا منهم ولم أجد من ذكرهم في اليهود غيره والله أعلم.

المبحث الثالث: القبائل التي أغراها اليهود على قتال المسلمين

١/١٠٩١/١٠٩

إن القبائل التي قام اليهود بزيارتها وإغرائها على قتال المسلمين كانت من أشهر قبائل العرب وأقواها يتمثل ذلك في قريش وغطفان. أما غير هاتين القبيلتين فكان تابعاً لهما. لذلك قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش ١ حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ٢ ومن تبعهم من بني كنانة ٣، وأهل تهامة ٤، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد ٥.. الخ.

  1. ١قريش: قبيلة عظيمة اختلف في أصل تسميتها ونسبتها فقالوا: قريش من القرش وهو الكسب والجمع، وقالوا: التقريش التفتيش فكان يقرش أي: فهر بن مالك عن خلة كل ذي خلة فيسدها بفضله فمن كان محتاجاً أغناه ومن كان عارياً كساه. وقيل: سموا بذلك لتجمعهم إلى الحرم إلى غير ذلك. القاموس المحيط ٢/٢٨٣، معجم قبائل العرب ٣/٩٤٧.
  2. ٢الأحابيش: بطن اختلف فيه فقال ابن قتيبة هم بنو المصطلق والحياء بن سعد بن عمرو وبنو الهون بن خزيمة. اجتمعوا بذنب حبشي - وحبشي بالضم جبل بأسفل مكة - فتحالفوا بالله أنا ليد على غيرنا ما سجاليل وأوضح نهار وما أرسى حبشي مكانه. وقال حماد الراوية إنما سموا بذلك لاجتماعهم والتحابش هو التجمع في كلام العرب. وقال الجوهري: "بطن من قريش ". وقال أبو الفداء: "هم من بطون كنانة بن خزيمة ثم قال وليسوا من الحبشة كما يتوهم بعضهم". القاموس المحيط ٢/٢٦٧، تاج العروس والمعارف ٢٦٩، معجم قبائل العرب ١/٥.
  3. ٣كنانة بن خزيمة قبيلة عظيمة من العدنانية وتنقسم إلى عدة بطون منها قريش بل أن ابن قتيبة قال: "أن النضر بن كنانة هو أبو قريش". المعارف ٣١، معجم قبائل العرب ٣/٩٩٦.
  4. ٤ينسبون إلى تهامة وهي الساحل قال ابن قتيبة وإذا تصوبت من ثنايا العرج واستقبلك الأراك والمرخ فقد اتهمت والتهمان فرع من قحطان. المصدر السابق ١/١٣٤.
  5. ٥السيرة النبوية ٢/٢١٩- ٢٢٠.
١/١١٠١/١١٠

وقد أورد الطبري خبراً من طريق ابن إسحاق باللفظ نفسه ٤ إلا أنه مرسل ثم أورد خبراً آخر وفيه قال: حدثني محمد بن عمرو ١ قال حدثنا أبو عاصم ٢ قال حدثنا عيسى ٣ وحدثني الحارث ٤ قال حدثنا الحسن ٥ قال حدثنا ورقاء ٦ جميعاً٤ عن ابن أبي نجيح ٧ عن مجاهد ٨ في قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال عيينة بن بدر في أهل نجد ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ قال أبو سفيان قال وواجهتهم قريظة ٩ أما السيوطي فقال: "المراد بالأحزاب القبائل التي أغراها زعماء اليهود الذين خرجوا يؤلبونهم ١٠ على القتال وهم: قريش وغطفان ١١ وبنو سليم ١٢ وبنو أسد ١٣ وفزارة ١٤ وأشجع" ٦ وبنو مرة ١٥ حتى كان عدة من وافى الخندق من المشركين نحواً من عشرة آلاف ١٦.

  1. ١محمد بن عمرو الباهلي البصري أبو بكر قدم بغداد وحدث بها ت ٢٤٩هـ في شهر المحرم وصف بأنه ثقة. انظر: تاريخ بغداد ٣/١٢٧.
  2. ٢أبو عاصم النبيل هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم بن الضحاك الشيباني البصري - ثقة ثبت - روى له (ع) ت سنة اثنتي عشرة ومائتين أو بعدها. التقريب ١٥٥.
  3. ٣عيسى بن ميمون المعروف بابن داية الجرشي بضم الجيم وفتح الراء المعجمة ثم المكي أبو موسى - ثقة - من السابعة. روى له أبو داود في الناسخ والمنسوخ. التقريب ٢٧٢.
  4. ٤الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي صاحب المسند سمع علي بن عاصم ويزيد بن هارون، وكان حافظاً عارفاً بالحديث عالي الإسناد بالمرة تُلكم فيه بلا حجة قال الدارقطني قد اختلف فيه وهو عندي صدوق وقال ابن حزم ضعيف ولينه بعض البغاددة لكونه يأخذ على الرواية ت ٢٨٢هـ. ميزان الاعتدال ١/٤٤٢.
  5. ٥الحسن هو ابن موسى الأشيب أبو علي البغدادي قاضي الموصل وغيرها ثقة من التاسعة. مات سنة ٢٠٩هـ أو التي بعدها. التقريب ٧٢.
  6. ٦ورقاء بن عمر اليشكري أبو بشر الكوفي نزيل المدائن صدوق في حديثه عن منصور لين من السابعة. روى له (ع) . التقريب ٣٦٩.
  7. ٧عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي أبو يسار الثقفي مولاهم - ثقة - رمي بالقدر وربما دلس من السادسة ١٣١هـ أو بعدها. روى له (ع) . التقريب ١٩١.
  8. ٨مجاهد بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي -ثقة - إمام في التفسير وفي العلم من الثالثة ت سنة أحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة وله ثلاث وثمانون. روى له (ع) . التقريب ٣٢٨.
  9. ٩جامع البيان ٢/١٢٩، وهذا الأثر بسند صحيح ورجاله ثقات.
  10. ١٠التأليب: الألب بالفتح والكسر القوم يجتمعون على عداوة إنسان وقد تألبوا: أي تجمعوا. النهاية في غريب الحديث ١/٥٩.
  11. ١١قبيلة نجدية لها ثلاثة أقسام وقد تقدمت في ص ٤٩.
  12. ١٢قبيلة عظيمة من قيس عيلان من العدنانية وتتفرع إلى عدة بطون وعشائر منها: أ- بنو ذكوان. ب- بنو بهثة بن سليم. انظر ذلك في: معجم قبائل العرب ٢/٥٤٣
  13. ١٣بنو أسد هم أبناء أسد بن خزيمة وهي قبيلة عظيمة من العدنانية وهي ذات بطون كثيرة منها: أ - بنو كاهل. ب- بنو غنم. جـ- بنو ثعلبة. وكانت منازلهم مما يلي الكرخ من أرض نجد. المصدر السابق ١/٢١.
  14. ١٤فزارة بن ذبيان: بطن عظيم من غطفان من العدنانية وتنقسم إلى خمسة إفخاذ هي: أ- عدي. ب- سعد. جـ- شمخ. د- مازن. هـ- ظالم ومنهم: بنو العشراء وبنو غراب وكان من هذا البطن جماعة من العلماء والأئمة. معجم قبائل العرب ٣/٩١٨
  15. ١٥بنو مرة: من أقدم قبائل العرب وأصحها نسباً وأشدها مراسا وأبعدها عن الحضارة. المصدر السابق ٣/١٠٧٠.
  16. ١٦الخصائص الكبرى ١/٥٦٥.
  17. *تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٣.
  18. *أي السند الأول المنتهى بعيسى والسند الثاني بورقاء جميعاً عن ابن أبي نجيح.
  19. *أشجع: قبيلة من غطفان من قيس عيلان من العدنانية. كانت منازلهم بضواحي المدينة، وكان بالمغرب الأقصى منهم حي عظيم، وكانوا حلفاء للخزرج في الجاهلية وقد رجعوا عن دينهم أيام الردة وحاربهم أبو بكر - رضي الله عنه - حتى عادوا من جديد إلى الإسلام. معجم قبائل العرب ١/٢٩.
١/١١٣١/١١٣

وفي الدر المنثور قال: "أخرج الفريابي ١، وابن أبي شيبة ٢، وابن المنذر ٣، وابن أبي حاتم ٤ عن مجاهد به" .

  1. ١هو محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبي مولاهم الفريابي بكسر الفاء وسكون الراء بعدها تحتانية وبعد الألف موحدة وهي من أعمال بلخ بخراسان نزيل قيسارية من ساحل الشام - ثقة فاضل - يقال أخطأ في حديث سفيان وهو مقدم فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزاق من التاسعة. مات سنة اثنتي عشرة ومائتين. التقريب ٣٢٥، تذكرة الحفاظ ١/٣٧٦، معجم البلدان ١/٤٧٩، معجم المؤلفين ١٠/١٤٠.
  2. ٢هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي - ثقة حافظ- صاحب تصانيف من العاشرة. ت سنة خمس وثلاثين ومائتين. روى له (خ م د س ق) . التقريب ١٨٧.
  3. ٣هو الحافظ العلامة الفقيه الأوحد أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري شيخ الحرم وصاحب الكتب التي لم يصنف مثلها. وكان مجتهداً لا يقلد أحداً. مات سنة ثمان عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/٧٨٢، طبقات الشافعية ٣/١٠٢.
  4. ٤قال ذلك في تفسيره وهو مخطوط صورته بالجامعة الإسلامية والموجود إلى سورة الرعد وابن أبي حاتم هو: عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران التميمي الحنظلي أبو محمد عالم محدث عارف بالرجال فقيه أصولي متكلم. ولد سنة أربعين ومائتين. قال أبو الوليد الباجي ابن أبي حاتم ثقة حافظ. وقال الذهبي هو الإمام الحافظ الناقد ت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٣/٨٢٩- ٨٣٢، معجم المؤلفين ٥/١٧٠.
١/١١٤١/١١٤

ثم قال وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ١ به وهو أتم من غيره.

  1. ١الدر المنثور ٥/١٨٧.

مما تقدم يظهر بوضوح: "أن القبائل التي شاركت قريشاً وغطفاناً - وهما القبيلتان العظيمتان المتزعمتان لهذه الحرب- الأحابيش ١ وكنانة وأهل تهامة وهذه شاركت قريشاً بحكم جوارها لها فنهضوا لنصرتها.

  1. ١نسبة إلى جبل في مكة يسمى (حبشي) وقد تقدموا.

وشارك مع غطفان بعض القبائل النجدية والتي هي في الحقيقة متفرعة عنها وتعتبر روافد لها.

١/١١٥١/١١٥

إضافة إلى بني قريظة الناقضين العهد حيث أحاطت هذه الفرق بالمسلمين من كل جهة.

وضاق المسلمون بهذا الحصار ذرعاً ووصفه الله بأبلغ وصف في قاله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ "١.

  1. *سورة الأحزاب الآيتان ١٠، ١١.

الفصل الثاني: دور المنافقين في هذه الغزوة

١/١١٩١/١١٩

...

الفصل الثاني بيان دور المنافقين في هذه الغزوة هذا الفصل هو تفسير لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ ١. والنفاق هو بالكسر فعل المنافق ١. وهو: إظهار الخير وإسرار الشر وهو أنواع: (أ) اعتقادي: وهو الذي يخلّد صاحبه في النار.

  1. ١مختار الصحاح ٦٧٤.

(ب) عملي: وهو من أكبر الذنوب وهذا كما قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله وسره علانيته ومدخله مخرجه ومشهده مغيبه ١.

  1. ١تفسير ابن كثير ١/٤٧.

هذا هو المنافق وهذا دوره دائماً وأبداً.

ذلك لأن قلبه مريض ونفسه خبيثة ولأنه يدخل في الأمور على قاعدة غير صلبه ثم يتعجل الأمور فيخيب ظنه ويغضب ربه.

  1. *سورة الأحزاب الآية ١٢.
١/١٢٠١/١٢٠

وسرعان ما يتهاوى كيانه فيصبح يضمر الشر لكل ما هو خبر ويظهر خلافه حتى يأمن مكر الناس وهو لا يعلم أن الله سبحانه وتعالى عالم به وبما يحيكه وما يضمره ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ١، ﴿...وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٢.

هؤلاء هم المنافقون المتسترون بالإسلام.

إلا أن الله كشفهم في بعض غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم كما في أحد وبني المصطلق والخندق وغيرها. حيث كان ينزل القرآن أولاً بأول فيفضحهم.

وفي هذه الغزوة - الخندق - بالذات ظهر منهم النفاق حيث أظهر كثير منهم العداء مما زاد في تفاقم الأمر وخطورته.

حكى لنا القرآن ذلك الخطر وتلك الشدة فقال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٣.

أما بالنسبة لما فعلوه هذه المرة فقد روى الطبراني حيث قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ١ حدثني سعيد بن محمد الجرمي ٢ حدثنا أبو تميلة ٣ حدثنا نعيم بن سعيد العبدي ٤ أن عكرمة حدث عن ابن عباس قال: "احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة؟ قال رجل: نعم. قال إمالا ٥ فتقدم فدلنا عليه. فانطلقوا إلى رجل فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه فأرسلت امرأته أن جيء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتانا فجاء الرجل يسعى فقال بأبي وأمي وله معزة ٦. ومعها جديها فوثب إليها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الجدي ٧ من روائنا فذبح الجدي وعمدت امرأته إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت وأدركت ٨ وثردت فقربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فوضع النبي صلى الله عليه وسلم أصبعه فيها فقال "بسم الله اللهم بارك فيها إطعموا" .

  1. ١عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني أبو عبد الرحمن. ولد الإمام ثقة من الثانية عشرة. مات سنة ٢٩٠هـ. وله بضع وسبعون. روى له النسائي. التقريب ١٦٧.
  2. ٢سعيد بن محمد بن سعيد الجرمي - بفتح الجيم المعجمة وسكون الراء - الكوفي صدوق رمي بالتشيع. من كبار الحادية عشرة. روى له (خ م د ق) . التقريب ١٣٥، المغني في أسماء الرجال ١٨.
  3. ٣هو يحيى بن واضح الأنصاري مولاهم - أبو تميلة بمثناه فوقية مصغراً المروذي مشهور بكنيته ثقة من كبار التاسعة. روى له الجماعة. التقريب ٣٨٠، تهذيب الكمال ٣٢/٢٢.
  4. ٤نعيم لم أجد له ترجمة ولعل فيه تصحيف.
  5. ٥قال في حاشية الصبان شارحاً لهذه الكلمة: "حذفت كان مع معموليها بعد أن في قولهم - أفعل هذا إمالا". أي إن كنت لا تفعل غيره فما عوض عن كان، ولا نافيه للخبر ومنه قوله: أمرعت الأرض لو أن مالا لو أن نوقا لك أو جمالا أو ثلة من غنم إمالا. التقدير: إن كنت لا تجد غيره. حاشية الصبان ١/٢٤٥.
  6. ٦المعزة: هي الأنثى الماعز. مختار الصحاح ٤٥٧.
  7. ٧الجدي: هو ولد المعزة.
  8. ٨أدركت: أي نضجت طحينتها.
  9. *سورة العلق الآية ١٤.
  10. *سورة الأنفال الآية ٣٠.
  11. *سورة الأحزاب الآية ١٠.
١/١٢٢١/١٢٢

فأكلوا منها حتى صدروا ١ ولم يأكلوا إلا ثلثها وبقي ثلثاها فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم ٢ وجاء أولئك العشرة ٣ مكانهم فأكلوا منها حتى شبعوا ثم قام ودعا لربة البيت وسمت ٤ عليها وعلى أهل بيتها ثم مشوا إلى الخندق. فقال: "اذهبوا بنا إلى سلمان وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها" فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "دعوني فأكون أول من ضربها فقال: بسم الله فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: الله أكبر قصور الروم ورب الكعبة ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة قال: الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة. فقال عندها المنافقون نحن بخندق وهو يعدنا قصور فارس والروم" ١. قال الهيثمي ٥: "ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ونعيم العنبري ٦ وهما ثقتان" . إلا أن ابن جرير قد أورد أثراً شاهداً عن الحسن البصري لهذا الحديث قال فيه: "حدثنا بشر حدثنا هوذه ٧ بن خليفة قال حدثنا عوف ٨ عن الحسن ٩ في قوله تعالى: ﴿... وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٢. قال ظنونا مختلفة ظن المنافقون أن محمداً وأصحابه يستأصلون ١٠ وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله حق وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون ١١. وأورد ابن كثير ١٢ هذا الخبر عن الحسن باللفظ نفسه. وهذا الأثر ينتهي إلى الحسن البصري فهو مقطوع ".

  1. ١صدروا أي شبعوا.
  2. ٢في مجمع الزوائد ٦/١٣١- نغديكم - من الغداء وهو تصحيف لا يتلاءم مع ما قبله.
  3. ٣في مجمع الزوائد ٦/١٣١ بعد العشرة - مكانه -.
  4. ٤قال ابن الأثير في النهاية ٢/٣٩٧: في حديث الأكل سمو الله ودنّوا وسمتوا أي إذا فرغتم فادعوا بالبركة لمن طعمتم عنده والتسميت الدعاء.
  5. ٥معجم الزوائد ٦/١٣١.
  6. ٦كذا في مجمع الزوائد وفي البداية والنهاية ٤/١٠٠، نعيم الغري بالغين المعجمة وفي معجم الكبير للطبراني كما تقدم آنفاً (العبدى) وكل هذه التراجم لم أقف عليها.
  7. ٧هوذه بفتح الهاء وزيادة هاء في آخره: ابن خليفة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي البكراوي أبو الأشهب البصري الأصم نزيل بغداد صدوق من التاسعة. مات سنة ٢١٦. روى له ابن ماجه. التقريب ٣٦٥.
  8. ٨عوف هو بن أبي جميلة الأعرابي العبدي البصري - ثقة - رمي بالقدر والتشيع من السادسة. مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة ١٤٧هـ. وله ست وثمانون. روى له الجماعة. التقريب ٢٦٦.
  9. ٩الحسن بن أبي الحسن يسار البصري الأنصاري مولاهم ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيراً ويدلس. قال البزار كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول حدثنا وخطبنا يعني قومه الذين خطبوا بالبصرة وهو رأس الطبقة الثالثة. مات سنة ١١٠هـ. وقد قارب التسعين. روى له أصحاب الكتب الستة. التقريب ٦٩، تذكرة الحفاظ ١/٧١.
  10. ١٠يُستأصلون: بضم التحتانية وسكون المهملة بالبناء للمجهول واستأصله قلعة من أصله. مختار الصحاح ١٨.
  11. ١١جامع البيان ٢١/١٣٢.
  12. ١٢تفسير ابن كثير ٣/٤٧٢.
  13. *المعجم الكبير ١١/٣٧٦.
١/١٢٤١/١٢٤

كذلك أورد ابن جرير أثراً آخر بسند آخر قال فيه: "حدثني يونس ١ قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد ٢ قال: قال "رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يافلان أرأيت إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله فأين هذا من هذا؟ وأحدنا لا يستطيع أن يخرج ليبول من الخوف" ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ . فقال: كذبت لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرك " قال: " فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاه فقال: ما قلت؟ " قال: " كذب علي يارسول الله ما قلت شيئاً ما خرج من فمي قط. قال الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ١. قال: "فهذا قول الله ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ " ٢. والأثر فيه انقطاع في أعلى الإسناد.

  1. ١يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي أبو موسى البصري - ثقة - من صغار العاشرة. مات سنة ٢٦٤. وله ست وتسعون سنة. روى له (م س ق) . التقريب ٣٩٠.
  2. ٢ابن زيد هو أسامة وهما اثنان وكلاهما شيخ لابن وهب أحدهما عدوي قال الحافظ توفي في زمن أبي جعفر المنصور وهو ضعيف، أما الليثي فقد توفي سنة ١٥٣هـ وهو صدوق وكلاهما مدنيان. تهذيب التهذيب ١/٢٠٧- ٢١٠.
  3. *سورة الأحزاب تكملة الآية ١٠.
١/١٢٥١/١٢٥

وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن فليح ١ قال: "فلما أشتد البلاء على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فيه الناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة وأني لارجو أن أطوف البيت العتيق آمنا وان يدفع الله عز وجل إلي مفاتيح الكعبة وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل ". وقال رجل ممن معه لأصحابه: " ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق وأن نقسم كنوز فارس والروم ونحن ها هنا لا يأمن أحدنا أن يذهب للغائط والله ما يعدنا إلا غروراً "١.

  1. ١ابن فليح هو محمد بن فليح بن سلميان الأسلمي ابو عبد الله. روى عن موسى بن عقبة وعمرو مولى المطلب قال ابن معين: "ليس بثقة" وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عنه قال: "ما به ليس بذاك القوي". الجرح والتعديل ٨/٥٩.
  2. *سورة التوبة الآية ٧٤.
  3. *سورة التوبة الآية ٦٦. وذلك من تفسير الطبري ٢١/١٣٣.
١/١٢٦١/١٢٦

أما السيوطي فقد قال: "وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم ١ والبيهقي في الدلائل من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده وساق الحديث بطوله"٣. إلا أن مداره على كثير بن عبد الله وهو ضعيف.

  1. ١الحافظ الكبير كحدث العصر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني الشافعي محدث مؤرخ صوفي. توفي بأصبهان سنة ٤٣٠هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ٣/١٠٩٢، السير ١٧/٤٥٣.

وأخيراً قال ابن إسحاق في قوله تعالى: ﴿... وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٤. ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق حتى قال معتب بن قشير ١ أخو بني عمرو بن عوف: "كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط" ٢.

  1. ١معتب بن قشير بن مليل بن زيد بن العطاف بن ضبيعة وليس له عقب شهد بدراً وأحد كذلك قال ابن إسحاق. وقال ابن حجر: "ذكروه فيمن شهد العقبة وقيل أنه كان منافقاً وأنه الذي قال يوم أحد لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا وقيل أنه تاب. وقد ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدراً وأثبت ابن عبد البر في الاستيعاب حاشية الإصابة انه شهد بدراً وأحداً والعقبة، وأنه قال يوم أحد لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، وهناك ذكر بأنه معتب بن بشير - بالباء المعجمة –". الطبقات الكبرى ٣/٤٦٣، الإصابة ٣/٤٤٣. أما السهيلي فقد عنون ببراءة معتب فقال: قال ابن هشام وأخبرني من أثق به من أهل العلم أن معتب بن قشير لم يكن من المنافقين واحتج بأنه كان من أهل بدر. الروض الأنف ٣/٢٦٢
  2. *دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٠٢.
  3. *الدر المنثور ٥/١٨٥.
  4. *سورة الأحزاب الآية ٩.
١/١٢٧١/١٢٧

وهكذا نرى من خلال هذه الآثار أن للمنافقين دوراً خطيراً في هذه الغزوة بالذات ذلك لأنهم لا يظهرون إلا في أوقات الأزمات. أما عندما ينتصر المسلمون فلا يسمع لهم صوت. والقرآن الكريم فضحهم في أكثر من موطن ولكنا أردنا إيراد الآثار التي تبين أمرهم خاصة في هذه الغزوة الفاصلة ١.

  1. ١لأن الرسول (قال: (لن يغزوكم بعد عامكم هذا) .
  2. *تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/٤٧٢.

الفصل الأول: مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه حول خطة الدفع "حفر الخندق".

١/١٣٣١/١٣٣

...

الفصل الأول: مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه حول حفر الخندق إن الشورى من الأمور التي أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم وذلك لما يلي: (أ) لتأليف قلوب أصحابه.

(ب) وليقتدي به من بعده.

(جـ) وليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحرب والأمور الجزئية وغير ذلك ١.

  1. ١السياسة الشرعية ١٣٤.

وغالباً ما يفعل ذلك في الحروب تطييباً لقلوبهم وأخذاً بما يتضح أنه الأولى من آرائهم وتجاربهم. وتنشيطاً لهم فيما يفعلونه ١.

  1. ١تفسير القرآن العظيم ١/٤٢٠، عارضة الأحوذي ٧/٢٠٨.

لذلك قال تعالى مخالطباً رسوله صلى الله عليه وسلم وممتناً عليه وعلى المؤمنين: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ٣.

  1. *سورة آل عمران الآية ١٥٩.
١/١٣٤١/١٣٤

حدث ذلك أولاً في بدر كما هو معروف وشاورهم في أحد ١. هل يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو. وشاورهم يوم الخندق أولاً: بالنسبة لخطة الدفاع وهي ما نحن بصدده. ثم شاورهم في مصالحة الأحزاب بثلث تمر المدينة عامئذ فأبى ذلك عليه رؤساء الأنصار وذلك بدليل الحديث الذي رواه البزار ٢ حيث قال: "حدثنا عقبة بن سنان ٣ ثنا عثمان الغطفاني ٤ ثنا محمد بن عمرو ٥ عن أبي سلمة ٦ عن أبي هريرة ٧ قال: "جاء الحارث الغطفاني ٨ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" فقال: "يا محمد ناصفنا تمر المدينة ٩ وإلا ملأناها عليك ١٠ خيلاً ورجالاً" فقال: "حتى استأمر ١١ السعود سعد بن عبادة ١٢ وسعد بن معاذ يعني يشاورهما فقالا: "لا والله ما أعطينا الدنية ١٣ من أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الله بالإسلام فرجع إليه الحارث فأخبره" فقال: "غدرت يا محمد" قال: فقال حسان:" يا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمداً لا يغدرُ إن تغدوا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبرِ وأمانة النهدي حيث لقيتها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبرُ٢ قال: فقال الحارث: "كف عنا يامحمد لسان حسان فلو مزج به ماء البحر لمزجه" . قال البزار: "لا نعلم رواه عن محمد بن عمرو هكذا إلا عثمان ولم نسمعه إلا من عقبة" ١.

  1. ١أي غزوة أحد.
  2. ٢هو أحمد بن عمر بن عبد الخالق البصري البزار (أبو بكر) محدث فقيه. ولد سنة ٢١٠هـ. وارتحل في الشيخوخة ناشراً لحديثه فحدث بأصبهان عن الكبار وببغداد ومصر ومكة والرملة. وأدركه أجله فمات سنة ٢٩٧هـ. من تصانيفه شرح موطأ مالك والمسند. انظر: تاريخ بغداد ٤/٣٣٤، السير ١٣/٥٥٤.
  3. ٣عقبة بن سنان بن عقبة بن سنان بن سعد بن جابر بن محمد بن محصن الهدادي بفتح هاء وخفة دال كما في المغني صفحة ٨٤. بصري. روى عن غسان بن مضر وعثمان بن عفان الفطفاني. سمع منه أبي في الرحلة الثالثة ثنا عبد الرحمن قال: "سئل أبي عنه فقال: صدوق". الجرح والتعديل ٦/٣١١.
  4. ٤عثمان بن عثمان الغطفاني أبو عمرو القاضي البصري صدوق ربما وهم من الثامنة. روى له (م د س) . انظر: التقريب٢٣٥.
  5. ٥محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني صدوق له أوهام من السادسة ثبت. مات سنة خمس وأربعين ومائة على الصحيح. روى له (ع) . التقريب ٣١٣.
  6. ٦أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني قيل اسمه عبد الله وقيل إسماعيل ثقة مكثر من الثالثة. مات سنة ٩٤، وقيل بعدها. وكان مولده بضع وعشرون. روى له (ع) . التقريب ٤٠٩.
  7. ٧أبو هريرة الدوسي الصحابي الجليل حافظ الصحابة اختلف في اسمه واسم أبيه فقيل عبد الرحمن بن صخر وقيل غير ذلك. التقريب ٤٣١، التهذيب ١٢/٢٦٢، أسد الغابة ٥/٣١٥.
  8. ٨قائدة بني مرة وسيأتي فيما بعد.
  9. ٩بالمثناة الفوقية وهو التمر المعروف وفي بعض المراجع - ثمر- بالمثلثة وهي تعم التمر وغيره. انظر في ذلك البداية والنهاية ٤/١٠٤، أسد الغابة ٢/٢٨٤.
  10. ١٠في مجمع الزوائد ٦/١٣٢ ملأتها.
  11. ١١بمعنى استشر والسعود جمع سعد وهو هنا يريد السعدين بن معاذ وابن عبادة واستشارته صلى الله عليه وسلم لهما يدل على فضلهما لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدى قومهما لذلك قال ابن الأثير عند ترجمة سعد بن عبادة: جاء الخبر أن قريشاً سمعوا صائحاً يصيح ليلاً على أبي قبيس: فإن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف مخالف. قال فظنت قريش أنه يعني سعد بن زيد مناة بن تميم وسعد هذيم من قضاعة فسمعوا الليلة الثانية قائلاً. يا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزر جيين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدي وتمنيا ... على الله في الفردوس منية عارف
  12. ١٢هو سعد بن عبادة بن سليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي. أحد النقباء واحد الأجواد، ووقع في صحيح مسلم أنه شهد بدراً والمعروف عند أهل المغازي أنه تهيأ للخروج فلدغته حية، ذكر ذلك ابن سعد وقيل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم رده لاستنابته على المدينة فلم يتمكن من الخروج إلى بدر حكاه السهيلي عن ابن قتيبة وممن ذكره فيمن شهد بدراً عروة والبخاري وابن أبي حاتم والطبراني. قال ابن كثير: "وقد وقع في صحيح مسلم ما يشهد لذلك ثم" قال: "والصحيح أن ذلك سعد بن معاذ". الطبقات الكبرى ٣/٦١٤، وأسد الغابة ٢/٢٨٣، البداية والنهاية ٣/٣١٩، الإصابة ٢/٣٠.
  13. ١٣الدّنيّة بتشديد التحتانية وهي الخصلة الحقيرة المذمومة من الدنو. مختار الصحاح ٢١٢.
  14. *في البيت الأول - يا حار - وهو منادي مرخم حارث والبيت الأول موحد في أغلب الروايات إلا أن آخره في الديوان - لم يغدر - بكسر الراء وهو الأولى ليتناسب مع البيتين الآخرين. أما بالنسبة للثاني فهناك اختلاف لا يغير المعنى ففي الشطر الأول مثلاً من عاداتكم - في الديون - منكم شيمة وفي الشطر الأخير منه - واللؤم- في الديوان والغدر - وهو مكسور القافية والسخبر شجر تألفة الحيات فتكسن في أصوله. الواحدة سخبرة قال ابن الأثير وقد ورد ذلك في حديث ابن الزبير حيث قال لمعاوية: لا تطرق إطراق الأفعوان في أصول السخبر، أما البيت الثالث فهو غير واضح المعنى لكن يوضحه ما جاء في أسد الغابة حيث قال: وأمانة المري ما استودعته) وقد بين ابن الأثير أن سبب هذه الأبيات غير السبب المذكور في الحديث وأنه حدث هذا عندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم مع الحارث دعاة: يدعون قومه للإسلام فغدروا بهم فقال حسان هذه الأبيات قلت ولا يمنع أن تكون هذه الأبيات تكررت في الحادثين. انظر في كل ذلك: ديوان حسان ١/١٣٧، ٢/١٢٧، أسد الغابة ١/٣٤٣، الإصابة ١/٢٨٦، النهاية في غريب الحديث ٢/٣٤٩.
١/١٣٧١/١٣٧

والحديث بهذا السند يعتبر حسناً لذاته وقد ذكره ابن الأثير عند ترجمة سعد بن مسعود ١ الأنصاري وكذا ذكره الحافظ ٢.

  1. ١أسد الغابة ٢/٢٩٤.
  2. ٢الإصابة ٢/٣٦.

أما الهيثمي ١ فقد قال: "رواه البزار والطبراني ولفظه: عن أبي هريرة قال: "جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا محمد شاطرنا تمر المدينة " فقال: " حتى استأمر السعد فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع ٢ وسعد بن خيثمة ٣ بن مسعود ٤ فقال: "إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وأن الحارث قد سألكم أن تشاطروه تمر المدينة فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا" فقالوا: "يارسول الله أوحي من السماء؟ فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك أو هواك؟

  1. ١الهيثمي هو علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي - نور الدين أبو الحسن محدث حافظ وافق العراقي في السماع ولازمه وتوفي بالقاهرة في رمضان ٨٠٧هـ. من تصانيفه مجمع الزوائد، موارد الضمآن في زوائد ابن حبان، كشف الأستار عن زوائد البزار، الضوء اللامع للسخاوي ٥/٢٠٠.
  2. ٢سعد بن الربيع بن عمر بن أبي زهير بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي عقبى بدري نقيب كان أحد نقباء الأنصار قاله عروة وابن شهاب وابن عقبة وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف وقتل في أحد. أسد الغابة ٢/٢٧٧، الإصابة ٢/٢٦، الاستبصار ١١٤. وهناك سعد بن الربيع - رجل آخر ولكنه يعرف بابن الحنظلية قال فيه الحافظ قال أبو حاتم: "استشهد بأحد قال وفيه نظر ولعله أراد الذي قبله وأما هذا فذكر ابن سعد أنه شهد الخندق". انظر: الإصابة ٢/٢٧ عند ترجمته. ولكن بحثت في الطبقات لابن سعد فلم أجده لأن ابن سعد قد ذكر واحداً بهذا الاسم وهو الذي قتل في أحد إلا أن يكون ذكره في غير الطبقات فالله أعلم.
  3. ٣سعد بن خثيمة بن الحارث الأنصاري الأوسي يكني أبا خثيمة وهو عقبي بدري قتل في بدر. الاستبصار ٢٦٥، أسد الغابة ٢/٢٧٥.
  4. ٤سعد بن مسعود الأنصاري قال ابن الأثير والحافظ: إنه شهد الخندق وأنه كان ضمن من استشارهم يومئذ. أسد الغابة ٢/٢٩٤ولكنه ذكر سعد بن خثيمة مع أنه ذكر قبل أنه قتل في بدر. انظر: الإصابة ٢/٣٦
  5. *كشف الأستار ٢/٣٣٢، الإصابة ٢/٣٦.
١/١٣٩١/١٣٩

فرأينا نتبع هواك ورأيك فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا. فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا تمرة إلا شراء أو قرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو ذا تسمعون ما" يقولون. قالوا غدرت يا محمد ". فقال حسان ١ بن ثابت رضي الله عنه: يا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمداً لا يغدرُ وأمانة المري ٢ حين لقيتها ... كسر الزجاجة صدعها لا يجبرُ إن تغدروا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبرِ ثم قال الهيثمي: "رواه البزار والطبراني ورجالهما فيهم محمد بن عمرو حديثه حسن وبقية رجاله ثقات"٣.

  1. ١حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بفتح المهملة والراء الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن أو أبو الوليد شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهور ت سنة أربع وخمسين وله مائة وعشرون سنة. وذلك في خلافة علي رضي الله عنه وقد عاش ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الإسلام. قال ابن الأثير وكذلك عاش أبوه ثابت وجده المنذر وأبو جده حرام عاش كل واحد منهم مائة عشرين سنة ولا يعرف في العرب مثلهم أربعة تناسلوا من صلب واحد عاش كل واحد منهم مائة وعشرين. وقد وهب له النبي صلى الله عليه وسلم جاريته سيرين أخت مارية فولدت له عبد الرحمن بن حسان. أسد الغابة ٢/٤.
  2. ٢يقصد الحارث بن عوف المري.
  3. *مجمع الزاوئد ٦/١٣٢- ١٣٣. انظر: الإصابة ٢/٣٦.
١/١٤٠١/١٤٠

وقد أشار إلى ذلك ابن حزم ١ ألا أنه ذكر السعدين فقط ٢ كما ذكره ابن كثير عن ابن إسحاق مطولاً وأنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى السعدين بعد أن حصلت المراوضة ٣ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح وأخيراً تناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهدوا علينا ٤.

  1. ١جوامع السيرة ١٨٨.
  2. ٢ابن معاذ وابن عبادة.
  3. ٣المراوضة: هي ما يجري بين المتبابعين من الزيادة والنقصان. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/٢٧٦.
  4. ٤البداية والنهاية ٤/١٠٤.

أما ما جاء في الحديث السابق الذي ذكره الهيثمي وذكر فيه السعود ١ وساق خمسة منهم، فقد رجعت إلى تراجمهم فوجدت أن هناك تناقضا ظاهراً حيث تدل الرواية التي ذكرها الهثيمي أنهم كانوا جميعاً ضمن الصحابة الذين حضروا الغزوة أما الحقيقة فهي تدل على أن سعد بن الربيع مثلاً قد استشهد في غزوة أحد وقد ساق ابن الأثير حديثاً يدل على ذلك ٢ وقد تقدمت ترجمته.

  1. ١جاء ذكر السعود في شعر حسان حيث قال: أروني سعوداً كالسعود التي سمت بمكة من أولاد عمرو بن عامر أقاموا عماد الدين حتى تمكنت قواعده بالمرهفات البواترقال أبو جعفر بن حبيب أراد بالسعود سبعة وهم أربعة من الأوس وثلاثة من الخزرج. الإصابة ٢/٢٥.
  2. ٢أسد الغابة ٢/٢٧٨.
١/١٤١١/١٤١

أما سعد بن خيثمة فقد استشهد ببدر ذكر ذلك ابن إسحاق ١ وغيره.

  1. ١السيرة النبوية ١/٦٩٠، أسد الغابة ٢/٢٧٥، الإصابة ٢/٣٦.

أما سعد بن مسعود فقد ذكر الحافظ أن له ذكراً في حديث الطبراني ١ المذكور ثم ساق الحديث إلى أن قال ... قال ابن الأثير في ذكر سعد بن خيثمة نظر لأنه استشهد ببدر. والخندق كانت بعدها بثلاث سنين، ثم قال لا يلزم من الغلط في سعد بن خيثمة الغلط في سعد بن مسعود فإن ثبت الخبر فهو من كبار الأنصار بحيث كان يستشار في ذلك الوقت ٢.

  1. ١تقدم في ص ١٣٨.
  2. ٢الإصابة ٢/٣٦.

وهكذا تمت هذه المشاروة مع السعدين كما جاء ذلك في حديث البزار الذي يعتبر أقوى حديث في الباب على ضوء إسناده ١.

  1. ١تقدم وهو يعتبر حسناً لذاته.
١/١٤٢١/١٤٢

ولم تتم تلك الصفقة التي كان يحلم بها الحارث بن عوف وعيينة بن حصن كما في بعض الروايات.

أما المشاورة الثانية الني حصلت في هذه الغزوة فقد حصلت عندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ما أجمع عليه كفار قريش ومن تابعهم على المسير إلى المدينة فاستشار الصحابة رضي الله عنهم وتمخضت تلك المشاورة عن رأي سديد أدلى به سلمان ١ رضي الله عنه حيث أشار بحفر الخندق لكي يحول بين العدو وبين المدينة ٢.

  1. ١سلمان الفارسي أبو عبد الله يقال أنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرف بسلمان الخير كان أصله من فارس من رامهرمز من قرية يقال لها جئ، ويقال بل كان أصله من أصبهان قال ابن عبد البر وقد ذكرته في التمهيد وذكرت حديث إسلامه بتمامه وكان إذا قيل له ابن من أنت؟ قال أنا سلمان بن الإسلام من بني آدم وقد تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر وأحد بسبب الرق فأشار عليه صلى الله عليه وسلم بالمكاتبة وقد عاش ثلاثمائة سنة وكان من المعمرين وكان له ثلاث بنات. انظر: الاستيعاب حاشية الإصابة ٢/٥٦، أسد الغابة ٢/٣٢٨- ٣٣٢
  2. ٢زاد المعاد ٣/٢٧١، السيرة الحلبية ١/٦٣١.

ولم يرد في ذلك حديث صحيح غير أن الطبري قال: "حدثت عن محمد بن عمر ١ قال كان الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق سلمان، وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حر "١، وقال يا رسول الله: " إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا "٢.

  1. ١هو الواقدي شيخ ابن سعد وقد تقدم.
١/١٤٣١/١٤٣

والواقدي وصفه أهل الحديث بأنه متروك الحديث مع سعة علمه.

وبذلك قال ابن هشام ١ ونقله عنه ابن كثير ٢ وبه قال ابن الأثير ٣. وقد نقل الحافظ في الفتح حيث قال: وكان الذي أشار بذلك سلمان فيما ذكر أصحاب المغازي منهم أبو معشر ٤ قال: "قال سلمان للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"٧.

  1. ١السيرة النبوية ٢/٢٢٤.
  2. ٢البداية والنهاية ٤/٩٥.
  3. ٣الكامل ٢/١٢٢.
  4. ٤هو نجيح بن عبد الرحمن السندي بكسر المهملة وسكون النون المدني أبو معشر وهو مولى بني هاشم مشهور بكنيته - ضعيف - أسن واختلط مات سنة ١٧٠هـ. انظر: التقريب ٣٥٦.

لقد كان الخندق ذا أهمية عظمى ذلك لأن المسلمين عندما بحثوا خطة الدفاع عن المدينة كانوا يفكرون في إيجاد وسيلة فعالة يتحاشون بها الالتحام الشامل المباشر مع جيوش الأحزاب المتفوقة عدداً وعدة في معركة فاصلة ليتسنى لهم تجميدها وشل حركتها على النحو الواسع الذي تريد تلك القوة الباغية.

  1. *لأنه قبل ذلك كان مملوكاً حتى أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالمكاتبة وبذلك تحرر من الرق ولازم الرسول صلى الله عليه وسلم.
  2. *مغازي الواقدي ٢/٤٤٥، تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٤، جامع البيان ٢١/١٣٠
  3. *فتح الباري ٧/٣٩٢- ٣٩٣.
١/١٤٤١/١٤٤

ولقد كان لتنفيذ هذا المشروع الدفاعي أكبر الأثر في تجميد نشاط جيوش الأحزاب وشل حركتها ثم فشل الغزو في النهاية ١.

  1. ١غزوة الأحزاب لمحمد باشميل ١٤٧.

ولقد حفر الخندق في المنطقة الشمالية الغربية من المدينة لأن هذا المكان هو أصلح موقع يجب أن يعسكر فيه من يريد الدفاع عن المدينة لأنه الناحية الوحيدة المكشوفة التي لابد لأي غاز يريد المدينة من أن يتجه إليها ذلك لأن الجهات الأخرى محاطة بأشجار النخيل والزروع الكثيفة والأبنية المتشابكة والحواجز الطبيعية الصعبة كالجبال وغيرها والتي لا تسمح لقوات الأحزاب الكبيرة أن تقوم بإجراء أي قتال على نطاق واسع كما تريد ١.

  1. ١المصدر السابق ١٤٩.

وعندما قرر الرسول صلى الله عليه وسلم حفر الخندق - بعد المشاورة - أمر بنقل النساء والذراري إلى الآطم ١ الحصينة حتى لا يصيبهم مكروه.

  1. ١الأطم بضمة وضمتين القصر وكل حصن مبني بالحجارة وكل بيت مربع مسطح. القاموس ٤/٧٤.
١/١٤٥١/١٤٥

لأنه كان يتخوف عليهم من اليهود - بني قريظة - حيث كانت منازلهم مما يلي العوالي ١ وكانوا قد مالؤوا الأحزاب ووافقوهم على نقض العهد الذي ابرموه مع النبي صلى الله عليه وسلم. فقد روى الطبراني حيث قال: "حدثنا محمد بن عبد الله القرمطي ٢ البغدادي ثنا عثمان بن يعقوب العثماني ٣ ثنا محمد بن طلحة ٤ التميمي عن محمد بن سهل بن أبي حثمة ٥ عن هرير ٦ بن عبد الرحمن بن رافع ٧ بن خديج ٨ عن أبيه عن جده قال: "لما كان يوم الخندق لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان والذراري فيه" فقال: "إن ألمَّ بكن ٩ أحد فالمعن بالسيف" فجاءهن رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له نجدان - أحد بني جحاش٢على فرس حتى كان في أصل الحصن ثم جعل يقول للنساء انزلن إلى خير لكن فحركن السيف فأبصره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فابتدر الحصن قوم فيهم رجل من بني حارثة يقال له ظهير بن رافع ١٠ فقال: "يا نجدان ابرز فبرز إليه فحمل عليه فرسه فقتله وأخذ رأسه فذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم" . هذا الحديث قال فيه الهيثمي بعد إيراده.

  1. ١العوالي بالفتح جمع العالي ضيعة بينها وبين المدينة أربعة أميال وقيل ثلاثة (وهو الصحيح) . انظر: مراصد الإطلاع ٢/٩٧٠.
  2. ٢هو محمد بن عبد الله العدوي يعرف بالقرمطي. روى عنه أبو القاسم الطبراني. انظر: تاريخ بغداد ٤٣٣.
  3. ٣لم أجد له ترجمة.
  4. ٤محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن عثمان ابن عبيد الله التميمي المعروف بابن الطويل وجده عثمان هو أخو طلحة أحد العشرة صدوق يخطئ من الثامنة. مات سنة ثمان ومائة. روى له (س ق) . التقريب ٣٠٢.
  5. ٥محمد بن سهل بن أبي حثمة الأنصاري الأوسي قال الحافظ ذكره البخاري ولم يذكر فيه جرحاً وذكره ابن حبان في الثقات. تعجيل المنفعة ٣٦٥.
  6. ٦هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري المدني - مقبول - من الخامسة التقريب ٣٦٣. قال الذهبي وقال الازدي يتكلمون في حديثه وقد وثقه ابن معين وابن حبان. الميزان ٤/٢٩٥.
  7. ٧عبد الرحمن بن رافع قال ابن أبي حاتم روى عن أبيه رافع. وروى عنه ابنه هرير. الجرح والتعديل ٥/٢٣٢.
  8. ٨رافع بن خديج بن عدي الحارثي الأوسي الأنصاري صحابي جليل أول مشاهده أحد ثم الخندق. مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين وقيل قبل ذلك. التقريب٩٩، الاستيعاب ٢/٥٩.
  9. ٩إن ألم بكن أي إذا حصل ذلك وهو دخول أي غريب عنهم اليهن.
  10. ١٠ظهير بن رافع قال ابن قدامة وشهد ظهير العقبة الثانية ولم يشهد بدراً وشهد أحداً مع أخيه مظهر بن رافع ولم يذكر متى مات. الاستبصار ٢٣٩
١/١٤٦١/١٤٦

رواه الطبراني وقال: "ورجاله ثقات ١. وقد رواه ابن جرير في تاريخه بسنده من طريق ابن إسحاق" ٥. وقال الهيثمي بعد إيراد هذا الحديث: "عن الزبير بن العوام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الخندق فجعل نساءه وعمته صفية في أطم يقال له فارع..." الحديث إلا أنه قال بعد سياقه لهذا الحديث ... رواه البزار وأبو يعلي باختصار وإسناد هما ضعيف.

  1. ١مجمع الزوائد ٦/١٣٣، وهو في المعجم الكبير ٤/٣١٨حديث ٤٣٧٨.
  2. *في مجمع الزاوئد حشاش واثبت ما في المعجم الكبير.
  3. *تاريخ الأمم والملوك ٢/٥٧٠- ٥٧١.
١/١٤٧١/١٤٧

ومع ذلك فالمتن فيه اضطراب حيث إن آخره يخالف أوله فقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً خرج إلى الخندق ثم قال بعد ذلك: ثم خرج إلى أحد. ويظهر من ذلك أنه حصل التباس من خروجه إلى أحد خروجه إلى الخندق ثم قال الهيثمي ١ مؤكداً ذلك: وقد تقدم الحديث من رواية صفية في وقعة أحد. وهو عند البزار ٢ أن ذلك كان في أحد والمشهور أن هذه القصة كانت في الخندق.

  1. ١مجمع الزوائد ٦/١٣٣- ١٣٤.
  2. ٢كشف الأستار ٢/٣٣٣- ٣٣٤.

أما كونه صلى الله عليه وسلم جعلهم في أطم يقال له فارع فهو صحيح بدليل ما جاء في صحيح مسلم ١ عن عبد الله بن الزبير وفيه أنه كان هو وعمر بن أبي سلمة في أطم حسان يوم الخندق مع النسوة... الخ كذلك روى هذا الحديث أحمد ٢ في مسند الزبير ثم أورد الهثيمي بعد ذلك حديثاً آخر بهذا المعنى ولفظه عن عروة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ نساءه يوم الأحزاب أطما من آطام المدينة وكان حسان بن ثابت رجلاً جباناً فأدخله مع النساء فأغلق الباب فجاء يهودي فقعد على باب الأطم فقالت صفيه بنت عبد المطلب: إنزل يا حسان إلى هذا العلج ٣ فاقتله فقال ما كنت لأجعل نفسي خطراً لهذا العلج فائتزرت بكساء وأخذت فهرا ٤ فنزلت إليه فقطعت رأسه... الخ الحديث. قال الهيثمي: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ولكنه مرسل" ٤. قال السمهودي: "وروى الإمام أحمد بإسناد قوي عن عبد الله بن الزبير قال: " كانت صفية في حصن حسان بن ثابت يوم الخندق أي وهو المسمى بفارع فذكر الحديث في قتلها اليهودي وقولها لحسان انزل فاسلبه " فقال: " مالي بسلبه حاجة "١.

  1. ١صحيح مسلم ٤/١٨٧٩، كتاب فضائل الصحابة.
  2. ٢مسند الإمام أحمد ١/١٦٦.
  3. ٣العلج: بكسر العين المهملة قال في مختار الصحاح بوزن العجل: الواحد من كفار العجم والجمع علوج واعلاج وعلجه بوزن عنبة. مختار الصحاح ٤٤٩.
  4. ٤الفهر: بكسر الفاء الموحدة هو الحجر قدر ما يدق به الجوز أو يملأ الكف ويؤنث. القاموس المحيط ٢/١١٢.
  5. *مجمع الزوائد ٦/١٣٤.
١/١٤٩١/١٤٩

وهذا الحديث وهو رفع النساء والذراري في الآطام رواه ابن جرير في تاريخه ١ وقد روى الطبراني هذه القصة عن صفية في غزوة أحد كما تقدم.

  1. ١تاريخ الأمم والملوك ٢/٥٠.

إلا أن الهيثمي قال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق أم عروة بنت جعفر بن الزبير عن أبيها ولم أعرفهما وبقية رجاله ثقات "٣.

ثم عقب السمهودي قائلاً: "والمذكور في كتب السير أن هذه القصة كانت في الخندق وأن بعضهم كان بحصن بني حارثة وبعضهم بفارع وأن صفية رضي الله عنها لما فرغت من قتل اليهودي رجعت إلى الحصن فقالت لحسان: "انزل فاسلبه ١ فإني لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل " قال: " مالي بسلبه حاجة يابنت عبد المطلب "٢ أ. هـ. كلام السمهودي.

  1. ١السلب هو أخذ ما يكون على المقتول أو معه من سلاح وثياب ودابة وغيرها النهاية في غريب الحديث ٢/٣٨٧.
  2. *وفاء الوفاء ١/٢١٥.
  3. *مجمع الزوائد ٦/١١٥.
١/١٥٠١/١٥٠

وهذه القصة صحيحة لتظافر الأدلة التي يقوي بعضها بعضاً يؤيدها أن اليهود إنما غدروا في غزوة الخندق ولم يكن لهم ذكر في أحد.

أما بالنسبة لهذه التهمة التي وجهت ضد حسان بن ثابت وهي الجبن فقد دفعها بعض العلماء لذلك قال السهيلي: "مجمل هذا الحديث عند الناس أن حساناً كان جباناً شديد الجبن وقد دفع بعض العلماء هذا وانكره وقال: لو صح هذا. لهجي به حسان فإنه كان يهاجي الشعراء وكانوا يردون عليه فما عيره أحد بجبن. وإن صح فلعل حسان كان معتلاً في ذلك اليوم بعلة منعته من شهود القتال وهذا أولى ما تأول ". ثم قال: "وممن أنكر أن يكون هذا صحيحاً أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله في كتابه الدرر ١ وهذا هو الحق والله أعلم فإن شعر حسان كان أشد على الأعداء من وقع النبل، وذلك واضح من المهاجاة التي وقعت بينه وبين شعراء قريش كابن الزبعرى وغيره، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينصب له منبراً في المسجد ٢ يقوم عليه قائماً يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" وكان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم لأسلنك كما تسل الشعرة من العجين ٣ ولو كان هذا حقاً لهجاه به اعداؤه.

  1. ١الروض الأنف ٣/٣٨١، وفي الاستيعاب ١/٤٠٥. قال: وقال اكندا هل الخبار والسير: إن حسان كان من أجبن الناس، وذكروا من جبنه أشياء مستشنعة كرهت ذكرها لنكارتها.
  2. ٢أسد الغابة ٢/٤.
  3. ٣النهاية في غريب الحديث ٢/٣٩٢، والحديث في البخاري. انظر: فتح الباري ٧/٣٤٦، ورواه مسلم في صحيحه ٤/١٩٣٤ فضائل حسان.
  4. *وفاء الوفاء ١/٣١٥.

الفصل الثاني: تواضعه صلى الله عليه وسلم ومباشرته الحفر بنفسه

١/١٥٥١/١٥٥

كان صلوات الله عليه وسلامه المثل الأعلى في التواضع، وذلك لحسن أخلاقه التي مدحه الله به، وهذا حاله صلى الله عليه وسلم في السلم والحرب على السواء. وتواضعه عليه الصلاة والسلام في هذا الموضع قليل من كثير.

أما بالنسبة لما كان منه في هذه الغزوة فقد روى البخاري في ذلك حديثاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وهذا نصه: قال البخاري - رحمه الله -: حدثنا خلاد بن يحى ١ حدثنا عبد الواحد ٢ بن أيمن ٣ عن أبيه قال: "أتيت جابراً -رضي الله عنه- فقال إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق" فقال: "أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول ٤ فضرب فعاد كثيباً٢ أهيل أو أهيم "٣ فقلت يا رسول الله: " ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ قالت عندي شعير وعناق ٥. فذبحتُ العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة ٦ ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي ٧ قد كادت تنضج فقلت: طعيم ٨ لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان قال: كم هو فذكرت له: "فقال كثير طيب" . قال: قل لها: "لا تنزع البرمة ولا الخبر من التنور ٩ حتى آتي" . فقال: قوموا فقام المهاجرون والأنصار. فلما دخل على امرأته قال: ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم قالت: هل سألك قلت: نعم. فقال: "ادخلوا ولا تضاغطوا" ٣ فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر ١٠ البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف ١١ حتى شبعوا وبقي بقية. قال: "كلي هذا واهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة" ٦.

  1. ١خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي أبو محمد الكوفي نزيل مكة - صدوق - رمي بالإرجاء، وهو من كبار شيوخ البخاري من التاسعة مات سنة ٢١٧هـ.
  2. ٢عبد الواحد بن أيمن المخزومي مولاهم أبو القاسم المكي لا بأس به من الخامسة روى له - خ م س - التقريب ٢٢١.
  3. ٣أيمن الحبشي المكي والد عبد الواحد - ثقة - من الرابعة روى له البخاري وأبو داود في الناسخ والمنسوخ. التقريب ٤٠.
  4. ٤المعول: الفأس العظيمة التي ينقر بها الصخر والجمع المعاول، مختار الصحاح ٤٦٣.
  5. ٥صحيح البخاري مع الفتح ٧/٣٩٥، والعناق الأنثى من الماعز ما لم يتم له سنة، النهاية ٣/٣١١.
  6. ٦البرمة: هو القدر مطلقاً وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن. النهاية ١/١٢١.
  7. ٧الأثافي: هي حجار ثلاث يوضع عليها القدر. مختار الصحاح ٨٤.
  8. ٨بالتصغير للقلة. لأنه حصل في رواية سعيد بن ميناء التي تلي هذه أن جابر رضي الله عنه لما جاء وأخبر امرأته فقالت بك وبك فقال قد فعلت الذي قلت. قال الحافظ في رواية يونس قال: "فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله -عز وجل-". فتح الباري ٧/٣٩٨.
  9. ٩التنور: الذي يخبز فيه ومنه قوله تعالى: {وَفَارَ التَّنُّورُ} مختار الصحاح ٧٩.
  10. ١٠أي يغطى.
  11. ١١أي يغرف مرقاً من البرمة.
  12. *الكثيب: الرمل المستطيل المحدودب. النهاية في غريب الحديث ٤/١٥٢.
  13. *الشك من الراوي قال الحافظ في الفتح ٧/٣٩٧، وفي رواية الإسماعيلي أهيل بغير شك، وكذا عند يونس، وفي رواية أحمد - كثيبا يهال قال والمعنى أنه صار رملاً يسيل ولا يتماسك قال تعالى: {وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً} أي رملاً سائلاً، وأما أهيم فقال عياض: ضبطها بعضهم بالمثلثة وبعضهم بالمثناة وفسرها بأنها تكسرت. والكدية جاءت في رواية أبي ذر الكيدة بفتح الكاف وسكون التحتانية قيل هي القطعة الشديدة الصلبة من الأرض وفي رواية الإسماعيلي فعرضت كدية - كما هنا- وهي بضم الكاف وتقديم الدال على التحتانية. وزاد في روايته - فقال رشوها بالماء فرشوها- فتح الباري ٧/٣٩٦.
  14. *فيه دليل على كثرتهم ومعنى لا تضاغطوا: أي لا تتزاحموا.
  15. *فتح الباري ٧/٣٩٥.
١/١٥٨١/١٥٨

كما رواه أيضاً أحمد ١ والنسائي ٢ والبيهقي ٣.

  1. ١مسند الإمام أحمد ٣/٣٠٠-٣٠١.
  2. ٢سنن النسائي ٦/٤٣ باب غزوة الترك والحبشة والرواية ليست عن جابر وإنما هي عن رجل من الصحابة.
  3. ٣دلائل النبوة ٣/٤١٧.

أما البيهقي فقد أخرج هذا الحديث من رواية الإسماعيلي عن طريق المحاربي عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: قلت لجابر: "حدثني بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرويه عنك فقال جابر: " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق نحفر فيه فلبثنا ثلاثة أيام لا نطعم شيئاً ولا نقدر عليه فعرضت في الخندق كدية فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت هذه كدية ١ قد عرضت في الخندق فرششنا عليها الماء فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبطنه معصوب بحجر فأخذ المعول أو المسحاة ثم سمى ثلاثاً ثم ضرب فعادت كثياً أهيل "٥ الحديث. قال الحافظ: "وقد وقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب " قال: " لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول فاشتكينا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجاء فأخذ المعول ثم قال: "بسم الله فضرب ضربة فكسر ثلثها وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إن لأبصر قصر المدائن أبيض. ثم ضرب الثالثة وقال: بسم الله فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة" . قال الحافظ: "وقد أخرج الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص نحوه" ١.

  1. ١هكذا وردت في أشهر الروايات، ووقع في رواية الأصيلي عن الجرجاني (كندة) بنون، وعند ابن السكن: كتدة: بمثناة من فوق، قال عياض لا أعرف لهما معنى، فتح الباري ٧/٣٩٧.
  2. *دلائل النبوة ٣/٤٢٣.
١/١٥٩١/١٥٩

وهناك أحاديث صحيحة تبين بوضوح مباشرته صلى الله عليه وسلم الحفر ونقل التراب مع صحابته رضي الله عنهم من ذلك ما روي البخاري ونصه: قال البخاري ١ رحمه الله: حدثنا مسلم بن إبراهيم ٢ حدثنا شعبة ٣ عن أبي إسحاق ٤ عن البراء١ رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو إغبر بطنه٢. يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علين الفتح ٥.

  1. ١صحيح البخاري ٥/٤٧ كتاب المغازي باب غزوة الخندق.
  2. ٢هو الأزدي الفراهيدي. -ثقة- روى (ع) من التاسعة مات سنة ٢٢٢هـ. التقريب ٣٣٥.
  3. ٣هو ابن الحجاج بن الورد الواسطي ثم البصري - ثقة حافظ متقن - روى له (ع) من السابعة مات سنة ستين ومائة. التقريب ١٤٥.
  4. ٤أبو إسحاق هو: عمرو بن عبد الله السبيعي بكسر المهملة وكسر الموحدة مكثر ثقة عابد روى له (ع) من الثالثة مات سنة تسع وعشرين ومائة. التقريب ٢٦٠-٢٦١. ا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأُلى قد بغوا علين _________ ا ... إذا أرادوا فتنة أبين _________ ا قال البراء: "ويرفع بها صوته أبينا أبينا" ٣. كما رواه مسلم٤ وأحمد٥ والدارمي٦ والروياني٧ بزيادة (ينقل في زنبيل٨) وأخرجه الخطيب٩ كما أورده الحافظ في عدة مواضع من _________ ١ البراء بن عازب. الصحابي الجليل استصغر يوم بدر، أبو عمارة صحابي ابن صحابي أحاديثه ٣٠٥ توفي بالكوفة سنة ٧٢هـ. ٢ كذا وقع بالشك: بالغين المعجمة فيهما فأما التي بالموحدة فواضح من الغبار، وأما التي بالميم فقال الخطابي إن كانت محفوظة فالمعنى وارى التراب جلدة بطنه. الفتح ٧/٣٩٩. ٣ فيه دليل على تواضعه صلى الله عليه وسلم، وانشراح صدره ومجاراته لأصحابه فيما هو حلال وطيب. ٤ صحيح مسلم ٣/١٤٣٠ باب غزوة الأحزاب وهي الخندق. ٥ مسند الإمام أحمد ٤/٢٨٢/٢٨٥-٢٩١/٣٠٠/٣٠٢/٣٠٣. ٦ سنن الدارمي ٢/٢٢١. ٧ في المسند ١/٢٢٧ رقم (٣١٧) . ٨ الزنبيل: بكسر الزاي أوله وزيادة نون ساكنة وهو مرادف للعرق والمكتل. انظر الفتح ٤/١٦٩، والهدي لابن القيم حيث جاء فيه (والمكتل هو الزنبيل والقفة) ٣/١٧٨. ٩ تاريخ بغداد ١١/٢٨٩
  5. ٥الفتح ٦/٤٦، ١٦٠، ٧/٢٤٧، ٣٩٩، ١١/٥١٥، ١٣/٢٢٢.
  6. *فتح الباري ٧/٣٩٧.
١/١٦١١/١٦١

وهذا الحديث يدل بجلاء على مشاركته صلى الله عليه وسلم لهم وعلى تواضعه وقد جاء عند أحمد ١ عن أم سلمة ٢ - رضي الله عنها- قالت: "ما نسيت قوله يوم الخندق وهو يعاطيهم اللبن وقد أغبر شعر صدره وهو يقول: " اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة". الحديث.

  1. ١مسند الإمام أحمد ٦/٢٨٩.
  2. ٢أم سلمة اسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقد ولدت له سلمة وعمر ودرة وزينب، وتوفي عنها فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة اثنين من الهجرة بعد وقعة بدر وعاشت بعد ذلك ستين سنة، ت سنة اثنتين وستين وقيل قبلها. انظر الاستيعاب ٤/٤٧٢، أسد الغابة ٥/٥٨٨، والعبر للذهبي ١/٤٨.

كما جاء في الرواية الثانية للبراء عند البخاري حيث قال: حدثني أحمد بن عثمان ١ حدثنا شريح بن مسلمة ٢ قال حدثني إبراهيم بن يوسف١ قال حدثني أبي٢ عن أبي إسحاق قال سمعت البراء يحدث قال: "لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه وكان كثير الشعر٣ فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل من التراب يقول: والله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علين الكريم يصدق ذلك قول عائشة - رضي الله عنها - عندما سئلت عن خلقه فقالت: كان خلقه القرآن ٣.

  1. ١أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي أبو عبد الله الكوفي ثقة من الحادية عشرة مات سنة ٢٦١هـ، روى له (خ م س ق) . التقريب ١٥.
  2. ٢شريح بن مسلمة التنوخي الكوفي - صدوق - من قدماء العاشرة مات سنة ٢٢٢هـ، روى له (خ س) التقريب ١٤٥. ا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأُلى قد بغوا علين _________ ا ... إذا أرادوا فتنة أبين _________ ا قال:" ثم يمد صوته بآخرها"٤. هكذا جاء أيضاً في هذه الرواية مباشرته صلى الله عليه وسلم لنقل التراب الناتج من الحفر فلقد كان صلى الله عليه وسلم مدرسة للأخلاق الكريمة الفاضلة المستقاة من القرآن _________ ١ إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي صدوق يهم من السابعة مات سنة ١٩٨هـ، روى له (خ م د ت س) التقريب ٢٤. ٢ يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي وقد ينسب لجده - ثقة - من السابعة مات سنة ١٥٧هـ، روى له (ع) التقريب ٣٨٨. ٣ قال الحافظ: "وليس كذلك فإن صفته صلى الله عليه وسلم أنه كان دقيق المسربة - أي الشعر- الذي في الصدر إلى البطن. قال فيمكن الجمع بأنه كان مع دقته كثيراً أي لم يكن منتشراً بل كان مستطيلاً والله أعلم". فتح الباري ٧/٤٠١. ٤ صحيح البخاري ٥/٤٧، والفتح ٧/٣٩٩.
  3. ٣صحيح مسلم ١/٥١٣، وأبو داود في التطوع ٢٦، والترمذي في السير ٦٩، والنسائي في قيام الليل ٢، وابن ماجه في الأحكام ١٤.
١/١٦٣١/١٦٣

وسيرته صلى الله عليه وسلم مليئة بأمثال ذلك.

لذلك قال ابن هشام: "فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أجمعوا عليه من الأمر ضرب الخندق على المدينة فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيباً للمسلمين في الأجر وعمل معه المسلمون فيه فدأب فيه ودأبوا وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ويتسللون إلى أهلهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن.

أما المسلمون فكانوا لا يستأذنون إلا عند الضرورة فإذا قضوا حاجاتهم رجعوا إلى ما كانوا فيه من عمل رغبة في الخير واحتساباً له وقد أنزل الله في ذلك قرآنا يتلى فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَك... الآية﴾ ٢.

  1. *سورة النور الآية ٦٢.
١/١٦٤١/١٦٤

حيث نزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة في الخير والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ١.

ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون ويذهبون بغير إذن من النبي صلى الله عليه وسلم ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ "٢.

وهذه الآيات عامة ساقها ابن هشام وغيره للاستدلال بها على الفريقين. وعامة في الاستئذان سواء في الحرب أو في السلم وهي في الحقيقة نزلت كما قال ابن كثير ١ في الذين يستأذنون في الخروج من الجمعة وغيرها.

  1. ١تفسير القرآن العظيم ٣/٣٠٦.
  2. *السيرة النبوية ٢/٢١٦.
  3. *سورة النور الآية ٦٣.

الفصل الثالث: الكدية وتغلب المسلمين عليها

١/١٦٧١/١٦٧

والمعجزات التي وقعت في أثناء ذلك إن المصاعب والمشاكل تعترض حتى الأعمال السهلة، وفي أوقات السلم فكيف بعمل شاق ومجهود ضخم وكيف بعمل يكمن فيه درءُ الخطر القادم والمحدق بالمسلمين وبالمدينة التي تؤويهم إلا أن نصر الله لعباده يتجلى عندما ينصروه ﴿... وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ١.

إنه عندما علم المسلمون بتكتل الأحزاب وتهيؤهم للخروج لغزو المدينة بقوة كبيرة عندها فكر المسلمون في خطة الدفاع وهي (الخندق) وكانت ناجحة للغاية. وكانوا يعملون فيه بجد حتى ينتهوا منه قبل وصول العدو، وفعلاً شمروا عن ساعد الجد وبدأو بداية المدافع المستميت ولكن اعترضتهم مشاكل منها - الكدية -. تلك التي جعلتهم يذهبون للرسول صلى الله عليه وسلم ويخبرونه بأمرها - وذلك لأنها استعصت عليهم - ويجيء صلى الله عليه وسلم ويضربها فتعود رملاً سائلاً وقد ورد ذلك عند البخاري حيث قال: حدثنا خلاد بن يحى حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: "أتيت جابراً رضي الله عنه فقال: "إنا يوم الخندق نحفر - فعرضت كدية شديدة ١ - فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم" فقالوا: "هذه كدية عرضت في الخندق" فقال: "أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيباً أهيل أو أهيم" . الحديث ٢.

  1. ١هذه رواية الإسماعيلي عن طريق المحاربي والكدية القطعة الغليظة. انظر هدي الساري ١٧٨.
  2. ٢صحيح البخاري ٥/٤٥ وقد تقدم.
  3. *سورة الحج جزء من الآية ٤٠.
١/١٦٨١/١٦٨

الحديث رواه أيضاً أحمد ١ بزيادة رشوها بالماء - والنسائي ٢ بلفظ مرادف- عرضت لهم صخرة - والبيهقي ٣.

  1. ١مسند الإمام أحمد ٣/٣٠٠- ٣٠١، ٤/٣٠٣.
  2. ٢سنن النسائي ٦/٤٣.
  3. ٣دلائل النبوة ٣/٤٢٣.

وأخرجه البيهقي ١ بسنده عن أيمن المخزومي وفيه قال أيمن المخزومي: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "كنا يوم الخندق نحفر فعرضت كذانة ٢، وهي الجبل" ، الحديث.

  1. ١دلائل النبوة ٣/٤٢٣.
  2. ٢الكذانة ككتانة حجارة رخوة كالمدر واكذوا صاروا فيها و (الكذكذة) الحمرة الشديدة وكذّ خشن. القاموس ١/٣٧١ وهذا التفسير لا يستقيم مع ما هو معلوم من وقوف هذه الصخرة في طريقهم.
١/١٦٩١/١٦٩

وأخرجه كذلك مطولاً من طريق كثير بن عبد الله ١ عن أبيه ٢ عن جده ٣ وفي أوله "خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع فمرت بنا صخرة بيضاء كسرت معاويلنا فأردنا أن نعدل عنها فقلنا حتى نشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلنا إليه سلمان" ٤. الحديث.

  1. ١لعله حصل خطأ في مطبوعة الفتح ٧/٣٩٧ حيث جاء (كثير بن عبد الرحمن) والصواب ابن عبد الله كما في التقريب (٢٨٥) ، التهذيب ٨/٤١٢، وهو ضعيف من السابعة ونسبه بعضهم إلى الكذب. انظر: الميزان ٣/٤٠٦.
  2. ٢هو عبد الله بن عمرو بن عوف بن يزيد المزني - مقبول - من الثالثة التقريب ١٨٣.
  3. ٣عمرو بن عوف بن يزيد بن ملحة بكسر أوله ومهملة أبو عبد الله المزني صحابي مات في ولاية معاوية. روى له (خ ت ر ت ق) . انظر: التقريب ٢٦١، الاستيعاب ٣/٢٧٤.

وهذا الحديث مداره على كثير هذا وهو ضعيف عند الجمهور كما قال الهيثمي وحسن الترمذي حديثه.

وقد أخرج الطبري هذا الحديث بسنده فقال: حدثنا ابن بشار ١ قال ثنا محمد بن خالد بن عثمة ٢ قال ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو عوف المزني قال ثني أبي عن أبيه قال: "خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام ذكرت الأحزاب وفيه فحفرنا تحت دوبار ٣ حتى بلغنا الصرى ٤ أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة ٥ فكسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا يا سلمان أرق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه" ٤ الحديث. قال الحافظ ٦: "ووقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن فعند النسائي ٧ قال في الضربات الثلاث ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ " ٧.

  1. ١هو محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري أبو بكر - بندار - ثقة - من العاشرة. مات سنة ٢٥٢. وله بضع وثمانون سنة. روى له (ع) . التقريب ٢٩١.
  2. ٢محمد بن خالد بن عثمة بمثلثة ساكنة قبلها فتحة ويقال أنها أمه الحنفي البصري صدوق يخطئ من العاشرة. روى له - الأربعة - التقريب ٢٩.
  3. ٣هكذا جاءت العبارة ولعلها محرفة ودوبار لفظة فارسية معناها مرتين. وهذا التفسير أيضا ليس مفهوم ولا يتفق مع النص. جامع البيان ٢١/١٣٤.
  4. ٤لم أقف لها على معنى ولعلها كما قال صاحب اللسان ١٤/٤٥٧ (الماء الذي طال استنقاعه) .
  5. ٥المروة: حجارة بيض براقة - تورى النار - أو هي أصل الحجارة. القاموس ٤/٣٩٢.
  6. ٦فتح الباري ٧/٣٩٧.
  7. ٧سنن النسائي ٦/٤٣.
  8. *فتح الباري ٧/٣٩٨.
  9. *جامع البيان ٢١/١٣٣، تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٥.
  10. *سورة الأنعام الآية ١١٥.
١/١٧١١/١٧١

وهذا إسناد أحمد حيث قال ابنه عبد الله: حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ١ ثنا عوف عن ميمون أبي عبد الله ٢ عن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق" قال: "وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول" قال: "فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال عوف وأحسبه قال: "وضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة. فأخذ المعول فقال: بسم الله فضرب ضربة فكسر الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله أني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا ثم قال: بسم الله فضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله أني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا. ثم قال بسم الله وضرب ضربة أخرى فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله أني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا" ٣. الحديث أما ابن إسحاق فقد قال: "وكان في حفر الخندق أحاديث بلغتني فيها من الله تعالى عبرة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقيق نبوته. عاين ٣ ذلك المسلمون فكان مما بلغني أن جابر بن عبد الله كان يحدث: أنه إشتد عليهم في بعض الخندق كدية فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بإناء من ماء فتفل ٤ فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ثم نضح ٥ ذلك الماء على تلك الكدية. " فيقول من حضرها فوالذي بعثه بالحق نبياً لانهالت٤حتى عادت كالكثيب لا يرد فأساً ولا مسحاة "٥. قال ابن كثير: " هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ٦ وعند أحمد فأخذ المعول أو المسحاة ٧ بالشك وعند الواقدي فأخذ الكرزين ٨. وقد تتابعت المعجزات التي أجراها الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم في أثناء حفر الخندق من ذلك: تكثير طعام جابر رضي الله عنه "، لذلك روى البخاري رحمه الله حيث قال: حدثني عمرو بن علي ٩ حدثنا أبوعاصم أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان ١٠ أخبرنا سعيد بن مينا ٣. قال: " سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "لما حفر الخندق رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصاً٤ شديداً فانكفأت ١١ إلى امرأتي ١٢ فقلت لها هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصاً شديداً.

  1. ١محمد بن جعفر الهذلي مولاهم المدني البصري المعروف - بغندر - ثقة صحيح الكتاب إلا فيه غفلة من التاسعة. مات سنة ٢٤٣هـ (ع) . التقريب ٢٩٣.
  2. ٢هو ميمون أبو عبد الله البصري مولى ابن سمرة ضعيف وقيل اسم أبيه أستاذ وفرق بينهما ابن أبي حاتم من الرابعة سئل عنه يحيى بن سعيد فحمّض وجهه وقال زعم شعبة أنه كان فسلا وقال الأثرم عن أحمد أحاديثه مناكير وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو داود تكلم فيه. التقريب ٣٥٤، التهذيب ٢/٣٩٣.
  3. ٣عاين من المعاينة وهي المشاهدة.
  4. ٤تفل: أي بصق.
  5. ٥النضح: هو الرش.
  6. ٦البداية والنهاية ٤/٩٧.
  7. ٧مسند الإمام أحمد ٣/٣٠٠.
  8. ٨الكرزين: الفأس الكبيرة. القاموس ٤/٦٣.
  9. ٩عمرو بن علي بن حجر بن كنيز بنون وزاي أبو جعفر الفلاس الصيرفي الباهلي البصري ثقة حافظ من العاشرة ت سنة ٢٤٩هـ. روى له (ع) . التقريب ٢٦١.
  10. ١٠حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحي المكي - ثقة حجة - من السادسة. مات سنة ١٥١هـ. روى له (ع) . التقريب ٨٦.
  11. ١١انكفأت رجعت. المصدر السابق ١٨٣.
  12. ١٢اسمها سهلية بنت مسعود. فتح الباري ٧/٣٩٧ ولم أجد لها ترجمة في كتب التراجم الأخرى.
  13. *المسند ٤/٣٠٣، الفتح الرباني ٢١/٧٨.
  14. *انهالت: تفتتت.
  15. *السيرة النبوية ٢/٢١٧.
  16. *سعيد بن مينا مولى البختري بن أبي ذباب الحجازي مكي أو مدني. يكنى أبا الوليد - ثقة - من الثالثة. روى له (خ م د ت ق) . التقريب ١٢٦.
  17. *الخمص هو ضمور البطن من الجوع، ومنه حديث (كالطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً) . أي تغدو بكرة وهي جياع وتروح عشاء وهي ممتلئة الأجواف. النهاية في غريب الحديث ٢/٨٠.
١/١٧٤١/١٧٤

فأخرجتْ إلي جراباً١ فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن ١ فذبحتها وطحنتِ الشعير ففرغتْ إلى فراغي وقطعتها في برمتها ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه" . فجئته فساررته فقلت: "يارسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعاً من شعير كان عندنا فتعال أنت ونفر معك" .

  1. ١داجن أي سمينة وهي التي تترك في البيت ولا تفلت للمرعى ومن شأنها أن تسمن. النهاية ٢/١٠٢.

فصاح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أهل الخندق إن جابراً قد صنع سؤراً٣ فحي هلا بكم فقال صلى الله عليه وسلم لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجئ فجئتُ وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس حتى جئتُ امرأتي فقالت بك وبك ١ فقلتُ قد فعلتُ الذي قلتِ فأخرجت له عجيناً فبصق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ثم قال أدعُ خابزة فلتخبز معي ٢. واقدحي٢من برمتكم ولا تنزلوها وهم ألف فاقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه. وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي وإن عجيننا ليخبزكما هو". الحديث ٣.

  1. ١هذه خصومة تحصل في مثل هذه الحال خوفاً من الفضيحة لقلة الأكل وكثرة الأضياف. قال الحافظ وجاء في رواية يونس: أنه قال فلقيت من الحياء مالا يعلمه إلا الله عز وجل وقلت جاء الخلق على صاع من شعير وعناق فدخلت على امرأتي أقول افتضحت جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق أجمعين فقالت هل كان سألك كم طعامك فقلت: نعم! فقالت: الله ورسوله أعلم ونحن قد أخبرناه بما عندنا فكشفت عني غماً شديداً. فتح الباري ٧/٣٩٨.
  2. ٢كذا في الصحيح ٥/٤٧، الفتح ٧/٣٩٦، وفي البداية والنهاية ٤/٩٨ (فلتخبز معك) وهو الظاهر.
  3. ٣صحيح البخاري ٥/٤٦ باب غزوة الخندق.
  4. *الجراب والجريب مكيال قدر أربعة اقفزة. القاموس ١/٤٥.
  5. *سؤرا: أي طعاماً يدعو إليه الناس. واللفظة فارسية (وهي بالسين وليست بالصاد كما في بعض المصادر) النهاية في غريب الحديث ٢/٤٢٠.
١/١٧٥١/١٧٥

الحديث رواه أيضا مسلم ١ عن سعيد بن مينا بنفس اللفظ والحاكم ٢.

  1. ١صحيح مسلم ٣/١٦١٠ كتاب الأشربة.
  2. ٢المستدرك ٣/٣١.

وعند البخاري من طريق أيمن المخزومي المتقدم وفي آخره (قال كلى هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة) ٦.

وقد أورده ابن تيمية ١ ضمن المعجزات ٢.

  1. ١هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني ثم الدمشقي الحنبلي شيخ الإسلام - تقي الدين -أبو العباس، محدث حافظ مفسر، فقيه. ولد في ربيع الأول ١٢ منه عام ٦٦١هـ. توفي في دمشق في ٢٠ ذو القعدة عام ٧٢٨. من مصنفاته السياسية الشرعية في إصلاح الراعي والرعية وغير ذلك من الكتب القيمة. تذكرة الحفاظ ٤/١٤٩٦، شذرات الذهب ٦/٨٠.
  2. ٢الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/١٩٣.
  3. *القدح بفتح القاف وسكون الدال هو الغرف. القاموس المحيط ١/٢٤٢.
  4. *فتح الباري ٧/٣٩٥.
١/١٧٦١/١٧٦

وفي رواية يونس "كلي وأهدي فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع" .

وفي رواية أبي الزبير عن جابر "فأكلنا نحن وأهدينا لجيراننا فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب ذلك" ١. قال السيوطي ١: "وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي ٢ في الدلائل عن جابر هذا الحديث" .

  1. ١الدر المنثور ٥/١٨٧.
  2. ٢دلائل النبوة ٣/٤٢٢.

ورواه أحمد عن سعيد بن مينا وفيه قال: "فبرك وسمى ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس حتى صدروا أهل الخندق عنها" ٤. أ. هـ.

عدد من أكل من مائدة جابر رضي الله عنه: الرواية التي في الصحيحين أنهم ألف (وهم ألف) ٥.

وفي رواية أبي نعيم في المستخرج: "فأخبرني أنهم كانوا تسعمائة أو ثمانمائة" .

  1. *فتح الباري ٧/٣٩٨.
  2. *مسند الإمام أحمد ٣/٣٠٠.
  3. *صحيح البخاري ٥/٤٧. باب غزوة الخندق.
١/١٧٧١/١٧٧

وفي رواية عبد الواحد بن أيمن عند الإسماعيلي (كانوا ثمانمائة أو ثلاثمائة) .

وفي رواية أبي الزبير (كانوا ثلاثمائة) . قال الحافظ ١: "والحكم للزائد لمزيد علمه لأن القصة متحدة" .

  1. ١فتح الباري ٧/٣١٩.

وفي سياق الحديث عن المعجزات قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن مينا أنه حُدث أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة ١ من تمر في ثوبي ثم قالت: "أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما" قالت: "فأخذتها فانطلقت بها فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبي وخالي" فقال صلى الله عليه وسلم تعالى: "يابنية ما هذا معك؟ " قالت فقلت: "يارسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه" قال: "هاتيه" قالت: "فصببته في كفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملأتهما" . ثم أمر بثوب فبسط له ثم دحا ٢ بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده اصرخ في أهل الخندق أن هلمّ إلى الغداء، فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب ٣.أ. هـ. قال ابن كثير ٤: "هكذا رواه ابن إسحاق وفيه انقطاع" .

  1. ١الحفنة: ملى الكفين من طعام. مختار الصحاح ١٤٥.
  2. ٢دحا الشيء بسطه منه قوله تعالى {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} . مختار الصحاح ٣/٣٠٠.
  3. ٣السيرة النبوية ٢/٢١٨، الروض الأنف ٦/٢٦٥.
  4. ٤البداية والنهاية ٤/٩٩.
١/١٧٨١/١٧٨

لقد تنوعت المعجزات له صلى الله عليه وسلم فبعضها حدث في أثناء حفر الخندق وكانت عاجلة وبعضها حدث كما قال صلى الله عليه وسلم بعد أعوام طويلة من وفاته صلى الله عليه وسلم ولا زلنا نرى الكثير مما قال ونشاهد أعلام نبوته تباعاً لذلك روى الإمام مسلم حديثاً في ذلك وفيه قال: حدثنا ابن المثنى وابن بشار واللفظ لابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي مسلمة ١ قال: سمعت أبا نضرة ٢ يحدث عن أبي سعيد الخدري ٣ قال: "أخبرني من هو خير مني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار ٤ حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه يقول: بؤس ابن سميه تقتلك فئة باغية" ٢ كما رواه الترمذي ٥ والطيالسي ٦.

  1. ١هو سعيد بن يزيد بن مسلمة الازدي أبو سلمة البصري القصير ثقة من الرابعة. روى له (ع) ١٢٧.
  2. ٢المنذر بن مالك بن قطعة بضم القاف وفتح المهملة العبدي العوقي بفتح المهملة والواو ثم قاف البصري أبو نضرة بنون ومعجمة ساكنة مشهور بكنيته - ثقة - من الثالثة. مات سنة ثمان أو تسع ومائة. روى له البخاري تعليقاً ومسلم والأربعة. التقريب ٣٤٧.
  3. ٣هذه كنيته واسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري له ولأبيه صحبة وهو صحابي مشهور. التقريب ١١٩.
  4. ٤هو الصحابي الجليل عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي بنون ساكنة ومهملة أبو اليقظان مولى بني مخزوم من السابقين الأولين بدري قتل بصفين مع على سنة سبع وثلاثين. التقريب ٢٥٠.
  5. ٥سنن الترمذي ٥/٣٣٣. مناقب عمار بن ياسر.
  6. ٦منحة المعبود ٢/١٥٢.
١/١٧٩١/١٧٩

ولقد تحقق ما قاله صلى الله عليه وسلم حيث قتل عمار في صفين مع علي رضي الله عنه ولما قتله أصحاب معاوية رضي الله عنه قال عمرو بن العاص: والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ١.

  1. ١أسد الغابة ٤/٤٧.
  2. *صحيح مسلم ٤/٢٢٣٥. كتاب الفتن وأشراط الساعة.

الفصل الرابع: مكان الخندق وسرعة إنجاز المسلمين لحفره

١/١٨٣١/١٨٣

...

الفصل الرابع: مكان الخندق وسرعة إنجازهم لحفره لقد بدأ المسلمون في حفر الخندق في وقت عصيب - ذلك لأنهم يبادرون قدم العدو. وقد وكل صلى الله عليه وسلم لكل أناس جزءاً من المكان المتفق على حفره وفي ذلك تنشيط لهم ودافع على المسابقة في إكمال ما يلزم كل طائفة علماً بأنه صلى الله عليه وسلم قد وضع يده معهم ليدفعهم ويرغبهم أكثر في ذلك فقد روى الطبراني: عن عمرو بن عوف المزني أن رسول صلى الله عليه وسلم خط الخندق من أحمر السبختين ١ طرف بني حارثة عام حزّب الأحزاب ٢ حتى بلغ المذابح ٣ فقطع لكل - عشرة أربعين ذراعاً واحتج ٤ المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكان رجلاً قوياً فقال المهاجرين: "سلمان منا وقالت الأنصار منا" فقال رسول صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت" . الحديث ٥. قال الهيثمي ٦: "رواه الطبراني وفيه كثير بن عبد الله المزني وقد ضعفه الجمهور وحسن الترمذي حديثه. وقد كذبه الشافعي. وتركه أحمد" . وفي الميزان عن ابن حبان - له عن جده نسخة موضوعة - وقال الشافعي وأبو داود: "هو ركن من أركان الكذب" ٤.

  1. ١كذا في المجمع ٦/١٣٠ -أحمر السبختين- وفي بقية الكتب ورد غير ذلك- ولعله تصحيف فقد جاء عند الطبري في جامع البيان ٢١/١٣٣ - أحمر الشيخين- وفي تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥ أجم الشيخين، وفي دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٠٠ الأجم - السمر- وهذا هو الحق لأن الا جم هي الحصون، وفيه (حتى توارت بآجام المدينة) أي حصونها واحدها أُجُم بضمتين. النهاية في غريب الحديث ١/٢٦.
  2. ٢في الطبري عام -ذكرت الأحزاب- جامع البيان ٢١/١٣٣، وتاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥.
  3. ٣اختلف فيها كثيراً، ولكن التحقيق سيأتي في نهاية هذا الفصل نقلاً عن ياقوت الحموي وغيره.
  4. ٤عند الطبري في التفسير ٢١/١٣٤ -اختلف- وفي التاريخ ٣/٤٥ - (احتق) - وهو الأصح. انظر: لسان العرب ١٠/٤٩.
  5. ٥المعجم الكبير للطبراني ٦/٢٦٠ حديث (٦٠٤٠) وفيه (النسختين) بدل السبختين.
  6. ٦مجمع الزوائد ٦/١٣٠.
١/١٨٤١/١٨٤

وقد أورده ابن جرير الطبري ١ مطولاً ومداره على كثير هذا.

  1. ١جامع البيان ٢١/١٣٣، تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥.

وعلى ذلك فهو ضعيف لضعف كثير إلا أنه يتقوى بما سيأتي من المتابعات والشواهد، مما يدل على أن له أصلاً.

وقد حصل اختلاف بين روايات هذا الحديث مع أن مدارها على واحد. فقد نقل الحافظ حيث قال: وأخرجه البيهقي مطولاً من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده وساق الحديث إلى أن قال: وخط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع -وفيه- فمرت بنا صخرة بيضاء كسرت معاويلنا فأردنا أن نعدل عنها فقلنا: حتى نشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلنا إليه سلمان - وفيه- فضرب ضربة صدع الصخرة وبرق منها برقة وكبر المسلمون - وفيه - رأيناك تكبر فكبرنا بتكبيرك فقال: إن البرقة الأولى اضاءت لها قصور الشام فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم - وفي آخره- ففرح المسلمون واستبشروا ١.

  1. ١فتح الباري ٧/٣٩٧.
  2. *تهذيب التهذيب ٨/٤٢١، سبل السلام ٣/٥٩.
١/١٨٥١/١٨٥

وهذه الرواية سبق في الفتح أنها للطبراني وفيها أن كل أربعين ذراع لعشرة من الناس ١ كذلك أورد ابن كثير هذه الرواية بلفظ "بين كل عشرة أربعين ذراعاً" ٣.

  1. ١مجمع الزوائد ٦/١٣٠.

وفي الدلائل للبيهقي: فلما وكل رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل جانب من الخندق قال المهاجرون يا سلمان احفر معنا. الحديث ١. وليس فيه تحديد الناس والأذرع.

  1. ١دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٠٠.
  2. *البداية والنهاية ٤/٩٩.
١/١٨٦١/١٨٦

ورواه ابن جرير: عن ابن بشار عن محمد بن خالد بن عثمة عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده فذكره - وفيه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعاً. قال واحتق ١ المهاجرون والأنصار في سلمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت" قال عمرو بن عوف فكنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً. الحديث ٢.

  1. ١وهي عند ابن كثير هكذا -ومعناها- اختلفوا وتنازعوا. انظر: البداية والنهاية ٤/٩٩
  2. ٢جامع البيان ٢١/١٣٣-١٣٤، وقد تقدم رجال السند مترجمين في ص ١٦٩.

ولقد حفروا رضي الله عنهم بجد ونشاط وكانت المسافة طويلة وشاقة حيث كان الحفر من طرف بني حارثة - وبنو حارثة- في طرف الحرة الشرقية - إلى المذاد- من طرف بني سلمة بعد جبل بني عبيد من بني سلمة ١.

  1. ١المدينة بين الماضي والحاضر ٣٧٧.

وكان هذا مع ما كان بهم من الجوع وبدائية الأدوات التي كانوا يستخدمونها إلا أن اعتمادهم على الله ثم على قوة إيمانهم به وبرسوله وبمشروعية الدفاع عن الإسلام وعن النفس كل ذلك جعلهم ينجزون ما بدأوا فيه بسرعة فائقة إذا قيس بأعمال الآلات الحديثة اليوم.

١/١٨٧١/١٨٧

أما بالنسبة لتحديد المكان المحفور على ضوء الأدلة فقد قال صاحب المواهب ١ اللدنية: روى الطبراني بسند لا بأس به عن عمرو بن عوف المزني أنه صلى الله عليه وسلم خط الخندق من أحمر الشيخين... وهما أطمان طرف بني حارثة حتى بلغ المذاد ٢.

  1. ١المواهب اللدنية ٢/١٠٢، وهو محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الزرقاني المالكي أبو عبد الله ت ١١٢٢. معجم المؤلفين ١٠/١٢٤.
  2. ٢هذا ما قاله الزرقاني بالنسبة لهذا الحديث - بسند لا بأس به- ولم أطلع على الجزء من مسند الطبراني الذي فيه مسند - عمرو بن عوف-.

ولقد عمل صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة مع المسلمين ليقوي نشاطهم وتزداد رغبتهم كما أنه صلى الله عليه وسلم كان يبادلهم الأهازيج. لأن الشعر والتمثل به مما يزيد في النشاط. وبذلك جرت عادتهم في الحرب وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز ١ لذلك روى البخاري رحمه الله حيث قال: حدثنا عبد الله بن محمد ٢ حدثنا معاوية بن عمرو ٣ حدثنا أبو إسحاق ٤ عن حميد ٥ سمعت أنساً رضي الله عنه يقول: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: اللهم إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة. فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمداً ... على الجهاد ما بقينا أبداً٥ ورواه مسلم من طريق محمد بن حاتم السمين بنفس اللفظ إلا أن فيه تقديماً وتأخيراً٦. قال الحافظ قوله: "فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك" أي أنهم عملوا فيه بأنفسهم لاحتياجهم إلى ذلك لا لمجرد الرغبة في الأجر ٦ أقول: "إنه قد يفهم من كلام الحافظ أن الحاجة وحدها هي التي دفعتهم للعمل ولكنه واضح أن الرغبة في الأجر هي السمة الغالبة في ذلك وأن الحاجة مضافة إلى ذلك خصوصاً أولئك الذين مدحهم الله في أكثر من آية بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١ الآية.

  1. ١نوع من الشعر - وقد جاء في حديث الوليد بن المغيرة حين قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم أنه شاعر فقال: "لقد عرفت الشعر رجزه وهزجه وقريضه فما هو به" والرجز: بحر من بحور الشعر وتسمى قصائده أراجيز واحدها أرجوزه فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر ويسمى قائله راجزاً. النهاية في غريب الحديث ٢/١٩٩.
  2. ٢هو المسندي وترجمته في تهذيب التهذيب ١٠/٢١٥.
  3. ٣هو الأزدي المعنى -بفتح الميم وسكون المهملة- الكوفي أبو عمرو البغدادي، تهذيب التهذيب ١٠/٢١٥.
  4. ٤أبو إسحاق هو - الفزاري واسمه إبراهيم بن محمد بن الحارث- ثقة حافظ من الثامنة روى له (ع) التقريب ٢٢.
  5. ٥هو الطويل أبو عبيدة البصري اختلف في اسم أبيه -ثقة مدلس- من الخامسة- روى له (ع) التقريب ٨٤.
  6. ٦فتح الباري ٥/٣٩٤.
  7. *صحيح البخاري ٥/٤٥ كتاب المغازي باب غزوة الخندق.
  8. *صحيح مسلم ٣/١٤٣٢ كتاب الجهاد والسير.
١/١٨٩١/١٨٩

أما قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إن العيش عيش الآخرة " فقد بين الحافظ سبب هذا القول وهو لما رأى ما بهم من النصب والجوع قال ذلك. قال: "وعند الحارث بن أبي أسامة من مرسل طاوس زيادة في هذا الرجز: والعن عضلاً والقارة ... هم كلفونا ننقل الحجارة ثم قال: "والشطر الأول غير موزون ولعله" كان: "والعن الهي عضلاً والقارة" .

وفي الطريق الثانية لأنس أنه قال ذلك جواباً لقولهم: "نحن الذين بايعوا محمداً" قال: "ولا أثر للتقديم والتأخير فيه لأنه يحمل على أنه كان يقول" إذا قالوا ويقولون إذا قال. قال: "وفيه أن إنشاد الشعر سبب للتنشيط في العمل وبذلك جرت عادتهم في الحرب وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز" . وقال في قوله: "على الجهاد ما بقينا أبداً" في رواية عبد العزيز على الإسلام بدل - الجهاد - والأول اثبت ١. وهذا الحديث ورد في عدة مواضع في صحيح البخاري ٢.

  1. ١فتح الباري ٧/٣٩٤-٣٩٥ كتاب الجهاد - باب غزوة الخندق.
  2. ٢فتح الباري ٦/٤٥ كتاب الجهاد باب التحريض على القتال، ٦/٤٦، ٦/١١٧، ١٣/١٩٢ كتاب الأحكام باب كيف يبايع الإمام الناس.
  3. *سورة الفتح الآية الأخيرة.
١/١٩٠١/١٩٠

أقول: "إن المسلم عليه أن يتأسى برسوله صلى الله عليه وسلم فحينما يرى البذخ الذي فيه بعض الناس والفقر الذي فيه آخرون - يقول - اللهم إن العيش عيش الآخرة. لأنها كلمة ترتفع بالنفس عن الدنيا الفانية وإغراءاتها المذلة" .

وقد جاء عند البخاري من طريق ثانية عن أنس وفيها قال البخاري رحمه الله: حدثنا أبو معمر ١ حدثنا عبد الوارث ٢ عن عبد العزيز ٣ عن أنس رضي الله عنه ٤ قال: "جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم ٥ وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمداً ... على الإسلام ما بقينا أبداً قال: "يقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يجيبهم: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة ... فبارك في الأنصار والمهاجرة. قال: "يؤتون بملئ كفِّى من الشعير فيصنع لهم بإهالة ٦ سنخة ٧ توضع بين يدي القوم والقوم جياع وهي بشعة ٨ في الحلق ولها ريح منتن" ٧... الحديث.

  1. ١عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التميمي أبو معمر المقعد المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف البصري واسم أبي الحجاج ميسرة ثقة ثبت - رمي بالقدر من العاشرة. مات سنة أربع وعشرين ومائتين روى له (ع) التقريب ١٨٣.
  2. ٢هو عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوزي بفتح المثناة وتشديد النون البصري - ثقة ثبت - رمي بالقدر ولم يثبت عنه - من الثامنة مات سنة ثمان ومائة. روى له (ع) . التقريب ٢٢٢.
  3. ٣هو عبد العزيز بن صهيب البناني بموحدة ونونين البصري ثقة من الرابعة مات سنة ثلاثين ومائة روى له (ع) التقريب ٢١٥.
  4. ٤أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم خدمه عشر سنين صحابي مشهور مات سنة اثنتين وقيل ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة. التقريب ٣٩. والاستيعاب ١/١٩٨.
  5. ٥المتن هو الكتف (وقد جاء في رواية أخرى على أكتاف) وفي أخرى على أكتادنا وكلاهما بمعنى واحد) .
  6. ٦الإهالة: بكسر الهمزة وتخفيف الهاء. الدهن مما يؤتدم به وقيل هو ما أذيب من الألية والشحم وقيل الدسم الجامد. النهاية في غريب الحديث ١/٨٤.
  7. ٧السنخة: المتغيرة الريح وذلك لقدمها. النهاية ١/٨٤، وفتح الباري ٧/٣٩٥.
  8. ٨بشعة: كريهة الطعم عند ازدرادها. فتح الباري ٧/٣٩٥.
  9. *فتح الباري ٧/٣٩٢-٣٩٣.
١/١٩٢١/١٩٢

هكذا كان صلى الله عليه وسلم وأصحابه في صراع دائم مع الدنيا وإغراءاتها ولم تجد إليهم سبيلاً بل كانوا على يقين تام بأن الآخرة أحسن وأولى ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ ١. وكانوا يعملون هذه الأعمال المجيدة الشاقة دفاعاً عن هذا الدين الحنيف وهم في حالة صعبة حيث الجوع والبرد القارس ومع ذلك كانت عزائمهم صلبة تكسر الصخور.

ومن أيقن مثلهم بخراب الدنيا وذهابها عمل لعمارة الآخرة ونسي الآلام كلها وتخطى كل العقبات.

وقد روى البخاري حديثاً آخر بمعنى مقارب لما سبق قال فيه: حدثنا قتيبة ١ حدثنا عبد العزيز ٢ عن أبي حازم ٣ عن سهل بن سعد ٤ رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب ٥ على أكتادنا ٦ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار" الحديث ٧.

  1. ١قتيبة بن سعيد بن جميل بفتح الجيم ابن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني وبغلان من قرى بلخ وهي بفتح الموحدة وسكون المعجمة يقال: اسمه يحيى وقيل: علي -ثقة ثبت- من العاشرة مات سنة ٢٤٠هـ عن تسعين سنة (ع) التقريب ٢٨١.
  2. ٢عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي أبو محمد الجهني مولاهم المدني -صدوق- كان يحدث من كتب غيره فيخطئ قال النسائي حديثه عن عبيد الله العمري منكر من الثامنة مات سنة ست أو سبع وثمانين ومائة (ع) التقريب ٢١٦.
  3. ٣سلمة بن دينار أبو حازم الأعرج الأفزر التمار المدني القاضي مولى الأسود بن سفيان -ثقة عابد- من الخامسة مات في خلافة المنصور (ع) التقريب ١٣٠.
  4. ٤سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبو العباس له ولأبيه صحبة مشهور، وهو آخر من مات بالمدينة أحاديثه ١٨٨، الاستيعاب ٢/٢٢٤، وكشف المشكل من حديث الصحيحين ٢/٢٦٦.
  5. ٥فيه دلالة على صغر سن سهل في ذلك الوقت وأنه كان ومن في مثل سنه مخصصين لنقل التراب المحفور.
  6. ٦الكتد بتفح التاء وكسرها مجمع الكتفين وهو الكاهل. النهاية ٤/١٤٩.
  7. ٧صحيح البخاري ٥/٤٥، الفتح ٧/٣٩٢.
  8. *سورة الضحى الآية ٤.
١/١٩٣١/١٩٣

كما رواه مسلم ١ والترمذي ٢ والطبراني ٣: أما الأماكن الواردة في الخندق فقد اختلف فيها كثيراً وقد يذكر البعض ما لا يذكره الآخر كما أنه يحدث في بعض الأحيان تصحيف لبعضها وخاصة المتشابهة في الحروف وسأذكر ما وجدته في كتب المؤرخين وبعد ذلك نستطيع المقارنة والحكم. قال الفيروز أبادي ٤: "فحفر صلى الله عليه وسلم طولاً من أعلى وادي بطحان ٥ غربي الوادي مع الحرة إلى غربي المصلى يوم العيد ثم إلى مسجد الفتح ثم إلى الجبلين الصغيرين غربي الوادي وجعل المسلمون ظهورهم إلى جبل سلع وضرب قبته على موضع مسجد الفتح اليوم ٦ والخندق بينهم وبين المشركين" . أ. هـ.

  1. ١صحيح مسلم ٣/١٤٣٢.
  2. ٢سنن الترمذي ٥/٣٥٦ أبواب المناقب.
  3. ٣المعجم الكبير ٦/٢٠٥.
  4. ٤المغانم المطابة ١٣٤ تحقيق الجاسر.
  5. ٥بطحان بضم فسكون عند المحدثين وحكى أهل اللغة بطحان بفتح أوله وكسر ثانيه وهو: واد بالمدينة وهو أحد أوديتها الثلاثة: العقيق وبطحان وقناة. وقد روى الزبير بن بكار -بطحان على ترعة من ترع الجنة- انظر المغانم المطابة ٥٦، والنهاية في غريب الحديث ١/١٣٦.
  6. ٦مسجد الفتح الذي يسمى حالياً بهذا الاسم يقع على طرف جبل سلع في الشمال الغربي منه مطلاً على مسيل بطحان (أبي جيده) ويبعد عن المدينة بـ ٣ كيلوات المغانم المطابة ٩٥٨، وقد رد هذا - حمود التويجري- حيث قال لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أسس في المدينة مسجداً سوى مسجده ومسجد قباء ومن زعم غير هذا فقوله بعيد من الصحة والذي يظهر أن هذه المساجد كانت من إنشاء المفتونين بالآثار ونسبتها إلى الأكابر ليكون لذلك موقع عند الجهال، مجلة البحوث الإسلامية ٢٧٩-٢٨٠ العدد الخامس محرم - جمادى الآخرة ١٤٠٠. قلت: وبالنظر إلى طبيعة المكان نجد أنه يقع في الجنوب الغربي وليس في الشمال كما قال صاحب المغانم المطابة. والله أعلم.
١/١٩٤١/١٩٤

وقد مر في الحديث الذي رواه كثير بن عبد الله المزني وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق من أحمر (السبختين) وقد ظهر في الكلمة بين قوسين تصحيف وأنها أجم الشيخين كما في الطبري ١ والبيهقي ٢ وعلى ذلك (فاجم الشيخين) الأجم: بضمتين: الحصن ٣ والشيخان تثنية شيخ وهو موضع بالمدينة كان فيه معسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة خرج لقتال المشركين بأحد. وقيل: هما اطمان سميا به لأن شيخاً وشيخة كانا يتحدثان هناك ٤. وقال العياشي: "جاء فيما ساقه السمهودي عن الطبراني ما سماهما فيه باجم الشيخين والبيهقي في دلائل النبوة سماهما - الاجم السمر ٥ - وكل هذا ينطبق على الشيخين الاطمين المذكورين" ٦.

  1. ١تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥.
  2. ٢دلائل النبوة ٣/٤١٩.
  3. ٣القاموس المحيط ٤/٧٣.
  4. ٤معجم البلدان ٣/٣٨٠.
  5. ٥دلائل النبوة ٣/٤١٨.
١/١٩٥١/١٩٥

ومن هنا بدأ مكان حفر الخندق وقد ورد في حديث - كثير - المتقدم خط الخندق من أحمر السبختين طرف بني حارثة وعليه فقد ذكر السمهودي - ضمن المساجد- مسجد بني حارثة وقد ذكر العياشي ١ أن هذا المسجد يقع في طريق المستراح من الغرب أ. هـ.

  1. ١المدينة بين الماضي والحاضر ٣٧٣.
  2. *المدينة بين الماضي والحاضر ٣٧٣.
١/١٩٦١/١٩٦

أقول: "والمستراح موضع معروف اليوم على يسار الذاهب إلى شهداء أحد ويبعد عن المسجد النبوي بحوالي ثلاثة كيلو مترات. وهذا يعني أن مكان الخندق بشكل عام كما يذكره المؤرخون من حرة واقم إلى حرة الوبرة وهما تسميان اليوم (بالشرقية والغربية) " .

لذلك قال العياشي ١: "من هنا بدأ خط الخندق - وذلك حينما ذكر الاجم السمر- أو الشيخين - طرف بني حارثة التي عند القلعة التي تتوسط طريق الشهداء حتى تنتهي إلى المذاد من طرف بني سلمة أ. هـ. أما (المذاد) فقد حصل فيها اختلاف أيضا فقد ورد عند الهيثمي ٢ (المداحج) بالدال المهملة وعند الطبري ٣ وياقوت ٤ أنها المذاد وقال ياقوت: هو بالفتح وأخره دال مهملة وهو اسم المكان من ذاده يذوده إذا طرده" قال ابن الأعرابي: "المذاد والمزاد بالزاي المعجمة - المرتفع موضع بالمدينة حيث حفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق. وقيل: هو واد بين سلع وخندق المدينة. قال كعب بن مالك: من سره ضرب يرعبل بعضه ... بعضاً كمعمعة الإباء المحرق فليات مأسدة تسل سيوفها ... بين المذاد وبين جزع الخندق أ. هـ. ١ وعليه فالمذاد ورد ذكره في هذا البيت كما ترى مما يدل على شهرته عندهم أما المداحج فلم أقف لها على ذكر في المصادر التي رجعت إليها ولعل فيها تصحيفاً.

  1. ١المدينة بين الماضي والحاضر ٣٧٧.
  2. ٢مجمع الزوائد ٦/١٣٠.
  3. ٣جامع اليبان ٢١/١٣٣ تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٥.
  4. ٤معجم البلدان ٥/٨٨، النهاية في غريب الحديث ٤/٣١١.
١/١٩٧١/١٩٧

وهناك موضعان ورد ذكرهما في الخندق وهما - الندى، الصرى٢- ولم أجد لهما ذكراً في معالم المدينة إلا أن هناك ذكراً لما يشابه الصرى حيث قال ياقوت: صرار، بكسر أوله وآخره مثل ثانيه وهي الأماكن المرتفعة التي لا يعلوها الماء يقال لها صرار، وصرار: اسم جبل وقيل موضع على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق قاله الخطابي. أهـ ١.

  1. ١معجم البلدان ٣/٣٩٨.

أما بالنسبة للندى، ومع إني لم أجد لها ذكراً في المواقع إلا أني وجدت في دلائل النبوة للبيهقي ما قد يوضح هذا الالتباس، وإن لم يوضحه فهو لا يخلو من فائدة، وعليه فقد روى اليبهقي من طريق كثير ابن عبد الله المزني حديثاً، وفيه قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان وحذيفة بن اليمان والنعمان بن مقرن وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً فحفرنا حتى بلغنا الثّديّ١ أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدّورة ١. الحديث.

  1. ١دلائل النبوة ٣/٤١٩.
  2. *معجم البلدان ٥/٨٨، والنهاية في غريب الحديث ٤/٣١١.
  3. *جامع البيان ٢١/١٣٤، تاريخ الأمم والملوك فيه - الندى- وليس فيه الصرى ٣/٤٥.
١/١٩٨١/١٩٨

وعلى ذلك فهذه الكلمة - الثدى- محتملة لما يأتي: ١- أنهم حفروا إلى ما يبلغ الثدى وفي هذا دلالة على عمق الخندق.

٢- ويحتمل أنها الثرى -بالثاء المعجمة والراء المهملة- ويكون فيها تصحيف.

والثرى بمعنى الندى ١، وتكون الندى لا تصحيف فيها. وهذا يدل على أنه ليس هناك مكان معروف يسمى الندى، وإنما الندى هو الجود وهو المطر والبلل ٢، ويطلق على قطرات الماء التي تصبح على أوراق الأشجار. ولذلك قال الطبري والصرى هو الماء ٣.

  1. ١القاموس المحيط ٤/٣٩٤.
  2. ٢مختار الصحاح ٦٥٣.
  3. ٣جامع البيان ٢١/١٣٤.
  4. *وهذا العمق قد يكون أكثر من متر لأن طول الرجل المتوسط متر ونصف فأكثر.
١/١٩٩١/١٩٩

وكان الخندق بسطة ونحوها وكان سلع الجبل خلف ظهورهم، والخندق من المذاد ١ إلى ذباب ٢ إلى راتج ٣.

  1. ١هو المذاد: بالذال أخت الدال وهذا بدليل ما جاء في شعر كعب بن مالك وقد مر في هذا البحث في صفحة ١٩٧.
  2. ٢ذباب: قال ياقوت ذكره الحازمي بكسر أوله وباءين جبل بالمدينة له ذكر في المغازي والأخبار معجم البلدان ٣/٣.
  3. ٣راتج: بعد الألف تاء مثناه من فوق مكسورة وجيم: اطم من آطام بالمدينة وتسمى الناحية به. معجم البلدان ٣/١٢.

وكان قد عمل فيه صلى الله عليه وسلم، وأصحابه -رضي الله عنهم- مستعجلين. ثم قال في الهامش تعليقاً على هذه الأماكن: المزاد: هو أطم لبني حرام غربي مساجد الفتح، وذباب: كغراب اسم جبل بالمدينة، وراتج: اسم أطم أيضاً. أهـ ١. قال ابن سعد: "ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، وكل بكل جانب منه قوماً وكان المهاجرون من ناحية راتج إلى ذباب وكانت الأنصار من ذباب إلى جبل بني عبيد وكان سائر المدينة مشبكاً بالبنيان، فهي كالحصن وخندقت بنو عبد الأشهل عليها مما يلي راتج إلى خلفها حتى جاء الخندق من وراء المسجد، وخندقت بنو دينار من عند جربا إلى موضع دار ابن أبي الجنوب اليوم "١.

  1. ١شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد ١/١٩٩- ٢٠٠.
١/٢٠٠١/٢٠٠

ويستنتج من هذا وذاك أن أقصى نقطة من الشرق بالنسبة للخندق هي راتج، وآخر نقطة من الغرب جبل بني عبيد، وفيما بينهما جرى الحفر.

أما المدة التي استغرقوها في أثناء الحفر ففيها أقوال: ١- قول ابن سعد "وفرغوا من حفره في ستة أيام، ورفع المسلمون النساء والصبيان في الآطام "٢.

٢ - وقول القسطلاني: "وقد وقع عند موسى بن عقبة أنهم أقاموا في عمل الخندق قريباً من عشرين ليلة، وعند الواقدي أربعاً وعشرين ليلة. وعند النووي في الروضة خمسة عشر يوماً. وعند ابن القيم في الهدي النبوي شهراً ". أهـ ١.

  1. ١المواهب اللدانية ١/١١٢.
  2. *الطبقات الكبرى ٢/٦٦- ٦٧.
  3. *المصدر السابق ٢/٦٧.
١/٢٠١١/٢٠١

٣ - وقول السمهودي: "وما تقدم من فراغ الخندق في ستة أيام هو المعروف لكن قال الحافظ ابن حجر إن في مغازي ابن عقبة: أنهم أقاموا في عمله قريباً من عشرين ليلة ثم ساق الكلام كما ساقه القسطلاني ثم عقب قائلاً: "والذي في الهدي - وأقام المشركون شهراً- أي يحاصرون. وكذا ما قاله في الروضة إنما هو في الحصار وكذا ابن عقبة إنما ذكر ذلك في الحصار" ثم قال: "لكن نقل ابن سيد الناس عن ابن سعد أن المدة في عمل الخندق ستة أيام ثم قال وغيره يقول بضع عشرة ليلة، وقيل أربعاً وعشرين" ٢. قال القسطلاني: "ولست بواثق من هذا التعقيب فإن الحافظ نقل أولاً عن ابن عقبة أن مدة الحصار عشرون يوماً ثم بعد قليل ذكر هذا الخلاف في مدة الحفر وتوهيم مثله لا ينبغي" ٣.

  1. *وفاء الوفاء ٤/١٢٠٨- ١٢٠٩، وذكره الحافظ في الفتح ٧/٣٩٤.
  2. *المواهب اللدانية ١/١١٠.
١/٢٠٢١/٢٠٢

٤- قول المقريزي: "إنهم فرغوا من حفره في ستة أيام" ١.

٥- قول ابن الجوزي: "إن مدة الحصار كانت بضع عشرة ليلة، وقيل أربعاً وعشرين ليلة ثم قال: وفرغوا من حفره في ستة أيام" ٢.

ومن المعاصرين: ٦- محمد محمد أبو شهبة: "أثبت أنهم أتموا حفر الخندق في خلال ستة أيام" ٣.

٧- أما عماد الدين خليل فقال: "وكان لتقسيم العمل وإسهام الرسول صلى الله عليه وسلم فيه إلى جانب أصحابه، والإيمان العميق الذي كان يدفع المسلمين إلى بذل كل طاقاتهم لإنجاز الخطة الدفاعية وشعورهم بعظم الخطر المحدق إن هوجمت المدينة قبل أن ينجز حفر الخندق. فضلاً عن تأميل الرسول صلى الله عليه وسلم جنده بالنصر القريب في الأرض والأجر العريض في السماء.

  1. *الإمتاع ١/٢١٦.
  2. *الوفاء بأحوال المصطفى ٦٩٣، التلقيح ٥٩.
  3. *السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ٢/٢٢٩.
١/٢٠٣١/٢٠٣

وكان لهذه الأمور جميعاً الأثر الحاسم في تمكين المسلمين من حفر الخندق الذي يمتد "اثنا عشر ألف ذراع" ١. في ستة أيام قبل أن يدهمهم الأعداء.

  1. *هذه المسافة تقدر بستة كيلوات.

المبحث الأول: عدد جيش المشركين، وبيان قواده

١/٢٠٩١/٢٠٩

...

بعد أن اجتمع الوفد اليهودي بقيادة زعيمهم الحاقد حيي بن أخطب بقواد قريش وزعمائها، وبعد أن رجعوا فرحين بما جاء به ذلك الوفد المشؤوم الذي كشف الله أمره، ولعنه حيث قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ ١ الآية.

بعد ذلك كله اجتمع زعماء قريش في دار الندوة ١ للمشاورة وخرجوا بقرار نهائي هو الموافقة على ما أراده اليهود منهم وقد صادف هوى في نفوسهم ألا وهو استئصال الإسلام والقضاء على حامليه كما كانوا يعتقدون ذلك؛ لأن نظرتهم كانت تغتر بالعدد الكبير الذي حشدوه إلى أرض المعركة، ونسوا أن النصر من عند الله، وأنه هو الذي نصر المؤمنين مع قلتهم في بدرٍ وغيرها. تجاهلوا ذلك كله وكان يراودهم أمل متعلق بالكثرة الكاثرة التي ذهب اليهود من أجلها إلى غطفان وبقية القبائل المعادية للإسلام في ذلك الوقت.

  1. ١دار الندوة: مكان بمكة أحدثه قصي بن كلاب بن مرة لما تملك مكة، وهي دار كانوا يجتمعون فيها للمشاورة، واللفظة مأخوذة من لفظ الندى والنادي والمنتدى، وهو مجلس القوم الذي يندون حوله أي يذهبون قريباً منه ثم يرجعون هذا ما قاله ياقوت. معجم البلدان ٢/٤١٣، أما ابن دريد فقال: "أن قصياً أول من بنى الكعبة بعد بناء تبع، وبني دار الندوة، وهي الدار التي كانت قريش تجتمع فيها عند النوائب في الحرب أو غيرها. الاشتقاق ١٥٥"، وقال الحلبي: "دار الندوة من جهة الحِجر وكان لها باب إلى المسجد أعدت للاجتماع"، السيرة الحلبية ٢/٢٢٢.
  2. *سورة النساء الآيتين ٥٢- ٥٣.
١/٢١٠١/٢١٠

ولكنهم كما قال الله تعالى: ﴿... وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ١.

وهم مع ذلك لا يعلمون أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿...كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ...﴾ ٢ الآية. قال ابن إسحاق: "ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة ١ بين الجرف وزغابة ٢ في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة، وأهل تهامة وأقبلت غطفان، ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي ٣ إلى جانب أحد"٤، أهـ.

  1. ١رومة: بضم الراء وسكون الواو: أرض بالمدينة بين الجرف وزغابة نزلها المشركون عام الخندق. وبهذا يعرف التصحيف الذي ورد عند الطبري في تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٦، حيث قال بمجتمع الأسيال من دومة: بالدال. وقلت لعله تصحيف لأن الدومة بالعالية قرب بني قريظة، وإلى جانبها الدويمة مصغراً أما رومة فهي العرصة الكبرى التي تلتقي بالجرف وكلاهما في آخر العقيق. قال ذلك الفيروزآبادي والسمهودي. المغانم المطابة ١٧١، وفاء الوفاء ٤/١٢٢٧، ومعجم البلدان لياقوت ٣/١٠٤.
  2. ٢زغابة: قال ياقوت بالفتح في الأول وبعد الألف باء موحدة قال ابن إسحاق: "ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف ..." الخ. قال ورواه أبو عبد البكري الأندلسي زغابة بضم الزاي وعين مهملة وذكره الطبري فقال بين الجرف والغابة واختار هذه الرواية، وقال لأن زغابة لا تعرف. وليس الأمر كذلك فإنه قد روي في الحديث المسند أنه عليه الصلاة والسلام قال في ناقة أهداها إليه أعرابي فكافأه بست بكرات فلم يرض فقال عليه الصلاة والسلام ألا تعجبون لهذا الأعرابي أهدي إلي ناقتي أعرفها بعينها ذهبت مني يوم زغابة، وقد كافأته بست فسخط الحديث، وقد جاء ذكر زغابة في حديث آخر فكيف لا يكون معروفاً؟ فالا عرف إذا عندنا زغابة بالغين المعجمة. أ. هـ. كلام ياقوت في معجم البلدان ٣/١٤١-١٤٢. وقد وافقه الفيروزآبادي في القاموس ١/٧٩.
  3. ٣نقمي: بالتحريك والقصر: موضع من أعراض المدينة كان لآل أبي طالب، قال ابن إسحاق، وأقبلت غطفان يوم الخندق، ومن تبعها من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد أ. هـ. كلام ياقوت في معجم البلدان ٥/٣٠٠، وكذا في القاموس ٤/١٨٣، والمغانم المطابة ٤١٤كلاهما للفيروزآبادي.
  4. *سورة الأنفال الآية ٣٠.
  5. *سورة البقرة الآية ٢٤٩.
  6. *السيرة النبوية ٢/٢١٥، والروض الآنف ٣/٢٦١.
١/٢١٢١/٢١٢

أما ابن سعد فقد قال في سياق حديثه عن الخندق: أخبرنا أبو الوليد الطيالسي ١ أخبرنا أبو عوانة ٢ عن أبي بشر ٣ عن سعيد بن جبير قال كان يوم الخندق بالمدينة قال فجاء أبو سفيان بن حرب ومن معه من قريش ومن تبعه من كنانة ... وعيينة بن حصن ومن تبعه من غطفان. وطليحة ومن تبعه من بني أسد وأبو الأعور السلمي ومن تبعه من بني سليم ٤ والأثر موقوف على سعيد بن جبير: "ورجال السند ثقات" .

  1. ١أبو الوليد الطيالسي هو هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم البصري ثقة ثبت من التاسعة مات سنة سبع وعشرين ومائتين وله أربع وتسعون سنة روى له (ع) . التقريب ٣٦٤.
  2. ٢أبو عوانة ... هو وضاح بتشديد المعجمة ثم مهملة بن عبد الله اليشكري الواسطي البزاز مشهور بالكنية - ثقة ثبت- من السابعة مات سنة خمس أو ست وسبعين (بعد المائة) روى له (ع) التقريب ٣٦٩.
  3. ٣أبو بشر هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وتثقيل التحتانية - ثقة - من أثبت الناس في سعيد بن جبير ضعفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد من الخامسة مات سنة خمس وقيل سنة ست وعشرين (بعد المائة) روى له (ع) التقريب ٥٥.
  4. ٤الطبقات الكبرى ٢/٧١.

وقد ذكر ابن سعد أن زعماء قريش دخلوا دار الندوة وعقدوا اللواء فيها وحمله عثمان ١ بن طلحة بن أبي طلحة، وذلك بعد أن ساق سنده الطويل، وفيه قال: قالوا ٢: "لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير ساروا إلى خيبر فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة فألبوا قريشاً ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاهدوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعداً ثم خرجوا من عندهم حتى أتوا غطفان وسليماً ففارقوهم على مثل ما اتفقوا عليه مع قريش" . قال ابن سعد: "عندئذ تجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب فكانوا أربعة آلاف وعقدوا اللواء في دار الندوة، وحمله عثمان بن طلحة ابن أبي طلحة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وكان معم ألف وخمسمائة بعير قال: " وخرجوا يقودهم أبو سفيان بن حرب بن أمية"٣، ووافقهم بنو سليم بمر الظهران وهم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس " أهـ. كلام ابن سعد ٣.

  1. ١عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية مع خالد بن الوليد فلقيا عمرو بن العاص قد أتى من عند النجاشي يريد الهجرة فاصطحبوا حتى قدموا المدينة وقال صلى الله عليه وسلم حين رآهم (ألقت إليكم مكة أفلاذ كبدها) يعني أنهم وجوه أهل مكة. أسد الغابة ٣/٢٧٣.
  2. ٢أي السند المتقدم في أول الكتاب وهذه طريقته يقدم السند في أول الكتاب ثم يعيد لضمير إليه ويقول قالوا.
  3. ٣الطبقات الكبرى ٢/٥.
  4. *أبو سفيان هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي صحابي مشهور أسلم عام الفتح مات سنة اثنتين وثلاثين وقيل بعدها. انظر الاستيعاب ٤/٢٤٠، والتقريب ١٥١.
١/٢١٤١/٢١٤

وقد ذكر ذلك ابن إسحاق ١، إلا أنه لم يذكر عدد جيش قريش ولكنه ذكر العدد الإجمالي لجيش الأحزاب وتابعه على ذلك ابن كثير ٢.

  1. ١السيرة النبوية ٢/٢١٥.
  2. ٢البداية والنهاية ٤/٩٥.

أما الطبري فقد ساق حديثاً من طريق ابن إسحاق قال: "ثنى يزيد بن رومان في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا...﴾ ٤ الآية. والجنود قريش وغطفان وبنو قريظة ... الخ"٥.

ثم ساق حديثاً آخر طويلاً من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة وعن محمد بن كعب القرظي وعن عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم ١ وفيه: "فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة ومسعود بن رخيلة ٢ الأشجعي فيمن تابعه من قومه من أشجع. فلما سمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم، وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة ٣، في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد" ٣. قال ابن القيم: "خرجت قريش وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف ووافاهم بنو سليم بمر الظهران وخرجت بنو أسد وفزارة وأشجع وبنو مرة وجاءت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن وكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف" ١.

  1. ١تقدمت تراجمهم في ص ٤٧.
  2. ٢هكذا ورد اسمه في طبقات ابن سعد ٢/٦٦، وتاريخ الأمم والملوك للطبري٢/٤٤، الاستيعاب لأبي عمر ٣/٤٤٨، وأسد الغابة ٤/٣٥٧، والأمتاع للمقريزي ١/٢٣٠، والإصابة لابن حجر ٣/٤١٠ كل هذه المراجع تذكر بأن اسمه مسعود بن رخيلة بضم الراء وفتح الخاء المعجمة مصغراً وفي السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢١٥، وجوامع السيرة لابن حزم (١٨٦) (مسعر) وكذا الطبري في جامع البيان ٢١/١٣٠.
  3. ٣الجرف: بالضم ثم السكون موضع على ثلاثة أميال من المدينة من جهة الشام كانت به أموال لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قالوا والذي سماه بهذا الاسم هو تبع مر به فقال هذا جرف الأرض، وكان يسمي قبل ذلك العرض بكسر العين. انظر معجم البلدان ٢/١٢٨، والمغانم المطابة ٨٨/٨٩.
  4. *سورة الأحزاب الآية ٩.
  5. *جامع البيان ٢١/١٢٩ وقد تقدمت تراجم رجال السند.
  6. *جامع البيان ٢١/١٢٩-١٣٠.
١/٢١٦١/٢١٦

أما الطبري فقد قال: "فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على بني فزارة والحارث بن عوف المري على بني مرة ومسعود بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من أشجع ... الخ" ٢. وقد تابعه في هذا ابن حزم ١، وابن الأثير ٤، والقرطبي ٢.

  1. ١جوامع السيرة ١٨٦.
  2. ٢الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٢٨.
  3. *زاد المعاد ٣/٢٧١.
  4. *تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٤.
  5. *الكامل ٢/١٢٢.
١/٢١٧١/٢١٧

عقب ذلك قال السيوطي: "وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن ابن عباس قال أنزل الله في شأن الخندق وذكر نعمه عليهم وكفايته إياهم عدوهم بعد سوء الظن ومقالة من تكلم من أهل النفاق ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ ١ الآية. وكانت الجنود التي أتت المسلمين أسداً وغطفان وسليماً ... الخ" ٢.

كما ذكر ابن الجوزي ١: "أن عدد قريش كان أربعة آلاف رجل قادوا معهم ثلاثمائة فرس ومائة وخمسين بعيراً، وبنو سليم كانوا سبعمائة، وفزارة كانوا ألف رجل، وأشجع كانوا أربعمائة رجل، وبنو مرة كانوا أربعمائة" ٤ ... وبه قال المقريزي ٢. أخيراً قال الحافظ ابن حجر، ذكر موسى بن عقبة في المغازي قال: "خرج حيي بن أخطب بعد قتل بني النضير ٣ إلى مكة يحرض ٤ قريشاً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان، ويحضهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لهم نصف تمر خيبر فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل إليهم طليحة بن خويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش فنزلوا بمر الظهران فجاء من أجابهم من بني سليم مدداً لهم فصاروا في جمع عظيم فهم الذين سماهم الله - الأحزاب - وذكر ابن إسحاق بأسانيده أن عدتهم عشرة آلاف ٥.

  1. ١هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر القرشي التيمي البكري البغدادي المعروف بابن الجوزي جمال الدين أبو الفرج. توفي سنة ٥٩٧هـ. تذكرة الحفاظ ٣/١٣٤٢، ومعجم المؤلفين ٥/١٥٧.
  2. ٢إمتاع الأسماع ١/٢١٨-٢١٩.
  3. ٣هذا وهم أو سبق قلم - ذكر قتل بني النضير- والواقع بخلاف ذلك. حيث بين الله في كتابه الكريم أنه أخرجهم من درياهم، ولم يذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قتل أحداً منهم حيث قال سبحانه: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ} الخ الآية من سورة الحشر رقم (٢) . أما قصة إخراجهم وسببها فقد ذكره أصحاب المغازي والسير والتفاسير من ذلك السيرة النبوية ٢/١٩٠.
  4. ٤حرض تحرضياً: حثه، القاموس المحيط ٢/٣٢٧.
  5. ٥فتح الباري ٧/٣٩٣.
  6. *سورة الأحزاب الآية ٩.
  7. *الدر المنثور ٥/١٨٦.
  8. *الوفاء بأخبار المصطفى ٦٩٢.
١/٢١٨١/٢١٨

نبذة عن القواد الخمسة المشاركين في هذه الغزوة ومتى كان إسلامهم:

١/٢١٩١/٢١٩

أسلم يوم الفتح وشارك مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين والطائف بعد أن شارك في قتاله صلى الله عليه وسلم كثيراً. وقد ولد قبل الفيل بعشر سنين، وقد أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم من غنائم حنين مائة بعير وأربعين أوقية كما أعطى المؤلفة قلوبهم، وأعطى ابنيه يزيد ومعاوية فقال له أبو سفيان: "والله إنك لكريم فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فلنعم المحارب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت جزاك الله خيراً" ، تولى على نجران في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى مكة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وسكنها مدة ثم عاد إلى المدينة فمات بها سنة إحدى وثلاثين، وقيل اثنتين وثلاثين، وقيل أربع وثلاثين، وقيل كان عمره ثمان وثمانين، وقيل ثلاثاً وتسعين سنة ١.

  1. ١أسد الغابة ٣/١٢.

٢- أما عيينة بن حصن، كنيته أبو مالك فكان من الجفاة الغلاظ وكان اسمه حذيفة، وسمي عيينة لشتر كان بعينه، أسلم ثم ارتد، وآمن بطليحة حين تنبأ، وأخذه خالد بن الوليد أسيراً فأتي به أبا بكر -رضي الله عنه-، فمن عليه وروي أنه دخل المدينة مجموعة يداه إلى عنقه جعل الغلمان يطعنونه بأيديهم في بطنه وخاصرته، ويقولون أي عدو الله ارتددت عن الإسلام فيقول، والله ما كنت آمنت قط ١، ولم يزل مظهراً الإسلام على جفوته حتى مات وهو عم الحر بن قيس، وكان الحر رجلاً صالحاً من أهل القرآن، وكان عيينة أيضاً من المؤلفة قلوبهم، وهو الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم الأحمق المطاع لأنه كان في الجاهلية من الجرارين ٢ يقود عشرة آلاف قناة ٣.

  1. ١البداية والنهاية ٦/٣١٨، وأسد الغابة ٤/١٦٧.
  2. ٢انفرد بها ابن الأثير ولم ادر معناها رغم بحثي في كتب الغريب ولعله كما قالت الخنساء: ترثي أخاها صخراً حمال ألوية شهاد أندية للجيش جرار.
  3. ٣أسد الغابة ٤/١٦٧، والسيرة النبوية ٢/٢١٥. والقناة: الرمح.
١/٢٢٠١/٢٢٠

وقد أسلم، ولم يذكر متى كان ذلك، وإنما قالوا ١ قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم وبعث معه رجلاً من الأنصار إلى قومه ليسلموا فقتلوا الأنصاري، ولم يستطع الحارث أن يمنع عنه وهو صاحب الحمالة في حرب داحس والغبراء ٢، وأحد رؤوس الأحزاب يوم الخندق، وقد استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على قومه بني مرة. انتهى. قال ابن سعد: "وقد روى الزهري أن الحارث رجع ببني مرة فلم يشهد الخندق منهم أحد قال والأول أثبت أي أنهم - شهدوا الخندق مع الحارث بن عوف" ٢-. وعلى كلٍ فقد كان الحارث أحسن قواد الكفار، وأرجحهم عقلاً، وأقلهم حقداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلم وحسن إسلامه، وعد من الصحابة الكرام.

  1. ١أي المؤرخين مثل ابن الأثير في أسد الغابة ١/٣٤٢، وابن حجر في الإصابة ١/٢٨٦، وقد قال البيهقي في الدلائل ٣/٣٩٩ - فزعموا أن الحارث بن عوف أخا بني مرة قال لعيينة بن بدر وغطفان ياقومي أطيعوني ودعوا قتال هذا الرجل وخلوا بينه وبين عدوه من العرب فغلب عليهم الشيطان وقطع أعناقهم الطمع فانقادوا لأمر عيينة بن بدر أ. هـ.
  2. ٢المعارف لابن قتية ٦١.
١/٢٢١١/٢٢١

هو سفيان بن عمرو، وهو مشهور بكنيته، ولا يعلم متى أسلم كذا قال الحلبي ١: "ولكنه شارك في القتال مع معاوية -رضي الله عنه- ضد علي -رضي الله عنه- يوم صفين ٢. وأنه كان على مقدمة جيش معاوية ذلك اليوم" أ: هـ.

  1. ١السيرة الحلبية ٢/٦٣١.
  2. ٢البداية والنهاية ٧/٢٦١.
  3. *طبقات ابن سعد ٢/٦٦.
١/٢٢٢١/٢٢٢

هو مسعود بن رخلية بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع الأشجعي كان قائد أشجع يوم الأحزاب مع المشركين، أسلم فحسن إسلامه، ذكر ذلك أبو جعفر الطبري ١.

  1. ١انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٤٤٨، وأسد الغابة لابن الأثير ٤/٣٥٧، والإصابة ٣/٤١٠.

طليحة هذا كان أحد القواد لجيش الأحزاب حيث كان على رأس قومه بني أسد الذين جاءوا مساعدين لغطفان كما قيل.

وعلى كلٍ فقد تنبأ طليحة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسل إليه أبو بكر -رضي الله عنه- خالداً - رضي الله عنه-، وقد انضم إلى طليحة كثير من القبائل منهم عيينة بن حصن في سبعمائة من قومه بني فزارة ثم انهزم الناس عن طليحة فلما جاء المسلمون ركب على فرس قد أعدها له وأركب زوجته النوار على بعير له ثم انهزم بها إلى الشام وتفرق جمعه ١.

  1. ١طبقات ابن سعد ٢/٦٦، البداية والنهاية ٦/٣١٨.

وقد قال ابن كثير: "إن طليحة ارتد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد عاد إلى الإسلام، وحسن إسلامه وشهد القتال مع خالد في بقية أيامه.

١/٢٢٣١/٢٢٣

وقد سأل خالد - رضي الله عنه- بعض أصحاب طليحة ممن أسلموا عن الوحي الذي أخبرهم به فقال: إنه كان يقول: الحمام واليمام والصرد والصوام قد صمن قبلكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق والشام، إلى غير ذلك من الخرافات"١...

وأسلم طليحة إسلاماً صحيحاً، وله في قتال الفرس في القادسية بلاءٌ حسنٌ، وقد أوصى عمر - رضي الله عنه- النعمان بن مقرن أن يستعين في حربه بطليحة وعمرو بن معدي كرب، وأن يستشيرهما في الحرب ولا يوليهما من الأمر شيئاً٢.

والخلاصة أن عدد جيش الكفار كان عشرة آلاف، وهو العدد الإجمالي الذي ذكره ابن إسحاق وغير واحد.

  1. *البداية والنهاية ٦/٣١٨، السيرة الحلبية ٢/٦٣١.
  2. *أسد الغابة ٣/٦٦.

المبحث الثاني: عدد جيش المسلمين

١/٢٢٤١/٢٢٤

جيش المسلمين هو ذلك الجيش الذي ضحى بالغالي والنفيس في سبيل الله في سبيل الدفاع عن هذا الدين الحنيف دين الله الذي قال فيه سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١. هذا الجيش رغم قلة عدده وعدته فقد كان كثيراً قوياً بإيمانه وبعقيدته. وقد حصل في تقدير هذا الجيش خلاف على النحو التالي: ١- قال ابن إسحاق: "وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين" أ. هـ ١. وتابعه في ذلك ابن سعد ٢ والطبري ٣ والبيهقي ٤ وابن عبد البر ٥ وابن الأثير ٦ وابن سيد الناس ٧ وابن كثير ٨ وذكره الديار بكري ٩ كما ذكره صاحب المواهب اللدنية ١٠.

  1. ١السيرة النبوية ٢/٢٢٠ والروض الآنف ٣/٢٦١.
  2. ٢الطبقات الكبرى ٢/٦٦.
  3. ٣جامع البيان ٢١/١٣٠.
  4. ٤دلائل النبوة ٣/٤٥٢.
  5. ٥الدرر في اختصار المغازي والسير ١٨١.
  6. ٦الكامل في التاريخ ٢/١٢٣.
  7. ٧عيون الأثر ٢/٥٧.
  8. ٨البداية والنهاية ٤/١٠٢.
  9. ٩تاريخ الخميس ١/٤٨٠.
  10. ١٠المواهب اللدنية ٢/١١٠.
  11. *سورة آل عمران الآية ٨٥.
١/٢٢٥١/٢٢٥

٢- قال ابن حزم: "وقد قيل تسعمائة فقط قال: وهو الصحيح الذي لا شك فيه" ٢.

٣- قال الديار بكري ١: "بعد أن ذكر أن عدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف قال وقيل: كان المسلمون ألفاً. هكذا بصيغة التمريض" ٤. قلت: "ولعل القائل بذلك ذهب إلى ما ورد في حديث جابر حيث قال: في سياق الحديث الذي فيه القصة التي أضاف ٢ فيها جابر النبي صلى الله عليه وسلم على عناق وصاع من شعير ... وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم بأهل الخندق كلهم إلى أن قال ... وهم ألف" ٦. ولا يجزم بهذا أن عدد المسلمين كانوا ألفاً على ضوء هذا، وإنما هذا العدد هو الذي كان موجوداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت في مأدبة جابر - ولعل ... أكثرهم كان قد استأذن منه صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يتناوبون في الحفر كما هو معلوم. أما ابن القيم فقد قال: "إنهم كانوا ثلاثة آلاف ثم عقب قائلاً: وقال ابن إسحاق: " خرج في سبعمائة قال: وهذا غلط من خروجه يوم أحد "١. وقال القسطلاني وكانوا ثلاثة آلاف ثم قال: "قال الشافعي ووهم من قال كانوا سبعمائة "٢.

  1. ١حسين بن محمد بن الحسن الديار بكري - مؤرخ فقيه- توفي بمكة في حدود سنة ٩٦٦هـ، معجم المؤلفين ٤/٤٧.
  2. ٢مادة ضيف تأتي لعدة معاني وهي هنا بمعنى الإكرام، انظر: النهاية في غريب الحديث ٣/١٠٨-١٠٩.
  3. *جوامع السيرة ١٨٧.
  4. *تاريخ الخميس ١/٤٨٠.
  5. *صحيح البخاري ٥/٤٤، وفتح الباري ٧/٣٩٦.
١/٢٢٦١/٢٢٦

أما بالنسبة للرأي الثاني: فلم يشر أحد إليه وهو الذي ارتضاه ابن حزم ورفض ما عداه ١ وإذا فلعل الأولى الرأي القائل بأنهم كانوا ثلاثة آلاف لكثرة القائلين بذلك والله أعلم. قال ابن سعد: "ولما تم حفر الخندق رفع المسلمون النساء والصبيان في الآطام وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لثمان ليال مضين ٢ من ذي القعدة وكان يحمل لواء المهاجرين زيد بن حارثة وكان يحمل لواء الأنصار سعد بن عبادة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث سلمة بن أسلم ٣ في مائتي رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير وذلك أنه كان يخاف على الذراري من بني قريظة.

  1. ١جوامع السيرة ١٨٧.
  2. ٢الطبقات الكبرى ٢/٦٧، مع أن المقريزي قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكر يوم الثلاثاء لثمان مضت من ذي القعدة وهو في حد ذاته اتفاق مع ابن سعد. انظر الامتاع ١/٢١٦.
  3. ٣سلمة بن أسلم بن حريش بن عدي بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي يكنى أبا سعد شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل يوم جسر أبي عبيد سنة أربع عشرة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقيل استشهد وهو ابن ثلاث وستين سنة. الاستيعاب ٢/١٩٨، وأسد الغابة ٢/٣٣٢.
  4. *زاد المعاد ٣/٢٧١، وبنفس هذا الرد قال المقريزي في الإمتاع ١/٢٦٦.
  5. *المواهب اللدنية ١/١١١.
١/٢٢٧١/٢٢٧

وكان عباد بن بشر ١ على حرس قبته صلى الله عليه وسلم مع غيره من الأنصار يحرسونه كل ليلة ٢. قال ابن القيم: "وهو الذي كان على حرسه وقد حرسه الزبير بن العوام أيضاً يوم الخندق" قال ابن سيد الناس ٣: وقال ابن سعد في باب حراس النبي صلى الله عليه وسلم: "حرسه يوم بدر حين نام في العريش سعد بن معاذ ويوم أحد محمد بن مسلمة ويوم الخندق الزبير بن العوام" ٥.

  1. ١عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي ثم الأشهلي يكنى - أبا بشر - وقيل أبو الربيع - أسلم بالمدينة على يد مصعب بن عمير قبل إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ممن قتل كعب بن الأشرف اليهودي الذي كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين. قالت عائشة - رضي الله عنها- ثلاثة من الأنصار لم يكن يعتد عليهم فضلاً كلهم من بني عبد الأشهل سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر. انظر: الاستيعاب ٢/٣٥٠، وأسد الغابة ٣/١٠٠.
  2. ٢الطبقات الكبرى ٢/٦٧.
  3. ٣عيون الأثر ٢/٥٨.
  4. *زاد المعاد ١/١٢٧.
١/٢٢٨١/٢٢٨

وعندما استقر صلى الله عليه وسلم في معسكره المختار حسب الخطة العسكرية الناجحة نظم جنود المسلمين ووزعهم فبعضهم للحراسة على الخندق ومنافذه وبعضهم على قبته لأنها كانت مستهدفة من الأعداء.

وكان صلى الله عليه وسلم يختلف بنفسه إلى ثلمة ١ في الخندق يحرسها وكان الوقت شتاء شديد البرودة وقد روى البزار في ذلك حديثاً وفيه قال: حدثنا عبد الله بن شبيب ٢ ثنا إبراهيم بن المنذر ٣ ثنا إسماعيل بن داود ٤ ثنا مالك ابن أنس عن يحيى بن سعيد ٥ عن عمرة ٦ عن عائشة قالت: "كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالخندق فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاهد ثغرة من الجبل يخاف منها فيأتي فيضطجع في حجري ثم يقوم فيتسمع فسمع حسن إنسان عليه الحديد فانسل" ١ في الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هذا؟ " . فقال: "أنا سعد جئتك لتأمرني بأمرك" فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يثبت في تلك الثغرة ". قالت عائشة: "فنام رسول الله في حجري حتى سمعت غطيطه ٧ فقالت عائشة لا أنساها لسعد "٣. قال الهيثمي قلت: "في الصحيح طرف منه ثم قال: رواه البزار عن شيخه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف "٤.

  1. ١الثلمة والثغرة بمعنى واحد وهي الفتحة. النهاية في غريب الحديث ١/٢١٣.
  2. ٢عبد الله بن شبيب أبو سعيد الربعي أخباري علامة لكنه واه قال أبو أحمد الحاكم ذاهب الحديث قال الذهبي: "يروي عن أصحاب مالك وبالغ - فضلك الرازي- فقال يحل ضرب عنقه، وقال عبد الرحمن بن خراش يسرق الحديث، قال ابن حبان يقلب الأحاديث ويسرقها". الميزان ٢/٤٣٨.
  3. ٣إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي - صدوق - تكلم فيه أحمد لأجل القرآن من العاشرة مات سنة ست وثلاثين ومائتين (خ ت س ق) التقريب ٢٣.
  4. ٤إسماعيل بن داود بن عبد الله بن مخراق المخراقي روى عن مالك بن أنس وغيره قال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول هو ضعيف الحديث جداً وقال في موضع آخر سمعت أبي يقول هو منكر الحديث. الجرح والتعديل ٢/١٦٧-٢٠١.
  5. ٥يحي بن سعيد بن قيس الأنصاري ثقة (ع) التقريب ٣٦٧.
  6. ٦عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية أكثرت عن عائشة -ثقة- من الثالثة ماتت قبل المائة ويقال بعدها روى لها (ع) التقريب ٤٧١.
  7. ٧غط النائم إذا سمع له صوت من الفم. القاموس المحيط ٢/٣٧٦.
١/٢٢٩١/٢٢٩

أما البزار فقال: "لا نعلم رواه إلا عائشة بهذا الإسناد".

وقد روى البخاري ما يقويه ولكن بغير تصريح بذكر الخندق ١ كما أورده الترمذي في مناقب سعد بن أبي وقاص ٢ بيد أنه لم يذكر أن ذلك كان في الخندق. لذلك قال ابن العربي.

  1. ١صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٢١٩ كتاب التمني وهو عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عائشة ....
  2. ٢تحفة الأحوذي ١٠/٢٥٦-٢٥٧.
  3. *أنسل أسرع خفية. القاموس المحيط ٤/٥٧ قلت لعله (ينسل) .
  4. *كشف الأستار ٢/٣٣٣.
  5. *مجمع الزوائد ٦/١٣٥.
١/٢٣٠١/٢٣٠

وكانت عائشة مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعاهد ثغرة من الجبل يحافظ عليها ثم يزلفه ١ البرد ذلك اليوم فيأتي فيضطجع في حجري ثم يقوم فسمعت حس رجل عليه حديد وقد أسند في الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هذا؟ " ثم ساق الحديث بمثل ما جاء عن البزار إلا أنه صرح بأنه سعد بن أبي وقاص ٢.

  1. ١أزلفه يزلفه قرّ به والزلفة الطائفة من أول الليل والجمع زلف. المختار ٢٧٣.
  2. ٢أحكام القرآن ٣/١٥١١.

وقد جاءت الرواية التي عند البخاري والتي عند الترمذي في المناقب مفسرة لما كان مبهماً عند البزار وهو سعد لأن السعود في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير فتبين بالروايتين أنه سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-.

وحديث البزار وإن كان ضعيفاً إلا أن ما جاء عند البخاري والترمذي يقويه والحديث يدل بوضوح على: الشدة التي عاناها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه في هذه الغزوة وأن الخطر الذي أحدق بهم كان كبيراً حتى أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعاهد تلك الثغرة بنفسه يخاف على المسلمين منها وأن القائد عليه ما على جنوده من حراسة ومرابطة؛ بل إن القائد هو المثل الأعلى لجنوده والرسول صلى الله عليه وسلم كان خير قائد. قال المقريزي: "قالت أم سلمة - رضي الله عنها-: شهدت معه مشاهد فيها قتال وخوف المريسيع وخيبر وكنا بالحديبية وفي الفتح وحنين لم يكن من ذلك أتعب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أخوف عندنا من الخندق، وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة ١، وأن قريظة لا نأمنها على الذراري فالمدينة تحرس حتى الصباح نسمع تكبير المسلمين فيها حتى يصبحوا خوفاً. حتى ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيراً.

  1. ١الحرج: أضيق الضيق. النهاية في غريب الحديث ١/٣٦١.
١/٢٣١١/٢٣١

قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلف إلى ثلمة في الخندق يحرسها فإذا آذاه البرد دخل قبته فأدفأته عائشة - رضي الله عنها- في حضنها ١ فإذا دفئ خرج إلى تلك الثلمة يحرسها ويقول ما أخشى على الناس إلا منها.

  1. ١الحضن: مادون الإبط إلى الكشح وحضن الطائر بيضه إذا ضمه إلى نفسه. مختار الصحاح ١٤٢.

الفصل الثاني: تواطؤ اليهود مع المشركين وعزمهم على ضرب المسلمين من الخلف

١/٢٣٥١/٢٣٥

لقد اشتد البلاء على المسلمين في هذه الغزوة بالذات؛ لأن قريشاً جاءت بحلفائها كما جاءت غطفان بكل قوادها وحلفائها مستهدفين استئصال الإسلام والمسلمين وفي أثناء الاستعداد لهذه الجموع الزاحفة جاء عدو الله حيي بن أخطب وهو أحد الأعضاء الذين حزبوا الأحزاب جاء إلى كعب بن أسد رئيس القبيلة الباقية من اليهود وهي قبيلة بني قريظة وجادله على نقض العهد وفتله في الذروة والغارب حتى وافق على ذلك بشروط تقبلها عدو الله حيي بن أخطب.

وبنو قريظة كما هو معروف كانوا يسكنون في العوالي أي في الجنوب الشرقي من المدينة على وادي مهزور ١ إذن فهم يعتبرون خلف المسلمين ويكونون أخطر على هذه الحال لأن الضربة من الوراء تؤثر أكثر حيث أن المسلمين يستعدون ومستحفزون لأعدائهم الذين أمامهم ولكن الله نصر المسلمين وخذل أعداءه وأعداءهم وقد وصف الله سبحانه وتعالى ذلك البلاء وتلك الشدة التي أتت على المسلمين لم يأت عليهم مثلها حيث قال سبحانه: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ ١. وقال تعالى مبيناً مظاهرة ٢ وموافقة اليهود (بني قريظة) للأحزاب: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ٣ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ ٤.

  1. ١مهزور وقيل مهزوز واد بالمدينة كان يسمى وادي قريظة كان يسيل بماء المطر يهبط من مفرق حرة واقم ثم يسيل ويصب في وادي بطحان. معجم البلدان ٥/٢٣٤.
  2. ٢أي عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٨.
١/٢٣٦١/٢٣٦

أما الجهد ومشقة العيش اللتان كان يعانيهما المسلمون وخاصة في هذه الغزوة فقد بينتها الأحاديث الصحيحة وغيرها.

وسأورد ما يبين ذلك باختصار فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي معمر المقعد عن عبد الوارث ١عن عبد العزيز ١ عن أنس رضي الله عنه وفيه قال: يؤتون بملئ كفي من الشعير فيصنع لهم باهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن ... الخ ٢.

  1. ١عبد العزيز هو بن صهيب البناني البصري - ثقة وقد تقدم-.
  2. ٢صحيح البخاري مع فتح الباري ٧/٣٩٣.
  3. *سورة الأحزاب الآية ٩ - ١٠.
  4. *صياصيهم أي حصونهم والأصل في الصياصي هي قرون البقر ومنه قيل للحصون (الصياصي) . النهاية في غريب الحديث ٣/٦٧.
  5. *سورة الأحزاب الآية ٢٥ - ٢٦.
١/٢٣٧١/٢٣٧

كما روى أيضاً رحمه الله حديثاً آخر قال: حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه ١ قال أتيت جابراً رضي الله عنه فقال: "إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة إلى أن قال: ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً" ... الحديث ٥. وقد ورد هذا الحديث من وجه آخر عن سعيد بن مينا قال سمعت جابراً رضي الله عنه قال: "لما حفر الخندق رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصاً شديداً ... الخ" الحديث ٢.

  1. ١تقدم رجال السند في ص ٩٧.
  2. ٢صحيح البخاري مع فتح الباري ٧/٣٦٥- ٣٦٦.

وكان صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعتمدون في أكلهم وشربهم على التمر والماء (الأسودين) يتضح ذلك باستعراض سنته صلى الله عليه وسلم وسيرته في مأكله ومشربه.

  1. *عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوزي البصري ثقة ثبت وقد تقدم.
  2. *تقدم في ص ١٥٥.
١/٢٣٨١/٢٣٨

فقد روى ابن أبي شيبة عن عروة مرسلاً١ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صاف المشركين يوم الخندق وكان يوماً شديداً لم يلق المسلمون مثله قط قال ورسوله الله صلى الله عليه وسلم جالس وأبو بكر معه جالس وذلك زمان طلع النخل وكانوا يفرحون به فرحاً شديداً لأن عيشهم فيه فرفع أبو بكر رأسه فبصر بطلعة وكانت أول طلعة رؤيت فقال هكذا بيده طلعة يارسول الله من الفرح فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "اللهم لا تنزع منا صالح ما أعطيتنا أو صالحاً أعطيتنا" ٢ والأثر ضعيف حيث رواه عروة مرسلاً.

أما الآثار الدالة على نقض بني قريظة العهد فهي كثيرة حسبي أن أورد بعضها مشيراً إلى الباقي: قال البخاري رحمه الله: حدثنا أحمد بن محمد ١ أنبأنا عبد الله ٢ أخبرنا هشام بن عروة ٣ عن أبيه عن عبد الله بن الزبير ٤ قال: "كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمر ابن أبي سلمة في النساء فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثاً فلما رجعت قلت: " يا أبت رأيتك تختلف " قال أو هل رأيتني يابني قلت نعم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه فقال فداك أبي وأمي ٥. وقال أيضاً: حدثنا أبو نعيم ٦ حدثنا سفيان ٧ عن محمد بن المنكدر ٨ عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يأتيني بخبر القوم " قال الزبير: "أنا" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لكل نبي حوارياً وحواراي الزبير" ١. وقال رحمه الله: حدثنا صدقة ٩ أخبرنا ابن عيينة ١٠ حدثنا بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله - رضي الله عنه- قال ندب ١١ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس قال: "صدقة أظنه يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندب الناس فانتدب الزبير فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أن لكل نبي حوارياً وحواري الزبير بن العوام" ٥.

  1. ١أحمد بن محمد بن موسى أبو العباس السمسار المعروف بمردويه - ثقة حافظ- من العاشرة مات سنة خمس وثلاثين ومائتين. روى له (خ ت س) . التقريب ١٦.
  2. ٢عبد الله المبارك المروزي - ثقة ثبت - من الثامنة مات سنة أحدى وثمانين ومائة روى له (ع) . التقريب ٨٧.
  3. ٣هشام بن عروة بن الزبير - ثقة فقيه ربما دلس من الخامسة مات سنة خمس أو ست وأربعين ومائة. روى له (ع) . التقريب ٣٦٤.
  4. ٤هو أول مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين ولي الخلافة تسع سنين وقتل في سنة ثلاث وسبعين في ذي الحجة. روى له الجماعة. انظر: الاستيعاب ٣/٣٩، والتقريب ١٧٣.
  5. ٥صحيح البخاري مع الفتح ٧/٨٠ كتاب فضائل الصحابة.
  6. ٦هو الفضل بن دكين الكوفي - ثقة ثبت - من التاسعة مات سنة ٢١٨- ٢١٩. وهو من كبار شيوخ البخاري. روى له (ع) . التقريب ٢٧٥.
  7. ٧سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي - ثقة حافظ - فقيه عابد إمام حجة من رؤوس الطبقة السابعة. مات سنة ١٦١هـ. روى له الجماعة. التقريب ١٢٨.
  8. ٨محمد بن المنكدر عبد الله بن الهدير بالتصغير المدني - ثقة فاضل - من الثالثة مات ١٣٠. روى له (ع) . التقريب ٣٢٠.
  9. ٩صدقة بن الفضل أبو الفضل المروزي - ثقة - من العاشرة مات سنة ثلاث أو ست أو عشرين ومائتين روى له (خ) . التقريب ١٥٢.
  10. ١٠سفيان بن عينية أبو محمد الكوفي ثم المكي - ثقة حافظ - فقيه إمام حجة من رؤوس الطبقة الثامنة وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة وله أحدى وتسعون سنة روى له (ع) . التقريب ١٢٨.
  11. ١١ندبه إلى الأمر كنصره إذا دعاه وحثه ووجهه. القاموس ١/١٣١.
  12. *المرسل: اتفق علماء الطوائف على أنه قول التابعي الكبير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعله يسمى مرسلاً. تدريب الراوي ١/١٩٥.
  13. *كنز العمال ١٠/٤٥٥.
١/٢٤٠١/٢٤٠

قال الحميدي وقال سفيان زاد هشام بن عروة وابن عمتي ١. كما أخرجه مسلم ٢، وأحمد ٣، والترمذي ٤، وابن ماجه ٥ وقد أورده البخاري كما سبق من عدة طرق منها طريق أبي العباس مردويه والفضل بن دكين وصدقة ومحمد بن كثير والحميدي وقد رواه الحميدي عن ابن عيينة بالجزم (يوم الخندق) ولم يشك كما ظن صدقة ومن طريق علي بن عبد الله ٦ قال قلت لسفيان: فإن الثوري يقول: "يوم بني قريظة" فقال كذا حفظته منه كما أنك جالس (يوم الخندق) قال "سفيان هو يوم واحد وتبسم سفيان" ٢. وقال البيهقي ٧ رحمه الله: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم ٨ الدرابردي بمرو قال حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي ٩، حدثنا أبو حذيفة ١٠ حدثنا عكرمة بن عمار ١١ عن محمد بن عبيد ١٢ أبي قدامة الحنفي عن عبد العزيز ١٣ ابن أخي حذيفة قال ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جلساؤه: "أما والله لو كنا شهدنا ذلك لفعلنا وفعلنا" فقال حذيفة: "لا تمنوا ذلك فلقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعوداً" . وأبو سفيان ومن معه فوقنا وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحاً في أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحدنا اصبعه ... الخ الحديث ١٤.

  1. ١مسند الحميدي ٢/٥١٦.
  2. ٢صحيح مسلم ٤/١٨٧٩ كتاب فضائل الصحابة.
  3. ٣مسند الإمام أحمد ٣/٣٠٧.
  4. ٤سنن الترمذي ٥/٣٠٩ كتاب المناقب.
  5. ٥سنن ابن ماجة ١/٤٥.
  6. ٦علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبو الحسن بن المديني البصري - ثقة - إمام أعلم أهل عصره بالحديث وعلله حتى قال البخاري ما استصغرت نفسي إلا عنده وقال فيه شيخه بن عينية كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلمه مني وقال النسائي كأن الله خلقه للحديث. من العاشرة مات سنة ٢٣٤. روى له (خ د ت س فق) . التقريب ٢٤٧
  7. ٧دلائل النبوة ٣/٤٥١.
  8. ٨أبو بكر محمد بن أحمد لم أقف له على ترجمة.
  9. ٩أحمد بن محمد بن عيسى بن الأزهر أبو العباس البرتي القاضي ولي قضاء بغداد بعد وفاة أبي هاشم الرفاعي وكان ثقة ثبتاً حجة. تاريخ بغداد ٥/٦١.
  10. ١٠أبو حذيفة هو موسى بن مسعود النهدي البصري صدوق سيء الحفظ يصحف من صغار التاسعة مات سنة ٢٢٧ أو بعدها وقد جاوز التسعين وحديثه عند البخاري في المتابعات (خ د ت ق) . التقريب ٣٥٢.
  11. ١١عكرمة بن عمار العجلي أبو عمار اليمامي أصله من البصرة صدوق يغلط وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب ولم يكن له كتاب. من الخامسة مات قبل الستين ومائة (خت س ق) . التقريب ٢٤٢.
  12. ١٢كذا عند البيهقي وفي التقريب هو محمد بن عبد الله بن أبي قدامة الحنفي ويقال أبو قدامة مقبول (د) . التقريب ٣٠٦.
  13. ١٣عبد العزيز أخو حذيفة ويقال ابن أخيه وثقه ابن حبان من الثانية وذكره بعضهم في الصحابة (د) . التقريب ٢١٦.
  14. ١٤دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٥١.
  15. *صحيح البخاري مع فتح الباري ٦/٥٢ كتاب الجهاد ومسند الحميدي ٢/٥١٦.
  16. *صحيح البخاري مع فتح الباري ٦/٥٣ كتاب الجهاد.
  17. *صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٢٣٩.
١/٢٤٢١/٢٤٢

وقد أشار ابن كثير إلى هذه الرواية فقال: "وقد أخرجه الحاكم والبيهقي في الدلائل من حديث عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد الله الدؤلي عن عبد العزيز بن أخي حذيفة به" ١... وقال السيوطي: "أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طرق عن حذيفة بنفس اللفظ" ٢. كما أورده الطبري عن ابن حميد عن فتى من أهل الكوفة ولم يذكر فيه بني قريظة ١. ولكنه رحمه الله أورد حديثاً آخر قال فيه: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة قال ثنى محمد ابن إسحاق عن يزيد بن رومان وعن الزهري وعن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعن محمد بن كعب القرظي وعن غيرهم من علمائنا ٢ وفيه: "وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسعد القرظي صاحب عقد بني قريظة ٣، وعهدهم وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه عاقده على ذلك وعاهده فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه حيي ويحك ٤ يا كعب افتح لي قال ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤم وإني قد عاهدت محمداً فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاءً وصدقاً" ، قال: "ويحك افتح أكلمك" . قال: "ما أنا بفاعل قال والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك ٥ أن آكل معك منها فاحفظ ٦ الرجل ففتح له" . فقال: "ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر ببحر طام ٧ جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد. قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا ٨ حتى نستأصل محمداً ومن معه قال فقال له كعب جئتني والله بذل الدهر وبجهام ٩ قد هراق ماؤه فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاءاً فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب ١٠ حتى سمع له على أن أعطاه عهداً (من الله) وميثاقاً لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمداً أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم"٤.

  1. ١جامع البيان ٢١/١٢٧.
  2. ٢السند فيه ابن حميد وسلمة. الأول ضعيف والثاني صدوق كثير الخطأ أما ابن إسحاق فهو وإن كان صدوقاً يدلس إلا أنه إمام في المغازي. وقد تقدم السند في ص ٤٧ ما عدا ابن حميد وسلمة.
  3. ٣أي أنه كان رئيسهم وسيدهم.
  4. ٤ويح: كلمة ترحّم وتوجّع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها وقد يقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر. النهاية ٥/٢٣٥.
  5. ٥الجشيشة: طعام يصنع من الجشيش وهو البر يطحن غليظاً ثم تجعل في القدور ويلقى عليها لحم أو تمر وتطبخ. النهاية في غريب الحديث ١/٢٧٣.
  6. ٦احفظه: أغضبه.
  7. ٧طام: مرتفع ويريد كثرة الرجال.
  8. ٨على أن لا يتركوا أو يغادروا المكان.
  9. ٩الجهام السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه.
  10. ١٠هذا مثل وأصله في البعير يستعصي عليك فتأخذ القراد من ذروته وغارب سنامه وتفتل هناك فيجد لذة فيأنس عند ذلك.
  11. *تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧١، البداية والنهاية ٤/١١٤.
  12. *الدر المنثور ٥/١٨٤، وانظر: دلائل النبوة لأبي نعيم ٤٣٣.
١/٢٤٥١/٢٤٥

وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عيونه متحرياً عن نقض اليهود للعهد الذي أبرموه معه صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان وهو يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة بن دليم أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بني الحارث بن الخزرج وخوات بن جبير أخو بني عمرو بن عوف فقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً١ أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس. قال فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم (فيما) ٢ نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، فشاتمهم سعد ابن معاذ ١ وشاتموه، وكان رجلاً فيه حدة فقال له سعد بن عبادة دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى ٢ من المشاتمة ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه ثم قالوا عضل والقارة أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين" ٥.

  1. ١فشاتمهم سعد بن معاذ (عند الطبري فشاتمهم سعد بن عبادة) وكذا عند ابن كثير في البداية ٤/١٠٤.
  2. ٢أربى مأخوذ من الربا وهو لغة الزيادة.
  3. *جامع البيان ٢١/١٢٩- ١٣٠.
  4. *الحنوا لي لحنا: أي قولوا لي قولاً أفهمه ويخفى على غيري. القاموس ٤/٣٦٦.
  5. *قوله (فيما نالو) وعند الطبري ونالوا.
  6. *السيرة النبوية ٢/٢٢٠- ٢٢١- ٢٢٢ وقد ذكرت القصة في: أ- طبقات ابن سعد باقتضاب ٢/٦٧. ب- ابن كثير في البداية وفيها زيادة سأوردها فيما بعد. جـ- جامع البيان ٢١/١٢٩- ١٣١، وتاريخ الأمم الملوك ٣/٤٦، ٤٧. د- السهيلي في الروض الأنف ٣/٢٦٨. و عيون الأثر ٣/٥٩.
١/٢٤٧١/٢٤٧

وقد أورد ابن كثير هذه القصة وفيها زيادة حسنة فقال بعد أن ذكر محاورة حيي بن أخطب لكعب: وقد تكلم عمرو بن سعد القرظي ١ فأحسن فيما ذكره موسى بن عقبة.

  1. ١ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٤/١٠٣ وقال ابن الأثير في أسد الغابة ٤/١٠٧ عمرو بن سعد من بني قريظة نزل من حصن بني قريظة في الليلة التي صبيحتها فتح حصنهم فبات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح فلما أصبح لم يدر أين هو حتى الساعة.

ذكرهم ميثاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ومعاقدتهم إياه على نصره وقال: "إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوّه" ثم قال ١: قال ابن إسحاق: "فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمع له - يعني في نقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي محاربته مع الأحزاب ثم ساق الحديث... إلى أن قال: قال موسى بن عقبة وأمر كعب بن أسد وبنو قريظة حيياً أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم لئلا ينالهم ضيم إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمداً. قالوا وتكون الرهائن تسعين رجلاً٣ من أشرافهم فنازلهم ٢ حيي على ذلك فعند ذلك نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد إلا بني سعنة ٣ أسد وأسيد وثعلبة فإنهم خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ". قال ابن إسحاق: "فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين بعث سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير "٢. قال: " انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم فإن كان حقاً فالحنوا لى لحناً أعرفه ولا تفتوا في أعضاد المسلمين وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس " ٣. قال ٤: " فخرجوا حتى أتوهم " قال موسى ابن عقبة: " فدخلوا معهم حصنهم فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف فقالوا الآن وقد كسر جناحنا وأخرجهم يريدون - بني نضير - ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل سعد بن عبادة يشاتهم فأغضبوه فقال له سعد بن معاذ: "والله ما جئنا لهذا ولما بيننا أكبر من المشاتمة" .

  1. ١أي ابن كثير.
  2. ٢أي التزم لهم بذلك.
  3. ٣هكذا بالنون وعند البيهقي في الدلائل ٣/٤٠١ وعند المقريزي في الإمتاع ١/٢٤٤ بالمثناة التحتانية وهم من اليهود إلا أن ابن هشام قال إنهم ليسو من بني قريظة وإنما هم من بني هدل ونسبهم فوق ذلك وهم بنو عم القوم. السيرة النبوية ٢/٢٣٨.
  4. ٤أي ابن كثير في البداية والنهاية ٤/١٠٤.
  5. *هكذا عند البيهقي في الدلائل ٣/٤٤٦وعند ابن كثير في البداية ٤/١٠٣وعند المقريزي في الإمتاع ١/٢٣٧ أنهم طلبوا سبعين رجلاً منهم.
  6. *خوات ابن جبير الأنصاري الأوسي يكنى أبا عبد الله وقيل أبو صالح وكان أحد فرسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر: أسد الغابة ٢/١٢٥.
  7. *البداية والنهاية ٤/١٠٣- ١٠٤، والسيرة النبوية ٢/٢٢٢.
١/٢٤٩١/٢٤٩

ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: "إنكم قد علمتم الذي يبننا وبينكم يا بني قريظة وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير أو أمرَّ منه فقالوا - لعنهم الله - أكلت ايرأبيك فقال غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن" . وقال ابن إسحاق ١: "نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه وكارجلاً فيه حدةٌ " ٢ وقد تقدم كلام ابن إسحاق.

  1. ١أي ابن كثير في البداية والنهاية ٤/١٠٤، والسيرة النبوية ٢/٢٢٢.

ذكر ابن إسحاق ١ أن الذي كان فيه حدة من السعدين رضي الله عنهما هو سعد بن معاذ. أما الطبري ٢ فقد بين في كتابه أنه ابن عبادة وتبعه البيهقي ٣ ونقل ابن سيد الناس عن ابن عائذ أنه سعد بن عبادة ٤.

  1. ١السيرة النبوية ٢/٢٢٢.
  2. ٢جامع البيان ٢١/١٣١، وتاريخ الأمم والملوك ٣/٤٧.
  3. ٣دلائل النبوة ٣/٤٢٩.
  4. ٤عيون الأثر ٢/٥٩.
  5. *المصدر السابق ٤/١٠٣- ١٠٤، والحدة: كالنشاط والسرعة في الأمور والمضاء فيها. انظر: النهاية لابن الأثير ٣٥٢.
١/٢٥٠١/٢٥٠

أما ابن كثير فقد اكتفى بالنقل عن ابن إسحاق وموسى بن عقبة ولم يرجح ١.

  1. ١البداية والنهاية ٤/١٠٤.

أما صاحب السيرة الحلبية فقال: "فشتمهم سعد بن معاذ وهم - حلفاؤه - أي وقيل سعد بن عبادة أي وكان فيه حدة فشاتموه قال ولا مانع من وجود الأمرين" أ. هـ. ٢ وقد تابع في ذلك ابن خلدون بدليل أنهم أحلافه ومواليه ١.

  1. ١تاريخ ابن خلدون ٢/٧٧٣.

أقول وهذا الذي ذكره صاحب السيرة الحلبية هو أوجه حيث أنه ذكر أنه شتمهم لأنهم حلفاؤه وإذا كانت هناك حدة فلم تذكر في ترجمتهما وإنما قد يكون المشهور بالحدة هو ابن عبادة رضي الله عنه؛ لأنه ذكر أنه كانت فيه غيرة شديدة - وهي مذكورة في كتب التاريخ والسنة- وقد يغضب ويغار عندما يسمع سب الرسول صلى الله عليه وسلم فيشاتمهم ومن هنا قد تأتي الحدة المذكورة والأرجح أنه سعد بن معاذ رضي الله عنه للتعليل الذي ذكره ابن خلدون وتبعه الحلبي. وقال ابن كثير ١: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ ٢. قال: "قد تقدم أن بني قريظة لما قدم جنود الأحزاب ونزلوا على المدينة. نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد وكان ذلك بسفارة حيي بن أخطب النضري لعنه الله دخل حصنهم ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد" .

  1. ١تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٧- ٤٧٨.
  2. *السيرة الحلبية ٢/٦٣٨.
١/٢٥١١/٢٥١

وعند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ . قال: "يعني بني قريظة من اليهود من بعض أسباط بني إسرائيل كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديماً طمعاً في إتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عن هم في التوراة الإنجيل. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٣.

  1. *سورة الأحزاب الآيتين ٢٥ - ٢٦.
  2. *سورة البقرة الآية ٨٩.
١/٢٥٢١/٢٥٢

وعند قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ قال: "هو الخوف لأنهم كانوا مالؤا المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس من يعلم كمن لا يعلم واخافوا المسلمين وراموا قتلهم ليعزواهم - في الدنيا - ويسودوا فيها- فانعكس عليهم الحال وانقلب إليهم القتال وانشمر المشركون ففازوا بصفقة المغبون فكما راموا العز ذلوا وأرادوا استئصال المسلمين فاستؤصلوا ... الخ" . ثم قال في ختام ذلك: "وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة. ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ الآية ١. فالذين قتلوا هم المقاتلة والأسراء هم الأصاغر والنساء" ٢. أ. هـ.

  1. ١سورة الأحزاب الآية ٢٦.

وأخيراً أود أن أشير إلى أنه قد مر بنا في الأحاديث الصحيحة أن الذي ذهب لكشف خبر بني قريظة هو الزبير بن العوام.

كما أنه مر أن الذي قام بنفس المهمة السعدان وابن رواحة وخوات بن جبير رضي الله عنهم وإزاء هذا الأشكال قال الحافظ ١: "قد استشكل ذكر الزبير في هذه القصة فقال شيخنا ابن الملقن ٢ اعلم أنه وقع هنا أن الزبير هو الذي ذهب لكشف خبر بني قريظة والمشهور كما قاله شيخنا أبو الفتح اليعمري" ٢. أن الذي توجه ليأتي بخبر القوم حذيفة كما روينا من طريق ابن إسحاق وغيره. قلت ٣. وهذا الحصر مردود فإن القصة التي ذهب لكشفها غير القصة التي ذهب حذيفة لكشفها.

  1. ١هو ابن حجر.
  2. ٢ابن الملقن هو عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الواد ياشي الأندلسي التكروري الأصل المصري الشافعي (أبو حفص فقيه أصولي محدث حافظ مؤرخ مشارك في بعض العلوم ولد بالقاهرة ٧٢٣هـ. وتوفي بها عام ٨٠٤هـ. انظر: الضوء اللامع ٦/١٠٠، معجم المؤلفين ٧/٢٩٧.
  3. ٣أي الحافظ ابن حجر.
  4. *تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٧ - ٤٧٨.
١/٢٥٣١/٢٥٣

فقصة الزبير كانت لكشف خبر بني قريظة هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين ووافقوا قريشاً على محاربة المسلمين.

وقصة حذيفة كانت لما أشتد الحصار على المسلمين بالخندق وتمالأت عليهم الطوائف، ثم وقع بين الأحزاب الاختلاف والقصة في ذلك مشهورة ١. وستأتي إن شاء الله.

  1. ١فتح الباري ٧/٤٠٦- ٤٠٧.
  2. *هو ابن سيد الناس وقد تقدم في ص ٥٠.
١/٢٥٤١/٢٥٤

وهذا الخلاف الذي ساقه الحافظ قد أغفل ما ذكره أصحاب المغازي والسير وقد ذكروا أن الوفد الذي تم إرساله هو السعدان ومن معهما.

بأن الزبير بن العوام رضي الله عنه ذهب للاستكشاف العام والملاحظة، وهل عند بني قريظة استعداد ظاهر يدل على نقضهم العهد أو لا؟، وقد عاد يقول بأنهم يصلحون حصونهم ويدربون طرقهم وقد جمعوا ماشيتهم. أما السعدان ومن معهما فكان استكشافهم خاصاً حيث دار الحوار بينهم وبين اليهود وظهر للعيان نقضهم للعهد وخبثهم.

وقد ذكر المقريزي ١: "أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث خوات بن جبير لينظر غرة لنبي قريظة فكمن لهم فحمله رجل منهم وقد أخذه النوم فأمكنه الله من الرجل وقتله ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فأخبره.

  1. ١إمتاع الأسماع ١/٢٢٧- ٢٢٨.

وفيه غرابة. ووجه الغرابة - أن اليهود وبعد نقضهم العهد ووضوح خبثهم والوقت ليس هزل بل هو وقت خوف وشدة على الجانبين وكلاهما يتمنى أن يقتل من الجانب الآخر من ظفر به فكيف يتسنى فعل هذا وكيف يقدم على حمل عدوه ويأمنه وهو أعلى منه والله أعلم. أما قصة حذيفة فهي واضحة لورودها في الصحيح وهي أنها كانت في اللحظات الأخيرة من الشدة والبلاء.

١/٢٥٥١/٢٥٥

وبعدها نصر الله دينه ورسوله وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده حيث عاد رضي الله عنه يبشر الرسول صلى الله عليه وسلم بانصراف الأحزاب وأنه رأي أبا سفيان قد ركب بعيره وهو معقول"١.

  1. *فقه السيرة ٣٣٣.

الفصل الثالث: تخذيل المنافقين للصف الإسلامي

١/٢٥٩١/٢٥٩

...

الفصل الثالث: في تخذيل المنافقين للصف الإسلامي موقف المنافقين وخذلانهم للمسلمين في الأوقات الحرجة أوقات الضيق والمواقف الصعبة بينها الله سبحانه وتعالى أولاً بأول ونحن عندما نستعرض القرآن الكريم نجد وفي أول سورة منه وهي البقرة ١ بين لنا الله سبحانه وتعالى مبدأهم وأنهم إنما يخادعون الله بأعمالهم وما شعروا أنهم لا يخدعون إلا أنفسهم بين الله سبحانه هذا الموقف بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ٢، وبين سبحانه وتعالى أن في قلوبهم مرضاً وزادهم الله مرضاً فتأصل فيهم المرض وذلك بعد أن وضح لهم الطريق على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن كثير ٢: "وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية لأن مكة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه، بين الناس من كان يظهر الكفر وهو في الباطن مؤمن فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب، قال فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأسلم من أسلم من الأنصار ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضاً؛ لأنه لم يكن للمسلمين شوكة تخاف، أقول: إن الحسد كان من مقومات نفاقهم - فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته وأعز دينه قال عبد الله بن أبي بن سلول وكان رأساً في المدينة وهو من الخزرج وكان سيد الطائفتين في الجاهلية وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه فبقي في نفسه من الإسلام وأهله فلما كانت وقعة بدر قال: هذا أمر قد توجه فأظهر الدخول في الإسلام ودخل معه طوائف ممن هم على طريقته ونحلته وآخرون من أهل الكتاب فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب " أ. هـ.

  1. ١قيل إنها أول سورة نزلت بالمدينة ما عدا {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} فقد كانت آخر ما نزل كما قيل. انظر: تفسير القرآن العظيم ١/٣٥.
  2. ٢تفسير القرآن العظيم ١/٤٧.
  3. *سورة البقرة الآتين ٧، ٨.
١/٢٦٠١/٢٦٠

قال ١: "وقد نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون فيقع بذلك فساد عريض ولذلك قال سبحانه لنبيه موضحاً له ما ينطوون عليه من الكذب. ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢. وقال ابن القيم: "وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها، ومن أهلها على حذر وذكر طوائف العالم الثلاث في أول سورة البقرة المؤمنين والكفار والمنافقين فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشر آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله فإن بلية الإسلام بهم شديدة جداً لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد ثم استطرد قائلاً فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه وكم من علم له قد طمسوه" ... الخ ٢.

  1. ١أي ابن كثير.
  2. ٢صفات المنافقين ١٦.
  3. *سورة المنافقين الآية١٦.
١/٢٦١١/٢٦١

واستمر هذا الوضع الخطير حتى جاءت غزوة أحد وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لملاقاة أعدائه حتى إذا كانوا بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله ابن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال أطاعهم وعصاني ١ ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس فرجع بمن إتبعه من قومه من أهل النفاق، والريب هكذا قال ابن إسحاق ٢ واستمر وضعهم هذا حتى جاءت هذه الغزوة - غزوة الخندق- فأنزل الله سبحانه وتعالى فيهم سورة الأحزاب كما قال شيخ المفسرين وابن كثير وصاحب ٣ الفتوحات الإلهية ٤ أنها نزلت في المنافقين وإيذائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أما الآيات من سورة الأحزاب فقد ذكر سبحانه المنافقين في تسع آيات منها حيث قال تعالى بعد أن ذكر وامتن على عباده المؤمنين بنعمته عليهم وصرف عدوهم، وبين مجئ الأحزاب والحالة الشديدة التي عاناها المسلمون والبلاء الذي امتحنهم الله به فثبت المؤمنون وانكشف أعداء الله المنافقون فقال تعالى: ١- ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ٤.

  1. ١يشير إلى المشاورة التي دارت قبل الخروج إلى أحد وكان من رأي كبير المنافقين القعود في المدينة ووافق الرسول مع القائلين بالخروج فأخذ من هذا حجة وذريعة.
  2. ٢السيرة النبوية ٢/٦٤.
  3. ٣وهو سليمان بن عمر بن منصور العجيلي المصري المعروف بالجمل ت ١٢٠٤هـ. انظر: معجم المؤلفين ٤/٢٧١.
  4. ٤انظر: تفسير الطبري ٢١/١٣٣، تفسير ابن كثير ٣/٤٧٠، والفتوحات الإلهية ٣/٤٢١.
  5. *سورة الأحزاب الآية ١٢.
١/٢٦٣١/٢٦٣

٢- ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً﴾ ١.

٣- ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً﴾ .

٤- ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً﴾ .

٥- ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ .

٦- ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ .

٧- ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ .

٨- ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ .

٩- ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً﴾ ٢.

  1. *سورة الأحزاب الآية ١٣.
  2. *سورة الأحزاب الآيات من ١١- ٢٠.
١/٢٦٤١/٢٦٤

وسأورد ملخصاً بتفسير الآيات من تفسير ابن كثير حيث قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ . يقول تعالى مخبراً عن ذلك الحال حين نزلت الأحزاب حول المدينة والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالاً شديداً فحينئذ ظهر النفاق وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم ثم قال بعد إيراد الآية الأولى - ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ ...﴾ : أما المنافق فنجم نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسكة لضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه لضعف إيمانه، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال، وقوم آخرون قالوا كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يعني المدينة كما جاء في الصحيح ١: "أريت في المنام دار هجرتكم أرض بين حرتين فذهب وهلى ٢ أنها هجر فإذا هي يثرب" .

  1. ١صحيح البخاري مع الفتح ٧/٢٢٦.
  2. ٢الوهل - وهل إلى الشيء بالفتح يهل بالكسر وهلا بالسكون إذا ذهب وهمه إليه النهاية ٥/٣٣٣.

قوله: ﴿لا مُقَامَ لَكُمْ﴾ ٣. أي ها هنا يعنون عند النبي صلى الله عليه وسلم في مقام المرابطة. أما ابن الجوزي ١ فقد قال: "إن المنافقين قالوا ذلك لكثرة العدو" قال: وهذا قول الجمهور قال: "وحكى الماوردي قولين آخرين أحدهما: لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى دين مشركي العرب قاله الحسن ٢، والثاني لا مقام لكم على القتال فارجعوا إلى طلب الأمان قاله الكلبي" . أ. هـ ٣.

  1. ١زاد المسير ٦/٣٥٩.
  2. ٢هو الحسن البصري.
  3. ٣هو: محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي (أبو النضر) مفسر أخباري نسابة راوية ولد بالكوفة وشهد دير الجماجم مع ابن الأشعث. وتوفي في الكوفة سنة ١٤٦. من آثاره تفسير القرآن وهو متهم بالكذب عند المحدثين روى له (ت فق) . انظر في ذلك: التقريب ٢٩٨، وانظر ترجمته في معجم المؤلفين ١٥/١٥.
  4. *سورة الأحزاب الآية ١٣.
١/٢٦٥١/٢٦٥

وقوله ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ قال العوفي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "هم بنو حارثة قالوا بيوتنا نخاف عليها السراق" قال ابن كثير: "وكذا قال غير واحد، قال وذكر ابن إسحاق أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي يعني اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عورة أي ليس دونها ما يحجبها من العدو فهم يخشون عليها منهم ثم كذبهم الله فقال ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ أي ليست كما يزعمون ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً﴾ أي هرباً من الزحف" ٣.

  1. *تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٣.
١/٢٦٦١/٢٦٦

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً ...﴾ الآيات. قال ابن كثير: "يخبر تعالى عن هؤلاء الذين ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ... الآية﴾ أنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة وقطر من أقطارها ثم سئلوا الفتنة وهي الدخول في الكفر لكفروا سريعاً. وهم لا يحافظون على الإيمان ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع ... وهذا ذم لهم في غاية الذم" .

ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف أن لا يولوا الأدبار ولا يفرون من الزحف: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً﴾ أي وأن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد لابد من ذلك. ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ...﴾ الآيات ١. وقال: "يخبر تعالى عن احاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب والقائلين لإخوانهم أي أصحابهم وعشرائهم وخلطائهم ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار وهم مع ذلك ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ويستمر سبحانه وتعالى يبين لنبيه صفات هؤلاء المنافقين وأنهم من جبنهم وخوفهم ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً﴾ وذلك لضعف يقينهم والله سبحانه وتعالى العالم بهم" ١.

  1. ١يشير إلى أن أناساً غابوا عن بدر ورأو ما أعز الله به دينه وما أعطى عباده من الفضل والكرامة قالوا لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن فساق الله إليهم ذلك حتى كان في ناحية المدينة فصنعوا ما قص الله عليكم قاله قتادة. انظر: الدر المنثور ٥/١٨٨ قال ابن جرير وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم في الخندق بعد الذي كان منهم بأحد. جامع البيان ٢١/١٣٧.
١/٢٦٧١/٢٦٧

قال الطبري رحمه الله: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ ٢ قال: "قال ذلك أناس من المنافقين قد كان محمد يعدنا فتح فارس والروم وقد حصرنا ههنا ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته ما وعدنا ورسوله إلا غرورا ١. والأثر على ضوء هذا السند يعتبر حسناً" . وقال رحمه الله: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد ٢ قال: "قال رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يا فلان أرأيت إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " فأين هذا من هذا وأحدنا لا يستطيع أن يخرج يبول من الخوف ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ فقال له كذبت لأخبرن رسول الله خبرك قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاه فقال: ما قلت؟ فقال: كذب عليّ يا رسول الله ما قلت شيئاً ما خرج هذا من فمي قط قال الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ قال فهذا قول الله ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ﴾ " ٢. والأثر ضعيف لضعف ابن زيد لكنه يتقوى بانضمام غيره إليه. وقال: حدثنا ابن بشار ٣ قال ثنا محمد بن خالد بن عثمة قال ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال ثنى أبي عن أبيه قال: "خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق ... وساق الحديث إلى أن قال: "فحفرنا تحت دوبار حتى بلغنا الصرى أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة فكسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها فإن المعدل ٤ قريب وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه فرقى سلمان حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية ٥ فقال يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا خرجت صخرة بيضاء من بطن الخندق مروة ٦ فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجئ منها قليل ولا كثير فمرنا بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز خطك" .

  1. ١جامع البيان ٢١/١٣١.
  2. ٢هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم ضعيف من الثامنة مات سنة اثنتين وثمانين بعد المائة. روى له الترمذي وابن ماجه. التقريب ٢٠٢.
  3. ٣هو محمد بن بشار وقد تقدم السند.
  4. ٤عدل عن الطريق جار ومال. انظر: مختار الصحاح ٤١٨.
  5. ٥لعلها مصنوعة بها فتنسب إليها.
  6. ٦المروة هي الحجارة البيض البراقة توري النار أو أصل الحجارة. القاموس المحيط ٤/٣٩٢.
  7. *تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٣.
  8. *الأحزاب الآية ١١.
  9. *جامع البيان ٢١/١٣٣.
١/٢٦٩١/٢٦٩

فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان في الخندق ورقينا نحن التسعة على شفة الخندق فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها ١ يعني لابتي المدينة حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون.

  1. ١اللابة هي الحرة والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود. النهاية في غريب الحديث ٤/٢٧٤.
١/٢٧٠١/٢٧٠

وضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية فصدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها الثالثة فكسرها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح. ثم أخذ بيد سلمان فرقى. فقال سلمان بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئاً ما رأيته قط فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا" ١.

قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر فنكبر ولا نرى شيئاً غير ذلك قال: "صدقتم ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم أضاء لي منه قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبرائيل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاء لي منها قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهر عليها.

  1. *جامع البيان ٢١/١٣٤.
١/٢٧١١/٢٧١

ثم ضربت ضربتي الثالثة وبرق منها الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا يبلغهم النصر وأبشروا يبلغهم النصر وأبشروا يبلغهم النصر " فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعود صدق بأن وعدنا الله النصر بعد الحصر. فطبقت الأحزاب فقال المسلمون: ﴿ ... هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ...﴾ . الآية ١. وقال المنافقون: "ألا تعجبون يحدثكم ويمنيكم ويعدكم الباطل يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الفرق ٢. ولا تستطيعون أن تبرزوا"٣.

  1. ١سورة لأحزاب جزء من آية ١٢.
  2. ٢الفرق: بفتح الفاء المعجمة الموحدة والراء المهملة. الخوف. مختار الصحاح ٥٠٠.

وأنزل القرآن ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ ٤٥.وهكذا انتهى هذا الحديث الطويل مع أني اختصرت أوله؛ بل حذفته ومداره على كثير المزني وهو ضعيف كما تقدم إلا أن الحديث يتقوى بالشواهد والمتابعات.

  1. *جامع البيان ٢١/١٣٤.
  2. *سورة الأحزاب الآية ١٢.
  3. *جامع البيان ٢١/١٣٤.
١/٢٧٢١/٢٧٢

وقد جاء بمعناه عند النسائي ١ إلا إن عنده في الضربة الثالثة قال "فرفعت لي مدائن الحبشة" وأخرجه أبو نعيم ٢. كما أخرجه البيهقي ٣ بلفظ مقارب له وقد ذكره ابن كثير ٤ وقال في آخره: حديث غريب.

  1. ١سنن النسائي ٦/٤٣- ٤٤.
  2. ٢في الدلائل ٣/٤٣٢.
  3. ٣في دلائل النبوة ٣/٣٩٩. وفيه ذكر فتح الشام وفارس واليمن.
  4. ٤البداية والنهاية ٤/١٠١.

وقد ذكر ابن كثير عن الطبراني حديثاً يقوي الحديث السابق وهو مطابق له في المعنى مخالف له في اللفظ من طريق عبد الله بن يزيد ١ وفيه قال: "فلما أتاها أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط" فقال: "فتحت فارس، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط" فقال: "فتحت الروم، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط فقال: جاء الله بحمير أعوانا وأنصاراً" الحديث ٢. قال ابن كثير: "حديث غريب من هذا الوجه وقال: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي - أحد رجال السند- فيه ضعف- إلا أنه لم يرد فيه ذكر للمنافقين. ثم أورد حديثاً آخر عند الطبراني وهو عن عكرمة عن ابن عباس وفيه قال: " اذهبوا بنا إلى سلمان وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوني فأكون أول من ضربها وقال بسم الله فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: الله أكبر قصور الشام ورب الكعبة، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة. فقال عندها المنافقون نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم" ١.

  1. ١هو عبد الله المعافري أبو عبد الرحمن الحبلي بضم المهملة والموحدة - ثقة - من الثالثة مات سنة مائة بأفريقية روى له (بخ م ٤) أي البخاري في الأدب المفرد ومسلم والأربعة.
  2. ٢البداية والنهاية ٤/١٠٠.
١/٢٧٣١/٢٧٣

وقد سكت ابن كثير عن هذا الحديث أما الهيثمي ١ فقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ونعيم العنبري وهما ثقتان" .

  1. ١مجمع الزوائد ٦/١٣٢ وقد تقدم الحديث بكامله في مبحث: دور المنافقين في هذه الغزوة.

وهذه الأحاديث متقاربة المعنى ويشد بعضها بعضا. قال الطبري: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ثنى يزيد بن رومان في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ ١ الآية إلى قوله تعالى ... فرارا} .

  1. *البداية والنهاية ٤/١٠١.
١/٢٧٤١/٢٧٤

يقول أوس بن قيظي: "ومن كان على ذلك من رأيه من قومه ١. والسند إلى يزيد بن رومان فيه ضعف لضعف ابن حميد" . قال ابن إسحاق: "وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث يا رسول الله: إن بيوتنا عورة من العدو وذلك في ملأ من قومه" أ: هـ ٢. وقال السيوطي: "وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير ومحمد بن كعب القرظي قالا قال متعب بن قشير كان محمداً يرى أن يأكل من كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط.

  1. ١جامع البيان ٢١/١٣٥.
  2. ٢السيرة النبوية ٣/٢٢٢، تفسير ابن كثير ٣/٤٧٣، البداية والنهاية ٤/١٠٤.
  3. *سورة الأحزاب الآية رقم ١٣: ويثرب اسم للمدينة قديم فغيرها النبي صلى الله عليه وسلم وسماها طيبة وطابة كراهية التثريب وهو اللوم والتغيير، وقيل هو اسم أرضها، وقيل سميت باسم رجل من العماليق. النهاية في غريب الحديث ٥/٢٩٢.
١/٢٧٥١/٢٧٥

وقال أوس بن قيظي في ملأ من قومه بني حارثة: "إن بيوتنا عورة وهي خارجة من المدينة آئذن لنا فنرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا" فأنزل الله على رسوله حين فرغ منهم ما كانوا فيه من البلاء يذكر نعمته عليهم وكفايته إياهم بعد سوء الظن منهم ومقالة من قال من أهل النفاق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا...﴾ الخ الآية ١. ثم قال الطبري معقباً على ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيّ﴾ الآية قال: "يقول تعالى ذكره: ويستأذن بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإذن بالانصراف عنه إلى منزله ولكنه يريد الفرار والهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم" ٢. قال الطبري رحمه الله: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ أي لو دخل عليهم من نواحي المدينة ثم سئلوا الفتنة أي الشرك ﴿لَآتَوْهَا﴾ ٣ يقول: لأعطوها ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً﴾

  1. ١الدر المنثور ٥/١٨٦.
  2. *جامع البيان ٢١/١٣٥.
  3. *قوله تعالى لآتوها: فيها قراءتان بالمد أعطوها وبالقصر جاءوها. انظر: جامع البيان ٢١/١٣٦- ١٣٧.
١/٢٧٦١/٢٧٦

يقول: "إلا أعطوها طيبة بها أنفسهم" ١...

وعند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً﴾ الآية ١. وقال رحمه الله: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ثني يزيد بن رومان في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ الآية وهم بنو حارثة وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة حين هما بالفشل يوم أحد ثم عاهدوا الله لا يعودون لمثلها فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم ٢. مشيراً بذلك إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٤. وقال السيوطي أيضا: "أخرج ابن أبي حاتم عن السدي ٣ رضي الله عنه في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ قال: "إلى المدينة عن قتال أبي سفيان ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ قال: " جاءه رجلان من الأنصار من بني حارثة أحدهما يدعى أبا عرابة بن أوس والآخر يدعى أوس بن قيظي فقالا يارسول الله: "أن بيوتتنا عورة يعنون أنها ذليلة الحيطان وهي في أقصي المدينة ونحن نخاف السرق فائذن لنا فقال الله ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً﴾ " الآية ٤. وقال الطبري رحمه الله: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ الآية. قال: "كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضيلة" فقالوا: "لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن فساق الله ذلك إليهم حتى كان في ناحية المدينة" ٢.

  1. ١سورة الأحزاب الآية ١٥.
  2. ٢جامع البيان ٢١/١٣٧.
  3. ٣هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير القرشي (أبو محمد) مفسر سكن الكوفة توفي سنة ١٢٧هـ. من آثاره التفسير. معجم المؤلفين ١/٢٧٦. وهو عند المحدثين صدوق يهم روى له (م والأربعة) وانظر في ذلك التقريب ٣٤.
  4. ٤الدر المنثور ٥/١٨٨.
  5. *جامع البيان ٢١/١٣٦- ١٣٧.
  6. *سورة آل عمران الآية ١٢٢.
١/٢٧٧١/٢٧٧

هذا الأثر سنده حسن إلى قتادة حيث إن بشر العقدي صدوق ويزيد وسعيد ثقتان. وهكذا بين الله سبحانه وتعالى لنبيه بأن هؤلاء الذين يستأذنون بأنه لن ينفعهم الفرار وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ .الآيات ١. وقال بالنسبة للمعوقين: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ٢.

  1. ١سورة الأحزاب الآية ١٥، ١٦.
  2. *جامع البيان ٢١/١٣٧.
١/٢٧٨١/٢٧٨

أما الآثار فقد قال الطبري رحمه الله: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ : "قال هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحماً لا لتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقوله: ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ أي لا يشهدون القتال يغيبون عنه" ... الخ ١. وسند هذا الأثر مثل سابقه. وقال رحمه الله: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ الخ الآية قال: "هذا يوم الأحزاب انصرف رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف ونبيذ فقال له أنت ههنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف؟ فقال: " هلم إلى هذا فقد بلغ بك وبصاحبك والذي يحلف به لا يستقبلها ٢ محمد أبداً فقال كذبت والذي يحلف به " قال: " وكان أخاه من أبيه وأمه أما والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم أمرك ".

  1. ١جامع البيان ٢١/١٣٩.
  2. ٢قال في جامع البيان ٢١ (هامش ١٣٩ قال كذا في الأصل وفي الدر المنثور للسيوطي - لا يستقي لها- وما ذكره السيوطي ليس بواضح والذي ذكره الطبري أوضح نوعاً ما ومعناه والله أعلم: أن محمداً وأصحابه مهزومون لا محالة ولا يمكن أن يستقبل هذه الجموع مرة أخرى.
  3. *سورة الأحزاب الآية ١٧.
١/٢٧٩١/٢٧٩

قال وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره قال فوجده قد نزل جبرائيل عليه السلام يخبره ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ ". الخ ١.

  1. ١جامع البيان ٢١/١٣٩.

سند هذا الأثر ضعيف لضعف ابن زيد وكون يونس - صدوق يخطئ أما ابن وهب فهو ثقة وقد ذكره السيوطي عن أبن أبي حاتم ينفس اللفظ ١.

  1. ١الدر المنثور ٥/١٨٨.

المبحث الأول: الحصار الذي لحق بالمسلمين

١/٢٨٥١/٢٨٥

...

بعد أن تم حفر الخندق ووصلت الأحزاب ونقض بنو قريظة العهد المبرم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونجم النفاق وقال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ ١.

ولكنهم لقتلهم وكثرة العدو وأحاطته بهم من كل مكان ثقل الأمر عليهم وأشتد البلاء حيث بين الله سبحانه وتعالى ذلك الموقف بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ الآيات ١.

  1. ١سورة الأحزاب الآيتين ١٠، ١١.
  2. *سورة الأحزاب الآية ٢٢.
١/٢٨٦١/٢٨٦

وقبل أن يتوجه صلى الله عليه وسلم إلى المعسكر وكما هي عادته صلى الله عليه وسلم كلما أراد أن يغزو ويحارب يجعل أميراً على المدينة يقوم بشؤونها حتى يعود عليه الصلاة والسلام. وكان في هذه الغزوة قد أمّر عليه الصلاة والسلام المهاجر الصابر الأعمى: عبد الله ابن أم مكتوم ١ رضي الله عنه ثم توجه إلى معسكره وبدأ المرابطة وحاصر أعداءُ الله المسلمين وقتاً ليس بالقصير وعرف المسلمون مَنْ يتربص بهم وراء هذا الحصار فقرروا مواصلة المرابطة في مكانهم ينضحون بالنبل كل مقترب ويتحملون لأواء هذه الحراسة التي تنتظم السهل والجبل وتتسع ثغورها يوماً بعد يوم. لذلك قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وعدوهم محاصروهم ولم يكن بينهم قتال. إلا إن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس أخو بني عامر بن لؤي. قال ابن هشام: "ويقال: عمرو بن عبد بن أبي قيس" : قال ابن إسحاق: "وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب واسم أبي وهب - جعدة - المخزوميان وضرار بن الخطاب الشاعر بن مرداس أخو بني محارب بن فهر تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم. حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا تهيأوا يابني كنانة للحرب فستعلمون من الفرسان اليوم ثم اقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا والله أن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ". أ. هـ. ١ وبدأ الحصار واشتدت وطأته وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول المدينة على هذا النحو فإن فرض الحصار وترقب نتائجه ليس من شيمهم وكانوا يحاولون شتى المحاولات لتحطيم هذا الحصار وهم في كل ذلك يفشلون أمام صمود المسلمين.

  1. ١الأعمى صحابي جليل شهد القادسية واستشهد بها وقيل رجع إلى المدينة فمات بها. انظر ترجمته في: الإصابة ٣/٥٢٣، أسد الغابة ٤/١٢٧، المعارف لابن قتيبة ١٢٦.
١/٢٨٧١/٢٨٧

أما الحصار فقد اختلف فيه على أقوال: ١ قال ابن كثير٢ قال ابن إسحاق: "فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مرابطاً وأقام المشركون يحاصرونه بضعاً وعشرين ليلة قريباً من شهر ولم يكن بينهم حرب إلا الرميا٣ بالنبل. وبه قال ابن جرير الطبري٤ وابن الأثير٥ وابن سيد الناس"٦.

  1. ١السيرة النبوية ٢/٢٢٤.
  2. *البداية والنهاية ٤/١٠٤.
  3. *الرميا بكسر الراء والميم مشددتين وتخفيف الياء أي المراماة.
  4. *تاريخ الأمم والملوك٣/٤٧، جامع البيان ٢١/١٢٨.
  5. *الكامل لابن كثير ٢/١٢٤.
  6. *عيون الأثر ٢/٦٠.
١/٢٨٨١/٢٨٨

١ أما ابن سعد فقد ساق في ذلك حديثاً ليبين بأن الحصار دام أربعاً وعشرين ليلة - إلا أن ظاهره الإرسال وهو من رواية ابن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم ١ وقد قال قبل ذلك أي ابن سعد وحُصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة٢.

  1. ١الطبقات الكبرى ٢/٦٩ ٣انظر المواهب اللدانية ٢/١١٢ ٤ فتح الباري ٧/٣٩٣. ٥ زاد المعاد ٣/٢٧٢. ٦ المواهب اللدانية ٢/١١٢.

والذي ذكره ابن سعد على ضوء الحديث المسند وهو أربع وعشرون ليلة هو مقارب للقائلين بأن الحصار كان شهراً. وهو قول للواقدي٣. لكن قوله بأن المدة كانت بضع عشرة ليلة مغاير للقول الأول.

(٣) قال الحافظ٤: "وذكر موسى بن عقبة أن مدة الحصار كانت عشرين يوماً" .

(٤) قال ابن القيم٥: "إن الحصار دام شهراً ولم يكن بينهم قتال لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين" .

(٥) قال القسطلاني٦: "وفي الروضة للنووي خمسة عشر يوماً - وهذا يقوي قول ابن سعد المتقدم بأن الحصار دام بضع عشرة ليلة" .

  1. *الطبقات الكبرى ٢/٧٣.
١/٢٨٩١/٢٨٩

والصحيح هو ما جزم به ابن القيم بدليل الآثار الآتية. وكذلك وجد في إشعارهم ما يدل على ذلك.

أما الآثار فهي: قال الطبري رحمه الله: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة ١ في قولـ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية قال ٢ يعني الملائكة قال نزلت هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً ... الخ"٣. من حديث طويل. والأثر بهذا السند حسن لذاته إلى قتادة. وقال ابن سعد رحمه الله: أخبرنا عارم بن الفضل ٣ أخبرنا حماد بن زيد ٤ عن يحيى بن سعيد قال: قال سعيد بن المسيب ٥: "حاصر النبي صلى الله عليه وسلم المشركون في الخندق أربعاً وعشرين ليلة ..." الحديث ٦.

  1. ١السند تقدمت تراجم رجاله.
  2. ٢قال القائل في الأولى والثانية (قتادة) .
  3. ٣عارم بن الفضل: عارم لقب واسمه محمد بن الفضل البصري - ثقة ثبت - تغير بأخر عمره من صغار التاسعة مات سنة ثلاث أو أربع وعشرين بعد المائتين روى له (ع) . انظر: التقريب ٣١٥.
  4. ٤حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري - ثقة ثبت - فقيه قيل إنه كان ضريراً ولعله طرأ عليه لأنه صح أنه كان يكتب - من كبار الثامنة- مات سنة تسع وسبعين وقيل سبع وتسعين وقيل سنة تسع وثمانين ومائة روى له (ع) . التقريب ٨٢.
  5. ٥سعيد بن المسيب بن حزن ابن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الاثبات الفقهاء الكبار من كبار - الثانية - اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل وقال ابن المديني لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه. مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين روى له (ع) . التقريب ١٢٦.
  6. ٦الطبقات الكبرى ٢/٧٣.
  7. *جامع البيان ٢١/١٢٨.
١/٢٩٠١/٢٩٠

والأثر رجاله ثقات إلا أنه مرسل.

أما الاشعار الدالة على ذلك فقد جاء في السيرة النبوية ما يلي: قال ضرار بن الخطاب بن مرداس ١ وكان أحد الفرسان الذين حاولوا اقتحام الخندق وكان أيضاً أحد الشعراء المشهورين ولا يخفى ما للشعر من تأثير على النفوس في الحروب وغيرها. قال يوم الخندق شعراً جاء فيه: فأحجرناهم شهراً كريتا ٢ ... وكنا فوقهم كالقاهرينا ٣ ومن ذلك أيضاً ما جاء في شعر ابن الزبعرى ٤ من قصيدة طويلة: شهراً وعشرا قاهرين محمداً ... وصحابه في الحرب خير صحاب ٥ فقد ذكر عشراً زيادة على الشهر ولعله ضرورة شعرية حتى يستقيم الوزن وإلا فالثابت شهراً.

  1. ١ضرار بن الخطاب بن مرداس بن كثير بن عمرو بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك القرشي كان أبوه الخطاب رئيس بني فهر في زمانه وكان يأخذ المرباع لقومه وكان ضرار يوم الفجار على بني محارب بن فهر وكان من فرسان قريش وشجعانهم وشعرائهم وهو أحد الأربعة الذين وثبوا الخندق قال الزبير بن بكار لم يكن في قريش أشعر منه ومن ابن الزبعرى وقد أسلم يوم الفتح ووهم من ظنه أخا لعمر بن الخطاب وممن وهم في ذلك الحلبي في سيرته ٢/٦٤٤ والحقيقة أنهما لا يلتقيان إلا في فهر بن مالك. انظر المعارف لابن قتيبة ٧٧، أسد الغابة ٣/٤٠.
  2. ٢أحجرناهم حصرناهم وشهراً كريتا تاماً كاملاً قال في القاموس ١/١٥٥ سنة كريت تامة.
  3. ٣السيرة النبوية ٢/٢٢٥.
  4. ٤هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص القرشي السهمي الشاعر أمه عاتكة بنت عبد الله بن عمرو بن وهب بن حذافة بن جمح وكان أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وعلى أصحابه بلسانه ونفسه وكان يناضل عن قريش ويهاجي المسلمين وكان من أشهر شعراء قريش. أسلم بعد الفتح وحسن إسلامه. أسد الغابة ٣/١٥٩.
  5. ٥السيرة النبوية ٢/٢٥٨.

المبحث الثاني: المبارزة

١/٢٩٢١/٢٩٢

قال ابن إسحاق: "في سياق حديثه عن المناوشات التي حصلت بين الفريقين ثم تيمموا ١ مكاناً ضيقاً٢ فضربوا خيلهم فاقتحمت ٢ منه فجالت بهم في السبخة ٣ بين الخندق وسلع.

  1. ١تيمموا: قصدوا. النهاية في غريب الحديث ٥/٣٠٠.
  2. ٢اقتحمت: اقتحم في الأمر رمي بنفسه فيه من غير رويّة. مختار الصحاح ٥٢٢.
  3. ٣السبخة بالتحريك واحدة السباخ وهي الأرض الملحة النازة. معجم البلدان ٣/١٨٣.

وخرج علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة ١ التي أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق ٢ نحوهم ٣ وهنا أحس الفريقان بالخطر وكانت هي الشرارة الأولى التي ألهبت حماس الفريقين فالمسلمون كان حماسهم يكمن في فرحهم بنجاح الخطة التي اتخذوها وهي -الخندق-.

  1. ١الثغرة: الثلمة وهي موضع المخافة من أطراف البلاد. النهاية في غريب بالحديث ١/٢١٣.
  2. ٢العنق: بفتح العين والنون. نوع من سير الإبل والخيل وهو الوسط بين السريع والبطئ.
  3. ٣السيرة النبوية ٢/٢٢٤.
  4. *قال بعض المؤرخين -: "أن هذا المكان أغفله المسلمون ويمكن أن يقال أنه لصعوبة المكان وصلابته ولأن المنطقة كما هو معروف- أكثرها صخرية - كان هذا المكان ضيقاً والله أعلم".
١/٢٩٣١/٢٩٣

والمشركون كان حماسهم لقتل بعض زعمائهم كما سيأتي وكانوا يحاولون جاهدين الانتقام وكانوا هم أشد خطراً لأنهم هم المعتدون. كما أن المسلمين أصبحوا يطوقونهم في تلك الحالة - وهم داخل معسكر المسلمين- أمامهم في الثغرة وخلفهم في المعسكر.

مقتل عمرو بن عبدود

قال ابن إسحاق: "وكان عمرو بن عبدود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد فلما كان يوم الخندق خرج معلماً١ ليرى مكانه فلما وقف هو وخيله قال من يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب فقال له ياعمرو: " إنك كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه قال له: أجل ". قال له علي: " فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام " قال " لا حاجة لي بذلك ". قال " فإني أدعوك إلى النزال " فقال له: " لم يأبن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك ". قال له علي: " لكني والله أحب أن أقتلك " فحمي ١ عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره ٢ وضرب وجهه ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي -رضي الله عنه- وخرجت خيلهم منهزمةً حتى اقتحمت من الخندق هاربة. قال ابن إسحاق: "وقال علي رضوان الله عليه في ذلك: نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت رب محمد بصوابي فصددت حين تركته متجدلاً ... كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني ... كنت المقطر بزّني أثوابي ٣ لا تحسبن الله خاذل دينه ... ونبيه يا معشر الأحزاب ٤ قال ابن هشام: "وأكثر أهل الشعر يشك فيها لعلي بن أبي طالب" ٥.

  1. ١فحمى: أشتد غضبه.
  2. ٢عقر البعير والفرس بالسيف (فانعقر) أي ضرب قوائمه. المختار الصحاح ٤٤٥.
  3. ٣المقطر: هو الذي يلقي على قطره - وتقطر - تهيأ للقتال ورمي بنفسه من علو. وبزّني: سلبني ثيابي أو أي شيء كان معي. القاموس المحيط ٢/١١٩، ١١٦.
  4. ٤هكذا جاء عند ابن إسحاق وفي الاكتفاء للكلاعي أبياتاً أخرى فراجعه ٢/١٦٨.
  5. *معلماً: المعلم الذي يجعل له علامة يعرف بها.
١/٢٩٤١/٢٩٤

قال الحاكم -رحمه الله-: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار ١ حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق ٢ قال: "كان عمرو بن عبدود فارس قريش وكان قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، ولم يشهد أُحُداً فلما كان يوم الخندق خرج معلماً ليرى مشهده فلما وقف هو وخيله قال له علي ياعمرو قد كنت تعاهد الله لقريش أن لا يدعوك رجل إلى خلتين إلا قبلت منه أحداهما فقال عمرو أجل. فقال علي -رضي الله عنه- فإني أدعوك إلى الله -عز وجل- وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، والإسلام فقال لا حاجة لي في ذلك قال فإني أدعوك إلى البراز فقال يابن أخي لم؟ فوالله ما أحب أن أقتلك. فقال علي لكني والله أحب أن أقتلك فحمي عمرو فاقتحم عن فرسه فعقره ثم أقبل فجاء إلى علي وقال من يبارز؟ فقام علي وهو مقنع في الحديد فقال أنا له يا نبي الله فقال إنه عمرو بن عبدود ٣ اجلس. فنادى عمرو ألا رجل فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى إليه علي -رضي الله عنه- وهو يقول: لا تعجلن فقد أتاك ... مجيب صوتك غير عاجز ذو نبهة وبصيرة ... والصدق منجا كل فايز إني لأرجو أن أقيم ... عليك نائحة الجنائز من ضربة نجلاء ... يبقى ذكرها عند الهزاهز ٤ فقال له عمرو: من أنت؟ قال أنا علي قال ابن من؟ ابن عبد مناف؟ فقال أنا علي بن أبي طالب فقال عندك يا ابن أخي مِنْ أعمامك من هو أسن منك١؟ فانصرف فإني أكره أن أهريق دمك فقال علي لكني والله ما أكره أن أهريق دمك فغضب فسل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو علي مغضباً واستقبله علي بدرقته ٥ فضربه عمرو في الدرقة فقدها ٦. وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه وضربه علي -رضي الله عنه- على حبل العائق فسقط وثار العجاج ٧ فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير فعرف أن علياً قتله وقال رضي الله عنه شعراً كان في آخره: عبد الحجارة من سفاهة عقله ٨ ... وعبدت رب محمد بصواب ثم أقبل علي -رضي الله عنه- نحو رسول الله ووجهه يتهلل فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- هلا استلبت درعه فليس للعرب درعاً خيراً منها. فقال: "ضربته فأتقاني بسؤته واستحييت ابن عمي أن استلبه ٩. وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق" . أ: هـ ١٠.

  1. ١هو العطاردي.
  2. ٢تقدم رجال السند.
  3. ٣قال صلى الله عليه وسلم ذلك لعلي لأن عمراً كان فارساً مشهوراً معمراً قد جاوز التسعين فهو أدرى بالحرب وملابساتها. انظر: الطبقات الكبرى ٢/٦٨، السيرة النبوية ٢/٦٤١.
  4. ٤عند البيهقي أنه قال هذه الأبيات رداً على أبيات قالها عمرو سأوردها فيما بعد أن شاء الله.
  5. ٥الدرقة هي الحجفة والجمع درق والدرق بالفتح الصلب من كل شيء. القاموس المحيط ٣/٣٣٠.
  6. ٦فقدها: القذ الشق طولاً. المصدر السابق ١٠/٣٢٥.
  7. ٧العجاج: الغبار والد خان أيضاً. مختار الصحاح ٤١٣.
  8. ٨في بعض الروايات (رأيه) وكلاهما بمعنى.
  9. ٩هكذا ثبت في كلا الروايات وهذا يرد على صاحب السيرة الحلبية حيث قال وعندي اشتباه في هذا لأن هذه الوقعة لعلي كانت يوم أحد مع طلحة بن أبي طلحة وهذا يرده نقله نفس الكلام من السهيلي. السيرة الحلبية ٢/٦٤٣.
  10. ١٠المستدرك للحاكم ٣/٣٢-٣٣، السنن الكبرى للبيهقي ٦/٣٠٨، ٩/١٣٢.
  11. *السيرة النبوية ٢/٢٢٥.
  12. *أسن منك: أكبر منك.
١/٢٩٧١/٢٩٧

وقد أورد البيهقي من طريق ابن إسحاق في موضع آخر من السيرة حيث قال: "وخرج عمرو بن عبد ود وهو مقنع بالحديد فنادى من يبارز؟ فقال علي -رضي الله عنه- أنا لها يانبي الله فقال إنه عمرو اجلس، ونادى عمرو ألا رجل وهو يؤنبهم" ٣ ويقول أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها أفلا تبرزون إليّ رجلاً فقام علي فقال أنا يا رسول الله فقال اجلس ثم نادى الثالثة فقال: ولقد بححت من النداء ... بجمعكم هل من مبارز؟ ووقفت إذ جبن المشجع ... موقف القرن ١ المناجز

  1. ١القرن: بكسر المثناة المعجمة وهو الكفؤ في الشجاعة. المختار ٥٣٢.

ولذاك أني لم أزل ... متسرعاً قبل الهزاهز إن الشجاعة في الفتى ... والجود من خير الغرائز قال فقام علي -رضي الله عنه- فقال يا رسول الله: "أنا فقال إنه عمرو فقال وإن كان عمراً فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى إليه حتى أتاه وهو يقول: لا تعجلن فقد أتاك ... مجيب صوتك غير عاجز ذو١ نية وبص وضربه على حبل عاتقه فسقط وثار العجاج وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير فعرفنا أن علياً قد قتله فثم يقول علي أعليّ تقتحم الفوارس هكذا ... عني وعنهم أخروا أصحابي اليوم تمنعني الفرار حفيظتي ... ومصمم في الراس ليس بنابي إلى أن قال عبد الحجارة من سفاهة رأيه ... وعبدت رب محمد بصوابي قال ثم أقبل علي نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يتهلل١.

  1. *التأنيب المبالغة في التوبيخ والتعنيف. النهاية في غريب الحديث ١/٧٣.
١/٢٩٩١/٢٩٩

قال ابن هشام وألقى عكرمة رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو فقال في ذلك حسان: فرّ وألقى لنا رمح وقال: "اللهم أعنه عليه" ١. وقال الزرقاني نقلاً عن الحاكم قال ١: سمعت الأصم قال سمعت العطاردي قال سمعت يحى بن آدم ٢ يقول ما شبهت قتل علي عمراً إلا بقوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوت﴾ ٤ الآية. والحديث يعتبر من الشواهد المقوية. وحديث قتل علي لعمرو ذكره غير واحد منهم: ابن سعد ٣ كما أخرجه الطبري عن الزهري ٤ مرسلاً وذكره ابن الأثير ٥. وعزاه ابن سيد الناس لابن إسحاق ٦، وقد ذَكَره علي المتقي الهندّي، وذكر بأن المحاملي أورده في أماليه وفيه زيادةٌ هذا نصها: عن ابن عباس قال: "سَمِعْتُ عمر يقول جاء عمرو بن عبد ود فجعل يجول بفرسه حتى جاوز الخندق إلى أن قال: ... صلى الله عليه وسلم: " اخرج يا علي " فقال له عمرو من أنت يا ابن أخي؟ قال أنا علي فقال إن أباك كان نديماً لي لا أحب قتالك ... إلى أن قال عمرو إني نذرت أن أقتل حمزة فسبقني إليه وحشي ثم إني نذرت أن أقتل محمداً قال علي: " فانزل فنزل فاختلفا في الضربة فضربه علي فقتله "١.

  1. ١أي الحاكم، وانظر: المستدرك ٣/٣٦.
  2. ٢يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي أبو زكريا مولي بني أمية - ثقة حافظ فاضل - من كبار التاسعة مات سنة ثلاث ومائتين (ع) . التقريب ٣٧٣.
  3. ٣شرح المواهب اللدنية ٢/١١٥.
  4. ٤تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٨.
  5. ٥الكامل ٢/١٢٤.
  6. ٦عيون الأثر ٢/٦١.
  7. *الطبقات الكبرى ٢/٦٨.
  8. *سورة البقرة الآية ٢٥.
١/٣٠١١/٣٠١

وقد قيل إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أذن لعلي في مبارزة عمرو دعا الله وقال اللهم أعنه عليه بعد أن عممه وأعطاه سيفه ذا الفقار وكل ذلك بدون إسناد وذكروا أيضاً أن علياً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق اللهم أنك أخذت عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وهذا علي فلا تدعني فرداً وأنت خير الوارثين" أ: هـ. هكذا ذكره في كنز العمال٢وعزاه إلى الديلمي.

مقتل نوفل المخزومي

قال ابن سعد: "ثم أًجْمع رؤساؤهم أن يغدوا يوماً فغدوا جميعاً ومعهم رؤساء سائر الأحزاب وطَلَبوا مضيقاً من الخندق يقحمون منه خيلهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يجدوا ذلك وقالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها قالو فمن هناك إذاً، فصاروا إلى مكان ضيق أغفله المسلمون فعبر عكرمة بن أبي جهل ونوفل بن عبد الله وضرار بن الخطاب وهبيرة بن ابي وهب وعمرو بن عبد ود وذكر المبارزة إلى أن قال: وولي أصحابه١هاربين وظفرت بهم خيولهم٢وحمل الزبير بن العوام على نوفل بن عبد الله بالسيف فضربه فشقه باثنين "٣. وقال البيهقي: "وذكر ابن إسحاق خروجهم ودعاء عمرو إلى البراز على وجه آخر في الإسناد الذي ذكرناه فقال: "وكان ممن خرج يوم الخندق هبيرة بن أبي وهب٤المخزومي وخرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي يسأل المبارزة فَخَرَج إليه الزُّبير بن العَوام رضي الله عنْه فضرَبه فشقَّه باثنتين حتى فل في سيفه فلا ١ فانصرف وهو يقول: أني امرؤ احمي واحتمي ... عن النبي المصطفى الأمي قال الزرقاني في شرحه للمواهب اللدنية: "وَبَرز نوفل بن عبد الله المخزومي فقتله الزبير بن العوام بالسيف حتى شقه اثنين فقطع سرجه حتى خلص إلى كاهل الفرس فقيل: ما رأينا سيفاً مثل سيفك قال ما هو السيف ولكنها الساعد" أ. هـ. ١ وقال ابن سيد الناس نقلاً عن ابن عائذ قوله: "واقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي على فرس له ليوثبه الخندق فوقع في الخندق فقتله الله وكبر ذلك على المشركين وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نعطيكم الدية على أن تدفعوه إلينا فندفنه فرد إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خبيث خبيث الدية فلعنه الله ولعن ديته ولا نمنعكم أن تدفنوه ولا أرب ٢ لنا في ديته وقيل أعطوه في جثته عشرة آلاف" ٣. وقال ابن كثير: "وقد ذكر موسى بن عقبة أن المشركين إنما بعثوا يطلبون جسد نوفل بن عبد الله المخزومي حيث قتل وعرضوا عليه الدية فقال إنه خبيث خبيث الدية فلعنه الله ولعن ديته فلا أرب لنا في ديته ولسنا نمنعكم أن تدفنوه ". قال: وذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق حيث قال: "وخرج نوفل المخزومي فسأل المبارزة فذكر خروج الزبير إليه وقتله ". ثم قال: "وقد ذكر ابن جرير أن نوفلاً لما تورط في الخندق رماه الناس بالحجارة فجعل يقول قتلة أحسن من هذه يامعشر العرب فنزل إليه علي فقتله وطلب المشركين رمته ٣. من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن فأبى عليهم أن يأخذ منهم شيئاً ومكنهم من أخذه إليهم. قال وهذا غريب من وجهين" أ. هـ. ٢ولم يبين وجه الغرابة.

  1. ١فل: أي في سيفه كسر. مختار الصحاح ٥١٢.
  2. ٢الأرب: الحاجة. مختار الصحاح ١٣.
  3. ٣رمته: جيفته.
  4. *كنز العمال ١٠/٤٥٦- ٤٥٧.
  5. *كنز العمال ١٠/٤٥٦- ٤٥٧.
  6. *يرجع الضمير في قوله - وولي أصحابه - إلى عمرو بن عبدود.
  7. *الضمير محتمل الرجوع إلى خيل المسلمين وقد يكون راجعا إلى خيل الكفار.
  8. *الطبقات الكبرى ٢/٦٨.
  9. *هو زوج أم هانئ - أخت على رضي الله عنه-.
  10. *شرح المواهب ٢/١١٥.
  11. *عيون الأثر ٢/٦٠.
١/٣٠٤١/٣٠٤

ثم إن ابن جرير رواه عن الزهري والزهري رواه مرسلاً فهو ضعيف. لأن الآثار التي وردت كلها على اختلاف مراتبها تبين أن قاتله الزبير إلا أن يكونا اشتركا في قتله فالله أعلم.

على ضوء ما سبق نرى أن هناك اختلافاً حول قاتل نوفل: (أ) فالأكثر أن الذي قتله الزبير وذلك بصريح الآثار وكثرة القائلين بذلك وقد تقدموا.

  1. *البداية والنهاية ٤/١٠٧.
١/٣٠٥١/٣٠٥

(ب) المعارض لهذا الرأي هو الطبري وقد تقدم قوله كما يفهم ذلك من كلام ابن الأثير ١ وإن كان لم يصرح.

  1. ١الكامل ٢/١٢٤ حيث قال بعد أن ذكر المبارزة وقتل علي عمراً قال وقتل من المشركين اثنان قتل أحدهما علي.

قال ابن جرير كما في كنز العمال: حدثنا أبو كريب ١ حدثنا وكيع ٢ عن سفيان عن عبد الكريم الجزري ٣ عن عكرمة ٤ قال لما كان يوم الخندق قام رجل من المشركين فقال من يبارز فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قم يا زبير" فقالت صفية يا رسول الله واجدى ٥ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قم يا زبير" فقام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيهما علا صاحبه قتله" فعلاه الزبير فقتله ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم بسلبه فنفله إياه ٦. والحديث على ضوء هذا السند مرسل ورجاله ثقات.

  1. ١محمد بن العلاء بن كريب الهمذاني - أبو كريب- الكوفي مشهور بكنيته - ثقة حافظ - من العاشرة- مات سنة ٢٤٩. وهو ابن سبع وثمانين سنة (ع) التقريب ٣١٤.
  2. ٢وكيع بن الجراح بن فليح الرؤاسي بضم الراء ثم المهملة أبو سفيان الكوفي - ثقة حافظ- عابد من كبار التاسعة مات في آخر أو أول سنة ١٩٧. وله سبعون سنة (ع) . التقريب ٣٦٩.
  3. ٣عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد مولى بني أمية وهو الخضرمي بالخاء والضاد المعجمتين نسبة إلى قرية من اليمامة - ثقة - من السادسة مات سنة ١٢٧ (ع) التقريب ٢١٧.
  4. ٤عكرمة هو مولى ابن عباس وقد تقدم.
  5. ٥واجدي من الوجد وهو الحزن وهو - بالجيم المعجمة - وفي المنتخب واحدى بالحاء المهملة ولعل الظاهر بالجيم المعجمة لأن صفية كان لها ابن آخر وحضر غزوة الخندق وكان يسمى - السائب - المعارف لابن قتيبة ٩٦.
  6. ٦كنز العمال ١٠/٤٥٥.
١/٣٠٦١/٣٠٦

أ- الكثيرون من أهل المغازي والسير يذكرون بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأخذ الدية - في الكافر الذي قتل في الخندق - بل دفعه إليهم وقال بأنه خبيث الجثة وتؤيدهم الآثار التالية: قال المتقي الهندي وعزاه لابن أبي شيبة: "عن عكرمة أن نوفلاً أو ابن نوفل تردى به فرسه يوم الخندق فقتل فبعث أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بديته مائة من الإبل فأبي النبي صلى الله عليه وسلم وقال " خذوه فأنه خبيث الدية خبيث الجثة" ٣. وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا نصر بن باب ١ حدثنا حجاج عن الحكم ٢ عن مقسم ٣ عن ابن عباس أنه قال قتل المسلمون يوم الخندق رجلاً من المشركين فأعطوه بجيفته مالاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أدفعوا إليهم جيفته فإنه خبيث الجثة الدية فلم يقبل منهم شيئاً "٤. والحديث ضعيف لوجود نصر بن باب فيه. قال ابن كثير: " وقد رواه البيهقي من حديث حماد بن سلمة ٤ عن حجاج وهو ابن ارطأة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رجلاً من المشركين قتل يوم الأحزاب فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا بجسده ونعطيك ٥ اثني عشر ألفاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا خير في جسده ولا في ثمنه ٦.

  1. ١نصر بن باب أبو سهل الخراساني المروزي روى عن داود بن أبي هند وإبراهيم الصائغ وعنه أحمد وابن المديني ومحمد بن رافع. قال الذهبي: "تركه جماعة" وقال البخاري: "يرمونه بالكذب" وقال ابن معين: "ليس حديثه بشيء" وقال ابن حبان: "لا يحتج به" وقال أحمد: "ما كان به بأس إنما انكروا عليه حين حدث عن إبراهيم الصائغ قيل توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة". انظر: ميزان الاعتدال ٤/٢٥٠
  2. ٢الحكم بن عتيبة بالمثناة ثم الموحدة مصغراً أبو محمد الكندي الكوفي - ثقة ثبت - فقيه إلا أنه ربما دلس من الخامسة مات سنة ١١٣ أو بعدها وله نيف وستون (ع) . التقريب ٨٠.
  3. ٣مقسم بكسر أوله ابن بجرة بضم الموحدة وسكون الجيم ويقال نجدة بفتح النون والدال أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث ويقال له مولى ابن عباس للزومه له - صدوق وكان يرسل من الرابعة مات سنة أحدى ومائة وماله في البخاري إلا حديث واحد روى له الجماعة إلا مسلماً. التقريب ٣٤٦.
  4. ٤حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بأخره من كبار الثامنة. مات سنة ١٦٧ روى له (خت م ع) . التقريب ٨٢.
  5. ٥كذا عند البيهقي وعند ابن كثير (نعطيهم) .
  6. ٦البداية والنهاية ٤/١٠٧، انظر السنن الكبرى للبيهقي ٩/١٣٣.
  7. *كنز العمال ١٠/٤٥٥.
  8. *مسند الإمام أحمد ١/٢٤٨- ٢٧١.
١/٣٠٨١/٣٠٨

وقد رواه الترمذي حيث قال: حدثنا محمود بن غيلان ١ حدثنا أبو أحمد ٢ حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: "أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم" ٥. قال الترمذي: "غريب لا نعرفه إلا من حديث الحكم" . ولعل استغراب الترمذي أتى بسبب أبي حمد الزبيري فإنه يخطئ في حديث الثوري والرواية هنا عنه.

  1. ١محمود بن غيلان العدوي مولاهم أبو أحمد المروزي نزيل بغداد - ثقة - من العاشرة مات سنة ٢٣٩ وقيل بعد ذلك روى له (خ م ت ق س) . التقريب ٣٣٠.
  2. ٢محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي أبو أحمد الزبيري الكوفي - ثقة ثبت - إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري من التاسعة مات سنة ٢٠٣. روى له (ع) التقريب ٣٠٤
  3. *سنن الترمذي ٣/١٢٩، وفي الميزان ٣/٦١٥ قال: حسنه الترمذي وهو غريب.
١/٣٠٩١/٣٠٩

أما كلام أهل المغازي في ذلك فهو كما قال البيهقي: "وذكر ابن إسحاق في موضع آخر من هذا الكتاب عقب قتل الزبير لنوفل - أن عليا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه فمات في الخندق" . إلى أن قال: "وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف فقال صلى الله عليه وسلم: " هو لكم لا نأكل ثمن الموتى " أ. هـ. ١ وقال الديار بكري: "وفي معالم التنزيل: طلب المشركون جيفة نوفل بالثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية" ٢.أ. هـ: (ب) في مقابل القائلين بعدم جواز بيع جيفة الكافر واعتمادهم على الآثار الواردة جاء عند الحاكم ما يخالف ذلك حيث أورد بسنده حديثاً يدل على الجواز وأخذ الدية.

حيث قال رحمه الله: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ١ حدثنا أحمد بن عبد الجبار ٢ حدثنا يونس بن بكير ٣ عن محمد بن عبد الرحمن ٤ عن الحكم بن عتيبة عن مقسم ٥ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قتل رجل من المشركين يوم الخندق فطلبوا أن يواروه ٦ فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعطوه الدية" ٥... قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.

  1. ١هو النيسابوري الأصم تقدم.
  2. ٢هو العطاردي تقدم.
  3. ٣يونس بن بكير أيضا تقدم.
  4. ٤محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي القاضي أبو عبد الرحمن - صدوق سيئ الحفظ جداً من السابعة مات سنة ثمان وأربعين ١٤٨ روى له الأربعة. التقريب ٣٠٨.
  5. ٥الحكم ومقسم تقدمت ترجمتهما.
  6. ٦يواروه: يدفنوه من ذلك قوله تعالى {فأواري سوأة أخي} المائدة الآية ٣١.
  7. *دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٤٠.
  8. *تاريخ الخميس ١/٤٨٨.
١/٣١٠١/٣١٠

الحديث ضعيف لضعف ابن أبي ليلى ثم إن الحكم ثبت أنه لم يرو عن مقسم إلا خمسة أحاديث ليس هذا منها قال الذهبي: "حسنه الترمذي" . وقال عبد الحق ١ في أحكامه وابن القطان ٢: "إسناده ضعيف"

  1. ١عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد الحافظ العلامة الحجة أبو محمد الأزدي الأشبيلي ويعرف أيضا بابن الخراط من مؤلفاته الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم والأحكام الكبرى وغير ذلك ت سنة ٥٨٢. تذكرة الحفاظ ٤/١٣٥٠.
  2. ٢هو علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى الكتامي ويعرف بابن القطان أبو الحسن محدث عارف بالرجال من أهل فارس قرطبي الأصل. من تصانيفه شرح أحكام عبد الحق وبيان الوهم والإيهام في الحديث ت سنة ٦٢٨. انظر: تذكرة الحفاظ ٤/١٤٠٧.
  3. *المستدرك للحاكم ٣/٣٢.
١/٣١١١/٣١١

ومنقطع لا سماع للحكم من مقسم إلا لخمسة أحاديث ما هذا منها وضعفاه من جهة ابن أبي ليلى وقول الترمذي أولى ١.

  1. ١الميزان ٣/٦١٥.

ثم أن هناك اضطراباً في الإسناد فقد جاء عند الترمذي بسند فيه ابن أبي ليلى وجاء فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم رفض ديته وقال أنه خبيث الدية خبيث الجثة.

وعلى ذلك:

عدم جواز بيع جيفة الكافر أو أخذ ديته قال الحافظ أثناء شرحه لتبويب البخاري حيث قال (باب طرح جيف المشركين في البئر ولا يؤخذ لهم ثمن) ثم قال قوله (ولا يؤخذ لهم ثمن) قال: "أشار به لحديث ابن عباس أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبي النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم" ثم قال: وذكر ابن إسحاق في المغازي: "أن المشركين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسد نوفل بن عبد الله بن المغيرة وكان اقتحم الخندق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا حاجة لنا بثمنه ولا جسده"٢.

  1. *فتح الباري ٦/٢٨٢.
١/٣١٢١/٣١٢

وبهذا وغيره مما تقدم يتضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأخذ مقابل جثة نوفل لا دية ولا ثمناً بل إنه أعطاهم وقال إنه خبيث الدية خبيث الجثة وفي رواية قال: "لعنه الله ولعن ديته" ١.

  1. *البداية والنهاية ٤/١٠٧، عيون الأثر ٢/٦٠.

المبحث الثالث: القتلى من الجانبين

١/٣١٣١/٣١٣

استمرت المعركة والحصار مضروب فما مضت أسابيع ثلاثة على ذلك الحصار المضروب حتى دب القنوط والتخاذل في صفوف المهاجمين على حين بقيت جبهة المدافعين عن حوزة الدين الإسلامي - سليمة لم تثلم ورغم كثرة الأعداء وتحرشاتهم ومناوشاتهم المستمرة طيلة تلك المدة إلا أنه لم يقتل من المسلمين إلا عدد قليل وهم: ١- سعد بن معاذ سيد الأوس وحامل لوائهم يوم الخندق ١ وقد أفردت لبلائه في هذه الغزوة فصلاً خاصاً.

  1. ١أنظر ترجمته في: أسد الغابة ٢/٢٩٦، الإصابة في تمييز الصحابة ٢/٣٧، الطبقات الكبرى ٣/٤٢٠.

٢-أنس بن أوس بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم ابن عامر بن زاعورا بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس وزاعورا هو أخو عبد الأشهل كذا نسبه ابن الكلبي وهو أخو مالك وعمير والحارث بني أوس. قال ابن الأثير: "شهد أحداً وقتل يوم الخندق" قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: "رماه خالد بن الوليد بسهم فقتله ولم يشهد بدراً "١. وذلك بدليل ما أورده الهيثمي حيث قال: " عن ابن شهاب قال استشهد يوم الخندق من الأنصار أنس بن معاذ ١ بن أوس بن عبد عمرو ...الخ " ثم قال: " رواه الطبراني ٢ ورجاله رجال الصحيح "٤. وقال ابن سعد: "وكان فيمن قتل أيضاً في أيام الخندق أنس بن أوس بن عتيك من بني عبد الأشهل قتله خالد بن الوليد "٥.

  1. ١هو أنس بن أوس وليس في ترجمته - معاذ - وانظر: المصدر السابق، البداية والنهاية ٤/١١٦.
  2. ٢المعجم الكبير ١/٢٦٥ حديث ٧٧٠.
١/٣١٤١/٣١٤

قال ابن الأثير: "عبد الله بن سهل بن رافع الأنصاري ثم الأشهلي من بني زعوراء بن عبد الأشهل وقيل أنه من غسان وهو حليف لبني عبد الأشهل" وقال: "ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة فيمن شهد بدراً من الأنصار من بني عبد الأشهل وحلفائهم ثم قال مرة أخرى وقد ذكر ابن إسحاق فيمن قتل من المسلمين يوم الخندق عبد الله بن سهل من بني عبد الأشهل والله أعلم" ١.

  1. *أسد الغابة ١/١٢٢، والاستيعاب ١/١٩٨.
  2. *مجمع الزوائد ٦/١٤٢.
  3. *الطبقات الكبرى ٢/٧٠.
١/٣١٥١/٣١٥

٤- ثعلبة بن عنمة ١ بن عدي بن نابي بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري الخزرجي السلمي شهد العقبة في البيعتين وشهد بدراً وهو أحد الذين كسروا آلهة بني سلمة قتل يوم الخندق شهيداً قاله ابن إسحاق قتله هبيرة بن أبي وهب المخزومي ٢. وقد روى الزهري أثراً مرسلاً ونصه: "استشهد يوم الخندق من الأنصار أنس بن معاذ ... إلى قوله... ومن الأنصار ثم من بني سلمة ثعلبة بن غنمة... الخ٤" .

  1. ١هكذا عند ابن الأثير وابن كثير في البداية والنهاية ٩/١١٦، السيرة النبوية ٣/٢٢٢ بالغين المعجمة.
  2. ٢أسد الغابة ١/٢٤٤.

وقد ذكره ابن سعد وهناك جاء اسمه ثعلبة بن عنمة بالعين المهملة ١.

  1. ١الطبقات الكبرى ٢/٧٠ وقال بأن قاتله هبيرة بن أبي وهب.
  2. *أسد الغابة ٣/١٧١، والاستيعاب ٣/٥٦.
  3. *وقد تقدم الأثر وحكم الهيثمي عليه قريباً.
١/٣١٦١/٣١٦

كما ذكر ذلك ابن كثير وجاء في اسمه - ثعلبة بن غنمة بالغين المعجمة والنون ١.

  1. ١البداية والنهاية ٤/١١٦.

٥- طفيل بن النعمان بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي عقبي بدري استشهد يوم الخندق هذا ما قاله ابن الأثير ١. وذكره ابن كثير أيضاً٣ ولم يذكره ابن سعد أثناء ذكره لمن استشهد ولكنه ذكره في طبقات البدريين من الأنصار وأن الذي قتله يوم الخندق هو وحشي ٢.

  1. ١أسد الغابة ٣/٥٦.
  2. ٢الطبقات الكبرى ٣/٥٧٣، السيرة الحلبية ٢/٦٤٨.

قال ابن الأثير: "شهد بدراً قاله ابن شهاب وابن إسحاق وابن الكلبي" وقال ابن الكلبي: "قتل يوم الخندق" وقال الواقدي: "قتله ضرار بن الخطاب يوم الخندق وبه قال ابن سعد "١ وقال ابن إسحاق: " أصابه سهم غرب يوم الخندق فقتله " وبقول ابن إسحاق هذا قال ابن كثير ١. قال ابن الأثير: "ويذكرون أن الذي أصابه أمية بن ربيعة بن صخر الدؤلي وكان قد نجا يوم بئر معونة "٣.

  1. ١البداية والنهاية ٤/١١٦.
  2. *البداية والنهاية ٤/١١٦، والسيرة النبوية ٣/٢٢٢.
١/٣١٧١/٣١٧

٧ - ٨ سليط وسفيان بن عوف الأسلمي. وساق البزار حديثاً بسنده وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سليطا وسفيان بن عوف الأسلمي طليعة يوم الأحزاب فخرجا حتى إذا كانا بالبيداء إلتفت عليهم خيل لأبي سفيان فقاتلا حتى قتلا فأتيَ بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفنا في قبر واحداً فهما الشهيدان القرينان ١. وقال الهيثمي: "رواه البزار وفيه جماعة لم أعرفهم "٥ وقال حبيب الرحمن الأعظمي ٢ قلت: " وقال الحافظ في الإصابة: في سنده من لا يعرف".

  1. ١كشف الأستار ٢/٣٣٣.
  2. ٢محقق كشف الأستار قال ذلك في ٢/٣٣٢.
  3. *الطبقات الكبرى ٢/٧٠.
  4. *أسد الغابة ٤/٢٤١.
  5. *مجمع الزوائد ٦/١٣٥.
١/٣١٨١/٣١٨

٩- وقد تفرد ابن دريد ١ بقوله: "ومنهم سنان بن صيفي الخزرجي شهد بدراً والعقبة وقتل يوم الخندق" .

  1. ١الاشتقاق ٤٦٥. وانظر ترجمته في الطبقات الكبرى ٣/٥٧٢، أسد الغابة ٢/٣٥٩.

رغم كثرة المناوشات التي قامت بها جموع الأحزاب ورغم كثرتهم ومع ذلك فقد قتل منهم ثلاثة فقط ١ وقيل أربعة ٢ وهم:

  1. ١هذا ما اتفق على إيراده المؤرخون وأهل المغازي.
  2. ٢ذكر الرابع وانفرد به ابن هشام. السيرة النبوية ٣/٢٥٣.

منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار. أصابه سهم فمات منه بمكة. وقال ابن هشام هو: "عثمان بن أمية بن منبه بن عبيد بن السباق" ٤.

٢- ومن بني مخزوم: نوفل بن عبد الله بن المغيرة.

اقتحم الخندق بفرسه فتورط فيه فقتل هناك ١. قال في تاريخ الخميس: "وفي روضة الأحباب: اقتحم الخندق نوفل حين الفرار فسقط فيه فرماه المسلمون بالحجارة فصرخ يا معشر العرب قتله أحسن من هذه" ١.

  1. ١البداية والنهاية ٤/١١٦.
  2. *كذلك انفرد ابن هشام بهذه التسمية والبقية يقولون أن اسمه (منبه) .
١/٣١٩١/٣١٩

وقد تقدم الخلاف في قاتله فقيل إنه بعد تورطه وصراخه قتله علي رضي الله عنه وقيل إن الزبير قتله مبارزة وعلى كلا الحالين فقد هلك، ولأهميته لدى المشركين فقد بعثوا لشراء جسده ليدفنوه فأعطاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال لا خير في جسده ولا في ثمنه.

عمرو بن عَبْدُود العامري. قتله علي مبارزة وقد سبق ذكرها.

هؤلاء الثلاثة أتفق أهل المغازي والسير على إيرادهم في القتلى والقائلون بذلك هم: ابن إسحاق ١ وابن سعد ٢ وابن جرير ٣ وابن الأثير ٤ وابن كثير ٥.

  1. ١السيرة النبوية ٢/٢٥٣.
  2. ٢الطبقات الكبرى ٢/٦٨- ٧٠.
  3. ٣تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٩.
  4. ٤الكامل ٢/١٢٤.
  5. ٥البداية والنهاية ٤/١١٦.
  6. *تاريخ الخميس ١/٤٨٧.
١/٣٢٠١/٣٢٠

٤- حسل بن عمرو. انفرد بذكره ابن هشام حيث قال: وحدثني الثقة أنه حُدث عن ابن شهاب الزهري أنه قال: "قتل علي يومئذ عمرو بن عبدود وابنه حسل بن عمرو" ١.

هؤلاء الذين قتلوا من المشركين رغم كثرتهم ويمكن أن نرجع سبب قلة القتلى من الجانبين إلى أن: "وجود الخندق كان له سبب مباشر بعد الله. ذلك لأن المشركين تخوفوا من هذه المكيدة ولم يقتل إلا من اقتحم أو اقترب كما فعل نوفل وعمرو بن ود. والخندق في الحقيقة نصر من الله حيث ألهمهم الله إلى حفره وأعانهم على سرعة إنجازه فكان حاجزاً حصيناً ولكي يبين الله سبحانه لأعداء المسلمين من منافقين وكفار أن النصر بيد الله وليست بالكثرة وأنه متى كان الله سبحانه مع فئة ولو قليلة تكون لها الغلبة في النهاية ذلك لأن هذه الفئة القليلة تقاتل عن عقيدة سامية ومبدأ عظيم ألا وهو الإسلام" .

  1. *السيرة النبوية ٢/٢٥٣.