السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

صلح الحديبية

التاريخذو القعدة ٦
عمره ﷺ٥٨
الموضعالحديبية
ما نزل فيهالفتح ١

ذو القعدة ٦، وعمره ﷺ ٥٨

تقرأ في محمد بن يوسف الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ، ٤٣١ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ
عناوينه هنا (٢٨)
  1. الباب الثاني والعشرون في غزوة الحديبية
  2. ذكر خروجه - صلى الله عليه وسلم -
  3. ذكر إحرامه - صلى الله عليه وسلم -
  4. ذكر حديث أبي قتادة والصعب بن جثامة وبعض من اهدى له
  5. ذكر أمره كعب بن عجرة بحلق رأسه لعذر
  6. ذكر بلوغ خبر خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين
  7. ذكر مشاورته - صلى الله عليه وسلم - وصلاته صلاة الخوف
  8. ذكر مسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الحديبية من غير طريق خالد بن الوليد وما وقع في ذلك من الآيات
  9. ذكر نزول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية وما وقع في ذلك من الآيات
  10. ذكر نزول المطر في تلك الأيام وما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صبيحة المطر
  11. ذكر قدوم بديل بن ورقاء الخزاعي ورسل قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم
  12. ذكر إرساله - صلى الله عليه وسلم - خراش بن أمية وبعده عثمان بن عفان إلى قريش
  13. ذكر مبايعته - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان وفضل من بايع
  14. ذكر الهدنة وكيف جرى الصلح يوم الحديبية
  15. ذكر رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
  16. ذكر نزول سورة الفتح ومرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما ظهر في ذلك من الآيات
  17. ذكر قدوم أبي بصير على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورده إليهم وما حصل له ولأصحابه من الفرج
  18. ذكر ما أنزل الله سبحانه وتعالى في شأن غزوة الحديبية: قال الله سبحانه وتعالى"إنا فتحنا لك فتحا مبينا" ٤٨: ١
  19. تنبيهات
  20. شرح غريب ذكر مشاورته - صلى الله عليه وسلم
  21. شرح غريب ذكر مسيرته - صلى الله عليه وسلم - إلى الحديبية
  22. شرح غريب ذكر نزول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية
  23. شرح غريب نزول المطر في تلك الأيام
  24. شرح غريب ذكر قدوم بديل بن ورقاء ورسل قريش
  25. شرح غريب ذكر إرساله - صلى الله عليه وسلم - خراش بن أمية، وبعده عثمان، ومبايعته - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان، وذكر الهدنة، وكيف جرى الصلح
  26. شرح غريب ذكر رجوعه - صلى الله عليه وسلم - ونزول سورة الفتح
  27. شرح غريب ذكر قدوم أبي بصير - رضي الله عنه - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم
  28. السابع: في جزالة رأيها في قصة الحديبية.

الباب الثاني والعشرون في غزوة الحديبية

٦/٣٣٦/٣٣

والسبب في ذلك ما رواه الفريابيّ، وعبد بن حميد وابن جرير، والبيهقي عن مجاهد، وعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة، وابن جرير عن ابن زيد، ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا: أرى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنّه دخل مكة هو وأصحابه آمنين محلّقين رؤوسهم ومقصرين، وأنه دخل البيت، وأخذ مفتاحه وعرّف مع المعرّفين. قال ابن سعد، ومحمد بن عمر، وغيرهما: واستنفر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب، ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش للذي صنعوا أن يعرضوا له بحرب أو يصدّوه عن البيت. فأبطأ عليه كثير من الأعراب. قال محمد بن عمر: وقدم عليه بسر- بضم الموحدة وسكون المهملة. وأعجمها ابن إسحاق، وكسر الموحدة- ابن سفيان بن عمرو الخزاعي في ليال بقيت من شوال مسلما، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «يا بسر لا تبرح حتى تخرج معنا، فإنّا إن شاء الله معتمرون» ، فأقام وابتاع لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- بدنا فكان يبعث بها إلى ذي الجدر حتّى حضر خروجه، فأمر بها فجلبت إلى المدينة، وسلّمها إلى ناجية بن جندب الأسلمي فقدّمها إلى ذي الحليفة.

واستخلف على المدينة- قال محمد بن عمر، وابن سعد-: ابن أم مكتوم. وقال ابن هشام: ومن تبعه: نميلة- بالنون تصغير نملة- بن عبد الله اللّيثي، وقال البلاذري بعد أن ذكر ابن أم مكتوم ويقال: أبو رهم كلثوم بن الحصين قال: وقوم يقولون: استخلفهم جميعا وكان ابن أم مكتوم على الصّلاة.

ذكر خروجه - صلى الله عليه وسلم -

روى عبد الرزاق، والإمام أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر عن معمر عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وابن إسحاق عن الزّهري عن عن المسور- بكسر الميم وسكون السين المهملة- ابن مخرمة- بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، : أنهما حدثاه ومحمد بن عمر عن شيوخه، يزيد بعضهم على بعض- قال محمد بن عمر: دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بيته فاغتسل، ولبس ثوبين من نسج صحار، وركب راحلته القصواء من عند بابه، وخرج بأم سلمة معه، وأم عمارة وأم منيع أسماء بنت عمرو، وأم عامر الأشهلية، وخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن لحق به من العرب لا يشكّون في الفتح للرؤيا المذكورة، وليس معهم سلاح إلا السّيوف في القرب، وساق قوم الهدي فسار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين لهلال ذي القعدة حتى نزل ذا الحليفة فصلى الظهر، ثم دعا بالبدن- وهي سبعون- فجلّلت، ثم أشعر منها عدّة وهي موجهات إلى القبلة في الشّق الأيمن، ثم أمر ناجية بن جندب فأشعر ما بقي وقلّدهن نعلا نعلا، وأشعر المسلمون بدنهم وقلدوها، وكان معهم مائتا فرس، وبعث- صلى الله عليه وسلّم- بسر بن سفيان عينا له، وقدم عباد بن بشر طليعة في عشرين فارسا، ويقال جعل أميرهم سعد بن زيد الأشهلي [ (١) ] .

ذكر إحرامه - صلى الله عليه وسلم -

٦/٣٤٦/٣٤

ثم صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ركعتين، وركب من باب المسجد بذي الحليفة، فلما انبعثت به راحلته مستقبلة القبلة أحرم بالعمرة، ليأمن النّاس حربه، وليعلم الناس أنّه إنّما خرج زائرا لهذا البيت، ومعظّما له.

ولفظ تلبية « شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك» .

وأحرم غالب أصحابه، وأم المؤمنين أم سلمة بإحرامه، ومنهم من لم يحرم إلا «بالجحفة» وسلك طريق البيداء ومرّ فيما بين مكة والمدينة بالأعراب من بني بكر، ومزينة، وجهينة فاستنفرهم، فتشاغلوا بأموالهم، وقالوا فيما بينهم: يريد محمّد يغزو بنا إلى قوم معدّين في الكراع والسّلاح، وإنّما محمد، وأصحابه أكلة جزور، لن يرجع محمد وأصحابه من سفرهم هذا أبدا، قوم لا سلاح معهم ولا عدد.

ثم قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ناجية بن جندب بالهدي مع فتيان من أسلم، ومعهم هدي المسلمين، ولقى طائفة من بني نهد فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، وأهدوا له لبنا من نعمهم، فقال: «لا أقبل هديّة مشرك»

فابتاعه المسلمون منهم، وابتاعوا منهم ثلاثة أضبّ فأكل قوم أحلّة وسأل المحرمون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عنها فقال: «كلوا فكل صيد البرّ لكم حلال في الإحرام تأكلونه إلّا ما صدتم أو صيد لكم» .

وعطب من ناجية بن جندب بعير من الهدي، فجاء إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأخبره، فقال: «انحره واصبغ قلائده في دمه، ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك منه، وخلّ بين النّاس وبينه» [ (٢) ] .

ذكر حديث أبي قتادة والصعب بن جثامة وبعض من اهدى له

روى الإمام مالك والستة عن أبي قتادة رضي الله عنه- رجال من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلّم- أمامنا، والقوم محرمون وأنا غير محرم عام ، فأبصروا حمارا وحشيا- وأنا مشغول أخصف نعلى- فلم يؤذنوني، وأحبّوا لو أنّي أبصرته، وفي رواية فرأيت أصحابي يتراءون شيئا، وفي رواية: يضحك بعضهم إلى بعض، فنظرت فإذا حمار وحشيّ فقمت إلى فرسي فأسرجته، ثم ركبت ونسيت السّوط والرّمح، فقلت لهم: ناولوني السّوط والرّمح، قالوا: والله لا نعينك عليه، فغضبت فنزلت فأخذتهما، ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنّهم شكّوا في أكلهم إيّاه وهم حرم، فرحنا وخبّأت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- العضد معي، فأدركنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فسألناه عن ذلك فقال لهم: هل منكم أحد أمره أن يحمل عليه أو أشار إليه؟ قالوا: لا، فقال: «كلوا ما بقي من لحمه إنّما هي طعمة أطعمكموها الله، هو حلال، هل معكم منه شيء؟ فقلت نعم، فناولته العضد فأكلها وهو محرم [ (١) ] .

٦/٣٥٦/٣٥

وروى الإمام مالك والشيخان والترمذي والنسائي عن الصعب بن جثّامة- رضي الله عنه- أنه أهدى لرسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بودّان فردّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنّا لم نردّه عليك إلا أنّا حرم [ (٢) ] .

وأهدى له إيماء بن رحضة الغفاري مع ابنه خفاف بن إيماء- رضي الله عنه- مائة شاة وبعيرين يحملان لبنا، فقال: «بارك الله فيكم»

وفرّق ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأهدى له بعض الأعراب من ودّان معيشا وعترا وضغابيس [ (٣) ] فجعل يأكل الضّغابيس والعتر وأعجبه، وأدخل على أم سلمة منه، وجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يعجبه هذه الهدية، ويري أصحابه أنّها طريفة.

ذكر أمره كعب بن عجرة بحلق رأسه لعذر

روى الإمام أحمد، وعبد بن حميد، والشيخان والترمذي، وابن جرير، والطبراني عن كعب بن عجرة [ (٤) ]- رضي الله تعالى عنه- قال: «كنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ونحن محرمون- قد حصرنا المشركون، وكانت لي وقرة فجعلت الهوامّ تسّاقط على وجهي، فمر بي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «أيؤذيك هو امّ رأسك» ؟ قلت: نعم، قال: «ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا» !! فأمرني أن أحلق، وأنزل الله- تعالى- هذه الآية: بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة ١٩٦] فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم-: « بفرق بين ستة مساكين أو انسك ما تيسّر لك» .

٦/٣٦٦/٣٦

ولمّا بلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الجحفة أمر بشجرة فقمّ ما تحتها، فخطب الناس فقال: «إني كائن لكم فرطا، وقد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم نبيه» - صلى الله عليه وسلم- [ (١) ]

ذكر بلوغ خبر خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين

روى الخرائطي في الهواتف عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لمّا توجّه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يريد مكة عام ، قدم عليه بشر- بكسر الموحدة والمعجمة- بن سفيان العتكي، فقال له: «يا بشر هل عندك علم أن أهل مكة علموا بمسيري؟»

فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله إني لأطوف بالبيت في ليلة كذا وقريش في أنديتها، إذ صرخ صارخ من أعلى جبل أبي قبيس- ليلة أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بالمسير بصوت أسمع أهل مكة: هيوا لصاحبكم مثلي صحابته ... سيروا إليه وكونوا معشرا كرما بعد الطّواف وبعد السّعي في مهل ... وأن يحوزهم من مكّة الحرما شاهت وجوهكم من معشر تكل ... لا ينصرون إذا ما حاربوا صنما فارتجت مكة، واجتمع المشركون، وتعاقدوا ألّا يدخل عليهم بمكة في عامهم هذا، فبلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «هذا الهاتف سلفع. شيطان الأصنام يوشك أن يقتله الله- تعالى- أن شاء الله عز وجل»

فبينما هم كذلك إذ سمعوا من أعلى الجبل صوتا وهو يقول: شاهت وجوه رجال حالفوا صنما ... وخاب سعيهم ما قصّر الهمما إنّي قتلت عدوّ الله سلفعة ... شيطان أوثانكم سحقا لمن ظلما وقد أتاكم رسول الله في نفر ... وكلّهم محرم لا يسفكون دما قالوا: ولما بلغ المشركين خروج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- راعهم ذلك فاجتمعوا وتشاوروا فقالوا: أيريد محمد أن يدخلها علينا في جنوده معتمرا فتسمع العرب أنّه قد دخل علينا عنوة، وبيننا وبينه من الحرب ما بيننا؟! والله لا كان هذا أبدا ومنّا عين تطرف.

ثم قدّموا في مائتي فارس إلى كراع الغميم، واستنفروا من أطاعهم من الأحابيش، وأجلبت ثقيف معهم وخرجوا إلى بلدح، وضربوا بها القباب والأبنية، ومعهم النساء والصّبيان، فعسكروا هناك، وأجمعوا على منع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من دخول مكة ومحاربته، ووضعوا العيون على الجبال، وهم عشرة أنفس يوحي بعضهم إلى بعض الصوت الخفي فعل محمد كذا وكذا، حتى ينتهي إلى قريش ببلدح ورجع بشر بن سفيان [ (١) ] الذي بعثه عينا له من مكّة وقد علم خبر مكّة والقوم، فلقي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بغدير الأشطاط [ (٢) ] وراء عسفان فقال: يا رسول الله!! هذه قريش سمعت بمسيرك، فخرجوا ومعهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النّمور، وقد نزلوا بذي طوّى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدّمها إلى كراع الغميم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: « الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الّذي أرادوا، وإن أظهرني الله تعالى عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة، فما تظن قريش؟ فو الله لا أزال أجاهدهم على الّذي بعثني الله تعالى به حتّى يظهره الله- تعالى- أو تنفرد هذه السّالفة» .

ذكر مشاورته - صلى الله عليه وسلم - وصلاته صلاة الخوف

٦/٣٧٦/٣٧

ثم قام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في المسلمين فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد: يا معشر المسلمين أشيروا عليّ أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الّذين أعانوهم فنصيبهم» وقال: «فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين وإن يأتونا تكن عنقا. وفي لفظ: عينا- نؤمّ البيت فمن صدّنا عنه قاتلناه؟» فقال أبو بكر- رضي الله عنه-: الله ورسوله أعلم، يا رسول الله إنّما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ونرى أن نمضي لوجهنا، فمن صدّنا عن البيت قاتلناه، ووافقه على ذلك أسيد بن الحضير.

وروى ابن أبي شيبة عن عن أبيه ومحمد بن عمر عن شيوخه. أن المقداد بن الأسود- رضي الله عنه- قال بعد كلام أبي بكر: إنّا والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون إنّا معكم مقاتلون» انتهى.

٦/٣٨٦/٣٨

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «فسيروا على اسم الله» .

ودنا في خيله حتى نظر إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فصف خيله فيما بين رسول الله صلى الله عليه وسلّم وبين القبلة- فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عباد بن بشر- رضي الله عنه- فتقدّم في خيله، فقام بإزائه، فصفّ أصحابه، وحانت صلاة الظهر، فأذّن بلال، وأقام، فاستقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم القبلة- وصفّ النّاس خلفه، فركع بهم ركعة وسجد، ثم سلّم، فقاموا على ما كانوا عليه من التّعبئة. فقال خالد بن الوليد: قد كانوا على غرّة لو حملنا عليهم أصبنا منهم ولكن تأتي الساعة صلاة أخرى هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم، فنزل جبريل بين الظهر والعصر بهذه الآية: الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً، وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [النساء ١٠٢] فحانت صلاة العصر، فصلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- صلاة الخوف، وستأتي كيفيتها في أبواب صلواته- صلى الله عليه وسلّم.

ذكر مسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الحديبية من غير طريق خالد بن الوليد وما وقع في ذلك من الآيات

روى البزار بسند رجاله ثقات عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- مختصرا، ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا: لمّا أمسى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «تيامنوا في هذا العصل وفي رواية اسلكوا ذات اليمين بين ظهور الحمض، فإن خيل لقريش طليعة» كره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يلقاه وكان بهم رحيما، فقال: «تيامنوا فأيكم يعرف «ثنيّة ذات الحنظل» ؟ فقال بريدة بن الحصيب: بحاء مضمومة فصاد مفتوحة مهملتين فتحتية فموحدة مهملتين فتحتية- الأسلمي: أنا يا رسول الله عالم بها، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «اسلك أمامنا»

فأخذ بريدة في العصل- قبل جبال سراوع قبل المغرب، فو الله إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، فسلك بريدة بهم طريقا وعرا أجرل [ (١) ] بين شعاب، وسار قليلا تنكّبه الحجارة وتعلّقه الشجر، وصار حتى كأنه لم يعرفهما قط. قال: فو الله إني كنت أسلكها في الجمعة مرارا، فنزل حمزة بن عمرو الأسلمي، فسار بهم قليلا، ثم سقط في خمر الشجر فلا يدرى أين يتوجّه، فنزل عمرو بن عبدنهم الأسلمي فانطلق أمامهم حتى نظر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى الثنية، فقال: هذه ثنية ذات الحنظل؟» فقال عمرو: نعم يا رسول الله، فلما وقف به على رأسها تحدر به، قال عمرو: فو الله إن كان لتهمّني نفسي وحدها إنما كانت مثل الشّراك فاتسعت لي حين برزت، فكانت فجاجا لاجبة ولقد كان الناس تلك الليلة يسيرون جميعا معطفين من سعتها يتحدثون، وأضاءت تلك الليلة حتى كأنّا في قمر [ (١) ] .

٦/٣٩٦/٣٩

وروى مسلم عن جابر مختصراً، وأبو نعيم عن أبي سعيد، وابن إسحاق عن الزهري، ومحمد بن عمر عن شيوخه. قال أبو سعيد: خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عام حتى إذا كنا بعسفان سرنا من آخر اللّيل حتى أقبلنا على «عقبة ذات الحنظل» قال جابر: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: من يصعد ما حطّ عن بني إسرائيل، فكان أول من صعد خيل من الخزرج، ثم تبادر النّاس بعد.

وقال أبو سعيد فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «مثل هذه الثّنيّة الليلة كمثل الباب الذي قال الله تعالى لبني إسرائيل وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ) [البقرة ٥٨] وقال ابن إسحاق: إنّ المسلمين لما إن خرجوا من الأرض الصّعبة وأفضوا إلى أرض سهلة، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «قولوا نستغفر الله ونتوب إليه» . فقالوا ذلك، فقال: «والله إنها للحطّة التي عرضت علي بني إسرائيل فلم يقولوها» قال أبو سعيد: ثم قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «لا يجوز هذه الثّنيّة اللّيلة أحد إلا غفر له» فلمّا هبطنا نزلنا فقلت يا رسول الله نخشى أن ترى قريش نيراننا، فقال: لن يروكم، فلما أصبحنا صلى بنا صلاة الصبح، ثم قال: «والذي نفسي بيده لقد غفر للرّكب أجمعين إلّا رويكبا واحدا على جمل أحمر التقت عليه رحال القوم ليس منهم، وقال جابر: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر» . قال أبو سعيد: فطلب في العسكر فإذا هو عند بن عمرو بن نفيل، والرّجل من بني ضمرة من أهل سيف البحر يظن أنه من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقيل لسعيد: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم قال: كذا وكذا، فقال له سعيد: ويحك!! اذهب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم يستغفر لك [ (٢) ] . وقال جابر: فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم. وقال أبو سعيد: فقال بعيري والله أهم من أن يستغفر لي، إذا هو قد أضل بعيرا له، فانطلق يطلب بعيره بعد أن استبرأ العسكر وطلبه فيهم، فبينا هو في جبال سراوع إذ زلقت به نعله فتردّى فمات، فما علم به حتى أكلته السباع، قال أبو سعيد: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يومئذ: «سيأتيكم أهل اليمن كأنّهم قطع السّحاب. هم خير أهل الأرض.

ذكر نزول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية وما وقع في ذلك من الآيات

٦/٤٠٦/٤٠

قال ، : أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم سار فلما دنا من وقعت يدا راحلته على ثنيّة تهبط في غائط القوم، فبركت به راحلته، فقال، وفي رواية: فقال الناس «حل حل» فأبت أن تنبعث وألحّت، فقال المسلمون: خلأت القصواء، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بعادة، وفي لفظ: بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة» ثم قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسألوني اليوم خطّة فيها تعظيم حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إيّاها»

ثم زجرها فقامت، فولّى راجعا عوده على بدئه. وفي رواية على ثمد [ (١) ] من ثماد الحديبية ظنون [ (٢) ] قليل الماء يتبرّض [ (٣) ] النّاس ماءه تبرّضا، فلم يلبثه النّاس حتى نزحوه، فاشتكى الناس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قلة الماء، وفي لفظ «العطش» فانتزع سهما من كنانته فأمر به فغرز في الماء فجاشت بالرّواء حتّى صدروا عنها بعطن [ (٤) ] قال المسور: وإنهم ليغترفون بآنيتهم جلوسا على شفير البئر. قال محمد بن عمر: والذي نزل بالسّهم ناجية بن الأعجم- رجل من أسلم، ويقال: ناجية بن جندب وهو سائق بدن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد روى أن جارية من الأنصار قالت لناجية وهو في القليب: يا أيّها الماتح دلوي دونكا ... إني رأيت النّاس يحمدونكا يثنون خيرا ويمجّدونكا فقال ناجية وهو في القليب: قد علمت جارية يمانيه ... أنّي أنا الماتح واسمي ناجيه وطعنة ذات رشاش واهيه ... طعنتها تحت صدور العادية قال محمد بن عمر: حدثني الهيثم بن واقد عن عطاء بن مروان عن أبيه قال: حدثني أربعة عشر رجلا ممّن أسلم من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه ناجية بن الأعجم، يقول: دعاني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين شكي إليه قلّة الماء فأخرج سهما من كنانته، ودفعه إليّ، ودعا بدلو من ماء البئر فجئته به، فتوضأ فمضمض فاه، ثم مج في الدّلو- والنّاس في حر شديد- وإنما هي بئر واحدة قد سبق المشركون إلى بلدح فغلبوا على مياهه فقال: «انزل بالدّلو فصبّها في البئر وأثر ماءها بالسّهم» ففعلت، فو الذي بعثه بالحق ما كدت أخرج حتى يغمرني وفارت كما تفور القدر، حتى طمّت واستوت بشفيرها، يغترفون من جانبها حتى نهلوا من آخرهم. وعلى الماء يومئذ نفر من المنافقين، منهم عبد الله بن أبيّ، فقال أوس بن خولي: ويحك يا أبا الحباب!! أما إن لك أن تبصر ما أنت عليه؟ أبعد هذا شيء؟ فقال: إني قد رأيت مثل هذا. فقال أوس: قبّحك الله وقبح رأيك فأقبل ابن أبي يريد رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال «يا أبا الحباب: أنّى رأيت مثلما رأيت اليوم» ؟ فقال: ما رأيت مثله قط. قال: «فلم قلته» ؟ فقال ابن أبي: يا رسول الله استغفر لي، فقال ابنة عبد الله بن عبد الله- رضي الله عنه- يا رسول الله استغفر له، فاستغفر له [ (١) ] .

٦/٤١٦/٤١

وروى ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، عن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- قال: أنا نزلت بالسّهم. والله أعلم.

قصة أخرى: روى الإمام أحمد، والبخاري، والطبراني، والحاكم في الإكليل، وأبو نعيم عن البراء بن عازب، ومسلم عن سلمة بن الأكوع، وأبو نعيم عن ابن عباس، والبيهقي عن عروة، قال البراء: كنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أربع عشرة مائة، والحديبية: بئر فقدمناها وعليها خمسون شاة ما ترويها فتبرضها فلم نترك فيها قطرة، قال ابن عباس: وكان الحرّ شديدا، فشكا النّاس العطش، فبلغ ذلك النبي- عليه الصلاة والسلام- فأتاه فجلس على شفيرها، ثم دعا «بإناء» وفي لفظ «بدلو» فتوضأ في الدلو، فيها، فتركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا. قال البراء: ولقد رأيت آخرنا أخرج بثوب خشية الغرق حتى جرت نهرا [ (٢) ] .

وقال ابن عباس وعروة ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شفيرها.

٦/٤٢٦/٤٢

قصة أخرى: روى البخاري في المغازي وفي الأشربة، عن جابر بن عبد الله، عن سلمة ابن الأكوع- رضي الله عنهما- قالا: عطش الناس يوم ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- بين يديه ركوة، وقال جابر في رواية: وقد حضر فضلة، فجعل في إناء فأتى به رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فتّوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «ما لكم؟» قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضّأ به، ولا نشرب إلا ما في ركوتك فأفرغتها في قدح، ووضع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يده في القدح، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضّأنا، فقال سالم بن أبي الجعد: فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ لكفانا، كنّا خمس عشرة مائة. [ (١) ]

ذكر نزول المطر في تلك الأيام وما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صبيحة المطر

روى الشيخان وأبو عوانة، والبيهقي عن زيد بن خالد- رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عام فأصابنا مطر ذات ليلة، فصلى بنا النبي- صلى الله عليه وسلّم- الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه، قلنا: الله ورسوله أعلم: قال: قال الله عز وجل: «أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما المؤمن من قال: مطرنا برحمة الله وبفضل الله فهو مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنجم كذا- وفي رواية: بنوء كذا وكذا- فهو مؤمن بالكواكب كافر بي» .

[ (٢) ] قال محمد بن عمر: وكان ابن أبيّ بن سلول قال: هذا نوء الخريف مطرنا بالشّعري.

وروى ابن سعد عن أبي المليح عن أبيه قال: أصابنا يوم مطر لم يبلّ أسافل نعالنا، الله عليه وسلم- أن صلّوا في رحالكم.

وأهدى عمرو بن سالم وبسر بن سفيان الخزاعيّان- رضي الله عنهما- لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- غنما وجزورا، وأهدى عمرو بن سالم لسعد بن عبادة- رضي الله عنه- جزرا- وكان صديقا له- فجاء سعد بالجزر إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأخبره أن عمرا أهداها له، فقال: «وعمرو قد أهدى لنا ما ترى، فبارك الله في عمرو» ثم أمر بالجزر تنحر وتقسم في أصحابه، وفرّق الغنم فيهم من آخرها وشرك فيها فدخل على أم سلمة من لحم الجزور كنحو ما دخل على رجل من القوم، وشرك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في شاته، فدخل على أم سلمة بعضها، وأمر- صلى الله عليه وسلّم- للّذي جاء بالهدية بكسوة.

ذكر قدوم بديل بن ورقاء الخزاعي ورسل قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم

٦/٤٣٦/٤٣

لما اطمأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : جاءه بديل بن ورقاء- وأسلم بعد ذلك- في رجال من خزاعة، منهم: عمرو بن سالم، وخراش بن أميّة وخارجة بن كرز، ويزيد بن أميّة وكانوا عيبة نصح لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- بتهامة، منهم المسلم ومنهم الموادع. لا يخفون عنه بتهامة شيئا. فلما قدموا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سلّموا، فقال بديل بن ورقاء: جئناك من عند قومك، كعب بن لؤي، ، قد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم، قد نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل والنساء والصبيان، يقسمون بالله لا يخلّون بينك وبين البيت حتى تبيد خضراؤهم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «إنّا لم نأت لقتال أحد، إنما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدّنا عنه قاتلناه، إنّ قريشا قد أضرّت بهم الحرب ونهكتهم فإن شاءوا ماددتهم مدّة يأمنون فيها، ويخلّون فيما بيننا وبين النّاس، - والنّاس أكثر منهم- فإن أصابوني فذلك الّذي أرادوا وإن ظهر أمري على النّاس كانوا بين أن يدخلوا فيما دخل فيه النّاس أو يقاتلوا وقد جمّوا، وإن هم أبو فو الله لأجهدن سالفتي ولينفذنّ الله تعالى أمره» .

فوعى بديل مقالة رسول الله وقال: سأبلّغهم ما تقول، وعاد وركبه إلى قريش، فقال ناس منهم: هذا بديل وأصحابه، وإنّما يريدون أن يستخبروكم فلا تسألوهم عن حرف واحد، فلما رأى بديل أنّهم لا يستخبرونه قال: إنّا جئنا من عند محمد، أتحبّون أن نخبركم عنه؟ فقال عكرمة بن أبي جهل، والحكم بن العاص- وأسلما بعد ذلك- مالنا حاجة بأن تخبرونا عنه، ولكن أخبروه عنّا إنه لا يدخلها علينا عامه هذا أبدا حتى لا يبقى منّا رجل، فأشار عليهم عروة بن مسعود الثّقفي- وأسلم بعد ذلك- بأن يسمعوا كلام بديل فإن أعجبهم قبلوه وإلا تركوه، فقال - وأسلما بعد ذلك- أخبرونا بالذي رأيتم وسمعتم، فقال بديل لهم: إنكم تعجلون على محمد- صلى الله عليه وسلم- إنه لم يأت لقتال إنما جاء معتمرا وأخبرهم بمقالة النبي- عليه الصلاة والسلام- فقال عروة: يا معشر قريش أتتّهمونني؟ قالوا: لا. قال: ألستم بالوالد! قالوا: بلى. قال: ألست بالولد؟ قالوا: بلى وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس القرشية. قال: «ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ لنصركم فلمّا تبلّحوا عليّ نفرت إليكم بنفسي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: قد فعلت، ما أنت عندنا بمتّهم. قال: إني لكم ناصح، وعليكم شفيق، لا أدّخر عنكم نصحا، فإن بديلا قد جاءكم خطة رشد لا يردّها أحد أبدا إلا أحد شرّ منها. فاقبلوها منه، وابعثوني حتّى آتيكم بمصداقها من عنده، وأنظر إلى من معه، وأكون لكم عينا آتيكم بخبره، فبعثته قريش إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فجاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد، تركت كعب ابن لؤي على أعداد مياه ، معهم العوذ المطافيل قد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم، قد لبسوا جلود النّمور، وهم يقسمون بالله لا يخلّون بينك وبين البيت حتى تجتاحهم، وإنما أنت ومن قاتلهم بين أحد أمرين أن تجتاح قومك ولم يسمع برجل اجتاح قومه وأهله قبلك. أو بين أن يخذلك من ترى معك، وإني والله لا أرى معك وجوها وإني لا أرى إلا أوباشا، وفي رواية: فإني لأرى أشوابا [ (١) ] من الناس، لا أعرف وجوههم ولا أنسابهم، وخليقا أن يفرّوا ويدعوك. وفي رواية: وكأني بهم لو قد لقيت قريشا أسلموك فتؤخذ أسيرا، فأيّ شيء أشدّ عليك من هذا؟ فغضب أبو بكر- وكان قاعدا خلف رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فقال: أمص بظر اللّات، أنحن نخذله أو نفرّ عنه؟ ! فقال عروة: من ذا؟ قالوا: أبا بكر. فقال عروة: أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجيبنّك.

٦/٤٤٦/٤٤

وكان عروة قد استعان في حمل دية فأعانه الرجل بالفريضتين والثلاث، وأعانه أبو بكر بعشر فرائض فكانت هذه يد أبي بكر عند عروة، وطفق عروة كلّما كلّم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مسّ لحية رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- والمغيرة ابن شعبة قائم على رأس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالسيف، - على وجهه المغفر- لمّا قدم عروة لبسها، فطفق المغيرة كلّما أهوى عروة بيده ليمسّ لحية النّبيّ- عليه الصلاة والسلام- يقرع يده بنعل السّيف ويقول: أكفف يدك عن مسّ لحية رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قبل ألّا تصل إليك، فإنّه لا ينبغي لمشرك أن يمسّه. فلما أكثر عليه غضب عروة وقال: ويحك!! ما أفظّك وأغلظك! وقال: ليت شعري!! من هذا الذي آذاني من بين أصحابك؟ والله لا أحسب فيكم ألأم منه ولا أشرّ منزلة.

فتبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة» فقال عروة: وأنت بذلك يا غدر، والله ما غسلت عنك غدرتك بعكاظ إلّا أمس، لقد أورثتنا العداوة من ثقيف إلى آخر الدهر- وسيأتي في ترجمة المغيرة بيان هذه الغدرة.

وجعل عروة يرمق أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- بعينه، فو الله ما يتنخّم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلوا على وضوئه، ولا يسقط شيء من شعره إلا أخذوه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه، تعظيما له.

فلما فرغ عروة من كلام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وردّ عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مثل ما قال لبديل بن ورقاء وكما عرض عليهم من المدة. فأتى عروة قريشا، فقال: يا قوم إني وفدت إلى الملوك: كسرى وقيصر والنجاشي وإني والله ما رأيت ملكا قط أطوع فيما بين ظهرانيه من محمد في أصحابه، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، وليس بملك والله ما كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه أيّهم يظفر منه بشيء، ولا يسقط شيء من شعره إلّا أخذوه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له، ولا يتكلّم رجل منهم حتى يستأذن، فإن هو أذن له تكلم، وإن لم يأذن له سكت، وقد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها، قد حرزت القوم، واعلموا أنكم إن أردتم منهم السيف بذلوه لكم، وقد رأيت قوما لا يبالون ما يصنع بهم إذا منعتم صاحبهم، والله لقد رأيت معه نساء ما كنّ ليسلمنه أبدا على حال، فروا رأيكم فأتوه يا قوم، واقبلوا ما عرض عليكم، فإني لكم ناصح، مع إني أخاف أن لا تنصروا على رجل أتى زائرا لهذا البيت معظّما له، معه الهدى ينحره وينصرف، فقالت قريش: لا تتكلم بهذا يا أبا يعفور، أو غيرك تكلم بهذا؟ ولكن نردّه عامنا هذا، ويرجع إلى قابل، فقال: ما أراكم تصيبكم قارعة. فانصرف هو ومن تبعه إلى .

٦/٤٥٦/٤٥

فقام الحليس وهو بمهملتين- مصغّر- ابن علقمة الكناني وكان من رؤوس الأحابيش ولا أعلم له إسلاما فقال: دعوني آتيه. فقالوا: ائته. فلما أشرف على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «هذا فلان من قوم يعظّمون البدن وفي لفظ «الهدى، ويتألّهون، فابعثوها له» فبعثت له، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي عليها قلائدها، قد أكلت أوبارها من طول الحبس، ترجّع الحنين، واستقبله الناس يلبّون قد أقاموا نصف شهر، وقد تفلوا وشعثوا، صاح وقال: سبحان الله «ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت أبى الله أن تحج لخم وجذام وكندة وحمير ويمنع ابن عبد المطلب، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت هلكت قريش وربّ الكعبة. إنّ القوم إنما أتوا عمّارا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «أجل يا أخا بني كنانة» .

وذكر ابن إسحاق ومحمد بن عمر، وابن سعد: أنه لم يصل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لمّا رأى ذلك إعظاما لما رأى فيحتمل إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- خاطبه من بعد، فرجع إلى قريش فقال: إني رأيت ما لا يحل منعه، رأيت الهدي في قلائده قد أكل أوباره معكوفا عن محلّه والرّجال قد تفلوا وقملوا أن يطوفوا بهذا البيت، والله ما على هذا حالفناكم، ولا عاقدناكم، على أن تصدوا عن البيت من جاءه معظّما لحرمته مؤدّيا لحقه. وساق الهدى معكوفا أن يبلغ محلّه. والذي نفسي بيده لتخلّنّ بينه وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد. فقالوا: كفّ عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به، وفي لفظ اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك، كلّ ما رأيت من محمد مكيدة.

٦/٤٦٦/٤٦

فقام مكرز بكسر الميم، وسكون الكاف، وفتح الراء، بعدها زاي، ابن حفص. فقال: دعوني آته.

فلمّا طلع ورآه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «هذا رجل غادر»

وفي لفظ «فاجر» فلما انتهى إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كلّمه بنحو ما كلّم به بديلا وعروة، فرجع إلى أصحابه فأخبرهم بما ردّ عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلّم.

ذكر إرساله - صلى الله عليه وسلم - خراش بن أمية وبعده عثمان بن عفان إلى قريش

قال محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر وغيرهما: بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إلى قريش خراش بن أميّة على جمل لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقال له الثّعلب، ليبلّغ عنه أشرافهم بما جاء له، فعقر عكرمة بن أبي جهل- وأسلم بعد ذلك- الجمل، وأرادوا قتله فمنعه الأحابيش، فخلّوا سبيله حتى أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ولم يكد فأخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بما لقي.

وروى البيهقي عن عروة قال: لما نزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فزعت قريش لنزوله إليهم، فأحبّ أن يبعث إليهم رجلا من أصحابه، فدعا ليبعثه إلى قريش، فقال: يا رسول الله إنّي أخاف قريشا على نفسي وقد عرفت قريش عداوتي لها، وليس بها من بني عدي من يمنعني، وإن أحببت يا رسول الله دخلت عليهم. فلم يقل له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شيئا، فقال عمر: يا رسول الله ولكني أدلّك على رجل أعزّ بمكة منيّ، وأكثر عشيرة وأمنع، وأنه يبلغ لك ما أردت، .

فدعا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عثمان فقال: «اذهب إلى قريش وأخبرهم أنّا لم نأت لقتال وإنّما جئنا عمّارا، وادعهم إلى الإسلام» .

وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشّرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله تعالى- وشيكا أن يظهر دينه بمكّة حتى لا يستخفى فيها بالإيمان. فانطلق عثمان إلى قريش فمرّ عليهم ببلدح فقالوا: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إليكم لأدعوكم إلى الإسلام، وإلى الله جل ثناؤه، وتدخلون في الدّين كافة، فإن الله- تعالى- مظهر دينه ومعزّ نبيّه، وأخرى: تكفون ويكون الذي يلي هذا الأمر منه غيركم، فإن ظفر برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فذلك ما أردتم، وإن ظفر كنتم بالخيار بين أن تدخلوا فيما دخل فيه الناس، أو تقاتلوا وأنتم وافرون جامّون. إن الحرب قد نهكتكم وأذهبت الأماثل منكم. وأخرى إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يخبركم إنه لم يأت لقتال أحد، إنّما جاء معتمرا، معه الهدي، عليه القلائد ينحره وينصرف. [ (١) ] فقالوا: قد سمعنا ما تقول، ولا كان هذا أبدا، ولا دخلها علينا عنوة، فارجع إلى صاحبك فأخبره أنّه لا يصل إلينا.

٦/٤٧٦/٤٧

ولقيه [ (١) ]- وأسلم بعد ذلك، فرحّب به أبان وأجاره، وقال: لا تقصر عن حاجتك، ثم نزل عن فرس كان عليه فحمل عثمان على السّرج وردف وراءه وقال: أقبل وأدبر لا تخف أحدا ... بنو سعيد أعزّة الحرم فدخل به مكّة، فأتى عثمان أشراف قريش- رجلا رجلا- فجعلوا يردّون عليه: إنّ محمّدا لا يدخلها علينا أبدا، ودخل على قوم مؤمنين من رجال ونساء مستضعفين بمكة فقال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: قد أظلّكم حتى لا يستخفى بمكة اليوم بالإيمان، ففرحوا بذلك، وقالوا: اقرأ على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- السّلام.

ولمّا فرغ عثمان من رسالة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى قريش قالوا له: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأقام عثمان بمكة ثلاثا يدعو قريشا. وقال المسلمون- وهم ، قبل أن يرجع عثمان-: خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «ما أظنّه طاف بالبيت ونحن محصورون» ، وقالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص إليه قال: «ذلك ظنيّ به ألّا يطوف بالكعبة حتى نطوف» ، وعند ابن جرير وابن أبي حاتم عن سلمة بن الأكوع- مرفوعا- «لو مكث كذا كذا سنة ما طاف حتى أطوف» فلمّا رجع عثمان إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال المسلمون له: اشتفيت من البيت يا أبا عبد الله!! فقال عثمان: بئس ما ظننتم بي! فو الذي نفسي بيده لو مكثت مقيما بها سنة ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- مقيم بالحديبية ما طفت حتى يطوف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولقد دعتني قريش إلى أن أطوف بالبيت فأبيت. فقالوا: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أعلمنا وأحسننا ظنا.

وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يأمر أصحابه بالحراسة باللّيل، فكانوا ثلاثة يتناوبون الحراسة: أوس بن خولي- بفتح الخاء المعجمة والواو- وعباد بن بشر، ومحمد بن مسلمة- رضي الله عنهم- وكان محمد بن مسلمة على حرس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليلة من الليالي، بمكة. وقد كانت قريش بعثت ليلا خمسين رجلا، عليهم ، وأمروهم أن يطوفوا بالنبي- صلى الله عليه وسلّم- رجاء أن يصيبوا منهم أحدا، أو يصيبوا منهم غرّة، فأخذهم محمد بن مسلمة، فجاء بهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأفلت مكرز فخبّر أصحابه وظهر قول النبي- صلى الله عليه وسلم- كما تقدم أنه رجل غادر، وكان رجال من المسلمين قد دخلوا مكّة بإذن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهم: الفهري، بن عمرو بن عبد شمس، السّهمي، العبدريّ، ، وهشام ابن العاص بن وائل، وأبو حاطب بن عمرو من عبد شمس وعمير بن وهب الجمحيّ وحاطب بن أبي بلتعة، وعبد الله بن أبي أميّة. قد دخلوا مكة في أمان عثمان، وقيل: سرا، فعلم بهم فأخذوا، وبلغ قريشا حبس أصحابهم الذين مسكهم محمد بن مسلمة، فجاء جمع من قريش إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حتى تراموا بالنّبل والحجارة، وأسر المسلمون من المشركين- أيضا- اثني عشر فارسا، وقتل من المسلمين ابن زنيم- وقد أطلع الثّنية من - فرماه المشركون فقتلوه، وبعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى- وأسلما بعد ذلك، ومكرز بن حفص، فلمّا جاء سهيل ورآه النبي- صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه: سهل أمركم فقال سهيل: يا محمد إن الذي كان من حبس أصحابك وما كان من قتال من قاتلك لم يكن من رأي ذوي رأينا بل كنّا له كارهين حين بلغنا، ولم نعلم به، وكان من سفهائنا، فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أوّل مرّة، والذين أسرت آخر مرّة. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «إنّي غير مرسلهم حتّى ترسلوا أصحابي» ، فقالوا: أنصفتنا، فبعث سهيل ومن معه إلى قريش بالشّييم- بشين معجمة مصغّر- بن عبد مناف التّيميّ، فبعثوا بمن كان عندهم: وهم عثمان والعشرة السابق ذكرهم- رضي الله عنهم- وأرسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصحابهم الذين أسرهم، وقبل وصول عثمان ومن معه بلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إن عثمان ومن معه قد قتلوا، فكان ذلك حين دعا إلى البيعة.

ذكر مبايعته - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان وفضل من بايع

٦/٤٨٦/٤٨

قالوا: لما بلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إن عثمان قد قتل دعا الناس إلى البيعة، وقال: «لا نبرح حتّى نناجز القوم» وأتى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- منازل بني مازن بن النجار، وقد نزلت في ناحية من ، فجلس في رحالهم تحت شجرة خضراء ثم قال: «إن الله- تعالى- أمرني بالبيعة»

فأقبل الناس يبايعونه حتى تداكوا فما بقي لبني مازن متاع إلا وطئ، ثم لبسوا السّلاح وهو معهم قليل، وقامت أم عمارة إلى عمود كانت تستظل به فأخذته بيدها وشدّت سكينا في وسطها وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن سلمة بن الأكوع والبيهقي عن عروة، وابن إسحاق عن الزهري، ومحمد بن عمر عن شيوخه، قال سلمة: بينا نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أيها النّاس البيعة البيعة، نزل روح القدس فاخرجوا على اسم الله» قال سلمة: «فسرنا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه [ (١) ] .

٦/٤٩٦/٤٩

وفي صحيح مسلم عنه بايع وبايع حتى إذا كان في وسط من الناس قال: «بايع يا سلمة» قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أوّل الناس [ (٢) ] قال: «وأيضا» قال: ورآني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عزلا فأعطاني حجفة- أو درقة- ثم بايع حتى إذا كان في آخر النّاس قال: «ألا تبايعني يا سلمة؟» قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أوّل الناس، وفي وسط الناس، قال: «وأيضا» فبايعته الثالثة، ثم قال لي: «يا سلمة أين حجفتك- أو درقتك- التي أعطيتك؟» قال: قلت: يا رسول الله، لقيني عمّي عامر عزلا فأعطيته إياها، قال: فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال: إنك كالذي قال الأول: إلي من نفسي، وفي صحيح البخاري عنه قال: بايعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تحت الشجرة، قيل: على أي شيء كنتم تبايعون قال: على الموت [ (٣) ] . وفي صحيح البخاري عن نافع قال: أن ابن عمر أسلم قبل أبيه، وليس كذلك، ولكن عمر يوم أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار يأتي به ليقاتل عليه ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر وعمر يستلئم للقتال فأخبره أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يبايع تحت الشجرة، قال: فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر [ (٤) ] .

وفيه أيضا عن نافع عن ابن عمر إن الناس كانوا مع النبي- صلى الله عليه وسلم- الشجر فإذا الناس محدقون بالنبي- صلى الله عليه وسلم- فقال عمر: يا عبد الله انظر ما شأن الناس أحدقوا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فذهب فوجدهم يبايعونه فبايع، ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع [ (٥) ] .

وروى الطبراني عن عطاء بن أبي رباح قال: قلت لابن عمر: أشهدت بيعة الرضوان مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قلت: فما كان عليه؟ قال: ورداء وسيف، ورأيت النعمان بن مقرّن- بميم مضمومة فقاف مفتوحة فراء مشددة مكسورة- المازنيّ قائم على رأسه، قد رفع أغصان الشجرة عن رأسه يبايعونه.

وفي صحيح مسلم عن جابر قال: بايعنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعمر آخذ بيده تحت شجرة- وهي سمرة- فبايعناه غير الجدّ بن قيس الأنصاري اختفى تحت بطن بعيره. وعند ابن إسحاق عن جابر بن عبد الله: فكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته قد خبأ إليها يستتر بها من الناس بايعناه على ألا نفرّ، ولم نبايعه على الموت [ (١) ] .

٦/٥٠٦/٥٠

وفيه- أيضا- عنه: صلى الله عليه وسلم- يبايع الناس وأنا رافع غصن من أغصانها عن رأسه ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على ألا نفرّ.

وروى الطبراني عن ابن عمر، والبيهقي عن الشعبي، وابن منده عن زر بن حبيش قالوا: لمّا دعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي، فقال: ابسط يدك أبايعك، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «علام تبايعني» قال: على ما في نفسك. زاد ابن عمر: فقال النبي: وما في نفسي؟ قال: أضرب بسيفي بين يديك حتى يظهرك الله أو أقتل.

فبايعه، وبايعه الناس على بيعة أبي سنان [ (٢) ] .

وروى البيهقي عن أنس وابن إسحاق عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: لما أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ببيعة الرّضوان كان بعث عثمان- رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «اللهم إنّ عثمان في حاجتك وحاجة رسولك، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم [ (٣) ] .

وروى البخاري وابن مردويه عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلّون فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بيعة الرضوان.

فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدّثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تحت الشجرة، نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إنّ أصحاب محمد لم يعلموها وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم. [ (٤) ]

وروى ابن سعد بسند جيد عن نافع قال: خرج قوم من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك بأعوام فما عرف أحد منهم الشجرة، واختلفوا فيها. قال ابن عمر: كانت رحمة من الله.

وروى ابن أبي شيبة في المصنف وابن سعد عن نافع قال: بلغ أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها فيصلّون عندها فتوعّدهم، ثم أمر فقطعت.

وروى البخاري وابن مردويه عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيّب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرّضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، قلت فإنّ جابر بن عبد الله قال: أربع عشرة مائة، قال: يرحمه الله توهّم، هو حدّثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة [ (١) ] .

٦/٥١٦/٥١

وروى الشيخان، وابن جرير عن قال: كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة، وكانت أسلم ثمن المهاجرين [ (٢) ] .

أفاد الواقديّ أنّ أسلم كانت في مائة رجل.

وروى سعيد بن منصور والشيخان عن جابر بن عبد الله قال: كنّا يوم ألفا وأربعمائة فقال لنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «أنتم خير أهل الأرض»

[ (٣) ] .

وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي عن جابر بن عبد الله، ومسلم عن أم مبشّر- رضي الله عنهما- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة»

[ (٤) ]

وروى الإمام أحمد بسند- رجاله ثقات- عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: لما كان يوم قال لنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لا توقدوا نارا باللّيل» فلما كان بعد ذلك قال: « قوم بعدكم صاعكم ولا مدّكم»

[ (٥) ] .

فلمّا نظر ، ، ومن كان معهم من عيون قريش من سرعة الناس إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب اشتدّ رعبهم وخوفهم، وأسرعوا إلى القضية.

ثم أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل» .

ذكر الهدنة وكيف جرى الصلح يوم الحديبية

روى ابن إسحاق وأبو عبيد وعبد الرزاق والإمام أحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه، ومحمد بن عمر عن ، والشيخان عن سهيل بن حنيف أن عثمان لما قدم من مكة هو ومن معه رجع وحويطب ومكرز إلى قريش فأخبروهم بما رأوا من سرعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب اشتدّ رعبهم، فقال أهل الرأي منهم: ليس خير من أن نصالح محمدا على أن ينصرف عنّا عامه هذا، ولا يخلص إلى البيت حتى يسمع من سمع بمسيره من العرب أنّا قد صددناه، ويرجع قابلا فيقيم ثلاثا وينحر هديه وينصرف، ويقيم ببلدنا ولا يدخل علينا، فأجمعوا على ذلك. فلما أجمعت قريش على الصلح والموادعة بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب ومكرز وقالوا لسهيل: ائت محمدا فصالحه وليكن في صلحك ألّا يدخل عامه هذا، فو الله لا تحدّث العرب أنه دخل علينا عنوة فأتى سهيل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما رآه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «قد أراد القوم الصّلح حين بعثوا هذا» وفي لفظ: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «سهل أمركم»

٦/٥٢٦/٥٢

وجلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- متربعا، وكان عباد بن بشر وسلمة بن أسلم بن حريش على رأسه- وهما مقنّعان في الحديد- فبرك سهيل على ركبتيه فكلم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأطال الكلام وتراجعا، وارتفعت الأصوات وانخفضت، وقال عباد بن بشر لسهيل: اخفض من صوتك عند رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- والمسلمون حول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جلوس، فجرى بين رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وبين سهيل القول حتى وقع الصلح على أن توضع الحرب بينهما عشر سنين، وأن يأمن الناس بعضهم بعضا، وأن يرجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عامه هذا، فإذا كان العام المقبل قدمها فخلّوا بينه وبين مكة، فأقام فيها ثلاثا فلا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب لا يدخلها بغيره، وأنّه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليّه- وإن كان على دين محمّد- ردّه إلى وليّه، وأنه من أتى قريشا ممن اتّبع محمدا لم يردوه عليه، وأن بينهم وبين رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال [ (١) ] ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم.

فكره المسلمون هذه الشروط وامتعضوا منها، وأبى سهيل إلّا ذلك فلما اصطلحوا ولم يبق إلا الكتاب وثب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله ألست نبيّ الله حقا؟ قال: بلى. قال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ في الجنّة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: علام نعطي الدّنيّة في ديننا؟ ونرجع ولم يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «إني عبد الله ورسوله ولست أعصيه ولن يضيّعني وهو ناصري» قال: أو ليس كنت تحدثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف حقا؟ قال: «بلى، أفأخبرتك أنّك تأتيه العام؟ قال: لا: قال: «فإنّك آتيه ومطوّف به» ، فذهب عمر إلى أبي بكر متغيّظا ولم يصبر، فقال: نبيّ الله حقا؟ قال: بلى. قال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟

٦/٥٣٦/٥٣

في النار؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدّنيّة في ديننا ونرجع ولم يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: أيّها الرّجل أنه رسول الله وليس يعصي ربّه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه حتى تموت، فو الله إنه لعلى الحق. وفي لفظ فإنّه رسول الله. فقال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله، قال: أو ليس كان يحدّثنا أنّه بلى، أفأخبرك أنّك تأتيه العام؟ قال: لا. قال: فإنّك آتيه ومطوّف به. فلقي عمر من هذه الشّروط أمرا عظيما [ (١) ] . وقال كما في الصحيح: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، وجعل يردّ على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الكلام فقال أبو عبيدة بن الجراح- رضي الله عنه-: ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول ما يقول، تعوّذ بالله من الشّيطان واتّهم رأيك، قال عمر: فجعلت أتعوذ بالله من الشيطان حياء فما أصابني شيء قط مثل ذلك اليوم وعملت بذلك أعمالا- أي صالحة- لتكفر عني ما مضى من التوقف في امتثال الأمر ابتداء كما عند ابن إسحاق وابن عمر الأسلمي. قال عمر: فما زلت أتصدّق وأصوم وأصلّي وأعتق من الّذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الّذي تكلمت به حتّى رجوت أن يكون خيرا.

وروى البزار عن - رضي الله عنه- قال: اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أردّ أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- برأيي، وما ألوت على الحق، قال: فرضي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبيت حتى قال: «يا عمر تراني رضيت وتأبى»

[ (٢) ] . فقال سهيل: هات، اكتب بيننا وبينك كتابا، فدعا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عليّا- كما في حديث البراء عند البخاري في كتاب الصّلح وكتاب الجزية، ورواه إسحاق بن راهويه من حديث المسور ومروان، وأحمد، والنسائي، والبيهقي والحاكم- وصححه عن عبد الله بن مغفل [ (٣) ] ، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «اكتب بسم الله الرحمن الرّحيم» ، فقال سهيل- وأسلم بعد ذلك- أمّا الرّحمن الرّحيم فو الله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب اكتب في قضيّتنا ما نعرف. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلّا بسم الله الرحمن الرّحيم. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- «اكتب باسمك اللهمّ» ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم» نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، اكتب في قضيّتنا ما نعرف، اكتب محمد بن عبد الله. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنا بالّذي «أمحاه» وفي لفظ «أمحاك» وفي حديث محمد ابن كعب القرظيّ: فجعل عليّ يتلكّأ، وأبى أن يكتب إلّا محمد رسول الله، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: اكتب فإنّ لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد [ (١) ] انتهى.

٦/٥٤٦/٥٤

وذكر محمد بن عمر أن أسيد بن الحضير وسعد بن عبادة أخذا بيد علي ومنعاه أن يكتب إلّا «محمد رسول الله» ، وإلّا فالسّيف بيننا وبينهم، فارتفعت الأصوات، فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يخفضهم ويومئ بيده إليهم: اسكتوا. فقال: أرنيه، فأراه إياه فمحاه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بيده وقال: اكتب محمد بن عبد الله. قال الزهري: وذلك لقوله- صلى الله عليه وسلم- لا يسألوني إلّا أعطيتهم إياها، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لسهيل على أن تخلّوا بيننا وبين البيت، فنطوف، فقال سهيل: لا والله لا تحدّث لك من العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: على أنه لا يأتيك منّا أحد بغير إذن وليّه- وإن كان على دينك إلّا سددته إلينا فقال المسلمون: سبحان الله، أيكتب هذا؟ كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم إلينا سيجعل الله له فرجا ومخرجا» [ (٢) ] .

وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم بعد أن ذكر نحو ما تقدم، قال فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السّلاح فثاروا إلى وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأخذ الله بأسماعهم- ولفظ الحاكم بأبصارهم- فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «هل جئتم في عهد أحد وهل جعل لكم أحد أمانا» ؟ فقالوا: لا. فخلّى سبيلهم كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [سورة الفتح ٢٤]