ذكر الخبر عن عمرة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي صده المشركون فيها عن البيت، وهي قصة الحديبية
١٧٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا الحكَم بن بشير، قال: حدَّثنا عمر بن ذرّ الهمْدانيّ، عن مجاهد، أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - اعتمر ثلاث عُمَرٍ، كلّها في ذي القعدة؛
- *= ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا قالت عائشة: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل زينب بنت جحش عن أمري فقال لزينب: ماذا علمت أو رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيرًا قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فعصمها الله بالورع. قالت: وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك. قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط ثمَّ قال عروة: قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحانه الله فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط قالت: ثمَّ قتل بعد ذلك في سبيل الله. وأما الجزء الأخير من رواية الطبري ونعني تنفيذ حدّ القذف بضرب مسطح وحسان وحمنة فقد أخرج الترمذي في سننه (٥ / ح ٣١٨١) عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لما نزل عذري قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدّهم). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمَّد بن إسحاق. والحديث أخرجه ابن ماجه (ح / ٢٧٦٥) وأما بالنسبة لما قالته السيدة عائشة - رضي الله عنها - عندما علمت بنزول آيات قرآنية ببراءتها فقد أخرج البخاري في صحيحه (ح ٤١٤٣) رواية في آخرها: (فأنزل الله عذرها. قالت: بحمد الله لا بحمد أحد ولا بحمدك). والله تعالى أعلم.
يرجع في كلّها إلى المدينة ١ . (٢: ٦٢٠) .
- ١إسناده ضعيف ولقد ذكر مجاهد العدد قائلًا: (ثلاث عمر) ولكن البخاري أخرج في صحيحه من حديث أنس - رضي الله عنه - قال: اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل من ذي القعدة وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة وعمرة مع حجته (صحيح البخاري / كتاب المغازي / ح ٤١٤٨). قلنا: واعتمادًا على حديث أنس هذا وغيره ذهب جمهور أهل الحديث وأئمة المغازي والسير إلى أنها كانت في ذي القعدة من سنة ست للهجرة.
١٧٤ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن مسلِم الزهريّ، عن عروة بن الزُّبير، عن المِسْور بن مَخرَمة ومروان بن الحَكَم؛ أنَّهما حدّثاه قالا: خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عامَ الحديبيَة، يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا، وساق معه سبعين بَدَنة، وكان النَّاس سبعمئة رجل؛ كانت كلّ بَدَنة عن عشرة نفر ١ . (٢: ٦٢٠) .
- ١إسناده ضعيف إلى ابن إسحاق ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق مصرحًا بالتحديث عن الزهري فإسناده هذا حسن (٢/ ٢٢٧). وسنتحدث عن الخلاف في عدد الجيش بعد آخر رواية في ذلك إن شاء الله.
١٧٥ - وأمَّا حديث ابن عبد الأعلى؛ فحدّثنا عن محمَّد بن ثور، عن مَعْمَر، عن الزهري، عن عُروة بن الزُّبير، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة ١ . (٢: ٦٢٠) .
- ١هذا إسناد صحيح ولعل الطبري يريد ذكر طريق آخر للحديث السابق وهو الأغلب، أم أنَّه يعني الحديث الآتي بعد قليل والله أعلم.
١٧٦ - وحدّثني يعقوب، قال: حدّثني يحيى بن سعيد، قال: حدَّثنا عبد الله بن مبارك، قال: حدّثني معمر عن الزهريّ، عن عُروة بن الزبير، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة ومرْوان بن الحكَم، قالا: خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من الحديبيَة في بضْعة عشر ومئة من أصحابه. . . . ثمَّ ذكر الحديث ١ . (٢: ٦٢١) .
- ١إسناده صحيح.
١٧٧ - حدَّثنا الحسن بن يحيى، حدَّثنا أبو عامر، قال: حدَّثنا عِكْرمة بن عمَّار اليمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: قدمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحديبية، ونحن أربعة عشر ومئة ١ . (٢: ٦٢١) .
- ١إسناده حسن صحيح.
١٧٨ - حدَّثنا يوسف بن موسى القَطَّان، قال: حدَّثنا هِشام بن عبد الملك وسعيد بن شُرَحْبيل المصريّ، قالا: حدَّثنا الليث بن سعد المصريّ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبير، عن جابر، قال: كنَّا يوم الحديبية ألفًا وأربعمئة ١ . (٢: ٦٢١) .
- ١حديث جابر في صحيح البخاري ولفظه: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية: أنتم خير أهل الأرض، وكنا ألفًا وأربعمئة ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة (صحيح البخاري / كتاب المغازي / ح ٤١٥٥، ومسلم / الإمارة / ح ١٨٥٦).
١٧٩ - حدثني محمَّد بن سعد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان أهلُ البيعة تحت الشَّجرة ألفًا وخمسمئة وخمسة وعشرين ١ . (٢: ٦٢١) .
- ١إسناده ضعيف وكذلك نسبه الحافظ في الفتح إلى ابن مردويه من حديث ابن عباس (فتح الباري (٧/ ٤٤١) ولكن الذي في صحيح البخاري من حديث جابر: فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مئة ألف لكفانا خمس عشرة مئة (ح ٤١٥٣).
١٨٠ - حدثنا ابن المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا شُعْبة، عن عمرو بن مرّة، قال: سمعتُ عبدَ الله بن أبي أوفَى، يقول: كنَّا يومَ الشَّجرة ألفًا وثلاثمئة، وكانت أسْلَمُ ثُمن المهاجرين ١ . (٢: ٦٢١) .
- ١هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / ح ٤١٥٥) عن عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنهما -: (كان أصحاب الشجرة ألفًا وثلاثمئة وكانت أسلم ثمن المهاجرين) والحديث أخرجه مسلم (ح ١٨٥٧).
١٨١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثني محمَّد بن إسحاق، عن الأعمش، عن أبي سُفيان، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: كنَّا أصحابَ الحديبية أربعة عشر مئة ١ . (٢: ٦٢١) .
- ١إسناده ضعيف ولكن حديث جابر صحيح. قال البخاري في صحيحه: حدثني عبد الله بن محمَّد حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري حين حدّث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتني معمر عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه قائلًا: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية في بضع = = عشرة مئة من أصحابه فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عينًا له من خزاعة وسار النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه قال إن قريشًا جمعوا لك جموعًا وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك فقال: أشيروا أيها الناس عليَّ أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله عَزَّ وَجَلَّ قد قطع عينًا من المشركين وإلا تركناهم محروبين قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال: امضوا على اسم الله. (صحيح البخاري / كتاب المغازي / باب ٣٥ / ح ٤١٧٨ - ٤١٧٩). - أقوال العلماء في عدد أفراد الجيش المسلم: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمئة فمن قال: ألفًا وخمسمئة جبر الكسر ومن قال: ألفًا وأربعمئة ألغاه ويؤيده قوله في الرواية الثالثة من حديث البراء وألفًا وأربعمئة أو أكثر واعتمده النوويّ. وأما البيهقي فمال إلى الترجيح وقال: إن رواية من قال ألف وأربعمئة أصح (فتح الباري ٧/ ٤٤١). وأما من المعاصرين فقد قال المؤرخ العمري: وبلغ عدد المسلمين في الحديبية ألفًا وأربعمئة رجل، ذكر ذلك شهود العيان من الصحابة وهم جابر بن عبد الله والبراء بن عازب ومعقل بن يسار وسلمة بن الأكوع والمسيب بن حزن. وقال جابر في رواية: أنهم ألف وخمسمئة، وقال الصحابي عبد الله بن أبي أوفى أنهم ألف وثلاثمئة. واتفاق خمسة من شهود العيان على أنهم ألف وأربعمئة أولى من سواه من الأقوال فهو أصح الصحيح وإن كان الجمع ليس بمتعذر والاختلاف ليس بكبير / السيرة النبوية (٢/ ٤٣٥).
١٨٢ - ثمَّ قال: مَنْ رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ فحدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عنِ ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أنّ رجلًا من أسْلم قال: أنا يا رسولَ الله، قال: فسلك بهم على طريق وَعْرٍ حَزْن بين شعَاب، فلما أن خرجوا منه - وقد شقّ ذلك على المسلمين، وأفضَوْا إلى أرض سَهْلة عند منقطع الوادي - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للناس: قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه. ففعلوا. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: والله إنها للحِطّة التي عُرضَتْ علي بني إسرائيل فلم يقولوها ١ . (٢: ٦٢٣) .
- ١إسناده ضعيف ولكن أخرج البزار (كشف الأستار / ح ١٨١٢): عن أبي سعيد الخدري أنَّه قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كنا بعسفان قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن عيون المشركين الآن على ضجنان فأيكم يعرف طريق ذات الحنظل؟ " فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أمسى: "هل = = من رجل ينزل فيسعى بين يدي الركاب؟ " فقال رجل: أنا يا رسول الله، فنزلت فجعلت الحجارة تنكبه والشجر يتعلق بثيابه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اركب" ثمَّ نزل آخر فجعلت الحجارة (تنكبه) والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اركب". ثمَّ وقعنا على الطريق، حتى سرنا في ثنية يقال لها: الحنظل فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما مثل هذه الثنية إلا كمثل الباب الذي دخل فيه بنو إسرائيل؛ قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم، لا يجوز أحد الليلة هذه الثنية إلا غفر له". فجعل الناس يسرعون ويجوزون، وكان آخر من جاز قتادة بن النعمان في آخر القوم. قال: فجعل الناس يركب بعضهم بعضًا حتى تلاحقنا. قال: فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزلنا. وقال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات (٦/ ١٤٤).
١٨٣ - قال ابن شهاب: ثمَّ أمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظَهْرَي الحَمْضِ في طريق تُخرِجه على ثنيّة المُرَار على مهبَط الحديبيَة من أسفل مكة. قال: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلمّا رأت خيل قريش قَتَرَة الجيش، وأنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد خالفهم عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى إذا سلك في ثنيَّة المُرار، بركَتْ ناقته، فقال الناس: خلأتْ! فقال: ما خلأتْ، وما هو لها بخُلقٍ؛ ولكن حبَسها حابسُ الفيل عن مكة؛ لا تدعوني قريش اليومَ إلى خُطّة يسألوني صلَة الرَّحِم إلا أعطيتهم إياها. ثمَّ قال للناس: انزِلوا، فقيل: يا رسولَ الله ما بالوادي ماء ننزل عليه! فأخرجَ سهمًا من كنانته فأعطاه رجلًا من أصحابه، فنزل في قَلِيب تلك القُلب فغرزه في جَوْفه. فجاش الماء بالرّيّ حتى ضربَ الناسُ عليه بِعَطَن ١ . (٢/ ٦٢٣ / ٦٢٤) .
- ١ذكره الطبري عن الزهري بلا إسناد ومتنه صحيح كما أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الشروط) عن المسور بن مخرمة - رضي الله عنهما - ومروان رحمه الله يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرًا لقريش وسار النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس حل حل فألحت فقالوا: خلأت القصواء فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل، ثمَّ قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. . . الحديث وفيه: وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدّة، ويخلوا بيني وبين = = الناس فإن أظهر؛ فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي. (صحيح البخاري / كتاب الشروط ح ٢٧٣١ - ٢٧٣٢).
١٨٤ - حدثنا محمَّد بن عبد الأعلى الصنعانيّ، قال: حدثنا محمَّد بن ثور، عن معمَر، عن الزُّهريّ، عن عرْوة، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة. وحدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدَّثنا عبد الله بن المبارك، قال: حدَّثنا مَعْمَر، عن الزّهِريّ، عن عروة، عن المسْور بن مَخْرمة ومرْوان بن الحكم، قالا: نزَل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بأقصى الحُدَيبِيَة على ثمَد قليل الماء؛ إنما يتبرَّضُه الناس تبرّضًا فلم يُلبِّثْه الناس أنْ نَزَحُوه، فشُكِيَ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العطش، فنزع سهمًا من كنانته، ثمَّ أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالريّ حتى صدروا عنه؛ فبينا هم كذلك جاء بُدَيل بن ورقاء الخُزاعيّ في نفر من قومِه من خُزاعة - وكانوا عَيبَةَ نُصْحِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل تِهامة - فقال: إني تركت كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤي قد نزلوا أعْدَاد مياه الحديبية؛ معهم العُوذُ المطافيل؛ وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت. فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: إنّا لم نأتِ لقتال أحد، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشًا قد نهكَتْهم الحرب وأضرَّتْ بهم، فإن شاؤوا مادَدْناهم مُدَّة ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإن أظَهْر، فإن شاؤوا أن يدخلُوا فيما دخل فيه الناس فَعَلوا وإلّا فقد جَمُّوا؛ وإن هم أبوْا فوالذي نفسي بيدِه لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالِفتي، أو ليُنَفِّذنّ الله أمره، فقال بُدَيل: سنبلغُهم ما تقول.
فانطلق حتى أتى قريشًا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا؛ فإن شئتم أن نعرِضه عليكم فعْلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجةَ لنا أن تحدّثنا عنه بشيء، وقال ذو الرأي منهم: هاتِ ما سمعتَه يقول: قال: سمعتُه يقول كذا وكذا، فحدّثَهم بما قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
فقام عروة بن مسعود الثقفيّ، فقال: أي قوْم؛ ألستُم بالوالد! قالوا: بلى، قال: أولستُ بالولد! قالوا: بلى، قال: فهل تتّهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستُمْ تعلمون أني استنفرت أهلَ عُكاظ؛ فلما بَلّحوا عليَّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني! قالوا: بلى.
رجع الحديث إلى حديث ابن عبد الأعلى ويعقوب. قال: فإنّ هذا الرّجل قد عرض عليكم خُطَّةَ رُشْد فاقبلوها، ودعوني آتِه. فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلّم النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبيّ نحوًا من مقالته لبُدَيل، فقال عروة عند ذلك: أي محمَّد، أرأيتَ إن استأصلت قومَك، فهل سمعتَ بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك! وإن تكن الأخرى، فوالله إنّي لأرى وجوهًا وأوشابًا من الناس خلُقًا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوك. فقال أبو بكر: امْصص بَظْرَ اللات - واللاتُ طاغية ثقيف التي كانوا يعبدون - أنحن نَفِرُّ عنه ونَدَعُه! فقال: مَنْ هذا؟ فقالوا: أبو بكر، فقال: أما وَالذي نفسي بيده لولا يَدٌ كانت لك عندي لم أجْزِك بها لأجبتك؛ وجعل يكلّم النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فكلّما تكلَّم كلّمه أخذ بلحيته - والمغيرةُ بن شعبة قائمٌ على رأس النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ومعه السيف وعليه المغفر؛ فكلّما أهوَى عروة بيده إلى لحية النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ضرب يده بنعْل السيف، وقال: أخِّرْ يدَك عن لحيته، فرفع عُروة رأسَه، فقال: مَنْ هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، قال: أي غُدَرُ؛ ألستُ أسعى في غَدْرتك! وكان المغيرةُ بن شعبة صحبَ قومًا في الجاهليّة، فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثمَّ جاء فأسلم، فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: أما الإِسلام فقد قبلْنا، وأما المالُ فإنَّه مال غَدْر، لا حاجة لنا فيه.
وإنّ عُرْوة جعل يرمُق أصحابَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعينه. قال: فوالله إنْ يتنخّم النبيّ نُخامة إلا وقعت في كَفّ رجل منهم فَدلكَ بها وجهه وجلده؛ وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه؛ وإذا تكلّموا عنده خفضوا أصواتهم وما يُحِدّون النظر إليه تعظيمًا له. فرجع عُروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدتُ على الملوكِ، ووفدت على كسرى وقيصرَ والنَّجاشيّ؛ والله إنْ رأيتُ ملِكًا قطّ يُعَظّمه أصحابه ما يُعظِّم أصحابُ محمّدٍ محمدًا، والله إن يتنخّم نُخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم فدَلكَ بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يُحِدّون النظر إليه تعظيمًا له؛ وإنّه قد عرض عليكم خُطةَ رُشْد فاقبلوها، فقال رجل من كنانة: دعوني آتِه، فقالوا: ائته، فلمّا أشرفَ على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: هذا فلان، وهو من قوم يُعَظّمون الْبُدْنَ فابعثوها له، فبعِثَتْ له، واستقبله قومٌ يُلَبّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدّوا عن البيت ١ !
- ١إسناده صحيح والحديث أخرجه البخاري بأطول من هذا في صحيحه (كتاب الشروط / ح ٢٧٣١ - ٢٧٣٢) ولفظه: عن المسور بن مخرمة ومروان رحمهما الله تعالى يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن خالد بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين)، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت راحلته. فقال الناس "حل حل" فألحت، فقالوا: خلأت القصواء فقال - صلى الله عليه وسلم -: (ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل). ثمَّ قال: (والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) ثمَّ زجرها فوثبت. قال: "فعدل عنهم حتى ينزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا. فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثمَّ أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه". . . . فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عيبة نصح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره) فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. قال: فانطلق حتى أتى قريشًا قال: إنا جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه شيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته قال: سمعته يقول: كذا وكذا. . . . فحدثهم بما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم: ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني، قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ. فلما بلحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوًا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمَّد: أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوهًا وإني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك فقال له أبو بكر - رضي الله عنه -: امصص بظر اللات. أنحن نفر عنه وندعه؟ ! = = فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك لها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب يده بنعل السيف وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك؟ ! وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثمَّ جاء فأسلم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أما الإِسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء) ثمَّ إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعينه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت مليكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمَّدٍ محمدًا، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في يد رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا أخفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه؟ فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (هذا فلان: وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له). فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت". فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته فلما أشرف عليهم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هذا مكرز، وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم -. . . . فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة: أنَّه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (قد سهل الله أمركم) قال معمر قال الزهري في حديثه: "فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الكاتب؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي ولكن اكتب "بسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اكتب "باسمك اللهم" ثمَّ قال: (هذا ما قاضى عليه محمَّد رسول الله) فقال سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك ولكن اكتب محمَّد بن عبد الله. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- *= فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمَّد بن عبد الله". قال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها". فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به" فقال سهيل: "والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب. فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا". فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده وقد خرج من أسفل الكعبة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمَّد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنا لم نقض الكتاب بعد) قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فأجزه لي) قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: "بلى فافعل". قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله". قال: فقال عمر بن الخطّاب: فأتيت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: ألست نبي الله حقًّا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: (إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري) قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام قال: قلت: لا قال: إنك آتيه ومطوِّف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس يعصي أمر ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى. أفأخبرك أنك تأتيه العام. قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به قال عمر - رضي الله عنه -: فعملت لذلك أعمالًا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: (قوموا، فانحروا ثمَّ احلقوا)، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ أخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا. ثمَّ جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} حتى بلغ {بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية. =
١٨٥ - وحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ؛ قال في حديثه: ثمَّ بعثوا إليه الحلَيس بن عَلْقَمة -أو ابن زَبَّان- وكان يومئذ سيّد الأحابِيش؛ وهو أحد بلْحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلمّا رآه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنّ هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهَدْيَ في وجهه حتى يراه، فلمّا رأى الهديَ يسيل عليه من عُرْض الوادي في قلائده، قد أكل أوبارَه من طول الحبس، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إعظامًا لما رأى، فقال: يا معشرَ قريش، إنّي قد رأيتُ ما لا يحلّ صدّه: الهدي في قلائده، قد أكل أوباره من طول الحبس عن مَحِلّهِ؛ قالوا له: اجلس، فإنما أنت رجل أعرابيٌّ لا عِلْم لك ١ . (٢: ٦٢٧/ ٦٢٨) .
- ١إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف كما سبق ولكن أخرجه ابن هشام بسند حسن من طريق ابن إسحاق (٣/ ٣١٢) والله تعالى أعلم.
- *=. . . ثمَّ رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم (وقال يحيى عن ابن المبارك: فقدم عليه أبو بصير بن أسيد الثقفي مسلمًا مهاجرًا. فاستأجر الأخنس بن شريق رجلًا كافرًا من بني عامر بن لؤي ومعه مولى لهم، وكتب معهما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأله الوفاء) فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين. فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك يا فلان هذا جيدًا. فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به، ثمَّ جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه، فضربه به حتى برد. وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لقد رآى هذا ذعرًا). فلما انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثمَّ أنجاني الله منهم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد) فلما سمع ذلك عرف أنَّه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر. قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت فيهم عصابة. قال: فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم. فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ} حتى بلغ {الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ}. وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنَّه نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. وأخرج البخاري في صحيحه كتاب المغازي (غزوة الحديبية) عن المسور بن مخرمة - رضي الله عنهما - قال: (خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية في بضع عشرة مئة من أصحابه فلما أتى ذا الحليفة قلّد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عينًا له من خزاعة، وسار النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه قال: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ومانعوك. قال: أشيروا أيها الناس عليّ أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله عَزَّ وَجَلَّ قد قطع عينًا من المشركين وإلا تركناهم محروبين. قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم الله). أهـ.
١٨٦ - رجع الحديث إلى حديث ابن عبد الأعلى ويعقوب. فقام رجل منهم يقال له مِكْرَز بن حفص، فقال لهم: دَعُوني آته، قالوا: ائته، فلمّا أشرف عليهم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هذا مِكْرز بن حفص؛ وهو رجل فاجر؛ فجاء فجعل يكلِّم النبيّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فبينا هو يكلِّمه إذ جاء سهيل بن عمرو. وقال أيوب عن عكرمة: إنّه لما جاء سُهَيل قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: قد سَهُل لكم من أمركم ١ . (٢: ٦٢٨) .
- ١حديث ابن عبد الأعلى ويعقوب حديث صحيح كما ذكرنا سابقًا والعبارة الأخيرة التي رواها مرفوعًا (قد سهل الله من أمركم) فكذلك صحيح. كما أخرجه البخاري وإن كان الطبري لم يوضح طريق هذا السند واكتفى بقوله: (وقال أيوب عن عكرمة) فتمامه عند البخاري من حديث المسور ومروان (وقال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنَّه لمّا جاء سهيل بن عمرو قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: قد سهل الله أمركم). أهـ.
١٨٧ - وأما الحسن بن يحيى فإنَّه حدَّثنا قال: حدَّثنا أبو عامر قال: حدَّثنا عِكرمة بن عمار اليماميّ، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، أنَّه قال: لما اصطلحنا نحن وأهلُ مكة، أتيتُ الشجرة فكسحتُ شوكها، ثمَّ اضطجعتُ في ظلّها، فأتاني أربعةُ نفر من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعُون في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأبغضتُهم. قال: فتحوّلت إلى شجرة أخرى، فعلّقوا سلاحهم، ثمَّ اضطجعوا؛ فبينا هم كذلك؛ إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قُتل ابن زُنَيم! فاخترطتُ سيفي، فشددت على أولئك الأربعة وهم رقود؛ فأخذت سلاحهم فجعلته ضِغْثًا في يدي، ثمَّ قلت: والذي كرّم وجهَ محمَّد - صلى الله عليه وسلم -؛ لا يرفعُ أحدٌ منكم رأسه إلَّا ضربت الذي فيه عيناه. قال: فجئت بهم أقودهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجاءَ عَمّي عامر برجل من العَبَلاتِ، يقال له مكرز؛ يقوده مجفّفًا، حتى وقفنا بهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: دعوهم يكن لهم بَدْء الفجور، فعفا عنهم. قال: فأنزل الله عزّ وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ ١ . (٢: ٦٢٩/ ٦٣٠) .
- ١والحديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه: أتيت شجرة فكسحت شوكها. واضطجعت في أصلها، فأتاني أربعة من أهل مكة من المشركين، فجعلوا يقعون في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا فبينما هم كذلك: إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين. قتل ابن زنيم قال: فاخترطت سيفي ثمَّ شددت على هؤلاء الأربعة، وهم رقود فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثًا في يدي، قال: ثمَّ قلت: والذي كرم وجه محمَّد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثمَّ جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فرس مجفف في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه) فعفا عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ}.
١٨٨ - حدَّثنا بشر بن معاذ؛ قال: حدَّثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدَّثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذُكِر لنا أنّ رجلًا مَن أصحابِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقال له زُنَيم، اطّلع الثنيّة من الحديبيَة، فرماه المشركون فقتلوه، فبعث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خيلًا، فأتوْه باثني عشر رجلًا فارسًا من الكفار، فقال لهم نبيّ الله - صلى الله عليه وسلم -: هل لكم عليّ عهد؟ هل لكم عليّ ذمة؟ قالوا: لا، قال: فأرسلهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فأنزل الله في ذلك القرآن: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ - إلى قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ١ . (٢: ٦٣٠) .
- ١هذا إسناد ضعيف ولكن له ما يؤيده من رواية سابقة (١٨٧) وما رواه البخاري في صحيحه عن قتل زنيم وسبب نزول الآية.
١٨٩ - وأمَّا ابنُ إسحاق، فإنَّه ذكر أن قريشًا إنما بعثتْ سهيل بن عمرو بعد رسالة كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسلها إليهم مع عثمان بن عفان.
حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمَة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني بعضُ أهلِ العلم أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - دعا خِرَاشَ بن أميّة الخُزاعيّ، فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على جمل له يقال له الثعلب؛ ليبلّغ أشرافَهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله وأرادوا قتله، فمنعتْه الأحابيش، فخلَّوْا سبيلَه؛ حتى أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ١ . (٢: ٦٣٠/ ٦٣١) .
- ١هذا إسناد ضعيف ولكن أخرج أحمد في المسند (٤/ ٣٢٣) من حديث مروان بن الحكم والمسور - رضي الله عنهما - وفيه: وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك بعث خراش بن أمية إلى مكة وحمله على جمل له يقال له الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش وأرادوا قتل خراش، فمنعهم الأحابيش حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي وليس بها من بني عديّ أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني، عثمان بن عفان. قال: فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبعثه إلى قريش يخبرهم أنَّه لم يأت لحرب، وأنه جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته، فخرج عثمان حتى أتى مكة ولقيه أبان بن سعيد بن العاص فنزل عن دابته وحمله بين يديه وردف خلفه، وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أرسله به. فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين أن عثمان قد قتل. والحديث أخرجه ابن هشام (٣/ ٣٠٨) من طريق ابن إسحاق والله أعلم.
١٩٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق، قال: حدّثني من لا أتَّهم، عن عِكْرمة مولى ابنِ عبّاس، أنّ قريشًا بعثوا أربعين رجلًا منهم -أو خمسين رجلًا- وأمروهم أن يُطيفوا بعسكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليُصيبوا لهم من أصحابه، فأخذُوا أخذًا، فأتِيَ بِهِمْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعفا عنهم، وخلّى سبيلهم - وقد كانوا رَمَوْا في عسكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجارة والنَّبْل - ثمَّ دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - عُمر بن الخطّاب ليبعثَه إلى مكة، فيبلّغ عنه أشرافَ قريشٍ ما جاءَ له؛ فقال: يا رسولَ الله؛ إني أخاف قريشًا على نفسي؛ وليس بمكَّة من بني عديّ بن كعب أحد يمنعني؛ وقد عرفَتْ قريش عداوتي إيّاها، وغلظَتي عليها، ولكنِّي أدلك على رجل هو أعزّ بها منِّي، عثمان بن عفان!
فدعا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنَّه لم يأت لحرب؛ وإنما جاء زائرًا لهذا البيت، معظّمًا لحرمته.
فخرج عثمان إلى مكّة، فلقيَه أبَان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة -أو قبْل أن يدخلها- فنزل عن دابّته، فحمله بين يديه، ثمَّ رَدفه وأجاره؛ حتى بلّغ رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانطلق عثمان حتى أتَى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلّغهم عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ما أرسلَهُ به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم: إن شئتَ أن تطوف بالبيت فطُفْ به؛ قال: ما كنت لأفعَل حتى يطوف به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فاحتبستْه قريش عندها، فبلغ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين أنّ عثمان قد قُتل ١ . (٢: ٦٣١/ ٦٣٢) .
- ١إسناده ضعيف ولمتنه شواهد ذكرناها آنفًا وأما أسر الصحابة لعدد من مقاتلي قريش فقد أخرجه مسلم في صحيحه (باب قوله تعالى: وهو الذي كف أيديهم عنكم) (ح ١٨٠٨). (من حديث أنس - رضي الله عنه -) أن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فأخذهم سلمًا فاستحياهم، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ}. والحديث أخرجه الترمذي (ح ٣٢٦٤) وقال: حسن صحيح.
١٩١ - حدّثني يونس بن عبد الأعلَى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله؛ أنهم كانوا يوم الحديبية أربعة عشر مئة. قال: فبايعنا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وعمرُ آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سَمُرة، فبايعناه غير الجَدّ بن قيس الأنصاريّ، اختبأ تحت بطن بعيره. قال جابر: بايعْنا رسول الله على ألا نَفِرّ؛ ولم نبايعه على الموت ١ . (٢: ٦٣٢) .
- ١هذا حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه / كتاب الإمارة / باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال ولفظه: (قال جابر - رضي الله عنه -: كنا أربع عشر مئة فبايعناه وعمر آخذ بيده، تحت الشجرة وهي سمرة فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره). ومن رواية أخرى لمسلم (١٨٥٨/ ٧٦) عن معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبايع الناس وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربعة عشرة = = مئة. قال لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه أن لا نفر. والحديث أخرجه أحمد في مسنده والله أعلم.
١٩٢ - وقد قيل في ذلك ما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرَنا أبو عامر، قال: أخبرنا عِكْرمة بن عمّار اليماميّ، عن إياس بن سلَمة بن الأكوع، عن أبيه، أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - دعا الناس للبيعة في أصل الشجرة، فبايعتُه في أوّل الناس، ثمَّ بايع وبايع؛ حتى إذا كان في وسط من الناس، قال: بايعْ يا سلَمة، قال: قلت: قد بايعتُك يا رسِولَ الله في أوّل الناس! قال: وأيضًا؛ ورآني النبي - صلى الله عليه وسلم - أعْزَلَ، فأعطاني حَجَفة أو دَرَقَةً. قال: ثمَّ إنَّ رسولَ الله بايع الناس؛ حتى إذا كان في آخرهم، قال: ألا تبايعُ يا سلمةُ! قلت: يا رسول الله؛ قد بايعتك في أوّل الناس وأوسطهم! قال: وأيضًا، قال: فبايعتُه الثالثة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فأين الدَّرَقة، والحَجَفة التي أعطيتُك؟ قلتُ: لقيَني عمّي عامر أعزَل فأعطيته إياها، فضحك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: إنك كالذي قال الأوّل: اللهمّ ابغني حبيبًا هو أحبّ إليَّ من نفسي ١ . (٢: ٦٣٣) .
- ١حديث سلمة هذا حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه (باب غزوة ذي قرد / ح ١٨٠٧). ولفظه: (قدمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحديبية ونحن أربع عشر مئة. . . . الحديث) وفيه: قال: ثمَّ إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعانا إلى البيعة في أصل الشجرة فبايعه أول الناس. ثمَّ بايع وبايع حتى إذا كان في وسط الناس قال: (بايعني يا سلمة) قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك أول الناس قال: (وأيضًا) قال: ورآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزلًا فأعطاني حجفة أو درقة، ثمَّ بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال: (ألا تبايع يا سلمة؟ ) قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم قال: (وأيضًا) فبايعته الثالثة فقال: (يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ ) قال: قلت: يا رسول الله لقيني عامر عزلًا فأعطيتها إياه. فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمَّ قال: (إنك كالذي قال الأوّل: اللهم ابغني حبيبًا هو أحب إليّ من نفسي). والحديث أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٥٣) والبيهقيُّ في الدلائل (٤/ ١٨٢) والله أعلم.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: فبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النَّاس، ولم يتخلَّفْ عنه أحد من المسلمين حضرها إلَّا الجَدُّ بن قيس، أخو بني سلمة، قال: كان جابر بن عبد الله يقول: لكأني أنظرُ إليه لاصقًا بإبط ناقته، قد ضَبَأ إليها يستتر بها من الناس. ثمَّ أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أن الذي كان من أمر عثمان باطل ١ . (٢: ٦٣٣) .
- ١حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإمارة / باب استحباب مبايعة الإمام الجيش = = ٣/ ١٤٨٣) والله أعلم.
١٩٣ - قال ابن إسحاق: قال الزهريّ: ثمَّ بعثتْ قريش سهيلَ بن عمرو، أخا بني عامر بن لؤيّ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وقالوا له: أئت محمدًا فصالحْه، ولا يكن في صلْحه إلَّا أن يرجعَ عنّا عامه هذا، فوالله لا تحدّث العرب أنَّه دخل علينا عنوة أبدًا. قال: فأقبل سُهيل بن عمرو، فلمّا رآه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مقبلًا، قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فلمّا انتهَى سهيل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكلَّم فأطال الكلام، وتراجعا، ثمَّ جرى بينهما الصلح، فلمّا التأم الأمر، ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطّاب، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله! قال: بلى، قال: أو لَسْنا بالمسلمين! قال: بلى، قال: أو ليسُوا بالمشركين! قال: بلى؛ قال: فَعَلامَ نُعْطي الدنيّةَ في ديننا! قال أبو بكر: يا عُمر الزَمْ غَرْزَه؛ فإني أشهد أنَّه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنَّه رسول الله. قال: ثمَّ أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ألستَ برسول الله! قال: بلى، قال: أوَلَسْنَا بالمسلمينَ! قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين! قال: بلى، قال: فعلامَ نعطي الدنيّة في ديننا! فقال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالفَ أمرَه، ولن يُضيِّعَني. قال: فكان عمر يقول: ما زلت أصومُ وأتصدَّقُ وأصلِّي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلّمت به؛ حتى رجوت أن يكون خيرًا ١ . (٢: ٦٣٣/ ٦٣٤) .
- ١سبق أن ذكرنا روايات البخاري ومسلم في الصلح الذي جرى بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وممثل قريش سهيل بن عمرو (البخاري / كتاب الشروط) ومسلم (كتاب الجهاد / باب صلح الحديبية).
١٩٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن بُرَيدة بن سفيان بن فروة الأسلميّ، عن محمَّد بن كعب القرظيّ، عن علقمة بن قيس النخعيّ، عن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال: ثمّ دعاني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سُهَيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: "باسمك اللهمّ" فقال رسول الله: اكتب "باسمك اللهمّ" فكتبتُها. ثمَّ قال: اكتب: "هذا ما صالح عليه محمَّد رسول الله سهيل بن عمرو" فقال سهيل بن عمرو: لو شهدتُ أنك رسولُ الله لم أقاتلْك؛ ولكن اكتب اسمَك واسم أبيك، قال: فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: اكتب: "هذا ما صالح عليه محمَّد بن عبد الله سهيل بن عمرو؛ اصطلحا على وضْع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهنّ الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنَّه مَنْ أتى رسولَ الله من قريش بغير إذن وليه ردّه عليهم، ومن جاء قريشًا ممنّ مع رسول الله لم ترُدَّه عليه. وأنّ بيننا عَيْبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال؛ وأنه مَنْ أحب أن يدخلَ في عَقْد رسولِ الله وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخلَ في عَقْد قريش وعهدهم، دخل فيه" - فتواثبت خُزاعة فقالوا: نحن في عَقْد رسول الله وعهده، وتواثبتْ بنو بكر، فقالوا: نحن في عَقْد قريش وعهدها - "وأنك ترجع عَنَّا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجْنا عنك، فدخلتَها بأصحابك؛ فأقمت بها ثلاثًا، وأن معك سلاح الراكب، السيوف في القُرُب لا تدخلها بغير هذا" .
فبينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، إذ جاء أبو جَنْدل بن سهيل بن عمرو يَرْسُف في الحديد، قد انفلتَ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: وقد كان أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرجوا وهم لا يشكّون في الفتح، لرؤيا رآها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فلمَّا رأوْا ما رأوْا من الصلح والرجوع، وما تحمَّل عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في نفسه، دخل الناسَ من ذلك أمرٌ عظيمٌ حتى كادوا أن يهلكوا - فلمَّا رأى سهيل أبا جندل، قام إليه فضرب وجهه، وأخذ بلَبَبِه، فقال: يا محمَّد قد لجَّت القضيَّة بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا! قال: صدقْت، قال: فجعل يَنْتِرُه بلَبَبِه، ويجرُّه ليَرُدّه إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرُخ بأعلى صوتِه: يا معشر المسلمين، أرَدُّ إلى المشركين يفتنونني في ديني! فزاد الناس ذلك شرًّا إلى ما بهم فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا جندل، احتسِبْ، فإن الله جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعَفين فَرَجًا ومخرجًا؛ إنّا قد عقدنا بيننا وبين القوم عَقْدًا وصلحًا، وأعطيناهم على ذلك عهدًا، وأعطونا عهدًا، وإنا لا نغدِر بهم. قال: فوثب عمر بن الخطّاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه، ويقول: اصبر يا أبا جندل؛ فإنّما هم المشركون؛ وإنما دَمُ أحدهم دمُ كلب! . قال: ويُدْني قائم السيف منه، قال: يقولُ عمر: رجوت أن يأخذَ السيفَ فيضرب به أباه، قال: فضنَّ الرجل بأبيه.
فلمّا فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجالًا من المسلمين، ورجالًا من المشركين: أبا بكر بن أبي قُحافة، وعمر بن الخطّاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقّاص، ومحمود بن مسلمة أخا بني عبد الأشهل، ومِكْرز بن حفص بن الأخْيَف - وهو مشرك - أخا بني عامر بن لؤيّ، وعلي بن أبي طالب، وكتب وكان هو كاتب الصحيفة ١ . (٢: ٦٣٤/ ٦٣٥ / ٦٣٦) .
- ١إسناده ضعيف ومتنه مركب من أكثر من رواية فأما تسمية علي بن أبي طالب كاتبًا لوثيقة الصلح فقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٣٤٣) عن ابن عباس وصحح العمري إسناده. أهـ. وأخرجه البخاري في صحيحه (الصلح / ح ٢٦٩٨) عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - كذلك، وجاء في رواية عند أحمد في مسنده (٤/ ٣٢٥) من طريق ابن إسحاق بسند حسن حديثٌ وفيه: (بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمَّد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. . . . الحديث وفيه: وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك وأقمت فيهم ثلاثًا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب). وأما روايات الصحيحين فقد ذكرت بعضًا من هذه الشروط في أحاديث متفرقة وكما يلي: ١ - من حديث ابن عمر (صحيح البخاري / باب الصلح مع المشركين / ح ٢٧٠١). ٢ - من حديث البراء (صحيح البخاري / ح ٢٧٠٠). ٣ - حديث البراء (صحيح مسلم / ح ١٧٨٣) ولفظ مسلم في حديث البراء بن عازب. (لما أُحْصِرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - عند البيت صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيقيم بها ثلاثًا ولا يدخلها إلَّا بجلبان السلاح: السيف وقرابه، ولا يخرج بأحد معه من أهلها ولا يمنع أحد يمكث بها كان معه. . . إلخ الحديث).
١٩٥ - حدثنا هارون بن إسحاق، قال: حدثنا مُصعب بن المقدام، وحدّثنا سفيان بن وكيع، قال: حدَّثنا أبي، قالا جميعًا: حدَّثنا إسرائيل، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن البَرَاء، قال: اعتَمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في ذي القَعْدة، فأبى أهلُ مكة أن يَدَعُوه يدخل مكة، حتى يقاضيَهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام. فلمّا كتب الكتاب كتب: "هذا ما تقاضى عليه محمَّد رسول الله؛ فقالوا: لو نعلم أنك رسولُ الله ما منعناك؛ ولكن أنت محمَّد بن عبد الله، قال: أنا رسول الله، وأنا محمَّد بن عبد الله، قال لعليّ - عليه السلام -: امْح "رسولَ الله" ، قال: لا والله لا أمحاك أبدًا، فأخذه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وليس يُحسِن يكتب - فكتب مكان "رسول الله" "محمَّد" فكتب: "هذا ما قاضى عليه محمَّد، لا يدخل مكة بالسلاح إلا السيوف في القراب، ولا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتّبعه، ولا يمنع أحدًا من أصحابه أراد أن يقيم بها" . فلما دخلها ومضَى الأجل، أتْوا عليًّا عليه السلام، فقالوا له: قل لصاحبك: اخرجْ عنّا فقد مضى الأجل، فخرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ١ . (٢: ٦٣٦/ ٦٣٧) .
- ١حديث براء هنا حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الصلح) ولفظه: (اعتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يَدعُوه يدخل مكة، حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: لا نقرُّ بها. فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك لكن اكتب محمَّد بن عبد الله، قال: أنا رسول الله وأنا محمَّد بن عبد الله، ثمَّ قال لعليّ: امح رسول الله قال: والله لا أمحوك أبدًا فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكتاب فكتب هذا ما قاضى عليه محمَّد بن عبد الله، لا يدخل مكة سلاح إلا في القراب وأن لا يخرج من أهلها بأحدٍ إن أراد أن يتبعه وأن لا يمنع أحدًا من أصحابه أراد أن يقيم بها فلما دخل ومضى الأجل أتوا عليًّا فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فتبعتهم ابنة حمزة: يا عمّ يا عمّ فتناولها عليّ فأخذ بيدها وقال لفاطمة عليها السلام: دونك ابنة عمك احمليها، فاختصم فيها عليّ وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم، وقال لعليّ: أنت مني وأنا منك. وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخُلقي. وقال لزيد: أنت أخبرنا ومولانا). والحديث أخرجه مسلم في صحيحه (باب صلح الحديبية / ح ١٧٨٣).
١٩٦ - حدَّثنا محمَّد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمَّد بن ثور، عن معمَر، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عن المِسْور بن مخرمة. وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد، قال: حدَّثنا عبد الله بن المبارك، قال: حدَّثنا معمَر، عن الزّهريّ، عن عُرْوَة، عن المِسْور بن مَخْرمة ومرْوان بن الحكَم في قصة الحديبيَة: فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قضيّته قال لأصحابه: قوموا فانحرُوا، ثمَّ احلِقُوا. قال: هو الله ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاث مرّات؛ فلمّا لم يقمْ منهم أحد، قام فدخلَ على أمّ سلَمة، فذكر لها ما لقَي من الناس، فقالت له أمّ سلمة: يا نبيّ الله، أتحبّ ذلك! أخرج ثم لا تكلّم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بَدَنَتَك؛ وتدعوَ حالِقك فيحلقك؛ فقام فخرج فلم يكلّم أحدًا منهم كلمة حتى فعل ذلك؛ نحو بدَنته ودعا حالِقه فحلقه. فلمّا رأوْا ذلك قاموا فنحرُوا؛ وجعل بعضهم يحلِق بعضًا؛ حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غَمًّا ١ . (٢: ٦٣٧) .
- ١إسناده صحيح والحديث جزء من الحديث الطويل الذي أخرجه البخاري في صحيحه كما ذكرنا سابقًا (في كتاب الشروط من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ح / ٢٧٣١) وقد ذكرنا الحديث بطوله سابقًا والله أعلم. ولقد ذكر البخاري بعض شروط الصلح من حديث البراء (ح / ٢٧٠٠) ومسلم (ح / ١٧٨٣) ومن حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - عند البخاري كذلك (ح / ٢٧٠١). أما الإمام أحمد فقد ذكر جميع الشروط في رواية واحدة وذلك من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم. وانظر صحيح ابن حبَّان (ح ١٦٩٦) والمطالب العالية (٢٠٦٤، ٤٣٤٧) والله تعالى أعلم.
١٩٧ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: حلَق رجالٌ يوم الحديبية، وقصَّر آخرون؛ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: يرحم الله المحلِّقين، قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: يرحم الله المحلّقين، قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال: يرحم الله المحلّقِين، قالوا: يا رسولَ الله: والمقصِّرين؟ قال: والمقصِّرين؛ قالوا: يا رسولَ الله؛ فلِمَ ظاهرتَ الترحُّم للمحلّقين دون المقصِّرين؟ قال: لأنهم لم يشكُّوا ١ . (٢/ ٦٣٧) .
- ١إسناد الطبري إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية من طريق ابن إسحاق قال: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس وهذا إسناد حسن ولقد أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الحج / باب الحلق والتقصير). (عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اللهم اغفر للمحلقين. قالوا: وللمقصرين. قال: اللهم اغفر للمحلقين. قالوا: وللمقصرين. قالها ثلاثًا. قال: وللمقصرين). ورواه مسلم (كتاب الحج / باب تفضيل الحلق) وغيرهما.
١٩٨ - حدَّثنا ابن حُميد قال: حدَّثنا سلَمة، عن أبان بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: أهدى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عامَ الحديبيَة في هداياه جملًا لأبي جهل؛ في رأسه بُرَة من فِضّة، ليغيظ المشركين بذلك ١ . (٢: ٦٣٨) .
- ١إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن الإمام أحمد أخرجه من طريق ابن إسحاق مصرحًا بالتحديث عن عبد الله بن أبي نجيح فإسناده حسن (المسند ١/ ٢٣٤). والحديث أخرجه ابن هشام في السيرة وأبو داود في سننه (كتاب المناسك / باب في الهدي) من طريق ابن إسحاق كما عند الطبري والله تعالى أعلم.
١٩٩ - رجع الحديث إلى حديث الزهريّ الذي ذكرنا قبل ثمَّ رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة - زاد ابنُ حُميد عن سلمة في حديثه، عن ابن إسحاق عن الزهريّ، قال: يقول الزهريّ: فما فُتحَ في الإِسلام فتحٌ قبلَه كان أعظمَ منه؛ إنما كان القتال حيث التقى النَّاس - فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلُّهم بعضهم بعضًا فالتقوا؛ وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلَّم أحد بالإِسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، فلقد دخل في تينِك السنتين في الإِسلام مثلُ ما كان في الإِسلام قبل ذلك وأكثر ١ . (٢: ٦٣٨) .
- ١هكذا ذكر الطبري قول الزهري الإمام رحمه الله، وكذلك نسب ابن هشام هذا الكلام والتعليق النفيس إلى الإمام الزهري رحمه الله - ولقد أيد ابن هشام رحمه الله قول الزهري هذا فقال معقبًا: والدليل على قول الزهري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمئة في قول جابر بن عبد الله، ثمَّ خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف. أهـ. قلنا (المحققان): ولا غرابة في قول الزهري وتأييد ابن هشام له بل هكذا كان يعدّ الصحابة بعد ذلك يوم الحديبية فتحًا عظيمًا وبابًا واسعًا لانتصار الإِسلام. ولقد أخرج البخاري في صحيحه. (كتاب المغازي / باب غزوة الحديبية / ح ٤١٥٠) حديثًا عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما - قال: (تعدّون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحًا ونحن نعدّ الفتح: بيعة الرضوان يوم الحديبية). . . .. إلى آخر الحديث.
٢٠٠ - وقالوا جميعًا في حديثهم عن الزُّهْرِي، عن عُروة، عن المِسْور ومروان: فلما قدِم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، جاءه أبو بَصير؛ - رجل من قريش - قال ابن إسحاق في حديثه: أبو بصير عُتْبة بن أسَيد بن جارية - وهو مسلمٌ، وكان ممن حُبِس بمكة، فلمّا قدِم على رسول الله كتب فيه أزهر بن عبد عَوْف والأخنس بن شَرِيق بن عمرو بن وهب الثقفيّ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبعث رجلًا من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم. فقدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتاب الأزهر والأخنس، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا بصير؛ إنَّا قد أعْطينا هؤلاء القوم ما قد علمت؛ ولا يصلح لنا في ديننا الغَدْر، وإنّ الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرَجًا ومخرجًا. قال: فانطلق معهما حتى إذا كان بذي الحُلَيفة، جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه، فقال أبو بصير: أصارمٌ سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ قال: نعم، قال: انظر إليه؟ قال: إن شئت! فاستلّه أبو بَصير، ثمّ علاه به حتى قتله، وخرج المولى سريعًا حتى أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في المسجد، فلما رآه رسول الله طالعًا، قال: إنَّ هذا رجل قد رأى فَزَعًا، فلمّا انتهى إلى رسولِ الله قال: ويلك! مالك! قال: قتَل صاحبُكم صاحبي؛ هو الله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشِّحًا السيف، حتى وقف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسولَ الله، وفتْ ذمّتك، وأدِّيَ عنك، أسلمتني ورددتَني إليهم ثمَّ أنجاني الله منهم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ويلُ أمِّه مِسْعَرُ حَرْب! - وقال ابن إسحاق في حديثه: محَشّ حَرْب - لو كان معه رجالٌ! فلمّا سمع ذلك عرف أنَّه سيرُدّه إليهم. قال: فخرج أبو بصير حتى نزل بالعيص من ناحية ذي المَرْوة على ساحل البحر بطريق قريش الذي كانوا يأخذون إلى الشام. وبلغ المسلمين الذين كانوا احتُبسوا بمكة قولُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بصير: "ويل أمّه محشّ حرب لو كان معه رجال" ، فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص؛ وينفلت أبو جندل بن سُهَيل بن عمرو، فلحق بأبي بصير؛ فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلًا منهم؛ فكانوا قد ضيّقوا على قُرَيش؛ فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يناشدونه بالله وبالرّحم لَمَا أرسل إليهم! فمن أتاه فهو آمِن، فآواهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقدموا عليه المدينة.
زاد ابن إسحاق في حديثه: فلمَّا بلغ سهيلَ بن عمرو قتلُ أبي بصير صاحبَهم العامريّ أسند ظهرَه إلى الكعبة، وقال: لا أؤخّر ظهري عن الكعبة؛ حتى يُودُوا هذا الرجل؛ فقال أبو سفيان بن حرب: والله إنّ هذا لهو السَّفه! والله لا يُودَى! ثلاثًا ١ . (٢: ٦٣٨/ ٦٣٩) .
- ١لقد ذكرنا سابقًا أن البخاري أخرج حديث مروان ومسور - رضي الله عنهما - وفي آخر الحديث قصة أبي بصير. (صحيح البخاري / كتاب الشروط / ح ٢٧٣١) والله تعالى أعلم.
٢٠١ - وقال ابن عبد الأعلى ويعقوب في حديثهما: ثمَّ جاءه -يعني رسولَ الله- نسوةٌ مؤمناتٌ، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ - حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ . قال: فطلَّق عمر بن الخطّاب يومئذ امرأتين كانتا له في الشرْك. قال: فنهاهم أن يردّوهنّ، وأمرهم أن يردُّوا الصَّداق حينئذ. قال رجل للزهريّ: أمِنْ أجل الفُروج؟ قال: نعم؛ فتزوّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صَفْوان بن أميّة ١ . (٢: ٦٤٠) .
- ١هذا الجزء مكمل لحديث ابن عبد الأعلى ويعقوب السابق، وإسناد الحديث صحيح وكذلك أخرجه البخاري كما مرّ بنا في صحيحه من حديث طويل ذكرناه بطوله في قسم الصحيح فليراجع والله تعالى أعلم.
٢٠١ - زاد ابن إسحاق في حديثه: وهاجرتْ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمّ كلثوم بنت عُقْبة بن أبي مُعَيط في تلك المدّة؛ فخرج أخواها عُمارة والوليد ابنا عُقْبة؛ حتى قَدِما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألانِه أن يردّها عليهما بالعهد الذي كان بينه وبين قريش في الحديبية؛ فلم يفعل، أبَى الله عَزَّ وَجَلَّ ذلك ١ . (٢: ٦٤٠) .
- ١جزء من حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه فقد قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثني إسحاق أخبرنا يعقوب حدثني ابن أخي ابن شهاب عن عمه أخبرني عروة بن الزبير أنَّه سمع مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة يخبران خبرًا من خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عمرة الحديبية فكان فيما أخبرني عروة عنهما أنَّه لما كاتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهيل بن عمرو يوم الحديبية على قضية المدة وكان فيما اشترط سهيل بن عمرو أنَّه قال: لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه وأبي سهيل أن يقاضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا على ذلك فكره المؤمنون ذلك وأمعضوا فتكلموا فيه فلما أبي سهيل أن يقاضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا على ذلك كاتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فردَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا جندل بن سهيل يومئذ إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأتِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلمًا وجاءت المؤمنات مهاجرات فكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي عاتق فجاء أهلها يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرجعها إليهم حتى أنزل الله تعالى في المؤمنات ما أنزل. قال ابن شهاب: وأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمتحن من هاجر من المؤمنات بهذه الآية: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ}. = = وعن عمِّه قال: بلغنا حين أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم وبلغنا أن أبا بصير. . . فذكره بطوله. (صحيح البخاري / كتاب المغازي / باب ٣٥ / ح ٤١٨٠ - ٤١٨١) وانظر فتح الباري (ح / ٢٧١٢).
٢٠٢ - وقال أيضًا في حديثه: كان ممَّن طلَّق عمر بن الخطّاب؛ طلق امرأتَيه قُرَيبَة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوّجها بعده معاوية بن أبي سفيان؛ وهما على شِرْكهما بمكَّة، وأمّ كلثوم بنت عمرو بن جَرْوَل الخُزاعيّة أمّ عُبيد الله بن عمر؛ فتزوّجها أبو جَهْم بن حُذافة بن غانم، رجلٌ من قومها؛ وهما على شركهما بمكة ١ . (٢: ٦٤٠) .
- ١ذكرنا سابقًا حديث البخاري الطويل في غزوة الحديبية وفيه: (فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية). قال الحافط ابن كثير: وفي رواية عقيل عن الزهري وهو عند البخاري تعليقًا أنها قريبة بنت أبي أمية، تزوجها معاوية، والأخرى بنت جرول، تزوجها أبو الجهم، وهكذا قال ابنُ إسحاق (البداية والنهاية ٣/ ٣٩٢).
٢٠٣ - وأما الرواية الأخرى عن سلَمة بن الأكوع في هذه السريّة، أن أميرها كان أبا بكر بن أبي قحافة؛ حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرَنا أبو عامر، قال: حدَّثنا عِكْرمة بن عَمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: أمَّرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - علينا أبا بكر؛ فغزونا ناسًا من بني فَزارة، فلمَّا دنوْنا من الماء أمرَنا أبو بكر فعرّسنا؛ فلمَّا صلَّينا الصبح، أمرنا أبو بكر فشنَنَّا الغارة عليهم. قال: فوردنا الماء فقتلنا به من قتلنا. قال: فأبصرت عُنُقًا من الناس؛ وفيهم النّساء والذراريُّ قد كادوا يسبقون إلى الجبل، فطرحت سهمًا بينهم وبين الجبل، فلمَّا رأوا السَّهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر؛ وفيهم امرأة من بني فَزارة عليها قَشْعُ أدَم، معها ابنة لها من أحسن العرب. قال: فنفَّلني أبو بكر ابنتها، قال: فقدمت المدينة، فلقيني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالسوق، فقال: يا سلَمة، لله أبوك! هب لي المرأة! فقلت: يا رسولَ الله؛ والله لقد أعجبَتْني وما كشفت لها ثوبًا. قال: فسكت عني حتى إذا كان من الغد لقيَني في السّوق، فقال: يا سلَمة، لله أبوك! هبْ لي المرأة، فقلت: يا رسولَ الله؛ والله ما كشفت لها ثوبًا؛ وهي لك يا رسولَ الله. قال: فبعث بها رسول الله إلى مكَّة؛ ففادى بها أسارى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين. فهذه الرواية عن سلمة ١ . (٢: ٦٤٣/ ٦٤٤) .
- ١إسناده حسن صحيح والحديث أخرجه الإمام أحمد من طريق بهز عن عكرمة بن عمار به. وكذلك أخرجه مسلم في صحيحه والبيهقيُّ في الدلائل (٢/ ٢٩٠) والله أعلم. ولفظ مسلم: (غزونا فزارة وعلينا أبو بكر - رضي الله عنه - أمّره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة أمرنا أبو بكر فعرَّسنا، ثمَّ شن الغارة فورد الماء، فقتل من قتل عليه وسبى، وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل فلما رأوا السهم وقفوا فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم - قال: القشع النطع - معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر - رضي الله عنه - فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبًا فلقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السوق فقال: يا سلمة، هب لي المرأة، فقلت: يا رسول الله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبًا، ثمَّ لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغد في السوق فقال لي: يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك، فقلت: هي لك يا رسول الله. فوالله ما كشفت لها ثوبًا فبعث بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أسروا بمكة) (مختصر صحيح مسلم / ح ١١٤٥ / باب في التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى / كتاب السير).
٢٠٤ - قال محمَّد بن عمر: وفيها سريّة كُرز بن جابر الفهريّ إلى العُرنيِّين الذين قتلوا راعي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، واستاقوا الإبل في شوّال من سنة ستّ؛ وبعثه رسول الله في عشرين فارسًا ١ . (٢: ٦٦٤) .
- ١ذكر الطبري سرية كرز إلى العُرنيِّين عن الواقدي بلا إسناد دون التطرق إلى التفاصيل وقصة عكل وعرينة صحيح كما أخرجه البخاري قال: حدثني عبد الأعلى بن حماد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة أن أنسًا - رضي الله عنه - حدثهم أن ناسًا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكلموا بالإِسلام فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي - صلى الله عليه وسلم - واستاقوا الذود فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعث الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم. قال قتادة: بلغنا بعد ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة. قال أبو عبد الله وقال شعبة وأبان وحماد عن قتادة من عرينة: وقال يحيى بن أبي كثير وأيوب عن أبي قلابة عن أنس: قدم نفر من عكل أخرجه البخاري في (كتاب المغازي / باب قصة عكل وعرينة / ح ٤١٩٢) والحديث أخرجه مسلم (باب حكم المحاربين والمرتد ح / ٦٧١) وأحمد (١/ ١٠٧) وابن ماجه (ح ٢٥٧٨) وغيرهم.
٢٤٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابنِ إسحاق، قال: خرج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - معتمرًا في ذي القَعدة لا يريد حربًا، وقد استنفر العرب ومَنْ حوله من أهل البوادي من الأعراب أن يخرجوا معه، وهو يخشى من قُريش الذي صنعوا به أن يعرضوا له بحرْب، أو يصدّوه عن البيت، فأبطأ عليه كثيرٌ من الأعْرَاب، وخرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ومَنْ معه من المهاجرين والأنصار، ومَنْ لحِق به من العرب، وساق معه الهدْيَ، وأحرم بالعُمرة، ليأمن النَّاسُ من حربه، وليعلم النَّاس أنَّه إنَّما جاء زائرًا لهذا البيت، مُعظِّمًا له ١ . (٢: ٦٢٠) .
- ١ذكره ابن إسحاق بلاغًا.
٢٤٧ - قال الزهريّ: فخرجَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، حتَّى إذا كان بعُسْفان لقيَه بشْر بن سُفيان الكعبيّ، فقال له: يا رسولَ الله، هذه قريش قد سمعوا بمسِيرك، فخرجوا معهم العُوذ المَطَافِيلُ، وقد لبسوا جُلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى، يحلفون بالله لا تدخلُها عليهم أبدًا؛ وهذا خالد بن الوليد في خَيلهم، قد قدموها إلى كُرَاع الغَمِيم ١ . (٢: ٦٢١/ ٦٢٢) . قال أبو جعفر: وقد كان بعضُهم يقول: إن خالدَ بن الوليد كانَ يومئذ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مسلمًا.
- ١وكذلك ذكره ابن هشام عن الزهري بلاغًا.
ذكر من قال ذلك
٢٤٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا يعقوب القُمّيّ عن جعفر - يعني: ابن أبي المغيرة- عن ابن أبْزَى، قال: لمَّا خرج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالهَدي، وانتهى إلى ذي الحُلَيفةَ، قال له عمر: يا رسول الله، تدخل على قوم هم لك حربٌ بغير سِلاحِ ولا كُراع! قال: فبعثَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، فلم يَدَعْ فيها كُراعًا ولا سلاحًا إلَّا حَمَلَه، فلمَّا دنا من مكَّة منعوه أن يدخلَ، فسار حتى أتى مِنىً، فنزل بمنىً، فأتاه عينُه أن عِكْرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمئة، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لخالد بن الوليد: يا خالد، هذا ابنُ عَمّك، قد أتاك في الخيل، فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله -فيومئذ سُمِّي سيفَ الله-: يا رسولَ الله ارْمِ بي حيث شئت. فبعثه على خيل، فلقيَ عِكْرمة في الشِّعب، فهزمه حتى أدخله حِيطَان مكَّة، ثم عاد في الثانية، فهزمه حتى أدخله حيطان مكَّة، ثم عاد في الثَّالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قال: وكفَّ الله النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عنهم بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقُوا فيها من بعد أن أظفرَه عليهم كراهيَة أن تطأهم الخيل بغير علم ١ . (٢: ٦٢٢/ ٦٢٣) .
- ١إسناده ضعيف.
٢٤٩ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: يا ويح قريش! قدَ أكلتْهم الحرب، ماذا عليهم لو خلَّوْا بيني وبين سائر العرب؛ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهَرني الله عليهم دخلُوا في الإسلام وافرين؛ وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة. فما تظنّ قريش! فوالله لا أزالُ أجاهدهم على الَّذي بعثني الله به حتى يظهرَه الله أو تنفرد هذه السالفة ١ . (٢: ٦٢٣) .
- ١إسناده ضعيف.
٢٥٠ - فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم، أن رجلًا من أسْلم حدَّثه، أن الذي نزل في القَليب بسهْم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناجية بن جندب بن عُمَير بن يَعْمَر بن دارم، وهو سائق بُدْنِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: وقد زعم لي بعض أهل العلم أن البَرَاء بن عازب كان يقول: أنا الذي نزلت بسهْم رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: وأنشدتْ أسلمُ أبياتًا من شعر قالها ناجية، قد ظَنَنَّا أنه هو الذي نزل بسهْم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فزعمتْ أسلم أن جاريةً من الأنصار أقبلت بدلْوها، وناجيةُ في القَلِيبِ يَميح على الناس، فقالت: يا أيُّها المائحُ دَلْوي دُونَكا إِنِّي رأَيِتُ الناسَ يَحْمَدُونَكا يُثنون خيرًا ويُمَجِّدُونَكا وقال ناجية، وهو في القَلِيب يَمِيح الناس: قد علمتْ جارِيةٌ يَمانِيَهْ ... أنِّي أَنا المائحُ واسْمِي ناجِيَهْ وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهيَهْ ... طَعَنْتُها تحتَ صدورِ العادِيهْ ١
- ١إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف. ورواه ابن إسحاق هكذا عن بعض أهل العلم ولم يسمهم. فإسناده منقطع.
(٢: ٦٢٤/ ٦٢٥) .
٢٥١ - وحدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، في حديثه، قال: كان عروة بن مسعود لسُبيعة بنت عبد شمس ١ . (٢: ٦٢٦) .
- ١ضعيف.
٢٥٢ - وحدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أن الحُليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشرَ قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم؛ أنْ تصدُّوا عن بيت الله مَنْ جاءه معظِّمًا له، والذي نفس الحُلَيس بيده لتخَلُّنَّ بين محمَّد وبين ما جاء له، أو لأنْفِرَنَّ بالأحابيش نَفْرَةَ رجل واحد! قال: فقالوا له: مَهْ! كُفَّ عنَّا يا حُليس حتى نأخذَ لأنفسنا ما نرضى به ١ . (٢: ٦٢٨) .
- ١إسناده ضعيف وكذلك أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر (السيرة النبوية ٣/ ٣١٣).
٢٥٣ - فحدَّثني محمد بن عُمارة الأسديّ ومحمد بن منصور -واللفظ لابن عمارة- قالا: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرَنا موسى بن عبيدة عن إياس بن سَلَمة بن الأكْوع عن أبيه، قال: بعثتْ قريش سهيل بن عمرو وحُوَيطب بن عبد العُزَّى وحفص بن فلان، إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ليصالحوه، فلمَّا رآهم رسولُ الله فيهم سهيل بن عمرو، قال: سهَّل الله لكم من أمركم؛ القوم ماتُّون إليكم بأرحامكم، وسائلوكم الصّلْح؛ فابعثوا الهدي، وأظهروا التَّلْبِيَة؛ لعلّ ذلك يُلين قلوبهم. فلبَّوا من نواحي العسكر حتى ارتجَّت أصواتهم بالتلبية. قال: فجاؤوا فسألوه الصلح، قال: فبينما الناس قد توادَعُوا، وفي المسلمين ناس من المشركين، وفي المشركين ناس من المسلمين، قال: ففتك به أبو سفيان، قال: فإذا الوادي يسيل بالرجال والسلاح. قال إياس: قال سلمة: فجئت بستة من المشركين مُتَسلِّحين أسوقُهم، ما يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا؛ فأتيت بهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فلم يسلب ولم يقتُل، وعفا.
رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمارة ومحمد بن منصور، عن عبيد الله. قال سلمة: فشددنا على مَنْ في أيدي المشركين منا، فما تركنا في أيديهم منّا رجلًا إلا استنقذناه. قال: وغلبنا على من في أيدينا منهم.
ثم إنَّ قريشًا بعثوا سُهيلَ بن عمرو وحُوَيطبًا فولّوهم صلحَهم، وبعث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عليًّا - عليه السلام - في صُلْحه ١ . (٢: ٦٢٩/ ٦٣٠) .
- ١إسناده ضعيف.
٢٥٤ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: فحدَّثني عبدُ الله بن أبي بكر، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حين بلغه أن عثمان قد قُتل، قال: لا نبرح حتى نناجزَ القوم؛ ودعا النَّاس إلى البيعة فكانت بيعةُ الرّضوان تحت الشجرة ١ . (٢: ٦٣٢) .
- ١هذا إسناد ضعيف وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ١٣٥) من طريق ابن إسحاق بسند منقطع.
٢٥٥ - حدَّثني ابنُ عمارة الأسديّ، قال: حدَّثني عبيد الله بن موسى عن موسى بن عُبيدة، عن إياس بن سَلَمة، قال: قال سَلَمة بن الأكْوع: بينما نحن قافلون من الحديبية نادى منادِي النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: أيها الناس؛ البيعة البيعة! نزل رُوح القدس. قال: فسرْنا إلى رسول الله وهو تحت شجرة سَمُرَة، قال: فبايعناه، قال: وذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ١ . (٢: ٦٣٢) .
- ١ضعيف.
٢٥٦ - حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، قال: كان أول مَنْ بايع بيعة الرضوان رجلًا من بني أسد، يقال له: أبو سنان بن وهب ١ . (٢: ٦٣٢) .
- ١هذا إسناد مرسل وكذلك أخرج البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ١٣٧) نحوه عن الشعبي والله أعلم.
٢٥٧ - قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: وكان الذي حلقه -فيما بلغني ذلك اليوم- خراش بن أميّة بن الفضل الخُزاعيّ ١ . (٢: ٦٣٧) .
- ١ضعيف.
٢٥٨ - وقال الواقديّ: في هذه السنة -في شهر ربيع الآخر منها- بعث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عُكَّاشة بن مِحْصَن في أربعين رجلًا إلى الغَمْر؛ فيهم ثابت بن أقْرَم وشُجَاع بن وهب؛ فأغذّ السير، ونذِرَ القوم به فهربوا؛ فنزل على مياههم وبعث الطلائع؛ فأصابوا عينًا فدلّهم على بعض ماشيتهم؛ فوجدوا مئتي بعير، فحدَّرُوها إلى المدينة. قال: وفيها بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محمد بن مسلمة في عشرة نفر في ربيع الأول منها، فكمن القوم لهم حتى نام هو وأصحابه، فما شعروا إلَّا بالقوم فقتِل أصحاب محمد بن مسلمة وأفلَت محمد جريحًا. قال الواقدي: وفيها أسْرَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سرِيّةَ أبي عُبيدة بن الجَرَّاح إلى ذي القَصَّة في شهر ربيع الآخر في أربعين رجلًا، فساروا ليلتهم مُشاةً، ووافوْا ذا القَصَّة مع عَماية الصُّبح، فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هَرَبًا في الجبال، وأصابوا نعمًا ورِثَّة ورجلًا واحدًا، فأسلم، فتركه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: وفيها كانت سريّة زيد بن حارثة بالجَمُوم، فأصاب امرأة من مُزَينة؛ يقال لها: حليمة، فدَلَّتْهم على محلَّة من محالّ بني سُلَيم، فأصابوا بها نَعَمًا وشاء وأسَراء؛ وكان في أولئك الأسَراء زوْج حليمة، فلمَّا قفل بما أصاب وَهَب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمُزَنية زوجَها ونفسَها. قال: وفيها كانت سريّة زيد بن حارثة إلى العِيص في جُمادى الأولى منها.
وفيها أخذت الأموال التي كانت مع أبي العاص بن الربيع؛ فاستجار بزينب بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجارَتْه. قال: وفيها كانت سمريّة زيد بن حارثة إلى الطَّرَف، في جمادى الآخرة، إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلًا؛ فهربت الأعراب وخافوا أن يكون رسولُ الله سارَ إليهم، فأصاب من نَعَمهم عشرين بعيرًا. قال: وغاب أربع ليال. قال: وفيها سريَّة زيد بن حارثة إلى حِسْمَى في جمادى الآخرة. قال: وكان أوَّل ذلك فيما حدثني موسى بن محمّد عن أبيه، قال: أقبل دِحْيَةُ الكلبيّ من عند قيصر؛ وقد أجاز دِحْيَةَ بمال، وكساه كُسىً؛ فأقبل حتى كان بِحِسْمَى، فلقيَه ناسٌ من جُذام؛ فقطعوا عليه الطريق، فلم يحرك معه شيء؛ فجاء إلى رسول الله قبل أن يدخلَ بيته فأخبره، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيدَ بن حارثة إلى حِسمى. قال: وفيها تزوّج عمر بن الخطاب جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح؛ أخت عاصم بن ثابت، فولدت له عاصم بن عمر؛ فطلَّقها عمر فتزوّجها بعده يزيد بن جارية؛ فولدت له عبد الرحمن بن يزيد؛ فهو أخو عاصم لأمّه. قال: وفيها سريّة زيد بن حارثة إلى وادي القُرى في رجب. قال: وفيها سريّة عبد الرحمن بن عوف إلى دَوْمة الجَنْدل في شعبان؛ وقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أطاعوك فتزوّج ابنَة ملكهم؛ فأسلم القوم، فتزوّح عبد الرحمن تُماضر بنت الأصْبَغ، وهي أمّ أبي سَلمة، وكان أبوها رأسَهم وملكهم. قال: وفيها أجدب الناسُ جدبًا شديدًا، فاستسقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان بالناس. قال: وفيها سريّة علي بن أبي طالب - عليه السلام - إلى فَدَك في شعبان. قال: وحدَّثني عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن عُقْبة، قال: خرج عليُّ بن أبي طالب في مئة رجل إلى فدَك، إلى حيّ من بني سَعْد بن بكر؛ وذلك: أنَّه بلغ رسول الله أنّ لهم جمعًا يريدون أن يمدُّوا يهود خيبر؛ فسار إليهم الليل وكَمَن النَّهار؛ وأصاب عَينًا، فأقرّ لهم أنه بُعِث إلى خيبر يعرض عليهم نصرَهم على أن يجعلوا لهم ثمر خَيبر. قال: وفيها سريّة زيد بن حارثة إلى أمّ قِرْفة في شهر رمضان.
وفيها قتلت أمّ قِرْفة؛ وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، قتلها قتلًا عنيفًا؛ ربط برجليها حبْلًا ثم ربطها بين بعيرين حتى شقَّاها شقًّا؛ وكانت عجوزًا كبيرةً ١ .
- ١ذكر الطبري هذه الرواية دون أن يذكر إسناده إلى الواقدي والواقدي متروك. وذكر ابن سعد هذه السرايا دون إسناد وكذلك أورد الحافظ البيهقي هذه السرايا من طريق الواقدي (الدلائل ٤/ ٨٢). وقال الحافظ ابن كثير: فصل في ذكر السرايا والبعوث التي كانت في سنة ست من الهجرة، وتلخيص ذلك مما أورده الحافظ البيهقي عن الواقدي قال: .. ثم ذكر هذه البعوث والسرايا على نحو ما عند الطبري (البداية والنهاية ٣/ ٣٩٥).
٢٥٩ - وكان من قصَّتها ما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة إلى وادي القُرى؛ فلقيَ به بني فزارة؛ فأصيب به أناسٌ من أصحابه، وارْتُثَّ زيد من بين القتلى، وأصيب فيها ورد بن عمرو أحد بني سعد بني هُذَيم، أصابه أحد بني بدْر؛ فلمَّا قدم زيد نَذَر ألَّا يمسّ رأسه غسلٌ من جنابة حتى يغْزُو فَزارة؛ فلمَّا استبلّ من جراحه، بعثه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في جيش إلى بني فَزارة، فلقيَهم بوادي القُرى، فأصاب فيهم؛ وقتل قيس بن المسحَّر اليعْمُريّ مَسْعَدَة بن حكمة بن مالك بن بدر، وأسر أمَّ قرفة -وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وكانت عند مالك بن حُذيفة بن بدر، عجوزًا كبيرة- وبنتًا لها، وعبد الله بن مسعدة. فأمر زيد بن حارثة أن يقتل أم قِرْفة؛ فقتلها قتلًا عنيفًا، ربط برجليها حبلين ثم رَبطهما إلى بعيرين حتى شقَّاها. ثم قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بابنة أم قِرْفة وبعبد الله بن مسعدة؛ وكانت ابنة أم قرفة لسلمة بن عمرو بن الأكوع؛ كان هو الذي أصابها، وكانت في بيت شرف من قومها، كانت العرب تقول: لو كنت أعزّ من أم قرفة ما زدتَ. فسألها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلَمة، فوهبها له، فأهداها لخاله حَزْن بن أبي وهْب؛ فولدت له عبد الرحمن بن حَزْن ١ . (٢: ٦٤٣) .
- ١إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف، وإسناد ابن إسحاق منقطع.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،