السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

ذكر أزواجه صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين

تقرأ في محمد بن يوسف الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ، ٥٤٤ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ
عناوينه هنا (١٨٤)
  1. ذكر تزوجه صلى الله عليه وسلم بجويرية رضي الله عنها وبركة ذلك
  2. شرح غريب تزوجه صلى الله عليه وسلم بجويرية رضي الله عنها
  3. الباب السادس والعشرون في إخباره صلى الله عليه وسلم بأول أزواجه لحوقا به
  4. تنبيه
  5. الأول: في أنه لم يتزوج إلا من أهل الجنة وعددهن.
  6. الثاني: عددهن وترتيبهن: هن إحدى عشرة امرأة.
  7. تنبيه
  8. الثاني: في ذكر الآيات التي نزلت في شأن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم
  9. الثالث: في حسن خلقه معهن ومداراته - صلى الله عليه وسلم - لهن، وحثه على برهن والصبر عليهن رضي الله تعالى عنهن
  10. الرابع: في محادثته - صلى الله عليه وسلم - لهن، وسمره معهن
  11. حديث خرافة
  12. الخامس: في اعتزاله - صلى الله عليه وسلم - نساءه - رضي الله تعالى عنهن -.
  13. تنبيه في بيان غريب ما سبق
  14. الباب الثاني - في بعض فضائل أم المؤمنين خديجة بنت خويلد - رضي الله تعالى عنها -
  15. الأول: في نسبها
  16. الثاني: فيمن تزوجها قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -
  17. الثالث: في كيفية زواجه - صلى الله عليه وسلم - إياها
  18. الرابع: في أنها أول من أسلم
  19. الخامس: في سلام الله تعالى عليها - رضي الله تعالى عنها - على لسان جبريل - صلى الله عليه وسلم -
  20. السادس: في أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يتزوج عليها حتى ماتت وإطعامه إياها من عنب الجنة
  21. السابع: تبشير النبي - صلى الله عليه وسلم - إياها ببيت في الجنة
  22. الثامن: في كثرة ثناء النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها - رضي الله تعالى عنها -
  23. التاسع: في بره - صلى الله عليه وسلم - أصدقاء خديجة - رضي الله تعالى عنها - بعد موتها
  24. العاشر: في أنها - رضي الله تعالى عنها - من أفضل نساء أهل الجنة
  25. الحادي عشر: في أنها من خير نساء العالمين ومن سيداتهن.
  26. الثاني عشر: في ذكر ولدها - رضي الله تعالى عنها - من غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
  27. الثالث عشر: في وفاتها - رضي الله تعالى عنها -.
  28. تنبيهات
  29. الباب الثالث في بعض مناقب أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنهما -
  30. الأول: في نسبها ومولدها.
  31. الثاني: في كنيتها
  32. الثالث: في تسميتها - رضي الله تعالى عنها -.
  33. الرابع: في هجرتها - رضي الله تعالى عنها -
  34. الخامس: في بيان إتيان جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - بصورتها وإخباره - عز وجل - أنها زوجته.
  35. السادس: في خطبتها وتزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - بها.
  36. السابع: في مدة مقامها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
  37. الثامن: في أنها زوجته في الدنيا والآخرة وأنها تحشر معه
  38. التاسع: في أنها أحب نسائه إليه - صلى الله عليه وسلم -
  39. العاشر: في أنها أحب الناس إليه - صلى الله عليه وسلم -.
  40. الحادي عشر: في أمره - صلى الله عليه وسلم - أن تسترقي من العين.
  41. الثاني عشر: في قسمه لعائشة - رضي الله تعالى عنها - ليلتين ولسائر نسائه ليلة.
  42. الثالث عشر: في أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يدور على نسائه ويختم بعائشة - رضي الله تعالى عنها -.
  43. الرابع عشر: في حثه - صلى الله عليه وسلم - على حبها - رضي الله تعالى عنها -.
  44. الخامس عشر: في حثه إياها على انتصارها لنفسها.
  45. السادس عشر: في تحدي الناس بهدايا هم يوم عائشة - رضي الله تعالى عنها - وأنه لم ينزل قرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
  46. السابع عشر في دعائه - صلى الله عليه وسلم - لها.
  47. الثامن عشر: في تقبيله - صلى الله عليه وسلم - إياها وهو صائم.
  48. التاسع عشر: في استرضائه - صلى الله عليه وسلم - عائشة واعتذاره منها في بعض الأحوال والعلامة التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستدل بها على غضب عائشة - رضي الله تعالى عنها - ورضاها ومتابعته - صلى الله عليه وسلم - لهواها.
  49. العشرون: في مسابقته - صلى الله عليه وسلم - لها - رضي الله تعالى عنها - في سفر
  50. الباب العشرون: في كونه - صلى الله عليه وسلم - لم يتزوج بكرا غيرها
  51. الحادي والعشرون: في إقراره - صلى الله عليه وسلم - في بيت عائشة - رضي الله تعالى عنها - وقيامه لها حتى تنظر إلى لعب الحبشة.
  52. الثاني والعشرون: في ابتدائه - صلى الله عليه وسلم - حين أنزلت عليه آية التخيير بها وحسن جوابها.
  53. الثالث والعشرون: في اختياره - صلى الله عليه وسلم - الإقامة عندها أيام مرضه - صلى الله عليه وسلم - واجتماع ريقه وريقها واختصاصها بمباشرة خدمته.
  54. الرابع والعشرون: في قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن دعاه إلى الطعام وهذه معي.
  55. الخامس والعشرون: في فضل عائشة - رضي الله تعالى عنها - على النساء، وشهادة أم سلمة وصفية - رضي الله تعالى عنهما - بتفضيل النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة عليهن.
  56. السادس والعشرون: في رؤيتها - رضي الله تعالى عنها - جبريل - صلى الله عليه وسلم - وسلامه عليها.
  57. السابع والعشرون: فيما ظهر من بركتها - رضي الله تعالى عنها - بتوسعة الله عز وجل على الأمة برخصة التيمم.
  58. الثامن والعشرون: في نزول براءتها من السماء
  59. التاسع والعشرون: في اختصاصها بعشر خصال لم يشاركها فيها امرأة من نسائه - صلى الله عليه وسلم
  60. الثلاثون: في سعة علمها - رضي الله تعالى عنها - وكونها أفقه الناس مطلقا
  61. الحادي والثلاثون: في إنكارها على ابن عمر وإقراره إياها
  62. الثاني والثلاثون: في زهدها، وكرمها، وصدقها، وعتقها، بريرة.
  63. الثالث والثلاثون: في خوفها وورعها وتعبدها وحيائها - رضي الله تعالى عنها -.
  64. الرابع والثلاثون: في غيرتها
  65. الخامس والثلاثون: في وفاتها - رضي الله تعالى عنها - وأين دفنت.
  66. تنبيهان
  67. الباب الرابع في بعض مناقب أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهما -
  68. الأول: في مولدها ونسبها،
  69. الثاني: فيمن كانت تحته وتزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - إياها - رضي الله تعالى عنها -.
  70. الثالث: في أمر الله - تبارك وتعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بمراجعتها لما طلقها، وقال: إنها زوجتك في الجنة.
  71. الرابع: في استظهارها بتحريم مارية.
  72. الخامس: في قول عائشة - رضي الله تعالى عنها - إنها ابنة أبيها تنبيها على فضلها.
  73. السابع: في وفاتها - رضي الله تعالى عنها -
  74. بيان غريب ما سبق.
  75. الباب الخامس في بعض فضائل أم المؤمنين أم سلمة - رضي الله تعالى عنها -
  76. الأول: في نسبها واسمها.
  77. الثاني: في هجرتها مع زوجها أبي سلمة بن (عبد الأسد) - رضي الله تعالى عنهما - إلى الحبشة وهجرتها إلى المدينة.
  78. الثالث: في تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - بها.
  79. الرابع: في دخولها فيما سأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل بيته.
  80. الخامس: في ابتدائه صلى الله عليه وسلم بها إذا دار على نسائه، وتخصيصه أم سلمة من دون غيرها في بعض الأحوال - رضي الله تعالى عنهن -
  81. السادس: في مبايعتها، ومحافظتها على دينها وبرها - رضي الله تعالى عنها -.
  82. الثامن: في وفاتها - رضي الله تعالى عنها -.
  83. التاسع: في ولدها - رضي الله تعالى عنها -
  84. تنبيه في بيان غريب ما سبق
  85. الباب السادس في بعض فضائل أم المؤمنين أم حبيبة
  86. الأول: في نسبها واسمها.
  87. الثاني: في تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - لها.
  88. الثالث: في طيها فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
  89. الخامس: في وفاة أم حبيبة - رضي الله تعالى عنها -
  90. تنبيهات
  91. الباب السابع في بعض فضائل أم المؤمنين سودة بنت زمعة - رضي الله تعالى عنها -
  92. الأول: في نسبها.
  93. الثاني: في تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - إياها: أسلمت قديما وبايعت.
  94. (الثاني) : في هبتها يومها لعائشة - رضي الله تعالى عنهما - تلتمس رضا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
  95. الرابع: في أمره - صلى الله عليه وسلم - سودة بالانتصار من عائشة، لما لطخت وجهها.
  96. الخامس: في إذنه - صلى الله عليه وسلم - لها في الدفع قبل الناس.
  97. السادس: في شدة اتباعها لأمره - صلى الله عليه وسلم -.
  98. السابع: في وفاتها - رضي الله تعالى عنها -.
  99. تنبيه في بيان غريب ما سبق
  100. الباب الثامن في بعض فضائل أم المؤمنين زينب بنت جحش - رضي الله تعالى عنها -
  101. الأول: في اسمها ونسبها.
  102. الثاني: في تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - بها
  103. الثالث: في فخرها على نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - بتزويج الله - تبارك وتعالى - إياها رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
  104. الرابع: في نزول آية الحجاب بسبب زينب - رضي الله تعالى عنها -
  105. الخامس: في وليمته - صلى الله عليه وسلم - عليها وفي هدية أم سليم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة دخوله على زينب.
  106. تنبيه
  107. السادس: في مسامات زينب عائشة بنت الصديق - رضي الله تعالى عنهما - وثناء عائشة عليها بالدين والصدق والصدقة وصلة الرحم.
  108. السابع: في وصف زينب - رضي الله تعالى عنها - بطول اليد كناية عن الصدقة
  109. الثامن - في وصفه - - صلى الله عليه وسلم - زينب بأنها أواهة وزهدها، وورعها - رضي الله تعالى عنها
  110. التاسع - في وفاتها - رضي الله تعالى عنها -.
  111. تنبيه في بيان غريب ما سبق
  112. الباب التاسع - في بعض فضائل أم المؤمنين زينب بنت خزيمة الهلالية - رضي الله تعالى عنها -
  113. الأول - في نسبها
  114. الثاني - في تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - بها.
  115. الثالث - في تكنيتها بأم المساكين.
  116. الرابع: في وفاتها - رضي الله تعالى عنها -
  117. الباب العاشر - في بعض فضائل أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث - رضي الله تعالى عنها -
  118. الأول - في اسمها ونسبها.
  119. الثاني: في تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - بها.
  120. الثالث: في وفاتها.
  121. شرح غريب ما سبق
  122. الباب الحادي عشر في بعض مناقب أم المؤمنين جويرية بنت الحارث الخزاعية ثم المصطلقية - رضي الله تعالى عنها -
  123. الأول: في اسمها ونسبها.
  124. الثاني: في زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بها.
  125. الثالث: في وفاتها - رضي الله تعالى عنها -
  126. الباب الثاني عشر في بعض مناقب أم المؤمنين صفية بنت حيي - رضي الله تعالى عنها -
  127. الأول في نسبها.
  128. الثاني: في تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - بها.
  129. الثالث: في رؤياها ما يدل على زواجها بالنبي - صلى الله عليه وسلم -
  130. الرابع: في اعتذاره - صلى الله عليه وسلم - إليها.
  131. الخامس: في قوله - صلى الله عليه وسلم - إنك لابنة نبي وإن عمك نبي، وإنك تحت نبي.
  132. السادس: في رفقه - صلى الله عليه وسلم - ولطفه.
  133. السابع: في إرادة احتباسه - صلى الله عليه وسلم - وحمله الحجر مراعاة لصفية - رضي الله تعالى عنها -.
  134. الثامن: في خروجه من معتكفه تكرمة لصفية - رضي الله تعالى عنها -.
  135. التاسع: في حلم صفية - رضي الله تعالى عنها -
  136. العاشر: في وفاتها - رضي الله تعالى عنها -
  137. تنبيهان
  138. الباب الثالث عشر في ذكر سراريه - صلى الله عليه وسلم -
  139. تنبيهان
  140. الباب الرابع عشر في ذكر من عقد عليها ولم يدخل بها - صلى الله عليه وسلم -
  141. الأولى
  142. الثانية
  143. الثالثة
  144. الرابعة
  145. الخامسة
  146. السادسة
  147. السابعة: أميمة بنت شراحبيل.
  148. الثامنة
  149. التاسعة
  150. العاشرة
  151. الحادية عشرة
  152. الثانية عشرة: الشاة
  153. الثالثة عشرة: شراق،
  154. الرابعة عشرة
  155. الخامسة عشرة
  156. السادسة عشرة: عمرة بنت معاوية الكندية.
  157. السابعة عشرة
  158. الثامنة عشرة: عمرة بنت يزيد الغفارية
  159. التاسعة عشرة: غزية،
  160. العشرون: فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابية.
  161. الحادية والعشرون: قتيلة،
  162. الثانية والعشرون: ليلى بنت الخطيم،
  163. الثالثة والعشرون: ليلى بنت حكيم الأنصارية الأوسية،
  164. الرابعة والعشرون: مليكة بنت داود
  165. الخامسة والعشرون: مليكة بنت كعب الكنانية.
  166. السادسة والعشرون: هند بنت زيد
  167. تنبيهان
  168. الباب الخامس عشر في ذكر من خطبها - صلى الله عليه وسلم - ولم يعقد عليها أو عرضت نفسها أو عرضت عليه
  169. جمرة،
  170. جمرة بنت الحارث بن أبي حارثة المزنية،
  171. حبيبة
  172. خولة
  173. سودة القرشية،
  174. صفية
  175. ضباعة،
  176. نعامة،
  177. أم شريك
  178. أم شريك الدوسية
  179. أم شريك القرشية
  180. أم هانئ
  181. وامرأة لم تسم،
  182. وعرضت عليه - صلى الله عليه وسلم - امرأتان فردهما لمانع شرعي. الأولى
  183. الثانية
  184. الباب السادس فيما جاء أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يدور على بيوت أزواجه في مرضه

ذكر تزوجه صلى الله عليه وسلم بجويرية رضي الله عنها وبركة ذلك

٥/٣٤٦٥/٣٤٦

قال أبو عمر رحمه الله: كان اسمها برة فغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية.

وروى محمد بن إسحاق والإمام أحمد وأبو داود ومحمد بن عمر عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت جويرية امرأة حلوة ملاحة، لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم عندي ونحن على الماء إذ دخلت عليه جويرية تسأله في كتابتها، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت: يا رسول الله إني امرأة مسلمة أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيّد قومه، أصابنا من الأمر ما قد علمت ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس- أو ابن عم له فتخلّصني من ابن عمّه بنخلات له بالمدينة- فكاتبني على ما لا طاقة لي به ولا يدان، وما أكرهني على ذلك إلا أنّي رجوتك صلى الله عليك فأعنّي في مكاتبتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو خير من ذلك؟ فقالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أؤدّي عنك كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت بن قيس فطلبها منه، فقال ثابت: هي لك يا رسول الله بأبي وأمّي، فأدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان عليها من كتابتها، وأعتقها وتزوّجها، وخرج الخبر إلى الناس ورجال بني المصطلق قد اقتسموا وملكوا ووطئت نساؤهم، فقال المسلمون: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقوا ما بأيديهم من ذلك السّبي. قالت عائشة رضي الله عنها: فأعتق مائة أهل بيت بتزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم إيّاها، فلا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها [ (١) ] .

شرح غريب تزوجه صلى الله عليه وسلم بجويرية رضي الله عنها

٥/٣٥٨٥/٣٥٨

ملّاحة قال في المصباح: ملح الشّيء بالضمّ ملاحة بالفتح: بهج وحسن منظره فهو مليح والأنثى مليحة، والجمع ملاح.

لا طاقة بكذا ولا يدان، أي لا قوة لي ولا قدرة عليه.

الباب السادس والعشرون في إخباره صلى الله عليه وسلم بأول أزواجه لحوقا به

١١/١٠٠١١/١٠٠

روى تمام وابن عساكر عن واثلة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول من يلحقني من أهلي أنت يا فاطمة، وأول من يلحقني من أزواجي زينب، وهي أطولكن كفا» .

وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا» ، فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا، فكانت زينب أطولنا يدا، لأنها كانت تعمل بيديها وتتصدق، ورواه عن الشعبي مرسلا.

وروى البخاري عنها قال: اجتمع زوجاته صلى الله عليه وسلم فقلن له: أينا أسرع بك لحوقا؟ قال: «أطولكن يدا» ، فأخذوا قصبة يذرعونها فكانت سودة بنت زمعة أطولنا ذراعا.

فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت أسرعنا لحوقا به سودة بنت زمعة، فعرفنا أن طول يدها كان بالصدقة، وكانت تحب الصدقة.

تنبيه

هذا مخالف لما رواه مسلم والشعبي مع ما فيه من المنافاة لأن قولهما: إن طول يدها كان بالصدقة يدل على أن الطول معنوي، وقولها: كانت أطولنا ذراعا يدل على أنه طول حسي. قال البيهقي: وزينب هي التي كانت أطول ذراعا بالصدقة وأسرع لحوقا به.

الأول: في أنه لم يتزوج إلا من أهل الجنة وعددهن.

١٢/١٤٣١٢/١٤٣

روى أبو بكر بن أبي خيثمة عن عثمان بن زفر حدثنا سيف بن عمر عن عبد الله بن محمد عن هند بن هند بن أبي هالة عن أبيه، قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: إن الله تعالى أبى لي أن أزوّج أو أتزوّج إلا أهل الجنة.

الثاني: عددهن وترتيبهن: هن إحدى عشرة امرأة.

روى أبو طاهر المخلص عن طريق سيف بن عمر وهو ضعيف جدا عن قتادة: عن أنس وابن عباس- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- تزوّج خمس عشرة امرأة، دخل بثلاث عشرة واجتمع عنده إحدى عشرة، وتوفّي عن تسع.

ورواه ابن عساكر عن طريق بحر بن كثير السّقّاء وهو ضعيف جدا عن أنس، ورواه أيضا من طريق عثمان بن مقسم، وهو متروك عن قتادة وهو موقوف عليه ورواه أيضاً ابن بحر عن عائشة وسمّى في هذا الطريق الثانية عشرة، والثالثة عشرة، فإن اللتين دخل بهما: أمّ شريك بنت جابر بن حكيم والنشاة بنت رفاعة، ولم أجد ذكرا في التجريد للذهبي ولا في الإصابة، واللتان تزوجهما ولم يدخل بهما عمرة بنت يزيد الغفاريّة والشنباء: بشين معجمة ونون. لم أجد لها ذكرا [ (١) ] .

ست قرشيات: خديجة بنت خويلد، بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون التحتية وكسر اللام، وبالدال المهملة، ابن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضير بن كنانة.

وعائشة بنت أبي بكر الصديق، واسمه عبد الله أو عتيق بن أبي قحافة، بضم القاف وفتح الحاء المهملة، واسمه عثمان بن عامر بن عمرو بن وهب بن سعيد بن تميم بن مرّة بن كعب بن لؤي.

١٢/١٤٤١٢/١٤٤

وحفصة بنت عمر بن الخطّاب بن نفيل بضم النون ابن عبد العزى بن رياح- بكسر الراء، وبالتحتية المثناة- ابن عبد الله بن قرط- بضم القاف والراء المفتوحة والطاء المهملتين- ابن رزاح- بفتح الراء والزاي، ابن عديّ بن كعب بن لؤيّ.

وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشيّة العدويّة [ (١) ] .

وأمّ سلمة هند بنت (أمية) [ (٢) ] واسمه حذيفة أو زهير أو سهل ويعرف بزاد الراكب، وهو أحد أجواد العرب المشهورين بالكرم، وكان إذا سافر لم يحمل معه أحد من رفقته زادا بل كان يكفيهم. ابن المغيرة بن عبد الله عمرو بن مخزوم، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وبالزاي ابن يقظة بفتح التحتية والقاف والظاء المشالة ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشية المخزومية.

وسودة بنت زمعة بن قيس، بفتح القاف وسكون التحتية ابن عبد شمس بن عبد ودّ، بفتح الواو وبالدال المهملة المشددة واسمه حذيفة وزهير بن نفير بن مالك بن حسل، بكسر الحاء وسكون السين المهملتين وباللام، ابن عامر بن لؤي بن غالب.

وأربع عربيات من غير قريش. فمن خلف قريش: زينب بنت جحش بن رياب (بكسر الراء) وتخفيف المثناة التحتية) ومد همزة وبعد الألف. موحدة ابن يعمر، بفتح التحتية وسكون العين المهملة وضم الميم، ابن صبرة، بفتح الضاد المهملة وكسر الموحدة، ابن مرّة بن كبير ضد صغير، ابن غنم، بفتح الغين المعجمة، وسكون النون، ابن دودان، بضم الدال المهملة، وسكون الواو فدال أخرى فألف فنون، ابن أسد بن خزيمة.

وميمونة بنت الحارث بن حزن بفتح الحاء المهملة، والزاي وبالنون، ابن بجير بضم الموحدة، وسكون التحتية، وبالراء- ابن الهزم بضم الهاء، وفتح الزاي- ابن رويبة بضم الراء بعدها همزة مفتوحة، وتبدل واو- ابن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة (بفتح الخاء المعجمة، والصاد المهملة والفاء) ابن قيس عيلان (بفتح المهملة، وسكون التحتية) الهلالية.

وزينت بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمر بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بفتح الموحدة ابن هوازن بفتح الهاء وكسر الزاي ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان الهلالية.

١٢/١٤٥١٢/١٤٥

وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ (بهمزة بعد الألف فذال معجمة) ابن مالك بن حذيمة بفتح الحاء وكسر الذال المعجمة وهو المصطلق بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء المهملتين وكسر اللام وبالقاف، ابن سعد بن كعب بن عمرو (وهو خزاعة- بضم الخاء المعجمة وبالزاي- ابن ربيعة بن حارثة بن عمرو مرتقيا بن عامر ماء.

الخزاعية ثم المصطلقية وواحدة غير عربية وهي من بني إسرائيل وهي صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير) .

هؤلاء المشهورات من نسائه- صلّى الله عليه وسلّم- اللائي دخل بهن متفق عليهن لم يختلف فيهن اثنان وذكر غيرهن وباقيهن يأتي في باب مفرد. مات عنده- صلى الله عليه وسلّم- منهن اثنتان- خديجة بنت خويلد وزينت بنت خزيمة وفي ريحانة خلاف وسيأتي ذكرها في السراري وقال أبو عبيد معمر بن المثنى رحمه الله تعالى: أول نسائه- صلّى الله عليه وسلّم- لحاقا به زينب ثم سودة ثم حفصة ثم أم حبيبة ثم أم سلمة آخرهن موتا. ومات- صلى الله عليه وسلم- عن تسع، خمس منهنّ من قريش: عائشة، وحفصة، وأمّ حبيبة، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلمة. وثلاث من العرب غير قريش: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت جحش، وجويريّة بنت الحارث، ومن غير العرب: صفية بنت حيي ولا خلاف أن أول امرأة تزوج بها منهن خديجة- رضي الله تعالى عنها، وأنه لم يتزوج عليها رضي الله تعالى عنها حتى ماتت، واختلف في ترتيب البواقي مع الاتفاق على نكاح جملتهن. فقال عبد الله بن محمد بن عقيل: خديجة، وعائشة، وسودة، وأمّ حبيبة، وبنت أبي سفيان، وحفصة بنت عمر، وميمونة بنت الحارث، وجويرية بنت الحارث، ثم زينب بنت خزيمة الكندية التي سألت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أن يطلقها، وقال قتادة: خديجة ثم سودة ثم عائشة ثم أمّ حبيبة، ثم أم سلمة، ثم حفصة، ثم زينب بنت جحش، ثم جويرية ثم ميمونة بنت الحارث، ثم صفية، ثم زينب بنت خزيمة. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تزوج خديجة، ثم سودة بمكة، ثم عائشة قبل الهجرة بسنتين، ثم أمّ سلمة بعد وقعة بدر سنة اثنتين بالمدينة، ثم حفصة سنة اثنتين، ثم زينب بنت جحش سنة ثلاث، ثم جويرية سنة خمس، ثم أمّ حبيبة سنة ستّ ثم صفية سنة سبع، ثم ميمونة بنت الحارث، ثم فاطمة بنت سريح، ثم زينب بنت خزيمة، ثم هند بنت يزيد، ثم أسماء بنت النعمان، ثم قتيلة بنت الأشعث، ثم شتا بنت أسماء قلت: وسيأتي الكلام على ذكر فاطمة، وهند، وأسماء، وشنباء، واختلف عقيل- بضم العين المهملة، وبفتح القاف وسكون التحتية- والزّهري في وصف عددهن. فقال عقيل رضي الله عنه: خديجة، ثم سودة، ثم عائشة، ثم حبيبة، ثم حفصة، ثم أم سلمة ثم زينب بنت جحش، ثم جويرية، ثم ميمونة، ثم صفية ثم امرأة من بني الجوث من كندة، ثم العمرية ثم العالية، وقال يونس عنه: خديجة، ثم عائشة، ثم سودة، ثم حفصة، ثم أم حبيبة، ثم أم سلمة ثم زينب بنت جحش، ثم ميمونة، ثم جويريّة، ثم صفية، وقال عبد الله بن محمد بن عقيل، وابن إسحاق: تزوّج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خديجة ثم عائشة وأصدقها أربعمائة درهم زوجها منه- صلى الله عليه وسلّم- أبوها، ثم سودة زوجها منه أباها وفدان بن قيس ابن عمها.

١٢/١٤٦١٢/١٤٦

ويقال سليط بن عمرو ويقال أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس. وتعقّبه ابن هشام بأن ابن إسحاق خالف ذلك، وذكر إنهما كانا في هذا الوقت بالحبشة وأصدقها أربعمائة درهم، ثم حفصة وزوجها إياه أبوها عمر بن الخطاب، ثم زينب بنت خزيمة زوجه إياها بعقبة بن عمرو الهلالي ثم أم سلمة زوجه إياها ابنها سلمة بن أبي سلمة وهو صغير كما سيأتي وأصدقها فراشا حشوه ليف وقدحا، [المجش وهي الرحى] ثم زينب بنت جحش زوجه إياها أخوها أحمد بن جحش، وأصدقها أربعمائة درهم، ثم جويرية زوجه إياها خالد بن سعيد بن العاص ثم ريحانة، أم حبيبة زوجه إياه خالد بن سعيد العاص بالحبشة وأصدقها النبي شيئا ثم صفية، ثم ميمونة زوجه إياها العباس بن عبد المطلب وأصدقها العباس- رضي الله تعالى عنه- عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ويقال: إنها وهبت نفسها للنبي- صلى الله عليه وسلّم- ويقال: إنها زوّجه إياها خالد بن سعيد بن العاص، وأصدقها النجاشيّ عنه أربعمائة دينار، وهو الذي خطبها على النبي- صلى الله عليه وسلم-.

تنبيه

ما ذكر ابن إسحاق من أن صداقه- صلى الله عليه وسلّم- لأكثر أزواجه أربعمائة درهم. ورد ما يخالفه، روى مسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان صداق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا، قالت: النش نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم، فذلك صداق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأزواجه، وهذا أولى بالصحة، لأنه متفق عليه، ولأنه فيه زيادة على ما ذكره ابن إسحاق، ومن ذكر الزيادة معه زيادة علم.

الثاني: في ذكر الآيات التي نزلت في شأن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال الله عز وجل: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب/ ٦] يعني أمهات المؤمنين ثم في تعظيم الحرمة وتحريم نكاحهن على التأبيد، فهن كالأمهات لا في النّظر إليهنّ، والخلوة بهن فإن ذلك حرام في حقّهنّ كما في الأجانب، ولا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين ولا لاخوتهن وأخواتهن أخوال المؤمنين وخالاتهم، فقد تزوج الزبير من أسماء بنت أبي بكر وهي أخت عائشة- رضي الله تعالى عنها- وتزوج العباس أمّ الفضل أخت ميمونة، ولم يقل: هما خالتا المؤمنين، ويقال: لأزواج النبي- صلى الله عليه وسلّم- أمّهات المؤمنين الرجال دون النساء بدليل ما روي عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة- رضي الله تعالى عنها-: يا أمة، فقالت: لست لك بأمّ إنما أنا أمّ رجالكم، فبان بذلك أن معنى الآية أن الأمومة في الأمة المراد بها تحريم نكاحهن على التأبيد كالأمهات: وقال تعالى في سورة الأحزاب: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [الأحزاب/ ٢٨] .

١٢/١٤٧١٢/١٤٧

روى الشيخان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن [عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم جاءها حين أمر الله أن يخبر أزواجه، فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك» ، وقد علم أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه. قالت ثم قال: إن الله قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إلى تمام الآيتين فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة] .

الثالث: في حسن خلقه معهن ومداراته - صلى الله عليه وسلم - لهن، وحثه على برهن والصبر عليهن رضي الله تعالى عنهن

روى الطيالسي والإمام أحمد وابن عساكر عن عبد الله الجدلي، قال: قلت لعائشة- رضي الله تعالى عنها- كيف كان خلق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أهله؟ قالت: كان أحسن الناس خلقاً لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا صخّابا في الأسواق ولا يجازي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويغفر.

وروى الحارث بن أسامة والخرائطيّ وابن عساكر عن عمرة قالت: سئلت عائشة- رضي الله تعالى عنها- عن خلق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا خلا مع نسائه، قالت: كان كالرجل من رجالكم إلا أنه كان أكرم النّاس، وأحسن الناس خلقا، وألين النّاس في قومه وأكرمهم، ضحّاكا بسّاما.

روى ابن سعد عن ميمونة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة من عندي فأغلقت دونه الباب فجاء يستفتح الباب، فأبيت أن أفتح له، فقال: «أقسمت عليك أن تفتحي» فقلت له: تذهب إلى بعض نسائك في ليلتي؟ قال: «ما فعلت، ولكن وجدت حقنا من بولي» .

وروى الإمام أحمد وأبو داود، والنسائي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما رأيت صانعا طعاما مثل صفيّة، صنعت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- طعاما، فبعث به فأخذت في الأكل فكسرت الإناء، فقلت: يا رسول الله، ما كفارة ما صنعت؟ قال: إناء مثل إناء، وطعام مثل طعام.

وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن أم كلثوم- رضي الله عنها- قالت: كانت زينب تفلّي رأس رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وعنده امرأة عثمان بن مظعون، ونساء من المهاجرات يشكون منازلهن وأنّهنّ يخرجن منه ويضيق عليهن فيه، فتكلمت زينب وتركت رأس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «إنك لست تكلّمين بعينك، تكلّمي واعملي عملك [ (١) ] » ، الحديث.

١٢/١٤٨١٢/١٤٨

وروى النّسائيّ وأبو بكر الشافعي عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: زارتنا سودة يوما فجلس رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بيني وبينها إحدى رجليه في حجري، والأخرى في حجرها، فعملت له حريرة أو قال: خزيرة، قلت: كلي فأبت، فقلت: لتأكلين أو لألطّخنّ وجهك فأبت، فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهها، فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فرفع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- رجله من حجرها، لتستقيد مني، وقال لها: لطّخي وجهها، فأخذت من الصحفة شيئا فلطخت به وجهي، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يضحك [ (١) ] .

الحديث تقدم بتمامه في باب مزاحه ومداعبته- صلى الله عليه وسلّم-.

وروى الطبراني وابن مردويه عن عائشة- رضي الله تعالى عنها، قالت: نزل عندي، وكادت الأمة تهلك في سبي، فلما سرّي عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وعرج الملك، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لأبي: «اذهب إلى ابنتك، فأخبرها إن الله عز وجل، قد أنزل عذرها من السماء» ، قالت: فأتاني وهو يغدوا ويكاد أن يتعثر، فقال: أبشري يا بنية، إن الله عز وجل أنزل عذرك من السماء، فقلت: نحمد الله ولا نحمدك ولا نحمد صاحبك الذي أرسلك، ثم دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم فتناول ذراعي، فقلت: بيده هكذا فأخذ أبو بكر النعل ليعلوني بها فمنعته أمي، فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-.

وروى الإمام أحمد والشيخان وأبو الشيخ عن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة- رضي الله تعالى عنها- ما كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصنع في أهله قالت: كان بشرا من البشر يفلّي رأسه، ويحلب شاته، ويخيط ثوبه ويخدم نفسه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم، ويكون في مهنة أهله يعني خدمة أهله، فإذا سمع المؤذن خرج للصلاة وفي لفظ: فإذا حضرته الصلاة قام إلى الصلاة.

وروى ابن سعد عنها أيضا قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يعمل عمل أهل البيت وأكثر ما يعمل للخياطة.

وروى أبو الحسن بن الضحاك عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «بيت لا تمر فيه جياع أهله، وبيت لا خلّ فيه فقار أهله، وبيت لا صبيان فيه لا خير فيه وخيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» .

وروى أبو بكر الشافعي عن القاسم، قال: سألت عائشة- رضي الله تعالى عنها- ما كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يعمل في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويحزم نفسه- صلى الله عليه وسلّم-.

١٢/١٤٩١٢/١٤٩

وروى الطبراني عن حبة وسواء ابني خالد، قال: دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو يعالج شيئا فأعنّاه عليه، فقال: لا تيأسا من الرزق، ما تهزهزت رؤوسكما، فإن الإنسان تلده أمّه ليس عليه قشر ثم يرزقه الله [ (١) ] .

وروى أبو بشر الدولابيّ عن عروة، قال: قلت لعائشة- رضي الله تعالى عنها- ما كان عمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بيته؟ قالت: كان يخصف النّعل، ويرقّع الثوب. وروى ابن أبي شيبة عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنها سئلت ما كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصنع في بيته؟ قالت: كان يخصف النعل، ويرقع الثوب ونحو هذا.

وروى عبد الرزاق عن عروة قال: سأل رجل عائشة- رضي الله تعالى عنها- هل كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يعمل في بيته؟ قالت: نعم، كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته.

وروى ابن عدي عن [علي بن زيد بن جدعان عن أنس] قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يسلم على نسائه إذا دخل عليهنّ [ (٢) ] .

وروى النسائي عن النعمان بن بشير- رضي الله تعالى عنه- استأذن أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فسمع صوت عائشة- رضي الله تعالى عنها- عاليا فأهوى بيده إليها ليلطمها وقال: يا بنية فلانة، ترفعين صوتك على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وخرج أبو بكر مغضبا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: يا عائشة، كيف رأيت أنقذتك من الرّجل ثم استأذن أبو بكر بعد أن اصطلح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعائشة فقال: ادخلا في السّلم كما دخلتما في الحرب فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قد فعلنا.

وروى الإمام أحمد، والبخاريّ، وأبو داود وابن ماجة، والدارقطنيّ، والترمذي، والنسائي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عند بعض نسائه أظنّها عائشة، وفي رواية النّسائي: فجاءت عائشة متّزرة بكساء ومعها فهر ففلقت به الصحفة فأرسلت وفي رواية الترمذي عائشة- من غير شك- فأرسلت إليه بعض أمهات المؤمنين وفي رواية النسائي أم سلمة- بصحفة فيها طعام فضربت التي هو في بيتها وفي رواية النسائي: فجاءت عائشة مؤتزرة بكساء ومعها فهر ففلقت به الصحفة فسقطت الصحفة فانفلقت نصفين فجمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلق الصحفة وفي رواية فأخذ الكسرين فضم إحداهما إلى الأخرى ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصّحفة ويقول: غارت أمّكم، ثم حبس، وفي لفظ: أمسك الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفعها إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرتها، وقال: طعام بطعام، وإناء بإناء.

١٢/١٥٠١٢/١٥٠

وروى ابن أبي شيبة عن قيس بن وهب عن رجل من بني سراة، قال: قلت لعائشة- رضي الله تعالى عنها- أخبريني عن خلق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالت: أما تقرأ القرآن وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ (١) ] . قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه فصنعت له طعاما، وصنعت له حفصة طعاما، فسبقتني حفصة، فقلت للجارية: انطلقي، فأكفئي قصعتها، فلحقتها، وقد هوت أن تضعها بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فكفأتها فانكسرت القصعة فانتشر الطعام، فجمعها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما فيها من الطعام على الأرض فأكلها، ثم بعثت بقصعتي فرفعها النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى حفصة، فقال: خذوا ظرفا مكان ظرف، وكلوا ما فيها، فقالت: فما رأيته في وجه رسول الله.

وروى النسائي عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها- أنها أتت بطعام في صحفة لها إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فجاءت عائشة- رضي الله تعالى عنها- ومعها فهر ففلقت به الصحفة.

فجمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بين فلقتي الصحفة، ويقول: كلوا غارات أمّكم، ثم أخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- صحفة عائشة، فبعث بها إلى أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- وأعطى صحفة أمّ سلمة لعائشة رضي الله تعالى عنها-.

وروى الترمذي وقال: حسن صحيح عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جمع نساءه في مرضه فقال: «إن أمر كنّ مما يهمّني من بعدي ولن يصبر عليكن إلّا الصابرون» . رواه أبو نعيم بلفظ: سيحفظني منكن الصابرون والصادقون.

الرابع: في محادثته - صلى الله عليه وسلم - لهن، وسمره معهن

روي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحدث نساءه حديث الذين خطبوا المرأة، وجعلوا ذكر صفاتهم إلى أحدهم ليصف لها كل واحد منهم من أحبّت فتتزوّجه، بعد أن سمعت صفته فكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول في حديثه: خذي من أخي ذا البجل ... إذا رعى القوم عقل وإذا سعى القوم يسل ... وإذا عمل القوم اتّكل وإذا ترب الزاد أكل............... ....

[ (٢) ] قالت المرأة: لا حاجة لي بهذا، هذا رغيب، قال: خذي من أخي ذا البجله ... حانوته يخصف نعلي ونعله ويحمل ثقلي وثقله ... ويرحل رحلي ورحله ويدرك نبلي ونبله ... وإذا حلّ برمة تقدّمت قبله قالت المرأة: هذا حمارك، لا حاجة لي به، قال: خذي من أخي هذا الأسد ... أفتك منزل به اللّصّ ملحد وركابه بحر مزبّد ... أقبل من رآنا به اللصّ ملحد وإذ رئي من رأينا لزند يزبد قالت: هذا لصّ، لا حاجة لي به، قال: خذي من أخي ذا الثّمر ... صبيّ خفر شجاع ظفر وهو خير من ذلك إذا سكر........... قالت: هذا سكّير، لا حاجة لي به، قال: خذي من أخي الحممة ... يهب المائة البكر السمنة والمائة البقرة الصّرمه ... والمائة الشاة الزغه أو قال: الذممة. وإذا أتت على عاد ليلة مظلمة ... وثب وثوب الكعب ولا هم شرته وقال: اكفوني الميمنه ... أكفيكم المشأمه لست فيه لعتمه ... ألا إنّه ابن أمه قالت المرأة: هذا رغيب يسير قد اخترته، قال لها: كما أنت قد بقي. خذي من أخي ذا الحقاق ... صفاق أفاق يعمل الناقة والساق ... عليه من الله إثم لا يطاق قالت: قد اخترته، قال: كما أنت فقد بقي خذي من أخي حرينا ... أولنا إذا غزونا وآخرنا إذا حمينا ... وعصمة آبائنا إذا شتونا وصاحب خطبنا إذا التجينا ... ولا يدع فضله علينا وفاصل خطبة أعتت علينا. قالت: قد اخترته، قال: كما أنت فقد بقيت أنا، قالت: فحدثني عن نفسك، قال: أنا لقمان بن عاد: لعاديه لا يعاد إذا اضطجعت أسبع لا أخاط ولا يملي ريقي جنبي ولا يماريني إزار مطمعا فحلّ مطمع وإن لا مطمعا فرقاع بصلع. قالت: لا حاجة لي لك، أنت سارق وقد أحزنت حزينا.

١٢/١٥٢١٢/١٥٢

وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كلّما قال: خذي من أخي كذا، وكذا: يقول بعض نسائه وفي بعض الطرق أمّ حبيبة أخذت هذا يا رسول الله، فيقول: رويدك فإني لم أفرغ من حديثهم، وفي رواية: لا تعجلي، قد بقي، رواه الحافظ حميد زنجويه في كتابه «آداب النبي- صلى الله عليه وسلم-» قال: حدثني أنس حدثني ابن أبي الزّناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها وقال أبو محمد بن قتيبة في حديث الحرف: حدثنا يزيد بن عمرو بن البراء الغنوي، قال: حدثنا يونس بن إسماعيل، قال: حدثنا سعيد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «إن لقمان بن عاد خطب امرأة قد خطبها إخوته قبله» ، فقالوا: بئس ما صنعت، خطبت امرأة قد خطبناها قبلك، وكانوا سبعة، وهو ثامنهم، فصالحهم على أن ينعت لهم نفسه، وإخوته بصدق، وتختار هي أيّهم تشاء.

وذكر الحديث بنحوه، وقال في آخر. قال عروة: بلغنا أنها قد تزوجت حزينا، وقال حميد بن زنجويه: حدثني ابن أبي أويس حدثني أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عروة وعن يزيد بن بكر الليثي عن داود بن حصين [ (١) ] ، عن عبيد الله بن عتبة، وعن عيسى بن عيسى الخياط، عن عمرو بن شعيب، قالوا: كان من حديث بني عاد أنهم اجتمعوا جميعا لخطبة امرأة فقال أكبرهم: دعيني أصفهم لك، إخوتي ونفسي، فوالله لأخبرنك بعلمي فيهم وفي نفسي. قالت المرأة: فخبّرني فذكره.

حديث خرافة

روى ابن أبي شيبة والترمذي وأبو يعلى والبزّار والطبراني، والإمام أحمد ورجال أحمد ثقات- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: حدث رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- نساءه بحديث، فقالت امرأة منهن: كان يحدّث حديث خرافة، فقال: أتدرين؟ ولفظ أحمد عن عائشة قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «أتدرون ما خرافة؟» كان رجلا من عذرة أسرته الجنّ، فمكث دهرا، ثم رجع، فكان يحدث بما رأى منهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة [ (٢) ] وفي رواية: فإذا استرقوا السمع أخبروه، فيخبر به الناس، فيجدونه [ (١) ] كما قال.

١٢/١٥٣١٢/١٥٣

وروى ابن أبي الدنيا في كتاب ذمّ البغي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- فجعل يقول الكلمة كما يقول الرجل عند أهله، فقالت إحداهن: كان هذا حديث خرافة. فقال: أتدرين ما خرافة؟ إن رجلا من بني عذرة أصابته الجنّ فكان فيهم حينا، فرجع إلى الإنس، فجعل يحدث بأحاديث تكون في الجن، لا تكون في الإنس. فحدّث إن رجلا من الجنّ كانت له أمّ، فأمرته أن يتزوج، فقال: إني أخشى، أن أدخل عليك من ذلك مشقة، أو بعض ما تكرهين، فلم تدعه حتى زوّجته فتزوج امرأة لها أمّ، فكان يقسم لامرأته ليلة، ولأمه ليلة، ليلة عند هذه، وليلة عند هذه، وكانت ليلة امرأته وأمّه وحدها فسلّم عليها مسلّم، فردت السّلام، فقال: هل من مبيت؟ قالت: نعم، قال: هل من عشاء؟ قالت: نعم، قال: هل من يحدّث بحديث الليلة، قالت: نعم، أرسل إلى ابني يأتيكم فيحدثكم، قالوا: فما هذه الخشفة التي نسمعها في دارك؟ قالت: إبل وغنم، قال أحدهما لصاحبه: أعط مثمن ما تمنّى، وإن كان خيرا فأصبحت وقد ملئت دارها إبلا وغنما. فرأت ابنها خبيث النفس. قالت: ما شأنك؟ لعل امرأتك أرادت أن تحولها إلى منزلي وتحولني إلى منزلها؟ قال: نعم، قالت: فحوّلها إلى منزلي، وحوّلني إلى منزلها، فتحولت إلى منزل امرأته، وتحولت امرأته إلى منزل أمّه. فلبثا ثم إنهما عادا والفتى عند أمّه، فسلّما فلم تردّ السّلام، فقالا: هل من مبيت؟ قالت: لا، قالا: فعشاء؟ قالت: لا، قالا: فإنسان يحدثنا الليلة؟ قالت: لا. قالا: فما هذه الخشفة التي نسمعها في دارك، قالت: هذه السّباع، فقال أحدهما لصاحبه: أعط مثمن ما تمنى، إن كان شرا، فامتلأت عليها دارها سباعا، فأصبحت وقد أكلت. وقال الحافظ: - رجاله ثقات- إلا الراوي له عن ثابت البنانيّ، وهو سحيم بن مرسويه، يروي عن عاصم بن علي، فيحرر حاله. وقال (المفضّل) الضّبيّ في كتاب الأمثال، قال: ذكر إسماعيل الورّاق، عن زياد البكائيّ، عن عبد الرحمن بن القاسم (ابن عبد الرحمن بن القاسم) عن أبيه القاسم بن عبد الرحمن قال: سألت أبي يعني عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن حديث خرافة، قال: بلغني عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنها قالت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-: حدّثني بحديث خرافة، فقال: رحم الله خرافة أنه كان رجلاً صالحا، وإنه أخبرني أنه خرج ليلة لبعض حاجته، فلقيه ثلاث من الجن فأسروه، فقال واحد: نستعبده، وقال آخر: نقتله، وقال آخر: نعتقه، فمر به رجل منهم.

الخامس: في اعتزاله - صلى الله عليه وسلم - نساءه - رضي الله تعالى عنهن -.

لما سألنه النفقة مما ليس عنده.

١٢/١٥٤١٢/١٥٤

روى مسلم عن جابر بن عبد الله. قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-. فوجد الناس جلوسا ببابه. لم يؤذن لأحد منهم. قال: فأذن لأبي بكر فدخل. ثمّ أقبل عمر فاستأذن فأذن له فوجد النبي- صلى الله عليه وسلّم- جالسا، حوله نساؤه. واجما ساكتا. قال فقال: لأقولنّ شيئا أضحك النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله! لو رأيت بنت خارجة! سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها.

فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال: «هن حولي كما ترى. يسألنني النفقة» .

فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها. فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها.

كلاهما يقول: تسألن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما ليس عنده. فقلن: والله! لا نسأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شيئا أبدا ليس عنده. ثمّ اعتزلهنّ شهرا أو تسعا وعشرين. ثمّ نزلت عليه هذه الآية: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ، حَتَّى بَلَغَ، لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً» . قال: فبدأ بعائشة. فقال: «يا عائشة! إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحبّ أن لا تعجلي فيه حتّى تستشيري أبويك» قالت: وما هو؟ يا رسول الله! فتلا عليها الآية. قالت: أفيك، يا رسول الله! أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدّار الآخرة. وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت. قال «لا تسألني امرأة منهنّ إلّا أخبرتها. إن الله لم يبعثني معنّتا ولا متعنّتا. ولكن بعثني معلّما ميسّرا»

[ (١) ] .

تنبيه في بيان غريب ما سبق

يفلّي [يبحث عن القمّل] . يخصف: يخرّزها مهنة [ ... ] .

غفار: قبيلة.

البجل: [عظم القدر والسن] .

الفهر: الحجر ملء الكفّ كحيا [تقبيحا ولعنا] . المزبّد: يدفع زبده حممه [سواد اللّون] السّمنة [ ... ] . الصّفّاق: [كثير الأسفار والتعرف] الأفاق [ ... ] الناقة [ ... ] العتاق [ ... ] الاضطجاع [ ... ] الوقاع [ ... ] .

الباب الثاني - في بعض فضائل أم المؤمنين خديجة بنت خويلد - رضي الله تعالى عنها -

١٢/١٥٥١٢/١٥٥

وفيه أنواع

الأول: في نسبها

تقدّم نسب أبيها في الباب الأول، وأمّها فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن حجر بن معيص بن عامر بن لؤي، وأمّها هالة بنت عبد مناف بن الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤيّ، وأمها العوقة، واسمها قلابة بنت سعيد بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ.

الثاني: فيمن تزوجها قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -

قال الزبير بن بكار- رحمه الله تعالى-: كانت خديجة- رضي الله تعالى عنها- قبل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عند عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي، فولدت له جارية اسمها هند، ثم خلف عليها أبو هالة مالك بن نباش بن زرارة بن واقد بن حبيب بن سلامة بن عدي بن أسد بن عمرو بن تميم حليف بني عبد الدار بن قصيّ، فولدت له هند وهالة فهما أخوا ولد رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- رواه الطّبراني والأكثر تقدّم أبي هالة على عتيق.

الثالث: في كيفية زواجه - صلى الله عليه وسلم - إياها

روى الإمام أحمد [ (١) ] برجال الصحيح عن ابن عباس، والبزار والطبراني برجال ثقات أكثرهم رجال الصحيح عن جابر بن سمرة أو رجل من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- والبزار والطبراني بسند ضعيف (عن عمار بن ياسر، والبزار والطبراني بسند ضعيف) [ (٢) ] ، عن عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنهم- قال جابر أو الرجل المبهم: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كان يرعى غنما فاستعلى الغنم فكان يرعى الإبل هو وشريك له فأكريا أخت خديجة، فلما قضوا السفر بقي لهما عليها شيء، فجعل شريكه يأتيها، فيتقاضيا، ويقول لمحمد: انطلق، فيقول: اذهب أنت، فإني أستحي. فقالت مرّة وأتاهم شريكه، فقالت: أين محمد؟ قال: قد قلت فزعم أنه يستحي، فقالت: ما رأيت رجلا أشدّ حياء، ولا أعفّ ولا ولا، فوقع في نفس أختها خديجة، فبعثت إليه، فقالت: ائت أبي فاخطبني، قال: إن أباك رجل كثير المال، وهو لا يفعل.

وفي حديث عمّار قال: خرجت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذات يوم حتى مررنا على أخت خديجة وهي جالسة على أدم لها فنادتني، فانصرفت إليها، ووقف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالت: أما لصاحبك في تزوج خديجة حاجة؟ فأخبرته، فقال: بلى، لعمري، فرجعت إليها فأخبرتها، وفي حديث جابر والرجل المبهم، فقالت: انطلق إلى أبي فكلّمه وأنا أكفيك وأئت عندنا بكرة، ففعل، وفي حديث ابن عباس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ذكر خديجة، وكان أبوها يرغب أن يزوجه إياها فصنعت طعاما وشرابا، وفي حديث عمار، فذبحت بقرة، قال ابن عباس: فدعت أباها ونفرا من قريش فطعموا وشربوا حتى علّوا، فقالت خديجة: أن محمد بن عبد الله يخطبني، فزوجني إياه، وفي حديث جابر والرجل المبهم: فأتى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فكلّمه. قال ابن عباس: فخلفته وألبسته حلّة، زاد عمّار: وضربت عليه قبّة، وقال ابن عباس: وكذلك كانوا يفعلون بالأباء، فلما سري عنه سكره نظر فإذا هو مخلق وعليه قبة، فقال: ما شأني، ما هذا؟ قالت: زوّجني محمد بن عبد الله، وقال: جابر أو الرجل المبهم: فلما أصبح جلس في المجلس، فقيل له: أحسنت، زوّجت محمدا، فقال: أو قد فعلت، قالوا: نعم، فقام، فدخل عليها، فقال: إن الناس يقولون إني قد زوجت محمدا! وما فعلت، قالت: بلى، وروى ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- فقال: أنا أزوّج يتيم أبي طالب؟ لا، لعمري، فقالت خديجة: ألا تستحي تريد أن تسفّه نفسك عند قريش، وتخبر الناس أنك كنت سكران، فإن محمدا كذا، فلم تزل به حتى رضي، وقال جابر أو الرجل المبهم: ثم بعثت إلى محمد، - صلى الله عليه وسلّم- بوقيتين من فضة أو ذهب، وقالت: اشتر حلّة وأهدها لي وكيسا وكذا وكذا ففعل.

١٢/١٥٦١٢/١٥٦

وكانت رضي الله عنها تدعى في الجاهلية الطاهرة، تزوجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قبل المبعث بخمس عشرة سنة، وقيل: أكثر من ذلك، وهي بنت الأربعين سنة، وقيل: أكثر من ذلك.

الرابع: في أنها أول من أسلم

روى الطبراني برجال ثقات عن بريك- رضي الله تعالى عنه- قال: خديجة أوّل من أسلم مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وعليّ بن أبي طالب.

وروى الطبراني بإسناد لا بأس به عن قتادة بن زعامة- رحمه الله تعالى- قال: توفّيت خديجة- رضي الله تعالى عنها- قبل الهجرة بثلاث سنين، وهي أول من آمن بالنبي- صلى الله عليه وسلم- من النّساء والرجال،.

وقال عبد الله بن محمد بن عقيل- رحمه الله تعالى، قال: كانت خديجة أول الناس إيمانا بما انزل الله. وقال ابن شهاب- رحمه الله تعالى-: كانت خديجة أول من آمن بالله، وصدّق رسول الله قبل أن تفرض الصلاة.

١٢/١٥٧١٢/١٥٧

رواهما أبو بكر بن أبي خيثمة. وقال أبو عمر بن عبد البرّ: اتفقوا على أن خديجة- رضي الله تعالى عنها- أول من آمن. وقال أبو الحسن بن الأثير: خديجة أول خلق الله إسلاما بإجماع المسلمين، لم يتقدّمها رجل ولا امرأة، وأقرّه الحافظ الناقد أبو عبد الله الذهبيّ وحكى الإمام الثعلبي اتفاق العلماء على ذلك، وإنما اختلافهم في أوّل من أسلم بعدها بعد وقال الإمام النووي- رحمه الله تعالى-: أنه الصواب عند جماعة من المحقّقين، قال: فخفّف الله بذلك عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فكان لا يسمع بشيء يكرهه من الرد عليه، فيرجع إليها، فتثبته وتهوّن عليه.

الخامس: في سلام الله تعالى عليها - رضي الله تعالى عنها - على لسان جبريل - صلى الله عليه وسلم -

روى الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أتاني جبريل- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، هذه خديجة ومعها إناء فيه طعام أو إدام وشراب وإذا هي أتتك، فاقرأ عليها من ربها السّلام ومني.

وروى النّسائي والحاكم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء جبريل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: إن الله- عز وجل- يقرأ على خديجة السّلام، فقالت: إن الله هو السّلام، وعلى جبريل السّلام، وعليك السّلام ورحمة الله.

وروى الطبراني برجال الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلا إن جبريل كان مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فجاءت خديجة- رضي الله تعالى عنها- فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هذه خديجة، فقال جبريل: أقرئها السّلام من ربها ومني. قال في زاد المعاد: وهذه فضيلة لا تعرف لامرأة سواها.

السادس: في أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يتزوج عليها حتى ماتت وإطعامه إياها من عنب الجنة

روى الطبراني برجال الصحيح عن الزهري- رحمه الله تعالى- قال: لم يتزوج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على خديجة- رضي الله تعالى عنها- حتى ماتت بعد أن مكثت عنده- صلى الله عليه وسلّم- أربعا وعشرين سنة وأشهرا.

وروى الطبراني بسند فيه من لا يعرف عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أطعم خديجة- رضي الله تعالى عنها- من عنب الجنة.

السابع: تبشير النبي - صلى الله عليه وسلم - إياها ببيت في الجنة

١٢/١٥٨١٢/١٥٨

روى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بشّر خديجة- رضي الله تعالى عنها- ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والطبراني برجال ثقات وابن حيّان والدّولابيّ عن عبد الرحمن بن جعفر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سئل عن خديجة أنّها ماتت قبل أن تنزل الفرائض والأحكام، قال: أبصرتها على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب، لا لغو فيه ولا نصب، وعند الطبراني في الأوسط من حديث عبد الله بن أبي أوفى- يعني قصب اللؤلؤ- وعنده في الكبير، من حديث أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- بيت من لؤلؤة مجوّفة.

الثامن: في كثرة ثناء النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها - رضي الله تعالى عنها -

روى الإمام أحمد بسند جيد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا ذكر خديجة- رضي الله تعالى عنها- أثنى فأحسن الثناء عليها، قالت: فغرت يوما، فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيرا منها، فقال: ما أبدلني الله- عز وجل- خيرا منها، قد آمنت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد النساء [ (١) ] ، وفي رواية الشيخين: قد أبدلك الله خيرا منها.

وروى الطبراني بإسناد جيّد والدولابيّ عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا ذكر خديجة- رضي الله تعالى عنها- لم يكد يسأم من ثناء عليها واستغفار لها فذكرها ذات يوم فاحتملتني الغيرة، فقلت: لقد عوّضك الله من كبيرة، قالت: فرأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- غضب غضبا شديدا، وسقطت في جلدي، فقلت: اللهم إن ذهب غيظ رسولك، لم أعد أذكرها بسوء ما بقيت، قالت: فلما رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ما لقيت، قال: كيف قلت والله، لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وواستني، إذ رفضني الناس، وصدّقتني إذ كذبني الناس، ورزقت من الولد إذ حرمتموه، فغذا وراح عليّ شهرا.

التاسع: في بره - صلى الله عليه وسلم - أصدقاء خديجة - رضي الله تعالى عنها - بعد موتها

روي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا أتي بالشّيء يقول: اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت صديقة لخديجة، رواه ابن حبان والدولابيّ وفيه: يأتيه اذهبوا به إلى بيت فلانة فإنها كانت تحب خديجة [ (٢) ] .

١٢/١٥٩١٢/١٥٩

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كانت عجوز تأتي النبي- صلى الله عليه وسلّم- فيهشّ لها ويكرمها، وفي لفظ «كانت عجوز تأتي النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال لها: «من أنت» ؟ فقالت: جثمامة المدينة قال: «بل أنت حسانة المدينة، كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وفي لفظ: كانت تأتي النبي- صلى الله عليه وسلّم- امرأة فقلت: يا رسول الله، من هذه؟ وفي لفظ: بأبي أنت وأمي إنّك لتصنع بهذه العجوز شيئا لم تصنعه بأحد، وفي لفظ: فلما خرجت، قلت: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال: فقال: «يا عائشة، إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان» . وفي لفظ: «وإن كرم الودّ من الإيمان» .

العاشر: في أنها - رضي الله تعالى عنها - من أفضل نساء أهل الجنة

روى الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني برجال الصحيح عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: خطّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الأرض أربعة خطوط فقال: «تدرون ما هذا» ؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون» .

الحادي عشر: في أنها من خير نساء العالمين ومن سيداتهن.

روى البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه قال، سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقول: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» .

الثاني عشر: في ذكر ولدها - رضي الله تعالى عنها - من غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

كان لها- رضي الله تعالى عنها- جارية اسمها هند من عتيق بن عائذ بن عبد الله أسلمت وتزوجت، وجارية أخرى يقال لها هالة من النباش بن زرارة ورجل يقال له هند بن أبي هالة، قال ابن قتيبة وابن سعد وأبو عمر: عاش هند بن هند في بيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأسلم مع أمه، وقتل مع علي- رضي الله تعالى عنهما- يوم الجمل ذكره الزّبير، وقيل: مات بالبصرة في الطاعون، فازدحم الناس على جنازته، وتركوا جنائزهم وقالوا: ربيب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان رضي الله تعالى عنه- فصيحا بليغا وصّافا فوصف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأحسن وأتقن.

وكان- رضي الله تعالى عنه- يقول: إن أكرم الناس أبا وأمّا وأخا وأختا، أبي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأمي خديجة، وأخي القاسم، وأختي فاطمة.

الثالث عشر: في وفاتها - رضي الله تعالى عنها -.

توفّيت قبل الهجرة قيل: بأربع، وقيل: بخمس، في رمضان لسبع عشرة ليلة خلت منه من قبل الإسراء بثلاث سنين على الصحيح. ونزل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- في حفرتها وكان لها حين توفّيت خمس وستون سنة- رضي الله تعالى عنها- ولم يكن يومئذ شرعت الصلاة على الجنائز.

تنبيهات

١٢/١٦٠١٢/١٦٠

الأول: الحكمة في كون البيت من قصب وهو أنا بيت الجوهر أنها حازت قصب السّبق إلى الإسلام وهو شدّة المسارعة إليه دون غيرها- رضي الله تعالى عنها- قال السّهيليّ: النكتة في قوله: «من قصب» ولم يقل: من لؤلؤ، أن في لفظ (القصب) مناسبة، لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها، زاد غيره مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه، وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها، إذ كانت حريصة على رضاه بكل ما أمكن، ولم يصدر منها ما يغضبه قط كما وقع لغيرها، وقوله: (ببيت) ، قال أبو بكر الإسكاف «في فوائد الأخبار» : المراد بيت زائد على ما أعد الله- عز وجل- لها من ثواب عملها، ولهذا قال: (لا نصب) أي لم تتعب بسببه. وقال السهيلي- رحمه الله-: لذكر البيت معنى لطيف، لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث فصارت ربة بيت في الإسلام منفردة به، لم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وسلم بيت في الإسلام إلا بيتها، وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضا غيرها. قال: وجزاء الفعل يذكر غالبا بلفظه، وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ «البيت» دون لفظ القصر، زاد غيره معنى آخر، وهو أن مرجع أهل بيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إليها لما نبّئت في تفسير قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ/ [الأحزاب/ ٣٣] ، قالت أم سلمة: «لما نزلت دعا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فاطمة، وعليّا، والحسن، والحسين، فجلّلهم بكساء، فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي» رواه التّرمذي.

ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة- رضي الله تعالى عنها- لأن الحسن، والحسين من فاطمة، وفاطمة ابنتها، وعلي نشأ في بيتها وهو صغير، ثم تزوج ابنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها- رضي الله تعالى عنها- وأصل (قصب السّبق) أنهم كانوا ينصبون في حلبة السّباق قصبة، لمن سبق اقتلعها وأخذها ليعلم أنه السّابق من غير نزاع، ثم كثر حتى أطلق على المبرز والمشمر.

الثاني: اختلف هل الأفضل خديجة أو عائشة؟ وهل الأفضل مريم بنت عمران أو فاطمة بنت محمد- صلى الله عليه وسلّم-؟ وهل الأفضل فاطمة أو خديجة أو عائشة؟.

اعلم- أعزّك الله تعالى- أن النّقل في ذلك عزيز جدّا وقد تعرض لذلك شيخ الإسلام وقدوة العلماء الأعلام الشيخ أبو الحسن تقي الدين السبكي- رحمه الله تعالى- وشفى الغليل في فتاويه الحلبيات وهي المسائل التي سأله عنها علّامة حلب وترسّلها الشيخ والإمام شهاب الدّين الأذرعيّ، وهو في مجلّد لطيف فيه نفائس لا تكاد توجد في غيره، وشيخنا الإمام الحافظ شيخ الإسلام جلال الدين السّيوطي- رحمهما الله تعالى- وقد اقتضب شيخنا من كلام السبكي ما هو المقصود هنا، فقال: قال النووي في روضته: من خصائصه- صلى الله عليه وسلم- تفضيل زوجاته على سائر النساء، قال تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب ٣٢] . قال السّبكي: وعبارة القاضي الحسين: نساؤه أفضل نساء العالمين، وعبارة المقولي خير نساء هذه الأمة، قال: وعبارة الروضة تحتملهما، ويلزم من كونهن خير نساء هذه الأمة أن يكنّ خير نساء الأمم، لأن هذه الأمّة خير الأمم، والتفضيل على الأفضل تفضيل كل فرد على من هو دونه، قال: إلا أنه يلزم من تفضيل الجملة على الجملة تفضيل كل فرد على كل فرد، وقد قيل بنبوة مريم وآسية، وأمّ موسى فإن ثبت خصّت من العموم. قال في الروضة: أفضل الأزواج خديجة وعائشة وفي التفضيل بينهما أوجه ثالثها: الوقف، كذا حكى الخلاف بلا ترجيح وقد رجح السّبكيّ تفضيل خديجة كما سأذكره قال القمولي: وقد تكلم الناس في عائشة، وفاطمة أيّها أفضل، على أقوال ثالثها- الوقف قال الصّعلوكيّ: من أراد أن يعرف التفاوت بينهما فليتأمّل في زوجته وابنته، قال شيخنا: الصّواب القطع بتفضيل فاطمة، وصحّحه السبكي، قال في الحلبيات: قال بعض من يعتد به، بأن عائشة أفضل من فاطمة وهذا قول من يرى أن أفضل الصحابة زوجاته، لأنهن معه في درجته في الجنة التي هي أعلى الدرجات وهو قول ساقط مردود وضعيف، لا سند له من نظر ولا نقل، والذي نختاره وندين الله تعالى به أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة، وبه جزم ابن المغربي في روضته، ثم قال السّبكيّ: والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيح أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال لفاطمة: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمّة» ، وما رواه النّسائيّ بسند صحيح من أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد» ، واستدل شيخنا في شرحه بما ثبت أنه- صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة حين قالت له: قد رزقك الله خيرا منها، قال: «لا، والله! ما رزقني الله خيرا منها» .

١٢/١٦١١٢/١٦١

الحديث.

وسئل أبو داود، أيّهما أفضل خديجة أم فاطمة؟ فقال: خديجة أقرأها النبي- صلى الله عليه وسلم- السلام من ربّها، وعائشة أقرأها السلام من جبريل، فالأولى أفضل، فقيل له: من الأفضل خديجة أم فاطمة؟ فقال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «فاطمة بضعة مني»

ولا أعدل ببضعة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أحدا.

وأمّا خبر خير نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، ثم فاطمة ابنة محمّد، ثم آسية امرأة فرعون فأجيب عنه بأن خديجة- رضي الله تعالى عنها- إنما فضّلت على فاطمة باعتبار الأمومة لا باعتبار السيادة. ثم قال السّبكيّ: وهذا صريح في أنها وأمها أفضل نساء أهل الجنة. والحديث الأول- يدلّ على تفضيلها على أمها، وقد قال- صلى الله عليه وسلم-: «فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها»

١٢/١٦٢١٢/١٦٢

، وفي الصحيح من حديث علي- رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً خير نساء أهل زمانها مريم بنت عمران، خير نساء زمانها خديجة بنت خويلد، أي خير نساء الدنيا، فهذا يقتضي أن مريم وخديجة أفضل النساء مطلقا، فمريم أفضل نساء أهل زمانها وخديجة أفضل نساء زمانها، وليس فيه تعرّض لفضل إحداهما على الأخرى.

وقد علمت أنّ مريم اختلف في نبوّتها، فإن كانت نبيّة فهي أفضل، وإن لم تكن نبيّة فالأقرب أنها أفضل لذكرها في القرآن، وشهادته بصدّيقيّتها. وأمّا بقية الأزواج فلا يبلغن هذه الرتبة وإن كنّ خير نساء الأمة بعد هؤلاء الثلاث، وهن متقاربات في الفضل، لا يعلم حقيقة ذلك إلا الله تعالى، لكنّا نعلم لحفصة بنت عمر- رضي الله تعالى عنها- من الفضائل كثيرا، فما أشبه أن تكون هي بعد عائشة. انتهى كلام السّبكيّ والكلام في التفضيل صعب، فلا ينبغي التكلّم إلا بما ورد، والسّكوت عما سواه وحفظ الأدب. قال شيخنا: ولم يتعرض للتفضيل بين مريم، وفاطمة، والذي اختاره تفضيل فاطمة، في مسند الحارث بن أسامة بسند صحيح لكنه مرسل مريم خير نساء عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها. أخرجه الترمذيّ موصولا من حديث علي- رضي الله تعالى عنه- خير نسائها مريم، وخير نسائها فاطمة، قال الحافظ ابن حجر: والمرسل يعضّد المتّصل.

وروى النسائي عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «هذا ملك من الملائكة استأذن ربّه ليسلّم علي ويبشرني أن حسنا وحسينا سيدا شباب أهل الجنة، وأمّهما سيدة نساء أهل الجنة.

انتهى كلام الشيخ- رحمه الله تعالى- في شرحه لنظم جمع الجوامع، وقال في كتابه: (إتمام الدراية) : ونعتقد أن أفضل النّساء مريم بنت عمران، وفاطمة بنت محمد، ثم أورد حديث عليّ، وحديث حذيفة السّابقين، ثم قال: في ذلك دلالة على تفضيلها على مريم بنت عمران، خصوصا إذا قلنا بالأصح: إنها ليست نبيّة، وقد تقدر إن هذه الأمة أفضل من غيرها. قلت: وحاصل الكلام السابق أن السّبكي اختار أن السيدة فاطمة أفضل من أمّها، وأنّ أمّها أفضل من عائشة، وأن مريم أفضل من خديجة، واختار شيخنا أن فاطمة أفضل من مريم، وقال القاضي قطب الدين الخضريّ- رحمه الله تعالى- في الخصائص- بعد أن ذكر في التفضيل بين خديجة ومريم، إذا علمت ذلك فينبغي أن يستثنى من إطلاق التفضيل سيدتنا فاطمة ابنة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فهي أفضل نساء العالم، لقوله: - صلى الله عليه وسلم- فاطمة بضعة مني ولا يعدل ببضعة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أحد، وسئل الإمام أبو بكر عمر ابن إمام أهل الظّاهر داود: هل خديجة أفضل أم فاطمة؟ فقال: الشارع قال [فاطمة بضعة مني] قال الشيخ تقي الدين المقريزيّ في الخصائص النبوية في كتابه (إمتاع الأسماع) : إن قلنا بنبوة مريم كانت أفضل من فاطمة، وإن قلنا إنها ليست بنبية احتمل أنها أفضل للخلاف في نبوتها، واحتمل التسوية بينهما تخصيصا لهما بأدلتهما الخاصة من بين النساء، واحتمل تفضيل فاطمة عليها، وعلى غيرها من النساء، لقوله- صلى الله عليه وسلم-: «فاطمة بضعة مني» ، وبضعة النبي- صلى الله عليه وسلم- لا يعدل بها شي وهو أظهر الاحتمالات لمن أنصف. وقال الزركشي في الخادم عند قول الرّافعيّ والنّوويّ: «وتفضيل زوجاته- صلى الله عليه وسلم- علي سائر النساء» ما نصّه: هل المراد نساء هذه الأمة أو النساء كلّهن؟ فيه خلاف، حكاه الروياني ويستثنى من الخلاف سيدتنا فاطمة، فهي أفضل نساء العالم، لقوله- صلى الله عليه وسلم-: «فاطمة ولا يعدل ببضعة من رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أحد، وفي الصحيح: بضعة مني» أما ترضين أن تكوني خير نساء هذه الأمّة»

١٢/١٦٣١٢/١٦٣

انتهى.

الثالث: في بيان غريب ما سبق: الإدام: [ما يؤكل من الخبز وغيره] .

القصب: بفتح القاف والصاد [لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف] .

الصّخب: بفتح الصاد المهملة والخاء المعجمة، فموحدة: الصّياح والمنازعة برفع الصّوت.

النّصب: بفتح النون والصاد المهملة فالموحدة: التّعب. قال السّهيليّ: مناسبة نفي هاتين الصفتين، أعني المنازعة والتعب أنه- صلى الله عليه وسلم- لما دعاها إلى الإيمان أجابت طوعا ولم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة، ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كلّ تعب، وأنسته من كل وحشة، وهوّنت عليه كل عسير فناسب أن تكون منزلتها التي بشّرها بها ربّها بالصفة المقابلة لفعلها. اللّغو [ ... ] .

الثناء [الحمد] .

حمراء الشدقين: سقوط الأسنان من الكبر فلم يبق إلا حمرة اللّسان. المواساة [ ... ] . الرفض [ ... ] .

الباب الثالث في بعض مناقب أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنهما -

١٢/١٦٤١٢/١٦٤

وفيه أنواع:

الأول: في نسبها ومولدها.

تقدم نسب أبيها، وأمّها أمّ رومان بنت عامر بن عويمر، روى أبو بكر بن أبي خيثمة عن علي بن (زيد) [ (١) ] عن القاسم بن محمد أن أمّ رومان زوج أبي بكر الصديق أمّ عائشة- رضي الله تعالى عنهم- لمّا أدليت في قبرها، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين، فلينظر إلى أمّ رومان»

هذا الحديث بسطت الكلام عليه في شرح حديث الإفك، وولدت بعد البعثة بأربع سنين أو خمس.

الثاني: في كنيتها

روى ابن الجوزي- في الصّفوة- عنها- رضي الله تعالى عنها- قال: قلت: يا رسول الله، ألا تكنّيني؟ قال: تكنّى بابنك، يعني عبد الله بن الزبير.

وروى ابن حبان عنها قالت: لما ولد عبد الله بن الزّبير أتيت به رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فتفل في فيه، فكان أول شيء دخل في جوفه، وقال: هو عبد الله، وأنت أمّ عبد الله.

وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عنها قالت: قلت: يا رسول الله إن لكل صواحبي كنى، فلو كنّيتني! قال: اكتني بابنك عبد الله بن الزّبير، فكانت تكنى بأمّ عبد الله حتى ماتت.

وقيل: إنها ولدت من رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ولدا مات طفلا، وهذا غير ثابت، والصحيح الأول، لأنه ورد عنها من طرق كثيرة.

الثالث: في تسميتها - رضي الله تعالى عنها -.

روى الترمذي- في الشمائل- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما-[ (٢) ] قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من كان له فرطان من أمتي أدخله الله الجنة» . قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها- فمن يكن له فرط من أمّتك. قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من كان له فرط يا موفّقة» قالت: فمن لم يكن له قرط من أمتك؟ قال- صلى الله عليه وسلم-: «فإنا فرط أمّتي لم يصابوا بمثلي لن يصابوا بمثلي» .

الرابع: في هجرتها - رضي الله تعالى عنها -

١٢/١٦٥١٢/١٦٥

روى الطبراني بإسناد حسن عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قدمنا مهاجرين فسلكنا في مسالك صعبة، فنفر بي جمل كنت عليه نفورا منكرا، فوالله ما أنسى قول أمي يا عربسة، فركب بي رأسه، فسمعت قائلا يقول: ألقي خطامه فألقيته، فقام يستدير كأنما إنسان يديره، كأنّما إنسان قام تحته [ (١) ] .

الخامس: في بيان إتيان جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - بصورتها وإخباره - عز وجل - أنها زوجته.

روى الإمام أحمد والشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال لي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «رأيتك في المنام قبل أن أتّزوّجك مرّتين» وفي لفظ: «ثلاث ليال، جاءني بك ملك في خرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فيكشف عن وجهها، فإذا هي أنت، فأقول إن يك من عند الله يمضه.

وروى الترمذي وحسنه وابن عساكر عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: جاء بي جبريل لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- في خرقة حرير خضراء، فقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة وروى ابن عساكر عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما تزوّجني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى أتاه جبريل- صلى الله عليه وسلّم- بصورتي فقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة، تزوجني وإني لجارية على حرف فلما تزوجني أوقع الله عليّ الحياء.

روى الترمذي عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل فقال إن الله- عز وجل- زوّجك بابنة أبي بكر ومعه صورة عائشة» .

السادس: في خطبتها وتزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - بها.

روى الطبراني [ (٢) ] برجال ثقات عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- والإمام أحمد في المناقب والمسند والبيهقي، بإسناد حسن عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن حاطب- رحمهم الله تعالى- وبعضه صرّح فيه بالاتصال عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- وأكثره مرسل قالت: لمّا ماتت خديجة- رضي الله تعالى عنها- جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون- رضي الله تعالى عنها- إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، ألا تتزوج؟ فقال: من؟ فقالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيّبا، فقال: ومن البكر ومن الثّيّب؟ فقالت: فأما البكر فابنة أحبّ الخلق إليك عائشة بنت أبي بكر، وأمّا الثّيّب فسودة بنت زمعة- رضي الله تعالى عنها- قد آمنت بك، واتّبعتك، قال صلى الله عليه وسلّم: فاذهبي، فاذكريهما عليّ، فأتيت أمّ رومان، فقلت: يا أم رومان، ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قلت: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يذكر عائشة، قالت: وددتّ، انتظري أبا بكر، فإنّ أبا بكر آت، قالت: فجاء أبو بكر، فذكرت ذلك له فقال: أو تصلح وهي، وفي لفظ: إنما هي ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فذكرت له ذلك، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «ارجعي إليه وقولي له: «إنّما أنا أخوه وهو أخي» ، وفي لفظ: فقولي: أنت أخي وأنا أخوك في الإسلام وابنته وفي لفظ: وابنتك تصلح لي، قال: انتظري، قالت: وقام أبو بكر، فقالت لي أمّ رومان: إنّ المطعم بن عديّ قد كان ذكرها على ابنه، والله، ما أخلف أبو بكر وعدا قطّ، قالت: فأتى أبو بكر المطعم بن عديّ وعنده امرأته أم أهنى، فقال: ما تقول في أمّ هذه الجارية؟ فأقبل على امرأته، فقال: ما تقولين؟ قالت: فأقبلت على أبي بكر، فقالت: لعلّنا إن أنكحنا هذا الصّبيّ إليك تصبئه، وتدخله في دينك والذي أنت عليه، فأقبل أبو بكر عليه، فقال: ما تقول أنت؟ قال: إنه أقول ما تسمع. فقام أبو بكر ليس في نفسه شيء من الوعد، فقال لخولة: قولي- وفي لفظ «ادعي» - لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فليأت، فدعته، قالت: فجاء رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فملكها، قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: فتزوّجني ثم لبثت سنتين، فلما قدمنا المدينة نزلنا بالسنح في دار بني الحارث بن الخزرج، قالت: فإني لأرجّح بين عزقتين وأنا ابنة تسع، فجاءت أمي من الأرجوحة ولي جميمة، ثم أقبلت تقودني حتّى وقفت عند الباب وإني لا لهج فمسحت وجهي بشيء من ماء وفرّقت جميمة كانت لي، ثم دخلت بي على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وفي البيت رجال ونساء، فأجلستني في حجرة، ثم قالت: هؤلاء أهلك يا رسول الله فبارك الله لك فيهن وبارك لهنّ فيك! قالت: فقام الرجال والنساء وبنى بي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ولا والله! ما نحرت عليّ من جزور ولا ذبحت من شاة ولكن جفنة كان يبعث بها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من عند سعد بن عبادة- رضي الله تعالى عنه- إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.

١٢/١٦٦١٢/١٦٦

روى الشيخان وابن حبان عنها قالت: تزوّجني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا بنت ستّ سنين فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث من الخزرج فوعكت فتمزّق شعري فوقي جميمة، فأتتني أمّي أمّ رومان وأنا لفي أرجوحة ومعي صواحب لي، لا أدري ما يريد مني حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لألهج وقلت: هه هه حتى ذهب بعض نفسي وأخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم دخلت بي الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن فغسلن رأسي وأصلحن من شأني فلم يرعني إلا ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- جالس على سرير في بيتنا فأسلمتني إليه، وبنى بي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- في بيتنا ما نحرت عليّ جزور ولا نحرت عليّ شاة حتى أرسل سعد بن عبادة بجفنة، فكان يرسل فيها إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين [ (١) ] .

١٢/١٦٧١٢/١٦٧

وروى مسلم عنها- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم تزوّجها وهي بنت سبع سنين وزفّت إليه وهي بنت تسع سنين، ولعب معها ومات عندها وهي بنت ثماني عشرة سنة.

وروى مسلم والنسائي عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: تزوّجني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا ابنة سبع، وبني بي وأنا ابنة تسع، وكنت ألعب بالبنات وكن جواري يأتينني فإذا رآني رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ينقمعن منه، وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- يسرّ بهنّ إليّ.

وروى ابن سعد عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخل علي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا ألعب بالبنات، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: خيل سليمان فضحك.

وروى ابن أبي خيثمة عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: تزوّجني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا ابنة ستّ بمكّة وتركني ثلاثا، ثم دخل بي وأنا ابنة تسع بالمدينة مع بناتي يعني اللعب، وصواحباتي جوار صغار، يأتينني، فيطلعن، فإذا رأين رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رجفن، فكان إذا رأى ذلك يجود ثم يسرّ بهن على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-.

وروى الشيخان والإمام أحمد وأبو داود، وعبد الرّزّاق، والبخاري في الأدب عنها قالت: كنت ألعب بالبنات فيأتيني صواحباتي، وفي لفظ: عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصواحباتي، «وفي لفظ» كأن لي صواحب يلعبن معي وكان يسرّ بهن إليّ فيلعبن معي بالبنات الصّغار، «وفي لفظ» فكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا دخل «وفي لفظ» إذا رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يلعبن فيه يسرّ بهن، «وفي لفظ» فكان يسر بهن إليّ، فيلعبن معي، «وفي لفظ» فإذا دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فررن منه فيأخذهن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيردهن» [ (٢) ] .

وروى الإمام أحمد في مسند أسماء بنت يزيد بن السكن عن أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- قالت: كنت صاحبة عائشة- رضي الله تعالى عنها- التي هيّأتها وأدخلتها على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ومعي نسوة قالت: فو الله ما وجدن عنده قرى إلا قدح من لبن، قالت: فشرب منه، ثم ناوله عائشة، فاستحيت الجارية، فقلت: لا تردّي يد رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأخذته على حياء فشربت ثم قال: ناولي صواحبك فقلن: لا نشتهيه فقال: لا تجمعن جوعا وكذبا، قالت فقلت: يا رسول الله، أن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهيه بعد ذلك كذبا، قال: إن الكذب يكتب كذبا، حتى يكتب الكذبية كذيبة.

١٢/١٦٨١٢/١٦٨

[ (١) ]

وروي عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: أهديت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ولي وفرة.

وروى الإمام أحمد، (ومسلم) [ (٢) ] والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو بكر بن أبي خيثمة عنها قالت: تزوّجني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في شوّال، وبني بي في شوّال فأيّ نسائه كان أحظى عنده منّي! قال أبو عبيدة معمر بن المثنى- رحمه الله تعالى- تزوجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قبل الهجرة بسنتين في شوال وهي ابنة ستّ سنين، كانت العرب لا تستحبّ أن تبني بنسائها في شوّال. قال أبو عاصم: إنما كره الناس أن يدخل بالنّساء في شوال لطاعون وقع في شوّال في الزمن الأول.

وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عن الزهري قال: لم يتزوج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بكرا غير عائشة- رضي الله تعالى عنها-.

السابع: في مدة مقامها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

روى ابن حبان وأبو عمر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: تزوّجني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا ابنة ست، وأدخلت عليه وأنا ابنة تسع، ومكث- صلى الله عليه وسلّم- عندها تسعا.

وروى ابن أبي خيثمة عنها أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- تزوّجها وهي بنت تسع، ومات عنها وهي بنت ثماني عشرة.

وروي أيضا عنها قالت: تزوجني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا ابنة سبع أو ستّ، وبني بي وأنا ابنة تسع سنين.

وروي أيضا عنها قالت: ملكني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا ابنة سبع سنين وبنى بي وأنا ابنة تسع سنين، ولقد كنت ألعب في بيته بالبنات.

الثامن: في أنها زوجته في الدنيا والآخرة وأنها تحشر معه

روى ابن حبان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال لعائشة- رضي الله تعالى عنها- أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة فأنت زوجتي في الدنيا والآخرة [ (٣) ] .

١٢/١٦٩١٢/١٦٩

وروى ابن أبي شيبة عن مسلم البطين، قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «عائشة زوجتي في الجنة» .

وروى الترمذي وصححه عن عبد الله بن زياد الأسديّ قال: سمعت عمّارا يقول: هي زوجته في الدنيا والآخرة.

وروى ابن حبان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت: يا رسول الله، من أزواجك في الجنة؟ قال: أما إنّك منهنّ.

وروى أبو الحسن الخلعيّ عنها قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: يا عائشة، «إنه ليهون عليّ الموت إني قد رأيتك زوجتي في الجنة» ورواه ابن عساكر بلفظ «ما أبالي بالموت، وقد علمت أنك زوجتي في الجنة» . ورواه السلفيّ بلفظ: «يهون عليّ الموت أني رأيت عائشة في الجنة» .

وروى الإمام أحمد عنها قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لقد رأيت عائشة في الجنة كأني أنظر إلى بياض كفّيها، ليهون بذلك عند موتي» .

وروى أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الشّيرازيّ الحنبليّ- رحمه الله تعالى- في كتاب «التبصرة» أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «يا عائشة، أنت تحشرين مع أهلك» .

التاسع: في أنها أحب نسائه إليه - صلى الله عليه وسلم -

روى الترمذيّ، وصحّحه عن عمرو بن غالب أن رجلا نال من عائشة- رضي الله تعالى عنها- عند عمّار، فقال: اغرب مقبوحا منبوحا، أتؤذي حبيبة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-[ (١) ] . روى أبو داود وابن عساكر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: [ ... ] .

ذكر أن حاجب عائشة- رضي الله تعالى عنها- قال: جاء ابن عباس ليستأذن على عائشة فقالت: لا حاجة لي بتزكيته، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: يا أمتاه أن ابن عباس من صالح بيتك جاء يعودك، قالت: فأذن له فدخل عليها فقال: يا أمه أبشري فو الله ما بينك وبين أن تلقي محمدا والأحبة إلا أن يفارق روحك جسدك، كنت أحب نساء رسول الله- صلى الله عليه وسلّم إليه ولم يكن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يحب الأطيبا، قالت أيضا؟ قال: هلكت قلادتك بالأبواء فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلّم يلتقطها فلم يجدوا ماء، فأنزل الله عز وجل فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [النساء/ ٤٣] فكان ذلك بسببك وبركتك ما أنزل الله تعالى لهذه الأمة من الرخصة وكان من أمر مسطح ما كان فأنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سمواته فليس مسجد يذكر الله فيه إلا وشأنك يتلى فيه آناء الليل وأطراف النهار. فقالت: يا بن عباس دعني منك ومن تزكيتك فو الله لوددت أني كنت نسيا منسيا.

العاشر: في أنها أحب الناس إليه - صلى الله عليه وسلم -.

١٢/١٧٠١٢/١٧٠

روي عن عمرو بن العاص- رضي الله تعالى عنه- أنه قيل لرسول الله: - صلى الله عليه وسلم- «أيّ الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» ، قيل: فمن الرّجال؟ قال: «أبوها» .

وروى الطبراني بإسناد حسن عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: من يا رسول الله أحبّ الناس إليك؟ قال: ولم؟ قالت: لأحبّ ما تحبّ، قال: «عائشة» .

وروى أيضا عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- أنها قالت يوم ماتت عائشة: اليوم ماتت أحبّ شخص إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-.

وروى الدّارقطنيّ في- غرائب مالك- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- كيف حبّك لي؟ قال: «كعقدة الحبل» ، قالت: كيف العقدة؟ قال: على حالها»

[ (١) ] .

الحادي عشر: في أمره - صلى الله عليه وسلم - أن تسترقي من العين.

روى مسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أمرني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن أسترقي من العين.

الثاني عشر: في قسمه لعائشة - رضي الله تعالى عنها - ليلتين ولسائر نسائه ليلة.

روى أبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن سودة بنت زمعة لما كبرت [وفرقت أن يفارقها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله اجعل يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله منها قالت: نقول في ذلك أنزل الله- عزّ وجل- وفي أشباهها أراه قال وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً [ (٢) ] [النساء: ١٢٨] .

الثالث عشر: في أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يدور على نسائه ويختم بعائشة - رضي الله تعالى عنها -.

روى عمر الملا عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا صلى العصر دخل على نسائه واحدة واحدة، وكان- صلى الله عليه وسلّم- يختم بي، وكان إذا دخل على وضع ركبته على فخذي، ويديه على عاتقي، ثم ألب فأحنى عليّ.

الرابع عشر: في حثه - صلى الله عليه وسلم - على حبها - رضي الله تعالى عنها -.

١٢/١٧١١٢/١٧١

روى أبو يعلى والبزّار بسند حسن قالت: دخل علي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: سبّتني فاطمة، فقال: يا فاطمة، أسببت عائشة؟ قالت: نعم، يا رسول الله، قال: أليس تحبّين ما أحبّ؟ قالت بلى، قال: وتبغضين ما أبغض؟ قالت بلى! قال: فإني أحب عائشة، فأحبيها، قالت فاطمة: لا أقول لعائشة شيئا يؤذيها أبدا.

الخامس عشر: في حثه إياها على انتصارها لنفسها.

روى النّسائي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما علمت حتّى دخلت عليّ زينب وهي غضبى، ثم قالت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أحسبك إذا قبلت لك بنت أبي بكر ذريعتيها، ثم أقبلت عليّ فأعرضت عنها حتى قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «دونك فانتصري» فأقبلت عليها حتى رأيتها قد يبس ريقها في فمها ما تردّ عليّ شيئا فرأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يتهلّل وجهه [ (١) ] .

وروى البخاري في الأدب عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «أرسل أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم- فاطمة إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فاستأذنت والنبي- صلى الله عليه وسلم- مع عائشة في مرطها فأذن لها، فدخلت، فقالت: إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في بنت أبي قحافة، قال: أي بنيّة: أتحبين ما أحب؟ قالت: بلى! قال: فأحبّي هذه، فقامت فخرجت، فحدّثتهنّ، فقلن: ما أغنيت عنّا شيئا فارجعي إليه، قالت: والله لا أكلّمه فيها أبدا! فأرسلن زينب زوج النبي- صلى الله عليه وسلم- فاستأذنت فأذن لها، فقالت له ذلك، ووقعت فيّ زينب تسبّني، فطفقت أنظر! هل يأذن لي النبي- صلى الله عليه وسلم- فلم أزل حتى عرفت أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لا يكره أن أنتصر، فوقعت بزينب فلم أنشب أن أثخنها عليه فتبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وقال: أما إنّها ابنة أبي بكر؟ [ (٢) ] وفي رواية عندها أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال: «دونك فانتصري» .

السادس عشر: في تحدي الناس بهدايا هم يوم عائشة - رضي الله تعالى عنها - وأنه لم ينزل قرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم -.

[روى البخاري] عن عائشة رضي الله عنها [أن الناس كانوا يتحدون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بها- أو يبتغون بذلك- مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم] .

١٢/١٧٢١٢/١٧٢

وروى ابن أبي خيثمة عن رميثة بنت الحارث أن النساء قلن لأم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قولي لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-: إن النساء يقلن: إن النّاس تأتيك بهداياهم يوم عائشة، فقل للناس يهدون إليك حيث ما كنت، فإنا نحبّ الخير كما تحبّه عائشة، فلمّا جاءها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قالت ذلك له، فأعرض عنها فلمّا ذهب جاءت النّساء إلى أم سلمة، فقلن: ما قال لك رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: فقالت: قد قلت له ذلك فأعرض عني، فقلن لها: عودي فقولي له أيضا، فلمّا دار إليها قالت له مثل ذلك، فقال لها: يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فوالله، ما منكنّ امرأة ينزل الوحي عليّ في لحافها إلا عائشة [ (١) ] .

وروى أيضاً بسند جيّد قويّ عن عوف بن الحرث عن [رميثة عن أم سلمة] قوله: فو الله يا أم سلمة، الحديث.

وروى أبو عمرو بن السّماك عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: إني لأفخر على أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم- بأربع ابتكرني ولم يبتكر امرأة غيري، ولم ينزل عليه القرآن منذ دخل عليّ إلّا في بيتي، ونزل في عذري قرآن يتلى، وأتاه جبريل بصورتي مرّتين قبل أن يملك عقدي.

السابع عشر في دعائه - صلى الله عليه وسلم - لها.

ر وى الطبراني والبزار برجال ثقات وابن حبان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- طيّب النّفس، فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي قال: اللهمّ اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخّر وما أسرّت وما أعلنت فضحكت عائشة- رضي الله تعالى عنها- حتى سقط رأسها في حجره من الضحك، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أسرّك دعائي؟ فقالت: ما لي لا يسرّني دعاؤك؟ قال: فوالله إنّها لدعوتي لأمّتي في كل صلاة.

الثامن عشر: في تقبيله - صلى الله عليه وسلم - إياها وهو صائم.

روي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يقبّلها وهو صائم. وروي أيضا: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يقبلها وهو صائم، ويمصّ لسانها، رواه ابن عدي، وقال: قوله (يمصّ لسانها) في هذا [ ... ] .

التاسع عشر: في استرضائه - صلى الله عليه وسلم - عائشة واعتذاره منها في بعض الأحوال والعلامة التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستدل بها على غضب عائشة - رضي الله تعالى عنها - ورضاها ومتابعته - صلى الله عليه وسلم - لهواها.

روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء أبو بكر يستأذن على النبي- صلى الله عليه وسلم- فسمع عائشة وهي رافعة صوتها على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأذن له فدخل فقال: يا ابنة أم رومان وتناولها، أترفعين صوتك على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال فحال النبي- صلى الله عليه وسلم- بينه وبينها، قال: فلما خرج أبو بكر جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول لها ... يترضاها: ألا ترين أني قد حلت بين الرجل وبينك، قال: ثم جاء أبو بكر فاستأذن عليه فوجده يضاحكها قال: فأذن له فدخل، فقال له أبو بكر: يا رسول الله أشركاني سلمكما كما أشركتماني في حربكما.

١٢/١٧٣١٢/١٧٣

وروى ابن عساكر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنه كان بينها وبين رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كلام، فقال لها: من ترضين بيني وبينك؟ أترضين بعمر بن الخطاب؟ قالت: لا، عمر فظّ غليظ، قال- صلى الله عليه وسلّم-: «أترضين بأبيك بيني وبينك؟ قالت: نعم، فبعث إليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: إن هذه من أمرها كذا ومن أمرها كذا قالت: فقلت: اتق الله، ولا تقل إلا حقّا! قالت: فرفع أبو بكر يده فرشم أنفي، وقال: أنت لا أمّ لك يا بنة أمّ رومان تقولين الحق أنت وأبوك ولا يقوله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فابتذر منخري كأنهما عزلاوان فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: إنّ لم ندعك لهذا! قالت: ثم قام إلى جريدة في البيت فجعل يضربني بها، فولّيت هاربة منه فلزقت برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال- صلى الله عليه وسلّم- أقسمت عليك لما خرجت فإنّا لم ندعك لهذا، فلمّا خرج قمت فتنحّيت عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-، فقال: ادني فأبيت أن أفعل فتبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وقال لها: لقد كنت من قبل شديدة اللّصوق لي بظهري.

وروى مسلم والنسائي والدّارقطنيّ عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال لي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: إنّي لأعلم إذا كنت عليّ راضية، وإذا كنت عليّ غاضبة! فقلت: بم تعلم يا رسول الله، قال: إذا كنت عني راضية، قلت: لا وربّ محمّد، وإذا كنت عليّ غضبي قلت: لا وربّ إبراهيم، قلت: صدقت يا رسول الله، ما أهجر إلّا اسمك.

العشرون: في مسابقته - صلى الله عليه وسلم - لها - رضي الله تعالى عنها - في سفر

وتخصيصه إياها بالمسامرة (في البيت) وفي السفر وانتظاره إياها حتى انقضت عمرتها وقوله- صلى الله عليه وسلم- لما فقدها في السّفر: وا عويشاه!

روى الحميدي وابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي بأسانيد صحيح رجالها عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنها كانت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في سفره فقال: تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقته، فلمّا حملت اللّحم، سابقته فسبقني فقال: يا عائشة، «هذه بتلك»

[ (١) ] .

١٢/١٧٤١٢/١٧٤

وروى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: مزح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- روي عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: أقبلنا مهلين بالحج وأقبلت عائشة- رضي الله تعالى عنها- مهلة بعمرة حتى إذا كنا بسرف [عركت حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة وبالصفا والمروة فأمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: حلّ ماذا، قال: الحل كله فواقعنا النساء وتطيبنا ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال ثم أهللنا يوم التروية ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة فوجدها تبكي فقال: ما شأنك، فقالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهليّ بالحج، ففعلت، ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة، ثم قال: قد طللت من حجتك وعمرتك جميعا فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي، أني لم أطف بالبيت حتى حجيت قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحصبة]

[ (١) ] .

الباب العشرون: في كونه - صلى الله عليه وسلم - لم يتزوج بكرا غيرها

روى البخاري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قلت: يا رسول الله، أرأيت [لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرا لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال: في التي لم يرتع منها. يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يتزوج بكرا غيرها] .

الحادي والعشرون: في إقراره - صلى الله عليه وسلم - في بيت عائشة - رضي الله تعالى عنها - وقيامه لها حتى تنظر إلى لعب الحبشة.

روى الترمذي والنسائي وابن عديّ والإسماعيليّ، وغيرهم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- جالسا فسمعنا لغطا وصوت صبيان [ (٢) ] ، وفي رواية: خرج النّساء والصّبيان فقام رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فإذا صبيان الحبشة ترقص، وفي لفظ: يلعبون بحرابهم في المسجد، والصبيان حولها، فقال: يا عائشة، تعالي فانظري، وعند النّسائيّ: يا حميراء، أتحبّين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم، فوضعت خدّي على منكب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يسترني بردائه فجعلت انظر إليهم ما بين المنكب إلى الرأس، فقالت: فجعل يقول لي: يا عائشة، أما شبعت، أما شبعت، وفي لفظ حسبك! قلت: يا رسول الله، لا تعجل، فقام لي، ثم قال: حسبك! قلت: لا تعجل، يا رسول الله، إنّي أحبّ النّظر إليهم وفي لفظ: أحبّ النظر إليهم، ولكنّي أحببت أن يبلغ النّساء مقامه لي ومكاني منه، وفي لفظ فأقول: لا: لأنظر منزلتي عنده، ولقد رأيته يراوح بين قدميه إذا طلع عمر فارفضّ الناس عنها والصبيان، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: إني لأنظر إلى شياطين الأنس والجن قد فرّوا من عمر، وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: لا تلبث أن تصرع فصرعت في الناس فأخبروا بذلك.

١٢/١٧٥١٢/١٧٥

روى البرقاني عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخل علي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر، فانتهرني، وقال: مزمارة الشّيطان، عند رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأقبل عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فقال: دعها فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وقالت: كان يوم عيد يلعب السّودان بالدّرق والحراب، فلما سألت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال: أتشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة، حتى إذا مللت قال: حسبك قلت: نعم.

الثاني والعشرون: في ابتدائه - صلى الله عليه وسلم - حين أنزلت عليه آية التخيير بها وحسن جوابها.

روى مسلم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن الله- عز وجل- أنزل الخيار فبدأ بعائشة، وقال: إني ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تأتي أبويك، قالت: ما هو؟ فتلا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا [الأحزاب ٢٨] الآية فقالت: أفيك استأمر أبوي بل أختار الله ورسوله.

الحديث.

وقد ذكر مطوّلا في الخصائص.

الثالث والعشرون: في اختياره - صلى الله عليه وسلم - الإقامة عندها أيام مرضه - صلى الله عليه وسلم - واجتماع ريقه وريقها واختصاصها بمباشرة خدمته.

روى الإمام أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما مرض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بيت ميمونة، فاستأذن نساءه أن يمرض في بيتي فأذنّ له، فخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- معتمدا على العباس، وعلى رجل آخر ورجلاه تخطان في الأرض. وقال عبيد الله فقال ابن عباس: أتدري من ذلك الرجل؟ هو علي بن أبي طالب، ولكن عائشة لا تطيب لها نفسا، قال الزهري فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو في بيت ميمونة لعبد الله بن زمعة: مر النّاس فليصلّوا فلقي عمر بن الخطاب، فقال: يا عمر صل بالناس، فصلى بهم فسمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صوته فعرفه، وكان جهير الصوت فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أليس هذا صوت عمر؟ قالوا: بلى قال: يأبى الله- عز وجل- ذلك، والمؤمنون مروا أبا بكر، فليصلّ بالناس قالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق لا يملك دمعه، وأنه إذا قرأ القرآن بكى قال: وما قلت ذلك إلا كراهية أن يتأثم الناس بأبي بكر، أن يكون أول من قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فراجعته فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فراجعته فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس إنّكنّ صواحب يوسف.

الرابع والعشرون: في قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن دعاه إلى الطعام وهذه معي.

١٢/١٧٦١٢/١٧٦

روى مسلم والبرقاني عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا فارسيّا كان جارا للنبي- صلى الله عليه وسلّم- فصنع طعاما ثم دعا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وعائشة إلى جنبه، فأشار إليه أن تعال، فقال: وهذه معي، لعائشة! فقال: لا، ثم أشار إليه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهذه معي! فقال: لا، فأشار إليه الثالثة، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- وأشار إلى عائشة: وهذه معي! قال: نعم.

الخامس والعشرون: في فضل عائشة - رضي الله تعالى عنها - على النساء، وشهادة أم سلمة وصفية - رضي الله تعالى عنهما - بتفضيل النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة عليهن.

وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد والبخاريّ، ومسلم، والترمذي والنسائي، وابن ماجة عن أنس، والإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها-، والطبراني برجال الصحيح عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله تعالى عنه- والطبراني بإسناد حسن عن فروة بن أبي إياس، والطبراني برجال الصحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «إن فضل عائشة على النّساء كفضل الثريد على سائر الطعام» .

وروى أبو طاهر المخلص عن الشّعبيّ والطبراني بإسناد حسن عن عمرو بن الحارث ابن المصطلق قال: أرسل وفي لفظ: بعث زياد بن سميّة مع عمرو بن الحارث بهدايا وأموال إلى أمهات المؤمنين، وأرسل إلى أم سلمة وصفيّة يعتذر إليهما لفضل عائشة فقالتا: لئن فضلها لقد كان أشدّ علينا تفضيلا من هذه تفضيلها وفي لفظ: ففضّل عائشة ثمّ جعل الرسول يعتذر إلى أم سلمة، فقالت: يعتذر إليها زياد، فقد كان يفضّلها من هو كان أعظم علينا تفضيلا من زياد، رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.

السادس والعشرون: في رؤيتها - رضي الله تعالى عنها - جبريل - صلى الله عليه وسلم - وسلامه عليها.

وروى الإمام أحمد وابن الجوزي في- الصفوة- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- (خاصين) [ (١) ] عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: بينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قائم يصلى في بيت عائشة إذا قالت عائشة: رأيت رجلا عليه كذا وكذا، ولا أدري من هو، قالت: فأخبرت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلبس النبي- صلى الله عليه وسلّم- ثيابه وخرج إليه، فإذا هو جبريل- عليه الصلاة والسلام- فقال: إنّا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تماثيل، فدخل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأخذ الكلب فرمى به، ودخل عليه جبريل.

١٢/١٧٧١٢/١٧٧

وروى ابن أبي خيثمة [ (١) ] عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال لها: إن جبريل- عليه السلام- يقرأ عليك السلام، قالت عائشة: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته.

وروى الطبراني عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخلت علي عائشة- رضي الله تعالى عنها- فقلت: أين رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟ فقلت: في البيت يوحى إليه ثم مكثت ما شاء الله أن أمكث، ثم سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بعد يقول: هذا جبريل يقرأ عليك السلام.

السابع والعشرون: فيما ظهر من بركتها - رضي الله تعالى عنها - بتوسعة الله عز وجل على الأمة برخصة التيمم.

روى عن ابن أبي مليكة. قال: استأذن ابن عباس على عائشة فقالت: لا حاجة لي بتزكيته، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: يا أمتاه أن ابن عباس من صالح بيتك جاء يعودك، قالت: فأذن له فدخل عليها فقال: يا أمه أبشري فو الله ما بينك وبين أن تلقي محمدا والأحبة إلا أن يفارق روحك جسدك، كنت أحب نساء رسول الله- صلى الله عليه وسلّم إليه ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلّم يحب الأطيبا، قالت أيضا؟ قال: هلكت قلادتك بالأبواء فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلّم يلتقطها فلم يجدوا ماء، فأنزل الله عز وجل فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [النساء/ ٤٣] فكان ذلك بسببك وبركتك ما أنزل الله تعالى لهذه الأمة من الرخصة، وكان من أمر مسطح ما كان فأنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سمواته فليس مسجد يذكر الله فيه إلا وشأنك يتلى فيه آناء الليل وأطراف النهار. فقالت: يا بن عباس دعني منك ومن تزكيتك فو الله لوددت أني كنت نسيا.

منسيا.

الثامن والعشرون: في نزول براءتها من السماء

وقد ذكرت ذلك مبسوطا في الحوادث، قال في (زاد المعاد) : واتفقت الأمة على كفر قاذفها.

التاسع والعشرون: في اختصاصها بعشر خصال لم يشاركها فيها امرأة من نسائه - صلى الله عليه وسلم

- روى ابن سعد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: فضّلت على نساء النبي- صلى الله عليه وسلم- بعشر، قيل: وما هن يا أم المؤمنين؟ قالت: لم ينكح النبيّ بكرا قطّ غيري، ولم ينكح امرأة أبواها مؤمنان مهاجران غيري، وأنزل الله براءتي من السماء، وجاء جبريل بصورتي من السماء في حريرة وقال: تزوّجها، فإنّها امرأتك، وكنت أغتسل أنا وهو في إناء واحد، ولم يكن يصنع ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي، ولم يكن ينزل عليه الوحي وهو مع أحد من نسائه غيري، وقبض الله تعالى نفسه وهو بين سحري ونحري، ومات في الليلة التي كان يدور على فيها، ودفن في بيتي [ (١) ] .

١٢/١٧٨١٢/١٧٨

وروى أيضا عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: أعطيت خصالا ما أعطيتها امرأة: ملكني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا بنت سبع سنين، وأتاه الملك بصورتي في كفّه فنظر إليها، وبنى بي لتسع سنين، ورأيت جبريل ولم تره امرأة غيري، وكنت أحبّ نسائه إليه، وأبي أحبّ أصحابه إليه، ومرض صلى الله عليه وسلّم فمرّضته، وقبض ولم يشهده غيري والملائكة.

وروى الوزير نظام الملك- رحمه الله تعالى- في أماليه عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: أعطيت عشر خصال لم تعطهن ذات خمار قبلي: صوّرت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم قبل أن أصوّر في رحم أمّي، وتزوجني بكرا، ولم يتزوج بكرا غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو بين سحري ونحري، ونزلت براءتي من السماء، وكنت أحب الناس إليه، وخيّر وهو بين حاقنتي وذاقنتي، وتوفيّ في يومي، ودفن في بيتي، كذا في هذه الرواية عشرا ولم يذكر منها إلا ثماني خصال [ (٢) ] .

وروى أبو يعلى عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: لقد أعطيت سبقا لم تعطهنّ إلا مريم بنت عمران، لقد نزل جبريل بصورتي في راحته، ولقد تزوّجني بكرا، ولم يتزوّج بكرا غيري، ولقد قبض ورأسه في حجري، ولقد قبرته وهو في بيتي، ولقد صفّت الملائكة بيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه، وهو في أهله فيتفرّقون عنه، وإن كان الوحي ينزل عليه، وإنّي لمعه في لحافه، وإنّي لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزّل عذري من السّماء، ولقد خلقت طيّبة وعند طيّب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما [ (٣) ] .

وروى الطبراني برجال الصحيح وابن أبي شيبة عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: خصال فيّ سبع وفي لفظ: خصال فيّ لم تكن في أحد من النساء إلا ما أتى الله مريم بنت عمران، والله ما أقول هذا فخرا، وفي لفظ، إني لا أفتخر على أحد من صواحبي! فقال لها عبد الله بن صفوان: وما هنّ يا أم المؤمنين؟ قالت: نزل الملك بصورتي، وتزوّجني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لسبع سنين، وأهديت إليه لتسع سنين، وتزوّجني بكرا، ولم يشركه في أحد من الناس، وكان الوحي يأتيه وأنا وهو في لحاف واحد، وكنت أحب الناس إليه وبنت أحب الناس إليه، ونزل آيات من القرآن، وقد كادت الأمة تهلك فيّ، ورأيت جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري، وقبض في بيتي ولم يره أحد غيري وغير الملك.

الثلاثون: في سعة علمها - رضي الله تعالى عنها - وكونها أفقه الناس مطلقا

١٢/١٧٩١٢/١٧٩

روى الترمذي وحسنه وصححه وابن أبي خيثمة عن أبي موسى الأشعري- رضي الله تعالى عنهم- ما أشكل علينا أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حديث قطّ فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما [ (١) ] .

وروى ابن أبي خيثمة والطبراني برجال ثقات عن الزهري- رحمه الله تعالى- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال-: «لو جمع علم نساء هذه الأمة فيهن أزواج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كان علم عائشة أكثر من علمهن» .

وروى سعيد بن منصور وابن أبي خيثمة والطبراني بسند حسن عن مسروق- رحمه الله تعالى- أنه كان يحلف بالله، لقد رأيت الأكابر من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وفي لفظ مشيخة أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يسألون عائشة عن الفرائض.

وروى ابن أبي خيثمة، والحاكم، والطبراني بسند حسن وأبو عمرو بن عساكر عن عروة بن الزبير قال: ما رأيت أحدا أعلم بالقرآن ولا بفريضة ولا بحلال ولا بحرام ولا بفقه، ولا بطبّ، ولا بشعر، ولا بحديث العرب ولا بنسب من عائشة- رضي الله تعالى عنها-[ (٢) ] .

وروى الطبراني برجال الصحيح عن موسى بن طلحة، قال: ما رأيت أحدا كان أفصح من عائشة- رضي الله تعالى عنها- وروى الطبراني عن معاوية قال: والله، ما رأيت خطيبا قط أبلغ ولا أفصح، ولا أفطن من عائشة.

وروي عن عروة، وقد قيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله وكان أروى الناس للشعر! فقال: ما روايتي في رواية عائشة، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا.

١٢/١٨٠١٢/١٨٠

وروى الإمام أحمد عنه أنه كان يقول لعائشة: يا أمتاه لا أعجب من فهمك، أقول: زوجة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر، وأيام الناس، أقول ابنة أبي بكر، وكان أعلم أو من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطّبّ كيف هو؟

وأين هو؟ قال: فضربت على منكبه، وقالت: أي عريّة، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كان يسقم وفي لفظ كثرت أسقامه عند آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه وفي لفظ: فكانت أطباء العرب والعجم ينعتون له، وكنت أعالجها فمن ثمّ [ (١) ] .

وروى الحاكم وأبو فرج بن الجوزيّ عن الزهري قال: لو جمع علم النّاس كلهم وعلم أزواج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لكانت عائشة أوسعهم علما وفي لفظ: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع الناس وجميع أمهات المؤمنين، لكان علم عائشة أفضل.

وروى الإمام أحمد في- الزّهد- والحاكم عن الأحنف بن قيس قال: سمعت خطبة أبي بكر وعمر وعثمان، وعليّ، والخلفاء وهلمّ جرّا فما سمعت منهم كلام مخلوق أفحم ولا أحسن منه من في عائشة.

وروى الحاكم، وابن أبي خيثمة والبلاذريّ عن عطاء بن رباح قال: كانت عائشة أفقه النّاس، وأعلم، وأحسن النّاس رأيا في العامّة.

وروى ابن أبي خيثمة عن سفيان بن عيينة قال: قال معاوية بن أبي سفيان: يا زياد أيّ الناس أعلم؟ قال: أنت يا أمير المؤمنين، قال: أعزم عليك. قال: أمّا إذا عزمت عليّ فعائشة.

وروى البلاذري عن قبيصة بن ذؤيب، قال: كانت عائشة أعلم الناس من نسائها والأكابر من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وروى أيضا عن القاسم بن محمد، قال: كانت عائشة- رضي الله تعالى عنها- قد اشتغلت بالفتوى زمن أبي بكر وعمر وعثمان وهلمّ جرّا إلى أن ماتت.

وروي لها عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ألف حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثا، وانفرد البخاريّ بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وسبعين، وروى عنها خلق كثير من الصحابة، والتابعين- رضوان الله تعالى عليهم أجمعين-.

الحادي والثلاثون: في إنكارها على ابن عمر وإقراره إياها

[روى مسلم عن] عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة [عائشة.

وإنا لنسمع ضربها بالسّواك تستن. قال فقلت: يا أبا عبد الرحمن! اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في رجب؟ قال: نعم. فقلت لعائشة: أيّ أمّتاه! ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول: اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في رجب] فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن لعمري ما اعتمر في رجب] . [وما اعتمر من عمرة إلّا وإنّه لمعه قال: وابن عمر يسمع. فما قال: لا، ولا نعم. سكت] .

الثاني والثلاثون: في زهدها، وكرمها، وصدقها، وعتقها، بريرة.

١٢/١٨١١٢/١٨١

[روى أبو نعيم عن عروة] عن ابن المنكدر عن أم ذرة [وكانت تغشى عائشة- قالت: بعث إليها بمال في غرارتين، قالت: أراه ثمانين أو مائة ألف، فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة فجلست تقسم بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك درهم. فلما أمست قالت: يا جارية هلمي فطري، فجاءتها بخبز وزيت فقالت لها أم ذرة: أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشتري لنا لحما بدرهم نفطر عليه. قالت: لا تعنفيني لو كنت ذكرتيني لفعلت] [ (١) ] .

روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق، وأراد مواليها أن يشترطوا ولاءها، فذكرت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لها النبي- صلى الله عليه وسلم-: اشتريها، فإنما الولاء لمن أعتق وأتي النبي صلى الله عليه وسلّم بلحم، فقلت: هذا ما تصدّق به على بريرة، فقال: هو لها صدقة ولنا هدية]

[ (٢) ] .

الثالث والثلاثون: في خوفها وورعها وتعبدها وحيائها - رضي الله تعالى عنها -.

روى أبو نعيم عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن ابن أبي مليكة قال: استأذن ابن عباس على عائشة [فقالت: لا حاجة لي بتزكيته، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: يا أمتاه أن ابن عباس من صالح بيتك جاء يعودك، قالت: فأذن له فدخل عليها فقال: يا أمه أبشري فو الله ما بينك وبين أن تلقي محمدا والأحبة إلا أن يفارق روحك جسدك، كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلّم إليه ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلّم يحب إلا طيبا، قالت أيضا؟ قال: هلكت قلادتك بالأبواء فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلّم يلتقطها فلم يجدوا ماء، فأنزل الله عز وجل فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [النساء ٤٣] فكان ذلك بسببك وبركتك ما أنزل الله تعالى لهذه الأمة من الرخصة وكان من أمر مسطح ما كان فأنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سمواته فليس مسجد يذكر الله فيه إلا وشأنك يتلى في آناء الليل وأطراف النهار. فقالت: يا ابن عباس دعني منك ومن تزكيتك فو الله لوددت أني كنت نسيا منسيا.

وروي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وإني واضعة ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي، وأبي، فلمّا دفن عمر، والله ما دخلته إلا مشدودة على ثيابي حياء من عمر.

الرابع والثلاثون: في غيرتها

١٢/١٨٢١٢/١٨٢

روى أبو يعلى، وأبو الشيخ وابن حبان بسند جيد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان متاعي فيه خفّ، وكان على جمل ناج، وكان متاع صفيّة فيه ثقل، وكان على جمل ثقال بطيء يتبطّأ بالركب، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «حوّلوا متاع عائشة على جمل صفيّة، وحوّلوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الرّكب» . قالت عائشة: فلما رأيت ذلك، قلت: يا لعباد الله، غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يا أمّ عبد الله، إن متاعك فيه خفّ، وكان متاع صفية فيه ثقل فأبطأ بالرّكب فحوّلنا متاعها على بعيرك، وحوّلنا متاعك على بعيرها» فقلت: ألست تزعم أنك رسول الله، فتبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فقال: «أو في هذا شكّ يا أم عبد الله؟ قالت: فقلت: ألست تزعم أنك رسول الله؟ فهلّا عدّلت. فسمعني أبو بكر وكان فيه غرب أي حدّة فأقبل علي فلطم وجهي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «مهلاً يا أبا بكر» ، فقال: يا رسول الله أما سمعت ما قالت: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه»

[ (١) ] .

الخامس والثلاثون: في وفاتها - رضي الله تعالى عنها - وأين دفنت.

كانت وفاتها في رمضان ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت منه على الصحيح عند الأكثرين سنة ثمان وخمسين، رواه ابن أبي خيثمة عن عيينة وجزم به المدائنيّ.

وروى أيضا عن هشام بن عروة سنة سبع وخمسين.

وصلّى عليها أبو هريرة- رضي الله تعالى عنه- خليفة مروان بالمدينة، وحجّ مروان واستخلفه ودفنت بالبقيع.

وروى ابن أبي خيثمة عن عروة بن الزبير عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت له: إذا أنا متّ فادفّنّي مع صواحبي بالبقيع، وكان في بيتها موضع، قالت: لا أراني به أبدا.

تنبيهان

الأول: في رواية من الصحيح «وبنى بي، وأنا بنت ستّ» ، ويجمع بينهما بأنها كانت أكملت السادسة، ودخلت في السابعة تقريبا.

الحرف: جلد يتشقق ويلبسه البنات الصغار كالإزار وتسميه العرب اليوم الوتر والسدرة.

الأرجوحة: [حبل يشدّ طرفاه في موضع عال ثم يركبه الإنسان ويحرك وهو فيه] .

١٢/١٨٣١٢/١٨٣

جميمة: [تصغير جمّة من شعر الرأس وهي ما سقط على المنكبين] . لألهج: [لألهث] . هه هه: [ ... ] .

ينضمعن: [أي تغيبن ودخلن في بيت أي من وراء سر] .

يسرّ بهنّ: [أي يبعثهن أو يرسلهن فيلعبن معي] .

ما نحرت من جزور: [ما ذبحت من ناقة] .

الوفرة: [شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن] . نال منه: [ ... ] .

منبوحا: [المشتوم] .

اغرب: [ابعد] .

منبوحا: بميم فنون فموحدة فواو فحاء مهملة منسويا والمنبوح المشتوم وأصله من نباح الكلب وهو صياحه يقال: نبحتني كلابك أي لحقني سبابك إلا في صلاته لعلها أرادت من خديجة. المنكب [ ... ] أكبّ [ ... ] فأحنى [ ... ] ريقها [ ... ] يتهلّل: [استنار وظهرت عليه علامات السرور] .

المرط: كساء النساء وهو من الصوف وخزّ وغيره. طفقت [ ... ] .

أنشب: لم يلبث أن فعل كذا. اللّحاف: [ ... ] . ابتدر في [ ... ] .

سحري: الرّئة، وقيل ما لصق بالحلقوم من أعلى البطن. المزمارة: [ ... ] .

غمرتها: [غفلتها] . بني أرفده: [ ... ] . مللت: [ ... ] . التماثيل: [ ... ] . لطم وجهي: [ ... ] . بطيء: [ ... ] . اللّفظ: [ ... ] . انتهرني: [ ... ] .

الباب الرابع في بعض مناقب أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهما -

١٢/١٨٤١٢/١٨٤

وفيه أنواع:

الأول: في مولدها ونسبها،

ولدت وقريش تبني الكعبة قبل مبعث النبي- صلى الله عليه وسلّم- بخمس سنين، وتقدّم نسب أبيها، وأمّها زينب بنت مظعون.

الثاني: فيمن كانت تحته وتزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - إياها - رضي الله تعالى عنها -.

كانت تحت خنيس بخاء معجمة مضمومة فنون مفتوحة، فتحتيّة، ساكنة فسين مهملة ابن حذافة، بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة، وبعد الألف فاء، السّهمي وكان ممّن شهد بدرا فهاجر بها إلى المدينة فمات بها من جراحات أصابته ببدر، وقيل: بل أحد، ورجح كل مرجحون، والأول أشهر، فتزوجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في شعبان على رأس ثلاثين شهرا من مهاجرة على القول الأول، وبعد أحد على القول الثاني.

وروى الإمام أحمد والشيخان والنسائي عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: تألّمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السّهميّ، وكان من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد شهد بدرا فتوفّي بالمدينة، قال عمر: فلقيت عثمان فعرضت عليه حفصة، وقلت: إن شئت أنكحتك حفصة ابنة عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج في يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة ابنة عمر، فصمت أبو بكر، فلم يرجع إليّ شيئا، فكنت أوجد عليه منّي على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأنكحتها إيّاه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدتّ عليّ حين عرضت عليّ حفصة، فلم أرجع إليك شيئا؟، فقلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلّا أنّي كنت علمت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولو تركها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لقبلتها [ (١) ] .

وروى ابن سعد عن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: لما توفي خنيس بن حذافة عرضت حفصة على عثمان، فأعرض عني، فذكرت للنبي- صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله، لا تعجب من عثمان، إنّي عرضت عليه حفصة، فأعرض عني فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: قد زوج الله تعالى عثمان خيرا من ابنتك، وزوّج ابنتك خيرا من عثمان، قال: وكان عمر قد عرض حفصة على عثمان في متوفى رقية بنت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان عثمان يريد يومئذ أم كلثوم بنت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأعرض عثمان عن عمر لذلك، فتزوّج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حفصة، وزوج أمّ كلثوم من عثمان.

١٢/١٨٥١٢/١٨٥

وروى ابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: تزوّجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سنة اثنتين من الهجرة بالمدينة.

وروى أيضا عن الزهري- رحمه الله تعالى- قال: أخبرني رجل من بني سهم من أهل المدينة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- تزوجها سنة ثلاث.

الثالث: في أمر الله - تبارك وتعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بمراجعتها لما طلقها، وقال: إنها زوجتك في الجنة.

وروى أبو داود والنسائي، وابن ماجة عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- طلّق حفصة ثم راجعها.

وروى أبو بكر بن أبي خيثمة، والطبراني برجال الصحيح عن قيس بن زيد أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- طلّق حفصة بنت عمر- رضي الله تعالى عنهما- فدخل عليها خالاها (حذافة) [ (١) ] وعثمان ابنا مظعون، فبكت، وقالت: والله، ما طلّقني عن شبع، فجاء رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فتجلببت فقال لي: قال لي جبريل: راجع حفصة، فإنها صوّامة قوّامة وإنّها زوجتك في الجنة.

وروى ابن أبي خيثمة أيضاً عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلّم- طلّق حفصة تطليقة فأتاه جبريل- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد، طلّقت حفصة وهي صوّامة قوّامة، وهي زوجتك في الجنة! وروى [أبو نعيم] [ (١) ] عن عقبه بن عامر- رضي الله تعالى عنه قال: طلّق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حفصة فبلغ ذلك عمر فحثا على رأسه التّراب وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته وبعدها نزل جبريل على النبي- صلى الله عليه وسلّم- من الغد، وقال: أن الله تعالى يأمرك أن تراجع حفصة رحمة بعمر ثم أراد أن يطلّقها ثانية، فقال له جبريل. لا تطلّقها، فإنّها صوّامة قوّامة.

الرابع: في استظهارها بتحريم مارية.

[روى الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً [التحريم ٣] قال: دخلت حفصة على النبي- صلى الله عليه وسلم- في بيتها، وهو يطأ مارية فقال لها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لا تخبري عائشة حتى أبشرك بشارة فإن أباك يلي الأمر بعد أبي بكر إذا أنا متّ، فذهبت حفصة فأخبرت عائشة، فقالت عائشة للنبي- صلى الله عليه وسلم-: من أنبأك هذا قال: نبأني العليم الخبير فقالت عائشة: لا انظر إليك حتّى تحرّم مارية فحرمها فأنزل الله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ [التحريم ١] .

الخامس: في قول عائشة - رضي الله تعالى عنها - إنها ابنة أبيها تنبيها على فضلها.

١٢/١٨٦١٢/١٨٦

[روى أبو داود والبيهقي عن الزهري قال: بلغني أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما أصبحتا صائمتين متطوعتين فاهدي لهما طعام فأفطرتا عليه فدخل عليهما النبي- صلى الله عليه وسلم- قالت عائشة: فقالت حفصة فبدرتني بالكلام وكانت ابنة أبيها يا رسول الله إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين وأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- اقضيا مكانه يوما آخر] .

السابع: في وفاتها - رضي الله تعالى عنها -

توفّيت في شعبان سنة خمس وأربعين بالمدينة وصلّى عليها مروان بن الحكم أمير المدينة وحمل سريرها بعض الطريق، ثم حمله أبو هريرة إلى قبرها، ونزل في قبرها عبد الله وعاصم ابنا عمر، وسالم، وعبد الله، وحمزة بنو عبد الله بن عمر، وقد بلغت ستين سنة، وقيل: ماتت سنة إحدى وأربعين. رواه أبو بكر بن أبي خيثمة وقيل: ماتت لما بايع الحسن معاوية وذلك في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين فأوصت إلى عبد الله أخيها بما أوصى إليها عمر، وتصدقت بمال وقفته بالغابة، وروي لها عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ستون حديثا.

بيان غريب ما سبق.

الغابة: [موضع قريب من المدينة] .

الباب الخامس في بعض فضائل أم المؤمنين أم سلمة - رضي الله تعالى عنها -

١٢/١٨٧١٢/١٨٧

وفيه أنواع:

الأول: في نسبها واسمها.

تقدم نسب أبيها، وأمّها عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك بن جذيمة بن علقمة بن فراس ومن قال: عاتكة بنت عبد المطلّب، فجعلها بنت عمة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فقد أخطأ، وإنما هي بنت زوجها، وأخواها عبد الله، وزهير ابنا عمة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- واسمها هند، وقيل: رملة، والأوّل أصحّ.

الثاني: في هجرتها مع زوجها أبي سلمة بن (عبد الأسد) - رضي الله تعالى عنهما - إلى الحبشة وهجرتها إلى المدينة.

هاجرت، هي وزوجها إلى الحبشة الهجرتين وهما أول من هاجر إلى الحبشة، قال ابن أبي خيثمة: حدثنا نصر بن المغيرة، قال: قال سفيان: أوّل مهاجرة من النساء أمّ سلمة.

وروى عن مصعب بن عبد الله قال: أوّل ظعينة دخلت المدينة مهاجرة أمّ سلمة.

ويقال: بل ليلى بنت خيثمة زوج عامر بن ربيعة.

الثالث: في تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - بها.

كانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد وأمّه عمة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- برة بنت عمه أبي طالب فولدت لأبي سلمة، سلمة وعمر، ورقيّة، وزينب، ومات أبو سلمة- رضي الله تعالى عنه- سنة أربع وشهد بدرا وأحدا ورمي بها بسهم في عضده فمكث شهرا يداويه، ثم برأ الجرح، وبعثه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في هلال المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجره، وبعث معه مائة وخمسين رجلا إلى قطن- وهو جبل- فغاب تسعا وعشرين ليلة ثم رجع إلى المدينة فانتقض جرحه، فمات منه لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة أربع، فاعتدّت امّ سلمة، وحملت لعشرين بقين من شوّال المذكور سنة أربع، فتزوجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في ليالي بقين من شوال المذكور، ولو لم يكن من فضلها إلا شورها على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بالحلق في قصة الحديبية لمّا امتنع منه أكثر الصحابة لكفاها. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو عمر: تزوّجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد وقعة بدر في شوال سنة اثنتين، وليس بشيء، لأنّ أبا عمر قال في وفاة أبي سلمة: إنها في جمادى الآخرة سنة ثلاث وهو لم يتزوجها إلا بعد انقضاء عدتها من وفاة أبي سلمة.

وروي عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول: ما أمر الله تبارك وتعالى [إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها]

١٢/١٨٨١٢/١٨٨

[ (١) ] .

وروى أحمد بن منيع وأبو يعلى برجال ثقات عن عمرو بن أبي سلمة [ (٢) ] ، والإمام الشافعي- رحمه الله تعالى ورضي عنه- والإمام أحمد ومسلم وابن أبي خيثمة عن أم سلمة والحارث من طريق آخر عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام- رضي الله تعالى عنهم- أن أبا سلمة جاء إلى أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- فقالت: سمعت من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شيئا هو أعجب إليّ من كذا وكذا، لا أدري ما أعدل به، سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقول: لا يصيب أحدا مصيبة فيسترجع عند ذلك، ثم يقول: اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجرني فيها وأبدلني بها خيرا منها، فلما مات أبو سلمة قلتها وأبدلني خيرا منها: أقول: ومن خير من أبي سلمة، فلم أزل حتى قلتها، فلما انقضت عدّتها أرسل أبو بكر يخطبها فأبت، فأرسل إليها عمر يخطبها فأبت، قالت: فأرسل إليها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يخطبها، فقالت: مرحبا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- إن في خلالي ثلاثا أخافهنّ على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إني امرأة شديدة الغيرة وإني امرأة مصبية يعني: لها صبيان، وفي رواية: إني ذات عيال، وإني امرأة ليس هاهنا أحد من أوليائي شاهد يزوّجني، وفي حديث أبي بكر بن عبد الرحمن، فقالت: ما مثلي ينكح، أما أنا، فلا ولد في، وأنا غيور، وذات عيال فسمع عمر بما ردّت به على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم فغضب لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- أشدّ ما غضب لنفسه حين ردته فلقيها فقال: أنت التي تردين رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قالت: يا ابن الخطاب إن فيّ كذا وكذا، فأقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إليها فقال: أما ما ذكرت أنك غيرى فسأدعو الله- عز وجل- يذهب غيرتك وأما ما ذكرت أنك مصيبة فإن الله سيكفيك صبيانك، وفي رواية: وأما العيال فإلى الله ورسوله وأما أنه ليس ههنا أحد من أوليائك يزوجك فإنه ليس أحد شاهد ولا غائب من أوليائك يكرهني، وفي حديث أبي بكر في لفظ: «فإنه ليس أحد منهم شاهد ولا حاضر يسترضاني وأنا أكبر منه فقالت لابنها عمر: زوجني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: فزوجه إياها فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أما إني لم أنقصك مما أعطيت أختك فلانة، قال ثابت لابن أم سلمة: ما كان أعطى فلانة؟ قال: أعطاها درهمين تجعل منهما صاحبتها ورحلتين ووسادة حشوها ليف ثم انصرف عنها ثم أتاها الثانية وهي ترضع زينب فلما رأته مقبلا جعلت الصبية في حجرها.

فسلم ثم رجع فأتاها أيضا الثالثة فلما رأته جعلت الصبية في حجرها قالت: وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حييا كريما، فرجع، قال عمر: فجاء عمار بن ياسر حتى انتزعها من حجرها وفي لفظ: «ففطن لذلك عمار بن ياسر وكان أخاها لأمها فانتشط زينب من حجرها فقال: هاتي وفي لفظ: دعي عنك هذه المسقوحة التي منعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم أتاها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فجعل يقلب بصره في البيت فلم ير الصبية في حجرها وكان اسمها زينب، فقال: أين زناب، فقالت: جاء عمار فأخذها وفي حديث أبي بكر فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «تجداني أتيتكم الليلة» ، قالت: فوضعت ثقالي وأخرجت حبات من شعير كانت في جرن، وأخذت شحما فعضدت به فبات ثم أصبح فقال حين أصبح: «إن لك على أهلك كرامة إن شئت أن أسبع لك سبعت للنساء» . قال عمر: فكانت في النساء كأنها ليست منهن لا تجد من الغيرة شيئا.

١٢/١٨٩١٢/١٨٩

وروى الطبراني برجال الصحيح عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أتاها فلفّ رادئها وجعله على أسكفة الباب واتّكل عليه، وقال: هل لك يا أم سلمة؟ قالت: إني امرأة شديدة الغيرة، وأخاف أن يبدو للنبي- صلى الله عليه وسلم- ما يكره، فانصرف، ثم عاد فقال: هل يا أم سلمة؟ إذا كان لك الزيادة في صداقك، زدناك، فعادت لقولها، فقالت: أمّ سلمة: يا أمّ عبد، تدرين ما يتحدث به نساء قريش، يقلن: إنما ردّت محمدا، لأنها شابة من قريش أحدث منه سنّا، وأكثر منه مالا، فأتت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فتزوّجها.

وروى ابن سعد عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت لأبي سلمة: ليس امرأة يموت زوجها وهو من أهل الجنة وهي من أهل الجنة، ثم لم تتزوّج بعده إلّا جمع الله تعالى بينهما في الجنة، وكذلك إذا ماتت المرأة وبقي الرجل بعدها، فتعال أعاهدك ألا تتزوّج بعدي ولا أتزوّج بعدك، قال: أتطيعيني، قلت: ما استأمرتك إلا وأنا أريد أن أطيعك قال: فإذا أنا مت فتزوجي، ثم قال: اللهم ارزق أمّ سلمة بعدي رجلا خيرا مني حتى لا يحزنها ولا يؤذيها، قالت: فلما مات قلت: من هذا الذي هو خير لي من أبي سلمة، فلبثت ما لبثت، فجاء رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فقام على الباب فذكر نحو ما سبق [ (١) ] .

الرابع: في دخولها فيما سأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل بيته.

روى الإمام أحمد والدولابيّ عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أغدف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على عليّ وفاطمة والحسن، والحسين- رضي الله تعالى عنهم-: خميصة سوداء، ثم قال: اللهم إليك لا إلى النار، أنا وأهل بيتي قالت: قلت: وأنا يا رسول الله؟ قال: وأنت [ (٢) ] ، وروى أبو الحسين الخلعيّ عن عمرو بن شعيب أنه دخل على زينب بنت أبي سلمة فحدّثته أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كان عند أم سلمة، فجعل حسنا وحسينا في شقّ وفاطمة في حجرها، وقال: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنّه حميد مجيد، وأنا وأمّ سلمة جالستان، فبكت أم سلمة، فقال: ما يبكيك؟ قالت: يا رسول الله، خصصتهم، وتركتني وابنتي! فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «إنك من أهل البيت» .

الخامس: في ابتدائه صلى الله عليه وسلم بها إذا دار على نسائه، وتخصيصه أم سلمة من دون غيرها في بعض الأحوال - رضي الله تعالى عنهن -

١٢/١٩٠١٢/١٩٠

روى عمر الملاء، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا صلى العصر دخل على نسائه واحدة واحدة، يبدأ بأم سلمة لأنها أكبرهنّ، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يختم بي.

وروى الإمام أحمد عن موسى بن عقبة عن أمه عن أم كلثوم، قالت: لمّا تزوج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أم سلمة، قال لها: يا أم سلمة، إني قد أهديت إلى النجاشيّ حلّة وأوقية مسك، ولا أرى النجاشيّ إلا قد مات ولا أرى هديّتي إلا مردودة فهي لك.

فكان كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وردّت عليه هديّته فأعطى كلّ واحدة من نسائه أوقية وأعطى أمّ سلمة المسك والحلّة.

السادس: في مبايعتها، ومحافظتها على دينها وبرها - رضي الله تعالى عنها -.

روى مسلم عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما مات أبو سلمة قلت: غريب بأرض غربة لأبكينّه بكاء يتحدث عنه. فكنت قد تهيأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني فاستقبلها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال: «أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتا أخرجه الله منه» مرتين. فكففت عن البكاء فلم أبك.

وروى أيضا عنها رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أشدّ ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضي عليك الماء فتطهري.

وروى الشيخان عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت: يا رسول الله، هل لي أجر في بني أبي سلمة، أنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا وهكذا، إنما هم بنيّ، فقال- صلى الله عليه وسلم-: نعم، لك أجر ما أنفقت عليهم [ (١) ] .

الثامن: في وفاتها - رضي الله تعالى عنها -.

١٢/١٩١١٢/١٩١

قال ابن أبي خيثمة- رحمه الله تعالى- توفّيت أمّ سلمة في ولاية يزيد بن معاوية سنة إحدى وستين على الصحيح، واستخلف يزيد سنة ستين بعد ما جاء خبر الحسين بن علي- رضي الله تعالى عنهما- عليهم، ولها أربع وثمانون سنة على الصواب.

وروى الطبراني برجال ثقات عن الهيثم بن عدي- رحمه الله تعالى- قال: أول من مات من أزواج النبي- صلى الله عليه وسلّم- زينب بنت جحش، وآخر من مات منهنّ أمّ سلمة زمن يزيد بن معاويّة سنة اثنتين وستين.

التاسع: في ولدها - رضي الله تعالى عنها -

كان لها ثلاثة أولاد: سلمة أكبرهم، وعمر، وزينب أصغرهم ربّوا في حجر النبي- صلى الله عليه وسلّم- واختلف الرواة فيمن زوّجها من النبي- صلى الله عليه وسلم- فروى الإمام أحمد والنسائي أنه عمر، وقيل سلمة أبو عمر، وعليه الأكثر، وزوجه- صلى الله عليه وسلّم- أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب، عاش في خلافة عبد الملك بن مروان، ولم تحفظ له رواية، وأما عمر- رضي الله تعالى عنه- فله رواية وتوفّي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وله تسع سنين، وكان مولده بالحبشة، في السنة الثانية من الهجرة، واستعمله علي- رضي الله تعالى عنها- على فارس، والبحرين، وتوفّي بالمدينة سنة ثلاث وثمانين في خلافة عبد الملك. وأما زينب فولدت بأرض الحبشة وكان اسمها (برة) فسمّاها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- زينب، دخلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل فنضح في وجهها الماء فلم يزل ماء الشّباب في وجهها- رضي الله تعالى عنها- حتى كبرت وعجزت.

روى الطبرانيّ عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: كانت أمّي إذا دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يغتسل تقول أمي: اذهبي فادخلي، قالت: فدخلت، فنضح في وجهي بالماء، وقال: ارجعي، وقال العطاف: قالت أمي: فرأيت وجه زينب وهي عجوز كبيرة ما نقص من وجهها شيء.

وتزوّجها عبد الله بن زمعة بن الأسود الأسديّ وولدت له، وكانت من أفقه أهل زمانها.

تنبيه في بيان غريب ما سبق

١٢/١٩٢١٢/١٩٢

الظّعينة: [ ... ] .

العضد: [ما بين المرفق إلى الكتف] .

قطن: بفتح القاف والطاء المهملة، اسم جبل أو ماء.

المسقوحة: [المكسورة المبعدة] . كفّة الباب [ ... ] .

أغدف: بغين فدال ففاء، أرسل وغطا، ومنه غداف المرأة، وهي ما تستر به وجهها.

الخميصة: ثوب أسود من صوف أو خزّ والله أعلم.

الباب السادس في بعض فضائل أم المؤمنين أم حبيبة

١٢/١٩٣١٢/١٩٣

بفتح الحاء المهملة بنت أبي سفيان بن صخر بن حرب القرشيّة الأمويّة- رضي الله تعالى عنها- وفيه أنواع:

الأول: في نسبها واسمها.

تقدم نسب أبيها، وأمها صفية بنت أبي العاص عمّة عثمان بن عفان، قال ابن أبي خيثمة: أخبرنا مصعب بن عبد الله أن اسمها رملة، بفتح الراء وهو المشهور، ويقال: هند.

الثاني: في تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - لها.

ويوم هجرتها إلى الحبشة، كانت قبل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عند عبيد الله بن جحش، وولدت له حبيبة وبها كانت تكنى، وهاجر بها إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم تنصّر هناك، ومات عنها على النصرانية، وبقيت أم حبيبة- رضي الله تعالى عنها- على دين الإسلام وأبى الله عز وجل لأمّ حبيبة ألّا تتنصّر، فأتم الله تعالى- الإسلام والهجرة وتزوّجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فبعث عمرو بن أمية الضّمريّ إلى النجاشي فزوّجه إيّاها والذي عقد عليها خالد بن سعيد بن العاص وأصدقها النجاشي عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أربعمائة دينار على خلاف محكي في الصّداق، والعاقد، وبعثها مع شرجيل بن حسنة وجهّزها من عنده، كل ذلك في سنة تسع، وقيل: كان الصّداق مائتي دينار، وقيل: أربعة آلاف درهم، والأوّل النّسب، وروى ابن سعد عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأمويّ، قال: قالت أم حبيبة- رضي الله تعالى عنها-: رأيت في النّوم كأنّ زوجي عبيد الله بن جحش بأسوأ صورة فأصبحت، فإذا به قد تنصّر، فأخبرته بالمنام، فلم يحفل وأكب على الخمر حتّى مات فأتاني آت في النوم، فقال: يا أم المؤمنين، ففزعت فما هو إلا أن انقضت عدّتي فما شعرت إلّا برسول النّجاشيّ يستأذن، فذكر [ (١) ] لأم حبيبة خطبة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إيّاها من النّجاشي وروى الطبراني بسند حسن عن الزهري- رحمه الله تعالى- قال: تزوّج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة وأنكح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رقية رضي الله عنها عثمان بن عفان- رضي الله تعالى عنه- من أجل أن أم حبيبة، أمّها صفية بنت أبي العاص، وصفيّة عمة عثمان أخت عفّان لأبيه وأمّه، وقدم بأمّ حبيبة على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- شرحبيل بن حسنة [ (٢) ] .

١٢/١٩٤١٢/١٩٤

وروى ابن أبي خيثمة في تاريخه عن مصعب بن عبد الله الزبيريّ، قال: تزوّج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمّ حبيبة، زوّجه إيّاها النّجاشي، فقيل لأبي سفيان يومئذ وهو مشرك (يحارب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-) [ (١) ] : إن محمدا قد نكح ابنتك، قال: ذاك الفحل لا يقرع أنفه، قال: ودخل أبو سفيان على ابنته أمّ حبيبة فسمع تمازح النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: ما هو إلا أن تركتك فتركتك به العرب، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يضحك وهو يقول: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة!.

وروى أيضا عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال: تزوّجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سنة ستّ.

وروى أيضا عن الزّهريّ، قال: زعموا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كتب إلى النجاشي، فزوّجه إيّاها وساق عنه أربعين أوقيّة [ (٢) ] .

وروي أيضا عنه، عن عروة، عن أمّ حبيبة أنها كانت عند عبيد الله بن جحش وكان رحل إلى النجاشي فمات، وأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تزوّج بأمّ حبيبة وهي بأرض الحبشة زوّجها إيّاه النّجاشي، ومهرها أربعة آلاف درهم، وبعث بها مع شرحبيل ومهرها من عنده، وما بعث إليه رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- شيئا.

وروى ابن الجوزيّ في الصفوة عن سعيد بن العاص قال: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم كأن عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهها. ففزعت فقلت: تغيّرت والله حاله.

فإذا هو يقول حين أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدّين فلم أر دينا خيرا من النصرانية، وكنت قد دنت بها ثم دخلت في دين محمد، ثم رجعت في النصرانية. فقلت: والله ما خير لك. وأخبرته بالرؤيا التي رأيتها فلم يحفل بها وأكبّ على الخمر حتى مات: فأرى في النوم كأن آتيا يقول: يا أم المؤمنين ففزعت فأوّلتها أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يتزوجني. قالت: فما هو إلا أن قد انقضت عدّتي فما شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن. فإذا جارية له يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت عليّ فقالت: إن الملك يقول لك أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كتب إلى أن أزوّجه فقالت: بشّرك الله بخير. قالت: يقول لك الملك وكلّي من يزوّجك.

فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته وأعطت أبرهة سوارين من فضة وخدمتين كانتا في رجليها وخواتيم فضة كانت في أصابع رجليها سرورا بما بشّرتها.

١٢/١٩٥١٢/١٩٥

فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السّلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأنه الذي بشّر به عيسى ابن مريم- صلى الله عليه وسلّم-.

أما بعد: فإن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كتب إليّ أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وقد أصدقتها أربعمائة دينار.

ثم سكب الدنانير بين يدي القوم فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستنصره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون- أما بعد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وزوّجته أم حبيبة بنت أبي سفيان فبارك الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص فقبضها. ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج. فدعا بطعام وأكلوا ثم تفرقوا. قالت أم حبيبة: فلما وصل إليّ المال أرسلت إلى أبرهة التي بشرتني فقلت لها: إني كنت أعطيتك ما أعطيتك يومئذ ولا مال بيدي فهذه خمسون مثقالا فخذيها فاستعيني بها.

فأبت وأخرجت حقّا فيه كل ما كنت أعطيتها فردّته عليّ وقالت: عزم عليّ الملك أن لا أرزأك شيئا وأنا التي أقوم على ثيابه ودهنه وقد اتبعت دين محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأسلمت لله عز وجل وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من العطر. قالت: فلما كان الغد جاءتني بعود وورس وعنبر وزباد كثير فقدمت بذلك كله على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فكان يراه علي وعندي فلا ينكره. ثم قالت أبرهة: فحاجتي إليك أن تقرئي على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مني السلام وتعلميه أني قد اتّبعت دينه. قالت: ثم لطفت بي وكانت التي جهّزتني، وكانت كلما دخلت عليّ تقول: لا تنسي حاجتي إليك. قالت: فلما قدمت على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أخبرته كيف كانت الخطبة وما فعلت بي أبرهة فتبسم وأقرأته منها السلام فقال: وعليها السلام ورحمة الله وبركاته.

الثالث: في طيها فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

لئلا يجلس عليه أبوها، حال شركه.

روى (ابن الجوزي) [ (١) ] في صفة الصفوة عن الزهري قال: لما قدم أبو سفيان بن حرب المدينة جاء إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يريد غزو مكة فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقام ودخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش النبي- صلى الله عليه وسلّم طوته دونه فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه، فقالت: بل هو فراش رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنت امرؤ نجس مشرك. فقال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر.

الخامس: في وفاة أم حبيبة - رضي الله تعالى عنها -

١٢/١٩٦١٢/١٩٦

روى أبو عمر وابن الجوزيّ [....] قال أبو بكر بن أبي خيثمة: توفّيت أمّ حبيبة قبل موت معاوية بسنة، سنة أربع وأربعين، ويقال: سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة خمس وخمسين، قال البلاذري: والأول أثبت.

تنبيهات

الأوّل: اختلف فيمن زوّجها فروي عن سعيد بن العاص، وروي عن عثمان بن عفان وليس بصواب، لأنّ عثمان كان مقدمه من الحبشة قبل وقعة بدر، وهي ابنة عمّته، وقال البيهقيّ: إنّ الذي زوّجها خالد بن سعيد بن العاص- رضي الله تعالى عنه- وهو ابن عمّ أبيها، لأن العاص بن أميّة عم أبي سفيان بن حرب بن أمية، وروى النجاشيّ ويحتمل أن يكون النجاشي هو الخاطب، والعاقد إما عثمان أو خالد بن سعيد بن العاص على ما تضمّنه الحديث السّابق، وقيل: عقد عليها النجاشي وكان قد أسلم، وقيل: إنّما تزوّجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عند مرجعها من الحبشة، والأوّل أثبت من ذلك كله.

وروي أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بعث عمر بن أمية الضمري إلى النّجاشي ليخطبها عليه فزوّجه إيّاها، وأصدقها أربعمائة دينار، وبعث بها مع شرحبيل ابن حسنة- رضي الله تعالى عنه- فجاءه- صلى الله عليه وسلّم- بها، فيحتمل أنه- صلى الله عليه وسلم بعث عمرا للخطبة، وشرحبيل لحملها إليه، وكان ذلك في سنة سبع من الهجرة، وكان أبوها حال نكاحها بمكة مشركا محاربا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم.

الثاني: روى ابن حبان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: هاجر عبيد الله بن جحش بأمّ حبيبة بنت أبي سفيان وهي امرأته إلى أرض الحبشة، فلما قدم أرض الحبشة مرض، فلمّا حضرته الوفاة أوصى إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-، فتزوّج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمّ حبيبة، وبعث معها النجاشي شرحبيل بن حسنة- رضي الله تعالى عنه- وفي هذا إشكالان أحدهما: في الإسم، فإن المشهور أنه عبيد الله بالتصغير، كما تقدّم ذكره وأنه تنصّر.

١٢/١٩٧١٢/١٩٧

ثانيهما: أن عبيد الله ثبت على إسلامه حتّى استشهد بأحد- رضي الله تعالى عنه-.

روى مسلم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- [قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه. فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبيّ الله! ثلاث أعطنيهنّ. قال «نعم» قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها. قال «نعم» قال: ومعاوية، تجعله كاتبا بين يديك. قال «نعم» . قال: وتؤمّرني حتّى أقاتل الكفّار، كما كنت أقاتل المسلمين. قال «نعم» . قال أبو زميل: ولولا أنّه طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلّم، ما أعطاه ذلك. لأنه لم يكن يسأل شيئاً إلا قال «نعم» ] .

الرابع: في بيان غريب ما سبق: أكبّ: [أقبل عليه وشغل به] . ما شعرت [ ... ] .

لا يقرع أنفه [أي أنه كفء كريم لا يرد] .

الباب السابع في بعض فضائل أم المؤمنين سودة بنت زمعة - رضي الله تعالى عنها -

١٢/١٩٨١٢/١٩٨

وفيه أنواع

الأول: في نسبها.

تقدم نسب أبيها، وأمّها الشّموس بنت قيس بن عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النّجّار بنت أخي سلمى بنت عمرو بن زيد أم عبد المطلب.

الثاني: في تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - إياها: أسلمت قديما وبايعت.

كانت قبل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- تحت ابن عمّ لها يقال له: السّكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ أخي سهيل بن عامر بن لؤيّ، وشمر وسهل، وسليط، وحاطب، ولكلّ صحبة، ابن عمرو، وأسلم معها- رضي الله تعالى عنهما- وهاجرا إلى الحبشة في الهجرة الثّانية، فلما قدما مكّة مات زوجها، وقيل مات بأرض الحبشة، فلمّا حلّت خطبها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد العقد على عائشة- رضي الله تعالى عنها- ثمّ تزوّجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في السّنة العاشرة أو (الثامنة) [ (١) ] من النّبوّة، ودخل بها بمكّة بعد موت خديجة- رضي الله تعالى عنها-، قال ابن كثير: والصحيح أن عائشة عقد عليها قبل سودة، ولم يدخل بعائشة إلا في السنة الثانية من الهجرة، وأما سودة فإنّه دخل بها بمكّة، وسبقه إلى ذلك أبو نعيم وجزم به الجمهور، ومنهم قتادة، وأبو عبيدة معمر بن المثنى والزّهريّ في رواية عقيل، وقال عبد الله محمد بن محمد بن عقيل: تزوّجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد عائشة.

وروي القولان عن ابن شهاب، وقال يونس بن يزيد عنه: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تزوج سودة بالمدينة، قلت: وهي رواية شاذّة وقع فيها وهم، والصحيح: أنّها عائشة لا سودة كما تقدّم، وتقدّم في مناقب عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون- رضي الله تعالى عنه وعنها- أشارت على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: بزواجها فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فاذكريها عليّ فذهبت إلى سودة وأبيها فقلت: ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة، فقالت: وما ذاك؟ قالت: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أرسلني إليك لأخطبك عليه، قالت: وددتّ ذلك ولكن ادخلي على أبي، واذكري له ذلك، وكان شيخا كبيرا قد أدركته السن، فحييته بتحية أهل الجاهليّة، فقلت: أنعم صباحك، فقال: ومن أنت؟ فقلت: خولة فرحّب بي، وقال ما شاء الله أن يقول. قالت: فقلت: أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يذكر ابنتك، قال: هو كفء كريم، فما تقول صاحبتك؟ قلت: تحب ذاك، قال: قولي له فليأت، قالت: فجاء رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فملكها وقدم عبد الله بن زمعة فوجد أخته قد تزوّجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فحثا التراب على رأسه، فلما أسلم، قال: إنّي لسفيه يوم أحثو التّراب على رأسي أن تزوج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أختي. رواه الطبراني برجال ثقات والإمام أحمد عن عائشة بسند جيّد وعمر الملّا وروى ابن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت سودة بنت زمعة تحت السّكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو قرأت في المنام كأن النبي- صلى الله عليه وسلّم- أقبل يمشي حتّى وطئ عنقها، فأخبرت زوجها بذلك، فقال لئن صدقت رؤياك لأموتنّ وليتزوجنك محمد ثم رأت في المنام ليلة أخرى أن قمرا انقضّ عليها، [من السماء] وهي مضطجعة فأخبرت زوجها فقال: إن صدقت رؤياك، لم ألبث إلا يسيرا حتى أموت وتتزوجين من بعدي فاشتكى السكران من يومه ذلك، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات، وتزوجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم. [ (١) ]

(الثاني) : في هبتها يومها لعائشة - رضي الله تعالى عنهما - تلتمس رضا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

١٢/١٩٩١٢/١٩٩

روى أبو عمر عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما أسنّت سودة عند رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- همّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بطلاقها، فقالت: لا تطلّقني وأنت في حلّ مني فأنا أريد أن أحشر في أزواجك، وإني قد وهبت يومي لعائشة، وإني لا أريد ما يريد النّساء فأمسكها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى توفي عنها مع سائر من توفّي عنهن من أزواجه- رضي الله تعالى عنهن-.

وروى أبو بكر بن أبي خيثمة، وأبو يعلى عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما من الناس أحد وفي لفظ: ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة إلا أن بها حدة.

الرابع: في أمره - صلى الله عليه وسلم - سودة بالانتصار من عائشة، لما لطخت وجهها.

تقدم الحديث في مناقب عائشة- رضي الله تعالى عنها-.

الخامس: في إذنه - صلى الله عليه وسلم - لها في الدفع قبل الناس.

روى [الشيخان] عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: استأذنت سودة بنت زمعة- رضي الله تعالى عنها- رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليلة المزدلفة [أن تدفع قبل حطمة الناس- وكانت امرأة ثبطة- أي ثقيلة- فأذن لها.

السادس: في شدة اتباعها لأمره - صلى الله عليه وسلم -.

١٢/٢٠٠١٢/٢٠٠

روى الإمام أحمد عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لنسائه عام حجة الوداع: «هذه ظهور (الحصر) » [ (١) ] ، قالت: فكنّ كلّهن يحججن إلا زينب وسودة بنت زمعة فكانتا تقولان: والله، لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.

السابع: في وفاتها - رضي الله تعالى عنها -.

ماتت بالمدينة في آخر خلافة عمر، هذا هو المشهور في وفاتها، ونقل ابن سعد عن الواقديّ أنها توفيت سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية.

تنبيه في بيان غريب ما سبق

أنعم صباحا رحب [ ... ] . حثا التراب [ ... ] .

مسلاخها: بكسر الميم وسكون السين المهملة وتخفيف اللام وبالخاء المعجمة: هديها وطريقتها.

أعجاز الإبل: [أي مؤخراتها] .

الباب الثامن في بعض فضائل أم المؤمنين زينب بنت جحش - رضي الله تعالى عنها -

١٢/٢٠١١٢/٢٠١

وفيه أنواع:

الأول: في اسمها ونسبها.

تقدّم نسب أبيها، وأمّها أميمة بالتّصغير بنت عبد المطلب عمة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- روي عن زينب بنت أم سلمة- رضي الله تعالى عنهما- قالت: تزوج رسول الله- صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش واسمها برة فغيّرت إلى زينب.

الثاني: في تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - بها

وأن الله تعالى، زوّجها واستخار بها ربّها حين خطبها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ونزل قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [الأحزاب ٣٧] الآيات.

روى ابن أبي خيثمة عن معمر بن المثنى قال: تزوّجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سنة ثلاث من الهجرة بالمدينة، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة خمس وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة.

الثالث: في فخرها على نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - بتزويج الله - تبارك وتعالى - إياها رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

كانت تفتخر على نساء النبي- صلى الله عليه وسلّم- بأنها بنت عمّته، وبأن الله- تعالى- زوّجها له وهنّ زوّجهنّ أولياؤهن.

[روى البخاري عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اتق الله وأمسك عليك زوجك» قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم كاتما شيئا لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوّجكن أهلوكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات] [ (١) ] .

الرابع: في نزول آية الحجاب بسبب زينب - رضي الله تعالى عنها -

روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: لما تزوج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- زينب ابنة جحش دعا القوم فطعموا، ثم جلس يتحدثون، وإذا هو يتأهب للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلمّا قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقت فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ [الأحزاب/ ٥٣] الآية [ (٢) ] .

١٢/٢٠٢١٢/٢٠٢

روى ابن سعد عن أنس قال: ما أولم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على شيءٍ من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة.

الخامس: في وليمته - صلى الله عليه وسلم - عليها وفي هدية أم سليم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة دخوله على زينب.

روى ابن سعد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: تزوّج رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فدخل بأهله فصنعت أمّ سليم حيسا من عجوة في تور من فخّار قدر ما يكفيه وصاحبته وقالت: اذهب به إليه. فدخلت عليه وذلك قبل أن تنزل آية الحجاب، فقال: «ضعه» . فوضعته بينه وبين الجدار، فقال لي: «ادع أبا بكر وعمر وعثمان وعليّا» . وذكر ناسا من أصحابه سمّاهم. فجعلت أعجب من كثرة من أمرني أن أدعوه وقلّة الطعام، إنّما هو طعام يسير وكرهت أن أعصيه، فدعوتهم فقال: «انظر من كان في المسجد فادعه» . فجعلت آتي الرجل وهو يصلّي أو هو نائم فأقول: أجب رسول الله فإنّه أصبح اليوم عروسا، حتى امتلأ البيت، فقال لي: «هل بقي في المسجد أحد» ؟ قلت: لا. قال: «فانظر من كان في الطريق فأدعهم» . قال: فدعوت حتى امتلأت الحجرة، فقال: «هل بقي من أحد» ؟ قلت: لا يا رسول الله. قال: «هلمّ التور» . فوضعته بين يديه فوضع أصابعه الثلاث فيه وغمزه وقال للناس: «كلوا بسم الله» . فجعلت أنظر إلى التمر يربو أو إلى السمن كأنّه عيون تنبع حتى أكل كلّ من في البيت ومن في الحجرة وبقي في التور قدر ما جئت به، فوضعته عند زوجته ثم خرجت إلى أمّي لأعجبّها ممّا رأيت، فقالت: لا تعجب، لو شاء الله أن يأكل منه أهل المدينة كلّهم لأكلوا. فقلت لأنس: كم تراهم بلغوا؟ قال: أحدا وسبعين رجلا، وأنا أشكّ في اثنين وسبعين.

وروى ابن أبي شيبة وابن منيع بسند صحيح عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: أولم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على زينب فأشبع المسلمين خبزا ولحما حتى امتد وخرج الناس وبقي رهط يتحدثون في البيت وخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فصنع كما كان يصنع إذا تزوج فأتى أمهات المؤمنين، فسلّم عليهن وسلّمن عليه ودعا لهن ثم رجع وأنا معه. الحديث.

تنبيه

تقدم في باب وليمته- صلى الله عليه وسلّم- على نسائه عن أنس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أطعمهم خبزا ولحما، فيحتمل إن يكون هذا بعد ذاك.

السادس: في مسامات زينب عائشة بنت الصديق - رضي الله تعالى عنهما - وثناء عائشة عليها بالدين والصدق والصدقة وصلة الرحم.

روى [مسلم] عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كانت زينب بنت الصّدّيق هي التي تساميني من أزواج النبي- صلى الله عليه وسلّم- في المنزلة عند رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وما رأيت امرأة قط خيرا من زينب في الدين وأتقى لله، وأصدق حديثا وأوصل للرّحم، وأعظم صدقة [ (١) ] .

١٢/٢٠٣١٢/٢٠٣

وروى أبو بكر بن أبي خيثمة من طرق عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لم يكن أحد من نسائه- صلّى الله عليه وسلّم- يسامني في حسن المنزلة عنده غيرها يعني زينب بنت جحش.

السابع: في وصف زينب - رضي الله تعالى عنها - بطول اليد كناية عن الصدقة

كانت صناع اليدين تدبغ وتجزر، وتتصدّق به في سبيل الله تعالى- امرأة صناع بفتح الصاد المهملة، إذا كانت لها صنعة تعملها بيدها.

روى مسلم، وابن الجوزي في- الصفوة- عن عائشة والطبراني في- الأوسط- عن ميمونة زوج النبي- صلى الله عليه وسلم- وأبو يعلى بسند حسن عن أبي برزة- رضي الله تعالى عنه- قال: وكان لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- تسع نسوة فقال يوما: خير كنّ أطولكنّ يدا، فقامت كلّ واحدة تضع يدها على الجدار، فقال: لست أعني هذا أصنعكن يدين [ (٢) ] .

وروى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «أوّلكنّ لحاقا بي أطولكن يدا» قالت: فكنّ يتطاولن أيّهن أطول يدا، قالت: وكانت أطولنا يدا زينب، إنّها كانت تعمل بيدها، وتتصدّق، وفي لفظ البخاري: فكنّ إذا اجتمعنا في بيت أحدنا بعد وفاة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- نمدّ أيدينا في الجدار، نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتّى توفّيت زينب بنت جحش، وكانت المرأة امرأة قصيرة، ولم تكن بأطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنّما أراد طول اليد بالصّدقة [ (٣) ] .

الثامن - في وصفه - - صلى الله عليه وسلم - زينب بأنها أواهة وزهدها، وورعها - رضي الله تعالى عنها

روى الطبراني عن راشد بن سعد، قال: دخل علينا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- منزله ومعه عمر بن الخطاب فإذا هو بزينب تصلّي وهي تدعو في صلاتها، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «إنّها لأوّاهة» .

وروى أبو عمر عن عبد الله بن شداد أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطّاب-: «أن زينب بنت جحش أوّاهة» فقال رجل: يا رسول الله، ما الأوّاه؟ قال: الخاشع المتضرّع، (وإنّ) [ (٤) ] إبراهيم لحليم أوّاه، وروى ابن سعد عن ميمونة بنت الحارث أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال-: إنها أوّاهة قالت عائشة: لقد ذهبت حميدة فقيدة مفرع اليتامى والأرامل.

١٢/٢٠٤١٢/٢٠٤

وروى ابن الجوزي عن عبد الله بن رافع عن برزة بنت رافع قالت: لمّا جاءنا العطاء بعث عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فلمّا دخل عليها قالت: غفر الله لعمر، لغيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا؟ قالوا: هذا كله لك، قالت: سبحان الله، واستترت منه بثوب، وقالت: صبّوه وأطرحوا عليه ثوبا، ثم قالت لي: أدخلي يدك واقبضي منه قبضة، فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان من ذوي رحمها وأيتامها ففرقته حتّى ما بقي منه بقيّة تحت الثّوب فقالت لها برزة بنت رافع: غفر الله لك يا أم المؤمنين! والله، لقد كان لنا في هذا حظ، قالت: فلكم ما تحت الثّوب، فوجدنا تحته خمسة وثمانين درهما، ثم رفعت يديها إلى السّماء، وقالت: اللهم، لا يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا فماتت.

التاسع - في وفاتها - رضي الله تعالى عنها -.

روى الطبراني برجال الصحيح عن ابن المنكدر- رحمه الله تعالى قال-: «توفّيت زينب بنت جحش زوج النبي- صلى الله عليه وسلم- في خلافة عمر- رضي الله تعالى عنهما-.

وروى الطبراني برجال ثقات عن محمد بن إسحاق- رحمه الله تعالى- قال: «توفيّت زينب بنت جحش زوج النبي- صلى الله عليه وسلم- سنة عشرين انتهى وقيل: عاشت ثلاثا وخمسين، وصلّى عليها عمر بن الخطاب.

وروى الطبراني عن الشعبي- رحمه الله تعالى-! وهو لم يدرك عمر أنّه صلّى مع عمر على زينب. وكانت أول نساء النبي- صلى الله عليه وسلم- موتا وكان يعجبه أن يدخلها قبرها فأرسل إلى أزواج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من يدخلها قبرها؟ فقلن: من كان يراها في حياتها، فليدخلها قبرها قال: كانت زينب بنت جحش أوّل نساء رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لحوقا به» .

وروى البزار برجال الصحيح عن عبد الرحمن بن أبزى- رحمه الله تعالى- وابن أبي خيثمة عن القاسم بن محمد- رحمه الله تعالى- أن عمر- رضي الله تعالى عنه- كبّر على زينب بنت جحش أربعا، ثم أرسل إلى أزواج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من يدخل هذه قبرها؟ فقلن: من كان يدخل عليها في حياتها، ثم قال عمر: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم يقول-: «أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا فكن يتطاولن بأيديهنّ، وإنما كان ذلك، لأنها كانت صناعا تعين بما تصنع في سبيل الله.

تنبيه في بيان غريب ما سبق

الجدار [ ... ] . الخاشع [ ... ] . المتضرّع [ ... ]

الباب التاسع - في بعض فضائل أم المؤمنين زينب بنت خزيمة الهلالية - رضي الله تعالى عنها -

١٢/٢٠٥١٢/٢٠٥

وفيه أنواع:

الأول - في نسبها

- تقدم نسب أبيها.

الثاني - في تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - بها.

قال الزّهري: كانت قبله تحبّ عبد الله بن جحش، فقتل عنها يوم أحد، وقال قتادة بن (أمامة) [ (١) ] : كانت قبل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عند الطّفيل بن الحارث. رواهما ابن أبي خيثمة ولمّا خطبها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جعلت أمرها إليه، فتزوّجها، وأشهد، وأصدقها اثنتي عشرة أوقيّة وكساء. وروى الطبراني برجال الصحيح عن ابن إسحاق- رحمه الله تعالى- قال: تزوّج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- زينب بنت خزيمة الهلاليّة أمّ المساكين كانت قبله عند الحصين أو عند الطّفيل بن الحارث بالمدينة، وهي أوّل نسائه موتا. وقال ابن الكلبي: كانت عند الطّفيل بن الحارث، فطلّقها، فتزوّجها أخوه عبيدة، فقتل يوم بدر شهيدا، ثم حلف عليها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قبل أن يتزوج أختها لأمّها ميمونة كذا قال ابن الكلبي، في رمضان على رأس أحد ثلاثين شهرا بعد حفصة. قال ابن سعد: ماتت قبل أن يتزوّج النبي- صلى الله عليه وسلم- أم سلمة وأسكن أمّ سلمة في بيتها.

الثالث - في تكنيتها بأم المساكين.

روى الطبراني برجال ثقات عن الزّهري- رضي الله تعالى عنه قال-: تزوّج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- زينب بنت خزيمة وهي أمّ المساكين سمّيت بذلك، لكثرة إطعامها المساكين، وتوفّيت ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- حيّ. وقال محمد بن إسحاق- رحمه الله تعالى-: تزوّج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- زينب بنت خزيمة الهلاليّة. وقال ابن أبي خيثمة: كانت تسمّى أمّ المساكين في الجاهليّة، وأرادت أن تعتق جارية لها سوداء، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: ألا تفدي أخاك أو أختك من رعاية الغنم؟.

الرابع: في وفاتها - رضي الله تعالى عنها -

١٢/٢٠٦١٢/٢٠٦

قال الزّهري، وقتادة: لم تلبث عند رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إلّا يسيرا وتوفّيت بالمدينة، والنبي- صلى الله عليه وسلم- حي، وقد مكثت عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثمانية أشهر، وقيل: شهرين وقيل: ثلاثة.

والصّحيح إنها ماتت في ربيع الأوّل، وقيل: الآخر سنة أربع، ودفنت بالبقيع- رضي الله تعالى عنها- وقد بلغت ثلاثين سنة أو نحوها. وأورد ابن مندة في ترجمتها حديثا «أوّلكنّ لحاقا بي أطولكن يدا» ، وتعقبوه بأن المراد بذلك زينب بنت جحش، لأنه المراد. بلحوقهن به موتهن بعده، وهذه ماتت في حياته.

الباب العاشر - في بعض فضائل أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث - رضي الله تعالى عنها -

١٢/٢٠٧١٢/٢٠٧

وفيه أنواع:

الأول - في اسمها ونسبها.

كان اسمها برة، فسمّاها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ميمونة، وهي خالة ابن عباس- رضي الله تعالى عنهم- وروى ابن أبي خيثمة بسند صحيح عن مجاهد- رحمه الله تعالى قال-: كان اسم ميمونة برة، فسمّاها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ميمونة. وتقدم نسب أبيها، وأمّها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث حماطة بن جرش وأخواتها: أم الفضل لبابة الكبرى زوج العباس- رضي الله تعالى عنهم-، ولبابة الصّغرى زوج الوليد بن المغيرة المخزوميّ أم خالد بن الوليد، وعصمة بنت الحارث وكانت تحت أبي بن خلف، فولدت له أبا أبيّ، وعزة بنت الحارث كانت تحت زياد بن عبد الله بن مالك الهلاليّ، فهؤلاء إخوتها لأبيها وأمّها، وإخوتها (لأمّها) [ (١) ] أسماء بنت عميس كانت تحت جعفر- رضي الله تعالى عنهما- فولدت له عبد الله، ومحمّدا وعوفا ثمّ مات، فخلق عليها أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- فولدت له محمدا ثم مات فخلف عليها علي بن أبي طالب، فولدت له يحيى رضي الله تعالى عنه، وسلمة بنت عميس كانت تحت حمزة بن عبد المطلّب، فولدت له أمة الله بنت حمزة، ثم خلف عليها شدّاد بن أسامة بن الهاد الليثي، فولدت له عبد الله، وعبد الرحمن، وسلافة بنت عميس كانت تحت عبد الله بن كعب بن منبه الخثعمي، وكان يقال: أكرم عجوز في الأرض (أمّها) [ (٢) ] هند بنت عوف أصهار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر الصّديق، وحمزة، والعبّاس ابنا عبد المطلب وجعفر وعلي ابنا أبي طالب، وشدّاد بن الهاد.

الثاني: في تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - بها.

روى ابن أبي خيثمة عن الزهري- رحمه الله تعالى- قال: كانت ميمونة قبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تحت أبي رهم بضم الراء، وسكون الهاء، ابن عبد العزّى القرشيّ القامرّيّ من بني مالك بن حنبل، فوهبت نفسها للنبي- صلى الله عليه وسلم- وقيل: كانت عند غيره.

وروى أيضا عن قتادة قال: تزوج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين اعتمر بمكّة ميمونة بنت الحارث وهبت نفسها للنبي- صلى الله عليه وسلّم- وفيها نزلت وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب ٥٠] ، ثم سافرت معه إلى المدينة، وكانت قبله عند فروة بن عبد العزى بن أسد بن غنم بن دودان.

١٢/٢٠٨١٢/٢٠٨

وروى أيضا عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال: لمّا فرغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من خيبر، توجّه إلى مكّة معتمرا سنة سبع وقدم عليه جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فخطب عليه ميمونة بنت الحارث الهلالية، وكانت أختها لأمّها أسماء بنت عميس عند جعفر، فأجابت جعفرا إلى تزويج رسول الله- صلى الله عليه وسلم وجعل أمرها إلى العباس بن عبد المطلّب فأنكحها العبّاس النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو محرم في عمرة القضية سنة ثمان فلمّا رجع بنى بها بسرف، وكانت قبله عند أبي رهم بن عبد العزى بن عامر بن لؤي، ويقال: عند سخبرة بن أبي رهم.

وروى الإمام أحمد، والنسائي عن ابن عباس- (رضي الله تعالى عنه) - أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خطب ميمونة بنت الحارث فجعلت أمرها إلى العبّاس، فزوّجها النبي- صلى الله عليه وسلم-.

وروى ابن أبي خيثمة عنه قال: بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لحية بن جزء ورجلين آخرين يخطبها وهو بمكّة، فردّت أمرها إلى أختها أمّ الفضل فردّت أمّ الفضل أمرها إلى العبّاس، فأنكحها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.

وروي أيضا عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تزوج ميمونة بنت الحارث في عمرة القضاء وأقام بمكّة، وأقام ثلاثا فأتاه حويطب بن عبد العزّى وأسلم بعد ذلك في نفر من قريش في اليوم الثالث، فقالوا له: انقضى أجلك، فاخرج عنّا، فقال: وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهر كم فصنعت لكم طعاما فحضرتموه، فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا، فخرج [ ... ] ميمونة بنت الحارث حتى أعرس بها بسرف.

وروى [ ... ] عن ابن عقبة عن ابن شهاب- رحمه الله تعالى- قال: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في العام القابل إلى المدينة معتمرا في ذي القعدة سنة سبع وهو الشّهر الذي صدّه فيه المشركون عن المسجد الحرام حتى إذا بلغ يأجج بعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث بن حزن العامريّة، فخطبها عليه، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلّب. وكانت [ ... ] .

وروى ابن أبي خيثمة عن ميمونة- رضي الله تعالى عنها- قالت: تزوّجني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ونحن حلالان بسرف.

وروى الطبراني برجال ثقات عن الزهري- رحمه الله تعالى- أن ميمونة بنت الحارث هي التي وهبت نفسها.

وروى السّنّة عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تزوج ميمونة وهو محرم، وفي رواية عند البخاري: تزوّج ميمونة في عمرة القضاء.

١٢/٢٠٩١٢/٢٠٩

وروى الإمام أحمد عنه قال: تزوّج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ميمونة وهو محرم.

وروى الترمذي وحسنه عن أبي رافع- رضي الله تعالى عنه- قال: تزوّج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ميمونة وهو حلال وأنا كنت الرسول بينهما.

وروى مسلم عن ميمونة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تزوّجها بالمدينة، وهو حلّال.

وروى ابن أبي خيثمة عن أبي عبيدة معمر بن المثنى- رحمه الله تعالى- قال: تزوّج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ميمونة سنة خمس، قال ابن سعد: هي آخر امرأة تزوّجها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعني ممّن دخل بها.

الثالث: في وفاتها.

ماتت- رضي الله تعالى عنها- بسرف موضع- بنى بها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ودفنت في موضع بيتها الّتي ضرب لها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حين البناء بها وذلك سنة إحدى وستين.

وروى الطبراني في- الأوسط- برجال الصحيح عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تزوّج ميمونة بسرف وبنى بها بسرف، وماتت بسرف.