السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

غزوة الخندق

التاريخشوال ٥ على الأصح، وقيل ٤
عمره ﷺ٥٧
الموضعالخندق
ما نزل فيهالأحزاب ٩

شوال ٥ على الأصح، وقيل ٤، وعمره ﷺ ٥٧

تقرأ في أكرم العمري، ٤٧ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة السادسة ١٤١٥ هـ

غزوة الخندق (الأحزاب)

٢/٤١٨٢/٤١٨

وقد جرت غزوة الأحزاب في شوال سنة خمس، وهو قول جمهور العلماء ومنهم ابن إسحق والواقدي ومن تابعهم ١ ، ونقل عن الزهري ومالك بن أنس وموسى بن عقبة أنها سنة أربع ٢ ، ولا اختلاف بين القولين في الحقيقة، لأن القائلين أنها سنة أربع كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة ويلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، فتكون غزوة بدر عندهم في السنة الأولى وأحد في الثانية والخندق في الرابعة، وهو مخالف لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة ٣ . فإذاً لا اختلاف بين المؤرخين في أن الخندق في السنة الخامسة. وقد شذ ابن حزم بقوله أنه لم يكن بين أحد والخندق سوى سنة واحدة ٤ ، وبني رأيه على ظاهر حديث عبد الله بن عمر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم رده يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة، وأجازه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة ٥ . ولكن البيهقي وابن القيم والذهبي وابن حجر فسروا ذلك بأن ابن عمر كان يوم أحد في بداية الرابعة عشرة ويوم الخندق في نهاية الخامسة عشرة ٦ . وهو الموافق لقول جمهور علماء السيرة.

  1. ١ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٩٣؛ ومغازي الواقدي ٢/ ٤٤٠.
  2. ٢ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٩٣؛ وصحيح البخاري ٥/ ٤٤، حيث نقل قول موسى بن عقبة والفسوي: المعرفة والتاريخ ٣/ ٢٥٨.
  3. ٣ابن حجر: فتح الباري ٧/ ٣٩٣.وقد وضع عمر (رض) التقويم الهجري سنة سبع عشرة للهجرة (السخاوي: الاعلان بالتوبيخ ١٤١).
  4. ٤جوامع السيرة ١٨٥.
  5. ٥صحيح البخاري ٥/ ٨٩.
  6. ٦البيهقي: دلائل النبوة ١٢٢ ب؛ وفتح الباري ٥/ ٢٧٨.

وتعتبر غزوة الأحزاب للمدينة حلقة من حلقات الصراع العسكري بين المسلمين وقريش فالحرب معلنة بين الطرفين، ولا حاجة لتلمس الأسباب الرئيسية لوقوع القتال، ولكن ثمة عوامل مباشرة في التأثير يمكن بيانها، فغزوة الأحزاب جاءت على أثر إخفاق قريش في تحرير طرق تجارتها إلى الشام في غزوة أحد، فقد أوقع المشركون خسائر بالمسلمين في أحد، لكنهم عجزوا عن القضاء عليهم أو دخول بلدتهم، وظلت طرق التجارة القرشية مهددة، ونشطت سرايا المسلمين وغزواتهم بعد أحد حتى محت آثار أحد في المدينة والبوادي معاً، فكانت قريش تفكر بالقيام بعمل عسكري يحسم الموقف لصالحها بالقضاء على المسلمين في المدينة قضاء مبرماً، ونظراً إلى أن قوة قريش وحدها لا تكفي لإنجاز المهمة، فقد سعت قريش إلى التحالف مع الآخرين لحرب المسلمين، وجاءت الفرصة المواتية عندما أجلى الرسول صلى الله عليه وسلم يهود بني النضير من المدينة، فذهب عدد من زعمائهم الموتورين إلى خيبر، ومن هناك بدأوا اتصالاتهم بقريش والقبائل الأخرى للثأر لأنفسهم والعودة إلى أرضهم وأموالهم في المدينة، وهكذا خرج وفد منهم إلى مكة فيهم سلام بن أبي الحقيق النضري وحيي بن أخطب النضري، فدعوا قريشاً إلى حرب المسلمين ووعدوهم أن يقاتلوا معهم وشهدوا بأن الشرك خير من الإسلام، وقد نزلت في ذلك الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ١ ثم خرجوا من مكة إلى نجد حيث حالفوا قبيلة غطفان الكبيرة على حرب المسلمين وهكذا تحالف الأحزاب بجهود من يهود بني النضير ٢ . ويذكر موسى بن عقبة أن وفد اليهود وعد غطفان بنصف ثمر خيبر لإغرائها بالمشاركة في التحالف ٣ .

  1. ١سورة النساء: آية (٥١).
  2. ٢سيرة ابن هشام ٣/ ٢١٤، بإسناد صحيح إلى عروة لكنه من مرسل عروة، وابن كثير: تفسير ١/ ٥١٣ من رواية ابن إسحق بإسناد حسن إلى ابن عباس.
  3. ٣فتح الباري ٧/ ٣٩٣.
٢/٤١٩٢/٤١٩

وكان مكان تجمع جيش قريش وحلفائها في مر الظهران التي تبعد أربعين كيلاً عن مكة، حيث وافاهم حلفاؤهم من بني سليم ١ وكنانة وأهل تهامة.

  1. ١فتح الباري ٧/ ٣٩٣ من رواية موسى بن عقبة دون إسناد.
٢/٤٢٠٢/٤٢٠

والأحابيش، ثم تحركوا نحو المدينة حتى نزلوا بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة. أما غطفان وبنو أسد فنزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد ١ وقد سمى السيوطي القبائل النجدية المشاركة - ومعظمها فروع من غطفان - وهي: غطفان وبنو سليم وبنو أسد وفزارة وأشجع وبنو مرة ٢ .

  1. ١سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٩، ٢٢٠ من رواية ابن إسحق دون إسناد وذكر بني أسد من رواية موسى بن عقبة (فتح الباري ٧/ ٣٩٣).
  2. ٢الخصائص الكبرى ١/ ٥٦٥.

وما أن علم المسلمون بخبر تجمع الأحزاب لغزوهم حتى بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم باستشارتهم فيما ينبغي عمله لمواجهة الموقف، وكان هذا دأبه في المواقف كلها تأليفاً لقلوب أصحابه ويقتدي به من بعده وليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحرب والأمور الجزئية الأخرى ١ ، وتدريباً لهم على التفكير بالمشاكل التي تواجه المجتمع والدولة فيظهر فيهم القادة النابهون والساسة المتمرسون، وليشعروا بمسئوليتهم تجاه القضايا العامة ومشاركتهم فيها.

  1. ١ابن تيمية: السياسة الشرعية ١٣٤.

وقد أشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق ١ في المنطقة الشمالية من المدينة ليربط بين طرفي حرة واقم وحرة الوبرة، وهي المنطقة الوحيدة المكشوفة أمام الغزاة، أما الجهات الأخرى فكانت كالحصن تتشابك فيها الأبنية وأشجار النخيل وتحيطها الحرات التي يصعب على الإبل والمشاة السير فيها ٢ .

  1. ١أقدم من أشار إلى ذلك أبو معشر السندي (ت ١٧١ هـ) بدون إسناد (فتح الباري ٧/ ٣٩٣) والواقدي: مغازي ٢/ ٤٤٥، بدون إسناد، وابن هشام: السيرة ٢/ ٢٢٤.
  2. ٢ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٦٦ - ٦٧.

ولم يعترض أحد على خطة الدفاع عن المدينة، فقد كانت جموع الأحزاب كبيرة، وكانت دروس أحد ماثلة قريبة، والخندق يشكل حاجزاً يمنع الالتحام المباشر بين الغزاة والمسلمين، ويمنع اقتحام المدينة، ويوفر للمسلمين موقعاً دفاعياً جيداً، فيكبدون الغزاة الخسائر برشقهم بالسهام من رواء الخندق.

٢/٤٢١٢/٤٢١

وشرع المسلمون بحفر الخندق، وكان يمتد من أم الشيخين طرف بني حارثة شرقاً حتى المذاذ غرباً ١ ، وكان طوله خمسة آلاف ذراع وعرضه تسعة أذرع، وعمقه من سبعة أذرع إلى عشرة. وكان على كل عشرة من المسلمين حفر أربعين ذراعاً ٢ . وقد تولى المهاجرين الحفر من ناحية حصن راتج في الشرق إلى حصن ذباب، والأنصار من حصن ذباب إلى جبل عبيد في الغرب ٣ .

  1. ١لم تثبت في ذلك رواية صحيحة من الناحية الحديثية، ولكن وردت آثار ضعيفة يمكن الإفادة منها في مثل هذه الموضوعات (مجمع الزوائد للهيثمي ٦/ ١٣٠؛ والطبري: تفسير ٢١/ ٣٣؛ وفتح الباري ٧/ ٣٩٧)، ومدار هذه الروايات على كثير بن عبد الله بن عمرو المزني وهو ضعيف.
  2. ٢مصادر الحاشية السابقة نفسها.
  3. ٣ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٦٦ - ٦٧؛ وشرح ثلاثيات مسند أحمد ١/ ٩٩١ - ٢٠٠.

وقد تم الحرف بسرعة رغم الجو البارد والمجاعة التي أصابت المدينة في ذلك الوقت ١ . فكان طعام الجيش قليلاً من الشعير يخلط بدهن سنخ (متغير الرائحة لقدمه) ويطبخ فيأكلونه رغم طعمه الكريه ورائحته المنتنة لفرط الجوع ٢ .

  1. ١صحيح البخاري ٥/ ٤٥؛ وفتح الباري ٧/ ٣٩٥.
  2. ٢فتح الباري ٧/ ٣٩٢ - ٣٩٣ من متن صحيح البخاري.

وأحياناً لا يجدون سوى التمر ١ ، وقد يلبثون ثلاثة أيام لا يذوقون طعاماً ٢ .

  1. ١ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٩٩، وقال: "رواه ابن إسحق وفيه انقطاع".
  2. ٢فتح الباري ٧/ ٣٩٥ من صحيح البخاري.

ولكن حرارة الإيمان طغت على آثار البرد والجوع القارصين، فكان المسلمون يعملون بقوة ويحملون التراب على أكتافهم، وفيهم من كان لا يخدم نفسه من التجار والزعماء، وقد استووا جميعاً في الحفر وحمل الأتربة وهم في غاية الحماس يرددون الأهازيج، والرسول صلى الله عليه وسلم يحفر معهم وينقل التراب حتى اغبرَّ بطنه ووارى التراب جلده، وقد شدَّ على بطنه حجراَّ لفرط الجوع ١ ، وكان الصحابة يلجأون إليه إذا عرضت لهم الصخرة الكبيرة فيأخذ المعول ويفتت الصخرة ٢ .

  1. ١صحيح البخاري ٥/ ٤٧، وصحيح مسلم ٣/ ١٤٣٠، وفتح الباري ٧/ ٣٩٥.
  2. ٢صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٣٩٥).
٢/٤٢٢٢/٤٢٢

وكان يردد معهم الأهازيج والأرجاز مشاركة لهم وتواضعاً، ويقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لا قينا إن الألى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا وكان يمد صوته بآخرها ١ .

  1. ١صحيح البخاري ٥/ ٤٧، والفتح ٧/ ٣٣٩.

وكان المسلمون يقولون وهم يحفرون وينقلون التراب: نحن الذين بايعوا محمداً ... على الإسلام ما بقينا أبَدَاً فكان يجيبهم بقوله: "اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فبارك في الأنصار والمهاجرة" ١ ، وربما يبدؤهم بقوله فيردون عليه بقولهم ٢ .

  1. ١صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٣٩٢ - ٣٩٣).
  2. ٢صحيح البخاري ٥/ ٤٥، وفيه "الجهاد" بدل "الإسلام".

وكان لمشاركته صلى الله عليه وسلم بصورة فعلية - وليست رمزية - أثر كبير في الروح التي سادت موقع العمل، وقد تمكن المسلمون من إنجاز الخندق في ستة أيام فقط ١ . وبذلك نفذوا متطلبات خطة الدفاع عن المدينة قبل وصول الأحزاب.

  1. ١السمهودي: وفاء الوفاء ٤/ ١٢٠٨ - ١٢٠٩، وينقل ذلك عن ابن سعد وابن الجوزي: الوفا بأخبار المصطف، ص ٦٩٣، وتلقيح فهو من أهل الأثر، ص٥٩.

وقد حدثت عدة معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم أثناء حفر الخندق، منها تكثير الطعام، فقد لاحظ الصحابي جابر بن عبد الله ما أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم من الجوع الشديد فطلب من زوجته أن تصنع له طعاماً، فذبح معزى له، وطحنت زوجته صاعاً من شعير، وصنعت برمة، وذهب جابر فدعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطعام، وساره بكمية الطعام، فصاح النبي بالمسلمين ودعاهم إلى طعام جابر، فحضر منهم ألف، وأسقط في يد جابر وأهله، لكن النبي صلى الله عليه وسلم بارك في البرمة فأكل منها الجميع حتى شبعوا وتركوا فيها الكثير، فأكل منه أهل جابر وأهدوا منه ١ .

  1. ١صحيح البخاري ٥/ ٤٦، وصحيح مسلم ٣/ ١٦١٠.
٢/٤٢٣٢/٤٢٣

ومن معجزاته إخباره لعمار بن ياسر وهو يحفر بأمر غيبي حيث قال له: "تقتلك الفئة الباغية" فكان أن قتل في صفين ١ .

  1. ١صحيح مسلم ٤/ ٢٢٣٥.

وعندما واجهت الصحابة صخرة عجزوا عن كسرها أثناء الحفر ضربها الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث ضربات ففتتها وقال إثر الضربة الأولى: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضربها الثانية، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثم ضرب الثالثة، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة ١ .

  1. ١من رواية أحمد والنسائي وقال الحافظ ابن حجر أن إسنادها حسن إلى البراء بن عازب - أحد شهود العيان - (فتح الباري ٧/ ٣٩٧) وأورده الطبراني (المعجم الكبير ١١/ ٣٧٦) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ونعيم العنبري (مجمع الزوائد ٦/ ١٣١)، وعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ثقة وأما نعيم فلم أقف على ترجمته. وانظر: مسند أحمد ٤/ ٣٠٣، وفي إسناده ميمون البصري ضعيف، ولكن قد حسن الحافظ ابن حجر هذا الإسناد.

وهكذا بشرهم بما سيكون من فتوح لهذه البلدان وهم محصورون في خندق يقرصهم البرد والجوع! فقال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ ١ وأما المنافقون فقد سخروا من هذه البشارة وقالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ٢ . وموقف المنافقين كان يتسم بالجبن والإرجاف وتخذيل المؤمنين، وقد وردت روايات ضعيفة تحكي أقوالهم في السخرية والإرجاف والتخذيل ٣ ، ولكن القرآن الكريم يتكفل بتصوير ذلك أدق تصوير والآيات هي: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ .

  1. ١سورة الأحزاب: الآية (٢٢).
  2. ٢سورة الأحزاب: الآية (١٢).
  3. ٣المعجم الكبير للطبراني ١١/ ٣٧٦،وفيه نعيم العنبري لم أقف على ترجمته وقد وثقه الهيثمي (مجمع الزوائد ٦/ ١٣١)، وتفسير الطبري ٢١/ ١٣١ من مرسل أسامة بن زيد وهو ضعيف، والبيهقي: دلائل النبوة، ص ١٢٦ ب، من مرسل محمد بن فليح وهو ضعيف. والسيوطي: الدرر المنثور ٥/ ١٨٥، من طرق مدارها على كثير بن عبد الله وهو ضعيف.
٢/٤٢٤٢/٤٢٤

﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ .

﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ .

﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ .

﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ .

﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ .

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ .

﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ .

٢/٤٢٥٢/٤٢٥

﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ ١ .

  1. ١سورة الأحزاب: الآية (١٣ - ٢٠).

والآيات تشير إلى حالة النفاق وما تولده من القلق في النفوس والجبن في القلوب وانعدام الثقة بالله عند تعاظم الخطوب والجرأة على الله تعالى بدل اللجوء إليه عند الامتحان، ولا يقف الأمر عند الاعتقاد بل يتبعه العمل المخذل المرجف، فهم يستأذنون الرسول صلى الله عليه وسلم للانصراف عن ميدان العمل والقتال بحجج واهية زاعمين أن بيوتهم مكشوفة للأعداء، وإنما يقصدون الفرار من الموت لضعف معتقدهم وللخوف المسيطر عليهم، بل ويحثون الآخرين على ترك مواقعهم والرجوع إلى بيوتهم، ولم يراعوا عقد الإيمان وعهود الإسلام.

ورغم كل تخذيل المنافقين وإرجافهم وظروف المجاعة وشدة البرد، فقد مضى المسلمون في تنفيذ مهامهم وإكمال خطة الدفاع عن المدينة، فلما أنجز الخندق، وضع الرسول صلى الله عليه وسلم النساء والأطفال في حصن فارع ١ وهو أقوى حصون المسلمين وهو لبني حارثة ٢ .

  1. ١صحيح مسلم ٤/ ١٨٧٩.
  2. ٢رواه الطبراني (الهيثمي: مجمع الزوائد ٦/ ١٢٣ وقال: رجاله ثقات) وفيه شيخ الطبراني وشيخ شيخه لم أقف لهما على ترجمة وفيه هرير الأنصاري مقبول فالإسناد ضعيف لكن المسألة تتعلق بوصف الحصن فيتساهل فيها، وقد ذكر ابن إسحق (الطبري: تاريخ الرسل والملوك ٢/ ٥٧٠ - ٥٧١).

وقد رتب النبي صلى الله عليه وسلم جيشه، فأسند ظهرهم إلى جبل سلع داخل المدينة ١ ، ووجوهم إلى الخندق الذي يفصل بينهم وبين المشركين الذين نزلوا رومة بني الجرف والغابة ونقمى ٢ .

  1. ١السفاريني: شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد ١/ ١٩٩ - ٢٠٠ وسيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٠ والفيروز آبادي: المغانم المطابة ١٣٤. ولا يتعارض مع قول ابن إسحق "زغابة" بدل "الغابة" فإن الغابة شمال زغابة وقريبة منها (سيرة ابن هشام ٢٣/ ٢١٥).
  2. ٢الطبري: تفسير ٢١/ ١٢٩ - ١٣٠ من مرسل عروة وغيره.
٢/٤٢٦٢/٤٢٦

وكان تفوق المشركين العددي كبيراً فقد بلغوا عشرة آلاف مقاتل ١ ، وذكر ابن سعد أن قريشاً وأحابيشها ومن قدم معها من العرب كانوا أربعة آلاف ومعهم ثلثمائة فرس وألف وخمسمائة بعير ثم التحق بهم بنو سليم بمر الظهران وهم سبعمائة ٢ .

  1. ١سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٥ دون إسناد، وتفسير الطبري ٢١/ ١٢٩ - ١٣٠ من مرسل عروة وغيره، وفتح الباري ٧/ ٣٩٣ من طريق ابن إسحق بأسانيده.
  2. ٢الطبقات الكبرى ٢/ ٦٦.

وأضاف ابن الجوزي أن فزارة كانوا ألف رجل، وأشجع كانوا أربعمائة رجل وبنو مرة كانوا أربعمائة ١ . وبذلك يكون جملة العدد ستة آلاف وخمسمائة مقاتل، وتكون بقية العشرة آلاف مقاتل من بني أسد وبقية غطفان.

  1. ١الوفا بأخبار المصطفى ٦٩٢.

وأما جيش المسلمين فقد ذكر ابن إسحق أنهم ثلاثة آلاف مقاتل ١ . وتابعه جمهور علماء السيرة. وجزم ابن حزم أنهم سبعمائة فقط ٢ ، وقد بنى ذلك على أساس أن المسلمين كانوا سبعمائة بأحد وبينها وبين الخندق في رأيه سنة واحدة فمن أين صار للمسلمين ثلاثة آلاف مقاتل!!.

  1. ١سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٠ دون إسناد.
  2. ٢جوامع السيرة ١٨٧.

ورأي ابن حزم الذي جزم بصحته لا يصح، فالذين شهدوا الوليمة وحدهم في بيت جابر بن عبد الله كانوا ألفاً كما في الحديث الصحيح. والذين كانوا يقومون بالدوريات لحراسة المدينة كانوا خمسمائة ١ ، فكيف يكون سائر الجيش تسعمائة!!. وما بين أحد والخندق سنتان وقد كبر من الصبيان عدد ممن لم يشهدوا أحداً لصغر سنهم، وقام المسلمون بنشاط كبير في الدعوة إلى الإسلام رغم الأخطار، وكانت الهجرة إلى المدينة تعقب دخول الإسلام، فلا غرابة إذا ما زاد عدد جيش المسلمين.

  1. ١ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٦٧.
٢/٤٢٧٢/٤٢٧

ولما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم كثرة الأحزاب، رأى أن يخفف الضغط على المدينة، وأن يصالح غطفان بأن يعطيهم ثلث ثمار المدينة لعام، لكنه لما شاور سعد بن معاذ زعيم الأوس وسعد بن عبادة زعيم الخزرج قالا: "لا والله ما أعطينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الله بالإسلام" . وفي رواية الطبراني أنهما قالا: يا رسول الله أوحي من السماء فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك أو هواك؟ فرأينا تبع هواك ورأيك فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا، فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا ثمرة إلا شراء أو قرى. فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم المفاوضة مع الأعراب. وكان يمثلهم الحارث الغطفاني قائد بني مرة ١ .

  1. ١كشف الأستار ١/ ٣٣٢ وقد رواه البزار بإسناد حسن من حديث أبي هريرة، وساقه الطبراني أيضاً بإسناد حسن فيه محمد بن عمرو الليثي صدوق له أوهام، ومدار الروايتين عليه. وقد جاء في متن الطبراني ذكر السعود وهم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وقد اتفقت الروايتان عليهما وذكر سعد بن الربيع وسعد بن خيثمة وسعد بن مسعود وهو خطأ لأن ابن الربيع استشهد في أحد وابن خيثمة استشهد ببدر. وأما ابن مسعود فلا مانع من مشاورته إذا صحت الرواية (الإصابة ٢/ ٣٦).

وقد اشتد الخطب على المسلمين عندما بلغهم أن حلفاءهم يهود بني قريظة قد نكثوا العهد وغدروا بهم، وكانت ديار بني قريظة في العوالي في الجنوب الشرقي للمدينة على وادي مهزور، فكان موقعهم يمكنهم من إيقاع ضربة بالمسلمين من الخلف. وقد أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام إلى بني قريظة للاستطلاع، فلما رجع قال له: فداك أبي وأمي، وقال: إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير ١ . ثم أرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فمضيا إلى بني قريظة فوجداها قد نقضت العهد ومزقت الصحيفة إلا بني سعنة فإنهم خرجوا من الحصون إلى المسلمين وفاء بالعهد. وكان ذلك على أثر سفارة حيي بن أخطب النضري الذي أقنع كعب بن أسد القرظي بنقض العهد مع المسلمين مبيناً له قوة الأحزاب وأنهم قادرون على القضاء على المسلمين مواعداً له إن رجع الأحزاب عن المدينة أن يدخل معه حصنه، فأعلنت قريظة نقض العهد، وشاع الخبر بين المسلمين، فخافوا على نسائهم وأطفالهم من بني قريظة ٢ .

  1. ١فتح الباري ٧/ ٨٠، ٦/ ٥٢ من متن البخاري.
  2. ٢ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ١٠٣ من رواية محمد بن إسحق وموسى بن عقبة دون أسانيد والقدر الثابت هو غدر بني قريظة.
٢/٤٢٨٢/٤٢٨

وقد وصف القرآن الكريم البلاء الذي أصاب المسلمين في الآية ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ ١ .

  1. ١سورة الأحزاب: آية ١٠ - ١١.

فالأحزاب جاءوا فوقهم وبنو قريظة من أسفل منهم والمنافقون ظنوا بالله الظنونا. فأصاب المسلمين زلزال شديد وبلاء عظيم، ولكن الإيمان العميق والتربية الدقيقة جعلت المسلمين يصمدون أمام سائر هذه الأخطار.

وقد نظمت الدوريات لحراسة المدينة فكان سلمة بن أسلم الأوسي يقود مائتي رجل وزيد بن حارثة يقود ثلثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير لإشعار بني قريظة بيقظتهم ووجودهم خوفاً منها على النساء والأطفال في الحصون ١ .

  1. ١ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٦٧ دون إسناد.

وقد فوجئت قريش برؤية الخندق، واحتاروا في كيفية اقتحامه، إذا كلما هموا بذلك أمطرهم المسلمون بالسهام، واشتد الحصار وطال أربعا وعشرين ليلة ١ . لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبال، وقال قتادة إن الحصار دام شهراً ٢ ، وقال موسى بن عقبة دام عشرين ليلة ٣ .

  1. ١ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٧٣ بإسناد رجاله ثقات، من مراسيل سعيد بن المسيب، ومراسيله قوية. وهو أقوى ما ورد حول مدة الحصار. وبه قال ابن إسحق (السيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٢٢٤ بضعاً وعشرين ليلة دون تحديد البضع).
  2. ٢الطبري: تفسير ٢١/ ١٢٨ بإسناد حسن لكنه من مراسيل قتادة، وبه أخذ ابن القيم (زاد المعاد ٢/ ١٣١).
  3. ٣ابن حجر: فتح الباري ٧/ ٣٩٣ بدون إسناد.
٢/٤٢٩٢/٤٢٩

وقد أورد ابن إسحق وابن سعد روايات دون أسانيد تفيد أن بعض المشركين اقتحموا الخندق وذكرا أسماء خمسة منهم، وأن علياً بارز عمرو بن عبد ود فارس قريش وقتله، وأن الزبير قتل نوفل المخزومي وأن الثلاثة الآخرين فروا إلى معسكرهم ١ . ولكن هجمات المشركين لم تنقطع حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين لم يتمكنوا من أداء صلاة العصر - في أحد الأيام - في وقتها بل صلوها بعدما غربت الشمس ٢ . ولم تكن صلاة الخوف قد شرعت بعد لأنها إنما شرعت بعد ذلك في غزوة ذات الرقاع ٣ .

  1. ١السيرة النبوية ٢/ ٢٢٤ والطبقات الكبرى ٢/ ٦٨ وأورد الطبري مبارزة على لعمرو بن عبد ودّ من مرسل الزهري ومراسيله ضعيفة ومن مرسل عكرمة بإسناد رجاله ثقات (تاريخ الأمم والملوك ٣/ ٤٨ وكنز العمال ١٠/ ٤٥٥). ولكن لا يحتاج لإثبات صحة المبارزة إلى درجة الصحة الحديثية لأن مثل هذه الأخبار تشتهر وتعرف بين الناس، وقد شاهد المعركة ألوف المقاتلين.
  2. ٢فتح الباري ٢/ ٦٨، ٧٢،١٢٣، ٤٣٤، ٥/ ٩٢.
  3. ٣فتح الباري ٧/ ٤٢١ - ٤٢٤.