المبحث الأول: في سبب الغزوة
...
الفصل الأول:
٩٣- قال ابن إسحاق ١: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن مسور ٢ بن مخرمة ومروان بن الحكم ٣ أنهما حدثاه، قالا: خرج ٤ رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ٥ يريد زيارة البيت ٦، لا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبع مائة رجل ٧، فكانت كل بدنةٍ عن عشرة نفر، وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني ٨ يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة ٩.
- ١السيرة النبوية (ابن هشام ٢/٣٠٨-٣٠٩) وسنده حسن.
- ٢مسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري، أبو عبد الرحمن، له ولأبيه صحبة، توفي سنة أربع وستين، الإصابة ٣/٤١٩-٤٢٠.
- ٣هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو عبد الملك الأموي المدني، ولي الخلافة في آخر سنة ٦٤ هـ- ومات سنة خمس في رمضان، وله ثلاث - أو إحدى وستون - سنة، لا تثبت له صحبة، من الثانية، خ، التقريب ٥٢٥.
- ٤كان خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية يوم الإثنين، ذكر ذلك الواقدي، المغازي ٢/٥٧٣، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/٩٥، وابن سيد الناس في عيون الأثر ٢/١٦٠، نقلاً عن ابن سعد، والقسطلاني، في المواهب اللدنية ٢/١٧٩، وقال العيني: "وكان خروجه صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين لهلال ذي القعدة سنة ست بلا خلاف" عمدة القارئ ١٤/٦. وذكر ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة عن أبيه أنها كانت في شهر شوال: مصنف ابن أبي شيبة ١٤/٤٢٩. وذكر أيضاً يعقوب بن سفيان من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في رمضان وكانت الحديبية في شوال. المعرفة والتاريخ ٣/٢٥٨، قال ابن القيم عقب ذكره لهذه الرواية: وهذا وهم، وإنما كانت غزاة الفتح في رمضان. زاد المعاد ٣/٢٨٧. وذكرها ابن كثير، وقال معقباً عليها: وهذا غريب جداً عن عروة. البداية ٤/١٦٤. وقال الحافظ ابن حجر: "جاء عن هشام بن عروة عن أبيه أنه خرج في رمضان واعتمر في شوال، وشذّ بذلك". فتح الباري ٧/٤٤٠، والصواب أنها كانت في شهر ذي القعدة كما في صحيح البخاري رقم (١٧٨١) و (١٨٤٤) و (٢٦٩٩) و (٤٢٥١) وصحيح مسلم بشرح النووي ٨/٢٣٤-٢٣٥، وأحمد في المسند ٣٠/٥٩٤ رقم [١٨٦٣٥] أرناؤوط. وقد كانت في السنة السادسة. انظر: ابن هشام ٢/٣٠٨، ومغازي الواقدي ١/٣٨٣، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٩٥، وتاريخ الطبري ٢م٦٢٠، والبداية والنهاية ٤/١٦٤، وقال البيهقي بعد ذكره لتاريخ الغزوة بأنها كانت سنة ست في ذي القعدة: قلت: هذا هو الصحيح، وإليه ذهب الزهري وقتادة، وموسى ابن عقبة، ومحمد بن إسحاق بن يسار وغيرهم، واختلف فيه على عروة بن الزبير. دلائل البيهقي ٤/٩١، ونقل كلام البيهقي ابن القيم في الزاد ٣/٢٨٦. وانظر: البيهقي ٤/٩٢ فقد ذكر رواية أبي الأسود عن عروة أنها في ذي القعدة سنة ست، وبذلك يكون عروة في رواية أبي الأسود عنه موافقاً للجمهور. وقال الإمام النووي: "وقد أجمع المسلمون أن الحديبية كانت سنة ست من الهجرة في ذي القعدة" التهذيب ٧/٧٨، وقال ابن كثير: "وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف". البداية والنهاية ٤/١٦٤. وقال الحافظ ابن حجر: "كانت الحديبية سنة ست بلا خلاف". التلخيص الحبير ٤/٩٠. وقد خالف هذ االإجماع ابن الديبع فذكر أنها كانت في السنة الخامسة، حدائق الأنوار ٢/٦٠٩.
- ٥تقع الحديبية الآن غرب مكة على بعد (٢٢) كيلاً على الطريق إلى جدة، وقد تغير اسمها إلى الشميسي، معجم المعالم الجغرافية للبلادي ٩٤، ونسب حرب له ٣٥٠، والمعالم الأثيرة لمحمد شرّاب ٩٧، وهي بالتخفيف والتثقيل لغتان، كما قال ابن حجر في الفتح ٧/٤٣٩. وهي بئر سمي المكان بها، وقيل شجرة حدباء صغرت وسمي المكان بها. الفتح ٥/٣٣٤.
- ٦يشهد له ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (١٧٧٨) فقد ذكر أنه خرج معتمراً, هذا هو السبب الذي خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من أجله. وذكر بعضهم أن سبب خروج النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا رآها أنه دخل البيت هو وأصحابه واستبشروا. انظر: مغازي الواقدي ٢/٥٧٢،وتاريخ اليعقوبي ٢/٥٤، وإمتاع الأسماع للمقريزي ١/٢٧٤، وشرح المواهب اللدنية ٢/١٧٩.
- ٧قال الحافط ابن حجر: "وأما قول ابن إسحاق من أنهم كانوا سبعمائة فلم يوافق عليه لأنه كان استنباطاً من قول جابر: "فنحرنا البدن عن عشرة", وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدلّ على أنهم لم ينحروا غير البدن مع أن بعضهم لم يكن محرماً أصلاً) . فتح الباري ٧/٤٤٠. وقال ابن حزم: "وقد قال بعضهم: كانوا سبعمائة وهذا وهم شديد ألبتة". جوامع السيرة ٢٠٧. وقال ابن القيم: "وغلط غلطاً بيِّناً من قال: كانوا سبعمائة". زاد المعاد ٣/٢٨٨.
- ٨قوله وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني، القائل هو ابن إسحاق بدليل قوله فيما بعد: قال الزهري.
- ٩سيأتي التحقيق في ذلك قريباً إن شاء الله في الرواية رقم [٩٦]
المبحث الثاني: في أحداث الغزوة إجمالا
٩٤- أخرج البخاري ١ من طريق معمر، قال: أخبرني الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه - قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، حتى كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش ٢، فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية ٣ التي يُهبط عليهم منها بركت به راحلتُه، فقال الناس: حَلْ حَلْ٤، فألحت. فقالوا: خَلأتِ١ القَصواء ٤. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ٥، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطةً يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها" .
- ١صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ٣٢٩- ٣٣٣ رقم (٢٧٣١، ٢٧٣٢) .
- ٢القترة: - بفتح القاف والمثناة -: الغبار الأسود. الفتح ٥/ ٣٣٥.
- ٣المراد بالثنية؛ ثنية المِرَار، كما عند ابن إسحاق ٢/ ٣٠٨- ٣٠٩، وستأتي بطولها، والفتح ٥/ ٣٣٥، وثنية المِرَار: - بكسر الميم والتخفيف الراء -: هي طريق في الجبل تشرف على الحديبية، الفتح ٥/ ٣٣٥، وقال البلادي: "إذا وقفت في الحديبية ونظرت شمالاً عدلاً، رأيت جبلين بارزين بينهما فج واسع هذا الفج ثنية المرار" معجم المعالم، ١٠٦.
- ٤القصواء: - بفتح القاف بعدها مهملة ومد -: اسم ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقصو قطع طرف الأذن. الفتح ٥/ ٣٣٥.
- ٥حبسها حابس الفيل: أي حبسها الله عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها، ومناسبة ذكرها: أن الصحابة لو دخلوها على تلك الصورة وصدتهم قريش لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى سفك الدماء، كما لو قدر دخول الفيل. الفتح ٥/ ٣٣٥.
- *حَلْ حَلْ: - بفتح المهملة وسكون اللام -: كلمة تقال للناقة إذا تركت المسير، وقال الخطابي: "إن قلت حل واحدة فالسكون، وإن أعدتها نونت في الأولى وسكنت في الثانية". الفتح ٥/ ٣٣٥.
ثم زجرها فوثَبَتْ. قال فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ٤ قليل الماءِ يَتَبَرَّضُهُ٥ الناسُ تَبَرُّضَاً، فلم يلبِّثْهُ٦ الناسُ حتى نزحوه، وشُكِيَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطشُ، فانتزَعَ سهماً من كِنانتهِ٧، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش ١ لهم بالرِّيِّ حتى صدروا عنه ٢.
- ١يجيش: - بفتح أوله وكسر الجيم وآخره معجمة -: أي يفور. الفتح ٥/ ٣٣٧.
- ٢إلى هنا أخرجه الواقدي في المغازي ٢/ ٥٨٧.
- *خلأت: أي بركت. القاموس (خلأت) .
- *على ثمد: بفتح المثلثة والميم، أي حفيرة فيها ماء مثمود أي: قليل. الفتح ٥/ ٣٦٦.
- *يتبرضه الناس: - بالموحدة والتشديد والضاد المعجمة -: هو الأخذ قليلاً قليلاً، والبرض: - بالفتح والسكون - اليسير من العطاء، قال صاحب العين: هو جمع الماء بالكفين. الفتح ٥/ ٣٣٧.
- *فلم يلبث حتى نزحوه: - بضم أوله وسكون اللام -: من الألباث، وقال ابن التين: بفتح اللام وكسر الموحدة الثقيلة، أي لم يتركوه يلبث أي يقيم. الفتح ٥/ ٣٣٧.
- *فانتزع سهماً من كنانته: أي أخرج سهماً من جعبته، الفتح ٥/ ٣٣٧.
فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَي لُ بن وَرْقاء الخزاعيّ٣ في نفر من قومه من خُزاعة - وكانوا عيبة ١ نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تِهامة ٢ - فقال إني تركتُ كعب بنَ لؤيّ٦ وعامرَ بنَ لؤيّ نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العُوذُ٧ المطافيلُ٨، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نجئ لقتال أحدٍ، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشاً قد نَهِكتْهُم ٣ الحرب وأضرّت بهم، فإن شاؤوا مادَدْتهم مدةً ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإنْ أظهرْ، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا ٤، وإن هم أبَوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، وليُنفِذَنَّ الله أمرَهُ" . فقال بُديل: سأبلِّغُهم ما تقول. قال: فانطلق حتى أتى قريشاً، قال: إنّا جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرِضَه عليكم فعَلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعتَه يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
- ١وكانوا عيبة نصح: العيبة - بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة -: ما توضع فيه الثياب لحفظها، أي أنهم موضع النصح له والأمانة على سره، ونصح بضم النون، وحكى ابن التين فتحها، كأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب. الفتح ٥/ ٣٣٧.
- ٢من أهل تهامة: لبيان الجنس، لأن خزاعة كانوا من جملة أهل تهامة - بكسر المثناة - هي مكة وما حولها، وأصلها من التهم وهو شدة الحر وركود الريح. الفتح ٥/ ٣٣٧.
- ٣نهكتهم الحرب: - بفتح أوله وكسر الهاء -: أي أبلغت فيهم حتى أضعفتهم، الفتح ٥/ ٣٣٨.
- ٤فقد جموا: أي استراحوا. الفتح ٥/ ٣٣٨.
- *هو: بديل بن ورقاء بن عمرو بن ربيعة بن عبد العزى بن ربيعة بن جزي ... الخزاعي، كان إسلامه قبل الفتح، وقيل يوم الفتح. الإصابة ١/ ١٤١.
- *قوله: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي: إنما اقتصر على ذكر هذين لكون قريش الذين كانوا بمكة أجمع ترجع أنسابهم إليهما. الفتح ٥/ ٣٣٨.
- *العوذ: - بضم المهملة وسكون الواو بعدها معجمة -: جمع عائذ وهي الناقة ذات اللبن، النهاية ٣/ ٣١٩، والفتح ٥/ ٣٣٨.
- *المطافيل: الأمهات اللائي معها أطفالها. الفتح ٥/ ٣٣٨.
فقام عروة بن مسعود ١ فقال: أيْ قومِ! ألستُم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أوَ لستُ بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت ٢ أهل عكاظ ٣ فلما بلّحوا ٤ عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشدٍ اقبلوها ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نحواً من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: أيْ محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح ٥ أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً٥ من الناس خليقاً أن يفرُّوا ويدَعوك، فقال له أبو بكر: امصص ٦ بَظْرَ اللات، أنحن نفرُّ عنه ونَدَعُهُ؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر.
- ١هو: عروة بن مسعود بن معتب - بالمهملة والمثناة المشددة - ابن مالك بن كعب بن عمرة بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي، وهو عم والد المغيرة بن شعبة، كان أحد الأكابر من قومه، وثبت ذكره في الحديث الصحيح في قصة الحديبية وكانت له اليد البيضاء في تقرير الصلح، أسلم لما انصرف الرسول صلى الله عليه وسلم من الطائف، ورماه رجل من ثقيف فقتله، الإصابة ٢/ ٤٧٧.
- ٢استنفرت: أي دعوتهم إلى نصركم. الفتح ٥/ ٣٣٩.
- ٣عكاظ: - بضم المهملة وتخفيف الكاف -: من أشهر أسواق العرب كان يوجد في الجهة الشرقية الشمالية من بلدة (الحويّة) اليوم، ويقع شمال شرقي الطائف على قرابة خمس وثلاثين كيلاً في أسفل وادي شَرِب. معجم المعالم الجغرافية ٢١٥.
- ٤فلما بلحوا: - بالموحدة وتشديد اللام المفتوحتين ثم مهملة مضمومة -: أي امتنعوا، والتبلح: التمنع من الإجابة. الفتح (٥/ ٣٣٩) .
- ٥اجتاح: - بجيم ثم مهملة -: أي أهلك بالكلية. الفتح ٥/ ٣٤٠.
- ٦امصص بظر اللات: - بألف وصل ومهملتين الأولى مفتوحة بصيغة الأمر -، والبظر: بفتح الموحدة وسكون المعجمة قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة، واللات: اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها وكان عادة العرب الشتم بذلك، لكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة. الفتح ٥/ ٣٤٠.
- *أشواباً: - بتقديم المعجمة على الواو -، كذا للأكثر، ووقع (أوشاباً) بتقديم الواو، والأشواب: الأخلاط من أنواع شتى، والأوباش: الأخلاط من السفلة، فالأوباش أخص من الأشواب. الفتح ٥/ ٣٤٠.
قال أما والذي نفسي بيده لولا يد ١ كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة ابن شعبة ٢ قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف ٣ وقال له: أخِّرْ يدَك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أيْ غُدَر ٤، ألستُ أسعى في غدرتك؟
- ١لولا يد: أي نعمة. الفتح ٥/ ٣٤٠، وقال ابن حجر: "إن اليد المذكورة في الحديث: أن عروة كان تَحمَّل بدية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن، وفي رواية الواقدي: عشر قلائص" الفتح ٥/ ٣٤٠.
- ٢هو: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد ... الثقفي أبو عيسى أو أبو محمد، أسلم قبل عمرة الحديبية، وشهدها وبيعة الرضوان، وشهد اليمامة وفتوح الشام والعراق، ولاه معاوية الكوفة فاستمر على إمرتها حتى مات سنة خمسين. الإصابة ٣/ ٤٥٢- ٤٥٣.
- ٣نعل السيف: هو ما يكون في القراب من فضة ونحوها. الفتح ٥/ ٣٤١.
- ٤أي غدر: - بالمعجمة - بوزن عمر معدول عن غادر مبالغة في وصفه بالغدر، الفتح ٥/ ٣٤١. قال ابن حجر: "وذلك أنه خرج مع ثلاثة عشر نفراً إلى ثقيف من بني مالك فغدر بهم وقتلهم، وأخذ أموالهم فتهايج الفريقان بنو مالك والأحلاف رهط المغيرة، فسعى عروة عم المغيرة حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفراًً واصطلحوا". الفتح ٥/ ٣٤١.
وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمّا الإسلام فأقبلُ، وأما المال فلست منه في شيء" ، ثم إن عروة جعل يرمُق ١ أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه، قال: فوالله ما تنخّم ٢ رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كفِّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يُحِدُّون ٣ إليه النظر تعظيماً له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أيْ قومِ، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدتُ على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إنْ رأيت مليكاً قط يعظمه أصحابُه ما يعظم أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم محمداً. والله إنْ يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدَلَكَ بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيماً له، وإنه قد عرض عليكم خطة رُشْد فاقبلوها. فقال رجل ٤ من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته.
- ١يرمق: - بضم الميم - أي يلحظ. الفتح ٥/ ٣٤١.
- ٢تنخم: النخامة: البزقة التي تخرج من أقصى الحلق، ومن مخرج الخاء المعجمة. النهاية ٥/ ٣٤.
- ٣وما يحدون: - بضم أوله وكسر المهملة -: أي: يديمون. الفتح ٥/ ٣٤١.
- ٤فقال رجل: هو: (الحليس) - بمهملتين مصغر -، ابن علقمة، وهو من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة وكان من رؤوس الأحابيش، وهم (بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو المصطلق بن خزاعة، وبنو القارة بن الهون بن خزيمة) الفتح ٥/ ٣٤٢.
فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا فلان، وهو من قوم يعظِّمون البُدْنَ٢، فابعثوها ١ له" ، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدن قد قُلّدت ٢ وأشعرت ٣، فما أرى أن يُصدوا عن البيت، فقام رجل منهم يقال له: مِكْرَ زُ بن حفص ٤، فقال: دعوني آتيه. فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا مِكرَز، وهو رجل فاجر" ، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو ٥. قال معمر: فأخبرني أيوب ٦ عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: " قد سهل لكم من أمركم" . قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هاتِ اكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب ٧ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بسم الله الرحمن الرحيم" ، فقال سهيل: أما "الرحمن" فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا "بسم الله الرحمن الرحيم" ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب باسمك اللهم" ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله" ، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكنِ اكتب: "محمد بن عبد الله" . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب " محمد ابن عبد الله ". قال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألونني خطة يعظمون فيها ر حرمات الله إلا أعطيتهم إياها "، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " على أن تُخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به". فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخذنا ضغطة ٨، ولكن ذلك من العام المقبل فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منّا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددتَه إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟
- ١فابعثوها له: أي أثيروها دفعة واحدة. الفتح ٥/ ٣٤٢.
- ٢تقليد البدنة: شيء تعلم به أنها هدي. القاموس (قلد) .
- ٣إشعار البدن: هو أن يشق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها ويجعل ذلك لها علامة تعرف بها أنها هدي. النهاية ٢/ ٤٧٩.
- ٤مكرز: - بكسر الميم وسكون الكاف، وفتح الراء بعدها زاي -: بن حفص بن الأخيف، من بني عامر بن لؤي. الفتح ٥/ ٣٤٢.
- ٥هو: سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري، خطيب قريش أبو زيد، هو الذي تولى أمر الصلح بالحديبية، ذكره ابن إسحاق فيمن أعطاه النبي مائة من الإبل من المؤلفة، توفي بالطاعون سنة ثمان عشرة. الإصابة ٢/ ٩٣- ٩٤.
- ٦هو: أيوب بن أبي تميمة: كيسان السختياني - بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية، وبعد الألف نون - أبو بكر البصري، ثقة، ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، توفي سنة ١٣١ هـ-، وله خمس وستون، (ع) ، التقريب ١١٧.
- ٧هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما ذكر ذلك عبد الرزاق في المصنف من رواية الزهري ٥/٣٤٣، والبخاي من غير طريق الزهري. صحيح البخاري مع الفتح ٥/٣٠٣. وذكر الحافظ ابن حجر: أن ابن شبة أخرج من طريق عمرو بن سهيل بن عمرو عن أبيه أن الكتاب عندنا، كاتبه محمد بن مسلمة. وذكر أنه يُجمع بأن أصل كتاب الصلح بخط علي كما هو في الصحيح، ونسخ مثله محمد بن مسلمة لسهيل بن عمرو. الفتح ٥/٣٤٣. وقد ذكر الواقدي أن الرسول صلى الله عليه وسلم اختلف هو وسهيل بن عمرو على أخذ الكتاب بعدما كتب، فقال سهيل عندي، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: بل عندي، فاختلفا، فكتب له نسخة فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب الأول، وأخذ سهيل نسخته. المغازي ٢/٦١٢. وهذا يؤيد ما ذكره الحافظ ابن حجر في جمعه بين الروايتين. والله أعلم
- ٨والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة: بضمّ الضاد، وسكون الغين المعجمتين، ثم طاء مهملة، أي قهراً. الفتح ٥/٣٤٣.
- *البدن: البدنة تقع على الجمل والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وسميت بدنة لعظمها وسمنها. النهاية ١/ ١٠٨.
فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو ١ يرسف ٢ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقضِ الكتابَ بعد، قال: فوالله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه ٣ لي، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مِكْرَ ز: بل قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أيْ معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألستَ نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلِمَ نعطي الدّنِيَّة ٤ في ديننا إذاً؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوفَ به٢؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال: فأتيتُ أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: أيها الرجل: إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بِغَرْزِه ٥، فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال الزهري ٦: قال عمر فعملت لذلك أعمالاً٣، قال: فلما فرغ من قضيةِ الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا، ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة ٧، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدْنَه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً، ثم جاءه نسوةٌ مؤمنات ٨ فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ٢ فطلق عمر يومئذ امرأتين ٩، كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان ١٠ والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير ١١ رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين ١٢ فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به، حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً، فاستله ١٣ الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به، ثم جربت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد ١٤، وفرّ الآخر، حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعراً، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ويل امِّهِ١ مِسْعَرَ حرب ١٥ لو كان له أحد " ٣، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعيرٍ٤ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا ١٦ لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ٦ وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت ١٧.
- ١هو أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشيّ العامريّ، قيل اسمه: عبد الله، وكان من السابقين إلى الإسلام، وممن عذب بسب إسلامه، ثبت ذكره في صحيح البخاري في قصة الحديبية، وذكره أهل المغازي فيمن شهد بدراً وكان أقبل مع المشركين فانحاز إلى المسملين، ثم أسر بعد ذلك، وعذب ليرجع عن دينه، استشهد باليمامة، وهوابن ثمان وثلاثين سنة. الإصابة ٤/٣٤.
- ٢يرسف في قيوده: - بفتح أوله وضم المهملة وبالفاء - أي يمشي مشياً بطيئاً بسبب القيد. الفتح ٥/٣٤٤.
- ٣فأجزه لي: بصيغة فعل الأمر، من الإجازة أي امض لي فعلي فيه، فلا أرده إليك، أو استثنيه من القضية. الفتح ٥/٣٤٥.
- ٤الدنية: - بفتح المهملة وسكون النون وتشديد التحتانية - أي الخصلة المذمومة. النهاية ٢/١٣٧، والفتح ٥/٣٤٦.
- ٥فاستمسك بغرزه: - هو بفتح الغين المهملة وسكون الراء بعدها زاي وهو - أي الغرز - للإبل بمن-زلة الركب للفرس، والمراد به التمسك بأمره وترك المخالفة له كالذي يمسك بركب الفرس فلا يفارقه. الفتح ٥/ ٣٤٦.
- ٦قال الزهري: "قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً": قال الحافظ: "هو موصول إلى الزهري بالسند المذكور، وهو منقطع بين الزهري وعمر" الفتح ٥/٣٤٦.
- ٧هي: أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية أم المؤمنين اسمها هند، كان قد تزوجها ابن عمها أبو سلمة بن عبد الأسد فمات عنها، فتزوحها النبي صلى الله عليه وسلم في جمادى الآخرة سنة أربع وقيل سنة ثلاث وكانت ممن أسلم قديماً هي وزوجها وهاجرا إلى الحبشة ثم قدما مكة وهاجرا إلى المدينة. توفيت سنة ٦٣هـ-. الإصابة ٤/ ٤٥٨.
- ٨ثم جاءه نسوة مؤمنات: ظاهره أنهن جئن إليه بالحديبية وليس كذلك وإنما جئن إليه بعد في أثناء المدة. الفتح ٥/ ٣٤٨.
- ٩المرأتان: قريبة بنت أبي أمية، وابنة جرول الخزاعي، البخاري معلقاً عن عقيل عن الزهري رقم (٢٧٣٣) وذكر أن الأخرى تزوجها أبو جهم، وذكرها ابن إسحاق عن الزهري مرسلاً. ابن هشام ٢/ ٣٢٧.
- ١٠هو: معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشي أمير المؤمنين ولد قبل البعثة بخمس سنين وقيل بسبع وبثلاث عشرة، قيل أسلم بعد الحديبية وكتم إسلامه حتى أظهره عام الفتح، صحب النبي صلى الله عليه وسلم وكتب له وولاه عمر الشام، مات في رجب سنة ستين على الصحيح. الإصابة ٣/ ٤٣٣- ٤٣٤.
- ١١أبو بصير: اسمه عتبة بن أَصيد - بالفتح -، ابن جارية - بالجيم - بن أسيد - بالفتح - أيضاً، ابن عبد الله بن غيرة - بكسر المعجمة وفتح التحتانية - ابن عوف بن ثقيف، أبو بصير - بفتح الموحدة - الثقفي، حليف بني زهرة، الإصابة ٢/ ٤٥٢.
- ١٢فأرسلوا في طلبه رجلين: هما: خنيس - مصغراً - ابن جابر، ورجل آخر اسمه: كوثر، مغازي الواقدي ٢/ ٦٢٤، وكذلك ذكرهما ابن سعد كما في الفتح ٥/ ٣٤٩، ودلائل البيهقي ٤/ ١٧٢، وقد سماه جحش بن جابر، وسيأتي.
- ١٣فاستله: أي أخرجه من غمده. الفتح ٥/ ٣٤٩.
- ١٤فضربه حتى برد: - بفتح الموحدة والراء -: أي خمدت حواسه، وهي كناية عن الموت، الفتح ٥/ ٣٤٩.
- ١٥مسعر حرب: - بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين المهملة وبالنصب على التمييز -: أي يسعرها. الفتح ٥/ ٣٥٠.
- ١٦إلا اعترضوا لها: أي وقفوا في طريقها بالعرض، وهي كناية عن منعهم لها من السير. الفتح ٥/ ٣٥٠.
- ١٧أخرجه أحمد أيضاً ٣١/ ٢٤٣- ٢٥٣ رقم [١٨٩٢٨] أرناؤوط، وعبد الرزاق في المصنف ٥/ ٣٣٠-٣٤٢ رقم (٩٧٢٠) ، والطبراني في الكبير ٢٠/ ٩- ١٥، رقم (١٣) ، والسنن الكبرى للبيهقي ٩/ ٢١٨- ٢٢١، ودلائل النبوة له ٤/ ٩٩- ١٠٨.
- *في رواية ابن إسحاق: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة أنهم سيطوفون بالبيت وذلك لرؤيا رآها، فلما لم تتحقق بسبب الصلح دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٣١٨.
- *قوله: أعمالاً: المراد الأعمال الصالحة ليكفر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداءاً. الفتح ٥/٣٤٦. قال الحافظ: "وفي رواية ابن إسحاق (ابن هشام ٢/٣١٧) وكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي، وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به. وعند الواقدي (مغازيه ٢/ ٦٠٧) من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري قال عمر: "لقد أعتقت بسبب ذلك رقاباً وصمت دهراً". الفتح ٥/ ٣٤٦.
- *سورة الممتحنة آية (١٠) .
- *ويل امه: - بضم اللام ووصل الهمزة وكسر الميم المشددة -، وهي كلمة ذم تقولها العرب في المدح ولا يقصدون معنى ما فيها من الذم، لأن الويل: الهلاك. الفتح ٥/ ٣٥٠.
- *لو كان له أحد: أي ينصره ويعاضده ويناصره. الفتح ٥/ ٣٥٠.
- *ما يسمعون بعير: أي بخبر عير - بالمهملة المكسورة - أي: قافلة. الفتح ٥/ ٣٥٠.
- *سورة الفتح آية (٢٤- ٢٦) . قال الحافظ ابن حجر: "وظاهره أنها نزلت في شأن أبي بصير وفيه نظر، والمشهور في نزولها ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع ومن حديث أنس: أنها نزلت بسبب القوم الذين أرادوا من قريش أن يأخذوا من المسلمين غرة، فظفروا بهم فعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم فن-زلت الآية، وقيل في نزولها غير ذلك" الفتح ٥/ ٣٥٠، وانظر الحديث الذي أخرجه مسلم ١٢/ ١٨٧ بشرح النووي، وأحمد في المسند ٢٧/ ٣٥٤ رقم [١٦٨٠٠] أرناؤوط.
المبحث الثالث: في أول من بايع بيعة الرضوان
٩٥- أخرج الطبراني في الأوسط فقال: حدثنا أحمد ١، ثنا محمد ابن عبد الله بن عبيد بن عقيل ٢ ثنا يعقوب بن محمد الزهري ٣، قال: نا عبد العزيز بن عمران ٤، عن محمد بن عبد لعزيز بن عمر بن عبد الرحمن ابن عوف ٥ عن الزهري، عن سالم ٦ عن أبيه قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية الناس للبيعة ٧ فجاء أبو سنان بن محصن ٨ فقال: يا رسول الله أبايعك على ما في نفسك قال: "وما في نفسي؟ " قال: أضرب بسيفي بين يديك حتى يظهرك الله أو أقتل، فبايعه وبايع الناس على بيعة أبي سنان ٩.
- ١هو أحمد بن يحيى بن زهير التستري، قال عنه الذهبي: "الإمام الحجة المحدث البارع، علم الحفاظ، شيخ الإسلام أبو جعفر"، قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: "ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي إسحاق بن حمزة، وسمعته يقول: ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي جعفر بن زهير التستري"، وقال أبو بكر بن المقرئ: حدثنا تاج المحدثين أحمد بن يحيى بن زهير، فذكر حديثاً، توفي سنة ٣١٠هـ"-، تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٥٧- ٧٥٩، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٦٢.
- ٢هو: محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل - بفتح العين - الهلالي أبو مسعود البصري، صدوق من الحادية عشرة، د س ق، التقريب ٤٨٩ رقم (٦٠٣٤) .
- ٣هو يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، نزيل بغداد، صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، خت، ق، التقريب ٦٠٨ رقم (٧٨٣٤)
- ٤هو عبد العزيز بن عمران بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، الأعرج يعرف بابن أبي ثابت، متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظه، فاشتد غلطه، وكان عارفاً بالأنساب، من الثامنة، توفي سنة سبع وتسعين، ت، التقريب ٣٥٨.
- ٥هو محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال البخاري عنه: "منكر الحديث"، وقال النسائي: "متروك". وقال الدارقطني: "ضعيف"، وقال أبو حاتم: "ثلاثة إخوة ليس لهم حديث مستقيمط. لسان الميزان ٥/٢٥٩-٢٦٠.
- ٦هو: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عمر أو أبو عبد الله، المدني أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتاً عابداً فاضلاً يشبه بأبيه في الهدي والسمت، من كبار الثالثة، توفي في آخر سنة ست على الصحيح. (ع) التقريب ٢٢٦.
- ٧المراد بالبيعة: بيعة الرضوان، والتي تمت تحت الشجرة، ونزل فيها قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} الآية من سورة الفتح (١٨) . انظر: مسلم بشرح النووي ١٢/١٧٤-١٧٥. وسببها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى قريش يخبرهم أنه إنما جاء يريد البيت الحرام لقضاء نسكه، لا يريد قتالاً، فبلغه أن قريشاً قتلت عثمان، فقال: لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس للبيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة". انظر: ابن هشام ٢/٣١٥، وتفسير ابن جرير ٢٦/٨٦، ودلائل النبوة للبيهقي ٤/١٣٣.
- ٨أبو سنان بن محصن أخو عكاشة، ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدراً، مات في حصار بني قريظة. انظر: الإصابة ٤/٩٦.
- ٩المعجم الأوسط للطبراني ٢/٣٢٦-٣٢٧، ثم قال: لم يروِ هذا الحديث عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، ولا عن محمد إلا عبد العزيز بن عمران، تفرد به يعقوب بن محمد. وقال الهيثمي في المجمع (٦/١٤٦) "رواه الطبراني في الأوسط وفيه: عبد العزيز بن عمران وهو متروك. قلت: وفي سنده أيضاً: محمد بن عبد العزيز بن عمران، قال البخاري عنه: "منكر الحديث"، وقال النسائي: "متروك" كما تقدم، وفيه أيضاً: يعقوب بن محمد بن عيسى، قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء"، كما مرّ في التقريب. فالحديث لا يثبت سنداً ولا متناً لأن أبا سنان بن محصن مات في حصار بني قريظة، كما ذكر ابن حجر، وحصار بني قريظة كان في السنة الخامسة، والحديبية في السنة السادسة، فكيف يكون ذلك؟!! والمشهور: أن أول من بايع هو أبو سنان ابن وهب، كما ذكر ذلك ابن هشام في السيرة ٢/٣١٦، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/١٠٠، والبيهقي في الدلائل ٤/ ١٣٧، وابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ٢٤٦-٢٤٧. وذكر ابن حجر في الإصابة ٤/ ٩١، أن البغوي أخرج في ترجمة أبي سفيان بن الحارث من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم قال: أوّل من بايع تحت الشجرة: أبو سفيان بن الحارث، ثم تعقبه بقوله: (لم يصب في ذلك، فقد أخرجه غيره من هذا الوجه، فقال: أبو سنان ابن وهب، وهو الصواب، وهو المستفيض عند أهل المغازي كلهم، واسم أبي سنان عبد الله) . وقد ذكر مسلم من حديث سلمة بن الأكوع أنه أول من بايع، مسلم بشرح النووي ١٢/١٧٤-١٧٥. والجمع بين ما ذكره مسلم وأهل المغازي: أن أبا سنان أول من بايع مطلقاً، وأن سلمة أول من بايع من الأنصار، فأوليته بالإضافة إلى ما دون أبي سنان، ذكر ذلك السفاريني في شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٧٣٣. "منكر الحديث"، وقال النسائي: "متروك" كما تقدم، وفيه أيضاً: يعقوب بن محمد بن عيسى، قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء"، كما مرّ في التقريب. فالحديث لا يثبت سنداً ولا متناً لأن أبا سنان بن محصن مات في حصار بني قريظة، كما ذكر ابن حجر، وحصار بني قريظة كان في السنة الخامسة، والحديبية في السنة السادسة، فكيف يكون ذلك؟!! والمشهور: أن أول من بايع هو أبو سنان ابن وهب، كما ذكر ذلك ابن هشام في السيرة ٢/٣١٦، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/١٠٠، والبيهقي في الدلائل ٤/ ١٣٧، وابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ٢٤٦-٢٤٧. وذكر ابن حجر في الإصابة ٤/ ٩١، أن البغوي أخرج في ترجمة أبي سفيان بن الحارث من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم قال: أوّل من بايع تحت الشجرة: أبو سفيان بن الحارث، ثم تعقبه بقوله: (لم يصب في ذلك، فقد أخرجه غيره من هذا الوجه، فقال: أبو سنان ابن وهب، وهو الصواب، وهو المستفيض عند أهل المغازي كلهم، واسم أبي سنان عبد الله) . وقد ذكر مسلم من حديث سلمة بن الأكوع أنه أول من بايع، مسلم بشرح النووي ١٢/١٧٤-١٧٥. والجمع بين ما ذكره مسلم وأهل المغازي: أن أبا سنان أول من بايع مطلقاً، وأن سلمة أول من بايع من الأنصار، فأوليته بالإضافة إلى ما دون أبي سنان، ذكر ذلك السفاريني في شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٧٣٣.
المبحث الرابع: في أحداث الغزوة وشروط الصلح
٩٦- قال ابن إسحاق ١: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر.
- ١سيرة ابن هشام ٢/٣٠٨-٣٢٠.
وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة. قال الزهري: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، - قال ابن هشام: ويقال: بُسْر - فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العُوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور ١، وقد نزلوا بذي طُوى ٢ يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدّموها إلى كُراع الغَمِيم ٣. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا ويح ٤ قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خَلَّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة) ٣. ثم قال: منْ رجلٌ يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟
- ١لبسوا جلود النمور: كناية عن شدة الحقد والغضب، تشبيهاً بأخلاق النمر وشراسته. النهاية ٥/١١٨.
- ٢ذو طوى: وادٍ من أودية مكة، وهو اليوم في وسط عمرانها، من أحيائه: العتيبية، وجرول، و (بئر ذي طوى) لا زالت معروفة بجرول. معجم المعالم الجغرافية ١٨٨ والمعالم الأثيرة ١٧٦.
- ٣كُراع الغميم: يقع جنوب عسفان بستة عشر كيلاً على الجادة إلى مكة أي على بعد (٦٤) كيلاً من مكة، على طريق المدينة، وتعرف اليوم ببرقاء الغميم. معجم المعالم الجغرافية (٢٦٣-٢٦٤) .
- ٤ويح: كلمة ترحم وتوجع، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها. النهاية ٥/٢٣٥.
[قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلاً من أسلم قال: أنا يا رسول الله، قال: فسلك بهم طريقاً وعراً أجرل ١ بين شعاب، فلما خرجوا منه، وقد شق ذلك على المسلمين، وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: قولوا نستغفر الله ونتوب إليه"، فقالوا ذلك، فقال: والله إنها للحِطَّةُ١ التي عُرِضت على بني إسرائيل، فلم يقولوها] ٢. قال ابن شهاب: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحَمْش ٢ في طريقٍ تُخرِجُه على ثنية المُرار مهبط الحديبية من أسفل مكة، قال: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم؛ رجعوا راكضين إلى قريش، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته، فقالت الناس: خلأت الناقة، قال: ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تَدْعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. ثم قال للناس: انزلوا.
- ١الأجرل: كثير الحجارة، ومن رواه: أجرد: فمعناه: ليس فيه نبات. الإملاء المختصر في شرح غريب السير، لأبي ذر الخشني. ٣/٤٥، تحقيق: عبد الكريم خليفة.
- ٢بين ظهري الحمش: - بإهمال الحاء وسكون الميم - تقع شمال ثنية المرار. معجم المعالم الجغرافية للبلادي ١٠٦، ثم قال: وأرى صوابه (الحمض) لأن تلك الأرض تسمى الحمض لكثرة نبات العصلاء فيها. المصدر السابق.
- *أو تنفرد هذه السالفة: السالفة: صفحة العنق، وانفرادها، كناية عن الموت. جامع الأصول ٨/٣٠٣.
قيل: له يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه، فأخرج سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً٤ من أصحابه فنزل به في قليب من تلك القُلُب فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن ١. قال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بُديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه ما الذي جاء به؟
- ١حتى ضرب الناس بعطن: مبرك الإبل حول الماء، يقال: عطنت الإبل فهي عاطنة، وعواطن إذا سقيت. النهاية ٣/ ٢٥٨.
- *يريد قوله تعالى لبني إسرائيل: {قُولُوا حِطَّةٌ} قال المفسرون: معناه: اللهم حط عنا ذنوبنا. المصدر السابق.
- *ما بين المعقوفتين: رواية مستقلة أدخلها ابن إسحاق في رواية الزهري الطويلة.
- *عند ابن إسحاق أنه: ناجية بن جندب بن عمير، سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابن هشام ٢/ ٣١٠. وذكر الواقدي: أن الرجل ناجية بن الأعجم، المغازي ٢/ ٥٨٧، وقال في مكان آخر: أن الرجل اسمه خالد بن عبادة، المغازي ٢/ ٥٨٩، وروى البيهقي عن موسى بن عقبة أنه: خالد بن عبادة، دلائل البيهقي. وذكر الواقدي: أنه البراء بن عازب، المغازي ٢/ ٥٨٩، وقيل: بريدة بن الخصيب، ذكره ابن حجر في الإصابة ٣/٦٢، وقال في الفتح ٥/ ٣٣٧: ويمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره وعند البخاري رقم (٤١٥٠) من حديث البراء بن عازب في قصة الحديبية: (فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم مضمض، ودعا ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا) . وأخرج مسلم نحوه من حديث سلمة بن الأكوع، انظر: مسلم بشرح النووي ١٢/١٧٥، قال الحافظ في الفتح: ويمكن الجمع بأن يكون الأمران معاً وقعا، وقد روى الواقدي (المغازي ٢/ ٥٨٨- ٥٨٩) من طريق أويس بن حولي: (أنه صلى الله عليه وسلم توضأ في الدلو ثم أفرغه فيها وانتزع السهم فوضعه فيها، وهكذا ذكره أبو الأسود في روايته عن عروة أنه صلى الله عليه وسلم تمضمض في دلو وصبه في البئر، ونزع سهماً من كنانته فألقاه فيها ودعا ففارت) . الفتح ٥/ ٣٣٧.
فأخبرهم أنه لم يأت يريد حرباً وإنما جاء زائراً للبيت، ومعظماً لحرمته، ثم قال لهم نحواً مما قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش! إنكم تَعْجلون على محمد، إن محمداً لم يأت لقتال، وإنما جاء زائراً هذا البيت، فاتهموهم وجَبهوهم ١، وقالوا وإن كان جاء ولا يريد قتالاً فوالله لا يدخلها علينا عنوةً أبداً، ولا تحدث بذلك عنا العرب. قال الزهري: وكانت خزاعة عَيْبَة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة ٢. قال: ثم بعثوا إليه مِكْرَ ز بن حفص بن الأخيف، أخا بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً، قال: هذا رجلٌ غادِرٌ، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- ١وجبهوهم: أي استقبلوهم بما يكرهون. النهاية ١/ ٢٣٧. قال الحافظ ابن حجر: وإنما فعلوا ذلك لأنهم كانوا يعرفون ميل بديل وأصحابه للنبي صلى الله عليه وسلم، فتح الباري ٥/ ٣٣٩.
- ٢من قوله: قال الزهري: وكانت خزاعة ... إلى هنا، من كلام الزهري لا من جملة الحديث كما يدل على ذلك رواية أحمد فقد أخرج الحديث من طريق ابن إسحاق فلما وصل إلى هذا السياق قال: قال محمد: يعني ابن إسحاق قال الزهري: (وكانت خزاعة ... ) مسند أحمد ٣١/ ٢١٢ رقم [١٨٩١٠] أرناؤوط.
ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زَبَّان وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قومٍ يَتَألَّهون، فابعثوا الهديَ في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عُرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوبارَه ١ من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاماً لما رأى، فقال لهم ذلك. قال: فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك. قال الزهري في حديثه: ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وإني ولد - وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس - وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم.
- ١أكل أوباره: أي أكل صوفه. انظر: القاموس (وبر) .
فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد أجمعت أوشاب الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً، قال: وأبو بكر الصديق خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد؛ فقال: امصُص بظر اللات أنحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أبي قحافة، قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها. قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه، قال: والمغيرة ابن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد، قال: فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل أن لا تصل إليك. قال: فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك! قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، قال: أيْ غُدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس؟ قال الزهري: فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو مما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حرباً، فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه؛ لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق ١ بصاقاً إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش، فقال: يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً، فَرُوا رأيَكم. قال الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا له: ائت محمداً فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدّث العرب عنّا أنه دخلها علينا عنوة أبداً.
- ١البصاق: كغراب: ماء الفم إذا خرج منه. القاموس (بصق) .
فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل" .
فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام وتراجعا ثم جري بينهما الصلح، فلما التأم ١ الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر: أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله.
- ١فلما التأم: اللئم بالكسر الصلح والاتفاق. القاموس (لأم) .
ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال: (بلى) ، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: (بلى) ، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: (بلى) ، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: " أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره، ولن يضيعني" . قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً. قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) ، قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن أكتب (باسمك اللهم) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اكتب باسمك اللهم) فكتبها، ثم قال: (اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل ابن عمرو) ، قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين ١ يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردوه عليه، وإن بيننا عَيْبَة ٢ مكفوفة ٣ وأنه لا إسلال ٤، ولا إغلال ٥، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه "، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثاً، معك سلاح الراكب، السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها" .
- ١وقد قيل: إن مدة الهدنة كانت أربع سنين كما ذكر ذلك الطبراني في الأوسط ٨/ ٥١ رقم (٧٩٣٥) ، قال الهيثمي في المجمع ٦/ ١٤٦ "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات"، وأخرجه ابن عدي في الكامل ٥/ ١٨٧١، قال الحافظ ابن حجر: "سنده ضعيف، وهو منكر مخالف للصحيح". فتح الباري ٥/ ٣٤٣.
- ٢عيبة: مستودع الثياب. النهاية ٣/ ٣٢٧.
- ٣مكفوفة: المشرجة المشدودة: أي بينهم صدر نفي من الغل والخداع، مطوي على الوفاء بالصلح، وقيل: أراد أن بينهم موادعة، ومكافَّة عن الحرب تجريان مجرى المودة التي تكون بين المتصافين الذين يثق بعضهم إلى بعض. النهاية ٣/ ٣٢٧.
- ٤الإسلال: السرقة الخفية، وقيل: سل السيوف. النهاية ٢/ ٣٩٢.
- ٥الإغلال: الخيانة، أو السرقة الخفية، وقيل: لبس الدروع. النهاية ٣/ ٣٨٠.
فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا يهلكون، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه ١، ثم قال: يا محمد قد لجت ٢ القضية بيني وبينك، قبل أن يأتيك هذا. قال: (صدقت) ، فجعل ينتره ٣ بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته، يا معشرالمسلمين: أَأُرَدُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد ذلك الناس إلى ما بهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم" . قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال: ويقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضنّ٢ الرجل بأبيه، ونفذت القضية، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب أشهد على الصلح رجالاً من المسلمين ورجالاً من المشركين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو ٤، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة ٥، ومكرز بن حفص وهو يومئذ مشرك، وعلي بن أبي طالب وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة. قال الزهري في حديثه: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهه ذلك قافلاً٢، حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ ٣.
- ١أخذ بتلبيبه: يقال: لببت الرجل ولبّبته إذا جعلت في عنقه ثوباً أو غيره وجررته به. وأخذت بتلبيبة فلان: إذا جمعت عليه ثوبه الذي هو لابسه وقبضت عليه تجره. النهاية ٤/ ٢٢٣.
- ٢قد لجت: أي وجبت. النهاية ٤/ ٢٣٣.
- ٣فجعل ينتره: النتر: جذب فيه قوة وجفوة. النهاية ٥/ ١٢.
- ٤هو: عبد الله بن سهيل بن عمرو، أبو سهيل، أمه فاطمة بنت عامر بن نوفل بن عبد مناف، هاجر إلى الحبشة، ثم أخذه أبوه بعد أن رجع من الحبشة عن دينه، فأظهر الرجوع، وخرج معهم إلى بدر ففر إلى المسلمين وكان أحد الشهود بعد ذلك في صلح الحديبية، وكان أسن من أخيه أبي جندل، استشهد باليمامة وله ثمان وثمانون سنة. الإصابة ٢/ ٣٢٢- ٣٢٣.
- ٥هو: محمود بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، قال ابن سعد: شهد محمود أحداً والخندق والحديبية وخيبر وقتل يومئذ شهيداً. الإصابة ٣/ ٣٨٧.
- *فضن الرجل بأبيه: الضنائن: الخصائص، واحدهم ضنينة فعيلة بمعنى مفعولة، من الضِّن وهو ما تختصه وتضن به، أي تبخل لمكانه منك وموقعه عندك. النهاية ٣/ ١٠٤.
- *المقفل: مصدر قفل يقفل إذا عاد من سفره. النهاية ٤/ ٩٢- ٩٣.
- *وأخرجه أحمد في المسند ٣١/ ٢١٢ رقم [١٨٩١٠] أرناؤوط، وابن أبي شيبة في المصنف ١٤/ ٤٣٤، وأبو عبيد في الأموال رقم (٤٤٢) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (٥٥١) ، وأبو داود ٣/ ٢١٠ رقم (٢٧٦٦) ، والطبري في التاريخ ٢/ ٦٢٠- ٦٢٩، والتفسير ٢٦/ ٩٥، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١٥ رقم (١٤) ، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٥٩، والبيهقي في السنن ٥/ ٢١٥، و٩/ ٢٢١، وفي الدلائل له ٤/ ١١١، ١١٢و ١٤٥، ١٥٠ و١٥٩- ١٦٠، كلهم عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور ومروان بن الحكم. قال ابن إسحاق: يقول الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأَمِنَ الناس بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. ابن هشام ٢/ ٣٢٢. قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية، في ألف وأربعمائة، في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين بعشرة آلاف، المصدر السابق ٢/ ٣٢٢.
المطلب الأول: في استشارته صلى الله عليه وسلم أصحابه في قريش
...
٩٧- قال البخاري ١: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري حين حدث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتني ٢ معمر عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه - قالا: ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع ٣ عشرة مائة ٤ من أصحابه فلما أتى ذا الحليفة ٥ قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عيناً له من خزاعة وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط ٦ أتاه عينه قال: إن قريشاً جمعوا لك جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك، فقال: "أشيروا أيها الناس عليَّ أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عزوجل قد قطع عيناً من المشركين وإلا تركناهم محروبين" ، قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: "امضوا على اسم الله" .
- ١صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٥٣ رقم (٤١٧٨) .
- ٢قد بين يعقوب بن سفيان الفسوي القدر الذي حفظه سفيان عن الزهري والقدر الذي ثبّته فيه معمر، فأخرجه عن أبي بكر الحميدي عن سفيان فذكره بإسناده إلى قوله: (وأحرم منها بالعمرة) قال سفيان: فهذا الذي حفظت منه وأتقنته، وثبتني من ههنا معمر، انظر: المعرفة والتاريخ ٢/ ٧٢٢- ٧٢٣.
- ٣البضع في العدد بالكسر، وقد يفتح، ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل ما بين الواحد إلى العشرة. النهاية ١/ ١٣٣.
- ٤أخرج ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري قال: "حدثني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الحديبية في ألف وثمانمائة ... " المصنف ١٤/ ٤٤٤- ٤٥١، رقم (١٨٧٠٢) ، وهي مخالفة لرواية البخاري عن الزهري بالإضافة إلى أنها مرسلة عن عروة وفي سندها أيضاً عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري قال ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ، وستأتي ترجمته إن شاء الله. وقد ثبت عند البخاري ومسلم من غير طريق الزهري (أن عدد جيش المسلمين كان ألفاً وأربعمائة) ، صحيح البخاري رقم (٤١٥٤) ، وصحيح مسلم رقم (١٨٥٦) وثبت عند مسلم أن عددهم كان ألفاً وثلاثمائة وكانت أسلم ثُمن المهاجرين، صحيح مسلم رقم (١٨٥٧) ، وأخرجه البخاري تعليقاً، صحيح البخاري رقم (٤١٥٥) وثبت عند البخاري ومسلم أنهم كانوا: ألفاً وخمسمائة، صحيح البخاري رقم (٣٥٧٦) ومسلم كتاب الإمارة ٧٣٠٧٢. وقد وردت روايات أخرى فذكرت أعداداً مغايرة لما في الصحيحين، فقد ذكر ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٧١) أن عددهم كان ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرين، وعند البلاذري في فتوح البلدان ص ٣٢: أنهم كانوا ألفاً وخمسمائة وأربعين، وعند ابن أبي شيبة في المصنف رقم (٣٦٨٤٦) أنهم كانوا ألفاً وسبعمائة. قال ابن حجر: "وجزم موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفاً وستمائة". فتح الباري ٧/ ٤٤٠، وذكر هذا العدد ابن سعد في الطبقات ٢/ ٥٩. قال النووي بعد أن ذكر رواية ألف وأربعمائة، وألف وخمسمائة: "ويمكن أن يجمع بينهما بأنهم كانوا أربعمائة وكسراً، فمن قال: أربعمائة لم يعتبر الكسر، ومن قال: خمسمائة اعتبره، ومن قال: ألف وثلاثمائة ترك بعضهم لكونه لم يتيقن العدد، أو لغير ذلك" شرح النووي على مسلم ١٣/ ٢، ونقل الحافظ ابن حجر نحوه. انظر: فتح الباري ٧/ ٤٤١. أما البيهقي فقد مال إلى ترجيح رواية ألف وأربعمائة، فبعد أن ساق رواية أبي الزبير عن جابر ورواية أبي سفيان عن جابر قال: وهذه الرواية أصح، فكذلك قاله البراء بن عازب ومعقل بن يسار وسلمة بن الأكوع في أصح الروايتين عنه، ثم ساق رواية سعيد بن المسيب عن أبيه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفاً وأربعمائة) دلائل النبوة للبيهقي ٤/ ٩٨، وقال أيضاً: اختلفت الرواية عن جابر، فروي عنه أنهم كانوا ألفاً وخمسمائة، وروي عنه أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة، وهذا أصح لموافقته معقل بن يسار وسلمة والبراء. معرفة السنن والآثار ١٤/ ٦٢. ويلحظ أن خمسة من الصحابة رضي الله عنهم ممن شهدوا الوقعة اتفقت رواياتهم على أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة. قال الدكتور أكرم العمري: "واتفاق خمسة من شهود العيان على أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة أولى من سواه من الأقوال فهو أصح الصحيح وإن كان الجمع ليس بمتعذر والاختلاف ليس بكبير". السيرة الصحيحة ٢/ ٤٣٥.
- ٥ذو الحليفة: بالتصغير على وزن جهينة، وهي قرية بظاهر المدينة النبوية على طريق مكة بينها وبين المدينة تسعة أكيال تقع بوادي العقيق عند سفح جبل عير الغربي وتعرف اليوم [بآبار علي] المعالم الأثيرة ١٠٣.
- ٦غَدير الأشطاط: الغدير بفتح الغين المعجمة: القطعة من الماء يغادرها السيل، القاموس (غدر) ، وفتح الباري لابن حجر ٥/ ٣٣٤. والأشطاط: - بشين وطاءين مهملتين - جمع: شط، وهو جانب الوادي. فتح الباري ٥/ ٣٣٤.
المطلب الثاني: في استشارة النبي صلى الله عليه وسلم في عدم إمتثال أصحابه لما أمرهم بالتحليل
...
المطلب الثاني: في استشارته صلى الله عليه وسلم أم سلمة في عدم امتثال أصحابه لمَّا أمرهم بالتحلل ٩٨- قال ابن أبي شيبة في المصنف ١: حدثنا خالد بن مخلد ٢ قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري ٣ قال: حدثني ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الحديبية في ألف وثمانمائة ٤ وبعث بين يديه عيناً له من خزاعة يدعى ناجية يأتيه بخبر القوم، حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم غديراً بعسفان يقال له: غَدِيْر الأَشْطَاط، فلقيه عينه بغدير الأشطاط، فقال: يا محمد تركت قومك كعب ابن لؤي وعامر ابن لؤي قد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم، قد سمعوا بمسيرك وتركت عبدانهم يطعمون الخزيرة في دورهم، وهذا خالد بن الوليد في خيل بعثوه.
- ١مصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٤٤- ٤٥١، رقم [١٨٧٠٢] .
- ٢هو: خالد بن مخلد القطواني، - بفتح القاف والطاء - أبو الهيثم البجلي مولاهم، الكوفي، صدوق يتشيع وله أفراد، من كبار العاشرة، توفي سنة ثلاث عشرة، وقيل بعدها. خ م كد ت س ق، التقريب ١٩٠، رقم (١٦٧٧) .
- ٣هو: عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حنيف الأنصاري، الأوسي، أبو محمد المدني الأُمامي بالضم، صدوق يخطئ، من الثامنة، توفي سنة اثنتين وستين، وهو ابن بضع وسبعين، م، التقريب ٣٤٥، رقم (٣٩٣٣) .
- ٤تقدم الكلام حول عدد المسلمين.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ماذا تقولون؟ ماذا ترون؟ أشيروا علي قد جاءكم خبر قريش مرتين وما صنعت، فهذا خالد بن الوليد بالغميم) . قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أترون أن نمضي بوجهنا ومن صدنا عن البيت قاتلناه؟ أم ترون أن نخالف هؤلاء إلى من تركوا وراءهم، فإن اتَّبَعْنَا منهم عنقٌ قطعه الله" . قالوا: يا رسول الله الأمر أمرك والرأي رأيك، فتيامنوا في هذا الفعل فلم يشعر به خالد ولا الخيل التي معه حتى جاوز بهم قترة الجيش، وأوفت به ناقته على ثنية تهبط على غائط ١ القوم يقال له: بَلْدَح ٢ فبركت، فقال: "حل حل" ، فلم تنبعث، فقالوا: خلأت القصواء. قال صلى الله عليه وسلم: "إنها والله ما خلأت، ولا هو لها بخلق، ولكم حبسها حابس الفيل، أما والله لا يدعوني اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمة ولا يدعوني فيها إلى صلة إلا أجبتهم إليها) ، ثم زجرها فوثبت فرجع من حيث جاء عوده على بدئه، حتى نزل بالناس على ثمد ٣ من ثماد الحديبية ظَنُون ٤، قليل الماء يتبرض الناس ماءها تبرضاً، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلة الماء، فانتزع سهماً من كنانته، فأمر رجلاً فغرزه في جوف القليب، فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بِعَطَن، فبينما هو على ذلك إذ مر به بُديل بن ورقاء الخزاعي في ركب من قومه من خزاعة فقال: يا محمد؛ هؤلاء قومك قد خرجوا بالعوذ المطافيل، يقسمون بالله ليحولُنَّ بينك وبين مكة، حتى لا يبقى منهم أحد، قال: "يا بديل إني لم آت لقتال أحد إنما جئت أقضي نسكي ٥ وأطوف بهذا البيت، وإلا فهل لقريش في غير ذلك، هل لهم إلى أن أمادهم مدة يأمنون فيها ويستجمون، ويخلون فيها بيني وبين الناس فإن ظهر فيها أمري على الناس كانوا فيها بالخيار أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، وبين أن يقاتلوا وقد جمعوا وأعدوا" . قال بديل: سأعرض هذا على قومك.
- ١غائط القوم: الغائط: البطن المطمئن من الأرض. النهاية ٣/ ٣٩٥- ٣٩٦.
- ٢بَلْدح: - بفتح الباء وسكون اللام والحاء المهملة -: اسم موضع بالحجاز قرب مكة. النهاية في غريب الحديث ١/ ١٥١، وهو وادٍ في مكة يسمى اليوم (الزاهر) معجم المعالم الجغرافية ٤٩.
- ٣ثمد: الثمد بالتحريك: الماء القليل. النهاية ١/ ٢٢١.
- ٤الماء الظّنون: الذي تتوهمه ولست على ثقة، فعول بمعنى مفعول، وقيل: هي البئر التي يظن أن فيها ماء وليس فيها ماء. وقيل: البئر القليلة الماء. النهاية ٣/ ١٦٣.
- ٥المناسك: جمع منسك، - بفتح السين وكسرها -: وهو المتعبد، والنُّسْك والنُّسُك أيضاً: الطاعة والعبادة، وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى. النهاية ٥/ ٤٨.
فركب بديل حتى مر بقريش فقالوا: من أين؟ قال: جئتكم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن شئتم أخبرتكم بما سمعت منه فعلت. فقال أناس من سفهائهم: لا تخبرنا عنه شيئاً، وقال ناس من ذوي أسنانهم وحكمائهم: بل أخبرنا ما الذي رأيت وما الذي سمعت، فاقتص عليهم بديل قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عرض عليهم من المدة، قال: وفي كفار قريش يومئذ عروة بن مسعود الثقفي فوثب فقال: يا معشر قريش هل تتهمونني في شيء؟ ألست بالولد ولستم بالوالد؟ أولست قد استنفرت لكم أهل عكاظ؟ فلما بلحوا علي نفرت إليكم بنفسي وولدي ومن أطاعني. قالوا: بلى قد فعلت، قال: فاقبلوا من بديل ما جاءكم به وما عرض عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ١ وابعثوني حتى آتيكم بمصداقها من عنده، قالوا: فاذهب.
- ١في مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٣٤ رقم (٩٧٢٠) : "فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خصلة رشد ... ".
فخرج عروة حتى نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية، فقال: يا محمد هؤلاء قومك كعب بن لؤي وعامر بن لؤى قد خرجوا بالعوذ المطافيل يقسمون لا يخلون بينك وبين مكة حتى تبيد خضراءهم ١، وإنما أنت من قتالهم بين أحد أمرين: أن تجتاح قومك فلم تسمع برجل قط اجتاح أصله قبلك، وبين أن يسلمك من أرى معك، فإني لا أرى معك إلا أوباشاً من الناس لا أعرف أسمائهم ولا وجوههم. فقال أبو بكر، وغضب: امصص بظر اللات أنحن نخذله أو نسلمه؟ فقال عروة: أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك فيما قلت. وكان عروة قد تحمل بدية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن. والمغيرة بن شعبة قائم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى وجهه المغفر فلم يعرفه عروة، وكان عروة يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلما مدّ يده يمس لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قرعها المغيرة بقدح كان في يده حتى إذا أخرجه قال: من هذا؟ قالوا: هذا المغيرة بن شعبة. قال عروة: أنت بذاك يا غدر، وهل غسلت عنك غدرتك الأمس بعكاظ.
- ١تبيد خضراءهم: أي دهماءهم وسوادهم. النهاية ٢/ ٤٢.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعروة بن مسعود مثل ما قال لبديل، فقام عروة فخرج حتى جاء إلى قومه فقال: يا معشر قريش إني قد وفدت على الملوك على قيصر في ملكه بالشام وعلى النجاشي بأرض الحبشة ١ وعلى كسرى بالعراق، وإني والله ما رأيت ملكاً هو أعظم فيمن هو بين ظهريه من محمد في أصحابه، والله ما يشدون إليه النظر وما يرفعون عنده الصوت.
- ١الحبشة: اسم للأمة أطلق على أرضهم، وتسمى دولتهم: (أثيوبيا) ، وأرض الحبشة: هضبة مرتفعة غرب اليمن بينهما البحر، وعاصمتها: "أديس أبابا". معجم المعالم الجغرافية ٩١.
وما يتوضأ من وضوء إلا ازدحموا عليه أيهم يظفر منه بشيء، فاقبلوا الذي جاءكم به بديل، فإنها خطة رشد. قالوا: اجلس ودعوا رجلاً من بني الحارث بن عبد مناف يقال له: الحليس، فقالوا: انطلق فانظر ما قبل هذا الرجل وما يلقاك به.
فخرج الحليس فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً عرفه قال: " هذا الحليس وهو من قوم يعظمون الهدي، فابعثوا الهدي في وجهه" .
فبعثوا الهدي في وجهه. قال ابن شهاب: فاختلف الحديث في الحليس، فمنهم من يقول: جاءه فقال له مثل ما قال لبديل وعروة، ومنهم من قال: لما رأى الهدي رجع إلى قريش فقال: لقد رأيت أمراً لئن صددتموه إني لخائف عليكم أن يصيبكم عنت فأبصروا بصركم، قالوا: اجلس، ودعوا رجلاً من قريش يقال له: مِكْرَ ز بن حفص بن الأحنف من بني عامر بن لؤي فبعثوه فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هذا رجل فاجر ينظر بعين" .
فقال له مثل ما قال لبديل ولأصحابه في المدة، فجاءهم فأخبرهم فبعثوا سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي يكاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذي دعا إليه، فجاءه سهيل بن عمرو فقال: قد بعثتني قريش إليك أكاتبك على قضية نرتضي أنا وأنت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نعم، اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" . قال: ما أعرف الله ولا أعرف الرحمن، ولكن اكتب كما كنا نكتب "باسمك اللهم) ، فوجد الناس من ذلك وقالوا: لا نكاتبك على خطة حتى تقر بالرحمن الرحيم. قال سهيل: إذاً لا أكاتبه على خطة حتى أرجع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكتب باسمك اللهم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ". قال: لا أقر، لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك ولا عصيتك ولكن "محمد بن عبد الله ".
فوجد الناس منها أيضاً، قال: "اكتب هذا ما قاضى محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو) .
فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق. أو ليس عدونا على الباطل؟ قال: "بلى" ، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: "إني رسول الله ولن أعصيه ولن يضيعني" .
وأبو بكر متنح بناحية، فأتاه عمر فقال: يا أبا بكر، فقال: نعم. قال: ألسنا على الحق؟ أو ليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: دع عنك ما ترى يا عمر، فإنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يضيعه الله ولن يعصيه.
وكان في شرط الكتاب أنه من كان منا فأتاك، فإن كان على دينك رددته إلينا، ومن جاءنا من قبلك رددناه إليك. قال: أما من جاء من قبلي فلا حاجة لي برده، وأما التي اشترطت لنفسك قبلك فبيني وبينك، فبينما الناس على ذلك الحال إذ طلع عليهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد خلى له أسفل مكة متوشحاً السيف، فرفع سهيل رأسه فإذا هو بابنه أبي جندل. فقال: هذا أول من قاضيتك على رده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا سهيل إنا لم نقض الكتاب بعد" . قال: ولا أكاتبك على خطة حتى ترده. قال: "فشأنك به" ، قال: فهش أبو جندل إلى الناس فقال: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟!
فلصق به عمر وأبوه آخذ بيده يجتره وعمر يقول: إنما هو رجل ومعك السيف، فانطلق به أبوه.
فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عنهم من جاء من قبلهم يدخل في دينه، فلما اجتمعوا نفر منهم أبو بصير ردهم إليه وأقاموا بساحل البحر، فكأنهم قطعوا على قريش متجرهم إلى الشام، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نراها منك صلة أن تردهم إليك وتجمعهم فردهم إليه، وكان فيما أرادهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب أن يدعوه يدخل مكة فيقضي نسكه وينحر هديه بين ظهريهم. فقالوا: لا تحدث العرب أنك أخذتنا ضغطة أبداً، ولكن ارجع عامك هذا، فإذا كان القابل أذنا لك، فاعتمرت وأقمت ثلاثاً.
وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للناس: "قوموا فانحروا هديكم واحلقوا واحلوا" .
فما قام رجل ولا تحرك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بذلك ثلاث مرات، فما تحرك رجل ولا قام من مجلسه.
فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك دخل على أم سلمة وكان خرج بها في تلك الغزوة، فقال: يا أم سلمة ما بال الناس أمرتهم ثلاث مرار أن ينحروا وأن يحلقوا وأن يحلوا فما قام رجل إلى ما أمرتهم به. قالت: يا رسول الله أخرج أنت فاصنع ذلك.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يمم هديه فنحره، ودعا حلاقاً فحلقه، فلما رأى الناس ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبوا إلى هديهم فنحروه، وأكب بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم أن يضم بعضاً من الزحام.
قال ابن شهاب بدنة.
المبحث السادس: في استثناء النساء من شرط صلح الحديبية
٩٩- قال البخاري ١: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عُقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور ابن مخرمة رضي الله عنهما يخبران ٢ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ، كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يأتيك منا أحد ٣ وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا ٤ منه وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلماً، وجاء المؤمنات ٥ مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وهي عاتق ٦، فجاء أهلها ٧ يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ إلى قوله: ﴿لا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ١.
- ١صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ٣١٢ رقم (٢٧١١، ٢٧١٢) .
- ٢في هذه الرواية تصريح بأن مروان والمسور أخذا حديث الحديبية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ابن كثير: "هذا هو الأشبه فإن مروان ومسوراً كانا صغيرين يوم الحديبية، والظاهر أنهما أخذاه عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين". السيرة النبوية ٣/ ٣٣٦. وقال الحافظ ابن حجر: "هكذا قال عُقيل عن الزهري، واقتصر غيره على رواية الحديث عن المسور بن مخرمة ومروان، وقد تبين برواية عُقيل أنه عنهما مرسل، وهو كذلك، لأنهما لم يحضرا القصة، وعلى هذا فهو من سند من لم يسم من الصحابة لأن مروان لا يصح له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحبة، وأما المسور فصح سماعه منه لكنه إنما قدم مع أبيه وهو صغير بعد الفتح، وكانت هذه القصة قبل ذلك بسنتين". الفتح ٥/ ٣١٣.
- ٣ألا يأتيك منا أحد: يدل على أن هذا الشرط يشمل الرجال والنساء على حد سواء، وظل سارياً حتى هاجر نسوة من المؤمنات فاستثنى الرسول صلى الله عليه وسلم النساء من هذا الشرط، وذلك لن-زول الآية وهي قوله تعالى: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ ... } الآية وهذا هو الأظهر، ويدل على ذلك ما جاء في رواية ابن أخي الزهري عند البخاري (الفتح ٧/ ٤٥٣) وفيه: " ... لا يأتيك أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا". ورواية الإمامين عن الزهري عند ابن أبي شيبة، (المصنف ١٤/ ٤٤٩) ورواية ابن إسحاق عن الزهري وفيه: "من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رد عليهم" ابن هشام ٢/ ٣١٧. وقد ورد الشرط المذكور مفيداً للعموم من غير طريق الزهري عند مسلم من حديث أنس (مسلم بشرح النووي ١٢/ ١٣٩) وعند ابن سعد في الطبقات من حديث عمر بن الخطاب والبراء بن عازب (الطبقات الكبرى ٢/ ١٠١) . ومما يدل على أن الشرط المذكور عام أيضاً مجيء الوليد بن عقبة وأخوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه رد أختهما، فإن قريشاً قد فهموا أن الشرط عام للرجال والنساء. ولا يعكر على هذا رواية معمر عن الزهري عند البخاري (الفتح ٥/ ٣٢٩) والتي جاء فيها: " ... وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ... " فلفظ رجل يدل على أن النساء مستثنيات من البداية، لكن يظهر أن معمر تفرد بهذه اللفظة مخالفاً بذلك سائر الروايات التي ذكرت الشرط على العموم، وكان ذلك حتى نزلت الآية، والله أعلم.
- ٤امتعضوا منه: بعين مهملة وضاد معجمة؛ أي: أنفوا وشق عليهم. الفتح (٥/ ٣١٣) .
- ٥نقل ابن حجر أسماء بعضهن فقال: وسمى من المؤمنات المهاجرات المذكورات: أميمة بنت بشر، وكانت تحت حسان - ويقال: ابن الدحداحة - قبل أن يسلم فتزوجها سهل بن حنيف، وسبيعة بنت الحارث الأسلمية وكانت تحت مسافر المخزومي، ويقال: صيفي بن الراهب. وأم الحكم بنت أبي سفيان، كانت تحت عياض بن شداد، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نضلة، كانت تحت عمرو بن ود، قلت: لكن عمرو بن ود قتل بالخندق، وكأنها فرت بعد قتله، وكان من سنة الجاهلية أن من مات زوجها كان أهلها أحق بها، فتح الباري ٥/ ٣٤٨ تحت رقم (٢٧٣٢) . قال ابن حجر: "ويقال كانت تحت عمرو بن العاص". الفتح ٥/ ٣٤٨.
- ٦وهي عاتق: أي بلغت واستحقت التزويج ولم تدخل في السن، وقيل: هي الشابة. الفتح ٧/ ٤٥٤.
- ٧ذكر البيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٢٢٩ من طريق الزهري مرسلاً أن الذي جاء في ردها الوليد بن عقبة وأخ له لم يسمه. وقال ابن حجر: "فخرج أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة بن أبي معيط حتى قدما المدينة فكلما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردها إليهم ... "، ثم قال: أخرجه ابن مردويه في تفسيره. الفتح ٧/ ٤٥٤.
١٠٠- قال ابن إسحاق ١: فحدثني الزهري عن عروة ابن الزبير قال: دخلت عليه يكتب كتاباً إلى ابن أبي هنيدة ٢ صاحب الوليد بن عبد الملك، وكتب إليه يسأله عن قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٤، قال: فكتب إليه عروة بن الزبير: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلمكان صالح قريشاً يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الإسلام، أبى الله أن يُرْدَدْن إلى المشركين إذا هن امتحنّ بمحنة الإسلام فعرفوا أنهن إنما جئن رغبة في الإسلام، وأمر برد صَدُقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم، إن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم ذلك حكم الله يحكم بينكم، والله عليم حكيم، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء ورد الرجال، وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدقات نساء من حبسوا منهن، وأن يردوا عليهم مثل الذي يردون عليهم إن هم فعلوا، ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم لرد رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء، ولم يردد لهن صداقاً، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد"١.
- ١سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٦- ٣٢٧ بسند حسن إلى عروة لتصريح ابن إسحاق بالتحديث.
- ٢هو: عبد الرحمن بن هنيدة أو ابن أبي هنيدة العدوي، مولاهم المدني، رضيع عبد الملك، ثقة من الرابعة، قد، التقريب ٣٥٢.
- *سورة الممتحنة، آية (١٢) وأخرجه البخاري من طريق ابن أخي الزهري عن عمه، فتح الباري، ٧/ ٤٥٣- ٤٥٤ رقم (٤١٨٠) .
- *سورة الممتحنة آية رقم (١٠) .
- *وأخرجه الطبري في تفسيره ٢٨/ ٦٩ من طريق سلمة بن الفضل الأبرش، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٢٢٨- ٢٢٩، من طريق يونس بن بكير، والواحدي في أسباب النزول ص٤٨٩- ٤٩٠، من طريق عبد الله بن إدريس ثلاثتهم عن ابن إسحاق، وفيها بعض الاختصار. وأخرجه الواقدي مطولاً في المغازي ٢/ ٦٣١، من طريق محمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة. والواقدي متروك.
المبحث السابع: فيما ظهر من علامات النبوة في الحديبية
١٠١- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة ١ عن ابن شهاب، قال: قال ابن عباس: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية كلمه بعض أصحابه فقالوا: جهدنا ٢ وفي الناس ظهر ٣ فانحره لنا، فنأكل من لحومه، وندهن من شحومه، ولنحتذي من جلوده. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تفعل يا رسول الله، فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابسطوا أنطاعكم ٤ وعباءكم" ٢.
- ١تقدمت تراجم سند هذه الرواية.
- ٢جهدنا: جهد الرجل فهو مجهود إذا وجد مشقة. النهاية ١/ ٣٢٠.
- ٣الظهر: الإبل التي يحمل عليها وتركب، يقال: فلان عنده ظهر أي إبل. النهاية ٣/ ١٦٦.
- ٤النطع: بالكسر وبالفتح والتحريك: بساط من الأديم، والجمع أنطاع ونطوع، القاموس (نطع) .
ففعلوا، ثم قال: "من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره" ٣، ودعا لهم ثم قال: "قربوا أوعيتكم فأخذوا ما شاء الله" ٤.
- *العباء: ضرب من الأكسية، الواحدة عباءة، وعباية، وقد تقع على الواحد لأنه جنس. النهاية ٣/ ١٧٥.
- *نثر الشيء ينثره وينثره نثراً ونثاراً: رماه متفرقاً. القاموس (نثر) .
- *دلائل النبوة ٤/ ١١٩. وهذا الحديث سنده منقطع لأن الزهري لم يسمع من ابن عباس، ويشهد له ما أخرجه مسلم من حديث إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه، فذكر نحوه. مسلم في كتاب اللقطة رقم (١٧٢٩) وأخرج نحوه الطبراني في الأوسط ٢/ ١٢٨- ١٢٩ رقم (١٤٧١) من حديث أبي هريرة، ولم يشهد أبو هريرة الحديبية لكونه لم يسلم إلا سنة سبع عام خيبر، فيحتمل أنه سمعه من بعض الصحابة.
المبحث الثامن: في قصة أبي بصير وأبي جندل رضي الله عنهما
١٠٢- قال البيهقي ١: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب العبدي، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة ٢ عن ابن شهاب، وهو لفظ حديث القطان، قال: "ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة انفلت رجل من أهل الإسلام من ثقيف، يقال له: أبو بصير بن أسيد بن جارية الثقفي، من المشركين فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلماً مهاجراً، فبعث في أثره الأخنس بن شريق رجلين من بني منقذ، أحدهما: - زعموا - مولى، والآخر من أنفسهم، اسمه: جحش بن جار، وكان ذا جلد ورأي في أنفس المشركين، وجعل لهما الأخنس في طلب أبي بصير جعلاً١، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع أبا بصير إليهما، فخرجا به حتى إذا كان بذي الحليفة، سل جحش سيفه ثم هزه فقال: لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يوماً إلى الليل. فقال له أبو بصير: أو صارم ٣ سيفك هذا؟ قال: نعم. قال: ناولنيه أنظر إليه، فناوله إياه، فلما قبض عليه ضربه به حتى برد.
- ١دلائل النبوة ٤/ ١٧٢- ١٧٥. من مرسل الزهري، ولكن لبعض هذه الرواية شواهد صحيحة كما سيأتي.
- ٢تقدمت تراجم رجال إسناد هذه الرواية.
- ٣أَوَ صارم سيفك: الصرم: القطع. النهاية ٣/ ٦٢.
ويقال: بل تناول أبو بصير سيف المنقذي بفيه وهو نائم فقطع إساره ١، ثم ضربه به حتى برد، وطلب الآخر فجمز ٢ مذعوراً مستخفياً حتى دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: (لقد رأى هذا ذعراً) ، فأقبل حتى استغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء أبو بصير يتلوه، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: وفت ذمتك دفعتني إليهما، فعرفت أنهم سيعذبونني ويفتنوني عن ديني.
- ١فقطع إساره: الإسار بالكسر مصدر أسرته أسراً وإساراً، وهو الحبل، والقد الذي يشد به الأسير. النهاية ١/ ٤٨.
- ٢فجمز مذعوراً: أي أسرع هارباً من القتل، يقال: جمز يجمز جمزاً. النهاية ١/ ٢٩٤.
- *الجعل: هو الأجرة على الشيء فعلاً أو أمراً. النهاية ١/ ٢٧٦.
فقتلت المنقذي، وأفلتني هذا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويل أمه مِسْعَر حرب لو كان معه أحد" ١، وجاء أبو بصير بِسَلَبِه ١ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خمس يا رسول الله. قال: "إني إذا خمسته لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت" .
- ١السلب: ما يأخذه أحد القرنين في الحرب من قرنه مما يكون عليه من سلاح وثياب ودابة وغيرها. النهاية ٢/ ٣٨٧.
فخرج أبو بصير معه خمسة نفر كانوا قدموا معه مسلمين من مكة حيث قدموا، فلم يكن طلبهم أحد، ولم ترسل قريش كما أرسلوا في أبي بصير حتى كانوا بين العِيْص ١ وذي المروة ٢ من أرض جهينة على طريق عيرات قريش مما يلي سيف البحر، ولا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، وكان أبو بصير يكثر أن يقول: "الله ربي العلي الأكبر من ينصر الله فسوف ينصر ويقع الأمر على ما يقدر" .
- ١العيص: بالكسر: منبت خيار الشجر، وهو واد لجهينة بين المدينة والبحر يبعد عن مدينة ينبع (١٥٠) كيلاً شمالاً، ولا زالت قرية عامرة في إمارة المدينة. المعالم الأثيرة ٢٠٤.
- ٢يقع ذو المروة عند مفيض وادي الجزل، إذا دفع في (إضم) شمال المدينة المنورة على مسافة ثلاثمائة كيل، وما زالت معروفة بهذا الاسم، وكان بها سبرة بن معبد الجهني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. المعالم الأثيرة ٢٥٠.
- *من أول قول الزهري "ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة" إلى هنا أخرجه البخاري في صحيحه من طريق الزهري عن المسور ومروان. انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ٣٢٩.
وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو في سبعين راكباً أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير وكرهوا أن يقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة المشركين، وكرهوا الثواء بين ظهري قومهم، فنزلوا مع أبي بصير في منزل كريه إلى قريش، فقطعوا به مادتهم من طريق الشام، وكان أبو بصير زعموا وهو في مكانه ذلك يصلي لأصحابه، فلما قدم عليه أبو جندل كان هو يؤمهم، واجتمع إلى أبي جندل حين سمعوا بقدومه ناس من بني غفار، وأسلم وجهينة وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون، قال: فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصير لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، فأرسلت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب يسألون ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير، وأبي جندل بن سهيل ومن معه فقدموا عليهم وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه غير حرج أنت فيه، فإن هؤلاء والركب قد فتحوا علينا باباً لا يصلح إقراره، فلما كان ذلك من أمرهم على الذين كانوا أشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لهم فيما أحبوا وفيما كرهوا من رأي من ظن أن له قوة هي أفضل مما خص الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من العون والكرامة، ولم يزل أبو جندل وأبو بصير وأصحابهما الذين اجتمعوا إليهما هنالك حتى مر بهم أبو العاص بن الربيع وكان تحته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشام في نفر من قريش فأخذوهم وما معهم وأسروهم ١، ولم يقتلوا منهم أحداً لصهر أبي العاص رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو العاص يومئذ مشرك، وهو ابن أخت خديجة بنت خويلد لأمها وأبيها، وخلوا سبيل أبي العاص، فقدم المدينة على امرأته وهي بالمدينة عند أبيها كان أذن لها أبو العاص حين خرج إلى الشام أن تقدم المدينة فتكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمها أبو العاص في أصحابه الذين أسر أبو جندل وأبو بصير وما أخذوا لهم فكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فخطب الناس فقال: (إنا صاهرنا ناساً، وصاهرنا أبا العاص، فنعم الصهر وجدناه، وإنه قدم من الشام في أصحاب له من قريش، فأخذهم أبو جندل وأبو بصير فأسروهم، وأخذوا ما كان معهم ولم يقتلوا منهم أحداً، وأن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتني أن أجيرهم فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه؟ فقال الناس: نعم، فلما بلغ أبا جندل وأصحابه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبي العاص وأصحابه الذين كانوا عنده من الأسرى ردَّ إليهم كل شيء أخذ منهم حتى العقال ٢، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يعترضوا لأحد مر بهم من قريش وغيرها، فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم زعموا على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده يقرؤه ٣، فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجداً٣، وقدم أبو جندل على رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ناس من أصحابه ورجع سائرهم إلى أهليهم، وأمنت عيرات قريش، ولم يزل أبو جندل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد ما أدرك من المشاهد بعد ذلك وشهد الفتح ورجع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل معه بالمدينة حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم سهيل بن عمرو المدينة أول خلافة عمر بن الخطاب، فمكث بالمدينة شهراً ثم خرج مجاهداً إلى الشام بأهله وماله، هو والحارث بن هشام ٤، فاصطحبا جميعاً، وخرج أبو جندل مع أبيه سهيل إلى الشام فلم يزالا مجاهدين بالشام حتى ماتا جميعاً، مات الحارث بن هشام فلم يبق من ولده إلا عبد الرحمن بن الحارث ٥ فتزوج عبد الرحمن فاختة بنت عتبة ٦، فولدت له أبا بكر بن عبد الرحمن ٧ وأكابر ولده، فهذا حديث أبي جندل وأبي بصير رضي الله عنهما".
- ١هذه الرواية التي ذكرها البيهقي عن الزهري تفيد أن الذي أسر أبا العاص بن الربيع ومن معه أبو بصير وأبو جندل، وأصحابهما، وهي مرسلة، أما ابن إسحاق فقد ذكرها بسياق آخر مرسلة عن يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر، وذكر فيها أن الذي أسر أبا العاص سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت من المدينة (ابن هشام ١/ ٦٥٧) وقد وصلها الحاكم من طريق ابن إسحاق، قال حدثني يحيى بن عباد ابن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة وفيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي وجه السرية للعير التي فيها أبو العاص قافلة من الشام وكانوا سبعين ومائة راكب أميرهم زيد بن حارثة، وذلك في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة ... ) وذكر بقية القصة، المستدرك ٣/ ٢٣٦. وقال الألباني عن رواية الزهري: "لا يصح، لأن ابن عقبة رواه عن الزهري مرسلاً". حاشية فقه السيرة للغزالي ص٣٦٦، ثم قال: قد وصله الحاكم ٣/ ٢٣٦- ٢٣٧، من حديث عائشة وإسناده جيد، فالأولى الاعتماد على هذا السياق دون ما في الكتاب. المصدر السابق.
- ٢العقال: الحبل الذي يعقل به البعير، وإنما يضرب المثل في مثل هذا بالأقل. النهاية ٣/ ٢٨٠.
- ٣في زاد المعاد لابن القيم ٣/ ٢٨٣، فمات وهو على صدره.
- ٤هو: الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو عبد الرحمن القرشي المخزومي أخو أبي جهل وابن عم خالد بن الوليد، شهد بدراً وأحداً مع المشركين حتى أسلم يوم فتح مكة ثم حسن إسلامه، خرج من مكة بأهله وماله زمن عمر إلى الشام فلم يزل مجاهداً حتى ختم الله له بخير، فاستشهد يوم اليرموك، وقال الواقدي: "مات في طاعون عَمَواس". الإصابة ١/ ٢٩٣- ٢٩٤.
- ٥هو: عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم القرشي المخزومي يكنى أبا محمد، قيل: كان ابن عشر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حكى ذلك عن مصعب وهو وَهْمٌ بل كان صغيراً، وخرج أبوه بعد النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى الجهاد بالشام فمات أبوه في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وتزوج عمر أمه فنشأ في حجر عمر، كان ممن ندبه عثمان لكتابة المصاحف. قال ابن سعد: "كان من أشراف قريش"، وقال ابن حبان: "مات سنة ثلاث وأربعين". الإصابة ٣/ ٦٦.
- ٦هي: فاختة بنت عتبة بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس، ولم يكن بقي من ولد سهيل بن عمرو غيرها، فسماهما عمر بن الخطاب (الشريدين) وقال: "زوجوا الشريد الشريدة لعل الله أن ينشر منهما خيراً، فتزوج عبد الرحمن فاختة، نسب قريش لمصعب الزبيري" ٣٠٣.
- ٧هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه وكنيته أبو عبد الرحمن وقيل: اسمه كنيته. ثقة، عابد، فقيه، من الثالثة، توفي سنة ٩٤هـ-، وقيل: غير ذلك، ع، التقريب ٦٢٣.
- *قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " ... لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" أخرجه البخاري في الصحيح مع الفتح ٦/ ٤٦٥ رقم (٣٤٥٣، ٣٤٥٤) ، ومسلم ١/ ٣٧٦- ٣٧٧ رقم (٥٣٠، ٥٣١) ، ومصنف عبد الرزاق رقم (١٥٨٨، ٩٧٥٤) ومسند أحمد ٣/ ٣٧٤ رقم [١٨٨٤] أرناؤوط. ولكن ربما أن النهي لم يعلم به أبو جندل رضي الله عنه، والرواية مرسلة، وهذه من الألفاظ المنكرة فيها.
المبحث الحادي عشر: في تقسيم غنائم خيبر على أهل الحديبية.
١٢٥- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: لما انصرف ١ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المدينة فغزا خيبر من الحديبية ٢، فأنزل الله عليه: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ ٣، فلما فتحت خيبر جعلها لمن غزا معه الحديبية، وبايع تحت الشجرة، ممن كان غائباً وشاهداً من أجل أن الله كان وعدهم إياها، وخمّس رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، ثم قسم سائرها مغانم بين من شهدها من المسلمين ومن غاب ٣ عنها من أهل الحديبية ٤.
- ١أي: من الحديبية.
- ٢الصواب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة من الحديبية فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم، انظر: ابن هشام ٢/ ٣٢٠، ودلائل النبوة للبيهقي ٤/ ١٩٧، وزاد المعاد ٣/ ٣١٧، والبداية والنهاية ٤/ ١٨١. ويحتمل أن يكون المراد: أنه نوى غزو خيبر من الحديبية.
- ٣ذكر ابن إسحاق أن خيبر قسمت على أهل الحديبية، من شهد خيبر ومن غاب عنها، ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، ابن هشام ٢/ ٣٤٩
- ٤مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٧٢ رقم (٩٧٣٨) بسند صحيح إلى الزهري لكنه مرسل.
- *الآية من سورة الفتح رقم (٢٠) .
١٢٦- وقال ابن شبة: حدثنا عثمان ١ بن عمر قال: حدثنا موسى ٢، عن الزهري، قال: بلغني أن الخمس كان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل مغنم غنمه المسلمون شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا يقسم لغائبٍ من مغنمٍ إلا يوم خيبر؛ قسم لغيّب الحديبية من أجل أنه كان أعطى خيبر المسلمين من أهل الحديبية؛ قال الله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مغَانِمَ كثيرةً تأخذونها فعجّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ فكانت لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، ولم يشهدها من الناس معهم غيرهم ٣.
- ١عثمان بن عمر بن فارس العبدي، بصري، أصله من بخارى، ثقة، قيل: كان يحيى ابن سعيد لا يرضاه، من التاسعة، مات سنة تسع ومائتين، ع، التقريب ٣٨٥.
- ٢موسى بن عقبة، ثقة، تقدم.
- ٣تاريخ المدينة ١/ ١٨٣. بسند صحيح إلى الزهري، لكنه مرسل.
١٢٧- وقال أبو داود: حدثنا ابن السرح ١، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: "خمّس رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، ثم قسم سائرها على من شهدها ومن غاب عنها من أهل الحديبية" ٥.
- ١أحمد بن عمرو بن عبد الله بن سرح، ثقة تقدم في الرواية رقم [١١٨] .
- *سنن أبي داود ٣/ ١٦١، كتاب الخراج والإمارة والفيء رقم (٣٠١٩) وقد حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٥٨٦ رقم (٢٦٠٨) .
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،