السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

غزوة خيبر

التاريخالسابعة عند الجمهور، والسادسة عند مالك وابن حزم
عمره ﷺ٥٨
الموضعخيبر

السابعة عند الجمهور، والسادسة عند مالك وابن حزم، وعمره ﷺ ٥٨

تقرأ في محمد بن يوسف الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ، ٥١٥ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ
عناوينه هنا (٥٢)
  1. الباب الرابع والعشرون في غزوة خيبر
  2. ذكر دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أشرف على خيبر
  3. ذكر وصول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر
  4. ذكر ابتدائه - صلى الله عليه وسلم - بأهل النطاة
  5. ذكر أخذ الحمى المسلمين ورفعها عنهم ببركته - صلى الله عليه وسلم -
  6. ذكر فتحه - صلى الله عليه وسلم - حصن الصعب بن معاذ بن النطاة وما وقع في ذلك من الآيات
  7. ذكر محاصرته - صلى الله عليه وسلم - حصن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - الذي صار في سهمه بعد
  8. ذكر انتقاله - صلى الله عليه وسلم - إلى محاصرة حصون الشق وفتحها
  9. ذكر انتقاله - صلى الله عليه وسلم - إلى حصون الكتيبة وبعثه السرايا لوجع رأسه وما وقع في ذلك من الآيات
  10. ذكر قتل علي - رضي الله عنه - الحارث وأخاه مرحبا، وعامرا وياسرا فرسان يهود وسبعانها
  11. ذكر من زعم من أهل المغازي وغيرهم أن محمد بن مسلمة - رضي الله عنه - هو الذي قتل مرحبا
  12. ذكر قلع علي - رضي الله عنه - باب خيبر
  13. ذكر إسلام العبد الأسود وما وقع في ذلك من الآيات
  14. ذكر نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن أكل لحوم الحمر الإنسية وغيرها مما يذكر
  15. ذكر فتحه - صلى الله عليه وسلم - الوطيح والسلالم وكانا آخر حصون خيبر فتحا
  16. ذكر سؤال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حلي حيي بن أخطب وماله اللذين حملهما لما أجلي عن المدينة، وما وقع في ذلك من الآيات
  17. ذكر إرادته - صلى الله عليه وسلم - إجلاء يهود خيبر عنها كما وقع شرطهم، ثم إقراره إياهم يعملون فيها ما أقرهم الله وإخراج عمر ابن الخطاب لهم لما نكثوا العهد
  18. ذكر قصة الشاة المسمومة وما وقع في ذلك من الآيات
  19. ذكر قدوم أبي هريرة وطائفة من أوس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بخيبر
  20. ذكر قدوم عيينة بن حصن وبني فزارة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر بعد فتحها وما وقع في ذلك من الآيات
  21. ذكر مصالحة أهل فدك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
  22. ذكر المراهنة التي كانت بين قريش في أن أهل خيبر يغلبون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
  23. ذكر استئذان الحجاج بن علاط - رضي الله عنه - من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح خيبر أن يذهب إلى مكة لأخذ ماله قبل وصول الخبر إليها
  24. ذكر مغانم خيبر ومقاسمها على طريق الاختصار
  25. ذكر إهداء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النساء والعبيد من المغانم
  26. ذكر من استشهد بخيبر من المسلمين
  27. ذكر انصراف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن خيبر وتوجهه إلى وادي القرى
  28. ذكر نومهم عن الصلاة حين انصرفوا من خيبر وما ظهر في ذلك الطريق من الآيات
  29. ذكر رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة مؤيدا منصورا
  30. ذكر رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الأنصار ما منحوه للمهاجرين
  31. ذكر بعض ما قيل من الشعر في غزوة خيبر
  32. تنبيهات
  33. شرح غريب ذكر إرادة غطفان مساعدة يهود، ودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم - لما أشرف على خيبر
  34. شرح غريب ذكر دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما اشرف على خيبر
  35. شرح غريب ذكر ابتداء القتال وأخذ الحمى المسلمين
  36. شرح غريب ذكر فتحه - صلى الله عليه وسلم - حصن الصعب
  37. شرح غريب ذكر محاصرته - صلى الله عليه وسلم - حصن الزبير بن العوام وحصون الشق
  38. شرح غريب انتقاله - صلى الله عليه وسلم - إلى حصون الكتيبة
  39. شرح غريب ذكر قتل علي رضي الله عنه - الحارث وأخاه مرحبا وعامرا وياسرا إلخ
  40. شرح غريب ذكر إسلام العبد الأسود ونهيه - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الإنسية
  41. شرح غريب فتحه - صلى الله عليه وسلم - الوطيح والسلالم
  42. شرح غريب ذكر إرادته - صلى الله عليه وسلم - إجلاء يهود
  43. شرح غريب قصة الشاة المسمومة
  44. شرح غريب ذكر قدوم عيينة بن حصن وبني فزارة ومصالحة أهل فدك
  45. شرح غريب ذكر المراهنة وخبر الحجاج بن علاط - رضي الله تعالى عنه -
  46. شرح غريب ذكر غنائم خيبر ومقاسمها
  47. شرح غريب من استشهد بخيبر
  48. شرح غريب ذكر انصراف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومصالحة أهل تيماء
  49. شرح غريب نومهم عن الصلاة ورجوعه - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة
  50. شرح غريب ذكر رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الأنصار ما منحوه للمهاجرين، وغريب شعر كعب بن مالك - رضي الله عنه
  51. شرح غريب أبيات ابن القيم - رضي الله تعالى عنه
  52. الرابع: في سروره - رضي الله تعالى عنه - بفتح خيبر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلامته وشدة حزنه حين بلغه خلاف ذلك.

الباب الرابع والعشرون في غزوة خيبر

٦/١١٥٦/١١٥

قال ابن عقبة، وابن إسحاق: ولمّا قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- المدينة من الحديبية- زاد ابن إسحاق في ذي الحجة- مكث بها عشرين ليلة أو قريبا منها، ثم خرج غاديا إلى خيبر- زاد ابن إسحاق في المحرم- وكان الله- عز وجل- وعده إيّاها وهو بالحديبية، فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله- تعالى- فيها خيبر: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ [الفتح ٢٠] - خيبر. قال محمد بن عمر: أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أصحابه بالخروج فجدّوا في ذلك، واستنفر من حوله ممّن شهد الحديبية يغزون معه، وجاءه المخلّفون عنه في غزوة الحديبية ليخرجوا معه رجاء الغنيمة، فقال: «لا تخرجوا معي إلّا راغبين في الجهاد، فأمّا الغنيمة فلا» . قال أنس- رضي الله عنه-: وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأبي طلحة- رضي الله عنه- حين أراد الخروج إلى خيبر: «التمسوا إليّ غلاما من غلمانكم يخدمني» فخرج أبو طلحة مردفي وأنا غلام، قد راهقت، فكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا نزل خدمته-، فسمعته كثيرا ما يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال» رواه سعيد بن منصور.

[ (١) ]

واستخلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على المدينة. قال ابن هشام: نميلة أي بضم النون، وفتح الميم، وسكون التحتية، ابن عبد الله الليثي. - كذا قال والصحيح سباع- بكسر السين بن عرفطة- بعين مهملة مضمومة فراء ساكنة ففاء مضمومة، فطاء مهملة كما رواه الإمام أحمد، والبخاري في التاريخ الصغير، وابن خزيمة، والطحاوي، والحاكم، والبيهقي عن أبي هريرة- رضي الله عنهم [ (٢) ] .

وأخرج معه أم المؤمنين أم سلمة- رضي الله عنها.

ولمّا تجهز رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والناس شق على يهود المدينة الّذين هم موادعو رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعرفوا أنّه إن دخل خيبر أهلك أهل خيبر، كما أهلك بني قينقاع، والنّضير وقريظة. ولم يبق أحد من يهود المدينة له على أحد من المسلمين حقّ إلا لزمه.

وروى محمد بن عمر عن شيوخه، وأحمد، والطبراني عن ابن أبي حدرد بمهملات وزن جعفر- بسند صحيح أنه كان لأبي الشّحم اليهودي خمسة دراهم، ولفظ الطبراني: أربعة دراهم في شعير أخذه لأهله فلزمه. فقال: أجّلني فإني أرجو أن أقدم عليك فأقضيك حقّك إن شاء الله، قد وعد الله- تعالى- نبيه أن يغنمه خيبر، فقال أبو الشّحم حسدا وبغيا: أتحسبون أنّ قتال خيابر مثل ما تلقون من الأعراب، فيها- والتّوراة- عشرة آلاف مقاتل، وترافعا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «أعطه حقّه» قال عبد الله: والذي بعثك بالحق ما أقدر عليها قال: أعطه حقه. قال وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إذا قال ثلاثا لم يراجع. قال عبد الله: فخرجت فبعت أحدا ثوبي بثلاثة دراهم، وطلبت بقية حقّه فدفعت إليه ولبست ثوبي الآخر. وأعطاني ابن أسلم بن حريش بفتح الحاء وكسر الراء وبالشين المعجمة ثوبا آخر [ (١) ] .

٦/١١٦٦/١١٦

ولفظ الطّبراني: فخرج به ابن أبي حدرد إلى السّوق وعلى رأسه عصابة وهو يأتزر بمئزر، فنزع العمامة عن رأسه فأتزر بها، ونزع البردة فقال: اشتر منّي هذه، فباعها منه بالدراهم فمرتّ عجوز فقالت: مالك يا صاحب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأخبرها، فقالت: هادونك هذا البرد، فطرحته عليه، فخرجت في ثوبين مع المسلمين، ونفلني الله- تعالى- من خيبر، وغنمت امرأة بينها وبين أبي الشحم قرابة، فبعتها منه.

وجاء أبو عبس- بموحدة- ابن جبر- بفتح الجيم وسكون الموحدة، فقال يا رسول الله ما عندي نفقة ولا زاد ولا ثوب أخرج فيه، فأعطاه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شقة سنبلانيّة: جنس من الغليظ شبيه بالكرباس. قال سلمة: خرجنا مع النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع ألا تسمعنا من هنيهاتك وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فاغفر فداء لك ما اتّقينا ... وألقين سكينة علينا وثبّت الأقدام إن لاقينا ... إنّا إذا صيح بنا أتينا وبالصّياح عوّلوا علينا فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من هذا السّائق؟ قالوا: عامر بن الأكوع قال: «يرحمه الله» وفي رواية «غفر لك ربك» . قال: وما استغفر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لإنسان يخصّه إلّا استشهد. فقال عمر- وهو على جمل: وجبت يا رسول الله: لولا أمتعتنا بعامر [ (٢) ] .

٦/١١٧٦/١١٧

روى الحارث بن أبي أسامة عن أبي أمامة، والبيهقي عن ثوبان- رضي الله عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال في غزوة خيبر: «من كان مضعّفا أو مصعّبا فليرجع» . وأمر بلالا فنادى بذلك، فرجع ناس، وفي القوم رجل على صعب، فمر من اللّيل على سواد فنفر به فصرعه فلما جاءوا به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «ما شأن صاحبكم؟» فأخبروه، فقال: «يا بلال، ما كنت أذّنت في الناس، من كان مضعّفا أو مصعّبا فليرجع» ؟ قال: نعم. فأبى أن يصلي عليه. زاد البيهقي، وأمر بلالا فنادى في الناس «الجنة لا تحل لعاص» ثلاثا [ (١) ] . قال محمد بن عمر: وبينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الطريق في ليلة مقمرة إذ أبصر رجلا يسير أمامه عليه شيء يبرق في القمر كأنه في شمس وعليه بيضة فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من هذا» ؟ فقيل: أبو عبس بن جبر فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «أدركوه قال: فأدركوني فحبسوني، فأخذني ما تقدم وما تأخر، فظننت أنّه قد أنزل في أمر من السماء، فجعلت أتذكّر ما فعلت حتى لحقني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «ما لك تقدّم النّاس لا تسير معهم» ؟ قلت: يا رسول الله: إنّ ناقتي نجيبة، قال: فأين الشّقيقة التي كسوتك» قلت يا رسول الله: بعتها بثمانية دراهم، فتزودت بدرهمين وتركت لأهلي درهمين، وابتعت هذه البردة بأربعة دراهم،. فتبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم قال: «أنت والله يا أبا عبس وأصحابك من الفقراء والذي نفسي بيده، لئن سلمتم وعشتم قليلا ليكثرنّ زادكم، وليكثرنّ ما تتركون لأهليكم ولتكثرنّ دراهمكم وعبيدكم وما ذلك لكم بخير» . قال أبو عبس: فكان والله كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. قال سويد بن النعمان- رضي الله عنه-: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لمّا وصل إلى الصّهباء- وهي أدنى خيبر- صلّى العصر، ثمّ دعا بالأزواد، فلم يؤت إلّا بالسويق، فأمر به فثرّي فأكل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأكلنا معه، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ثم صلى ولم يتوضأ.

رواه البخاري، [ (٢) ] والبيهقي.

زاد محمد بن عمر: ثم صلى بالناس العشاء، ثم دعا بالأدلاء فجاء حسيل بن خارجة وعبد الله بن نعيم الأشجعي فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لحسيل: يا حسيل: امض أمامنا حتى تأخذ بنا صدور الأودية حتى تأتي خيبر من بينها وبين الشام، فأحول بينهم وبين الشام وبين حلفائهم من غطفان» فقال حسيل: أنا أسلك بك، فانتهى به إلى موضع له طرق، فقال: يا رسول الله إن لها طرقا تؤتى منها كلها. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «سمّها لي» وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يحبّ الفأل الحسن والاسم الحسن، ويكره الطّيرة، والاسم القبيح، فقال: لها طريق يقال لها حزن، وطريق يقال لها: شاش، وطريق يقال لها حاطب، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «لا تسلكها» . قال: لم يبق إلا طريق واحد يقال له: مرحب، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم «أسلكها» .

ذكر دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أشرف على خيبر

٦/١١٨٦/١١٨

روى ابن إسحاق عن أبي مغيث بن عمرو- رضي الله عنه- وهو بغين معجمة، وثاء مثلثة عند ابن إسحاق، وبعين مهملة مفتوحة ففوقية مشدّدة فموحدة عند الأمير، ومحمد بن عمر عن شيوخه، قالوا: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لما أشرف على خيبر، قال لأصحابه: «قفوا» فوقفوا. فقال: اللهم رب السموات السّبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، وربّ الرّياح وما أذرين فإنا نسألك من خير هذه القرية وخير أهلها، ونعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها، أقدموا بسم الله» . وكان يقولها لكل قرية يريد دخولها. ورواه النسائي وابن حبان عن صهيب [ (١) ] .

ذكر وصول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر

قال محمد بن عمر: ثم سار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى انتهى إلي المنزلة، وهي سوق لخيبر، صارت في سهم زيد بن ثابت- رضي الله عنه- فعرّس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بها ساعة من الليل، وكانت يهود لا يظنّون قبل ذلك إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يغزوهم لمنعتهم وسلاحهم وعددهم، فلما أحسّوا بخروج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إليهم قاموا يخرجون كل يوم عشرة آلاف مقاتل صفوفا، ثم يقولون: محمّد يغزونا هيهات هيهات!! وكان ذلك شأنهم، فلما نزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بساحتهم لم يتحركوا تلك الليلة ولم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس، فأصبحوا وأفئدتهم تخفق وفتحوا حصونهم غادين معهم المساحي، والكرازين والمكاتل، فلمّا نظروا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ولّوا هاربين إلى حصونهم.

وروى الإمام الشافعي، وابن إسحاق، والشيخان من طرق عن أنس- رضي الله عنه- قال: سار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى خيبر، فانتهى إليها ليلا، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إذا طرق قوما بليل لم يغر عليهم حتى يصبح، فإذا سمع أذانا أمسك، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم حتى يصبح، فصلينا الصّبح عند خيبر بغلس، فلم نسمع أذانا، فلما أصبح ركب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وركب معه المسلمون وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله- صلّى الله عليه وسلم- فانحسر عن فخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فإني لأرى بياض فخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وإنّ قدمي لتمسّ قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وخرج أهل القرية إلى مزارعهم بمكاتلهم ومساحيهم، فلمّا رأوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قالوا: محمّد والخميس. فأدبروا هربا. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ورفع يديه: «الله أكبر، خربت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين»

٦/١١٩٦/١١٩

[ (١) ] .

وروى الترمذي وابن ماجة والبيهقي، بسند ضعيف عن أنس- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم خيبر على حمار مخطوم برسن من ليف، وتحته إكاف من ليف [ (٢) ] . قال ابن كثير: الذي ثبت في الصحيح، إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- جرى في زقاق خيبر حتى انحسر الإزار عن فخذه فالظاهر أنه كان يومئذ على فرس لا على حمار، قال: ولعلّ هذا الحديث- أن كان صحيحا- محمول على أنه ركبه في بعض الأيام، وهو محاصرها.

قال محمد بن عمر- رحمه الله- وجاء الحباب- بضم الحاء المهملة، وموحدتين ابن المنذر- رضي الله عنه- فقال: يا رسول الله إنك نزلت منزلك هذا، فإن كان من أمر أمرت به فلا نتكلم، وإن كان الرأي تكلّمنا. فقال- صلى الله عليه وسلم- «هو الرأي» فقال: يا رسول الله. دنوت من الحصون، ونزلت بين ظهري النخل، والنّزّ مع أنّ أهل النّطاة لي بهم معرفة، ليس قوم أبعد مدى سهم منهم، ولا أعدل رمية منهم، وهم مرتفعون علينا، ينالنا نبلهم، ولا نأمن من بياتهم، يدخلون في خمر النخل فتحوّل يا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى موضع بريء من النزّ ومن الوباء نجعل الحرة بيننا وبينهم حتى لا تنالنا نبالهم ونأمن من بياتهم ونرتفع من النزّ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «أشرت بالرّأي، ولكن نقاتلهم هذا اليوم»

[ (٣) ] .

ودعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- محمد بن مسلمة- رضي الله عنه- فقال: انظر لنا منزلا بعيدا من حصونهم بريئا من الوباء، نأمن فيه من بياتهم، فطاف محمد حتى أتى الرّجيع، ثم رجع إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله وجدت لك منزلا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «على بركة الله»

[ (٤) ] .

ذكر ابتدائه - صلى الله عليه وسلم - بأهل النطاة

صفّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصحابه ووعظهم وأنهاهم عن القتال حتى يأذن لهم، فعمد رجل من أشجع فحمل على يهودي وحمل عليه اليهودي فقتله، فقال الناس: استشهد فلان، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «أبعد ما نهيت عن القتال؟. قالوا: نعم. فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مناديا فنادى في الناس «لا تحل الجنة لعاص» .

٦/١٢٠٦/١٢٠

وروى الطبراني في الصغير عن جابر- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال يومئذ: «لا تتمنّوا لقاء العدوّ، واسألوا الله تعالى العافية، فإنكم لا تدرون ما تبتلون به منهم، فإذا لقيتموهم فقولوا: اللهمّ أنت ربّنا وربهم، ونواصينا ونواصيهم بيدك، وإنما تقتلهم أنت، ثمّ الزموا الأرض جلوسا، فإذا غشوكم فانهضوا، وكبّروا» ، وذكر الحديث [ (١) ] . قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد: وفرّق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الرايات، ولم تكن الرّايات إلّا يوم خيبر، وإنما كانت الألوية.

وكانت راية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سوداء من برد لعائشة- رضي الله عنها- تدعى العقاب، ولواؤه أبيض، دفعه إلى علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- ودفع راية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سعد بن عبادة، وكان شعارهم «يا منصور أمت» [ (٢) ] .

وأذن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في القتال، وحثّهم على الصّبر، وأوّل حصن حاصره حصن ناعم بالنّون، والعين المهملة، وقاتل- صلى الله عليه وسلّم- يومه ذلك أشدّ القتال، وقاتله أهل النّطاة أشد القتال، وترّس جماعة من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يومئذ، وعليه- كما قال محمد بن عمر- درعان وبيضة ومغفر، وهو على فرس يقال له الظّرب، وفي يده قناة وترس.

وتقدم في حديث أنس: أنه كان على حمار فيحتمل أنّه كان عليه في الطريق، ثم ركب الفرس حال القتال. والله أعلم. فقال الحباب: يا رسول الله لو تحولت؟ فقال: «إذا أمسينا- إن شاء الله- تحوّلنا» .

وجعلت نبل يهود تخالط العسكر وتجاوزه، والمسلمون يلتقطون نبلهم ثم يردّونها عليهم- فلما أمسى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تحوّل إلى الرّجيع وأمر النّاس فتحوّلوا، فكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يغدو بالمسلمين على راياتهم حتى فتح الله الحصن عليهم.

ذكر أخذ الحمى المسلمين ورفعها عنهم ببركته - صلى الله عليه وسلم -

وروى البيهقي عن طريق عاصم الأحول عن أبي عثمان الفهري وعن أبي قلابة وأبي نعيم، والبيهقي عن عبد الرحمن بن المرقع- رضي الله عنه- ومحمد بن عمر عن شيوخه - رحمهم الله تعالى- أن المسلمين لمّا قدموا خيبر أكلوا الثّمرة الخضراء وهي وبيئة وخيمة، فأكلوا من تلك الثمرة. فأهمدتهم الحمّى، فشكوا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فقال: «قرسوا الماء في الشّنان، فإذا كان بين الأذانين فاحدروا الماء عليكم حدرا، واذكروا اسم الله- تعالى» ففعلوا فكأنّما نشطوا من العقل [ (١) ] .

ذكر فتحه - صلى الله عليه وسلم - حصن الصعب بن معاذ بن النطاة وما وقع في ذلك من الآيات

٦/١٢١٦/١٢١

لم يكن بخيبر حصن أكثر طعاما وودكا وماشية ومتاعا منه، وكان فيه خمسمائة مقاتل، وكان الناس قد أقاموا أيّاما يقاتلون ليس عندهم طعام إلّا العلق.

وروى محمد بن عمر عن أبي اليسر كعب بن عمر- رضي الله عنه-: أنّهم حاصروا حصن الصّعب بن معاذ ثلاثة أيام، وكان حصنا منيعا، وأقبلت غنم لرجل من يهود ترتع وراء حصنهم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «من رجل يطعمنا من هذه الغنم» ؟ فقلت: أنا يا رسول الله فخرجت أسعى مثل الظّبي، وفي لفظ: مثل الظّليم، فلما نظر إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مولّيا قال: «اللهم متّعنا به» فأدركت الغنم - وقد دخل أوّلها الحصن- فأخذت شاتين من آخرها فاحتضنتهما تحت يدي، ثم أقبلت أعدو كأن ليس معي شيء، حتى انتهيت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأمر بهما فذبحتا، ثم قسّمهما، فما بقي أحد من العسكر الذين معه محاصرين الحصن إلّا أكل منهما، فقيل لأبي اليسر: كم كانوا؟ قال: كانوا عددا كثيرا.

وروى ابن إسحاق عن بعض من أسلم، ومحمد بن عمر- رحمه الله- عن معتّب- بكسر الفوقية المشددة- الأسلمى- رضي الله عنه- واللّفظ له، قال: أصابتنا معشر أسلم مجاعة حين قدمنا خيبر، وأقمنا عشرة أيام على حصن النّطاة لا نفتح شيئا فيه طعام، فأجمعت أسلم أن أرسلوا أسماء بن حارثة- بالحاء المهملة والثاء المثلثة، فقالوا ائت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقل له: إن أسلم يقرئونك السّلام، ويقولون: إنا قد جهدنا من الجوع والضعف، فقال بريدة بن الحصيب- بضم الحاء، وفتح الصاد المهملتين: والله إن رأيت كاليوم قط من بين العرب يصنعون هذا، فقال زيد بن حارثة أخو أسماء: والله إني لأرجو أن يكون هذا البعث إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مفتاح الخير فجاءه أسماء فقال: يا رسول الله إنّ أسلم تقرأ عليك السّلام، وتقول إنّا قد جهدنا من الجوع والضّعف، فادع الله لنا فدعا لهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم قال: «والله ما بيدي ما أقوّيهم به، قد علمت حالهم، وأنّهم ليست لهم قوة، ثم قال: «اللهم فافتح عليهم أعظم حصن فيها، أكثرها طعاما، وأكثرها ودكا» .

٦/١٢٢٦/١٢٢

ودفع اللّواء إلى الحباب بن المنذر- رضي الله عنه- وندب النّاس، فما رجعنا حتى فتح الله علينا حصن الصّعب بن معاذ.

قالت أم مطاع الأسلمية- رضي الله عنها- لقد رأيت أسلم حين شكوا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ما شكوا من شدّة الحال، فندب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الناس فنهضوا، فرأيت أسلم أوّل من انتهى إلى حصن الصّعب بن معاذ، فما غابت الشمس من ذلك اليوم حتى فتح الله- تعالى- وما بخيبر حصن أكثر طعاما وودكا منه، وكان عليه قتال شديد.

برز رجل من يهود يقال به يوشع، يدعو إلى البراز، فبرز له الحباب بن المنذر، فاختلفا ضربات فقتله الحباب، وبرز له آخر يقال له الزّيال، فبرز له عمارة بن عقبة الغفاريّ، فبادره الغفاري فضربه ضربة على هامته وهو يقول: خذها وأنا الغلام الغفاريّ، فقال الناس «بطل جهاده» ، فبلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ذلك فقال: ما بأس به يؤجر ويحمد» .

وروى محمد بن عمر عن محمد بن مسلمة- رضي الله عنه- قال: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رمى بسهم فما أخطأ رجلا منهم، وتبسّم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إليّ، وانفرجوا ودخلوا الحصن.

وروى محمد بن عمر عن جابر- رضي الله عنه- أنهم وجدوا في حصن الصّعب من الطّعام ما لم يكونوا يظنّون أنه هناك من الشّعير والتّمر والسّمن والعسل والزّيت والودك.

ونادى منادي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: كلوا واعلفوا ولا تحملوا، يقول: لا تخرجوا به إلى بلادكم.

ذكر محاصرته - صلى الله عليه وسلم - حصن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - الذي صار في سهمه بعد

روى البيهقي عن محمد بن عمر قال: لمّا تحولت يهود من حصن ناعم وحصن الصّعب بن معاذ إلى قلة الزّبير حاصرهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو حصن في رأس قلة، فأقام محاصرهم ثلاثة أيام، فجاء يهوديّ يدعى غزال فقال: يا أبا القاسم تؤمنني على أن أدلك على ما تستريح به من أهل النّطاة وتخرج إلى أهل الشّق، فإن أهل الشّق قد هلكوا رعبا منك؟ فأمّنه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أهله وماله، فقال اليهودي: إنك لو أقمت شهرا ما بالوا، لهم دبول تحت الأرض يخرجون بالليل فيشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت عنهم شربهم أصحروا لك، فسار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى دبولهم فقطعها، فلما قطع عليهم مشاربهم خرجوا وقاتلوا أشد قتال [ (١) ] .

٦/١٢٣٦/١٢٣

وقتل من المسلمين يومئذ نفر، وأصيب من اليهود في ذلك اليوم عشرة، وافتتحه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان هذا آخر حصون النّطاة.

فلما فرغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من النّطاة تحوّل إلى الشّق.

ذكر انتقاله - صلى الله عليه وسلم - إلى محاصرة حصون الشق وفتحها

روى البيهقي عن محمد بن عمر- رحمه الله- عن شيوخه- رحمهم الله- قالوا: لما تحوّل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى الشّق وبه حصون ذوات عدد، فكان أوّل حصن بدأ به حصن أبيّ، فقام رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- على قلعة يقال لها سموان فقاتل عليها أهل الحصن، قتالا شديدا، وخرج رجل من يهود يقال له غزول، فدعا إلى البراز، فبرز له الحباب بن المنذر، فاقتتلا فاختلفا ضربات، ثم حمل عليه الحباب، فقطع يده اليمنى من نصف الذراع، فوقع السيف من يد غزول، فبادر راجعا منهزما إلى الحصن، فتبعه الحباب، فقطع عرقوبه، فوقع فذفّف عليه، فخرج آخر، فصاح: من يبارز؟ فبرز له رجل من المسلمين من آل جحش، فقتل الجحشيّ، وقام مكانه يدعو إلى البراز، فبرز له أبو دجانة، وقد عصب رأسه بعصابته الحمراء، فوق المغفر، يختال في مشيته، فبدره أبو دجانة- رضي الله عنه- فضربه فقطع رجله ثم ذفّف عليه، وأخذ سلبه، درعه وسيفه، فجاء به إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فنفله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذلك، وأحجم اليهود عن البراز، فكبّر المسلمون، ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه، يقدمهم أبو دجانة، فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما، وهرب من كان فيه من المقاتلة، وتقحّموا الجدر كأنهم الظباء حتى صاروا إلى حصن النّزال بالشّق، وجعل يأتي من بقي من فلّ النّطاة إلى حصن النّزال، فغلّقوه، وامتنعوا فيه أشدّ الامتناع، وزحف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إليهم في أصحابه، فقاتلهم، فكانوا أشد أهل الشّق رميا للمسلمين بالنّبل والحجارة، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- معهم حتى أصابت النّبل ثياب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعلقت به، فأخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- النّبل فجمعها، ثم أخذ لهم كفا من حصى فحصب به حصنهم، فرجف الحصن بهم، ثم ساخ في الأرض، حتى جاء المسلمون فأخذوا أهله أخذا [ (٢) ] .

ذكر انتقاله - صلى الله عليه وسلم - إلى حصون الكتيبة وبعثه السرايا لوجع رأسه وما وقع في ذلك من الآيات

٦/١٢٤٦/١٢٤

لما فتح رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حصون النّطاة، والشّق انهزم من سلم منهم إلى حصون الكتيبة، وأعظم حصونها القموص، وكان حصنا منيعا.

ذكر موسى بن عقبة: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حاصره قريباً من عشرين ليلة، وكانت أرضا وخمة.

وروى الشيخان عن سهل بن سعد، والبخاريّ وابن أبي أسامة، وأبو نعيم عن سلمة بن الأكوع، وأبو نعيم، والبيهقي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه. وأبو نعيم عن ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الخدري، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد الله، وأبو ليلى، ومسلم، والبيهقي عن أبي هريرة، والإمام أحمد وأبو يعلى والبيهقي عن علي- رضي الله عنهم- قال بريدة- رضي الله عنه-: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- تأخذه الشّقيقة فيمكث اليوم واليومين لا يخرج، فلما نزل خيبر أخذته الشّقيقة فلم يخرج إلى الناس، فأرسل أبا بكر- رضي الله عنه- فأخذ راية رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ثم نهض فقاتل قتالاً شديداً، ثم رجع، ولم يكن فتح. وقد جهد، ثم أرسل عمر- رضي الله عنه- فأخذ راية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الأول، ثم رجع، ولم يكن فتح. وفي حديث عن علي عند البيهقي: إن الغلبة كانت لليهود في اليومين [ (١) ] . انتهى.

فأخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذلك فقال: «لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله عليه، ليس بفرار، يحب الله ورسوله، يأخذها عنوة» وفي لفظ «يفتح الله علي يديه» قال بريدة: فبتّنا طيّبة أنفسنا أن يفتح غدا، وبات النّاس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كلهم يرجو أن يعطاها، قال أبو هريرة قال عمر: فما أحببت الإمارة قطّ حتى كان يومئذ [ (٢) ] . قال بريدة: فما منّا رجل له من رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- منزلة إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرّجل، حتى تطاولت أنالها، ورفعت رأسي لمنزلة كانت لي منه، وليس منّة.

وفي حديث سلمة، وجابر: وكان عليّ تخلف عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لرمد شديد كان به لا يبصر، فلما سار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: لا، أنا أتخلف عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-!! فخرج فلحق برسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال بريدة: وجاء علي- رضي الله عنه- حتى أناخ قريبا، وهو رمد، قد عصب عينيه بشقّ برد قطري، قال بريدة: فما أصبح رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- صلّى الغداة، ثمّ دعا باللّواء، وقام قائما. قال ابن شهاب: فوعظ الناس، ثم قال: «أين على» ؟ قالوا: يشتكي عينيه، قال: «فأرسلوا إليه» قال سلمة: فجئت به أقوده، قالوا كلهم: فأتى به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «مالك؟» قال: رمدت حتى لا أبصر ما قدّامي. قال: «ادن مني» وفي حديث علي عند الحاكم: فوضع رأسي عند حجره، ثم بزق في ألية يده فدلك بها عيني، قالوا: فبرأ كأن لم يكن به وجع قط، فما وجعهما علي حتى مضى لسبيله، ودعا له وأعطاه الراية، قال سهل فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. فقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم. ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى- وحق رسوله. فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النّعم» وقال أبو هريرة: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لعلي: «اذهب فقاتلهم حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت» قال: علام أقاتل الناس؟ قال: «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» فخرجوا، فخرج بها والله يؤج يهرول هرولة. حتى ركزها تحت الحصن فاطّلع يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال: علي، فقال اليهودي غلبتهم والذي أنزل التوراة على موسى، فما رجع حتى فتح الله تعالى على يديه. قال أبو نعيم: فيه دلالة على أن فتح علي لحصنهم مقدم في كتبهم بتوجيه من الله وجهه إليهم، ويكون فتح الله- تعالى- على يديه.

ذكر قتل علي - رضي الله عنه - الحارث وأخاه مرحبا، وعامرا وياسرا فرسان يهود وسبعانها

٦/١٢٥٦/١٢٥

روى محمد بن عمر عن جابر- رضي الله عنه- قال: أول من خرج من حصون خيبر- مبارزا- الحارث أخو مرحب في عاديته فقتله علي- رضي الله عنه- ورجع أصحاب الحارث إلى الحصن، وبرز عامر، وكان رجلا جسيما طويلا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حين برز وطلع عامر «أترونه خمسة أذرع؟» وهو يدعو إلى البراز، فخرج إليه علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- فضربه ضربات، كل ذلك لا يصنع شيئاً، حتى ضرب ساقيه فبرك، ثم ذفّف عليه، وأخذ سلاحه. قال ابن إسحاق: ثم برز ياسر وهو يقول: قد علمت خيبر أنّي ياسر ... شاكي السّلاح بطل مغاور إذا اللّيوث أقبلت تبادر ... وأحجمت عن صولة المساور إنّ حسامي فيه موت حاضر قال محمد بن عمر: وكان من أشدّائهم، وكان معه حربة يحوس النّاس بها حوسا، فبرز له علي بن أبي طالب، فقال له الزبير بن العوام: أقسمت ألا خلّيت بيني وبينه، ففعل، فقالت صفيّة لمّا خرج إليه الزبير- رضي الله عنها-: يا رسول الله يقتل ابني؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «بل ابنك يقتله- إن شاء الله»

٦/١٢٦٦/١٢٦

قد علمت خيبر أنّي زبّار ... قرم لقرم غير نكس فرّار ابن حماة المجد، ابن الأخيار ... ياسر لا يغررك جمع الكفّار فجمعهم مثل السّراب الختّار ثمّ التقيا فقتله الزّبير، قال ابن إسحاق: وذكر أن عليا هو الذي قتل ياسرا. قال محمد بن عمر: وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- للزّبير لما قتل ياسرا فداك عم وخال ثم قال: «لكل نبي حواري وحواريّ الزبير ابن عمتي» .

حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم، والبيهقيّ أن مرحبا- وهو بفتح الميم، والحاء المهملة، وسكون الراء- بينهما- وبالموحدة- خرج وهو يخطر بسيفه، وفي حديث ابن بريدة عن أبيه: خرج مرحب وعليه مغفر معصفر يماني وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أنّي مرحب ... شاكي السّلاح بطل مجرّب إذا اللّيوث أقبلت تلهّب قال سلمة: فبرز له عامر وهو يقول: قد علمت خيبر أنّي عامر ... شاكي السّلاح بطل مغامر قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، فذهب عامر يسفل له، وكان سيفه فيه قصر، فرجع سيفه على نفسه، فقطع أكحله، وفي رواية عين ركبته، وكانت فيها نفسه، قال بريدة: فبرز مرحب وهو يقول: قد علمت خيبر أنّي مرحب ... شاكي السّلاح بطل مجرّب إذا اللّيوث أقبلت تلهّب ... وأحجمت عن صولة المغلّب فبرز له علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- وعليه جبّة أرجوان حمراء قد أخرج خملها، وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظرة أو فيهم بالصّاع كيل السّندره فضرب مرحبا ففلق رأسه، وكان الفتح.

٦/١٢٧٦/١٢٧

وفي حديث بريدة، فاختلفا ضربتين، فبدره علي- رضي الله عنه- بضربة فقد الحجر والمغفر ورأسه ووقع في الأحراش وسمع أهل العسكر صوت ضربته وقام النّاس مع عليّ حتى أخذ المدينة.

وروى الإمام أحمد عن علي- رضي الله عنه- قال: لما قتلت مرحبا، جئت برأسه إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم.

ذكر من زعم من أهل المغازي وغيرهم أن محمد بن مسلمة - رضي الله عنه - هو الذي قتل مرحبا

روى البيهقي عن عروة، وعن موسى بن عقبة، وعن الزّهريّ، وعن ابن إسحاق، وعن محمد بن عمر عن شيوخه، قالوا: واللفظ لابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل أخو بني حارثة عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنه- قال: خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر، وقد جمع سلاحه يقول من يبارز ويرتجز قد علمت خيبر أنّي مرحب ... شاكي السّلاح بطل مجرّب أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا اللّيوث أقبلت تحرّب إنّ حماي للحمى لا يقرب

قد علمت خيبر أنّي كعب ... مفرّج الغمّى جريء صلب إذا شبّت الحرب تلتها الحرب ... معي حسام كالعقيق عضب نطأكم حتّى يذلّ الصّعب ... نعطي الجزاء أو يفيء النّهب بكفّ ماض ليس فيه عتب قال ابن هشام: وأنشدني أبو زيد- رحمه الله: قد علمت خيبر أنّي كعب ... وأنّني متى تشبّ الحرب ماض على الهول جريء صلب ... معي حسام كالعقيق عضب بكفّ ماض ليس فيه عتب ... ندكّكم حتّى يذلّ الصّعب قال: ومرحب بن عميرة. قال جابر: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «من لهذا؟» قال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور الثائر، قتل أخي بالأمس، قال: «فقم إليه، اللهمّ أعنه عليه» قال: فلمّا دنا أحدهما من صاحبه، دخلت بينهما شجرة عمريّة من شجر العشر، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، فكلما لاذ منه بها اقتطع صاحبه ما دونه منها، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرّجل القائم، ما فيها فنن، ثمّ حمل مرحب علي محمد بن مسلمة فضربه، فاتّقاه بالدّرقة، فوقع سيفه فيها، فعضّت به فأمسكته، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله. والله أعلم. قلت: جزم جماعة من أصحاب المغازي: بأن محمد بن مسلمة هو الذي قتل مرحبا.

٦/١٢٨٦/١٢٨

ولكن ثبت في صحيح مسلم كما تقدم عن سلمة بن الأكوع أن عليا- رضي الله عنه- هو الذي قتل مرحبا.

وورد ذلك في حديث بريدة بن الحصيب، وأبي نافع مولى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وعلى تقدير صحة ما ذكره جابر، وجزم به جماعة، فما في صحيح مسلم مقدّم عليه من وجهين: أحدهما أنه أصحّ إسنادا، الثاني. أن جابرا لم يشهد خيبر كما ذكره ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وغيرهما، وقد شهدها سلمة وبريدة، وأبو رافع- رضي الله عنهم- وهم أعلم ممن لم يشهدها، وما قيل من إن محمد بن مسلمة ضرب ساقي مرحب فقطعهما ولم يجهز عليه، ومر به علي فأجهز عليه، يأباه حديث سلمة وأبي رافع، والله أعلم. وصحح أبو عمر- رحمه الله- أن عليا- رضي الله عنه- هو الذي قتل مرحبا، وقال ابن الأثير: إنه الصّحيح.

ذكر قلع علي - رضي الله عنه - باب خيبر

قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن حسن عن بعض أهله، عن أبي رافع مولى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- حين بعثه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود، فطرح ترّسه من يده فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل، حتى فتح الله- تعالى- عليه، ثمّ ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه.

وروى البيهقي من طريقين عن المطلب بن زياد، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي جعفر محمد بن علي- رضي الله عنه- عن آبائه، قال: حدثني جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما-: أن عليا- رضي الله عنه- حمل الباب يوم خيبر، حتى صعد عليه المسلمون فافتتحوها، وأنه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا- رجاله ثقات إلا ليث بن أبي سليم- وهو ضعيف [ (١) ] . قال البيهقي: وروي من وجه آخر ضعيف عن جابر قال: اجتمع عليه سبعون رجلا، وكان أجهدهم أن أعادوا الباب، قلت: رواه الحاكم.

ذكر إسلام العبد الأسود وما وقع في ذلك من الآيات

٦/١٢٩٦/١٢٩

روى البيهقي عن جابر بن عبد الله، والبيهقي عن أنس- رضي الله عنهم- والبيهقي عن عروة، وعن موسى بن عقبة: أنّ عبدا حبشيا لرجل من أهل خيبر كان يرعى غنما لهم، لما رآهم قد أخذوا السّلاح واستعدوا لقتال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سألهم: ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الرجل، الذي يزعم أنه نبي. فوقع في نفسه ذكر النبي- صلى الله عليه وسلم- فخرج بغنمه ليرعاها، فأخذه المسلمون، فجاءوا به لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- وفي لفظ ابن عقبة: أنه عمد بغنمه إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فكلمه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما شاء الله أن يكلّمه، فقال الرّجل: ماذا تقول، وماذا تدعو إليه؟ قال: «أدعوك إلى الإسلام وأن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإن لا تعبد إلا الله» . قال العبد: وماذا يكون لي إن شهدت بذلك، وآمنت بالله تعالى؟ قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «لك الجنّة إن آمنت على ذلك» فأسلم العبد، وقال: يا رسول الله إني رجل أسود اللون قبيح الوجه، منتن الرّيح، لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتّى أقتل، أدخل الجنة؟ قال: «نعم» . قال: يا رسول الله إنّ هذه الغنم عندي أمانة فكيف بها؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «أخرجها من العسكر، وارمها بالحصباء فإن الله- عز وجلّ- سيؤدي عنك أمانتك» ففعل، وأعجب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كلمته، فخرجت الغنم تشتد مجتمعة كأنّ سائقا يسوقها حتّى دخلت كلّ شاة إلى أهلها، فعرف اليهوديّ أنّ غلامه قد أسلم، ثم تقدّم العبد الأسود إلى الصفّ، فقاتل فأصابه سهم فقتله، ولم يصلّ لله- تعالى- سجدة قطّ، فاحتمله المسلمون إلى عسكرهم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «أدخلوه الفسطاط» ، وفي لفظ «الخباء» فأدخلوه خباء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتّى إذا فرغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دخل عليه، ثم خرج فقال «لقد حسن إسلام صاحبكم، لقد دخلت عليه، وإنّ عنده لزوجتين له من الحور العين»

[ (٢) ] .

وفي حديث أنس: فأتى عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهو مقتول، فقال: «لقد حسّن الله وجهك، وطيبّ ريحك، وكثر مالك، لقد رأيت زوجتيه من الحور العين ينزعان جبّته يدخلان فيما بين جلده وجبّته» .

٦/١٣٠٦/١٣٠

وعند ابن إسحاق «ينفضان التّراب عن وجهه، ويقولان: «ترّب الله وجه من ترّبك وقتل من قتلك» .

ذكر نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن أكل لحوم الحمر الإنسية وغيرها مما يذكر

روى الشيخان عن عبد الله بن أبي أوفى- رضي الله عنه- قال: أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الإنسية، فانتحرناها، فلما غلت القدور، ونادى منادي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أن أكفئوا القدور، ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا [ (١) ] .

وعن أنس- رضي الله عنه- قال: لما كان يوم خيبر، جاء فقال: يا رسول الله، فنيت الحمر، فأمر أبا طلحة فنادى «إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر» رواه عثمان بن سعيد الدّارميّ بسند صحيح. [ (٢) ]

وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم خيبر عن بيع الغنائم حتّى تقسم، وعن الحبالى أن توطأ حتى يضعن ما في بطونهنّ، قال: «لا تسق زرع غيرك» ، وعن لحوم الحمر الأهلية، وعن كل ذي ناب من السباع- رواه الدارقطني [ (٣) ] .

وعن أبي ثعلبة الخشني- رضي الله عنه- قال: غزوت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- خيبر، والناس جياع، فأصبنا بها حمرا إنسيّة فذبحناها، فأخبر النبي- صلّى الله عليه وسلم- فأمر عبد الرحمن بن عوف فنادى في الناس (أن لحوم الحمر لا تحل لمن يشهد إني رسول الله) رواه الإمام أحمد، والشيخان [ (٤) ] .

وعن سلمة- رضي الله عنه- قال: أتينا خيبر فحاصرناها حتى أصابتنا مخصمة شديدة: يعني الجوع الشديد، ثم إن الله- تعالى- فتحها علينا. فلمّا أمسى الناس مساء اليوم الّذي فتحت عليهم، أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «على أي لحم» ؟ قالوا: لحم حمر إنسيّة، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «أهرقوها، واكسروا الدّنان» فقال رجل: أو نهريقوها ونغسلها؟ قال «أو ذاك» رواه الشيخان، والبيهقي [ (٥) ] .

٦/١٣١٦/١٣١

وروى محمد بن عمر- رحمه الله- تعالى- عن شيوخه: أن عدة الحمر التي ذبحوها، كانت عشرين أو ثلاثين، كذا رواه على الشّك.

ذكر فتحه - صلى الله عليه وسلم - الوطيح والسلالم وكانا آخر حصون خيبر فتحا

قال ابن إسحاق: وتدنّى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالأموال يأخذها مالا مالا، ويفتحها حصنا حصنا، حتّى انتهوا إلى ذينك الحصنين، وجعلوا لا يطلعون من حصنهم حتى هم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن ينصب عليهم المنجنيق، لما رأى من تغليقهم، وأنه لا يبرز منهم أحد، فلما أيقنوا بالهلكة- وقد حصرهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أربعة عشر يوما- سألوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الصّلح، فأرسل كنانة بن أبي الحقيق إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رجلا من اليهود يقال له شماخ يقول (أنزل فأكلمك؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «نعم» فنزل كنانة بن أبي الحقيق، فصالح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة، وترك الذريّة لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلّون بين رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصّفراء والبيضاء والكراع والحلقة، وعلى البزّ إلّا ثوبا على ظهر إنسان، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا»

فصالحوه على ذلك، فأرسل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إلى الأموال فقبضها الأوّل فالأوّل، ووجد في ذينك الحصنين مائة درع وأربعمائة سيف، وألف رمح، وخمسمائة قوس عربيّة بجعابها [ (١) ] .

ذكر سؤال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حلي حيي بن أخطب وماله اللذين حملهما لما أجلي عن المدينة، وما وقع في ذلك من الآيات

قال محمد بن عمر: كان الحلي في أول الأمر في مسك حمل، فلما كثر، جعلوه في مسك ثور، ثم في مسك جمل، وكان ذلك الحلي يكون عند الأكابر من آل أبي الحقيق وكانوا يعيرونه العرب.

وروى ابن سعد والبيهقي عن ابن عمر، وابن سعد- بسند رجاله ثقات- عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى- وهو صدوق سيء الحفظ- عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لما ظهر على أهل خيبر صالحهم على أن يخرجوا بأنفسهم وأهليهم، وللنبي- صلى الله عليه وسلّم- الصفراء والبيضاء والحلقة والسّلاح، ويخرجهم، وشرطوا للنبي- صلى الله عليه وسلم- إن لا يكتموه شيئا، فإن فعلوا فلا ذمّة لهم [ (٢) ] . قال ابن عباس: فأتي بكنانة، والربيع، وكان كنانة زوج صفية، والربيع أخوه أو ابن عمه، فقال لهما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «أين آنيتكما التي كنتم تعيرونها أهل مكة؟» . وقال ابن عمر: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لعمّ حيي «ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟» فقال: وقال ابن عباس: قالا: «هربنا، فلم نزل تضعنا أرض وترفعنا أخرى، فذهب في نفقتنا كلّ شيء. وقال ابن عمر: أذهبته النّفقات والحروب، فقال «العهد قريب، والمال أكثر من ذلك» . وقال ابن عباس: فقال لهما رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «إنكما إن تكتماني شيئا فاطلعت عليه استحللت به دماء كما وذراريكما» . فقالا: نعم. وقال عروة ومحمد بن عمر فيما رواه البيهقي عنهما: فأخبر الله عز وجل رسوله- صلى الله عليه وسلّم- بموضع الكنز، فقال لكنانة «إنك لمغتر بأمر السماء» . قال ابن عباس: فدعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رجلا من الأنصار فقال: «اذهب إلى قراح كذا وكذا، ثم ائت النخل فانظر نخلة عن يمينك، أو عن يسارك مرفوعة فأتني بما فيها»

٦/١٣٢٦/١٣٢

فجاءه بالآنية والأموال، فقومت بعشرة آلاف دينار، فضرب أعناقهما، وسبي أهليهما بالنّكث الذي نكثاه. وقال ابن إسحاق: أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بكنانة بن الرّبيع، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه فجحد أن يكون يعلم مكانه، فأتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- برجل من يهود، قال ابن عقبة: اسمه ثعلبة وكان في عقله شيء، فقال لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كلّ غداة، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لكنانة: «أرأيت إن وجدناه عندك، أقتلك؟» قال: نعم، فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالخربة فحفرت، وأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي، فأبى أن يؤدّيه، فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الزبير بن العوام، فقال: «عذّبه حتى تستأصل ما عنده»

فكان الزبير- رضي الله عنه- يقدح بزنده في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة.

ذكر إرادته - صلى الله عليه وسلم - إجلاء يهود خيبر عنها كما وقع شرطهم، ثم إقراره إياهم يعملون فيها ما أقرهم الله وإخراج عمر ابن الخطاب لهم لما نكثوا العهد

روى البخاري والبيهقي عن ابن عمر، والبيهقي عن عروة وعن موسى بن عقبة: أن خيبر لما فتحها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سألت يهود رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يقرّهم فيها على نصف ما خرج منها من التّمر، وقالوا: دعنا يا محمد نكون في هذه الأرض. نصلحها، ونقوم عليها، ولم يكن لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون أن يقوموا عليها، فأعطاهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خيبر على أن لهم الشّطر من كلّ زرع ونخل وشيء ما بدا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وفي لفظ، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم «نقركم فيها على ذلك ما شئنا، وفي لفظ «ما أقركم الله»

٦/١٣٣٦/١٣٣

[ (١) ] .

وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كلّ عام فيخرصها عليهم، ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- شدة خرص ابن رواحة، وأرادوا أن يرشوا ابن رواحة، فقال: يا أعداء الله، تطعموني السّحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلى، ولأنتم أبغض إلي من عدّتكم من القردة والخنازير ولا يحملني بغضي إيّاكم وحبيّ إياه على أن لا أعدل عليكم فقالوا: بهذا قامت السّموات والأرض، فأقاموا بأرضهم على ذلك.

فلما كان زمان عمر، غشّوا المسلمين، وألقوا عبد الله بن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه، ويقال بل سحروه باللّيل وهو نائم على فراشه، فكوع حتى أصبح كأنه في وثاق، وجاء أصحابه، فأصلحوا من يديه، فقام عمر خطيبا في النّاس، فقال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عامل يهود خيبر على أموالها، وقال: نقركم ما أقركم الله، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، وهم تهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم. فمن كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها، فلما أجمع على ذلك، قال رئيسهم، وهو أحد بني الحقيق: لا تخرجنا ودعنا نكون فيها كما أقرّنا أبو القاسم وأبو بكر، فقال عمر لرئيسهم: أتراني سقط عنّي قول رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «كيف بك، إذا ارفضّت بك راحلتك تؤم الشّام يوما، ثم يوما؟»

وفي رواية: أظننت أنّي نسيت قول رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «كيف بك إذا خرجت من خيبر يعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة» فقال: تلك هزيلة من أبي القاسم، قال: كذبت، وأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة مالهم من التمر: مالا، وإبلا، وعروضا من أقتاب وحبال، وغير ذلك، وسيأتي في أبواب الوفاة النبوية قوله- صلى الله عليه وسلّم-: «أخرجوا اليهود من جزيرة العرب»

[ (٢) ] .

ذكر قصة الشاة المسمومة وما وقع في ذلك من الآيات

روى الشيخان عن أنس، والإمام أحمد، وابن سعد، وأبو نعيم عن ابن عباس، والدارمي، والبيهقي عن جابر، والبيهقي بسند صحيح- عن عبد الرحمن بن كعب ابن مالك، والطّبرانيّ عنه عن أبيه، والبزار والحاكم، وأبو نعيم عن أبي سعيد، والبيهقي عن أبي هريرة- رضي الله عنهم- والبيهقي عن ابن شهاب- رحمه الله تعالى-: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما افتتح خيبر، وقتل من قتل، واطمأن الناس، أهدت زينب ابنة الحارث امرأة سلام بن مشكم، وهي ابنة أخي مرحب- لصفيّة امرأته شاة مصليّة، وقد سألت: أيّ عضو الشّاة أحب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟

٦/١٣٤٦/١٣٤

فقيل لها الذراع، فأكثرت فيها من السّمّ، ثم سمّت سائر الشاة، فدخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور- بمهملات- فقدّمت إليه الشّاة المصليّة، فتناول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الكتف، وفي لفظ: الذّراع، وانتهس منها فلاكها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وتناول بشر ابن البراء عظما، فانتهس منه [ (١) ] .

قال ابن إسحاق، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلفظها، وقال ابن شهاب: فلما استرط رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لقمته استرط بشر بن البراء ما في فيه فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ارفعوا ما في أيديكم، فإنّ كتف هذه الشّاة تخبرني أني نعيت فيها. قال ابن شهاب: فقال بشر بن البراء: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمت أن أنغصك طعامك، فلمّا سغت ما في فيك لم أكن لأرغب بنفسي عن نفسك ورجوت ألا تكون استرطّتها، وفيها نعي. فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطّيلسان، وماطله وجعه حتى كان لا يتحول إلا أن حوّل. قال الزهري قال جابر: واحتجم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- على كاهله يومئذ، حجمه أبو هند مولى بني بياضة بالقرن والشفرة، وبقي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه. فقال: «ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشّاة يوم خيبر عوادا حتى كان هذا وانقطع أبهري»

فتوفي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- شهيدا بلفظ ابن شهاب.

وذكر محمد بن عمر: أنه ألقى من لحم تلك الشّاة لكلب فما تبعت يده رجله حتّى مات.

وقال الصحابة السابق ذكرهم- رضي الله عنهم- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أرسل إلى اليهودية، فقال: «أسممت هذه الشاة؟» فقالت: من أخبرك؟ قال: «أخبرتني هذه الّتي في يديّ وهي الذراع، قالت: نعم، قال: «ما حملك على ما صنعت؟» قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك. فقلت: إن كان ملكا استرحنا منه، وإن كان نبيا فسيخبر، فتجاوز- وفي لفظ- فعفا عنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومات بشر من أكلته الّتي أكل ولم يعاقبها.

٦/١٣٥٦/١٣٥

وذكر محمد بن عمر: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لها: «ما حملك على هذا؟» قالت: قتلت أبي وعمّي وزوجي وأخي- فأبوها الحارث وعمها يسار وأخوها رحب وزوجها سلام بن مشكم.

وعن أبي سلمة عن جابر- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما مات بشر بن البراء أمر باليهودية فقتلت. رواه أبو داود، ووقع عند البزار من حديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد سؤاله للمرأة اليهودية واعترافها- بسط يده إلى الشّاة وقال لأصحابه: «كلوا باسم الله» قال: فأكلنا وذكرنا اسم الله، فلم يضرّ أحد منا. قال الحافظ عماد الدين بن كثير: وفيه نكارة وغرابة شديدة. قلت: وذكر محمد بن عمر: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أمر بلحم الشّاة فأحرق.

ذكر قدوم أبي هريرة وطائفة من أوس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بخيبر

٦/١٣٦٦/١٣٦

روى الإمام أحمد، والبخاري في التاريخ، وفي مجمع الزوائد للهيثمي في أول خيبر عن خزيمة، والطحاويّ، والحاكم، والبيهقي عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قدمنا المدينة، ونحن ثمانون بيتا من أوس، فصلينا الصبح خلف سبّاع بن عرفطة الغفاريّ، فقرأ في الركعة الأولى بسورة: «مريم» ، وفي الآخرة «ويل للمطفّفين» فلمّا قرأ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين ٢] قلت: تركت عميّ بالسّراة له مكيلان، إذا اكتال اكتال بالأوفى، وإذا كال كال بالناقص، فلما فرغنا من صلاتنا، قال قائل: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بخيبر، وهو قادم عليكم، فقلت: لا أسمع به في مكان أبدا إلا جئته، فزوّدنا سبّاع بن عرفطة، وحملنا حتى جئنا خيبر فنجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد فتح النّطاة، وهو محاصر الكتيبة، فأقمنا حتى فتح الله علينا [ (١) ] .

٦/١٣٧٦/١٣٧

وفي رواية فقدمنا على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وقد فتح خيبر، وكلّم المسلمين فأشركنا في سهمانهم.

وروى البخاري، وأبو داود عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قدمت المدينة ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- بخيبر حين افتتحها، فسألته أن يسهم لي، قال: فتكلّم بعض ولد سعيد بن العاص فقال: لا تسهم له يا رسول الله، قال: فقلت: هذا والله هو قاتل ابن قوقل، فقال: وأظنه أبان بن سعيد بن العاص سميا عجبا لوبر تدلّى علينا من قدوم ضأن يعيرني بقتل امرئ مسلم أكرمه الله على يديّ. ولم يهنى على يديه [ (٢) ] .

وروى البخاري، وأبو داود عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أبانا على سريّة من المدينة، قبل نجد، قال أبو هريرة: فقدم أبان وأصحابه على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بخيبر بعد ما افتتحها، وإنّ حزم خيلهم لليف، فقال: يا رسول الله أرضخ لنا فقال أبو هريرة: يا رسول الله لا تقسم لهم، فقال أبان وأنت بهذا يا وبر تحدّر من رأس خال- وفي لفظ- فإن، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «يا أبان اجلس» فلم يقسم لهم [ (٣) ] .

ذكر قدوم عيينة بن حصن وبني فزارة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر بعد فتحها وما وقع في ذلك من الآيات

روى البيهقي عن موسى بن عقبة عن الزّهريّ- رحمهما الله- تعالى-: أنّ بني فزارة ممّن قدم على أهل خيبر ليعينوهم فراسلهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن لا يعينوهم وسألهم أن يخرجوا عنهم ولكم من خيبر كذا وكذا، فأبوا عليه، فلما إن فتح الله خيبر أتاه من كان هناك من بني فزارة، فقالوا: حظنا والذي وعدتنا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «حظكم- أو قال «لكم ذو الرّقيبة» جبل من جبال خيبر- فقالوا: إذا نقاتلك، فقال: «موعدكم جنفا» . فلما أن سمعوا ذلك من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خرجوا هاربين [ (٤) ] .

٦/١٣٨٦/١٣٨

وروى البيهقي عن محمد بن عمر عن شيوخه، قالوا: كان أبو شييم المزني- رضي الله عنه قد أسلم فحسن إسلامه يحدّث ويقول: لما نفرنا إلى أهلنا مع عيينة بن حصن فرجع بنا عيينة، فلما كان دون خيبر عرسنا من الليل، ففزعنا، فقال عيينة: أبشروا، إني رأيت الليلة في النوم أني أعطيت ذو الرّقيبة- جبلا بخيبر- قد والله أخذت برقبة محمد- صلى الله عليه وسلم- فلما أن قدمنا خيبر- قدم عيينة، فوجدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد فتح خيبر، فقال عيينة: يا محمد! أعطني مما غنمت من حلفائي، فإني قد خرجت عنك وعن قتالك، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «كذبت ولكن الصّياح الذي سمعت أنفرك إلى أهلك قال: أحذني يا محمد؟ قال: «لك ذو الرّقيبة» قال عيينة: وما ذو الرّقيبة؟ قال «الجبل الذي رأيت في منامك أنّك أخذته»

فانصرف عيينة، فلما رجع إلى أهله جاءه الحارث بن عوف، وقال: ألم أقل لك توضع في غير شيء، فالله، ليظهرنّ محمد على ما بين المشرق والمغرب، يهود كانوا يخبروننا بهذا أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن مشكم يقول: إنّا لنحسد محمدا على النّبوة، حيث خرجت من بني هارون، وهو نبيّ مرسل، ويهود لا تطاوعني على هذا، ولنا منه ذبحان واحد بيثرب وآخر بخيابر [ (١) ] .

ذكر مصالحة أهل فدك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

لما أقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى خيبر فدنا منها بعث محيّصة بن مسعود الحارثي إلى فدك يدعوهم إلى الإسلام ويخوفهم أن يغزوهم كما غزا أهل خيبر. ويحل بساحتهم، قال محيّصة فجئتهم فأقمت عندهم يومين، فجعلوا يتربّصون ويقولون بالنّطاة عامر وياسر والحارث، وسيد اليهود مرحب، ما نرى محمدا بقرب حراهم، إن بها عشرة آلاف مقاتل، قال محيّصة: فلما رأيت خبثهم أردت أن أرجع، فقالوا: نحن نرسل معك رجالا منّا يأخذون لنا الصّلح، ويظنّون أن يهود تمتنع، فلم يزالوا كذلك حتى جاءهم قتل أهل حصن ناعم، وأهل النجدة منهم، ففتّ ذلك أعضادهم، فقدم رجل من رؤسائهم يقال له نون بن يوشع في نفر من يهود، فصالحوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أن يحقن دماءهم ويجليهم، ويخلّوا بينه وبين الأموال، ففعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ويقال: عرضوا على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أن يخرجوا من بلادهم، ولا يكون للنبي- صلى الله عليه وسلم- عليهم من الأموال شيء، فإذا كان أوان جذاذها جاءوا فجذّوها، فأبى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يقبل ذلك، وقال لهم محيّصة: ما لكم منعة ولا حصون ولا رجال، ولو بعث إليكم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مائة رجل لساقوكم إليه، فوقع الصّلح بينهم بأن لهم نصف الأرضين بتربتها، ولرسول الله- صلى الله عليه وسلم- نصفها، فقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذلك، يقول محمد بن عمر: وهذا أثبت القولين، وأقرهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على ذلك، ولم يأتهم، فلمّا كان عمر بن الخطاب وأجلى يهود خيبر بعث إليهم من يقوّم أرضهم، فبعث أبا الهيثم مالك بن التّيّهان- بفتح الفوقية وكسر التحتية المشددة، وبالنون، وفروة بن عمرو بن جبّار- بتشديد الموحدة بن صخر، وزيد بن ثابت، فقوّموها لهم، النخل والأرض، فأخذها عمر، ودفع إليهم نصف قيمة النخل بتربتها، فبلغ ذلك خمسين ألف درهم أو يزيد، وكان ذلك المال جاء من العراق، وأجلاهم إلى الشام.

ذكر المراهنة التي كانت بين قريش في أن أهل خيبر يغلبون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

٦/١٣٩٦/١٣٩

روى البيهقي عن عروة، وعن موسى بن عقبة، وعن محمد بن عمر عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم- رحمهم الله تعالى- قالوا-: واللفظ لمحمد بن عمر-: كان حويطب- بضم الحاء المهملة، وسكون التحتية، وكسر الطاء المهملة- ابن عبد العزى- رضي الله عنه- يقول: انصرفت من صلح الحديبية، وأنا مستيقن أن محمدا- صلى الله عليه وسلم- سيظهر على الخلق، وتأبى حميّة الشيطان إلّا لزوم ديني، فقدم علينا عبّاس- بالموحدة المشددة- ابن مرداس- بكسر الميم- السلمي يخبرنا أن محمدا- صلى الله عليه وسلم- قد سار إلى خيابر، وأن خيابر قد جمعت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فمحمّد لا يفلت إلى أن قال عباس بن مرداس: من شاء بايعته إن محمدا لا يفلت قلت: أنا أخاطرك، فقال صفوان بن أمية: أنا معك يا عباس، وقال نوفل بن معاوية الدّيلمي أنا معك يا عبّاس، وضوى إليّ نفر من قريس فتخاطرنا مائة بعير أخماسا إلى مائة بعير، أقول أنا وحزبي: يظهر محمد- صلى الله عليه وسلّم- ويقول عباس وحزبه: تظهر غطفان، وجاء الخبر بظهور رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأخذ حويطب وحزبه الرّهن.

ذكر استئذان الحجاج بن علاط - رضي الله عنه - من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح خيبر أن يذهب إلى مكة لأخذ ماله قبل وصول الخبر إليها

روى الإمام أحمد عن أنس- رضي الله عنه- والبيهقي عن ابن إسحاق، ومحمد ابن عمر عن شيوخه، قالوا: كان الحجاج بن علاط بكسر العين المهملة، وتخفيف اللّام، السلمي بضم السين، خرج يغير في بعض غاراته، فذكر له إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بخيبر، فأسلم، وحضر مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وكانت أمّ شيبة ابنة عمير بن هاشم- أخت مصعب بن عمير العبدريّ- امرأته، وكان الحجّاج مكثرا، له مال كثير، وله معادن الذهب التي بأرض بني سليم- بضم السين، فقال: يا رسول الله، ائذن لي، فأذهب فآخذ مالي عند امرأتي، فإن علمت بإسلامي لم أخذ منه شيئا، ومال لي متفرق في تجّار أهل مكة، فأذن له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، أنه لا بد لي من أن أقول، قال «قل» قال الحجاج: فخرجت فلما انتهيت إلى الحرم، هبطت فوجدتهم بالثنية البيضاء، وإذا بها رجال من قريش يتسمّعون الأخبار قد بلغهم إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قد سار إلى خيبر، وعرفوا أنها قرية الحجاز أنفة ومنعة وريفا ورجالا وسلاحا، فهم يتحسّبون الأخبار، مع ما كان بينهم من الرّهان، فلمّا رأوني قالوا: الحجاج بن علاط عنده- والله- الخبر- ولم يكونوا علموا بإسلامي- يا حجاج، إنّه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر بلد يهود، وريف الحجاز، فقلت: بلغني أنه قد سار إليها وعندي من الخبر ما يسرّكم فالتبطوا بجانبي راحلتي، يقولون: إيه يا حجاج؟ ! فقلت: لم يلق محمد وأصحابه قوما يحسنون القتال غير أهل خيابر، كانوا قد ساروا في العرب يجمعون له الجموع، وجمعوا له عشرة آلاف فهزم هزيمة لم يسمع بمثلها قط، وأسر محمّد أسرا، فقالوا: لا نقتله حتّى نبعث به إلى مكة فنقتله بين أظهرهم بمن قتل منّا ومنهم، ولهذا فإنهم يرجعون إليكم يطلبون الأمان في عشائرهم، ويرجعون إلى ما كانوا عليه، فلا تقبلوا منهم، وقد صنعوا بكم ما صنعوا، قال: فصاحوا بمكة، وقالوا: قد جاءكم الخبر، هذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم، وقلت: أعينوني على جمع مالي على غرمائي فإني أريد أن أقدم فأصيب من غنائم محمد وأصحابه، قبل أن تسبقني التّجار إلى ما هناك، فقاموا فجمعوا إليّ مالي كأحثّ جمع سمعت به، وجئت صاحبتي فقلت لها: مالي، لعلّي ألحق بخيبر فأصيب من البيع قبل أن يسبقني التّجار.

٦/١٤٠٦/١٤٠

وفشا ذلك بمكة، وأظهر المشركون الفرح والسرور، وانكسر من كان بمكة من المسلمون، وسمع بذلك العباس بن عبد المطلب، فقعد وجعل لا يستطيع أن يقوم فأشفق أن يدخل داره فيؤذى وعلم أنه يؤذى عند ذلك فأمر بباب داره أن يفتح وهو مستلق فدعا بقثم، فجعل يرتجز ويرفع صوته لئلا يشمت به الأعداء، وحضر باب العباس بين مغيظ ومحزون، وبين شامت، وبين مسلم ومسلمة مقهورين بظهور الكفر، والبغي، فلمّا رأى المسلمون العباس طيّبة نفسه، طابت أنفسهم، واشتدت منتهم [ (١) ] ، فدعا غلاما له يقال له أبو زبيبة، بلفظ واحدة زبيب العنب، ولم أجد له ذكرا في الإصابة، فقال: اذهب إلى الحجاج فقل له: يقول لك العباس: الله أعلى وأجلّ من أن يكون الذي جئت به حقا، فقال له الحجاج: اقرأ على أبي الفضل السلام، وقل له: ليخل لي في بعض بيوته، لآتيه بالخبر على ما يسره، واكتم عنّي، وأقبل أبو زبيبة يبشر العباس، فقال: أبشر يا أبا الفضل، فوثب العباس فرحا كأن لم يمسّه شيء، ودخل عليه أبو زبيبة، واعتنقه العباس، وأعتقه، وأخبره بالذي قاله. فقال العباس: لله عليّ عتق عشر رقاب، فلما كان ظهرا، جاءه الحجاج، فناشده الله: لتكتمنّ على ثلاثة أيام، ويقال: يوما وليلة، فوافقه العباس على ذلك، فقال: إني قد أسلمت، ولي مال عند امرأتي، ودين على الناس، ولو علموا بإسلامي لم يدفعوه إليّ وتركت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد فتح خيبر، وجرت سهام الله- تعالى- ورسوله- صلّى الله عليه وسلم- فيها وانتشل ما فيها، وتركته عروسا بابنة مليكهم حيي بن اخطب، وقتل ابن أبي الحقيق فلما أمسى الحجاج من يومه خرج وطالت على العباس تلك الليالي، ويقال: إنما انتظره العباس يوما وليلة، فلما كان بعد ثلاث، والناس يموجون في شأن ما تبايعوا عليه، عمد العباس إلى حلّة فلبسها، وتخلّق بخلوق، وأخذ بيده قضيبا، ثم أقبل يخطر، حتى وقف على باب الحجاج بن علاط فقرعه، فقالت زوجته: ألا تدخل يا أبا الفضل؟ قال: فأين زوجك؟ قالت: ذهب يوم كذا وكذا، وقالت: لا يحزنك الله يا أبا الفضل، لقد شق علينا الذي بلغك، قال: أجل، لا يحزنني الله، لم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله على رسوله خيبر، وجرت فيها سهام الله ورسوله، واصطفى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صفية لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به، قالت: أظنك والله صادقا.

٦/١٤١٦/١٤١

ثم ذهب حتى أتى مجلس قريش وهم يقولون إذا مر بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل!! هذا والله التجلد لحرّ المصيبة، قال: كلّا والله الّذي حلفتم به، لم يصبني إلا خير بحمد الله، أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر فتحها الله على رسوله، وجرى فيها سهام الله وسهام رسوله، فرد الله- تعالى- الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون من كان دخل في بيته مكتئبا حتى أتوا العباس فأخبرهم الخبر، فسر المسلمون.

وقال المشركون [يا لعباد الله] انفلت عدوّ الله، - يعني الحجاج أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن، ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك.

ذكر مغانم خيبر ومقاسمها على طريق الاختصار

عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عام خيبر، فلم يغنم ذهبا ولا فضة إلا الإبل والبقر والمتاع والحوائط. وفي رواية ألا الأموال والثياب والمتاع. رواه مالك والشيخان، وأبو داود، والنسائي [ (١) ] . وقال ابن إسحاق: وكانت المقاسم على أموال خيبر على الشّق ونطاة والكتيبة، وكانت الشّق، ونطاة في سهمان المسلمين، وكانت الكتيبة خمس الله، وسهم النبي- صلى الله عليه وسلّم- وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين، وطعم أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم- وطعم رجال مشوا بين رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وبين أهل فدك بالصّلح، منهم محيّصة بن مسعود، أعطاه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منها ثلاثين وسقا من شعير، وثلاثين وسقا من تمر، وقسّمت خيبر على أهل الحديبية، من شهد خيبر ومن غاب عنها، ولم يغب عنها إلّا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام- رضي الله عنهما- فقسم له رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كسهم من حضرها، وكان وادياها- وادي السّريرة، ووادي خاص، وهما اللذان قسّمت عليهما خيبر.

٦/١٤٢٦/١٤٢

وكانت نطاة والشّق ثمانية عشر سهما، نطاة من ذلك خمسة أسهم، والشّق ثلاثة عشر سهما، وقسّمت الشّق ونطاة على ألف سهم وثمانمائة سهم، وكانت عدّة الّذين قسّمت عليهم خيبر من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ألف سهم وثمانمائة سهم برجالهم وخيلهم، للرجال أربع عشرة مائة، والخيل مائتا فرس، فكان لكل فرس سهمان، ولفارسه سهم، وكان لكلّ راجل سهم، وكان لكل سهم رأس جمع إليه مائة رجل، فكانت ثمانية عشر سهما، جمع.

فكان علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- رأسا، والزبير بن العوام رأسا، وسرد ذكر ذلك ابن إسحاق. ثم قال: ثم قسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الكتيبة، وهي وادي خاص بين قرابته وبين نسائه وبين رجال مسلمين ونساء أعطاهم منها، ثم ذكر كيفيّة القسمة.

وروى أبو داود عن سهل بن أبي خيثمة- بخاء معجمة، فثاء مثلثة ساكنة- رضي الله عنه- قال: قسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خيبر نصفين، نصفا لنوائبه وخاصّته، ونصفا بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما [ (١) ] .

روي أيضاً عن بشير- بضم الموحدة- بن يسار- رحمه الله- تعالى عن رجال من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رضي الله عنهم: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما ظهر على خيبر قسّمها على ستة وثلاثين سهما، جمع كلّ سهم مائة سهم، فكان لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- وللمسلمين النّصف من ذلك، وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس، زاد في رواية أخرى عنه مرسلة بيّن فيها نصف النوائب: الوطيح والكتيبة وما حيز معهما زاد في رواية والسلالم، وعزل النصف الآخر الشق والنطاة وما حيز معهما، وكان سهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيما حيز معهما كسهم أحدهم [ (٢) ] . قال ابن إسحاق- رحمه الله- تعالى-: وكان المتولّي للقسمة بخيبر جبّار- بفتح الجيم، وتشديد الموحدة وبالراء المهملة- ابن صخر الأنصاري من بني سلمة- بكسر اللّام، وزيد بن ثابت من بني النجار، وكانا حاسبين قاسمين.

٦/١٤٣٦/١٤٣

وقال ابن سعد- رحمه الله- تعالى- أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بالغنائم فجمعت، واستعمل عليها فروة بن عمرو البياضي، ثم أمر بذلك فجزئ خمسة أجزاء، وكتب في سهم منها، الله، وسائر السّهمان أغفال، وكان أول ما خرج سهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يتحيّز في الأخماس، فأمر ببيع الأربعة الأخماس فيمن يريد، فباعها فروة، وقسّم ذلك بين أصحابه وكان الذي ولي إحصاء الناس، زيد ابن ثابت فأحصاهم ألفا وأربعمائة، والخيل مائتي فرس، وكانت السّهمان على ثمانية عشر سهما، لكل مائة سهم، وللخيل أربعمائة سهم، وكان الخمس الذي صار لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعطي منه ما أراه الله من السلاح والكسوة، وأعطى منه أهل بيته، ورجالا من بني المطلب، ونساء، واليتيم والسائل.

ثم ذكر قدوم الدّوسيين والأشعريين واصحاب السفينتين، وأخذهم من غنائم خيبر، ولم يبين كيف أخذوا. قال في العيون: وإذا كانت القسمة على ألف وثمانمائة سهم وأهل الحديبية ألف وأربعمائة، والخيل مائتي فرس بأربعمائة سهم، فما الذي أخذه هؤلاء المذكورون؟

وما ذكره ابن إسحاق من أن المقاسم كانت على الشّق، والنّطاة والكتيبة أشبه، فإنّ هذه المواضع الثلاثة مفتوحة بالسيف عنوة من غير صلح، وأما الوطيح والسّلالم فقد يكون ذلك هو الذي اصطفاه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما ينوب المسلمين، ويترجح حينئذ قول موسى بن عقبة ومن قال بقوله: إنّ بعض خيبر كان صلحا، ويكون أخذ الأشعريين ومن ذكر معهم من ذلك، ويكون مشاورة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أهل الحديبية في إعطائهم ليست استنزالا لهم عن شيء من حقهم، وإنما هي المشورة العامة، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران ١٥٩] .

روى الشيخان عن عبد الله بن مغفل- بضم الميم، وفتح الغين المعجمة، والفاء المشددة، وباللام- رضي الله عنه- قال أصبت جرابا، وفي لفظ: دلّي جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته، وقلت: لا أعطي أحداً منه شيئا، فالتفتّ فإذا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فاستحييت منه، وحملته على عنقي إلى رحلي وأصحابي فلقيني صاحب المغانم الّذي جعل عليها، فأخذ بناحيته وقال: هلمّ حتّى نقسمه بين المسلمين، قلت: لا والله لا أعطيك، فجعل يجاذبني الجراب، فرآنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نصنع ذلك، فتبسّم ضاحكا، ثم قال لصاحب المغانم: «لا أبالك، خلّ بينه وبينه» فأرسله، فانطلقت به إلى رحلي وأصحابي، فأكلناه [ (١) ] . قال ابن إسحاق: وأعطى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ابن لقيم- بضم اللام، قال الحاكم: واسمه عيسى العبسي- بموحدة- حين افتتح خيبر ما بها من دجاجة وداجن.

ذكر إهداء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النساء والعبيد من المغانم

٦/١٤٤٦/١٤٤

قال ابن إسحاق: وشهد خيبر مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من نساء المسلمين فرضخ لهن [ (١) ] من الفيء، ولم يضرب لهن بسهم.

روى ابن إسحاق، والإمام أحمد، وأبو داود، كلاهما من طريقه عن امرأة من غفار قالت: أتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في نسوة من بني غفار- بكسر الغين المعجمة- فقلن: يا رسول الله قد أردنا الخروج معك إلى وجهك هذا- وهو يسير إلى خيبر- فنداوي الجرحى، ونعين المسلمين ما استطعنا، فقال: «على بركة الله تعالى» . قالت: فخرجنا معه، وذكرت الحديث [ (٢) ] . قالت: فلما فتح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خيبر رضخ لنا من الفيء.

وعن عبد الله بن أنيس [ (٣) ]- رضي الله عنه- قال: خرجت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى خيبر ومعي زوجتي- وهي حبلى، فنفست في الطريق، فأخبرت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: انقع لها تمرا، فإذا أنعم بلّه فامرثه لتشربه» . ففعلت فما رأت شيئا تكرهه، فلمّا فتحنا خيبر أحذى النساء ولم يسهم لهن، فأحذى زوجتي وولدي الذي ولد. رواه محمد بن عمر [ (٤) ] .

وروى أبو داود عن عمير مولى أبي اللّخم- بالموحدة بلفظ اسم الفاعل- رضي الله عنه- قال شهدت خيبر مع سادتي فكلموا في رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأمر بي فقلّدت سيفا- فإذا أنا أجرّه، فأخبر أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثيّ المتاع [ (٥) ] .

ذكر من استشهد بخيبر من المسلمين

أسلم الحبشي الراعي، ذكره أبو عمر واعترضه ابن الأثير بأنه ليس في شيء من السياقات أن اسمه أسلم، قال الحافظ: وهو اعتراض متجه، قلت: قد جزم ابن إسحاق في السيرة برواية ابن هشام بأن اسمه أسلم الأسود الرّاعي، تقدم أن اسمه أسلم. وقال محمد بن عمر: اسمه يسار.

٦/١٤٥٦/١٤٥

أنيف- تصغير أنف- بن حبيب بن عمرو بن عوف.

أنيف- كالذي قبله بن واثلة بالمثلثة، أو التحتية.

أوس بن جبير- بالجيم- الأنصاري من بني عمرو بن عوف، قتل على حصن ناعم، أورده ابن شاهين، وتبعه أبو موسى: أوس بن حبيب الأنصاري. ذكره أبو عمر، وقيل هو الذي قبله.

أوس بن فايذ- بالتحتيّة والذّال المعجمة الأنصاري، ذكره أبو عمر: أوس بن فايد- بالفاء والدال المهملة، أو ابن فاتك أو الفاكه من بني عمرو بن عوف.

أوس بن قتادة الأنصاري.

بشر- بكسر الموحدة وسكون المعجمة ابن البراء بتخفيف الراء- ابن معرور، بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وضم الراء الأولى.

ثابت بن إثلة- بكسر الهمزة، وسكون الثاء المثلثة، وزاد أبو عمر واوا في أوّله، ولم يوافقوه.

ثقف- بثاء مثلثة- مفتوحة، فقاف ساكنة ففاء، وقال محمد بن عمر ثقاف بن عمرو بن سميط الأسدي.

الحارث بن حاطب، ذكره ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد، وقالا: شهد بدرا، ولم يتعرض له أبو عمر، ولا الذهبي، ولا الحافظ: لكونه استشهد بخيبر. وهو أخو ثعلبة بن حاطب بن عمر بن عبيد الأنصاري الأوسي.

ربيعة بن أكثم بن سخبرة- بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة، وبالموحدة ابن عمرو الأسدي، قتل بالنّطاة، قتله الحارث اليهودي.

رفاعة بن مسروح- بمهملات- الأسدي حليف بني عبد شمس، قتله الحارث اليهودي.

سليم بن ثابت بن وقش الأنصاري الأشهلي، ذكره ابن الكلبي، وأبو جعفر بن جرير الطبري.

طلحة: ذكره ابن إسحاق، ولم ينسبه، ولم يقف كثير من الحفّاظ على نسبه، ولم يذكره محمد بن عمر ولا ابن سعد، وقال أبو ذر في الإملاء: هو طلحة بن يحيى بن إسحاق بن مليل.

قال أبو علي الغساني- رحمه الله- لم يخبر ابن إسحاق باسم طلحة هذا، قلت: ولم أر لطلحة بن يحيى بن إسحاق هذا ذكرا في الإصابة للحافظ، ولا في الكاشف للذهبي.

٦/١٤٦٦/١٤٦

عامر بن الأكوع، واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن قشير الأسلمي المعروف بابن الأكوع عم سلمة بن عمرو بن الأكوع، روى الشيخان، والبيهقي عن سلمة بن الأكوع- رضي الله عنه- قال: لما تصافّ القوم يوم خيبر، وكان سيف عامر فيه قصر، فتناول به ساق يهودي ليضربه فرجع ذباب سيفه، فأصاب عين ركبته فمات منه، فلما قفلوا سمعت نفرا من أصحاب محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه، فأتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا أبكي فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: لمّا رآني شاحبا: مالك؟ قلت: فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرا حبط عمله. قال: «من قال؟» قلت: فلان وفلان، وأسيد بن الحضير الأنصاري فقال: «كذب من قاله، إنّ له لأجرين» وجمع بين أصبعيه «إنّه لجاهد مجاهد، قلّ عربيّ مشى- وفي لفظ نشأ بها مثله»

ووقع في حديث، أنه عم سلمة بن عمرو بن الأكوع، وفي حديث آخر أنه أخوه، ولا تنافي بينهما، لأنه عمّه وأخوه في الرضاعة.

عبد الله بن أبي أمية بن وهب الأسدي بالحلف، قتل بالنّطاة، وذكره محمد بن عمر، وابن سعد ولم يذكره ابن إسحاق.

عبد الله بن هبيب- بموحدتين- مصغر- ابن أهيب، ويقال: وهيب بن سحيم اللّيثي حليف بني أسد، ذكره ابن إسحاق في رواية البكائي، وجرير بن حازم، ويونس بن بكير، لكن عنده عبد الله بن فلان بن وهب، وكذا سمّاه أبو عمر وجماعة وذكر محمد بن عمر: أنه استشهد هو وأخوه عبد الرحمن بأحد قال الحافظ: والأول أولى.

عديّ بن مرة بن سراقة البلوي بفتح الموحدة واللام- حليف الأنصار طعن بين ثدييه بحربة فمات منها- ذكره محمد بن عمر، وابن سعد، وأبو عمر.

عروة بن مرة بن سراقة الأوسي: ذكره أبو عمر.

عمارة بن عقبة بن حارثة الغفاريّ، رمي بسهم ذكره ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد، وأبو عمر، وتعقبه الحافظ في كونه استشهد بخيبر بكلام يدل على أنه لم يراجع السّيرة في هذا المحل، ولا شك في صحة ما ذكره أبو عمر.

فضيل بن النّعمان الأنصاري السّلمي- بفتح السين، ذكره ابن إسحاق في رواية يونس وابن سلمة وزياد، وجزم بذلك محمد بن عمر، وابن سعد هنا، وقال ابن سعد في موضع آخر: كذا وجدناه في غزوة خيبر، وطلبناه في نسب بني سلمة فلم نجده، ولا أحسبه إلّا وهما، وإنما أراد الطّفيل بن النعمان بن خنساء بن سنان، والطّفيل ذكره ابن عقبة فيمن شهد خيبر.

بشر بن المنذر بن زنبر- بزاي، ونون موحدة وزن جعفر- بن زيد بن أمية الأنصاري، ذكره ابن إسحاق.

٦/١٤٧٦/١٤٧

محمود بن مسلمة [ (١) ] : قتل عند حصن ناعم، ألقيت عليه صخرة، قيل ألقاها عليه مرحب، وقيل: كنانة بن الربيع، ولعلهما اشتركا في الفعل.

ومدعم الأسود [ (٢) ] مولى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قتل بخيبر- وهو الذي غلّ الشملة يومئذ، وجاء الحديث أنها تشتعل عليه نارا.

مرة بن سراقة الأنصاري [ (٣) ] ، ذكره أبو عمر، وتعقبه ابن الأثير بأن الذي ذكروا أنه شهد خيبر ابنه عروة بن مرة. قال الحافظ: ولا مانع من الجمع، قلت: ويؤيّد كلام ابن الاثير أن أبا عمر لم يذكره في الدّر، بل ذكر ابنه عروة.

مسعود بن ربيعة [ (٤) ]- ويقال: ربيع بن عمرو القاريّ بالتشديد ممن استشهد بخيبر.

مسعود بن سعد بن قيس الأنصاري الزّرقي: ذكره ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد، ونقل أبو نعيم عن ابن عمارة أنه ذكره فيهم، وخالفه الواقديّ- اه. نقله الحافظ وأقرّه.

والذي في مغازي الواقدي أنه استشهد بخيبر، وأنّ مرحبا قتله، فالله أعلم.

يسار: اسم الأسود الراعي، ذكره محمد بن عمر، وابن سعد وسمّاه ابن إسحاق، أسلم.

أبو سفيان بن الحارث، كذا في نسخة سقيمة عن الزهري نقلا عن رواية يونس عن ابن إسحاق، ولم أره في الإصابة.

أبو ضيّاح- بضاد مفتوحة، فتحتية مشدّدة، فألف، فحاء مهملة- الأنصاري، اسمه النّعمان، وتقدم في البدريين رجل من أشجع ذكره محمد بن عمر، وابن سعد.

وروى النسائي والبيهقي عن شداد بن الهاد- رضي الله عنه- إن رجلا من الأعراب جاء إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فآمن واتّبعه، فقال: أهاجر معك، فأوصى به النبي- صلى الله عليه وسلم- بعض أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شيئا قسّمه لهم، وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا قسم قسمه لك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فخذه، فجاء به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: ما هذا؟ قال: «قسم قسمته لك» قال: ما على هذا أتبعك، ولكن اتبعتك على أن أرمى ههنا، وأشار إلى حلقه- بسهم- فأموت، فأدخل الجنة. فقال: «إن تصدق الله يصدقك» ثم نهضوا إلى قتال العدو، فأتى به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحمل وقد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «هو هو» قالوا: نعم. قال: «صدق الله فصدقه» فكفّنه النبي- صلى الله عليه وسلم- في جبّته، ثم قدمه. فصلّى عليه، وكان مما ظهر من صلاته: «اللهمّ هذا عبدك وابن عبدك خرج مهاجرا في سبيلك، قتل شهيدا، أنا عليه شهيد» .

٦/١٤٨٦/١٤٨

وقتل من يهود ثلاثة وتسعون رجلا.

ذكر انصراف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن خيبر وتوجهه إلى وادي القرى

قال أبو هريرة: نزلناها أصيلا مع مغرب الشّمس، رواه ابن إسحاق. قال البلاذري: قالوا: أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منصرفه من خيبر وادي القرى فدعا أهلها إلى الإسلام، فامتنعوا من ذلك وقاتلوا، ففتحها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عنوة، وغنّمه الله أموال أهلها، وأصاب المسلمون منهم أثاثا ومتاعا، فخمّس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذلك، وتركت الأرض، والنخل في أيدي يهود، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر. قال محمد بن عمر: لما انصرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن خيبر، وأتى الصّهباء سلك على برمة، حتى انتهى إلي وادي القرى، يريد من بها من يهود، وكان أبو هريرة- رضي الله عنه- يحدث فيقول، - خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من خيبر إلى وادي القرى، وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي قد وهب لرسول الله- صلى الله عليه وسلم عبدا أسود يقال له مدعم- بميم مكسورة فدال ساكنة فعين مفتوحة مهملتين، وكان يرحّل لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلمّا نزلنا بوادي القرى انتهينا إلى يهود، وقد ضوى إليها ناس من العرب، فبينما مدعم يحطّ رحل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد استقبلتنا يهود بالرّمي حيث نزلنا، ولم نكن على تعبئة، وهي يصيحون في أطامهم، فيقبل سهم عائر فأصاب مدعما فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال: رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كلّا والذي نفسي بيده إنّ الشّملة الّتي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم يصبها المقسم تشتعل عليه نارا» . فلما سمع الناس بذلك جاء رجل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بشراك أو شراكين، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «شراك من نار أو شراكان من نار»

[ (١) ] .

٦/١٤٩٦/١٤٩

وعبّأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصحابه للقتال، وصفّهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف- بضم الحاء المهملة وفتح النون، وسكون التحتية، وراية إلى عبّاد- بتشديد الموحدة، وبالدّال المهملة- ابن بشر.

ثم دعاهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى الإسلام وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم، وحقنوا دماءهم، وحسابهم على الله- تعالى.

فبرز رجل منهم، فبرز له الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر، فبرز له الزّبير فقتله، ثم برز آخر، فبرز إليه علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه أبو دجانة فقتله، ثم برز آخر فبرز له أبو دجانة فقتله، حتى قتل منهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أحد عشر رجلا كلّما قتل رجل دعا من بقي إلى الإسلام.

ولقد كانت الصّلاة تحضر يومئذ فيصلي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا، وغدا عليهم فلم ترتفع الشّمس حتى أعطوا بأيديهم، وفتحها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عنوة، وغنّمه الله- تعالى أموالهم، وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا، وأقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بوادي القرى أربعة أيام، وقسم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك الأرض والنخيل بأيدي يهود، وعاملهم عليها. قال البلاذري: وولّاها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عمرو بن سعيد بن العاص، وأقطع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جمرة- بالجيم- ابن هوذه- بفتح الهاء، والذّال المعجمة- العذريّ رمية بسوطه من وادي القرى.

ذكر نومهم عن الصلاة حين انصرفوا من خيبر وما ظهر في ذلك الطريق من الآيات

روى مسلم، وأبو داود عن أبي هريرة. وأبو داود عن ابن مسعود، وابن إسحاق عن سعيد بن المسيب، ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا: انصرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من وادي القرى راجعا بعد أن فرغ من خيبر ووادي القرى، فلما كان قريبا من المدينة سرى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليلته حتى إذا كان قبيل الصّبح بقليل نزل وعرّس، وقال: ألا رجل صالح حافظ لعينه يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام؟ قال بلال: يا رسول الله أنا أحفظه عليك، فنزل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وقام بلال يصلّي ما شاء الله أن يصلّي. ثم استند إلى بعيره، واستقبل الفجر يرقبه، فغلبته عينه، فنام، فلم يستيقظ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولا أحد من أصحابه حتّى ضربتهم الشمس [ (١) ] .

٦/١٥٠٦/١٥٠

وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أول أصحابه هبّ، فقال: «ما صنعت بنا يا بلال» ؟ قال: يا رسول الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قال: «صدقت» ثم اقتاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعيره غير كثير، ثم أناخ وأناخ الناس فتوضّأ، وتوضّأ النّاس، وأمر بلالا فأقام الصّلاة، فلما فرغ، قال: إِذَا نَسِيْتُم الصَّلَاةَ فَصَلُّوهَا إِذَا ذَكَرْتُمُوهَا فإِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَ يَقُول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه ١٤] .

ذكر رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة مؤيدا منصورا

روى الأئمة السّتَّة عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- قال: أشرف الناس على واد، فرفعوا أصواتهم بالتكبير: «الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله»

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «اربعوا على أنفسكم إنّكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم» وأنا خلف دابّة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فسمعني وأنا أقول لا حول ولا قوّة إلّا إلا بالله العلي العظيم، فقال: «يا عبد الله بن قيس» قلت: لبيك يا رسول الله فداك أبي وأمي، قال: «ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة؟» قلت: بلى يا رسول الله، فداك أبي وأمي، قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله»

[ (١) ] .

ولما انتهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى الجرف ليلا، نهى أن يطرق الرجل أهله ليلا، فذهب رجل فطرق أهله، فرأى ما يكره فخلى سبيله ولم يهجر، وضنّ بزوجته أن يفارقها، وكان له منها أولاد، وكان يحبها، فعصى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ورأى ما يكره.

ولما نظر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى جبل أحد، قال: هذا جبل يحبّنا ونحبّه، اللهم إني أحرم ما بين لابتي المدينة»

[ (٢) ] .

ذكر رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الأنصار ما منحوه للمهاجرين

روى الشيخان، والحافظ، ويعقوب بن سفيان عن أنس- رضي الله عنه- قال: لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل أرض وعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام، ويكفوهم العمل والمؤنة، وكانت أم أنس أعطت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أعذاقا لها، فأعطاهن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أم أيمن مولاته أم أسامة بن زيد، فلما فرغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من أهل خيبر، وانصرف إلى المدينة، ردّ المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا قد منحوهم من ثمارهم، وردّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى أمّي أعذاقها.

٦/١٥١٦/١٥١

وفي رواية: فسألت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأعطانيهن، فجاءت أمّ أيمن فجعلت الثوب في عنقي، وجعلت تقول: كلا والله الذي لا إله إلا هو لا يعطيكهن وقد أعطانيهن، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «يا أم أيمن اتركي ولك كذا وكذا» وهي تقول: كلّا- والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول: لك كذا وكذا، ولك كذا» وهي تقول: كلّا والله الذي لا إله إلا هو حتى أعطاها عشرة أمثالها أو قريبا من عشرة أمثالها [ (١) ] .

ذكر بعض ما قيل من الشعر في غزوة خيبر

قال كعب بن مالك- رضي الله عنه: ونحن وردنا خيبرا وفروضه ... بكلّ فتى عاري الأشاجع مذود جواد لدى الغايات لاواهن القوى ... جريء على الأعداء في كلّ مشهد عظيم رماد القدر في كلّ شتوة ... ضروب بنصل المشرفيّ المهنّد يرى القتل مدحا إن أصاب شهادة ... من الله يرجوها وفوزا بأحمد يذود ويحمي عن ذمار محمّد ... ويدفع عنه باللّسان وباليد وينصره من كل أمر يريبه ... يجود بنفس دون نفس محمّد يصدّق بالأنباء بالغيب مخلصا ... يريد بذاك العزّ والفوز في غد وقال حسان- رضي الله- تعالى- عنه: بئس ما قاتلت خيابر عمّا ... جمّعوا من مزارع ونخيل كرهوا الموت فاستبيح حماهم ... وأقرّوا فعل اللّئيم الذّليل أمن الموت تهربون فإنّ ال ... موت موت الهزال غير جميل

تنبيهات

الأول: خيبر- بخاء معجمة، فتحتية، فموحدة، وزن جعفر: وهي اسم ولاية تشتمل على حصون ومزارع، ونخل كثير، على ثلاثة أيام من المدينة على يسار حاجّ الشّام. والخيبر بلسان اليهود، الحصن، ولذا سمّيت خيابر أيضا- بفتح الخاء، قاله ابن القيم مما ذكر ابن إسحاق، وقال ابن عقبة ومحمد بن عمر وأبو سعد النيسابوري في الشرف: أنها بجبلة- بفتح الجيم والموحدة ابن جوال بفتح الجيم وتشديد الواو، بعدها ألف ولام، وقيل: سمّيت بأول من نزلها، وهو خيبر أخو يثرب ابنا قانية بن مهلايل بن آدم بن عبيل، وهو أخو عاد.

٦/١٥٢٦/١٥٢

وذكر جماعة من الأئمة: أنّ بعضها فتح صلحا، وبعضها فتح عنوة. وبه يجمع بين الرّوايات المختلفة في ذلك.

وروى عن الإمام مالك- رحمه الله تعالى- أن الكتيبة أربعون ألف عذق. ولابن زبالة حديث «ميلان في ميل من خيبر مقدس، وحديث «خيبر مقدسة، والسوارقية [ (١) ] مؤتفكة، وحديث «نعم القرية في سنيّات الدجال خيبر» وتوصف خيبر بكثرة التمر. قال حسان بن ثابت- رضي الله عنه: وإنّا ومن يهدي القصائد نحونا ... كمستبضع تمرا إلى أهل خيبر وروى البخاري عن عائشة- رضي الله عنها- قال: لما فتحت خيبر: قلنا: الآن نشبع من التمر. وعن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: ما شبعنا من التّمر حتّى فتحت خيبر، وتوصف خيبر بكثرة الحمّى، قدم خيبر أعرابي بعياله فقال: قلت لحميّ خيبر استقري ... هاك عيالي فاجهدي وجدّي وباكري بصالد وورد ... أعانك الله على ذا الجند فحمّ ومات، وبقي عياله.

قال أبو عبيد البكري- رحمه الله- في معجمه وفي الشّق عين تسمى الحمّة، وهي الّتي سماها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قسمة الملائكة، يذهب ثلثا مائها في فلج والثلث الآخر في «فلج» والمسلك واحد وقد اعتبرت منذ زمان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى اليوم يطرح فيها ثلاث خشبات أو ثلاث تمرات فتذهب اثنتان في الفلج الذي له ثلثا مائها، وواحدة في الفلج الثاني، ولا يقدر أحد أن يأخذ من ذلك الفلج أكثر من الثلث، ومن قام في الفلج الذي يأخذ الثلثين ليردّ الماء إلى الفلج الثاني غلبه الماء وفاض، ولم يرجع إلى الفلج الثاني شيء يزيد على قدر الثلث وتشتمل خيبر على حصون كثيرة، ذكر منها في القصّة كثير.

الثاني: اختلف في أي سنة كانت غزوتها: قال ابن إسحاق: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- في بقية المحرم سنة سبع، فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر.

وقال يونس بن بكير في المغازي عن ابن إسحاق من حديث المسور ومروان، قالا: «انصرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الحديبية، فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة»

٦/١٥٣٦/١٥٣

فأعطاه الله فيها خيبر بقوله: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ [الفتح ٢٠] ويعني خيبر، فقدم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم.

وذكر ابن عقبة عن ابن شهاب أنه- صلى الله عليه وسلّم- أقام بالمدينة عشرين ليلة أو نحوها ثم خرج إلى خيبر.

وعند ابن عائذ عن ابن عباس: أقام بعد الرجوع من الحديبية عشر ليال.

وعند سليمان التيمي خمسة عشر يوما. قال الإمام مالك رحمه الله- تعالى-: كان فتح خيبر سنة ست.

والجمهور- كما في زاد المعاد: أنها في السابعة، وقال الحافظ: إنه الراجح قالا: ويمكن الجمع بأن من أطلق سنة ست بناه على ابتداء السّنة من شهر الهجرة الحقيقي، وهو ربيع الأول.

وابن حزم- رحمه الله- يرى أنه من شهر ربيع الأول.

الثالث: قال الحافظ: نقل الحاكم عن الواقدي، وكذا ذكره ابن سعد إنها كانت في جمادى الأولى. فالذي رأيته في مغازي الواقدي: إنها كانت في صفر، وقيل: في ربيع الأول، وأغرب من ذلك ما رواه ابن سعد، وابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: خرجنا إلى خيبر لثمان عشرة من رمضان، الحديث. وإسناده حسن، إلا أنه خطا، ولعلها كانت إلى حنين فتصحفت، وتوجيهه بأن غزوة حنين كانت ناشئة عن غزوة الفتح، وغزوة الفتح خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فيها في رمضان جزما، وذكر الشيخ أبو حامد- رحمه الله- تعالى، في التعليق: أنها كانت سنة خمس، وهو وهم، ولعله انتقال من الخندق إلى خيبر، وأجاب بعضهم بأنه أسقط سنة المقدم أي وقطع النظر عن سنة الغزوة.

الرابع: قول عامر: اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا، قال الحافظ في هذا: القسم زحاف الخزم بالمعجمتين، وهو زيادة سبب خفيف، وفي الصحيح في الجهاد عن البراء بن عازب: أنه من شعر عبد الله بن رواحة، فيحتمل أن يكون هو وعامر تواردا على ما توارد عليه بدليل ما وقع لكل منهما مما ليس عند الآخر واستعان عامر ببعض ما سبقه إليه ابن رواحة.

الخامس: استشكل قول عامر: «فداء» بأنه لا يقال في حق الله- تعالى، إذ معنى «فداء» نفديك بأنفسنا، فحذف متعلق الفعل للشهرة، وإنما يتصور الفداء لمن يجوز عليه الفناء، وأجيب عن ذلك بأنها كلمة لا يراد ظاهرها، بل المراد بها المحبة والتعظيم، مع قطع النّظر عن ظاهر اللّفظ، وقيل: المخاطب بهذا الشعر النبي- صلى الله عليه وسلم- والمعنى، لا تؤاخذنا بتقصيرنا في حقّك ونصرك، وعلى هذا فقوله: «اللهم» لم يقصد به الدعاء، وإنما افتتح بها الكلام، والمخاطب بقوله: لولا أنت النبي- صلى الله عليه وسلّم- ويعكر عليه قوله بعد ذلك: فأنزلن سكينة علينا: وثبت الأقدام إن لاقينا، فإنه دعاء لله، ويحتمل أن يكون المعنى، فاسأل ربك أن ينزل ويثبت.

٦/١٥٤٦/١٥٤

السادس: في بيان الروايات التي وردت في هذا الرجز ومعانيها.

وما اتّقينا بتشديد الفوقية بعدها قاف، أي، ما تركنا من الأوامر، «وما» ظرفية، وللأصيلي والنسفي من رواية الصحيح بهمزة قطع، فموحدة ساكنة، أي ما خلفنا وراءنا مما كسبناه من الآثام، أو ما أبقينا وراءنا من الذنوب، فلم نتب منه وللقابسي: ما لقينا بلام وكسر القاف، أي ما وجدنا من المناهي. ووقع في الأدب ما اقتفينا بقاف ساكنة، ففوقية، وفاء مفتوحتين، فتحتية ساكنة، أي اتّبعنا من الخطايا، من قفوت الأثر إذا تبعته، وكذا عند مسلم، وهو أشهر الروايات في هذا الرجز.

ألقين سكينة علينا. وفي رواية النسفي و «ألقي» بحذف النون، وبزيادة ألف ولام في السكينة بغير تنوين، وليس بموزون السكينة: الوقار، والتثبت.

أتينا: بفوقية: أي جئنا إذا دعينا إلى القتال أو الحق، وروي بالموحدة أي إذا دعينا إلى غير الحق امتنعنا وبالصياح عوّلوا علينا: أي قصدونا بالدعاء والصوت العالي، واستعانوا علينا، يقال: عولت على فلان وعولت بفلان.

السابع: أختلف في فتح خيبر، هل كان عنوة أو صلحا، وفي حديث عبد العزيز بن صهيب عند البخاري في الصلاة: التصريح بأنه كان عنوة، وبه جزم أبو عمر، وردّ على من قال فتحت صلحا، قال: وإنما دخلت الشّبهة على من قال فتحت صلحا، بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما لحقن دمائهم، وهو ضرب من الصلح، لكنه لم يقع ذلك إلّا بحصار، وقتال، قال الحافظ- رحمه الله تعالى: والذي يظهر أنّ الشبهة في ذلك قول ابن عمر: إن النبي- صلى الله عليه وسلم- قاتل أهل خيبر، فغلب على النخل فصالحوه على أن يجلوا منها وله الصفراء والبيضاء والحلقة، ولهم ما حملت ركابهم، على ألا يكتموا ولا يغيبوا الحديث. وفي آخره: فسبى نساءهم وذراريهم، وقسّم أموالهم للنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم، فقالوا: دعنا في هذه الأرض نصلحها.. الحديث، ورواه أبو داود والبيهقي وغيرهما، وكذلك أخرجه أبو الأسود في المغازي عن عروة. فعلى هذا كان وقع الصلح، ثم حصل النقض منهم فزال أمر الصلح، ثم منّ عليهم بترك القتل وإبقائهم عمّالا بالأرض، ليس لهم فيها ملك، ولذلك أجلاهم عمر، فلو كانوا صولحوا على أرضهم لم يجلوا منها.

٦/١٥٥٦/١٥٥

وجنح غير واحد من العلماء إلى أن بعضها فتح عنوة، وبعضها فتح صلحا، وليس بنا ضرورة إلى بسط الكلام على ذلك.

الثامن: زعم الأصيليّ- رحمه الله تعالى- أنّ حديث نومهم عن الصلاة إنّما كان بحنين لا بخيبر، وأن ذكر خيبر خطأ، ورد عليه أبو الوليد الباجي، وأبو عمر فأجادا.

التاسع: اختلف في إسلام زينب بنت الحارث التي أهدت الشّاة المسمومة وفي قتلها، أما إسلامها، فروى عبد الرزاق في مصنّفه عن معمر عن الزّهريّ أنها أسلمت، وأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تركها. قال معمر: والناس يقولون قتلها. وجزم بإسلامها سليمان التيمي في مغازيه ولفظه بعد قولها: «وإن كنت كاذبا أرحت النّاس منك، وقد استبان لي أنّك صادق، وأنا أشهدك ومن حضرك أنّي على دينك، وأن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، قال: وانصرف عنها حين أسلمت.

وأما قتلها وتركها، فروى البيهقي عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه- صلى الله عليه وسلم- ما عرض لها، وعن جابر قال: فلم يعاقبها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وروى ابن سعد عن شيخه محمد بن عمر بأسانيد له متعددة هذه القصة، وفي آخرها فدفعها إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها قال محمد بن عمر: وهو أثبت وروى أبو داود من طريق الزّهري عن جابر نحو رواية معمر عنه، والزهري لم يسمع من جابر، ورواه أيضاً عن أبي هريرة.

قال البيهقي- رحمه الله- يحتمل أن يكون تركها أولا، ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة قتلها، وبذلك أجاب السهيلي- رحمه الله تعالى- وزاد: أنه تركها، لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر قصاصا. قال الحافظ- رحمه الله تعالى-: يحتمل أن يكون تركها أولا، ثم لما مات بشر لكونها أسلمت، وإنما أخّر قتلها حتى مات بشر لأنّ بموته يتحقق وجوب القصاص بشرطه.

وروى أبو سعد النّيسابوري: أنه- صلى الله عليه وسلّم- قتلها وصلبها، فالله أعلم العاشر: وقع في سنن أبي داود أنها أخت مرحب، وبه جزم السهيلي، وعند البيهقي في الدلائل: بنت أخي مرحب، وبه جزم الزّهري كما في مغازي موسى بن عقبة الحادي عشر: إن قيل ما الجمع بين قوله- تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة ٦٧] وبين حديث الشاة المسمومة المصلية بالسّم الصادر من اليهودية؟ والجواب: إن الآية نزلت عام تبوك، والسم كان بخيبر، قبل ذلك.

٦/١٥٦٦/١٥٦

الثاني عشر: اختلف في مدّة إقامته- صلى الله عليه وسلّم- بأرض خيبر، فروى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس- رضي الله عنه- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أقام بخيبر ستة أشهر، يجمع بين الصّلاتين. وروى البيهقي عنه: أربعين يوما، وسنده ضعيف.

وقال ابن إسحاق.....

الثالث عشر: في بيان غريب ما سبق.

استنفر: استنجد واستنصر.

عسكر: جمع عسكره: أي جيّشه.

ثنيّة الوداع: تقدم الكلام عليها مبسوطا في دخوله- صلّى الله عليه وسلم- المدينة. في أبواب الهجرة.

الزّغابة- بالزاي والغين المعجمتين وبالموحدة كسحابة، وضبطه أبو عبيد البكري- رحمه الله تعالى- بالضم: مجتمع السيول بأرض العقيق، غربي مشهد حمزة، وهو أعلى إضم، ووهم من قال إنه لا يعرف، وإنما المعروف الغابة.

نقمى- بنون فقاف فميم مفتوحات فألف تأنيث: اسم واد بالمدينة كجمزى ونسكى، ويروى- بضم أوله وثانيه: اسم واد بها.

المشلّل- بضم الميم، وفتح الشين المعجمة، واللام الأولى وتشديدها: ثنية تشرف على قديد.

الوطاة: الأرض السهلة.

راهق- بالراء والقاف: قارب.

الجبن- بضم الجيم، وسكون الموحدة، وتضم أيضا: صفة الجبان.

ضلع الدّين، قال القاضي- بفتح الضاد المعجمة، واللام. شدته، وثقل حمله.

قينقاع، والنضير، وقريظة: تقدم الكلام عنها في غزوتها.

سنبلانيّة- بضم السين المهملة، والموحدة بينهما نون، أي سابغة من الطول، يقال ثوب سنبلاني، وسنبل ثوبه إذا أسبله من خلفه، أو أمامه، وقال اليعمري: منسوبة إلى موضع من المواضع. قلت: سنبلاني محلة، بأصبهان، والمراد هنا الأول.

الكرباس- بالكسر: الثوب الخشن.

عصر- بمهملات فالكسر: فالسكون، أو بفتحتين: جبل بقرب المدينة من جهة خيبر، ومن الغرائب قول ابن الأثير مع ذكر ذلك أنه بين المدينة ووادي الفرع.

٦/١٥٧٦/١٥٧

حدو الإبل: سوقها بالشّعر.

الصّهباء- بفتح الصاد المهملة وسكون الهاء وبالمد: موضع قرب المدينة.

أدنى خيبر: أسفلها.

هنيهاتك- جمع هينهة، وهي تصغير هنة كما قالوا في تصغير سنة سنيهة، والهنة: كناية عن كل شيء لا يعرف اسمه، أو يعرف فيكنى عنه، كذا في الصحيح بالتصغير، وفي أخرى هنيّاتك، وفي السيرة: هناتك جمع هنة، أي من أخبارك وأشعارك، فكنّى عن ذلك كله، والمراد هنا الحداء للإبل.

وجبت: أي الجنة.

لولا: حرف عرض بمعنى هلا.

أمتعتنا- بفتح أوله: أبقيته لنا لنستمتع: أي بشجاعته، والتمتع: الترفه إلى مدة.

على بكر- بفتح الموحدة: الفتيّ من الإبل.

السويق- بفتح السين، وكسر الواو، قمح أو شعير يقلى ثم يطحن.

ثرى السويق: بله.

الرجيع- بالجيم كأمير، واد قرب خيبر.

غطفان- بغين معجمة، فطاء مهملة، ففاء مفتوحات.

الفأل. والطّيرة: يأتي بيانهما في باب محبته- صلى الله عليه وسلم- الفأل الحسن.

شرح غريب ذكر إرادة غطفان مساعدة يهود، ودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم - لما أشرف على خيبر

قوله: مظاهرين: معاونين.

المنقلة- بميم مفتوحة، فنون ساكنة، فقاف مفتوحة، فلام: المرحلة من مراحل السّفر.

خالفوا إليهم: جاءوا إلى أهلهم بعد خروج قومهم.

تبلون- بضم الفوقية، وسكون الموحدة، وفتح اللام.

غشوكم- بفتح الغين، وضمّ الشين المعجمة.

النبأ: الخبر.

أظللن- بظاء معجمة مشالة، من الظل.

أقللن: حملن.

٦/١٥٨٦/١٥٨

أضللن- بضاد معجمة ساقطة: من الإضلال، ضد الإرشاد.

ذرين- بذال معجمة: حملن، وقال: أزرين لمزاوجة أضللن.

شرح غريب ذكر دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما اشرف على خيبر

قوله: عرّس: بعين، فراء مشدّدة، فسين مهملات مفتوحات، نزل ليلا، أو آخره.

منعتهم: قوّتهم وعددهم، بفتح العين.

هيهات: اسم فعل ماض بمعنى بعد.

الساحة: الموضع المتسع أمام الدار، وقال الأزهري: هو فضاء بين دور الحيّ.

الأفئدة: جمع فؤاد، وهو القلب.

غدا إلى كذا: سار إليه صباحا.

المساحي بمهملتين، جمع مسحاة: وهي من آلة الحرث، والميم زائدة، لأنه من السّحو، وهو الكشف والإزالة.

الكرازن: جمع كرزن- بفتح الكاف والزّاي وبكسرهما وبالنون ويقال بالميم عوضا عن النون: وهو الفأس.

المكاتل- جمع مكتل، بكسر الميم، وفتح الفوقية: القفّة الكبيرة التي يحمل فيها التراب وغيره، سميت بذلك لتكتل الشيء فيها، وهو تلاصق بعضه ببعض.

لم يغر- بضم التحتية، وكسر الغين المعجمة: أي لم يسرع في الهجوم عليهم.

انحسر- انكشف.

محمد- صلى الله عليه وسلم- خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو أو هذا محمد.

الخميس- بلفظ اسم أحد الأيام يروى- بضم السين وبفتحها على أنه مفعول معه، وسمّي الجيش خميسا لأنه ينقسم خمسة أقسام، لأنّ له ساقة، ومقدمة، وجناحين، وقلبا، لا من أجل تخميس الغنيمة لأن في تخميسها سنة الإسلام، وقد كان الجيش يسمّى خميسا في الجاهلية.

النّزّ- بفتح النون، وتشديد الزاي: السائل من المائع.

النّطاة- بنون فطاء مهملة بوزن: حصاة.

الخمر- بخاء معجمة- فميم مفتوحتين فراء، ما واراك من شجر أو بناء أو غيره.

٦/١٥٩٦/١٥٩

البريء- بفتح الموحدة، وكسر الراء المخففة، وبالمد: السالم.

الرجيع- بالراء، والجيم والعين المهملتين وزن أمير، واد قرب خيبر، وهو غير الذي توجه إليه عاصم حمى الدّبر.

شرح غريب ذكر ابتداء القتال وأخذ الحمى المسلمين

قوله: من أشجع- بشين معجمة، فجيم، فعين مهملة.

الشعار- بكسر الشين المعجمة، وبالعين المهملة: العلامة التي كانوا يتعارفون بها في الحرب يا منصور أمت: أمر بالموت، والمراد به التفاؤل بالنصر بعد الأمر بالإماتة مع حصول الغرض. بالشعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة يتعارفون بها لأجل ظلمة الليل.

ترّس- بفوقية، فراء مشددة فسين مهملة.

ناعم- بالنون، والعين المهملة كصاحب: حصن من حصون خيبر.

أهمدتهم: أذهبت قوتهم.

قرّسوا- بفتح القاف وكسر الرّاء المشددة، وضم السين المهملة فعل أمر، أي: برّدوا، يوم قارس البرد.

شنان- بكسر الشين المعجمة: الأسقية.

أحدروا- بالحاء، والدال المهملتين: صبوا الماء.

نشطوا- بنون مضمومة: خلصوا، وليس إسقاط الهمزة من أوله بلحن بل لغة صرح بها في البارع: العقل- بضمتين: جمع عقال.

شرح غريب ذكر فتحه - صلى الله عليه وسلم - حصن الصعب

الصعب: ضد السهل.

الودك- بفتح الواو، والدال المهملة: دسم اللحم ودهنه العلقة من العيش- بضم العين المهملة: القليل منه.

الظّبيّ- جمع ظبي: حيوان معروف.

الظّليم- بفتح الظاء المعجمة المشالة، وكسر اللّام: الذّكر من النّعام.

احتضن الشّيء: جعله تحت حضنه، وهو ما تحت الإبط إلى الخاصرة.

المعشر: جماعة الرجل، دون النساء.

٦/١٦٠٦/١٦٠

جهدنا- بالبناء للمفعول: حصل لنا جهد ومشقة.

غناء- بفتح الغين المعجمة، وتخفيف النون، وبالمد: الكفاية.

البراز- بفتح الموحدة، والراء، الأرض الواسعة الفضاء.

الغفاري- بكسر الغين المعجمة.

الزّيال: بزاي معجمة وياء وألف ثم لام.

بادره: سارع إلى قتله.

على هامته: رأسه.

ذباب السّيف- بضم الذال المعجمة وبالموحدتين: طرفه.

الدّعموص- بضمّ الدّال، وسكون العين وآخره ضاد: دويبة تغوص في الماء.

شرح غريب ذكر محاصرته - صلى الله عليه وسلم - حصن الزبير بن العوام وحصون الشق

الشق- بفتح الشين المعجمة، أعرف من كسرها، وبالقاف المشددة عند أهل اللغة.

قوله قلة الزّبير: هي القلعة التي صارت إليه من قسمة الغنائم.

الرّعب: الخوف.

الدّبول: جمع دبل، نهيرات وقنوات وجداول.

أصحروا: خرجوا إلى الصحراء.

أبي بضم الهمزة وفتح الباء مصغر سموان.

ذفف عليه- بدال، روي إعجامها وإهمالها: أي أجهز عليه، وحزّ رقبته.

أبو دجانة- بضم الدال المهملة: وتخفيف الجيم وبالنون سماك بن خرشة يختال: يمشي مشية المتكبر.

الأثاث- بثاءين مثلثتين: المتاع.

الجدر: جمع جدار، وهو الحائط.

ساخ في الأرض- بالخاء المعجمة: انخسف فيها.

شرح غريب انتقاله - صلى الله عليه وسلم - إلى حصون الكتيبة

قوله: الكتيبة: بكاف مفتوحة، ففوقية، وقال أبو عبيدة: بثاء مثلّثة مكسورة فتحتية ساكنة فموحدة، وقيل: إنها بالتصغير.

٦/١٦١٦/١٦١

القموص بالقاف والصاد المهملة كصبور. وقيل: بغين فضاد معجمتين.

الوخم- بفتح الواو، والخاء المعجمة: الوباء.

الشّقيقة: وجع يأخذ نصف الرأس والوجه.

نهض: تحرك.

الفتح: النصر.

قد جهد: أصابه جهد، وهو المشقة.

الأرمد: الذي أصابه الرّمد في عينيه، وهو وجع فيها.

الفرّار- بفتح الفاء والراء المشددة: الهرّاب.

تفل: بصق.

العنوة- بفتح العين المهملة: أخذ الشيء قهرا.

بات الناس يدوكون- بتحتية، فدال مهملة مضمومة، أي باتوا في اختلاط واختلاف، والدوكة: الاختلاط.

غدوا عليه- بالمعجمة: أتوا صباحا.

تطاولت لها: رفعت عنقي كي يراني.

ثم: بفتح المثلثة.

أناخ: برك براحلته.

شقّ برد- بكسر الشين المعجمة: قطعة منه.

قطري- بكسر القاف، وسكون الطاء المهملة: نوع من البرود فيه حمرة، ولها أعلام، فيها بعض الخشونة، وقيل: هي حلل تحمل من قبل البحرين، قال الأزهري: في أعراض البحرين قرية يقال لها قطر، وأحسب الثياب القطرية تنسب إليها، فكسروا القاف للنسبة، وخفّفوا.

برأ- بفتح الراء، والهمزة، بوزن ضرب، ويجوز كسر الراء، بوزن علم: خلص من وجعه.

مضى لسبيله: مات.

أنفذ- بضم الهمزة، والفاء، بينهما نون ساكنة، وإعجام الذال،: امض. على رسلك- بكسر الراء: على هيئتك.

حمر- بضم الحاء المهملة، وسكون الميم: النّعم بفتح النون، والعين المهملة، الحمر من ألوان الإبل المحمودة، قيل: المراد خير لك من أن تكون لك فتصدق بها، وقيل: بل تقتنيها وتملكها، وكانت مما يتفاخر به علام، «على» حرف الجر، دخل على «ما» الاستفهامية فحذفت ألفها لدخوله.

٦/١٦٢٦/١٦٢

يأنح- بتحتية، فألف، فنون مكسورة، فحاء مهملة: أي به نفس شديد من الإعياء في العدو.

يهرول: يسرع، والهرولة: فوق المشي ودون الجري.

غلبتم- بالبناء للمفعول.

الرّضم- بفتح الراء، وسكون الضاد المعجمة، ويجوز تحريكها: الحجارة المجتمعة

شرح غريب ذكر قتل علي رضي الله عنه - الحارث وأخاه مرحبا وعامرا وياسرا إلخ

قوله في عاديته ...

جسيما: عظيم الجسم.

شاك السلاح- بشين معجمة، وأصله شائك بحذف الهمزة، ومن رواه شاك أو شاكي فإنه أخذ الهمزة إلى آخر الكلمة وقلبها ياء.

الحمى- بكسر الحاء، وفتح الميم المخففة: كل ما حميته ومنعته.

المساور: المعاجل خصمه.

يحوس الناس بحاء وسين مهملتين يجهضهم عن أثقالهم، أي يبلغ في النكاية فيهم، وأصل الحوس شدة الاختلاط، ومداركة الضرب.

زبّار: أراد زبير.

القرم- بفتح القاف: السيد، وأصله الفحل من الإبل الذي أقرم، أي ترك من الركوب والعمل ووضع للفحلة.

النّكس- بكسر النون: الرجل الضعيف.

الحواري: الناصر والمعين.

الليوث: جمع ليث، الأسد.

تلهب أصله: تتلهب.

مغامر: يقتحم المهالك.

٦/١٦٣٦/١٦٣

يسفل له- بفتح التحتية، وسكون السين المهملة، وضم الفاء، أي يضربه في أسافله.

الأكحل: عرق.

عين الركبة: طرفهما الأعلى.

الأرجوان- بضم الهمزة، والجيم: اللون الأحمر.

* أنا الذي سمتني أمّي حيدره* قال ثابت بن قاسم- رحمهما الله- تعالى- في تسميته بذلك ثلاثة أقوال، أحدها أن اسمه في الكتب المتقدمة أسد، والأسد هو الحيدرة، الثاني أن أمه فاطمة بنت أسد- رضي الله عنها- حين ولدته، كان أبوه غائبا، فسمته باسم أبيها، فقدم أبوه فسمّاه عليّا، الثالث: أنه كان لقّب في صغره بحيدرة، لأن الحيدرة الممتلئ لحما مع عظم بطن، وكذلك كان علي- رضي الله عنه- وذكره الشيخ كمال الدين الدّميري- رحمه الله- تعالى- في شرح المنهاج» .

مجرّب- بفتح الراء: اسم مفعول.

أكيلهم: أجزيهم بالياء.

السندرة: شجرة يصنع منها مكاييل عظيمة.

الخمل- بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام: الهدب.

أقبلت تحرّب: تغضب، يقال حرّب الرجل إذا غضب، وحربته: إذا أغضبته.

الغمّى: الكرب.

جريء- بالجيم، والهمزة: شجاع مقدام.

صلب: شديد.

شبّت الحرب: أوقدت، وهيجت.

العقيق- هنا جمع عقيقة، وهي شعاع البرق، شبّه السيف به.

عضب- بعين مهملة، فضاد معجمة: قاطع.

الجزا- بالقصر والمد: الجزية التي تؤخذ.

يفيء: يرجع.

النّهب: ما انتهب من الأموال.

ليس فيه عتب: ليس فيه ما يلام عليه.

٦/١٦٤٦/١٦٤

ندككم: نطويكم ونلصقكم بالأرض.

حمير- بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم، وفتح التحتية.

الموتور- بالفوقية: الذي قتل له قتيل فلم يؤخذ ثأره.

الثائر- بالثاء المثلثة: الطّالب بالثأر، وهو طلب الدم.

عمرية- بعين مهملة مضمومة، فميم ساكنة، فراء مكسورة: أي قديمة، التي أتى عليها عمر طويل.

العشر- بعين مهملة مضمومة فشين معجمة مفتوحة: شجر له صمغ، وهو من العضاة، وثمرته نفاخة كنفاخة القثاء الأصفر، الواحدة عشيرة، والجمع عشر، وعشرات- بضم العين، وفتح الشين.

يلوذ: يستتر.

الفنن- بفتح الفاء، والنون الأولى: الغصن.

ورأيتني- بضم التاء: رأيت نفسي.

شرح غريب ذكر إسلام العبد الأسود ونهيه - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الإنسية

قوله عمد إليه: قصد.

حفنة- بفتح الحاء المهملة، وسكون الفاء: ملء الكفين.

خرجت تشتد: تعدو.

سجّي- بسين مهملة، والجيم، بالبناء للمفعول: غطّي: الحمر- بضم الحاء، والميم: الحمير الأهليّة.

الإنسية- بكسر الهمزة، وسكون النون وفتحها: وهي التي تألف البيوت، الإنسية منسوبة إلى الإنس.

أكفئت القدور، قال ابن التين: صوابه فكفئت، قال الأصمعي: كفأت الإناء قلبته، ولا يقال أكفأته، ويحتمل أن يكون المراد أميلت حتّى أمال ما فيها، قال الكسائي: أكفأت الإناء: أملته.

الخشني- بضم الخاء، وفتح الشين المعجمتين.

المخمصة: المجاعة.

٦/١٦٥٦/١٦٥

أهريقوها، يقال هراق الماء يهريقه- بفتح الهاء: صبّه، والأصل الإراقة، وأهرق يهرق ساكنا، وأهراق يهريق كاسطاع يسطيع، كأنّ الهاء عوض من حركة الياء.

الدنّان- بكسر الدال المهملة الخوابي، جمع دنّ- بفتحها.

شرح غريب فتحه - صلى الله عليه وسلم - الوطيح والسلالم

قوله. حاز ماله: ضمه إلى ملكه.

الوطيح- بواو مفتوحة، فطاء مكسورة، فتحتية ساكنة، فحاء مهملة السّلالم- بسين مهملة مضمومة، وقيل بفتحها، وكسر اللام التي قبل الميم، ويقال فيه السلاليم.

تدنّى- بفوقية، فدال مهملة، فنون مشددة مفتوحات معتل: أي أخذه مالا مالا وحصنا حصنا.

الأدنى فالأدنى: أي الأقرب.

المنجنيق- بفتح الميم، وتكسر: آلة من آلات الحصار يرمى بها.

كنانة بكسر الكاف، ونونين.

حييّ- بحاء مضمومة، فتحتية مفتوحة، فأخرى مشددة.

أخطب: بالخاء المعجمة فالطاء المهملة وبالموحدة.

الحقيق- بضم الحاء المهملة، وفتح القاف الاولى، وسكون التحتية.

حقن دمه: امتنع من قتله وإراقته، أي جمعه له وحبسه عليه.

الصفراء: الذهب.

البيضاء: الفضة.

الكراع- بضم الكاف: اسم لجماعة الخيل خاصة.

الحلقة- بسكون اللام: السلاح أجمع، أو الدروع خاصة.

البزّ- بفتح الموحدة، وبالزاي: نوع من الثياب.

ذمة الله- بكسر المعجمة: عهده وميثاقه.

المسك- بفتح الميم، وسكون السين المهملة: الجلد.

خربة: أي مكان خرب ضد العامرة.

شرح غريب ذكر إرادته - صلى الله عليه وسلم - إجلاء يهود

٦/١٦٦٦/١٦٦

قوله: الجلاء- بفتح الجيم، وبالمد: الخروج من البلد.

بدا- غير مهموز: ظهر.

الشطر هنا- النّصف كما في الرواية الأخرى.

الخرص- بفتح الخاء المعجمة، وبكسرها هنا: حزر ما على النخل من الرطب تمرا.

السّحت- بضمتين ويسكن: المال الحرام، لا يحل لبسه، ولا أكله.

الفدع- بفتح الفاء، والدال، وبالعين المهملتين، أي اعوجاج الرسغ من اليد أو الرجل فينقلب الكف، أو القدم إلى الجانب الآخر، وذلك الموضع.

انفدعت- بفتحات، قال في التقريب: فدع اليهود يد عبد الله، ففدع: غير معروف في اللغة، ويحتمل أن يكون بغين معجمة. قال الأزهري: الفدغ: كسر شيء أجوف كالنقع، قلت: وفيه نظر، لأن الوارد أن يد عبد الله اعوجت فقط لا أنها كسرت. والله تعالى أعلم.

والإنسي- قال أبو زيد: الأيسر من كل شيء، وقال الأصمعي هو الأيمن، وقال كل اثنين من الإنسان مثل الساعدين والزندين، والقدمين، فما أقبل منهما على الإنسان فهو إنسي، وما أدبر عنه فهو وحشي.

الكوع- بالتحريك: أن تعوج اليد من قبل الكوع، وهو رأس اليد مما يلي الإبهام، والكرسوع رأسه مما يلي الخنصر.

عدي عليه بالبناء للمفعول.

ارفضّت: سال عرقها.

تؤم: تقصد.

القلوص- بفتح القاف، وضم اللام من الإبل: بمنزلة الجارية من النساء، وهي الشابة، الجمع قلص بضمتين، وقلاص- بالكسر، وقلائص.

هزيلة- بفتح الهاء وسكون الزاي: وهي المرة من الهزل ضد الجدّ.

شرح غريب قصة الشاة المسمومة

قوله سلام: وزن كلام.

مشكم: بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة.

مصلية- بفتح الميم، وسكون الصاد المهملة، أي المشوية.

٦/١٦٧٦/١٦٧

انتهس اللحم: أخذه بمقدم الأسنان للأكل.

لاك: مضغ.

ساغ اللقمة: بلعها.

لفظها: طرحها.

استرط: ابتلع.

الأكلة- بضمتين: المأكول.

الطيلسان- بفتح الطاء، واللام، وتكسر.

ماطله وجعه: طالت مدته.

الكاهل: مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق.

لهوات- بثلاث فتحات، جمع لهاة، وهي اللحمة المعلقة في أقصى الفم.

العداد- بعين مكسورة، فدال مهملتين: اهتياج وجع اللديغ، فإنه إذا تم له سنة من حين لدغ عاوده هياج الألم.

يعاودني- بضم أوله، ورابعه، وتشديده، أي يراجعني ألم سمّها. قال الداودي: الألم الذي حصل له- صلى الله عليه وسلم- من الأكلة هو نقص لذة ذوقه. قال ابن الأثير: وليس بيّن لأن نقص الذّوق ليس بألم.

الأبهر- بفتح الهمزة، وسكون الموحدة: عرق يكتنف الصّلب إذا انقطع مات صاحبه.

تجاوز عنها: عفا.

شرح غريب ذكر قدوم عيينة بن حصن وبني فزارة ومصالحة أهل فدك

٦/١٦٩٦/١٦٩

قوله: عيينة: تصغير عين.

فزارة- بفتح الفاء، والزاي المخففة.

ذو الرّقيبة- تصغير رقبة، وقيل: كسفينة: جبل مطلّ على خيبر.

جنفا- بفتح الجيم والنون، والفاء، والمد والقصر، وقد يضم أوّله في الحالين: ماء من مياه بني فزارة بين خيبر وفدك.

أحذاه- بالحاء المهملة، والذال المعجمة: أعطاه.

توضع: تسرع.

محيّصة- بميم فحاء مهملة مفتوحة، فتحتية مشددة مكسورة، فصاد مهملة.

فدك- بفتح الفاء، والدال المهملة، وبالكاف: بينها وبين المدينة كما قال ابن سعد: ستة أميال.

النّجدة: القوة.

نرى- بنون، فراء مهملة مبنيا للمفعول: نظن.

حراهم- جمع حرّة- بالحاء المهملة، والراء المشدّدة: وهي أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أحرقت بالنار.

فتّ أعضادهم: كسر قوتهم، والعضد: الناصر والمعين.

شرح غريب ذكر المراهنة وخبر الحجاج بن علاط - رضي الله تعالى عنه -

يفلت- بضم التحتية، وسكون الفاء، وبالفوقية بعد اللام: يخلص نجاة.

خاطره- بالخاء المعجمة، والطاء المهملة: راهنه.

ضوى إليه- بالضاد المعجمة الساقطة: أي مال.

يغير- بغين معجمة: من الإغارة وهي كبس العدو.

٦/١٧٠٦/١٧٠

الثّنية البيضاء: عقبة تهبطك إلى فخ- بالخاء المعجمة- وأنت مقبل من المدينة تريد أسفل مكة قبل ذي طوى.

الريف- بالكسر: الخصب والسعة في المطعم، وحيث تكون الخضرة والحياة.

يتحسّبون الأخبار- بفتح التحتية والفوقية والحاء، والسين المشددة المهملتين وضم الموحدة، أي يتطلبونها.

التبطوا لجنب ناقتي: مشوا إلى جنبها كمشي العرجاء لازدحامهم حولها.

الحجاز: ما بين نجد والسّراة.

الأنفة- بفتح الهمزة، والنون: الحميّة.

المنعة- بالتحريك: جمع مانع، ككاتب وكتبة، ويسكن على معنى منعة واحدة، وهي العشيرة فالحماة.