غزوة خيبر
السابعة عند الجمهور، والسادسة عند مالك وابن حزم، وعمره ﷺ ٥٨
المبحث الأول: في سبب الغزوة.
...
الفصل الثاني: المبحث الأول: في سبب الغزوة ١٠٣- قال البيهقي: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر بن الحسن ١ القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس ٢ محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد ٣ بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس ٤ بن بكير عن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعاً قالا: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله عزوجل فيها خيبر ٥ ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مغَانِمَ كَثِيرةً تَأخذونَها فَعَجَّلَ لكم هذه﴾ خيبر، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي الحجة، فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم ٦، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرَّجِيْع ٧ - وادٍ بين خيبر وغطفان - فتخوف أن تمدهم غطفان، فبات به حتى أصبح فغدا إليهم ٨.
- ١ثقة تقدم في الرواية رقم (٨٤) .
- ٢ثقة تقدم في الرواية رقم (٨٤) .
- ٣أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي، أبو عمر الكوفي، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، من العاشرة، لم يثبت أن أبا داود أخرج له، مات سنة اثنتين وسبعين وله خمس وتسعون سنة، د. التقريب ٨١، تقدمت ترجمته في الرواية رقم (٢٠) .
- ٤يونس، تقدمت ترجمته في الرواية (٢٠) .
- ٥خيبر - بمعجمة وتحتانية وموحّدة - بوزن جعفر، وسميت: خيبر/ بخيبر بن قانية وهو أول من نزلها. معجم ما استعجم للبكري ٢/٥٢٣،وفتح الباري ٧/٤٦٤، وهي تبعد عن المدينة من جهة الشمال قرابة (١٦٥) كيلاً بالطريق المعبد. معجم المعالم الجغرافية ١١٨.
- ٦وهو الصواب، وسيأتي من خالفه في ذكر الشهر في المبحث الثاني.
- ٧الرّجيع: بفتح الراء وكسر الجيم وآخره عين مهملة، مكان قرب خيبر، ذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى خيبر نزل بوادٍ يقال له: الرجيع، فنزل بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر، وهو غير الرجيع، الذي غدرت فيه عضل والقارّة بسرية عاصم بن ثابت وأصحابه. معجم البلدان ٣/٢٩.
- ٨دلائل النبوة ٤/١٩٧.
المبحث الثاني: في تاريخ الغزوة.
١٠٤- أخرج البيهقي في الدلائل من حديث محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب: هذا ذكر مغازي النبي صلى الله عليه وسلم التي قاتل فيها، فذكرهن، وقال في جملتهنّ: ثم قاتل يوم خيبر من سنة ست ١
- ١دلائل النبوة للبيهقي ٤/١٩٥، وممن قال بأنها سنة ست الإمام مالك كما في تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/٢٣٠، وتاريخ دمشق لابن عساكر ١/٣٣، وزاد المعاد ٣/ ٣١٦، وممن قال بذلك أيضاً ابن حزم الظاهري، جوامع السيرة ١٦٧، وسيأتي التوجيه في ذلك. وحددّ ابن شهاب الشهر فذكر أن خيبر كانت في المحرم، انظر: دلائل البيهقي ٤/١٩٧. وكذلك قال ابن إسحاق إلا أنه قال في السنة السابعة. ابن هشام ٢/٣٢٨. وممن قال بأنها في السنة السابعة أيضاً: الواقدي كما في المغازي ٢/٦٣٤، إلا أنه قال: كانت في شهر صفر أو ربيع الأول، وابن سعد كما في الطبقات ٢/١٠٦، إلا أنه قال بأنها كانت في شهر جمادى الأولى وذكر البلاذري في أنساب الأشراف قسم السيرة، أنها كانت في صفر سنة سبع، قال: ويقال: في جمادى الأولى، ويقال: في شهر ربيع الأول. أنساب الأشراف ١/ ٣٥٢ رقم (٧٣٧) . قال ابن القيم في الزاد (٣/ ٣١٦) : "والجمهور على أنها في السابعة، ولعل الخلاف مبني على أول التاريخ، هل هو شهر ربيع الأول شهر مقدمه المدينة، أو من المحرم في أول السنة؟ وللناس في هذا طريقان: فالجمهور على أن التاريخ وقع من المحرم، وأبو محمد ابن حزم يرى أنه من شهر ربيع الأول حين قدم. اهـ. وذكر نحو هذا التوفيق الحافظ ابن حجر في الفتح ٧/ ٤٦٤. ورجح قول ابن إسحاق. انظر: الفتح ٧/ ٤٦٤. وقد ذكر ابن سعد في موضع آخر أنها كانت في رمضان لثمان عشرة خلت منه، الطبقات ٢/ ١٠٨، وكذلك ابن أبي شيبة في المصنف ١٤/ ٤٦٣، حديث رقم (١٨٧٢٦) ، وهذا غريب مع أن إسناد الحديث حسن كما ذكر ذلك ابن حجر في الفتح ٤/ ٤٦٥. فقد قال رحمه الله: "الحديث إسناده حسن، إلا أنه خطأ ولعلها كانت إلى حنين فتصحفت، وتوجيهه: بأن غزوة حنين كانت ناشئة عن غزوة الفتح، وغزوة الفتح خرج النبي صلى الله عليه وسلم فيها في رمضان جزماً". الفتح ٧/ ٤٦٥.
لمبحث الثالث: في فتح خيبر على يد علي رضي الله عنه وقتله مرحبا اليهودي.
المبحث الثالث: في فتح خيبر على يد علي رضي الله عنه وقتله مرحباً اليهودي ١٠٥- أخرج معمر في جامعه عن الزهري عن ابن المسيب: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: " لأدفعنَّ الراية إلى رجل يحب الله ورسوله - أو يحبه الله ورسوله " فدفعها إلى عليّ وإنه لأرمد ما يبصر موضع قدميه، فبصق في عينيه، وكان الفتح" ١.
- *جامع معمر المطبوع مع مصنف عبد الرزاق ١١/ ٢٢٨ رقم (٢٠٣٩٥) ومن طريق معمر أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٢/ ٧٠ رقم (١٢١٤٧) . وفتح خيبر على يد علي رضي الله عنه ثابت في البخاري من غير طريق الزهري (صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٧٦ رقم (٤٢٠٩، ٤٢١٠) من حديث سلمة بن الأكوع وسهل بن سعد، ومسلم رقم (٢٤٠٥و ٢٤٠٧) . ومسند أحمد ١٤/ ٥٤٠ رقم [٨٩٩٠] أرناؤوط، والحاكم في المستدرك ٣/ ٣٧، ودلائل البيهقي ٤/ ٢١٤- ٢١٥، عن الزهري مرسلاً وستأتي إن شاء الله.
١٠٦- أخرج سعيد بن منصور ١ في سننه قال: نا إسماعيل بن عياش ٢ عن إسماعيل بن رافع ٣ عن الزهري قال: بارز علي رضي الله عنه رجلاً من اليهود يقال له مرحب فقتله وأخذ سلبه ٤.
- ١هو: سعيد بن منصور بن شعبة، أبو عثمان الخراساني، نزيل مكة، ثقة مصنف وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به، مات سنة سبع وعشرين، وقيل بعدها، من العاشرة، ع، التقريب ٢٤١، رقم (٢٣٩٩) .
- ٢إسماعيل بن عياش بن سُليم العنسي، بالنون، أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، من الثامنة، توفي سنة إحدى - أو اثنتين - وثمانين، وله بضع وسبعون سنة، ي، التقريب ١٠٩، وهو هنا يروي عن إسماعيل ابن رافع، مدني بصري.
- ٣إسماعيل بن رافع بن عويمر الأنصاري المدني، نزيل البصرة، يكنى أبا رافع، ضعيف الحفظ، من السابعة، مات في حدود الخمسين، البخاري ت ق، التقريب ١٠٧ رقم (٤٤٢) .
- ٤سنن سعيد بن منصور ٢/ ٢٦١ رقم (٢٦٩٩) وسنده ضعيف، لكن يشهد لذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه - من غير طريق الزهري - من حديث سلمة بن الأكوع أن الذي قتل مرحباً هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ١٨٥- ١٨٦.
١٠٧- وأخرج البيهقي من طريق محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم خيبر فوعظ الناس، فلما فرغ من موعظته، دعا علي بن أبي طالب وهو أرمد ١ فبصق في عينيه ودعا له بالشفاء، ثم أعطاه الراية واتبعه المسلمون واتبعتهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ووطنوا ٢ أنفسهم على الصبر، فلما أن دنا المسلمون من باب الحصن خرجت إليه اليهود بعاديتها ٣ فقتل صاحب عادية اليهود، فانقطعوا وقتل محمد بن مسلمة أخو بني عبد الأشهل مرحباًً اليهودي، لفظ حديث محمد ابن فليح ٤.
- ١الرمد: وجع العين وانتفاخها، لسان العرب. مادة (رمد) .
- ٢توطين النفس: تمهيدها، وطّن نفسه على الشيء وله فتوطنت، حملها عليه فتحملت وذلت له، لسان العرب، مادة (وطن) .
- ٣فخرجت عاديتهم: أي الذين يعدون على أرجلهم. النهاية ٣/ ١٩٤.
- ٤دلائل النبوة للبيهقي ٤/ ٢١٤- ٢١٥، وهو مرسل، وقد وصله ابن إسحاق من غير طريق الزهري فقال: فحدثني عبد الله بن سهل، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وذكر خروج مرحب وطلبه للمبارزة، وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: " ... من لهذا؟ " قال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله". ثم ذكر قصة قتله، ابن هشام ٢/ ٣٣٣، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أحمد ٢٣/ ٣٣٨ رقم [١٥١٣٤] أرناؤوط. والحاكم في المستدرك ٣/ ٤٣٦، وإسناده حسن، فإن ابن إسحاق قد صرح فيه بالتحديث. وقال الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٣٧) : "إن الأخبار متواترة بأسانيد كثيرة أن قاتل مرحب هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه". قال النووي: "هذا هو الأصح أن علياً هو قاتل مرحب، وقيل: إن قاتل مرحب هو محمد بن مسلمة، قال ابن عبد البر في كتابه الدرر في مختصر السير: قال محمد بن إسحاق إن محمد بن مسلمة هو قاتله، قال: وقال غيره: إنما كان قاتله علياً، قال ابن عبد البر: هذا هو الصحيح عندنا، قال ابن الأثير: الصحيح الذي عليه أكثر أهل الحديث وأهل السير أن علياً هو قاتله، والله أعلم" شرح النووي على مسلم ١٢/ ١٨٦. وقال الحافظ ابن حجر: "وقيل محمد بن مسلمة كان بارزه فقطع رجليه فأجهز عليه علي". فتح الباري (٧/ ٤٧٨) . وقد ذكر الواقدي: أن محمد بن مسلمة قطع ساقي مرحب، فقال مرحب: أجهز علي يا محمد. قال محمد: "ذق الموت كما ذاقه أخي محمود وجاوزه، فمر به علي فضرب عنقه، وأخذ سلبه". مغازي الواقدي ٢/ ٦٥٦. قلت: وبذلك يجمع بين الروايتين. وقيل: إن الذي قتله هو الحارث أخو مرحب فاشتبه على بعض الرواة، فإن لم يكن كذلك وإلا فما في الصحيح مقدم
المبحث الرابع: في استشهاد عامر بن الأكوع.
١٠٨- قال الإمام مسلم ١: وحدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني عبد الرحمن "ونسبه غير ابن وهب فقال: ابن عبد الله بن كعب بن مالك) ٢: أن سلمة بن الأكوع قال: لماض كان يوم خيبر قاتَل أخي١ قتالاً شديداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتدّ عليه سيفه فقتله، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وشكوا فيه: رجلٌ مات في سلاحه، وشكوا في بعض أمره. قال سلمة: فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، فقلت: يا رسول الله، ائذن لي أن أرجز لك٢، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر بن الخطاب: أعلم ما تقول. قال: فقلت: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدقت" . وأنزلنْ سكينةً علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا ......................... ... والمشركون قد بغوا علينا قال: فلما قضيت رجزي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال هذا؟ " قلت: قاله أخي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يرحمه الله" . قال: فقلت: يا رسول الله، إن ناساً ليهابون الصلاة عليه، يقولون: رجلٌ مات بسلاحه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مات جاهداً مجاهداً" ١. قال ابن شهاب: ثم سألت ابناً لسلمة بن الأكوع، فحدثني عن أبيه مثل ذلك، غير أنه قال حين قلت: "إن ناساً يهابون الصلاة عليه" ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذبوا، مات جاهداً مجاهداً، فله أجره مرتين " ، وأشار بإصبعيه ٢.
- ١صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ١٦٩.
- ٢وأخرجه أبو داود من طريق الزهري في الجهاد: باب في الرجل يموت بسلاحه رقم (٢٥٣٨) ، والنسائي ٦/ ٣٠- ٣٢، وأحمد في المسند ٢٧/ ٢٩- ٣٠ رقم [١٦٥٠٣] أرناؤوط، وابن حبان في صحيحه (الإحسان ٧/ ٤٧٠ رقم ٣١٩٦) ، والطبراني في الكبير ٧/ ٧ رقم (٦٢٢٥، و ٦٢٢٧، و٦٢٣٠) ، والبخاري في التاريخ الكبير ٥/ ٣١٢ مختصراً، وابن الأثير في أسد الغابة ٣/ ١٢٥. وأخرج نحوه البخاري من غير طريق الزهري رقم (٤١٩٦) ، ومسلم بشرح النووي ١٢/ ١٦٧- ١٦٩.
- *قال النووي: "هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم وهو صحيح، وهو من فضائل مسلم ودقيق نظره وحسن خبرته وعظيم إتقانه، وسبب هذا: أن أبا داود والنسائي وغيرهما من الأئمة رووا هذا الحديث بهذا الإسناد وعن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الرحمن وعبد الله بن كعب بن مالك عن سلمة قال أبو داود: "قال أحمد بن صالح: الصواب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، وأحمد بن صالح هذا هو شيخ أبي داود في هذا الحديث وغيره وهو رواية عن ابن وهب. قال الحافظ: والوهم في هذا من ابن وهب فجعل عبد الله بن كعب راوياً عن سلمة وجعل عبد الرحمن راوياً عن عبد الله وليس هو كذلك، بل عبد الرحمن يرويه عن سلمة وإنما عبد الله والده فذكره في نسبه، لأن له رواية في هذا الحديث، فاحتاط مسلم رضي الله عنه فلم يذكر في روايته عبد الرحمن وعبد الله كما رواه ابن وهب بل اقتصر على عبد الرحمن ولم ينسبه لأن ابن وهب لم ينسبه، وأراد مسلم تعريفه فقال: قال غير ابن وهب، وحذف مسلم ذكر عبد الله من رواية ابن وهب وهذا جائز. اهـ. شرح النووي على مسلم ١٢/ ١٧٠- ١٧١. ١اسمه: عامر بن الأكوع رضي الله عنه، كما في البخاري رقم (٤١٩٦) ومسلم بشرح النووي ١٢/ ١٦٥. ٢ الرجز: بحر من بحور الشعر، فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر. النهاية ٢/ ١٩٩.
- *قوله: مات جاهداً مجاهداً: هو - بكسر الهاء وتنوين الدال - مُجاهداً - بضم الميم وتنوين الدال أيضاً - وفسروا الجاهد بالجاد في عمله أي أنه لجاد في طاعة الله، والمجاهد هو المجاهد في سبيل الله وهو الغازي. النووي على صحيح مسلم ١٢/ ١٦٨- ١٦٩.
المبحث الخامس: في موقف بني فزارة من أهل خيبر.
١٠٩- أخرج البيهقي من حديث محمد بن فليح قال: حدثنا موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: كانت بنو فزارة ١ ممن قدم على أهل خيبر ليعينوهم، فراسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يعينوهم، وسألهم أن يخرجوا عنهم ولكم من خيبر كذا وكذا ٢، فأبوا عليه، فلما فتح الله عليه خيبر أتاه من كان من بني فزارة، فقالوا: حظنا والذي وعدتنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حظكم) أو قال: (لكم ذو الرُّقَيبة) ٣ جبل من جبال خيبر، فقالوا: إذاً نقاتلك. فقال: "موعدكم جَنَفَا" ٤.
- ١بنو فزارة: بطن من غطفان، وفزارة هو ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان ابن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار معد بن عدنان، جمهرة أنساب العرب. لابن حزم ٢٥٥.
- ٢في مغازي الواقدي (٢/ ٦٥٠) : أن ارجع بمن معك ولك نصف تمر خيبر هذه السنة.
- *ذو الرقيبة: تصغير الرقبة، جبل مطل على خيبر، معجم البلدان ٣/ ٦٠، والمعالم الأثيرة ١٢٩.
- *موعدكم (جنفا) : - بفتح الجيم والنون والمد -، وفي رواية - بضم الجيم -، وهو موضع في صقع خيبر ولا يزال معروفاً في الضغن، منحدر الحرة، حرة خيبر وفدك شرقاً، المعالم الأثيرة ٩٢- ٩٣.
فلما سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا هاربين ١.
- ١دلائل النبوة ٤/ ٢٤٨- ٢٤٩ وهي رواية مرسلة. وقد ذكر الواقدي في المغازي (٢/٦٥٠- ٦٥١) هذه الرواية مطولاً بدون إسناد وفي سياقه بعض الاختلاف. أما ابن إسحاق فقد أشار إلى مظاهرة غطفان ليهود خيبر ولكن بسياق آخر فقد قال: فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر جمعوا له ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى إذا ساروا مرحلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حساً، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله وبين خيبر. ابن هشام ٢/ ٣٣٠.
المبحث السادس: في قصة الرجل الذي قتل نفسه.
١١٠- قال البخاري ١: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: شهدنا خيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن كان معه يدّعي الإسلام: "هذا من أهل النار" . فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال، حتى كثرت به الجراح، فكاد بعض الناس يرتاب، فوجد الرجل ألم الجراحة فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهماً، فنحر بها نفسه، فاشتد رجالٌ من المسلمين فقالوا: يا رسول الله، صدق الله حديثك، انتحر فلانٌ فقتل نفسه، فقال: "قم يا فلان، فأذّن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر" . تابعه معمر عن الزهري.
- ١البخاري مع الفتح (٧/ ٤٧١ رقم (٤١٠٣) ، وقد روى البخاري نحو هذه الرواية من غير طريق الزهري، ولم يسم فيها الغزوة، وقد أخرجها مسلم ٌ من طريق الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، وذكر أن الغزوة حنين، انظر: صحيح مسلم رقم (١١١) ، وأخرجها أيضاً من غير طريق الزهري رقم (١١٢) ولكنه لم يسم الغزوة. وأخرجها أحمد في المسند ١٣/ ٤٥٣ رقم [٨٠٩٠] و٢٨/ ٤٥٣ رقم [١٧٢١٨] أرناؤوط من طريق الزهري، وسمى الغزوة (خيبر) ، ورواها ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٨٨) من غير طريق الزهري بإسناد منقطع، وذكر أن الغزوة أحد، وأن الرجل اسمه قُزمان، ووافق ابنَ إسحاق في ذلك الواقدي في المغازي (١/ ٢٦٣) وقد يحمل ذلك على تعدد القصة، كما ذكر الباكري في (مرويات غزوة أحد) ص ٢٤٩. والله أعلم.
المبحث السابع: في اصطفاء الرسول صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي رضي الله عنها وزواجه بها.
١١١- قال الطبراني: حدثنا القاسم ١ بن عبد الله بن مهدي الأخميمي المصري، ثنا عمي محمد بن مهدي ٢، ثنا عنبسة بن خالد ٣، ثنا يونس، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ٤، عن أبيه قال: سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب ٥ من بني النضير، وكانت مما أفاء الله عليه ٦.
- ١تقدمت ترجمته في الرواية رقم [٧٤] ، وهو ضعيف واتهم بالوضع.
- ٢تقدمت ترجمته في الرواية رقم [٧٤] ، وهو ضعيف واتهم بالوضع.
- ٣هو: عنبسة بن خالد بن يزيد الأموي مولاهم، الأيلي، بفتح الهمزة بعدها تحتانية ساكنة، صدوق، من التاسعة، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة، خ د، التقريب ٤٣٢.
- ٤هو: أسعد بن سهل بن حُني ف بضم المهملة، الأنصاري أبو أمامة، معروف بكنيته، معدود في الصحابة، له رؤية ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، توفي سنة مائة، وله اثنتان وتسعون، ع، التقريب ١٠٤، والإصابة ١/ ٩٧- ٩٨.
- ٥هي: أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب بن سعنة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب ابن أبي خبيب من بني النضير، وهم من سبط لاوى بن يعقوب ثم من ذرية هارون ابن عمران أخي موسى عليهما السلام، كانت تحت سلام بن مشكم ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق، فقتل كنانة يوم خيبر فصارت صفية في السبي، فأخذها دحية، ثم استعادها النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقها وتزوجها. الإصابة ٤/ ٣٤٧.
- ٦المعجم الكبير ٢٤/ ٦٦ رقم (١٧٤) قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٤٦) وفيه القاسم بن عبد الله بن مهدي وهو ضعيف وقد وثق.
١١٢- وقال ابن أبي عاصم: حدثنا حسين بن حسن بن حرب ١، نا حجاج ٢ بن أبي منيع، عن جده ٣، عن الزهري، قال: سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها من بني النضير يوم خيبر وهي عروس بكنانة ٤ بن أبي الحقيق ٥.
- ١هو الحسين بن الحسن بن حرب السلمي أبو عبد الله المروزي، نزيل مكة، صدوق من العاشرة، توفي سنة ست وأربعين، ت ق، التقريب ١٦٦ رقم (١٣١٥) .
- ٢تقدمت ترجمته في الرواية رقم [٣٥] ، وهوثقة.
- ٣تقدمت ترجمته في الرواية رقم [٣٥] ، وهو صدوق.
- ٤كانت قد تزوجت قبله بسلام بن مشكم، كما ذكر ابن حجر، الإصابة ٤/ ٣٤٧
- ٥الآحاد والمثاني ٥/ ٤٤٠ رقم (٣١١٠) ، وسنده حسن إلى الزهري، لكنه مرسل، وقد أخرجه الطبراني في الكبير ٢٤/ ٦٦ رقم (١٧٣) من طريق الحجاج بن أبي منيع قال: حدثني جدي عبيد الله بن زياد عن الزهري فذكره. وقصة سبي صفية ثابتة من غير طريق الزهري فقد أخرجها البخاري في مواضع عدة من صحيحه منها: الصحيح مع الفتح ١/ ٤٧٩- ٤٨٠ رقم (٣٧١) و٧/ ٤٧٨- ٤٧٩ رقم (٤٢١١) ، ومسلم بشرح النووي ٩/ ٢١٨- ٢٢٤، كلاهما من حديث أنس رضي الله عنه، وأخرجها أيضاً سعيد بن منصور في سننه رقم (٢٦٧٦) وأبو داود في سننه رقم (٢٩٩٥) وغيرهم.
١١٣- وقال أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة ١، حدثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن أنس ٢: أن النبي صلى الله عليه وسلم أَوْلَمَ على صفية - أراه قال: بتمر وسويق -٢.
- ١هو: زهير بن حرب بن شداد، أبو خيثمة النسائي، نزيل بغداد، ثقة، ثبت، روى عنه مسلم أكثر من ألف حديث، من العاشرة، توفي سنة أربع وثلاثين، وهو ابن أربع وسبعين، خ م د س، التقريب ٢١٧.
- ٢هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار أبو حمزة الخزرجي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد المكثرين عنه، خرج إلى بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام يخدمه، شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ثماني غزوات، مات بالبصرة سنة تسعين وقيل: إحدى وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة ثلاث، وهو ابن مائة سنة وقيل: ابن مائة وثلاث سنين. وقيل: ابن مائة وسبع. الإصابة ١/ ٧١- ٧٢.
- *مسند أبي يعلى ٦/ ٢٥٩، رقم (٣٥٥٩) . وهو حديث صحيح.
المبحث الثامن: في محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم بالسم.
...
المبحث الثامن: في محاولة قتل الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمّ.
١١٤- قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا العباس بن محمد ١، قال: حدثنا سعيد بن سليمان ٢ قال: حدثنا عباد هو ابن العوام ٣، عن سفيان يعني ابن حسين ٤، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن ٥ عن أبي هريرة: "أن امرأة من اليهود أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاةً مسمومةً، فقال لأصحابه: " أمسكوا؛ فإنها مسمومة "، فقال: " ما حملكِ على ما صنعتِ؟ " قالت: أردت أعلم إن كنت نبياً فسيطلعك الله عليه، وإن كنت كاذباً أريح الناس منك، قال: فما عرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "١.
- ١هو: العباس بن محمد بن حاتم الدوري أبو الفضل البغدادي خوارزمي الأصل، ثقة حافظ من الحادية عشرة، توفي سنة ٧١، وقد بلغ ثمانين سنة، ع، التقريب ٢٤٩.
- ٢هو سعيد بن سليمان الضبي أبو عثمان الواسطي نزيل بغداد، البزار، لقبه سعدويه، ثقة حافظ من كبار العاشرة، توفي سنة خمس وعشرين وله نحو من سبعين، ع، التقريب ٢٣٧.
- ٣عباد بن العوام بن عمر الكلابي مولاهم أبو سهل الواسطي، ثقة من الثامنة، توفي سنة خمس وثمانين أو بعدها وله نحو من سبعين، ع، التقريب ٢٩٠.
- ٤هو: سفيان بن حسين، ثقة في غير الزهري، وقد تقدم في الرواية رقم [٢٠] .
- ٥أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، من الثالثة، توفي سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين، ع، التقريب ٦٤٥.
١١٥- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ١: "أن امرأةً يهوديةً٣ أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم شاةً مصليَّةً٤ بخيبر، فقال: "ما هذه؟ " قالت: هدية، وحَذِرت أن تقول: هي من الصدقة فلا يأكل، قال: فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وأكل أصحابه، ثم أمسكوا، فقال للمرأة: "هل سممت هذه الشاة" ؟ قالت: من أخبرك؟ قال: "هذا العظم - لساقها وهي في يده –" . قالت: نعم. قال: (لِمَ؟) . قالت: أردت إن كنت كاذباً أن يستريح منك الناس، وإن كنت نبياً لم يضرك. قال: فاحتجم ٢ النبي صلى الله عليه وسلم على الكاهل ٣، وأمر أصحابه فاحتجموا فمات بعضهم"٣. قال الزهري: "فأسلمت ٤، فتركها ٥ النبي صلى الله عليه وسلم" ٣. قال معمر: وأما الناس فيقولون: قتلها النبي صلى الله عليه وسلم ٦.
- ١عند ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٠١) عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وستأتي إن شاء الله، وعند أبي داود في السنن في رواية أخرى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك رقم (٤٥١٤) .
- ٢الاحتجام: مص الدم الفاسد من جسم الإنسان بعد الفصاد، والمحجم - بالكسر - الآلة التي يجتمع فيها دم الحجامة عند المص، والمحجم أيضاً مشرط الحجامة. النهاية ١/ ٣٤٧.
- ٣الكاهل: مقدم أعلى الظهر. النهاية ٤/ ٢١٤.
- ٤ذكرها ابن حجر في الإصابة ٤/ ٣١٤، ولعله بناءً على رواية الزهري: انظر: المصدر السابق، وقال رحمه الله: ولم ينفرد الزهري بدعواه أنها أسلمت، فقد جزم بذلك سليمان التيمي في مغازيه، ولفظه بعد قولها: وإن كُنْتَ كاذباً أرحت الناس منك. وقد استبان لي الآن أنك صادق، وأنا أُشهد من حضر أني على دينك، وأن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، قال: فانصرف عنها حين أسلمت. الفتح ٧/ ٤٩٧ - ٤٩٨.
- ٥اختلف العلماء هل قتلها النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فقد روى مسلم من حديث أنس أنهم قالوا: "ألا نقتلها؟ قال: لا". صحيح مسلم بشرح النووي ١٤/ ١٧٨، وكذلك عند أبي داود رقم (٤٥١٠) من مرسل الزهري عن جابر، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٤٦، والدلائل ٤/ ٢٥٩. وروى أبو داود من حديث أبي هريرة وفيه: " ... فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت" السنن رقم (٤٥١٢) ، وكذلك عند الحاكم في المستدرك ٣/ ٢١٩- ٢٢٠. وورد أنه دفعها إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها، الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٢٠٢. الجمع بين ذلك: قال النووي: "قال القاضي عياض: وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها أولاً حيت اطلع على سمها، وقيل له: اقتلها، فقال: لا، فلما مات بشر بن البراء من ذلك، سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصاً، فيصح قولهم: لم يقتلها أي في الحال، ويصح قولهم: قتلها أي بعد ذلك والله أعلم". اهـ. النووي على شرح مسلم ١٤/ ١٧٩.
- ٦ومن طريق معمر أخرجه البيهقي في الدلائل ٤/ ٢٦٠- ٢٦١، وهو مرسل ويحتمل أن يكون عبد الرحمن حمله عن جابر. دلائل النبوة ٤/ ٢٦٢.
- *دلائل البيهقي ٤/ ٢٥٩- ٢٦٠، وسيأتي ما يقويه من روايات أخرى.
- *اسمها: زينب بنت الحارث أخي مرحب، وهي امرأة سلام بن مشكم، ذكر ذلك ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٣٣٧) وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ٢٠١. أما النووي فقد قال: اسمها زينب بنت الحارث أخت مرحب اليهودي، روينا تسميتها هذه في مغازي موسى بن عقبة ودلائل النبوة للبيهقي، شرح النووي على مسلم ١٤/ ١٧٩. والذي في الدلائل (٥/ ٢٣١) من طريق محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب أن اسمها: زينب بنت الحارث اليهودية وهي: ابنة أخي مرحب، ولم ينسبها، فالصواب أنها ابنة أخي مرحب، وليست أخته. والله أعلم.
- *مَصْلِيَّة: أي: مشوية، ويقال: صليت اللحم - بالتخفيف - أي شويته، فهو مصلي. النهاية ٣/٥٠.
- *لم تذكر الروايات إلا بشر بن البراء بن معرور رضي الله عنه. انظر: ابن هشام ٢/ ٣٣٨، والطبقات لابن سعد ٢/ ٢٠٢، ودلائل البيهقي ٤/ ٢٦٢، والسنن ٨/ ٤٦، والنووي في شرحه على مسلم ١٤/ ١٧٩.
- *مصنف عبد الرزاق ١١/ ٢٨ رقم (١٩٨١٤) . وسنده صحيح.
١١٦- وأخرج البيهقي من طريق محمد بن فليح قال: حدثنا موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وقتل من قتل منهم، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية وهي ابنة أخي مرحب لصفية شاةً مصليةً، وسمّتها، وأكثرت في الكتف والذراع لأنه بلغها أنه أحبّ أعضاء الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل رسول الله على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة، فقدمت إليهم الشاة المصلية، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتف وانتهش ١ منها، وتناول بشر بن البراء عظماً فانتهش منه، فلما استرط ٢ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمته استرط بشر بن البراء ما في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارفعوا أيديكم؛ فإن كتف هذه يخبرني أن قد بُغِيتُ٣ فيها " ، فقال بشر بن البراء: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلتُ، فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمت أن أنغصك ٣ طعامك، فلما أسغتَ ما في فيك لم أكن أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها بغي، فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه مثل الطيلسان ٤، وماطله وجعه حتى كان لا يتحول إلى ما حول "٢.
- ١أي أخذ بأطراف الأسنان. القاموس ٧٨٥ مادة (نهش) .
- ٢سرط: أي ابتلعه. القاموس ٨٦٤ مادة (سرط) .
- ٣يقال: أنغص الله عليه العيش: كَدَّره. القاموس (نغص) .
- ٤الطيلسان: ضربٌ من الأكسية الملونة. لسان العرب (طلس) .
- *في البداية والنهاية ٤/ ٢١٠: نُعِيتُ فيها، أي أخبره بالموت الذي فيها. انظر: القاموس (نعى) .
١١٧- وقال الدارمي: أخبرنا الحكم بن نافع ١، أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: ثم كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاةً مصليَّةً، ثم أهدتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلممنها الذراع فأكل منها، وأكل الرهط من أصحابه معه، ثم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "ارفعوا أيديكم "، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية فدعاها فقال لها: " أسممتِ الشاة "؟ فقالت: نعم، ومن أخبرك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أخبرتني هذه في يدي؛ الذراع ٢، فقالت: نعم، قال: "فماذا أردت إلى ذلك؟ " ، قالت: قلت إن كان نبياً فلن يضره، وإن لم يكن نبياً استرحنا منه، فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعاقبها، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هندٍ١ مولى بني بياضة بالقرن والشفرة ٣، وهو من بني ثمامة، وهم حيٌّ من الأنصار"٣.
- ١الحكم بن نافع البهراني: - بفتح الموحدة - أبو اليمان الحمصي، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، يقال إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة، من العاشرة، توفي سنة اثنتين وعشرين، ع، التقريب ١٧٦، رقم (١٤٦٤) .
- ٢في رواية عبد الرزاق المتقدمة: قالت: من أخبرك؟ قال: هذا العظم - لساقها وهي في يده - المصنف ١١/ ٢٨.
- ٣القرن والشفرة: أما القرن قيل: هو قرن ثور جُعِل كالمحجمة. النهاية ٤/ ٥٤. وأما الشفرة: فهي السكين العريضة. النهاية ٢/ ٤٨٤. وهما آلتان تستخدمان للحجامة.
- *دلائل النبوة ٤/ ٢٦٣- ٢٦٤، وهذا الحديث مرسل، وسيأتي ما يشهد له إن شاء الله.
- *أبو هند: قيل: اسمه عبد الله، وقال ابن منده: يقال: اسمه: يسار، ويقال: سالم، وهو مولى فروة بن عمرو البياضي من الأنصار، تخلف عن بدر، وشهد المشاهد بعدها. الإصابة ٤/ ٢١١.
- *سنن الدارمي ١/ ٤٦ رقم (٦٨) . وأخرجه أبو داود في السنن رقم (٤٥١٠) من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في الدلائل ٤/ ٢٦١- ٢٦٢. وهو مرسل، لأن الزهري لم يسمع من جابر شيئاً، كما قال الخطابي في معالم السنن ٤/ ٦٥٨. وقال المنذري: هذا الحديث منقطع، الزهري لم يسمع من جابر بن عبد الله، عون المعبود ١٢/ ٢٣١. وقصة الشاة المسمومة قد وردت من غير طريق الزهري، فقد أخرجها البخاري في صحيحه رقم (٣١٦٩) من حديث أبي هريرة، ومسلم في صحيحه مع شرح النووي ١٤/ ١٧٥ من حديث أنس بن مالك، وأبو داود رقم (٤٥١٢) من حديث أبي هريرة، والدارمي في السنن ١/ ٤٧ رقم (٦٩) من حديث أبي هريرة أيضاً.
١١٨- وقد أخرج ابن سعد ١ عن جمع من الرواة ومنهم الزهري زاد بعضهم على بعض، قالوا: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر واطمأن، جعلت زينب بنت الحارث أخي مرحب، وهي امرأة سلام بن مِشْكم، تسأل: أي الشاة أحبّ إلى محمد؟ فيقولون: الذراع، فعمدت إلى عنز لها فذبحتها، وصلتها، ثم عمدت إلى سُمٍّ لا يُطْني ١، وقد شاورت يهود في سموم، فأجمعوا لها على هذا السمّ بعينه، فسمّت الشاة وأكثرت في الذراعين، والكتف، فلما غابت الشمس وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب بالناس، انصرف وهي جالسة عند رجليه، فسأل عنها فقالت: يا أبا القاسم هدية أهديتها لك، فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فأخذت منها، فوضعت بين يديه، وأصحابه حضور، أو من حضر منهم، وفيهم بشر بن البراء بن معرور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادنوا فتعشوا" ، وتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فانتهش منها، وتناول بشر بن البراء عظماً آخر فنهش منه، فلما ازدرد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمته ازدرد بشر بن البراء ما في فيه، وأكل القوم منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع - وقال بعضهم فإن كتف الشاة - تخبرني أنها مسمومة" . فقال بشر: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك من أكلتي التي أكلت حين التقمتها، فما منعني أن ألفظها إلا أني كرهت أن أبغض إليك طعامك. فلما أكلت ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون ازدردتها وفيها بغي، فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان، وماطله وجعه سنة لا يتحول إلا ما حول، ثم مات، وقال بعضهم: فلم يَرُمْ بشر من مكانه حتى توفي، قال: وطرح منها لكلب فأكل فلم يتبع يده حتى مات، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت الحارث فقال: "ما حملك على ما صنعت؟ " . فقالت: نلت من قومي ما نلت، قتلت أبي وعمي وزوجي، فقلت: إن كان نبياً فستخبره الذراع، وقال بعضهم: وإن كان ملكاً استرحنا منه، ورجعت اليهودية كما كانت، قال: فدفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ولاة بشر بن البراء فقتلوها - وهو الثبت - واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل، حجمه أبو هند بالقرن والشفرة، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فاحتجموا أوساط رؤوسهم، وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ثلاث سنين، حتى كان وجعه الذي قبض فيه جعل يقول في مرضه: "ما زلت أجد من الأكلة التي أكلتها يوم خيبر عداداً حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري" ، وهو عرق في الظهر، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيداً صلوات الله عليه ورحمته وبركاته ورضوانه.
- ١لا يطني: أي لا يسلم عليه أحد، يقال: رماه الله بأفعى لا تُطْني، أي لا يفلت لديغها. النهاية ٣/ ١٤١.
- *الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٢٠١- ٢٠٣، وهي رواية ضعيفة لعدم معرفة رواة الزهري من بين أولئك الجمع من الشيوخ.
المبحث التاسع: في أثر ذلك السم على النبي صلى الله عليه وسلم.
١١٩- عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، أن أم مبشر ١ قالت للنبي صلى الله عليه وسلم في المرض الذي مات فيه: ما تتهم بنفسك يا رسول الله؛ فإني لا أتهم بابني إلا الشاة المشوية التي أكل معك بخيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا لا أتهم إلا ذلك بنفسي، هذا أوان انقطاع أَبْهُرِي" ٢ يعني عرق الوريد ٢.
- ١اسمها: خُليسة بنت قيس بن ثابت بن خالد الأشجعية من نبني دهمان، كانت زوج البراء بن معرور، وبايعت ولها رواية، وهي أم بشر بن البراء بن معرور، قاله ابن سعد ٤/ ٢٨٥- ٢٨٦.
- ٢مصنف عبد الرزاق ١١/ ٢٩ رقم (١٩٨١) ، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أبو داود في سننه رقم (٤١٥٣) . قال الألباني: "صحيح الإسناد"، صحيح سنن أبي داود ٣/ ٨٥٥ رقم (٣٧٨٥) . ومن طريق معمر أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ٢١٩، وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص. وأخرجه البخاري معلقاً فقال: وقال بونس عن الزهري قال عروة قالت عائشة رضي الله عنها: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة، ما زال ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم". صحيح البخاري مع الفتح ٨/ ١٣١ رقم (٤٤٢٨) . قال الحافظ: "وهذا قد وصله البزار والحاكم والإسماعيلي من طريق عنبسة بن خالد عن يونس بهذا الإسناد". الفتح ٨/ ١٣٠. وأخرجه الدارمي من غير طريق الزهري، سنن الدارمي ١/ ٤٦ رقم (٦٧) .
- *الأَبْهُر: عرق في الظهر، يقال: هو الوريد في العنق، وهو متصل بالقلب، فإذا انقطع مات صاحبه. انظر: اللسان، مادة (بهر) .
المبحث العاشر: في فتح خيبر هل كان صلحا أم عنوة.
...
المبحث العاشر: في فتح خيبر هل كان عنوةً أم صلحاً؟
١٢٠- قال ابن إسحاق ١: فأخبرني ابن شهاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوةً٢ بعد القتال، وكانت خيبر مما أفاء الله عزوجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خمسها وقسمها بين المسلمين ١، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها وتكون ثمارها بيننا وبينكم، وأُقركم ما أَقركم الله، فقبلوا، فكانوا على ذلك يعملونها.
- ١سيأتي أن غنائم خيبر كانت لأهل الحديبية.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة ١، فيقسم ثمرها، ويعدل عليهم في الخرص، فلما توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أقرها أبو بكر رصي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيديهم على المعاملة التي عاملهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي.
- ١خرص عليهم عبد الله بن رواحة عاماً واحداً، ثم أصيب بمؤتة يرحمه الله، فكان جبار بن صخر بن أمية بن خنساء أخو بني سلمة هو الذي يخرص عليهم بعد عبد الله بن رواحة. ابن هشام ٢/ ٣٥٤.
- *ابن هشام ٢/ ٣٥٦- ٣٥٧.
- *عنوة: أي قهراً، وفتحت هذه البلدة عنوة: أي فتحت بالقتال، اللسان مادة (عنا) . وقد وردت روايات عن الزهري تذكر أن بعضها فتح عنوة، وبعضها صلحاً، وستأتي إن شاء الله تعالى.
ثم أقرهم عمر رصي الله عنه صدراً من إمارته، ثم بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذي قبضه الله فيه: "لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان" ١، ففحص عمر ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود فقال: إن الله عزوجل قد أذن في جلائكم، قد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان" .
فمن كان عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود فليأتني به أُنفده له ١، ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود فليتجهز للجلاء.
- ١أنفذه له: أي أمضيه له. النهاية ٥/٩١.
- *أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجامع، باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة، حديث رقم (١٨) عن ابن شهاب مرسلاً، وعبد الرزاق في المصنف ٤/ ١٢٦ رقم (٧٢٠٨) و٦/ ٥٤ رقم (٩٩٨٧) و١٠/ ٣٥٧ رقم (٩٣٥٩) عنه عن الزهري عن ابن المسيب مرسلاً، والبلاذري في فتوح البلدان ٤١. وأخرج البخاري في باب إخراج اليهود من الجزيرة رقم (٣١٦٧) من حديث أبي هريرة نحوه، وأخرج أيضاً من حديث ابن عباس رقم (٣١٦٨) بلفظ: " ... أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ... ) ، وحديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضاً رقم (١٦٣٧) .
فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم.
١٢١- وقال أبو داود: حدثنا ابن السرح ١، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال ٢ ١٢٢- قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ٣، ثنا عبد الله بن محمد ٤، عن جويرية ٥، عن مالك ٦، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة ً٤.
- ١ابن السرح: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح - بمهملات-، أبو الطاهر المصري، ثقة، من العاشرة، توفي سنة خمسين، م د س ق، النقريب ٨٣.
- ٢السنن ٣/ ١٦١ رقم (٣٠١٨) ومن طريق يونس عن الزهري أخرجه أبو عبيد في الأموال، رقم (١٤١) ، ومن طريق أبي عبيد أخرجه ابن زنجويه في الأموال أيضاً ١/ ١٨٨ رقم (٢١٨) ، والبلاذري في الفتوح ص ٤١ كلهم عن الزهري مرسلاً. ويشهد لقول الزهري أن خيبر افتتحت عنوة ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أنس في مواضع عدة، منها رقم (٣٧١) وفيه: " ... فلما دخل القرية قال: "الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين"، قالها ثلاثاً، قال: وخرج القوم إلى أعمالهم، فقالوا: محمد - قال عبد العزيز وقال بعض أصحابنا - والخميس - يعني الجيش - قال: فأصبناها عنوة ... " أ. هـ. ومسلم رقم (١٦٣٥) ، وأبو داود رقم (٣٠٠٩) ، والنسائي في النكاح باب البناء في السفر ٦/ ١٣٢- ١٣٣.
- ٣ثقة حافظ جليل، تقدم في الرواية رقم [٤٢] .
- ٤هو: عبد الله بن محمد بن أسماء، أبو عبيد الضُبَعي؛ بضم المعجمة وفتح الموحدة، أبو عبد الرحمن البصري، ثقة جليل، من العاشرة، مات سنة إحدى وثلاثين، خ م د س، التقريب ٣٢٠.
- ٥جويرية: تصغير جارية، ابن أسماء بن عبيد الضُبَعي - بضم المعجمة وفتح الموحدة - البصري، صدوق، من السابعة، مات سنة ثلاث وسبعين، خ م د س ق، التقريب ١٤٣ رقم (٩٨٨) .
- ٦هو: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد الله، المدني الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر، من السابعة، توفي سنة تسع وسبعين، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين. وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة، ع، التقريب ٥١٦.
١٢٣- قال أبو داود: وقرئ على الحارث بن مسكين ١ وأنا شاهد: أخبركم ابن وهب، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب: أن خيبر كان بعضها عنوةً، وبعضها صلحاً، والكتيبة أكثرها عنوةً، وفيها صلحٌ، قلت لمالك: وما الكتيبة؟ قال: أرض خيبر؛ وهي أربعون ألف عَذْق ٢.
- ١هو: الحارث بن مسكين بن محمد بن يوسف، مولى بني أمية، أبو عمرو البصري، قاضيها، ثقة فقيه، من العاشرة، توفي سنة خمسين، وله ست وتسعون سنة، د س، التقريب ١٤٨.
- ٢المصدر السابق: ٣/ ١٦١. ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في السنن ٦/ ٣١٦ و٩/ ١٣٨. والعذق: - بالفتح - النخلة، وبالكسر: العرجون بما فيه من الشماريخ. النهاية ٣/ ١٩٩.
- *السنن ٣/ ١٦١، كتاب الخراج والفيء رقم (٣٠١٧) وهو مرسل قوي.
١٢٤- وقال أبو داود: حدثنا حسين بن علي العجلي ١، ثنا يحيى ابن آدم ٢، ثنا ابن أبي زائدة ٣، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري وعبد الله بن أبي بكر ١ وبعض ولد ٤ محمد بن مسلمة قالوا: بقيت بقيةٌ من أهل خيبر تحصنوا، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحقن دماءهم ويسيّرهم، ففعل. فسمع بذلك أهل فدك ٥ فنزلوا على مثل ذلك، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصةً، لأنه لم يوجف ٦ عليها بخيل ولا ركاب ٧.
- ١هو: حسين بن علي بن الأسود العجلي، أبو عبد الله الكوفي نزيل بغداد، صدوق يخطئ كثيراً، لم يثبت أن أبا داود روى عنه، من الحادية عشرة، ت، التقريب ١٦٧ رقم (١٣٣١) . ولعل مستند الحافظ ابن حجر على قوله: لم يثبت أن أبا داود روى عن حسين العجلي، هو قول الآجري: "سمعت أبا داود يقول: حسين بن الأسود الكوفي [العجلي] لا ألتفت إلى حكايته أراها أوهاماً ... " قال الحافظ معقباً على كلام الآجري: "وهذا مما يدل على أن أبا داود لم يرو عنه، فإنه لا يروي إلا عن ثقة عنده ... " التهذيب ٢/ ٣٤٤، وانظر: تهذيب الكمال ٦/ ٣٩٣، حاشية رقم (٥) .
- ٢هو: يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي، أبو زكريا، مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث ومائتين، ع، التقريب ٥٨٧.
- ٣هو: زكريا بن أبي زائدة: خالد، ويقال: هبيرة بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي، أبو يحيى الكوفي، ثقة وكان يدلس وسماعه من أبي إسحاق بأخرة، من السادسة، توفي سنة - سبع أو ثمان أو تسع - وأربعين، ع، التقريب ٢١٦ رقم (٢٢٢) .
- ٤لعله محمود بن محمد بن مسلمة، لأن المزي ذكر ترجمة محمد بن مسلمة أن ممن روى عنه ابنه محمود بن محمد بن مسلمة، انظر: تهذيب الكمال ٢٦/ ٤٥٧ رقم الترجمة (٥٦١٠) ، ولم أجد له ترجمة.
- ٥فدك: قرية شرقي خيبر، تعرف اليوم باسم (الحائط) ، معجم المعالم الجغرافية ٢٣٥
- ٦الإيجاف: سرعة السير. النهاية ٥/ ١٥٧.
- ٧السنن ٣/ ١٦١، كتاب الخراج والإمارة والفيء رقم (٣٠١٦) وأخرجه البلاذري في فتوح البلدان ٤٣، والبيهقي في السنن ٦/ ٣١٧. والرواية المتقدمة التي أخرجها أبو داود عن ابن المسيب وهذه الرواية تدلان على أن خيبر فتح بعضها عنوة وبعضها صلحاً، وبالرغم من ضعفهما إلا أنه قد ثبت ما يشهد لهما من غير طريق الزهري، فقد أخرج أبو داود من حديث ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر فغلب على النخل والأرض، وألجأهم إلى قصرهم، فصالحوه على أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلْقة ولهم ما حملت ركابهم ... " الحديث أخرجه أبو داود رقم (٣٠٠٦) . وما أخرجه من حديث سهل بن أبي خيثمة قال: (قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين نصفاً لنوائبه وحاجته، ونصفاً بين المسلمين ... ) الحديث أخرجه أبو داود (٣٠١٠) ، وما أخرجه من حديث بشير بن يسار أنه سمع نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: فذكر هذا الحديث. قال: فكان النصف سهام المسلمين وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعزل النصف للمسلمين لما ينوبه من الأمور والنوائب، انظر: السنن رقم (٣٠١١) . وقد حكم الألباني على هذه الروايات بالصحة، انظر: صحيح سنن أبي داود رقم (٢٥٩٧) ورقم (٢٦٠١) ورقم (٢٦٠٢) على التوالي. فمن خلال ما تقدم نلحظ أن الروايات التي تذكر أن خيبر فتحت عنوة أقوى من من الروايات الأخرى التي ذكرت أن بعضها فتح عنوة وبعضها فتح صلحاً. ولكن يظهر أن الخلاف في ذلك قديم، فقد قال البيهقي بعد أن ذكر حديث بُشير بن يسار المتقدم: قلت: وهذا لأن بعض خيبر فتح عنوةً وبعضها فتح صلحاً، فقسم ما فتح عنوة بين أهل الخمس والغانمين، وعزل ما فتح صلحاً لنوائبه وما يحتاج إليه في مصالح المسلمين، والله أعلم. أ. هـ. دلائل البيهقي٤/٢٣٦. وقال النووي عند شرحه لحديث أنس الذي يفيد أن خيبر فتحت عنوة، قال: قال المازري: ظاهر هذاأن خيبر فتحت عنوة، وقد روى مالك عن ابن شهاب أن بعضها فتح عنوة وبعضها صلحاً، قال: وقد يشكل ما رُوي في سنن أبي داود أنه قسمها نصفين؛ نصفاً لنوائبه وحاجاته ونصفاً للمسلمين. قال: وجوابه ما قال بعضهم: إنه كان حولها ضياع وقرى، أجلى عنها أهلها، فكانت خالصة للنبي صلى الله عليه وسلم وما سواها للغانمين، فكان قدر الذي خلوا عنه النصف، فلهذا قسم القسمين. أ.هـ. النووي على شرح مسلم ١٢/ ١٦٤- ١٦٥. وأما ابن عبد البر فقد اضطرب كلامه في كتابيه (الدرر) و (التمهيد) إلا أن يكون قد رجع عن أحد القولين فيحتاج حينئذ لمعرفة الكتاب المتأخر، هل هو الدرر أم التمهيد؟ فقد قال في الدرر (٢٣٥-٢٣٦) : هذا هو الصحيح في أرض خيبر أنها كانت عنوة كلها مغلوباً عليها. وقال: وأما من قال: إن خيبر كان بعضها صلحاً وبعضها عنوة، فقد وهم وغلط، وإنما دخلت عليهم الشبهة بالحصنين اللذين أسلما أهلهما في حقن دمائهم، فلما لم يكن أهل ذينك الحصنين من الرجال والنساء والذرية مغنومين ظن أن ذلك لصلح، ولعمري إن ذلك في الرجال والنساء والذرية، كضرب من الصلح، ولكنهم لم يتركوا أرضهم إلا بالحصار والقتال، فكان حكم أرضها حكم سائر أرض خيبر كلها عنوة غنيمة مقسومة بين أهلها. المصدر السابق. وقال: وربما شبِّه على من قال: إن نصف خيبر صلح ونصفها عنوة بحديث يحيى ابن سعيد، عن بشير بن يسار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم خيبر نصفين، نصفاً له ونصفاً للمسلمين. المصدر السابق. ثم قال: والحق: فالحق في هذا ما قاله ابن إسحاق دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب ا. هـ. وأما ما ذكره في التمهيد فيختلف تماماً عما ذكره هنا قال رحمه الله: أجمع العلماء من أهل الفقه والأثر وجماعة أهل السير على أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحاً وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمها فما كان منها صلحاً أو أخذ بغير قتال كالذي جلا عنه أهله عمل في ذلك كله بسنة الفيء، وما كان منها عنوة عمل فيه بسنة الغنائم إلا أن ما فتح الله عليه منها عنوة، قسمه بين أهل الحديبية، وبين من شهد الوقعة، وقد رويت في فتح خيبر آثار كثيرة ظاهرها مختلف، وليس باختلاف عند العلماء على ما ذكرت لك. التمهيد ٦/ ٤٤٦. ثم ذكر الأحاديث الدالة على أن خيبر فتحت عنوة والتي دلت على أن بعضها فتح صلحاً ثم قال: فهذا كله يدل على أن ما كان منها مأخوذاً بالغلبة قسم على أهل الحديبية ومن شهدها وخمس، وما كان منها مما انجلى عنه أهله وأسلموه بلا قتال، حكم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم الفيء، واستخلص منه لنفسه كما فعل بفدك، فقف على هذا وتدبر الآثار تجدها على ذلك إن شاء الله. التمهيد ٦/ ٤٤٩.
- *هو: عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، القاضي، ثقة، من الخامسة، توفي سنة خمس وثلاثين وهو ابن سبعين سنة، ع، التقريب ٢٩٧.
المبحث الثاني عشر: في غزوة وادي القرى.
١٢٨- أخرج البيهقي ١ من طريق الواقدي ٢ قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز ٣، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى ٤، وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي ٥ قد وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبداً أسود يقال له مِدْعَم ٦، وكان يرحل ٧ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أن نزلنا بوادي القرى انتهينا إلى يهود وقد ثوى ٨ إليها ناسٌ من العرب، فبينما مدعم يحطّ رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استقبلنا يهود بالرمي حيث نزلنا، ولم نكن على تعبئة، وهم يصيحون في آطامهم، فيقبل سهم عائر ٩ أصاب مدعماً فقتله، فقال الناس: هنيئاً له الجنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلا والذي نفسي بيده إن الشملة ١٠ التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم يصبها المقسم لتشتعل عليه ناراً" . فلما سمع بذلك الناس جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراكٍ٦ أو شراكين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "شراك من نار أو شراكان من نار" ١.
- ١دلائل النبوة ٤/ ٢٨٠- ٢٨١. والواقدي متروك، فالرواية ضعيفة.
- ٢الذي في مغازي الواقدي ٢/ ٧٠٩- ٧١١ قوله: وكان أبو هريرة يحدث قال: (خرجنا ... ) فساقه بتمامه.
- ٣هو: عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حنيف الأنصاري الأوسي أبو محمد المدني الأُمامي بالضم، صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة اثنتين وستين وهو ابن بضع وسبعين، م، التقريب ٣٤٥.
- ٤وادي القرى: واد بين المدينة والشام، وهو بين تيماء وخيبر فيه قرى كثيرة، ويعرف اليوم بوادي العلا، وهي مدينة عامرة شمال المدينة على قرابة (٣٥٠) كيلاً، معجم البلدان ٤/ ٣٣٨، ومعجم المعالم الجغرافية ٢٥٠.
- ٥رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي، قال ابن إسحاق: "قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية قبل خيبر فأسلم وحسن إسلامه، وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم غلاماً". الإصابة ١/ ٥١٨.
- ٦هو: مدعم الأسود، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مولَّداً، أهداه رفاعة بن زيد الجذامي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أصابه سهم عائر فقتله. وقال البلاذري:" يقال: إنه يكنى أبا إسلام، ويقال: إن أبا إسلام غيره، قال: ويقال: إنما أهداه فروة بن عمر الجذامي، الإصابة ٣/ ٣٩٤، ومِدْعَم: - بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين المهملة –"، الفتح (٧/ ٤٨٩) .
- ٧الرحل: مركب البعير، وارتحله حط عليه الرحل، القاموس، مادة (رحل) . والمعنى: أنه يشد الرحل على البعير إذا ارتحل وينزعه إذا ثوى.
- ٨وقد ثوى: المثوى المنزل، من ثوى بالمكان إذا أقام فيه. النهاية ١/ ٢٣٠.
- ٩عائر: - بعين مهملة بوزن فاعل -، أي لا يُدرى من رمى به. الفتح ٧/ ٤٨٩.
- ١٠الشملة: كساء يتغطى به ويتلفف فيه. النهاية ٢/ ٥٠١.
- *الشراك: - بكسر المعجمة وتخفيف الراء -: سير النعل على ظهر القدم. الفتح ٧/ ٤٨٩.
وعبّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال، وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد ابن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا ١ أموالهم، وحقنوا ٢ دماءهم، وحسابهم على الله. فبرز رجلٌ منهم، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه عليّ فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه أبو دجانة فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلاً، كلما قتل منهم رجلٌ دعا من بقي إلى الإسلام، ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذٍ، فيصلي بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله. فقاتلهم حتى أمسوا، وغدا عليهم، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم، وفتحها عنوةً، وغنمه الله أموالهم، وأصابوا أثاثاً ومتاعاً كثيراً، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة أيام، وقسم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك الأرض والنخل بأيدي يهود، وعاملهم عليها، فلما بلغ يهود تيماء ٣ ما وطئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم فَدَك ٤ ووادي القرى، صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية، وأقاموا بأيديهم وبأموالهم.
- ١أحرزوا يقال: أحرزت الشيء أحرزه إحرازاً: إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ. النهاية ٢/ ٣٦٦.
- ٢حقنوا دماءهم: يقال: حقنت له دمه إذا منعت من قتله وإراقته. النهاية ٢/ ٤١٦.
- ٣تيماء: مدينة تقع شمال المدينة على بعد (٤٢٠) كيلاً. المعالم الأثيرة ٧٤.
- ٤فدك: - بالتحريك وآخره كاف - معجم البلدان ٤/ ٢٣٨، وهي اليوم قرية شرقي خيبر على وادٍ يذهب سَيله مشرقاً إلى وادي الرُّمة، تعرف اليوم بالحائط. معجم المعالم الجغرافية ص ٢٣٥.
- *إلى هنا أخرجه البخاري (البخاري مع الفتح ٧/ ٤٨٧ رقم (٤٢٣٤) ومسلم رقم (١١٥) ، وابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٣٨) ، ومالك (الموطأ ١/ ٤٥٩ رقم ٢٥) ، وأبو داود رقم (٢٧١١) ، والنسائي (٧/ ٢٤) وابن حبان رقم (٤٨٥١) ، والبيهقي في السنن (٩/ ١٠٠) ، والبغوي في شرح السنة رقم (٢٨٢٢) ، وفي معالم التنزيل (١/ ٣٦٧) كلهم من حديث أبي هريرة من غير طريق الزهري، وبألفاظ فيها اختلاف يسير، والمعنى واحد.
فلما كان عمر بن الخطاب أخرج يهود خيبر وفدك، ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى؛ لأنهما داخلتان في أرض الشام، ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز ١، وأن ما وراء ذلك من الشام. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً بعد أن فرغ من وادي القرى وغنمه الله ٢.
- ١الحجاز: مكة والمدينة والطائف ومخاليفها، لأنها حجزت بين نجد وتهامة أو بين نجد والسراة أو لأنها احتجزت بالحرار الخمس: حرة بني سليم، وواقم وليلى، وشوران، والنار. القاموس، مادة (حجز) .
- ٢ونقله الذهبي في تاريخ الإسلام، قسم المغازي ٤٤١، عن الواقدي قال: حديث عبد الرحمن بن عبد العزيز عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة فذكره. ونقله ابن كثير في البداية والنهاية ٤/ ٢١٨.
المبحث الثالث عشر: في رجوع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من خيبر ونومهم عن صلاة الصبح.
١٢٩- قال الإمام مسلم: حدثني حرملة بن يحيى التُّجِيبي، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر ١، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى ٢ عرّس ٣، وقال لبلال: "اكلأْ لنا الليل" ٤، فصلى بلال ما قدِّر له، ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلما تقارب الفجر، استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر ٤، فغلبت بلالاً عيناه وهو مستندٌ إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بلال، ولا أحدٌ من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظاً، ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أي بلال" ، فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - بنفسك، قال: "اقتادوا" ١ فاقتادوا رواحلهم شيئاً، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿َأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ٢" . قال يونس: وكان ابن شهاب يقرؤها: "للذكرى" ١.
- ١سيأتي أن ذلك قد وقع في غزوات أخرى.
- ٢أدركه الكرى: أي النوم. النهاية ٤/ ١٧٠.
- ٣التعريس: نزول المسافر آخر الليل، نزلة للنوم والاستراحة. النهاية ٣/ ٢٠٦.
- ٤مواجه الفجر: أي مستقبله بوجهه. شرح النووي على مسلم ٥/ ١٨٢.
- *الكلاءة: الحفظ والحراسة. النهاية ٤/ ١٩٤.
- *اقتادوا: أي جروا رواحلكم خلفكم. النهاية ٤/ ١١٩.
- *الآية من سورة طه رقم (١٤) . والحديث أخرجه أيضاً أبو داود رقم (٤٣٥) في الصلاة: باب من نام عن الصلاة أو نسيها. ومن طريقه أخرجه أبو عوانة ٢/ ٢٥٣، والبيهقي في السنن ١/ ٤٠٣ و٢/ ٢١٧، وفي الدلائل ٤/ ٢٧٢. وأخرجه ابن حبان في صحيحه ٥/ ٤٢٢ رقم (٢٠٦٩) ، وأخرجه ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلاً، ابن هشام ٢/ ٣٤٠، وأخرجه مالك في الموطأ ١/ ١٣، كتاب وقوت الصلاة، باب النوم عن الصلاة عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلاً، ومن طريقه أخرجه الشافعي في المسند ١/ ٥٥ رقم (١٦٢) . وقد وردت روايات أخرى من غير طريق الزهري أن ذلك كان زمن الحديبية، انظر: سنن أبي داود رقم (٤٤٧) ، ومسند أحمد ٦/ ١٧٠، رقم [٣٦٥٧] أرناؤوط، وابن أبي شيبة ٢/ ٦٤، والطبري في تفسيره ٢٦/ ٦٩، والبيهقي في الدلائل ٤/ ٢٧٤- ٢٧٥. وورد أيضاً أن ذلك كان في غزوة تبوك، انظر: مغازي الواقدي ٣/ ١٠١٥، عن عقبة بن عامر، ودلائل البيهقي ٤/ ٢٧٥. ويمكن الجمع بين الروايات بالقول بتعدد القصة، انظر: شرح النووي على مسلم ٥/ ١٨١- ١٨٢، وفتح الباري ١/ ٤٤٩، وانظر: مرويات غزوة الحديبية للحكمي ص ٢٤٣ وما بعدها.
- *صحيح مسلم بشرح النووي ٥/ ١٨١.
المبحث الرابع عشر: في سرية أبان بن سعيد بن العاص إلى نجد.
...
المبحث الرابع عشر: سرية أبان بن سعيد بن العاص إلى نجد ١٣٠- أخرج سعيد بن منصور قال: ثنا ابن عياش ١، عن محمد ابن الوليد الزُّبيدي ٢، عن الزهري أن عنبسة بن سعيد ٣ أخبره أنه سمع أبا هريرة يحدث سعيد بن العاص ٤ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ٥ أبان بن سعيد بن العاص ٦ على سرية من المدينة قبل نجد، فقدم أبان بن سعيد وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحها، وإنَّ حُزُم ٧ خيلهم لَلِيف ٨، فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله، قال أبو هريرة: فقلت: لا تقسم لهم يا رسول الله، فقال أبان: أنت بها يا وَبْرُ٣ تَحَدَّرَ٤ علينا من رأسِ ضال ٩. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجلس يا أبان، ولم يقسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم" ٦.
- ١هو: إسماعيل بن عياش، تقدم في الرواية رقم [١٠٥] ص ٤٧٣.
- ٢هو: محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي - بالزاي الموحدة، مصغر - أبو الهذيل الحمصي، القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري، من السابعة، ت سنة ست - أو سبع أو تسع - وأربعين، خ م د س ق، التقريب ٥١١.
- ٣هو: عنبسة بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، أخو عمر الأشدق، ثقة، من الثالثة، وكان عند الحجاج بالكوفة، مات على رأس المائة تقريباً، خ م د، التقريب ٤٣٢.
- ٤هو: سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، قتل أبوه ببدر، وكان لسعيد عند موت النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين، وذكر في الصحابة، وُلِّي إمرة الكوفة لعثمان، وإمرة المدينة لمعاوية، ت سنة ثمان وخمسين وقيل غير ذلك، بخ م مد س فق، التقريب ٢٣٧.
- ٥لم تذكر المصادر زمناً معيناً لهذه السرية، لكنه يفهم من النص أن هذه السرية كانت في الزمن الذي حصلت فيه غزوة خيبر في المحرم من السنة السابعة (انظر: تاريخ غزوة خيبر من هذه الرسالة) ، كما أن المصادر لم تحدد الجهة التي ذهبت إليها هذه السرية على وجه الدقة، ولا ذكرت نتائجها أو عدد رجالها.
- ٦هو: أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي ... قال البخاري وأبو حاتم الرازي: له صحبة ... أسلم أيام خيبر وشهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، قتل يوم أجنادين سنة ثلاث عشرة. الإصابة (١/ ١٣) .
- ٧حُزُم: - بمهملة وزاي مضمومتين -، فتح الباري ٧/ ٤٩٢ هو ما يشد به وسط الفرس، القاموس (حزم) .
- ٨الليف: ليف النخل معروف، القطعة منه ليفة. القاموس (ليف) .
- ٩الضال: هو السدر البري، الفتح ٧/ ٤٩٢، ووقع في رواية البخاري رقم (٤٢٣٧) (واعجباً لوبرٍ تدلى من قدوم ضأن) قال الحافظ: "وأما الضأن، فقيل: هو رأس الجبل؛ لأنه في الغالب موضع مرعى الغنم، وقيل: هو بغير همز، وهو جبل لدوس قوم أبي هريرة. الفتح ٧/ ٤٩٢. وأراد أبان من ذلك تحقير أبي هريرة، وأنه ليس في قدر من يشير بعطاء ولا منع. وأنه قليل القدرة على القتال. الفتح ٧/ ٤٩٢.
- *الْوَبْرُ: بفتح الواو وسكون الموحدة؛ دابة صغيرة كالسنور وحشية. الفتح ٧/ ٤٩٢.
- *تَحَدَّر: أي تدلى وتدأدأ - بمهملتين بينهما همزة ساكنة - الفتح ٧/ ٤٩٢.
- *سنن سعيد بن منصور ٢/ ٢٨٥- ٢٨٦ رقم (٢٧٩٣) . ومن طريق سعيد بن منصور أخرجه أبو داود في سننه رقم (٢٧٢٣) وابن الجارود (١٠٨٨) والبيهقي في السنن ٦/ ٣٣٤، وفي معرفة السنن والآثار ١٣/ ١٦٣ رقم (٧٧٧٦) ، وأخرجه أبو داود الطيالسي (٢٥٩١) عن أبي عتبة عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري، وأخرجه من طريق إسماعيل بن عياش عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري، ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (٥٣٤) والطبراني في الأوسط رقم (٣٢٤٢) والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٤٤، وابن الأثير في أسد الغابة ١/ ٤٧، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين رقم (٢٧٣) من طريق الوليد بن مسلم قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: سمعت ابن شهاب الزهري يخبر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ... فذكره، ومن طريق الوليد بن مسلم أخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان رقم: ٤٨١٤) . وقد أخرجه البخاري تعليقاً عن الزبيدي فقال: "ويذكر عن الزبيدي عن الزهري ... فذكره". قال الحافظ ابن حجر: " ... وطريقه هذه وصلها أبو داود من طريق إسماعيل بن عياش عنه، ووصلها أيضاً أبو نعيم في المستخرج من طريق إسماعيل أيضاً. فتح الباري ٧/ ٤٩١. وقد قال الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٥٢٠ رقم (٢٣٦٤) : "صحيح". وأخرج هذه الرواية البلاذري في أنساب الأشراف ١/ ٣٥٢، من طريق الزهري، وفيها أن الذي بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم هو سعيد بن العاص، وليس أبان بن سعيد، والصحيح الأول. في السنن ٦/ ٣٣٤، وفي معرفة السنن والآثار ١٣/ ١٦٣ رقم (٧٧٧٦) ، وأخرجه أبو داود الطيالسي (٢٥٩١) عن أبي عتبة عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري، وأخرجه من طريق إسماعيل بن عياش عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري، ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (٥٣٤) والطبراني في الأوسط رقم (٣٢٤٢) والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٤٤، وابن الأثير في أسد الغابة ١/ ٤٧، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين رقم (٢٧٣) من طريق الوليد بن مسلم قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: سمعت ابن شهاب الزهري يخبر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ... فذكره، ومن طريق الوليد بن مسلم أخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان رقم: ٤٨١٤) . وقد أخرجه البخاري تعليقاً عن الزبيدي فقال: "ويذكر عن الزبيدي عن الزهري ... فذكره". قال الحافظ ابن حجر: " ... وطريقه هذه وصلها أبو داود من طريق إسماعيل بن عياش عنه، ووصلها أيضاً أبو نعيم في المستخرج من طريق إسماعيل أيضاً. فتح الباري ٧/ ٤٩١. وقد قال الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٥٢٠ رقم (٢٣٦٤) : "صحيح". وأخرج هذه الرواية البلاذري في أنساب الأشراف ١/ ٣٥٢، من طريق الزهري، وفيها أن الذي بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم هو سعيد بن العاص، وليس أبان بن سعيد، والصحيح الأول.
المبحث السادس عشر: في سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم.
١٣٤- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين ١ بن الفضل القطان، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة.
- ١تقدمت ترجمة رجال إسناد هذه الرواية في الرواية السابقة رقم [٥٠] .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل، قال: حدثنا جَدِّي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: "ثم غزا ١ ابن أبي العوجاء ٢ - وفي رواية القطان - ثم غزوة ابن أبي العوجاء – السلمي في ناس بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض بني سُليم، فقُتل ٣ هو وأصحابه "٢.
- ١كانت بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من عمرة القضية في ذي الحجة سنة سبع، مغازي الواقدي، ٢/ ٧٤١.
- ٢هو: الأخرم بن أبي العوجاء السلمي الشامي، الإصابة (١/ ٢٥) ، قال الحافظ: روي عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الأخرم هذا في سنة سبع سرية في خمسين رجلاً إلى بني سُليم فقتل عامتهم وتوصل ابن أبي العوجاء جريحاً، ويحتمل أن يكون هو محرز بن نضلة. الإصابة (١/ ٢٥) .
- ٣وفي رواية الواقدي في المغازي (٢/ ٧٤١) ،أن ابن أبي العوجاء لم يقتل وإنما جرح ثم تحامل حتى أتى الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٦١٢) أنه أصيب هو وأصحابه.
١٣٥- وقال الواقدي: حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم ١، عن الزهري، قال: "لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرة القضية رجع في ذي الحجة سنة سبع بعث ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلاً إلى بني سُليم وكان عين بني سُليم معه، فلما جمعوا جمعاً كثيراً، وجاءهم ابن أبي العوجاء والقوم معدون، فلما رآهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا جمعهم دعوهم إلى الإسلام، فرشقوهم بالنبل، ولم يسمعوا قولهم، وقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه، فرموهم ساعة، وجعلت الأمداد تأتي حتى أحدقوا من كل ناحية، فقاتل القوم قتالاً شديداً حتى قُتل عامتهم، وأصيب صاحبهم ابن أبي العوجاء جريحاً مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدموا المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان"٤.
- ١هو: ابن أخي الزهري، صدوق له أوهام، تقدم في الرواية رقم [١٠] .
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،