بعث أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين وهو آخر البعوث
صفر سنة ١١هـ، وعمره ﷺ ٦٢
الباب الحادي والخمسون في بعث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما إلى الحرقات
روى الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والشيخان، وأبو داود، والنّسائي عن أسامة بن زيد رضي اللَّه تعالى عنهما، وابن جرير عن السدي، وابن سعد عن جعفر بن برقان الحضرمي رجل من أهل اليمامة قال أسامة رضي اللَّه تعالى عنه: بعثنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة. قال: فصبّحناهم، وكان رجل منهم- قال السّدّي- يدعى مرداس بن نهيك، انتهى، إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا وإذا أوبروا كان حاميتهم، فهزمناهم، فغشيته أنا ورجل من الأنصار. وقال السّدي. وكان مع مرداس غنيمة له وجمل أحمر، فلما رآهم آوى إلى كهف جبل وتبعه أسامة.
فلما بلغ مرداس الكهف وضع غنمه. ثم أقبل إليهم. قال أسامة: فلما غشينا- قال السّدّي- قال: السلام عليكم. قال أسامة في رواية: فرفعت عليه السيف. فقال: لا إله إلا اللَّه- زاد السّدي- محمد رسول اللَّه. قال أسامة: فكفّ الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته، أي رفع عليه السيف فلما لم يتمكن منه طعنه بالرمح. قال السّدّي: فشدّ عليه أسامة من أجل جمله وغنيمته. قال أسامة: فلما قدمنا بلغ ذلك رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وفي رواية: فوقع في نفسي من ذلك. وعند محمد بن عمر: قال أسامة: فلما أصبت الرجل وجدت في نفسي من ذلك موجدة شديدة حتى رأيتني ما أقدر على أكل الطعام حتى قدمت على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقبّلني واعتنقني. وقال السّدي: وكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خيرا ويسأل عنه أصحابه. فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدّثون رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ويقولون: «يا رسول اللَّه لو رأيت أسامة، ولقيه رجل فقال الرجل لا إله إلا اللَّه فشدّ عليه وقتله» . وهو يعرض عنهم.
فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى أسامة وقال: «يا أسامة إله إلا اللَّه؟»
وفي رواية: «فكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه؟» قال السّدّي: «كيف أنت ولا إله إلا اللَّه؟» قال أسامة: قالها خوفا من السلاح.
وفي رواية: إنما كان متعوّذا من القتل. قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم؟» قال السّدّي: فنظرت إليه [ (١) ] ، وعن ابن سعد: «فتعلم أصادق هو أم كاذب؟»
وعن ابن إسحاق: «فو الذي بعثه بالحق ما لم أكن أسلمت إلا يومئذ»
وفي رواية «حتى تمنيت أني لم أسلم قبل ذلك اليوم»
وعن ابن إسحاق «وإني لم أقتله» وعن ابن سعد قال أسامة: «لا أقاتل أحدا يشهد أن لا إله إلا اللَّه»
وعن ابن إسحاق قلت: انظرني يا رسول اللَّه إني أعاهد اللَّه أن لا أقتل رجلا يقول لا إله إلا اللَّه. قال: «تقول بعدي يا أسامة» . قال قلت: بعدك. قال السّدّي: فأنزل اللَّه تعالى خبر هذا وأخبر إنما قتله من أجل جمله وغنمه فذلك حين يقول: تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فلما بلغ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يقول: فتاب اللَّه عليكم. فحلف أسامة أن لا يقاتل رجلا يقول لا إله إلا اللَّه بعد ذلك وما لقي من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فيه.
وروى ابن أبي حاتم رضي اللَّه تعالى عنهما قال: أمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم لأهل مرادس بديته ورد ماله إليهم.
تنبيهات
الأول: قال الحافظ ليس في قول أسامة تعشيا إلخ قد يدل على انه كان أمير الجيش كما هو ظاهر قول البخاري «باب بعث أسامة بن زيد إلى الحرقات» وقد ذكر أهل المغازي سرية غالب بن زيد وسرية غالب بن عبد اللَّه الليثي إلى الميفعة في رمضان سنة سبع وقالوا: إن أسامة قتل الرجل في هذه السرية. قال: ثبت أن أسامة كان أمير الجيش فالذي صنعه البخاري هو الصواب، لأنه ما أمر إلا بعد قتل أبيه بغزوة وذلك في رجب سنة ثمان، وإن لم يثبت أنه كان أميرها رجح ما قاله أهل المغازي. وقال في موضع آخر: هذه السرية يقال لها سرية غالب بن عبيد اللَّه، وكانت في رمضان سنة سبع فيما ذكره ابن سعد عن شيخه، وكذا ذكره ابن إسحاق في المغازي، قال: حدثني شيخ من أسلم عن رجال من قومه قالوا: بعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم غالب بن عبيد اللَّه إلى أرض بني مرة وبها مرداس بن نهيك حليف لهم من بني الحرقة فقتله أسامة فهذا يبيّن السبب في قول أسامة «بعثنا إلى الحرقات [من جهينة والذي يظهر أن قصة الذي قتل ثم مات فدفن ولفظته الأرض غير قصة أسامة لأنه عاش بعد ذلك دهرا طويلا] وترجم البخاري في المغازي «باب بعث النبي صلى اللَّه عليه وسلم أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة» فجرى الداودي في شرحه على ظاهره فقال فيه «تأمير من لم يبلغ» وتعقب من وجهين: أحدهما أنه ليس فيه تصريح بأن أسامة كان الأمير إذ يحتمل أن يكون جعل الترجمة باسمه لكونه وقعت له تلك الواقعة لا لكونه كان الأمير إلخ ما ذكره الحافظ قد قال بعض الشراح الصحيح ما ذكره أهل المغازي مخالفا لظاهر ترجمة البخاري أن أميرها أسامة ولعل المصير إلى ما في البخاري فهو الراجح بل الصواب انتهى.
وروى ابن جرير عن السدي قال بعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد فذكر القصة وروى ابن سعد عن جعفر بن برقان قال حدثنا الحضرمي رجل من أهل اليمامة قال بلغني أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعث أسامة بن زيد على جيش فذكر القصة.
الثاني: قال النووي الفاعل في قوله: «أقالها» هو القلب ومعناه: أنك إنما كلفت العمل بالظاهر وما ينطق به اللسان وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه، فأنكر عليه العمل بما ظهر من اللسان فقال: «أفلا شققت عن قلبه لتنظر هل كانت فيه حين قالها واعتقدها أولاد» والمعنى أنك إذا كنت لست قادرا على ذلك فاكتف منه باللسان.
الثالث: قال الخطابي لعل أسامة تأوّل قوله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ولذلك عذره رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فلم يلزمه دية ولا غيرها. وقال الحافظ: لعله حمل نص النفع على عمومه دنيا وأخرى، وليس ذلك المراد للفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعا مقيدا بأن يجب الكف عنه حتى يختبر أمره هل قال ذلك خالصا من قلبه أو خشية من القتل، وهذا الخلاف ما لو هجم عليه الموت [ووصل خروج الروح إلى الغرغرة، وانكشف الغطاء فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة] وهو المراد من الآية.
الرابع: قول الخطابي: لم يلزمه دية ولا كفارة فتوقف فيه الداودي وقال: لعله سكت عنه لعلم السامع أو كان قبل نزول آية الدية والكفارة. وقال القرطبي: لا يلزم من السكوت عدم الوقوع، لكن فيه بعد، لأن العادة جرت بعدم السكوت عن مثل ذلك إن وقع قال فيحتمل أنه لم يجب عليه شيء، لأنه كان مأذونا من أجل القتل فلا يضمن ما أتلفه من نفس ولا مال كالخائن والطبيب، ولأن المقتول كان من العدو ولم يكن له ولي من المسلمين يستحق ديته.
قال وهذا يتمشى على بعض الآراء إلخ ما ذكره وتقدم عن ابن عباس أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أمر لأهل مرداس بدية.
الخامس: قول أسامة: «حتى تمنيت أني لم أكن أسلم قبل ذلك اليوم» أي أن إسلامي كان ذلك اليوم، لأن الإسلام يجبّ ما قبله فتمنى أن يكون ذلك الوقت أول دخوله في الإسلام ليأمن من جريرة تلك الفعلة ولم يرد به تمنى أنه لا يكون مسلما قبل ذلك قال القرطبي وفيه إشعار بأنه كان استصغر ما سبق له قبل ذلك من عمل صالح في مقابلة هذه الفعلة لما سمع من الإنكار الشديد، وإنما أورد ذلك على سبيل المبالغة.
الحرقات: بضم الحاء المهملة وفتح الراء والقاف والفوقية بطن من جهينة نسبة إلى الحرقة واسمه جهيش بن عامر بن ثعلبة بن مودعة الحضرمي بن جهينة قال ابن الكلبي: سمي بذلك لوقعة كانت بينهم وبين مرة بن عوف بن سعد فأحرقوهم بالسهام لكثرة من حرقوا منهم.
برقان: بضم الموحدة وسكون الراء وبالقاف.
الحضرمي: بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء.
صبحنا القوم: هجمنا عليهم صباحا قبل أن يشعروا بنا.
مرداس: بكسر الميم.
نهيك: بفتح النون وكسر الهاء وسكون التحتية وهذا القول جرى عليه ابن الكلبي وجزم به ابن بشكول، قال ابن عبد البر: مرداس بن عمرو الفدكي وبه جزم أبو الفضل بن طاهر.
حاميتهم: ناصرهم ومانعهم.
فغشينا: بفتح الغين وكسر الشين المعجمتين: لحقنا به حتى تغطى بنا.
«أنا ورجل من الأنصار» قال الحافظ: لم أقف على اسم الأنصاري.
غنيمة له: بالتصغير.
آوى: لجأ الكهف.
انظرني: أخرني.
الباب الثمانون في سرية أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهم إلى أبني وهي بأرض الشراة بناحية البلقاء.
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بعد حجته بالمدينة بقية ذي الحجة، والمحرّم، وما زال يذكر مقتل زيد بن حارثة، وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، ووجد عليهم وجدا شديدا.
فلما كان يوم الإثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتّهيّؤ لغزو الروم وأمرهم بالجدّ، ثم دعا من الغد يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر أسامة بن زيد فقال: «يا أسامة سر على اسم الله وبركته حتى تنتهي إلى [موضع] مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد ولّيتك هذا الجيش فأغر صباحا على أهل أبنى وحرّق عليهم وأسرع السّير تسبق الأخبار فإن أظفرك الله فأقلل اللّبث فيهم وخذ معك الأدلّاء وقدّم العيون والطلائع أمامك» .
فلما كان يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر بدئ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فحمّ وصدّع.
فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده. ثم قال: «اغز بسم الله في سبيل الله فقاتل من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا تدرون لعلكم تبتلون بهم ولكن قولوا اللهم أكفناهم بما شئت واكفف بأسهم عنّا، فإن لقوكم قد جلبوا وضجّوا فعليكم بالسّكينة والصّمت ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وقولوا اللهم إنا نحن عبيدك وهم عبادك، نواصينا ونواصيهم بيدك وإنما تغنيهم أنت واعلموا أن الجنة تحت البارقة» .
فخرج أسامة رضي الله تعالى عنه بلوائه [معقودا] ، فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، وعسكر بالجرف فلم يبق أحد من [وجوه] المهاجرين الأوّلين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر الصديق، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الأعور بن عمرو بن نفيل رضي الله تعالى عنهم في رجال آخرين من الأنصار، عدّة مثل قتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم بن حريش. فاشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ذلك، ثم وجد من نفسه راحة فخرج عاصبا رأسه فقال: «أيها الناس أنفذوا بعث أسامة»
ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال رجل من المهاجرين- كان أشدهم في ذلك قولا- [المخزومي] رضي الله تعالى عنه: «يستعمل هذا الغلام على المهاجرين» . فكثرت المقالة، وسمع رضي الله تعالى عنه بعض ذلك فردّه على من تكلم به، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب غضباً شديداً. وخرج يوم السبت عاشر المحرّم سنة إحدى عشرة وقد عصّب رأسه بعصابة وعليه قطيفة ثم صعد المنبر فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد أيها الناس فما مقالة «قد بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ولئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله وأيم الله كان للإمارة لخليقا وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة وإن كان لمن أحبّ الناس إليّ وإنهما لمخيلان لكل خير فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم» [ (١) ] .
ثم نزل فدخل بيته، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودّعون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم رضي الله تعالى عنه ويمضون إلى العسكر بالجرف، ودخلت أم أيمن رضي الله تعالى عنها فقالت: «يا رسول الله لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل فإن أسامة إن خرج على حالته هذه لم ينتفع بنفسه» . فقال: «أنفذوا بعث أسامة» .
فمضى الناس إلى المعسكر فباتوا ليلة الأحد.
ونزل أسامة يوم الأحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثقيل مغمور، وهو اليوم الذي لدّوه فيه، فدخل عليه وعيناه تهملان، وعنده الناس والنساء حوله فطأطأ عليه أسامة فقبّله والنبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة كأنه يدعو له. ورجع أسامة إلى معسكره.
ثم دخل يوم الإثنين وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مفيقا وجاءه أسامة فقال له: «اغد على بركة الله» .
فودّعه أسامة وخرج إلى معسكره لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفيقا. ودخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال: «يا رسول الله أصبحت مفيقا بحمد الله واليوم يوم ابنة خارجة فأذن لي» . فأذن له فذهب إلى السّنح. وركب أسامة إلى العسكر وصاح في أصحابه باللحوق بالعسكر، فانتهى إلى معسكره وأمر الناس بالرحيل وقد متع النهار.
فبينا هو يريد أن يركب أتاه رسول أمه أم أيمن يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت فأقبل إلى المدينة وأقبل معه وأبو عبيدة بن الجراح فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجود بنفسه فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم. ودخل المسلمون الذي عسكروا بالجرف إلى المدينة ودخل بريدة بن الحصيب باللواء معقودا فغرزه عند باب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما بويع لأبي بكر أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة ليمضي لوجهه وألا يحله حتى يغزوهم وقال لأسامة: «أنفذ في وجهك الذي وجّهك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم» . وأمر الناس بالخروج، فعسكروا في موضعهم الأول وخرج بريدة باللواء. فلما ارتدت العرب كلّم أبو بكر في حبس أسامة فأبي.
ومشى أبو بكر إلى أسامة في بيته فكلّمه في أن يترك عمر وأن يأذن له في التخلف ففعل. وخرج ونادى مناديه عزمت لا يتخلّف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني لن أوتي بأحد أبطأ عن الخروج معه إلا ألحقته به ماشيا. فلم يتخلّف عن البعث أحد. وخرج أبو بكر يشيّع أسامة فركب من الجرف لهلال ربيع الآخر في ثلاثة آلاف فيهم ألف فارس، وسار أبو بكر إلى جنبه ساعة وقال: «أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- يوصيك، فانفذ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لست آمرك ولا أنهاك عنه إنما أنا منفّذ لأمر أمر به «رسول الله صلى الله عليه وسلم» - فخرج سريعا فوطئ بلادا هادية لم يرجعوا عن الإسلام جهينة وغيرها من قضاعة. حتى نزل وادي القرى، فسار إلى أبنى في عشرين ليلة. فقدم له عين له من بني عذرة يدعى حريثا، فانتهى إلى ابني، ثم عاد فلقي أسامة على ليلتين من أبنى فأخبره أن الناس غارون ولا جموع لهم وحثّهم على السّير قبل اجتماعهم. فسار إلى أبني وعبأ أصحابه ثم شنّ عليهم الغارة فقتل من أشرف له وسبى من قدر عليهم وحرّق بالنار منازلهم وحرثهم ونخلعهم فصارت أعاصير من الدواخين وأجال الخيل في عرصاتهم وأقاموا يومهم ذلك في تعبئة ما أصابوا من الغنائم. وكان أسامة على فرس أبيه سبحة وقتل قاتل أبيه في الغارة، وأسهم للفرس سهمين وللفارس سهما وأخذ لنفسه مثل ذلك.
فلما أمسى أمر الناس بالرحيل ثم أغذّ السّير فورد وادي القرى في تسع ليال ثم بعث بشيرا إلى المدينة بسلامتهم ثم قصد بعد في السير فسار إلى المدينة ستّا حتى رجع إلى المدينة ولم يصب أحد من المسلمين. وخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقّونهم سرورا بسلامتهم ودخل على فرس أبيه سبحة واللواء أمامه يحمله بريدة بن الحصيب حتى انتهى إلى باب المسجد فدخل فصلى ركعتين ثم انصرف إلى بيته. وبلغ هرقل وهو بحمص ما صنع أسامة فبعث رابطة يكونون بالبلقاء فلم تزل هناك حتى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
تنبيهان
الأول: ذكر محمد بن عمر، وابن سعد أن أبا بكر رضي الله عنه كان ممّن أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم- بالخروج مع أسامة إلى أبنى، وجرى عليه في المورد وجزم به في العيون، والإشارة، والفتح في مناقب زيد بن حارثة. وأنكر ذلك الحافظ أبو العباس بن تيمية فقال في كتابه الذي ردّ فيه على ابن المطهّر الرافضي: «لم ينقل أحد من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم- أرسل أبا بكر وعثمان في جيش أسامة، فقد استخلفه يصلّي بالمسلمين مدة مرضه إلى أن مات وكيف يتصوّر أن يأمره بالخروج في الغزاة وهو يأمره بالصلاة بالناس؟» وبسط الكلام على ذلك. فقلت: وفيما ذكره نظر من وجهين أولهما قوله: لم ينقل أحد من أهل العلم إلخ فقد ذكره محمد بن عمر، وابن سعد وهما من أئمة المغازي: ثانيهما قوله: وكيف يرسل أبا بكر في جيش أسامة؟ إلخ ليس بلازم، فإن إرادة النبي صلى الله عليه وسلم- بعث جيش أسامة كان قبل ابتداء مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم- فلما اشتد به المرض استثنى أبا بكر وأمره بالصلاة بالناس. وقال ابن سعد: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي قال حدثنا المعمري عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- بعث سريّة فيها أبو بكر وعمرو استعمل عليهم أسامة بن زيد، وكان الناس طعنوا فيه أي في صغره، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم- إلخ فذكر الحديث.
أبنى: بضم الهمزة وسكون الموحدة وفتح النون فألف مقصورة.
الشّراة: بفتح الشين المعجمة والراء المخففة: جبل.
البلقاء: بفتح الموحدة وسكون اللام وبالقاف والمدّ.
أغر: بقطع الهمزة وكسر الغين المعجمة وبالراء: فعل أمر.
تسبق: بالجزم جواب شرط محذوف وحرّك بالكسر طلبا للخفّة.
اللّبث: بفتح اللام وسكون الموحدة الإقامة.
العيون: جمع عين وهو الجاسوس.
الأربعاء: بتثليث الموحدة والأفصح الكسر.
بدئ: بالبناء للمفعول وهمز آخره أي ابتدئ.
حمّ: بتشديد الميم والبناء للمفعول.
صدّع: بضم الصاد وكسر الدال المشددة وبالعين المهملات أي حصل له صداع في رأسه أي وجع ما.
فلما أصبح يوم الخميس: يجوز في «يوم» النّصب على الظرفية والرفع على أنه فاعل أصبح.
عسكر: جمع عسكره أي جيشه.
الجرف: بضم الجميم والراء وبالفاء موضع على ثلاثة أميال من المدينة.
انتدب: أسرع الخروج.
بريدة: بضم الموحدة وفتح الراء.
الحصيب: بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وبالموحدة.
حريش: بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وسكون التحتية وبالشين المعجمة.
عصّب: بتشديد الصاد المهملة.
المقالة: بتخفيف اللام.
القطيفة: كساء له خمل.
وأيم الله: من ألفاظ القسم كقولك لعمرو الله، وفيها لغات كثيرة وتفتح همزتها وتكسر، وهمزتها همزة وصل وقد تقطع.
الخليق: بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وسكون التحتية وبالقاف أي حقيق وجدير.
لمخيلان: بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وسكون التحتية أي لمظنة كل خير.
أنفذوا: بقطع الهمزة. وكسر الفاء.
المعسكر: بفتح الكاف: الموضع الذي فيه العسكر.
لدّوه: بفتح اللام- الدّواء- الذي يصبّ من أحد جانبي الفم وهما لديداه ولددته فعلت به ذلك.
طأطأ: بهمزة ساكنة بعد الطاء الأولى وهمزة مفتوحة بعد الطاء الثانية.
وأمر النّاس بالرحيل: الناس منصوب مفعول أمر وفاعله عائد على أسامة.
كلم أبو بكر: بالبناء للمفعول.
شنّ عليهم الغارة: فرّق عليهم الرجال من كل وجه.
حرّق: بتشديد الراء.
أعاصير: جمع إعصار وهو ريح يثير الغبار ويرتفع إلى السماء كأنه عمود.
التّعبئة: بفتح الفوقية وسكون العين المهملة وكسر الموحدة وفتح الهمزة فتاء تأنيث.
سبحة: بفتح السين المهملة وسكون الموحدة.
أغذّ السّير: بفتح الهمزة والغين والذال المعجمتين: أسرع.
وادي القرى: بضم القاف وفتح الراء والقصر.
حمص: مدينة معروفة من مشارق الشام لا تنصرف للعجمية والتأنيث والعلمية.
الرابطة: براء فألف فموحدة فطاء مهملة فتاء تأنيث: الجماعة الذين يحفظون من وراءهم من العدو.
، ، ، ، ، ، ،