أمر سقيفة بنى ساعدة
ثم دخلت سنة إحدى عشر (حديث السقيفة)
١ - حدثني عليّ بن مسلم، قال: حدَّثنا عَبَّاد بن عبَّاد، قال: حدَّثنا عباد بن راشد، قال: حُدِّثنا عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عبَّاس، قال: كنت أقْرئ القرآن، قال: فحجَّ عمر وحججنا معه، قال: فإني لَفِي منزلٍ بمنىً إذ جاءني عبدُ الرحمن بن عوف، فقال: شهدتُ أمير المؤمنين اليوم، وقام إليه رجلٌ فقال: إني سمعت فلانًا يقول: لو قد مات أمير المؤمنين لقد بايعتُ فلانًا. قال: فقال أمير المؤمنين: إني لقائم العشيَّةَ في الناس فمحَذِّرُهم هؤلاء الرّهط الذي يريدون أن يغصِبوا الناس أمرَهم. قال: قلتُ: يجمع رِعاع الناس وغوغاءَهم؛ وإنهم الذين يغلبون على مجلِسك، وإني لخائف إن قلت اليوم مقالة ألَّا يَعُوها ولا يحفظوها، ولا يضعوها على مواضعها، وأن يطيروا بها كلَّ مطيرٍ؛ ولكن أمهل حتى تقدم المدينة، تقدم دار الهجرة والسنَّة، وتخلُص بأصحاب رسولِ الله من المهاجرين والأنصار، فتقول ما قلت متمكّنًا، فيعُوا مقالتَك، ويضعوها على مواضعها. فقال: والله لأقومنَّ بها في أوَّل مقام أقومُه بالمدينة! . قال: فلمَّا قدِمْنا المدينة، وجاء يوم الجمعة هَجَّرت للحديث الذي حدثنيه عبد الرحمن؛ فوجدت سعيد بن زيد قد سبَقني بالتَّهجير، فجلست إلى جنبه عند المنبر، ركبتي إلى ركبته؛ فلمَّا زالت الشمس لم يلبث عمر أن خرَج، فقلت لسعيد وهو مقبل: ليقولنَّ أميرُ المؤمنين اليومَ على هذا المنْبر مقالةً لم تُقلْ قبلَه. فغضب وقال: فأيَّ مقالة يقول لم تُقَل قبله؟ ! فلمَّا جلس عمر على المنبر أذَّن المؤذن، فلمَّا قضى المؤذن أذانه قام عمر، فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: أمَّا بعد، فإنّي أريد أن أقول مقالة قد قُدّر أن أقولها، مَنْ وعاها، وعَقَلها، وحفظها؛ فليحدّث بها حيث تنتهي به راحلته، ومَنْ لم يعِها فإني لا أحلُّ لأحد أن يكذِبَ عليّ: إن الله عزَّ وجلَّ بعثَ محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب؛ وكان فيما أنزل عليه آية الرَّجْمِ، فرجم رسولُ الله ورجمنا بعده، وإني قد خشيتُ أن يطولَ بالناس زمان، فيقول قائل: والله الله، فيَضلوا بتَرْكِ فريضة أنزلها الله، وقد كنا نقول: لا تَرْغبوا عن آبائكم؛ فإنه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم. ثم إنه بلَغني أن قائلًا منكم يقول: لو قد مات أمير المؤمنين بايعت فلانًا! فلا يَغُرَّن امرأً أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فَلْتَة؛ فقد كان كذلك؛ غيرَ أن الله وَقى شرَّها؛ وليس منكم من تُقطعُ إليه الأعناق مثل أبي بكر! وإنه كان من خَبَرِنا حين توفّى الله نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أن عليًّا والزُّبير ومَنْ معهما تخلَّفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلَّفت عنا الأنصار بأسْرِها، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمُّهم؛ فلقيَنا رجلان صالحان قد شهدا ًا، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننَا هؤلاء من الأنصار. قالا: فارجعوا فاقضوا أمرَكم بينكم. فقلنا: والله لنأتينَّهم! قال: فأتيناهم وهم مجتمعون في سَقيفة بني ساعدة. قال: وإذا بين أظهرهم رجلٌ مزمَّلٌ، قال: قلتُ: مَنْ هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما شأنه؟ قالوا: وَجِعٌ، فقام رجلٌ منهم، فحمِد الله، وقال: أمَّا بعد، فنحنُ الأنصار وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشرَ قريش رهطُ نَبيّنا؛ وقد دفّت إلينا من قومكم دَافّةٌ. قال: فلما رأيتهم يريدون أن يختزِلُونا من أصلِنا، ويغصِبونا الأمر. وقد كنت زوَّرت في نفسي مقالةً أقدمها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أداري منه بعض الحدّ، وكان هو أوقرَ منّي وأحلم؛ فلمَّا أردت أن أتكلم، قال: على رِسْلِكَ! فكرهت أن أعصيَه؛ فقام فحمد الله وأثنى عليه، فما ترك شيئًا كنتُ زوّرت في نفسي أن أتكلَّم به لو تكلمت؛ إلا قد جاء به أو بأحسنَ منه. وقال: أما بعدُ يا معشرَ الأنصار! فإنكم لا تذكُرون منكم فضلًا إلَّا وأنتم له أهلٌ؛ وإنَّ العربَ لا تعرف هذا الأمرَ إلَّا لهذا الحيّ من قريش؛ وهم أوسط [العرب] دارًا ونسبًا، ولكن قد فبايعوا أيَّهما شئتم. فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح. وإنّي والله ما كرهتُ من كلامه شيئًا غيرَ هذه الكلمة؛ إن كنت لأقَدَّم؛ فتُضْرَب عنقي فيما لا يقرّبني إلى إثم أحبُّ إليَّ من أن أؤمَّر على قوم فيهم أبو بكر. فلمَّا قضى أبو بكر كلامَه، قام منهم رجلٌ، فقال: أنَا جُذيلُها المُحَكّك، وعُذَيقُها المُرَجَّب؛ منَا أمير ومنكم أمير؛ يا معشر قريش! قال: فارتفعت الأصوات، وكثر اللَّغَط، فلمَّا أشفقت الاختلاف، قلت لأبي بكر: ابسُط يدك أبايعْك، فبسط يده فبايعتُه وبايعه المهاجرون، وبايعه الأنصار. ثم نزونا على سعد، حتى قال قائلهم: قتلتُم سعد بن عبادة! فقلت: قتل الله سعدًا! وإنا والله ما وجدنا أمرًا هو أقوى من مبايعة أبي بكر؛ خشينا إنْ فارقنا القوم ولم تكن بيعةٌ أن يحدِثوا بعدنا بيعة، فإما أن نتابعهم على ما لا نرضَى، أو نخالفهم فيكون فساد ١ . (٣: ٢٠٣/ ٢٠٤ / ٢٠٥/ ٢٠٦) .
- ١حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الحدود / ح ٦٨٣٠) عن ابن عباس رضي الله عنه (قال: كنت: أقرئ رجالًا من المهاجرين ... الحديث) وفيه: (فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتةً وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرَّها، وليس فيكم من تُقطعُ الأعناقُ إليه مثلُ أبي بكرٍ، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايعُ هو ولا الذي بايعه تغرَّةً أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه - صلى الله عليه وسلم -، أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان فذكروا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينَّهم فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مُزَمَّلٌ بين ظهرانيهم. فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة. فقلت: ماله؟ قالوا: يُوعَك. فلما جلسنا قليلًا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله. ثم قال: أما بعدُ فنحنُ أنصارُ الله. وكتيبة الإسلام وأنتم -معشر المهاجرين- رهط، وقد دفَّتِ دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يغصبونا من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم -وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر- وكنت أداري منه بعض الحد. فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك. فكرهت أن أُغضِبَهُ، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر. والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت. فقال: ما ذكرتم من خير فيكم فأنتم له أهل، ولن يُعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا. وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيّهما شئتم - فأخذ بيدي ويد = = أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا - فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدّم فتضرب عنقي لا يقرِّبني ذلك من إثم أحبَّ إليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلَّا أن تُسَوّلَ إليّ نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن. فقال قائلٌ من الأنصار: أنا جُذيلها المحكّك، وعُذيقُها المرجَّب، منا أميرٌ ومنكم أميرٌ يا معشر قريش! فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فَرقِتُ من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار. ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة. فقلت: قتل الله سعد بن عبادة. قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حَضَرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعةٌ أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكونُ فسادًا، فمن بايع رجلًا على غير مثورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرةً أن يقتلا). والحديث أخرجه بطوله عبد الرزاق في مصنفه (ج / ٥ / ح ٩٧٥٨) وأخرجه البخاري مختصرًا (كتاب الفضائل ح ١٦٦٨) وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٥٥) وابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٦٨) عن عائشة رضي الله عنها.
٢ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهريّ، عن ، قال: إن أحدَ الرجُلين اللذين لقوا من الأنصار حين ذهبوا إلى السقيفة عُوَيم بن ساعدة، والآخر معْنُ بن عديّ؛ أخو بني العجلان، فأمَّا عُويم بن ساعدة فهو الذي بلَعنا: أنه قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مَن الذين قال الله لهم: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهّرِينَ﴾ ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم المرء منهم عُويم بن ساعدة! " وأما معن فبلَغنا: أن الناس بكَوْا علَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين توفَّاه الله، وقالوا: والله لوددنا أنا متنا قبلَه؛ إنا نخشى أن نفتتن بعده. فقال معن بن عديّ: والله ما أحبُّ أني متُّ قبله حتى أصدِّقه ميتًا كما صدَّقته حيًّا. قتل مَعْنٌ يوم اليمامة شهيدًا في خلافة أبي بكر يوم مُسَيلمة الكذَّاب ١ . (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧) .
- ١إسناده ضعيف ولكن أخرج أحمد، أصل الرواية: ثنا إسحاق بن عيسى الطباع ثنا مالك بن أنس ثنا ابن شهاب عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود أن ابن عباس أخبره ... الأثر الطويل في قصة سقيفة بني ساعدة ثم في آخره قال مالك: فأخبرني ابن شهاب عن عروة أن الرجلين الذين لقياهما: عويم بن ساعدة ومعن بن عدي.
٣ - حدَّثنا عبيد الله بن سعد، قال: أخبرني عمّي، قال: أخبرني سيف عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: كان عليٌّ في بيته إذْ أتِيَ فقيل له: قد جلس أبو بكر للبيْعة، فخرج في قميص ما عليه إزارٌ ولارداءٌ، عجلًا، كراهيَةَ أن يُبْطئ عنها، حتى بايعه. ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه فتجلله، ولزم مجلسه ١ . (٣/ ٢٠٧) .
- ١إسناده ضعيف، ولكن أصل المتن (أي بيعة علي لأبي بكر) صحيح دون ذكر لهذه الصفة التي جاء بها علي رضي الله عنه وأرضاه.
٤ - حدَّثنا أبو صالح الضَّراريّ، قال: حدَّثنا عبد الرزاق بن همَّام، عن معمَر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: أن فاطمةَ والعباس أتيا أبا بكر يطلُبان صلى الله عليه وسلم -، فَدَك، وسهمَه من ، فقال لهما أبو بكر: أما إنّي سمعتُ رسولَ الله يقول: في هذا المال. وإني رسول الله يصنعه إلَّا صنعته. قال: فهجرتْه فاطمة فلم تكلّمْه في ذلك حتى ماتت، فدفنها عليٌّ ليلًا، ولم يؤذِن بها أبا بكر. وكان لعليّ وَجْهٌ من الناس حياةَ فاطمة، فلما توفِّيتْ فاطمة انصرفتْ وجوه الناس عن عليّ؛ فمكثتْ فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم توفيت. قال معمر: فقال رجلٌ للزهريّ: أفلم يبايعه عليٌّ ستة أشهر! قال: لا؛ ولا أحدٌ من بني هاشم؛ حتى بايعه عليّ. فلما رأى عليٌّ انصرافَ وجوه الناس عنه ضَرع إلى مصالحة أبي بكر، فأرسل إلى أبي بكر: أن ائتنا ولا يأتِنا معك أحدٌ، وكره أن يأتيَه عمر لما علم من شدَّة عمر، فقال عمر: لا تأتهم وحدَك، قال أبو بكر: والله لآتينّهم وحدِي، وما عسى أن يصنعوا بي! قال: فانطلق أبو بكر، فدخل على عليّ، وقد جَمَعَ بني هاشم عنده، فقام عليٌّ هو أهله، ثم قال: أمَّا بعد، فإنه لم يمنعنا من أنْ نبايعك يا أبا بكر إنكارٌ لفضيلتك، ولا نَفَاسَةٌ عليك بخيرٍ ساقه الله إليك، ولكنا كنَّا نرى: أن لنا في هذا الأمر حقًّا، فاستبددتم به علينا. ثم ذكر قرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحقَّهم. فلم يزل عليٌّ يقول ذلك حتى بَكى أبو بكر.
فلما صمت عليٌّ تشهَّد أبو بكر، هو أهله، ثم قال: أما بعدُ؛ فوالله أن أصلَ من قرابتي؛ وإني والله ما ألوتُ في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم غيرَ الخير؛ ولكنّي سمعت رسول الله يقول: "لا نورَث؛ ما تركنا فهو في هذا المال" ؛ وإني أعوذ بالله لا أذكر أمرًا صنعه محمد رسول الله إلَّا صنعتُه فيه إن شاء الله. ثم قال عليٌّ: موعدك العشيَّة للبَيعة، فلمَّا صلى أبو بكر الظُّهْرَ أقبلَ على النَّاس، ثم عذر عليًّا ببعض ما اعتذر، حق أبي بكر، وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه. قالت: فأقبل الناس إلى عليّ فقالوا: أصبت وأحسنت، قالت: فكان الناس قريبًا إلى عليّ حين قاربَ الحق والمعروف ١ . (٣: ٢٠٧/ ٢٠٨ / ٢٠٩) .
- ١حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (باب قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا نورث ما تركنا صدقة) من طريق هشام عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة وأخرجه البخاري في صحيحه (المغازي ٥/ ٨١ - باب غزوة خيبر) ومسلم في الجهاد والسير (باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نورث ما تركنا صدقة / ح ١٧٥٩) وكذلك رواه البخاري في مواضع أخرى عن عائشة رضي الله عنها مع اختلاف في الألفاظ وقد استشهد بها ابن كثير ثم قال عقبها: فهذه البيعة التي وقعت من علي بيعة مؤكدة للصلح الذي وقع بينهما وهي ثانية للبيعة التي ذكرناها أولًا يوم السقيفة كما رواه ابن خزيمة وصححه مسلم بن الحجاج ولم يكن علي مجانبًا لأبي بكر هذه الستة الأشهر بل كان يصلي وراءه ويحضره عنده للمشورة. (البداية والنهاية ٥/ ٢٥٠).
٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن ، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: والله إني لأمشي مع عمر في خلافته؛ وهو عامد إلى حاجة له، وفي يده الدِّرَّة، وما معه غيري. قال: وهو يحدِّث نفسه، ويضرب وَحْشيَّ قدمه ّته، قال: إذ التفت إليّ فقال: يا بنَ عباس! هلْ تدري ما حملني على مقالتي هذه التي قلت حين توفَّى الله رسوله؟ قال: قلت: لا أدري يا أميرَ المؤمنين أنت أعلم، قال: والله إنْ حَمَلني على ذلك إلَّا أنّي كنتُ أقرأ هذه الآية: ﴿ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾ ؛ فوالله إنّي كنت لأظن: أن رسولَ الله سيبقى في أمّته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها؛ فإنه للّذي حملني على أن قلتُ ما قلت ١ . (٣: ٢١٠) .
- ١إسناده ضعيف وهو حديث صحيح أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق [حدثني الزهري حدثني أنس بن مالك] (السيرة النبوية ٢/ ٣٧٢) وصحح ابن كثير إسناده، وكذلك أخرجه الذهبي عن أنس وفي آخره، وكانت طائفة منهم بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكانت = = البيعة على المنبر بيعة العامة. وقال الذهبي: صحيح غريب (تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين / ١٢). وأخرج البخاري نحوه عن أنس بن مالك أنه سمع خطبة عمر الأخيرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر صامت لا يتكلم. قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يدبرنا -يريد ذلك أن يكون آخرهم- فإن يك محمد قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به هدي الله محمدًا وأن أبا بكر صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثاني اثنين وأنه أولى المسلمين بأموركم، فقدموا فبايعوه وكانت طائفة قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكانت بيعة العامة على المنبر) اهـ. ولقد أخرج الذهبي الروايات الصحيحة في مبايعة علي لأبي بكر رضي الله عنهما والتي أخرجها الأئمة الآخرون فقد ذكرها الحافظ ابن كثير رحمه الله: وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الحافظ الإسفراييني حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وابن إبراهيم بن أبي طالب قالا: حدثنا ميدار بن يسار، وحدثنا أبو هشام المخزومي حدثنا وهيب حدثنا داود بن أبي هند حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين. ونحن كنا أنصار رسول الله ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره. قال: فقام عمر بن الخطاب، فقال: صدق قائلكم أما لو قلتم على غير هذا لم نبايعكم، وأخذ بيد أبي بكر. وقال: هذا صاحبكم فبايعوه فبايعه عمر وبايعه المهاجرون والأنصار. قال: فصعد أبو بكر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير. قال: فدعا بالزبير فجاء فقال: قلت: ابن عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام فبايعه. ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فدعا بعلي بن أبي طالب. فجاء فقال: قلت: ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وختنه على ابنته أن تشق عصا المسلمين. قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعه. هذا أو معناه، وقال أبو علي الحافظ: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأته عليه، وهذا حديث يسوي بدنة بل يسوي بدرة. وقد رواه البيهقي عن الحاكم وأبي محمد بن حامد المقري كلاهما عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم عن جعفر بن محمد بن شاكر عن عفان بن مسلم عن وهيب به ولكن ذكر: أن الصديق هو القائل لخطيب الأنصار بدل عمر. وفيه: أن زيد بن ثابت أخذ بيد أبي بكر فقال: هذا صاحبكم فبايعوه ثم انطلقوا فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم يرَ عليًّا فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فأتوا به فذكر نحو ما تقدم ثم ذكر قصة الزبير بعد علي فالله أعلم- وقد رواه علي بن عاصم عن الجريدي عن = = أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكر نحو ما تقدم وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري وفيه فائدة جليلة وهي مبايعة علي بن أبي طالب إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة. وهذا حق فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه كما سنذكره وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهرًا سيفه يريد قتال أهل الردة كما سنبيّنه قريبًا. [قلنا: (المحققان)]: ونود أن نذكر هنا الحديث الذي أشار إليه ابن كثير. قال ابن كثير: (أخرج الدارقطني من حديث عبد الوهاب بن موسى الزهري عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر قال: لما برز أبو بكر واستوى على راحلته (لقتال المرتدين بنفسه) أخذ علي بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله. أقول لك ما قال لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد: شِمْ سيفك؟ ولا تفجعنا بنفسك وارجع إلى المدينة فوالله لئن فجعنا بك، لا يكون للإسلام نظام أبدًا). ثم قال ابن كثير: هذا حديث غريب من طريق مالك، وقد رواه زكريا الساجي من حديث عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف [و] الزهري أيضًا عن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: خرج أبي شاهرًا سيفه راكبًا على راحلته إلى وادي الفصة فجاء علي بن أبي طالب فأخذ بزمام راحلته فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ ! أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد: لم سيفك ولا تفجعنا بنفسك، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدًا، فرجع وأمضى السيف (البداية والنهاية ٦/ ٣١٩) وانظر (كنز العمال ٣/ ١٤٣). ولكن ما حصل من فاطمة رضي الله عنها عتب على الصديق بسبب ما كانت متوهمة من أنها تستحق ميراث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم تعلم بما أخبرها به الصديق رضي الله عنه. أنه قال: (لا نورث ما تركناه فهو صدقة) فحجبها وغيرها من أزواجه وعمه عن الميراث بهذا النص الصريح كما سنبين ذلك في موضعه، فسألته أن ينظر علي في صدقة الأرض التي بخيبر وفدك فلم يجبها إلى ذلك. لأنه رأى أن حقًّا عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهو الصادق البار الراشد التابع للحق رضي الله عنه فحصل لها وهي امرأة ليست براجية العصمة عتب وتغضب ولم تكلم الصديق حتى ماتت واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها - صلى الله عليه وسلم - رأى علي أن يجدد البيعة مع أبي بكر رضي الله عنه كما سنذكر في الصحيحين وغيرهما فيما بعد إن شاء الله تعالى مما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في مغازيه: عن سعد بن إبراهيم حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر وإن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال: ما كنت حريصًا على الإمارة = = والخاصة، وفي ذلك دليل على أصالة السياسة الشرعية وأصولها في أفهام الصحابة، لإحداثها وابتداعها كما يدعي المستشرقون وغيرهم. ومن رجع إلى الروايات الصحيحة التي ذكرنا في قسم الصحيح يتبيّن له زيف هذه الافتراءات، والحمد لله أولًا وآخرًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(مسك الختام فيما دار بين الصحابة في سقيفة بني ساعدة ورد شبهات المستشرقين وأهل البدع حول ذلك)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- *= يومًا ولا ليلة، ولا سألتها في سر ولا علانية فقبل المهاجرون مقالته، وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخيره ولقد أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي بالناس وهو حي ... إسناده جيد ولله الحمد والمنة (البداية والنهاية ٥/ ١١٨ - ١١٩). قلنا: وهذا كلام نفيس وقيّم يردّ فيه الحافظ ابن كثير على تخرّصات المبتدعة الذي يجهلون الأدلة الصحيحة في بيعة علي والزبير لأبي بكر الصديق رضي الله عنهم جميعًا؛ إلا أنا نعقب على عبارة صغيرة للحافظ ابن كثير رحمه الله إذ قال آنفًا: (ولم تكلم الصديق حتى ماتت). فنقول: هذه العبارة فيها نظر وقد أبان الحافظ ابن كثير بنفسه وهن هذه العبارة في البداية والنهاية وفي الجزء نفسه؛ إذ قال رحمه الله: قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن عبد الوهاب حدثنا عبدان بن عثمان العتكي بنيسابور أنبأنا أبو حمزة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها، فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك. فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم. فأذنت له فدخل عليها يترضاها فقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلَّا ابتغاء مرضاة الله، ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت. ثم ترضاها حتى رضيت. وهذا إسناد جيد قوي. والظاهر أن عامرًا الشعبي سمعه من عليّ أو ممن سمعه من علي، وقد اعترف علماء أهل البيت بصحة ما حكم به أبو بكر في ذلك. قال الحافظ البيهقي: أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله الصفار ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا نصر بن علي ثنا ابن داود عن فضيل بن مرزوق، قال: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: أما لو كنت مكان أبي بكر لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك. (البداية والنهاية ٥/ ٢٥٣). (مسك الختام فيما دار بين الصحابة في سقيفة بني ساعدة ورد شبهات المستشرقين وأهل البدع حول ذلك): لقد ذكرنا طرفًا من الروايات الصحيحة الواردة في سقيفة بني ساعدة وما دار فيها من حوار بين الصحابة لاختيار خليفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الإمام الأعظم الذي يدير شؤون الدولة الإسلامية (دولة الخلافة الراشدة)، وسنذكر هنا بإذن الله ما فاتنا في تحقيق روايات الطبري في هذا الموضوع فنقول وبالله التوقيق: إن الإمام الطبري حين كتب تأريخه هذا لم يصحح الروايات التي أخرجها ولم يضعفها (إلا نادرًا)، وإنّما جمع ما يسَّر الله له أن يجمع سواء من طرق واهية ضعيفة أو من طرق صحيحة، وكان رحمه الله مطمئنًا إلى وجود حشد هائل من أئمة الجرح والتعديل وجهابذة الحديث ممن =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- *= ينخلون الروايات نخلًا ليميزوا الصحيح منها عن الضعيف حسب القواعد الحديثية التي كانت قد وضحت وبانت للعلماء - وهو الذي يقول في مقدمة تاريخه: (فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما ينكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا). تأريخ الطبري (١/ ٨) أي: أن الطبري رحمه الله قد برّأ عهدته من الروايات الضعيفة والموضوعة ولم يعط مبررًا للذين يتشدقون بأنهم يستقون التأريخ مما ورد في أمهات الكتب ككتاب الطبري هذا، فالرواة التالفون الهالكون مكشوفون لأئمة الجرح والتعديل وما لفقوه من أكاذيب في الطعن في الصحابة والنيل منهم قد بان زيغه وبطلانه، وجزى الله عنّا أئمة الحديث خير الجزاء. وأما بالنسبة لروايات حديث سقيفة بني ساعدة فالصحيحة منها مشهورة وكثيرة، ولنا فيها مندوحة عن غيرها من الروايات السقيمة ومنها: ١ - ما أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه (كتاب الأحكام ٧/ ٢٦) وكتاب فضائل الصحابة (٤/ ١٩٣) و (٨/ ٢٦). ٢ - وأخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ١٣٣) و (١/ ١٩٣) طبعة شاكر. و (٣٣/ ٦٠) الفتح الرباني. وأخرجه النسائي في (فضائل الصحابة / ٥) وصحح البوصيري إسناده (مصباح الزجاجة ١/ ١٤٦). ٣ - وأخرجه الطبري كما مرّ بنا عن ابن عباس (٣/ ٢٠٣) كسياق البخاري في صحيحه. وتفيدنا هذه الروايات الصحيحة ما يلي: ١) - حرص الصحابة على نصب الإمام الأعظم للمسلمين، وذلك واضح من خلال انشغالهم بتعيين الخليفة وتأخيرهم دفن حبيبهم وقرة عينهم - صلى الله عليه وسلم - من أجل ذلك الأمر العظيم. ٢) - حرص الصحابة الشديد على تولية الأولى الأجدر والأفضل بالخلافة، وذلك واضح من قول سيدنا عمر رضي الله عنه: (وليس منكم من تُقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر). ٣) - تولية الإمام الأعظم (الخليفة) كان بمشورة الصحابة أجمعين ولم يكن تولية إجبار وإكراه؛ فإن المهاجرين والأنصار دخلوا في حوار ونقاش حتى شرح الله صدورهم لكلام أبي بكر واقتنعوا به فبايعوه جميعًا ومنهم الزبير وعلي رضي الله عنهم أجمعين، وذلك واضح من قوله رضي الله عنه: (فمن بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له). وقوله: (فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة). ٤) - لم يكن نقاش الصحابة في بداية الأمر وتغاير آرائهم حرصًا منهم على المناصب والرئاسة وإنما حرصًا منهم على تولية الأفضل والأحسن، ولذلك تراهم سرعان ما انصاعوا لبيعة أبي بكر رضي الله عنه وذلك دليل على أدبهم الجم وتربيتهم الرفيعة التي تلقوها على مائدة القرآن وتحت إشراف خير خلق الله - صلى الله عليه وسلم - ولذلك قال، الإمام الجويني رحمه الله: كان =
(الرد على شبه المستشرقين وتلاميذهم المتغربين حول مسألة سقيفة بني ساعدة واجتماع المسلمين وحوارهم هناك)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- *= المسلمون لا يقدمون للإمامة أحدًا تشهِّيًا فيها. وقال أيضًا: وإنما قدموه لاعتقادهم كونه أفضل وأصلح للإمامة من غيره (لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة / ١١٦). أما الروايات المكذوبة والملفقة فقد بانت نكارتها في المتن وشدة ضعفها في السند ويكفي أنها من طريق التالف الهالك أبي مخنف الذي قال فيه ابن معين: ليس بشيء (تأريخ ابن معين ٢/ ٥٠٠) وقال ابن عدي: وهذا الذي قاله ابن معين يوافقه عليه الأئمة (الكامل ٦/ ٢١١٠) وقال ابن حبان: (رافضي يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات). (لسان الميزان ٤/ ٣٦٦). وقال أبو حاتم: أبو مخنف متروك الحديث (الجرح والتعديل ٧/ ١٨٢) وقال الذهبي: لوط بن يحيى (أبي مخنف) متروك. (الضعفاء والمتروكين / ٢٥٩) وقال أيضًا: إخباري تالف لا يوثق به (ميزان الاعتدال ٣/ ٢٩٩٢). وأبو مخنف هذا نسي نفسه في غمر تلفيقاته وكذبه على صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ يخالف حتى في ذكر أسماء من شهدوا جزءًا من وقائع السقيفة؛ فقد حشر اسم عاصم بن عدي مكان معن بن عدي. والروايات الصحيحة جميعًا ذكرت معنًا ولم تذكر عاصمًا هذا. ولقد بان حقده على صحابة رسول الله حين ذكر ألفاظًا شنيعة زورًا وبهتانًا لا نجد لها أثرًا في الروايات الصحيحة، وذكر كلامًا بذيئًا في مخاصمة الحباب وعمر الكلامية لم ترد إلَّا في رواياته التالفة المكذوبة، بل إن الروايات الصحيحة السند تؤكد غير ذلك، ومنها: أن رواية أبي مخنف ذكرت أن سعد بن عبادة رفض البيعة وترك الصلاة خلف أبي بكر! وكل ذلك مخالف لما في الروايات الصحيحة، وواضح من خلال الروايات الصحيحة أن سعدًا اقتنع قناعة تامة ببيعة أبي بكر خليفة لرسول الله فبايعه وكذلك علي والزبير رضي الله عنهم أجمعين، ووصم رسوله - صلى الله عليه وسلم - مبغضيهم بالنفاق والعياذ بالله. ٥) - الروايات الصحيحة تؤكد إجماع الصحابة بعد انتهاء الحوار في سقيفة بني ساعدة على بيعة أبي بكر رضي الله عنهم ومنهم الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه؛ فقد سبق أن ذكرنا كلام الحافظ ابن كثير في ذلك واستشهاده بما أخرجه البيهقي، ونذكر هنا أيضًا ما قاله الحافظ ابن حجر في هذه المسألة إذ قال رحمه الله: (وقد صحح ابن حبان وغيره من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن عليًّا بايع أبا بكر في أول الأمر ... وكذلك أشار ابن حجر إلى أن البيهقي قد ضعف رواية الزهري، وفيه: أن رجلًا قال له: لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة .. إلخ وذلك لأن الزهري لم يسنده). وأما الرواية الموصولة عن أبي سعيد فأصح (إرشاد الساري ٦/ ٣٧٧). (الرد على شُبَه المستشرقين وتلاميذهم المتغربين حول مسألة سقيفة بني ساعدة واجتماع المسلمين وحوارهم هناك) إن اجتماع المسلمين وحوارهم في سقيفة بني ساعدة، ثم اتفاقهم بالإجماع على أحقية =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- *= أبي بكر بالخلافة مفخرة من مفاخر التأريخ الإسلامي، إلَّا أن الذين ينظرون من خلال نظارة سوداء إلى تأريخنا الإسلامي يرون المفخرة شبهة وتهمة. وإليك ما قاله المستشرق المعروف (بروكلمان) إذ يقول: (ما كاد الرسول يلحق بالرفيق الأعلى حتى أحدقت الأخطار بالرسالة التي وقف عليها حياته، أعني: توحيد بلاد العرب دينيًّا وسياسيًا. ففي المدينة نفسها أحدث النبأ الذي لم يتوقعه أحد اضطرابًا هائلًا شغل الناس عن كل شيء حتى عن جثمان الرسول نفسه، فلم يدفن إلا في اليوم التالي في بيت عائشة. والحق أن جميع الأحقاد السياسية التي كان النبي قد كبتها بنفوذه الأدبي لم تلبث أن ذرّت قرنها، فمن ناحية كان عدد المنافقين لا يزال في المدينة كبيرًا جدًّا، ومن ناحية ثانية كان الأنصار العريقون في المدينة يتوقون إلى التحرر من سلطان الأغلبية المتمثلة في المهاجرين ليصبحوا سادة موطنهم الوحيدين كرة أخرى، ثم إن عليًّا ابن عم النبي وزوج ابنته ادّعى لنفسه الحق في خلافته كرئيس للدولة، بوصفه أقرب الناس رحمًا إليه). (تأريخ الشعوب الإسلامية / ٨٣). ولقد تأثر بهذه الافتراءات كثير من أساتذة الجامعات والكتاب والمؤرخون في بلادنا فها هو إبراهيم بيضوني يقول: (كان مؤتمر السقيفة التي دعا إليها مسلمو المدينة (الأنصار) المبادرة الأولى التي وضعت خلافة الرسول موضع التداول. فمن هناك تجاهرت الأصوات بما كان مكبوتا وتناقلت الألسن ما كان همسًا حتى ذلك الحين، ولم يكن تكتل الأنصار المبادر إلى طرح مشكلة الحكم قادرًا على أن يكون سيد الموقف وأن يمارس لعبة الذكاء المطلوبة فقد كان تجمعًا يفتقد الانسجام وإلى الزعامة، وكلتاهما من ركائز الطموح إلى السلطة ومن شروطه المبدئية، كذلك لم يكن سعد بن عبادة الخزرجي المسنّ والمريض في حجم المنصب الكبير) (ملامح التيارات السياسية في القرن الأول الهجري / ١٣). قلنا: (المحققان): سبحان الله العظيم كم هي عظيمة هذه الافتراءات وكم هي بعيدة عن الواقع التأريخي والروايات الصحيحة والمستوى التربوي الذي كان عليه صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! ! ولقد تبين لنا جليًّا من خلال تحقيقنا لروايات الطبري: أن المسألة لم تكن إثارة لأحقاد دفينة، ولا لنزاعات قبلية، ولا لأصوات مكبوتة، وإنما كان حوارًا ونقاشًا بين الصحابة لاختيار الأصلح والأفضل، وإذا كان الأمر كما يدَّعون فكيف انتهت المسألة بجلسة واحدة وبكلام يسير قال في نهايتها سعد بن عبادة لأبي بكر: صدقت. وقام الناس فبايعوا أبا بكر، وكذلك بيّنا أن الروايات التأريخية الصحيحة تؤكد: أن عليًّا بايع أبا بكر وأقرّ بالأفضلية والأولوية. ثم إن تأخر الصحابة عن دفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتأخر ذلك إلى اليوم التالي وانشغالهم باختيار الخليفة دليل على إجماع الصحابة على وجوب نصب خليفة للمسلمين يسوس أمورهم العامة =
(بقية الخبر عن أمر الكذاب العنسي)
٥ / أ- كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - جَمَع -فيما بلغنا- لباذام حين أسلم وأسلمت اليمن عمل اليمن كلَّها، وأمَّرَه على جميع مخالفيها، فلم يزل عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيام حياته، فلم يعزِله عنها ولا عن شيء منها، ولا أشرك معه فيها شريكًا حتى مات باذام، فلمّا مات فرّق عملها بين جماعة من أصحابه ١ . (٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨) .
- ١قلنا: ذكر أئمة المغازي والسير قصة الأسود العنسي عند حديثهم عن السيرة النبوية المشرفة. وأما الطبري فقد أشار إلى الأسود العنسي إشارة عرضية خلال حديثه عن السيرة النبوية، ولهذا قال هنا بعد انتهائه من روايات سقيفة بني ساعدة وبيعة الصحابة لسيدنا أبي بكر رضي الله عنه قال: بقية الخبر عن أمر الكذاب العنسي، وسنحاول إن شاء الله جمع هذه الروايات والحديث عنها متسلسلة حتى يتكون للقارئ الكريم فكرة متكاملة عن قصة الأسود العنسي في تأريخ الطبري فنقول وبالله النوفيق: قال الطبري رحمه الله تعالى (٣/ ١٤٦): وقد قيل: إن دعوى مسيلمة الكذاب ومن ادَّعى النبوة من الكذابين في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كانت بعد انصراف النبي من حجّه المسمى حجة الوداع، ومرضته التي مرضها التي كانت منها وفاته - صلى الله عليه وسلم -. ثم أخرج الطبري بسنده فقال: (٣/ ١٤٧) حدثنا عبيد الله بن سعيد الزهري قال: حدثني عمّي يعقوب بن إبراهيم: حدثني سيف بن عمر وكتب بذلك إليّ السريّ يقول: حدثنا شعيب بن إبراهيم التميمي عن سيف بن عمر التميمي الأسيدي، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجذع الأنصاري عن عبيد الله مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أبي مويهبة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة بعدما قضى حجة التمام فتحلل به السير، وطارت به الأخبار لتحلل السير بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قد اشتكى، فوثب الأسود باليمن ومسيلمة باليمامة، وجاء الخبر عنهما للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثم وثب طليحة في بلاد بني أسد بعدما أفاق النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم اشتكى في المحرم وجعه الذي توفاه الله فيه. ثم أخرج الطبري بسندين ضعيفين: الأول (٣/ ١٤٧) تحت عنوان (كتاب مسيلمة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والجواب عنه) وفيه: فوثب الأسود باليمن، ومسيلمة باليمامة. = = وفي الرواية الثانية (٣/ ١٤٧) تحت عنوان (خروج الأمراء والعمال على الصدقات) وفيه: فبعث أمراءه وعماله على الصدقات على كل ما أوطأ الإسلام من البلدان، فبعث المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء، فخرج عليه العنسي وهو بها ... الحديث. ثم قال الطبري بعد ثمانين صفحة -أي بعد انتهائه من ذكر الروايات في وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبيعة الصحابة لأبي بكر رضي الله عنه بالخلافة - قال (٣/ ٢٢٧): بقية الخبر عن أمر الكذاب العنسي. ثم قال الطبري: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع فيما بلغنا لباذام حين أسلم وأسلمت اليمن عمل اليمن كلّها، وأمّره على جميع مخالفيها، فلم يزل عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيام حياته، فلم يعزله عنها ولا عن شيء منها، ولا أشرك معه فيها شريكًا حتى مات باذام. فلما مات فرّق عملها بين جماعة من أصحابه. اهـ. ثم سرد الطبري روايات مفصلة عن الأسود العنسي وارتداده وقاله عمال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أجزاء اليمن يوم ذاك، وكيف دانت له معظم اليمن في حينه وكيف استطاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالتعاون مع معاذ بن جبل وثلاثة من أمراء اليمن أن يقتلوا العنسي ويفرّقوا جنده، وأن خبر انتصار المسلمين في اليمن قد وصل إلى المدينة في عهد سيدنا أبي بكر بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك في أواخر شهر ربيع الأول. ومدار هذه الروايات على سيف بن عمر التميمي، ومعلوم أن أئمة الجرح والتعديل اتفقوا على ضعفه في الحديث أو في التاريخ فقد قال عنه ابن حجر: ضعيف في الحديث عمدة في التأريخ (التقريب ١/ ٣٤٤) وقال الذهبي: كان أخباريا عارفًا (الميزان ٢/ ٢٥٥) واعتمد ابن كثير على سيف بن عمر في البداية والنهاية في حروب الردة ومواضع أخرى من تأريخ الخلفاء، وكذلك فعل الذهبي في تأريخ الإسلام: (عهد الخلفاء الراشدين) ومع ذلك (أي كونه عارفًا بالتأريخ عند الذهبي عمدة فيه عند ابن حجر) فإننا قد انتقينا من رواياته التأريخية ما كان له أصل يقويه في الصحاح أو المسانيد والسنن. ثم في تأريخ خليفة بن خياط أو فتوح البلدان للبلاذري أو طبقات ابن سعد من المتقدمين وإن كان (الذهبي أو ابن كثير) أيّ منهما أو كلاهما قد رجّحا شيئًا في ذلك أخذنا ذلك بعين الاعتبار. (هذا بالنسبة لأسانيد الروايات التأريخية) ثم عمدنا إلى متون هذه الأسانيد المختارة فأشرنا إلى ما في بعضها من عبارات منكرة؛ حتى لا ندع مجالًا للمستشرقين وأهل البدع من الفرق الضالة أن يشوهوا تأريخ الإسلام ويطعنوا في عدالة الصحابة التي تحدثت عن فتح الأبُلَّة على يد خالد بن الوليد ومن معه من القادة في عهد الصديق رضي الله عنه، وهي تخالف الروايات الصحيحة التي ذكرت فتح الأبلة في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه على يد غزوان بن عتبة، سواء كانت هذه الروايات الصحيحة عند الطبري أو غيره كما سيأتي بحث ذلك في أحداث السنة الثانية عشرة والرابعة عشرة. ولقد توخينا الدقة والأمانة ما استطعنا ولا تزعم أننا قد أصبنا في جميع ما ذهبنا إليه فليس = = عنه، ويؤيده ما ورد عند أئمة المغازي والسير المتقدمين ولا يزيد عادة على تلك الأحداث ما ليس منها (نقول: عادة وليس دائمًا). وسنتحدث عن قصة الأسود العنسي بعد سردنا لروايات الطبري.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- *= ذلك إلَّا للمعصوم عليه الصلاة والسلام، وما من إمام مهما كان حافظًا إلا وذهبت عليه سنة كما قال أئمة السلف، فمن رأى في منهجنا خطأ وفي تحقيقنا فجوة وفي تصحيحنا للروايات التأريخية أو تضعيفها خطأ فليرشدنا إلى ذلك مشكورًا، وإذا وجدنا معه الدليل أخذنا به فالحقيقة ضالتنا إن شاء الله ولا نبرئ أنفسنا، وإن كنا قد أصبنا الحقيقة في اختيارنا للروايات الصحيحة فمن الله التوفيق وإن أخطأنا فمن أنفسنا ونستغفر الله. ونزيد القارئ الكريم علمًا بأننا لم نقبل ما رواه سيف فيما يتعلق بالعقيدة، أو الحلال والحرام فإنه ضعيف في الحديث، وكذلك تتبعنا ما قاله في الفتنة، أو الطعن في عدالة الصحابة، فلم نقبله البتة. وخلاصة القول في تعاملنا مع روايات سيف بن عمر التأريخية هو أنَّا: ١ - بحثنا عن أصل يؤيده من مصادر السنة والسير والمغازي فذكرناه. ٢ - إن كان في أثناء الرواية التأريخية قول مرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتبرناه ضعيفًا لأن سيفًا ضعيف في الحديث إلا إذا كان له متابع أو شاهد وإلَّا وضعناه في القسم الضعيف ومثال ذلك: ما رواه الطبري (٣/ ٢٣٦ / ٣٠) من طريق سيف عن ابن عمر مرفوعًا (قتل العنسي البارحة قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين. قيل: من هو؟ قال: فيروز. فاز فيروز) فلم نجد من يتابع سيفًا على هذه الرواية فوضعناها في الضعيف وإن كان عليه الصلاة والسلام قد رأى في المنام ما أوَّله بزوال الكذابين. ٣ - وإن كان في الرواية التأريخية من الأفعال ما يخالف عدالة الصحابة ومن الأقوال ما لا يليق أن ينسب إليهم؟ وضعناه في الضعيف كما في رواية الطبري (٣/ ٢٢٣ / ١٧) منسوبًا إلى أبي بكر رضي الله عنه: أنه قال: (ألا وإن لي شيطانًا يعتريني فإذا أتاني فاجتنبوني). ٤ - وإذا كانت رواية سيف التأريخية مخالفة للروايات الصحيحة؛ فهذا يعني أنها ضعيفة سندًا ومتنًا فمكانها في القسم الضعيف من التأريخ، كما هو الحال في روايات سيف. ولقد تحدث الدكتور محمد أمحزون (في كتابه القيم الذي قدم له الأستاذ فاروق حمادة وأشرف عليه). عن مرويات سيف بن عمر التميمي في تأريخ الطبري وذكر طرق الطبري إليه، وبيّن آراء العلماء في تضعيفه في الحديث وقول ابن حجر، والذهبي في رواياته التأريخية. وخلاصة دفاعه عن سيف في مجال الروايات التأريخية: أن له فضلًا في فضح عبد الله بن سبأ وغيره من الزنادقة، وأن روايات سيف مرشحة أكثر من غيرها لموافقة ما رواه الثقات في هذا المجال علاوة على أنها صادرة عمن شاهد تلك الوقائع والأحداث (راجع ما كتبه بالتفصيل في الصفحات ٢٢٩ - ٢٣٧). ونضيف إلى ما كتبه الدكتور أمحزون بأنا لاحظنا أن سيف بن عمر التميمي يحاول ذكر التفاصيل الدقيقة في رواياته التاريخية عن حروب الردة والفتنة أيام سيدنا عثمان رضي الله
٦ - فحدَّثني عُبيد الله بن سعد الزّهريّ، قال: حدَّثنا عمّي، قال: حدَّثنا سيف -وحدَّثني السري بن يحيى، قال: حدَّثنا شُعيب بن إبراهيم عن سيف- قال: حدَّثنا سَهْل بن يوسف عن أبيه، عن عبيد بن صَخْر بن لَوْذان الأنصاري السُّلمي وكان فيمن بعث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مع عمَّال اليمن في سنة عشر بعد ما حجَّ التَّمام: وقد مات باذام، فلذلك فرَّق عملها بين شَهْر بن باذام، وعامر بن شهر الهَمْدانيّ، وعبد الله بن قيس أبي موسى الأشعريّ، وخالد بن سعيد بن العاص، والطَّاهر بن أبي هالة، ويعلَى بن أميَّة، وعمر بن حَزْم، وعلى بلاد حَضْر مَوت زياد بن لَبِيد البَيَاضيّ، وعُكَّاشة بن ثور بن أصغر الغَوْثي على السَّكاسك والسَّكون ومعاوية بن كندة، وبعث مُعاذ بن جبل معلِّمًا لأهل البلدين: اليمن وحضرموت. (٣: ٢٢٨) .
٧ - حدَّثني عبيدُ الله، قال: أخبرني عمِّي، قال: أخبرني سَيف - يعني: ابن عمر- عن أبي عمرو مولى ، عن عبادة بن قُرْص بن عبادة، عن قُرْص الليثيّ: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى المدينة بعد ما قضى حجّة الإسلام، وقد وجَّه إمارة اليمن وفرَّقها بين رجال، وأفرد كلَّ رجل بحَيِّزِه، ووجَّه إمارة حضرموت وفرَّقها بين ثلاثة، وأفرد كل واحد منهم بحيِّزه، واستعمل عمرو بن حزم على نجران، وخالد بن سعيد بن العاص على ما بين نجران ورِمَع وزَبِيد، وعامر بن شهر على هَمْدان، وعلى صنعاء ابن باذام، وعلى عَكّ والأشعريّين الطَّاهر بن أبي هالة، وعلى مأرب أبا موسى الأشعري، وعلى الجنَد يعلَى بن أميّة. وكان معاذ معلِّمًا يتنقّل في عمالة كلّ عامل باليمن وحضرموت؛ واستعمل على أعمال حضرموت؛ على السَّكاسك والسَّكون عُكّاشة بن ثور، وعلي بني معاوية بن كندة عبد الله -أو المهاجر- فاشتكى فلم يذهب حتى وجَّهه أبو بكر. وعلى حضرموت زياد بن لبيد البياضيّ، وكان زياد يقوم على عمل المهاجر؛ فمات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهؤلاء عمّاله على اليمن وحضرموت؛ إلَّا مَنْ قُتِل في قتالة الأسود أو مات؛ وهو باذام، مات ففرَّق النبيّ - صلى الله عليه وسلم - العمل من أجله. وشهر ابنُه - يعني: ابن باذام- فسار إليه الأسود فقاتله فقتله. (٣: ٢٢٨/ ٢٢٩) .
٨ - وحدَّثني بهذا الحديث السريّ عن شعيب بن إبراهيم عن سَيف. فقال فيه: عن سيف، عن أبي عمرو مولى . ثم سائر الحديث بإسناده مثل حديث ابن سعد الزُّهريّ. (٣: ٢٢٩) .
٩ - قال: حدَّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب بن إبراهيم عن سيف، عن طلحة بن الأعلم، عن عِكرمة، عن ابن عباس، قال: أوّل من اعترض على العَنْسيّ وكاثَره عامرُ بن شَهْر الهَمْدانيّ في ناحيته، وفيروز، وداذَوَيه في ناحيتهما، ثم تتابع الذين كتِب إليهم على ما أمروا به. (٣: ٢٢٩) .
١٠ - حدَّثنا عُبيد الله بن سعد، قال: أخبرنا عمّي، قال: أخبرني سَيف، قال: وحدَّثنا السرِيّ، قال: حدَّثنا شعيب، قال: حدثنا سيف عن سهل بن يوسف، عن أبيه، عن عبيد بن صخر، قال: فبينا نحن بالجَنَد قد أقمناهم على ما ينبغي، وكتبنا بيننا وبينهم الكتب؛ إذ جاءنا كتاب من الأسْود: أيها المتورّدُون علينا، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضِنا، ووفِّروا ما جمعتم؛ فنحن أوْلى به وأنتم عَلَى ما أنتم عليه. فقلنا للرسول: مِنْ أين جئت؟ قال: من كهف خُبَّان. ثم كان وجّهه إلى نَجْران؛ حتى أخذنا في عشرٍ لمخرجه، وطابقه عوامّ مذحج. فبينا نحن ننظر في أمرنا، ونجمع جَمعنا، إذ أتينا فقيل: هذا الأسود بشَعُوب، وقد خرج إليه شهر بن باذام؛ وذلك لعشرين ليلة من منجَمه. فبينا نحن ننتظر الخبر على من تكون الدَّبْرَة، إذ أتانا: أنه قتل شهرًا، وهزم الأبناء، وغلب على صَنْعَاء لخمس وعشرين ليلة من منجَمه. وخرج معاذ هاربًا، حتى مرَّ بأبي موسى وهو بمأرب، فاقتحما حضرموت؛ فأما معاذ فإنه نزل في السَّكون؛ وأما أبو موسى فإنه نزل في السَّكاسك مما يلي المفُّور والمفازة بينهم وبين مأرِب، وانحاز سائر أمراء اليَمن إلى الطّاهر إلَّا عمرًا وخالدًا؛ فإنهما رجعا إلى المدينة؛ والطَّاهر يومئذ في وسَط بلاد عَكَّ بِحيال صنعاء. وغلب الأسودُ على ما بين صَهِيد -مفازة حضرموت- إلى عمل إلى البحرين قِبَل عَدن، وطابقت عليه اليمن، وعكّ بتهامة معترضون عليه؛ وجعل يستطير استطارة الحريق، وكان معه سبعمئة فارس يوم لقيَ شهرًا سوى الرّكبان؛ وكان قُوّاده قيس بن عبد يغوث المُرادي، ومعاوية بن قيس الجَنْبِيّ، ويزيد بن محرم، ويزيد بن حُصين الحارثيّ، ويزيد بن الأفْكَل الأزديّ. وثبت ملكهُ واستغلظ أمرُه، ودانَتْ له سواحل من السواحل؛ حاز عَثْر، والشَّرْجَة، والحَرْدة، وغَلافقَة، وعَدَن، والجَنَد؛ ثم صَنْعاء إلى عَمَل الطائف، إلى الأحسية، وعُلَيب؛ وعامله المسلمون بالبقية، وعامله أهلُ الردَّة بالكفر، والرجوع عن الإسلام. وكان خليفته في مذحِج عمرو بن معد يكرب، وأسند أمره إلى نفر؛ فأما أمرُ جنده فإلى قيس بن عبد يغوث، وأسند أمر الأبناء إلى فيروز وداذويه.
فلمَّا أثخن في الأرض؛ استخفّ بقيس وبفيروز وداذويه، وتزوَّج امرأة شهر؛ وهي ابنة عمّ فيروز؛ فبينا نحن كذلك بحضرموت ولا نأمن أن يسير إلينا الأسود، أو يبعث إلينا جيشًا، أو يخرج بحضرموت خارجٌ يدّعي بمثل ما ادَّعى به الأسود، فنحن على ظهر، تزوَّج مُعاذ إلى بني بكرة -حي من السَّكون- امرأة أخوالها بنو زنكبيل يقال لها: رَمْلة، فحَدبوا لصهره علينا، وكان معاذ بها معجَبًا، فإن كان ليقول فيما يدعو الله به: اللهمَّ ابعثني يوم القيامة مع السَّكون، ويقول أحيانًا: اللهمَّ اغفر للسَّكون؛ إذ جاءتنا كتبُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرُنا فيها أن نبعثَ الرِّجال لمجاولته أو لمصاولته؛ ونُبلِغَ كلَّ من رجا عنده شيئًا من ذلك عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فقام معاذ في ذلك بالذي أمر به، فعرفنا القوَّة، ووثقنا بالنصر. (٣: ٢٢٩/ ٢٣٠ / ٢٣١) .
١١ - حدَّثنا السريّ، قال: أخبرنا شُعيب، قال: حدَّثنا سَيف، وحدَّثني عُبيد الله، قال: أخبرَنا عمّي، قال: أخبرنا سيف، قال: أخبرنا المستنير بن يزيد عن عروة بن غزية الدَّثِينيّ، عن الضَّحاك بن فيروز - قال السريّ: عن جُشَيش بن الديلميّ، وقال عبيد الله: عن جشنس بن الديلميّ- قال: قدِم علينا وَبَرُ بن يُحَنّس بكتاب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، يأمرنا فيه بالقيام على ديننا، والنهوض في الحرب، والعمل في الأسود: إمَّا غيلة وإما مصادمة؛ وأن نبلغ عنه مَن رأينا أن عنده نجدة ودينًا. فعملنا في ذلك، فرأينا أمرًا كثيفًا، ورأيناه قد تغيَّر لقيس بن عبد يغوث -وكان على جنده- فقلنا: يُخاف على دمه؛ فهو لأوّل دعوة؛ فدعوناه، وأنْبَأناه الشَّأنَ، وأبلغناه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فكأنما وقعنا عليه من السماء، وكان في غمّ وضيق بأمره؛ فأجابنا إلى ما أحببنا من ذلك، وجاءنا وبر بن يحنَّس، وكاتبْنا الناسَ ودعوناهم؛ وأخبره الشيطان بشيء، فأرسل إلى قيس، وقال: يا قيس!
ما يقول هذا؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول: عمدت إلى قيس فأكرمته؛ حتى إذا دخل منك كلّ مدخل، وصار في العزّ مثلك؛ مال ميل عدوّك؛ وحاول ملكَك وأضمر على الغدر! إنه يقول: يا أسود! يا أسود! يا سوءة! يا سوءة! اقطف قُنَّتَه، وخذْ من قيس أعلاه؛ وإلَّا سلبك أو قطف قُنَّتَك. فقال قيس وحلَف به: كذَبَ وذي الخِمار! لأنتَ أعظمُ في نفسي وأجَلُّ عندي من أنْ أحدِّث بك نفسي؛ فقال: ما أجفاك! أتكذّب المَلَك قد صدق الملَك؛ وعرفت الآن أنك تائبٌ مما اطَّلع عليه منك.
ثم خرج فأتانا، فقال: يا جُشَيشِ! ويا فَيروز! ويا داذويه! إنه قد قال وقلت؛ فما الرأيُ؟ فقلنا: نحن على حذر؛ فإنا في ذلك؛ إذ أرسل إلينا، فقال: ألم أشرِّفْكُم على قومِكم، ألم يبلغني عنكم! فقلنا: أقِلْنا مرَّتَنا هذه، فقال: لا يبلغني عنكم فأقتلكم؛ فنجوْنا ولم نكدْ؛ وهو في ارتياب من أمرنا وأمر قيس؛ ونحن في ارتياب وعلى خطر عظيم؛ إذ جاءنا اعتراض عامر بن شَهْر، وذي زود، وذي مُرَّان، وذي الكَلاع، وذي ظُلَيم عليه، وكاتبونا وبذلوا لنا النَّصر؛ وكاتبناهم وأمرناهم ألَّا يحركوا شيئًا حتى نُبْرم الأمْرَ -وإنما اهتاجوا لذلك حين جاء كتاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم -؛ وكتب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل نَجْران؛ إلى عَرَبهم وساكني الأرض من غير العرب؛ فثبتوا فتَنحَّوا وانضمّوا إلى مكان واحد- وبلغه ذلك، وأحسّ بالهلاك، وفرّق لنا الرّأيُ. فدخلتُ على آذاد؛ وهي امرأته، فقلت: يا بنة عمّ! قد عرفت بلاءَ هذا الرجل عند قومك؛ قَتَل زوجك، وطأطأ في قومك القتل، وسفل بمن بقي منهم؛ وفضح النساء؛ فهل عندك من ممالأة عليه! فقالت: على أيّ أمره؟ قلت! إخراجه، قالت: أو قتله؟ ، قلت: أو قتله، قال: نعم والله ما خَلَق الله شخصًا أبغضَ إليَّ منه؛ ما يقوم لله على حقّ، ولا ينتهي له عن حُرْمة؛ فإذا عزمتم فأعلموني أخبركم بمَأتَى هذا الأمر. فأخرج فإذا فيروز وداذويه ينتظراني، وجاء قيس ونحن نريد أن نناهِضه، فقال له رجل قبل أن يجلس إلينا: المَلِك يدعوك. فدخل في عشرة من مَذْحِج وهَمْدان. فلم يقدر على قتله معهم - قال السرِّيّ في حديثه: فقال: يا عيهلة بن كعب بن غوث! - وقال عبد الله في حديثه: يا عبهلة بن كعب بن غوث! أمنِّي تحصَّن بالرجال! ألم أخبرك الحقَّ، وتخبرني الكذابة! إنه يقول: يا سوءة! يا سوءة! إلا تقطع من قيس يده؛ يقطع قنّتك العليا؛ حتى ظنّ: أنه قاتله؛ فقال: إنه ليس من الحق أن أقتلك وأنت رسول الله، فمرْ بي بما أحببت؛ فأما الخوف والفزع فأنا فيهما مخافة [أن تقتلني] - قال الزهري: فإما قتلتني فموتة، وقال السّري: اقتلني فموتةٌ أهوَن عليّ من موتات أموتُها كلّ يوم - فرقّ له فأخرجه، فخرج علينا فأخبرنا وواطأنا، وقال: اعْملُوا عَملَكم؛ وخرج علينا في جمع، فقمنا مُثُولًا له، وبالباب مئة ما بين بقرة وبعير، فقام وخَطَّ خَطًّا فأقيمت من ورائه، وقام من دونها، فنحرها غير محبَّسة ولا معقَّلة، ما يقتحم الخطّ منها شيء، ثم خلَّاها فجالتْ إلى أن زَهَقت؛ فما رأيت أمرًا كان أفظع منه، ولا يومًا أوحش منه. ثم قال: أحقٌّ ما بلغني عنك يا فيروز؟ وَبَوَّأ له الحربة - لقد هممتُ أن أنْحَرَك فأتْبِعَك هذه البهيمة، فقال: اخترتَنا لِصهْرِك، وفضّلتنا على الأبناء؛ فلو لم تكن نبيًّا ما بعْنَا نَصيبَنا منك بشيء؛ فكيف وقد اجتمع لنا بك أمرُ آخرة ودنيا؛ لا تقبلنَّ علينا أمثال ما يبلغك؛ فإنَّا بحيث تحبّ. فقال: اقسِمْ هذه؛ فأنت أعلم بمَنْ ها هنا، فاجتمع إليّ أهلُ صنعاء، وجعلت آمر للرهط بالجَزور ولأهل البيت بالبقرة، ولأهل الحِلَّة بعدّة، حتى أخذ أهل كلّ ناحية بقسطهم. فلحق به قبل أن يصل إلى داره -وهو واقف عليّ- رجلٌ يسعى إليه بفيروز؛ فاستمع له، واستمع له فيروز وهو يقول: أنا قاتله غدًا وأصحابه؛ فاغدُ عليّ، ثم التفت فإذا به، فقال: مَه! فأخبره بالذي صنع، فقال: أحسنت، ثم ضرب دابّته داخلًا، فرجع إلينا فأخبرنا الخبر، فأرسلنا إلى قيس؛ فجاءنا؛ فأجمع مَلؤهم أن أعود إلى المرأة فأخبرها بعزيمتنا لتخبرَنا بما تأمر؛ فأتيتُ المرأة وقلت: ما عندك؟ فقالت: هو متحرِّز متحرِّس؛ وليس من القَصْر شيء إلّا والحَرَسُ محيطون به غير هذا البيت؛ فإنّ ظهرَه إلى مكان كذا وكذا من الطريق؛ فإذا أمسيتُم فانقُبوا عليه؛ فإنكم من دون الحرَس؛ وليس دون قتله شيء. وقالت: إنكم ستجدون فيه سِراجًا وسلاحًا. فخرجتُ فتلقَّاني الأسود خارجًا من بعض منازله، فقال لي: ما أدخلك عليّ؟ ووجَأ رأسي حتى سقطتُ - وكان شديدًا - وصاحت المرأة فأدهشتْه عنّي؛ ولولا ذلك لقتلني. وقالت: ابن عمّي جاءني زائرًا، فقصّرْتَ بي! فقال: اسكتي لا أبالك، فقد وهبته لك! فتزايلَتْ عنّي، فأتيت أصحابي فقلت: النَّجاء! الهَرب! وأخبرتُهم الخبر؛ فإنا على ذلك حَيَارَى إذ جاءني رسولُها: لا تَدَعَنَّ ما فارقُتك عليه؛ فإني لم أزَلْ به حتى اطمأنَّ؛ فقلنا لفيروز: ائتِها فتثبّت منها؛
فأما أنا فلا سبيلَ لي إلى الدخول بعد النَّهي. ففعل، وإذا هو كان أفطنَ مني؛ فلما أخبرته قالت: وكيف ينبغي لنا أن ننقب على بيوت مبطّنة! ينبغي لنا أن نقلع بِطانَةَ البيت؛ فدخلا فاقتلعا البطانة، ثم أغلقاه؛ وجلس عندها كالزائر؛ فدخلَ عليها [الأسود] فاستخفَّتْه غَيرة، وأخبرته برضاع وقرابة منها عنده محرم، فصاح به وأخرجه. وجاءنا بالخبر؛ فلمَّا أمسينا عملنا في أمرنا؛ وقد واطَأنا أشيَاعُنا، وعجِلْنا عن مراسلة الهمْدانتين والِحميَريِّين؛ فنقبنا البيتَ من خارج، ثم دخلنا وفيه سراج تحت جَفْنة؛ واتَّقينا بفيروز؛ وكان أنجدَنا وأشدَّنا - فقلنا: انظر ماذا ترى! فخرج ونحن بينه وبين الحرس معه في مقصورة؛ فلمَّا دنا من باب البيت سمع غطيطًا شديدًا، وإذا المرأة جالسة؛ فلمّا قام على الباب أجلسه الشَّيطان فكلَّمه على لسانه- وإنه ليغُطَّ جالسًا. وقال أيضًا: ما لي ولك يا فيروز! فخشيَ إن رجع أن يهلك وتهلك المرأة، فعاجله فخالطه وهو مثل الجمَل؛ فأخذ برأسه فقتله، فدقّ عنقه، ووضع ركبته في ظهره فدقه، ثم قام ليخرج؛ فأخَذت المرأة بثوبه وهي تَرى أنه لم يقتله، فقالت: أين تَدَعُنِي! قال: أخبرُ أصحابي بمقتله؛ فأتانا فقمنا معه؛ فأردنا حزّ رأسه؛ فحرّكه الشيطان فاضطرب فلم يضبطه؛ فقلت: اجلسوا عَلَى صدره؛ فجلس اثنان على صدره، وأخذت المرأة بشعره، وسمعنا بربرة فألجمتهُ بمِئلاة؛ وأمرَّ الشَّفْرة على حَلقه فخار كأشدّ خُوار ثور سمعته قطّ؛ فابتدر الحرس الباب وهم حول المقصورة، فقالوا: ما هذا، ما هذا! فقالت المرأة: النبيّ يوحَى إليه! فخمد. ثم سمرنا ليلَتنا ونحن نأتمر كيف نخبرُ أشياعَنا، ليس غيرنا ثلاثتنا: فيروز وداذويه وقيس؛ فاجتمعنا على النداء بشعارنا الذي بيننا وبين أشياعنا، ثم يُنادى بالأذان، فلما طلَع الفجر نادى داذويه بالشعار، ففزع المسلمون والكافرون، وتجمّع الحرس فأحاطوا بنا، ثم ناديت بالأذان، وتوافت خيولُهم إلى الحَرس، فناديتهم: أشهدُ أنّ محمدًا رسول الله؛ وأن عَبْهلة كذاب! وألقينا إليهم رأسَه، فأقام وَبَر الصلاة، وشَنّها القوم غارةً؛ ونادينا: يا أهل صَنْعاء، مَن دخل عليه داخل فتعلّقوا به، ومَن كان عنده منهم أحد فتعلقوا به. ونادينا بمَن في الطريق: تعلَّقوا بمَن استطعتم! فاختطفوا صبيانًا كثيرين؛ وانتهبوا ما انتهبوا، ثم مضوا خارجين؛ فلمَّا برزوا فقدوا منهم سبعين فارسًا ركبانًا؛ وإذا أهلُ الدُّور والطُرق وقد وافونا بهم؛ وفقدنا سبعمئة عَيِّل فراسلونا وراسلناهم أن يتركُوا لنا ما في أيديهم، ونترك لهم ما في أيدينا؛ ففعلوا فخَرجوا لم يظفرُوا منّا بشيء؛ فتردَّدوا فيما بين صنعاء ونَجْران، وخلصت صنعاء والجَنَد، وأعزّ الله الإسلام وأهله؛ وتنافسْنا الإمارة؛ وتراجع أصحابُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى أعمالهم؛ فاصطلحنا على معاذ بن جبل، فكان يصلِّي بنا، وكتبنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخبر؛ وذلك في حياة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -. فأتاه الخبر مِنْ ليلته، وقدمَتْ رُسُلُنا؛ وقد مات النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صبيحةَ تلك الليلة؛ فأجابنا أبو بكر رحمه الله. (٣: ٢٣١/ ٢٣٢ / ٢٣٣/ ٢٣٤ / ٢٣٥/ ٢٣٦) .
١٢ - حدثني المريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سيف عن أبي القاسم وأبي محمد، عن أبي زُرعة يحيى بن أبي عمرو السَّيبانيّ، من جُنْد فلسطين؛ عن عبد الله بن فيروز الدَّيلميّ: أن أباه حدَّثه: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعث إليهم رسولًا، يقال له: وَبَر بن يُحنّس الأزديّ؛ وكان منزله على داذَويه الفارسيّ، وكان الأسود كاهنًا معه شيطان وتابع له، فخرج فنزل على ملك اليمن؛ فقتل ملكها ونكح امرأته ومَلك اليمن؛ وكان باذام هلك قبل ذلك، فخلف ابنه على امرأته، فقتله وتزوّجها، فاجتمعتُ أنا وداذويه وقيس بن المكشوح المراديّ عند وَبَرَ بن يُحَنَّس رسول نبي الله - صلى الله عليه وسلم - نأتمر بقتل الأسود. ثم إنَّ الأسود أمر الناس فاجتمعوا في رَحَبَة من صنعاء، ثمّ خرج حتى قام في وسطهم، ومعه حربة الملك، ثم دعا بفرَس الملك فأوْجرَه الحربة، ثم أرسل فجعل يجرِي في المدينة ودماؤه تسيل حتى مات. وقام وسط الرَّحبة؛ ثمّ دعا بجُزُر من وراء الخطّ فأقامها، وأعناقُها ورؤوسها في الخطّ ما يَجُزْنَه. ثمَّ استقبلهنَّ بحربَته فنحرهنّ فتصدّعْن عنه؛ حتى فرغ منهنّ، ثم أمسك حربتَه في يده، ثم أكبّ على الأرض، ثم رفع رأسه، فقال: إنه يقول - يعني: شيطانه الذي معه: إنَّ ابنَ المَكْشُوح من الطغاة، يا أسود اقطع قُنَّةَ رأسه العليا. ثم أكبّ رأسه أيضًا ينظر، ثمّ رفع رأسه، فقال: إنه يقول: إنّ ابن الديلميّ من الطغاة؛ يا أسود اقطع يده اليمنى، ورجله اليمنى. فلمّا سمعتُ قولَه قلت: والله ما آمن أن يدعوَ بي، فينحرني بحربته كما نحر هذه الجُزُر؛ فجعلت أستتر بالناس لئلا يرانِي، حتى خرجت ولا أدري من حذري كيف آخذ! فلما دنوتُ من منزلي لقيني رجلٌ من قومه، فدقّ في رقبتي، فقال: انّ الملك يدعوك وأنت تَرُوغ! ارجع؛ فردَّني، فلمّا رأيتُ ذلك خشيت أن يقتلَني. قال: وكنّا لا يكاد يفارق رجلًا منا أبدًا خنجره، فأدُسّ يدي في خفّي، فأخذت خِنجَري، ثم أقبلت وأنا أريد أن أحمل عليه، فأطعنه به حتى أقتله، ثم أقتل من معه، فلمّا دنوت منه رأى في وجهي الشَّرَّ، فقال: مكانك! فوقفت، فقال: إنّك أكبرُ مَن ها هنا، وأعلمُهم بأشراف أهلها، فاقسمْ هذه الجُزُرَ بينهم. وركب فانطلق وَعلِقتُ أقسم اللَّحم بين أهل صنعاء، فأتاني ذلك الذي دقّ في رقبتي، فقال: أعطنِي منها، فقلت: لا والله ولا بَضعة واحدة؛ ألَسْتَ الذي دققتَ في رقبتي! فانطلق غضبانَ حتى أتى الأسْوَد؛ فأخبره بما لقِي منّي وقلت له. فلمَّا فرغتُ أتيتُ الأسودَ أمشي إليه، فسمعت الرَّجل وهو يشكوني إليه، فقال له الأسود: أمَّا والله لأذبحنَّه ذبحًا! فقلت له: إني قد فرغت ممَّا أمرتَني به، وقسَمْتُه بين الناس. قال: قد أحسنتَ فانصرف. فانصرفت، فبعثنا إلى امرأة الملك: إنا نريد قتل الأسود؛ فكيف لنا! فأرسلتْ إليّ: أن هلمَّ. فأتيتها، وجعلت الجارية على الباب لتُؤذِنَنا إذا جاء، ودخلتُ أنا وهي البيتَ الآخر، فحفرنا حتى نقبنَا نقبًا، ثم خرجنا إلى البيت، فأرسلنا السَّتر، فقلت: إنا نقتُله الليلة، فقالت: فتعالوْا؛ فما شعرت بشيء حتى إذا الأسود قد دخل البيت؛ وإذا هو معنا؛ فأخذتْه غَيرة شديدة، فجعل يدقّ في رقبتي، وكَفْكَفْتُه عنِّي، وخرجت فأتيتُ أصحابي بالذي صنعت، وأيقنت بانقطاع الحيلة عنّا فيه؛ إذ جاءنا رسولُ المرأة؛ ألَّا يَكْسِرنَّ عليكم أمرَكم ما رأيتُم؛ فإنِّي قد قلت له بعد ما خرجتَ: ألسْتم تزعمون أنكم أقوام أحرار لكم أحسابٌ! قال: بلى، فقلت: جاءني أخي يُسَلِّم عليّ ويكْرمني، فوقعتَ عليه تدقّ في رقبته؛ حتى أخرجته، فكانت هذه كرامتك إيَّاه! فلم أزَلْ ألومه حتى لام نفسه، وقال: أهو أخوك؟ فقلت؟ نعم، فقال: ما شعرتُ! فأقبِلوا الليلة لما أردتم. قال الديلميّ: فاطمأنَّتْ أنفسُنا، واجتمع لنا أمرُنا؛ فأقبلنا من الليل أنا وداذويه وقيس حتى ندخل البيت الأقصى من النَّقْب الذي نَقَبْنا، فقلت: يا قيس! أنت فارس الرب، ادخل فاقْتُل الرَّجل، قال: إني تأخذني رِعْدة شديدة عند البأس، فأخاف أن أضرب الرجل ضربةً لا تُغْني شيئًا؛ ولكن ادخل أنت يا فيروز، فإنَّك أشَبُّنا وأقوانا، قال: فوضعتُ سيفي عند القوم، ودخلت لأنظر أين رأسُ الرجل! فإذا السراج يزهر؛ وإذا هو راقد على فُرُش قد غاب فيها لا أدري أين رأسه من رجليه! وإذا المرأة جالسة عنده كانت تطعمه رمَّانًا حتى رقدَ، فأشرتُ إليها: أين رأسه؟ فأشارت إليه، فأقبلتُ أمشي حتى قمتُ عند رأسه لأنظر، فما أدري أنظرتُ في وجهِه أم لا! فإذا هو قد فَتَح عينيه؛ فنظر إليّ، فقلت: إن رجعتُ إلى سيفي خفت أن يفوتني ويأخذ عُدَّة يمتنع بها منِّي؛ وإذا شيطانه قد أنذره بمكاني وقد أيقظه، فلمّا أبطأ كلَّمنِي على لسانه؛ وإنه لينظر ويغُطُّ، فأضرب بيديّ إلى رأسه، فأخذت رأسه بيد ولحيته بيدٍ؛ ثم ألْوي عنقه فدققتها؛ ثم أقبلت إلى أصحابي، فأخذت المرأة بثوبي، فقالت: أختكم نصيحتكم! قلت: قد والله قتلتُه وأرحْتُك منه. قال: فدخلتُ على صاحبيَّ فأخبرتُهما، قالا: فارجع فاحتزّ رأسَه وائتنا به، فدخلت فبَربر فألجمته فحَززت رأسه، فأتيتهما به، ثم خرجنا حتى أتينا منزلَنا؛ وعندنا وَبَرُ بن يُحنّس الأزديّ، فقام معنا حتى ارتقينا على حِصْن مرتفع من تلك الحصون؛ فأذَّن وَبَر بن يُحنّس بالصلاة، ثم قلنا: ألا إنَّ الله عزَّ وجل قد قتل الأسود الكذَّاب، فاجتمع الناس إلينا فرمينا برأسه، فلمَّا رأى القوم الذين كانوا معه أسْرَجوا خيولهم؛ ثم جعل كلّ واحد منهم يأخذ غلامًا من أبنائنا معه من أهل البيت الذي كان نازلًا فيهم؛ فأبصرتُهم في الغَلَس مُرْدِفي الغلمان، فناديت أخي وهو أسفل منّي مع الناس: أن تعلَّقوا بمَن استطعتم منهم؛ ألا تروْن ما يصنعون بالأبناء! فتعلَّقوا بهم؛ فحبسنا منهم سبعين رجلًا، وذهبوا منّا بثلاثين غلامًا، فلمَّا برزوا إذا هم يفقدون سبعين رجلًا حين تفقَّدوا أصحابَهم، فأتوْنا فقالوا: أرسِلوا إلينا أصحابَنَا، فقلنا لهم: أرسلوا إلينا أبناءنا، فأرسلوا إلينا الأبناء، وأرسلنا إليهم أصحابهم.
قال: وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: إنَّ الله قد قتل الأسوَد الكذَّاب العَنْسيَّ، قتله بيَدِ رجل من إخوانكم، وقوم أسلموا وصدَّقوا! فكنّا كأنّا على الأمر الذي كان قبل قدوم الأسود علينا وأمن الأمراءُ وتراجعوا، واعتذر الناسُ وكانوا حديثِي عهد بالجاهليَّة ١ . (٣: ٢٣٦/ ٢٣٧ / ٢٣٨/ ٢٣٩) .
- ١ولقد ذكرنا هذه الروايات السبع في قسم الصحيح، وسنورد ما يؤيدها بإذن الله تعالى. ١ - أخرج البخاري في صحيحه (٦١ - كتاب المناقب علامات النبوة في الإسلام / ح ٣٦٢١) عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمَّني شأنهما فأوحيَ إليّ في المنام: أن انفخهما، فنفختهما، فطارا، فأولتهما = = كذابين يخرجان بعدي، فكان أحدهما: العنسي، والآخر: مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة". وأخرج البخاري (ح ٢٢٧٤) عن ابن عباس رضي الله عنه وفيه: فقال: فسألت عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إني أرى الذي أريت فيك ما أريت" فأخبرني أبو هريرة ... الحديث. وأخرج البخاري في صحيحه (٦٤ كتاب المغازي / ح ٤٣٧٩) قال عبيد الله بن عبد الله: سألت عبد الله بن عباس عن رؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي ذكر، فقال ابن عباس: ذُكِر لي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "بينا أنا نائم أريت أنه وُضع في يدي سواران من ذهب ففظعتهما وكرهتهما فأُذن لي فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان" فقال عبد الله: أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن والآخر مسيلمة الكذاب. قال ابن حجر تعقيبًا على رواية البخاري الأخيرة الذي فيه قوله: (فقال ابن عباس: فذُكر لي): وقد وضح من حديث الباب قبله: أن الذي ذكر له ذلك هو أبو هريرة (الفتح ٨/ ٩٣) والحديث أخرجه البخاري في مواضع أخرى (ح ٤٣٧٣/ ٤٣٧٤). وقال الحافظ أيضًا: وكان باذام عامل النبي بصنعاء، فمات، فجاء شيطان الأسود فأخبره، فخرج في قومه حتى ملك صنعاء، وتزوج المرزبانة زوجة باذان فذكر القصة ... إلخ. الفتح (٨/ ٩٣). وهذه الروايات عند البخاري تثبت قصة كفر العنسي، وادعاءه النبوة، وقتل فيروز الديلمي له باليمن. وأنه عليه الصلاة والسلام تنبأ بزواله، وزوال مسيلمة الكذاب. أما حديث (قتله فيروز فاز فيروز) فلم نجد له متابعًا عند غير (سيف بن عمر) والله أعلم. ٢ - وردت رواية أخرى من طريق غير طريق سيف المفصلة عند الطبري أخرجها يعقوب بن سفيان في تأريخه (٣/ ٢٦٢) ثنا زيد بن المبارك و -حدثنا محمد بن الحسن الصنعاني، حدثنا سليمان بن وهب عن النعمان بن بُرزج، قال: خرج الأسود العنسي، فذكر قصة غلبته على صنعاء اليمن، وقتل باذام عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - واستصفى امرأته المرزبانة لنفسه فتزوجها وكانت تكرهه لما صنع بقومها، قال: فأرسلت إلى داذويه وكان خليفة باذام إلى فيروز، وإلى خرزاذ برزج، وجرجست الفارسيين، فائتمروا على قتل الأسود، وكان على بابه ألف رجل للحراسة، فجعلت المرزبانة تسفيه الخمر فكلما قال لها: شوبيه، سقئه صرفًا حتى سكر وقام فدخل الفراش وهو من ريش، وعمد داذويه وأصحابه إلى الجدار، فنضحوه بالخل، وحفروا بحديدة حتى فتحوه ودخل داذويه، وجرجست فهابا أن يقتلاه، ودخل فيروز وابن برزج فأشارت إليهما المرأة أنه في الفراش، فتناول فيروز رأسه، فعصر عنقه، فدقها، وطعنه خرزاذ بالخنجر ثم احتزّ رأسه وخرجوا. اهـ. قلنا: وفي إسناده محمد بن الحسن الصنعاني مختلف فيه فقد وثقه أبو زرعة (الجرح والتعديل ٧ / ت ١٢٥٢) وأبو حاتم (تهذيب الكمال / ت ٥٧٣٣) وابن حبان (٩/ ٦٩) = = وأبو صالح المصري (تهذيب التهذيب ٩/ ١١٤) وضعفه الدارقطني والأزدي، وقال ابن معين: لم أكتب عنه شيئًا. (سؤالات الجنيد / ٤٧). وقال الحافظ في التقريب: صدوق فيه لين. وهذا الرواية تتقوى برواية سيف وأصلها، وأعني: ارتداد الأسود وقتل فيروز له في البخاري كما سبق أن ذكرنا. وهذه الرواية ذكرها ابن حجر ونسبها إلى يعقوب بن سفيان في تأريخه، وذكر إسناده كما في الإصابة (٢/ ٣٣٠ / ت ٣٤٢١). ثم قال الحافظ: وأورده البيهقي في الدلائل من هذا الوجه. قلنا: ورواية البيهقي في الدلائل (٥/ ٣٣٦) تختلف عن الرواية الأصل في تأريخ يعقوب بن سفيان بعض الشيء، وتوافق رواية سيف عند الطبري إذ عند البيهقي: فسار الأسود حتى أخذ ذمار؛ وكان باذام إذ ذاك مريضًا بصنعاء، فلما مات؛ جاء الأسود شيطانه وهو على قصر ذمار، فأخبره بموت باذام ... إلخ. وقال الحافظ في ترجمة داذوبه الفارسي: كان خليفة باذام عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - على اليمن فلما خرج الأسود العنسي الكذاب، وظفر بباذام، فقتله؛ هرب داذويه ومن تبعه، والقصة مشهورة في المغازي وممن أخرجها يعقوب بن سفيان في تأريخه ... إلخ. (الإصابة ٢/ ٣٣٠ / ٣٤٢١). ونسبه الحافظ كذلك إلى ابن منده الذي أخرجها من نفسه (الإصابة ٦/ ٣٩١). وراوي هذه القصة هو النعمان بن برزج الذي ذكره الحافظ في عداد المخضرمين وقال: أخرج عبيد بن محمد الكشوري في تأريخه من طريق هشام بن يوسف عن عمر بن نعيم: سمعت النعمان بن برزج؛ وكان عاش ثلاثين في الجاهلية ومئة سنة في الإسلام. وقال الحافظ: النعمان بن برزج اليماني سن أهل صنعاء. قال ابن حبان: له صحبة. وقال ابن عساكر: أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يلقه، وقدم الشام في عهد عمر (الإصابة في تمييز الصحابة ٦/ ٣٩١ / ت ٨٨٩٠). ٣ - ولقد ترجم الحافظ لـ (باذام أو باذان) الفارسي فيمن أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يجتمع به سواء أسلم في حياته، أم بعده، فقال: باذان الفارسي من الأبناء الذين بعثهم كسرى إلى اليمن، وكان ملك اليمن في زمانه، وأسلم باذان لما هلك كسرى وبعث بإسلامه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستعمله على بلاده ثم مات فاستعمل ابنه شهر بن باذان على بعض عمله. ذكر ذلك ابن إسحاق، وابن هشام، والواقدي، والطبري، وذكره في الصحابة الباوردي وغيره، وسيأتي له ذكر في ترجمة جدجميرة في حرف الجيم وأخباره مذكورة في التأريخ والسير. وقال الثعلبي: هو أول من أسلم من ملوك العجم وأول من أمّر في الإسلام على اليمن. وقال =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- *= الفاكهي: حدثنا يحيى بن أبي طالب حدثنا علي بن عاصم عن داود عن الشعبي قال: كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى فمزق كتابه وكتب إلى باذان: "أرسل إليه من يأمره بالرجوع إلى دين قومه فإن أبى فقاتله ... " فذكر الحديث وفيه: قال فخرج باذان من اليمن إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلحقه العنسي الكذاب فقتله اهـ. (الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٤٦٤ / ت ٧٥٩). قلنا: وهذا إسناد مرسل من مراسيل الشعبي، ومعلوم: أن مراسيل الشعبي ليست كغيره فقد قال العجلي: ومرسل الشعبي صحيح لا يكاد يرسل إلا صحيحًا، وقاله عبد الملك بن عمير (تهذيب الكمال / ت ٣٠٢٩). قلنا: ومنهجنا في تحقيق تأريخ الطبري: أنَّا أخذنا بالمراسيل إذا تعددت مخارجها وذلك العدول منا عن رأي الجمهور إلى رأي الشافعي؛ لأنها روايات في التأريخ لا في الحلال والحرام والعقيدة، والله أعلم. وبالإضافة إلى ذلك فإن الشعبي من أئمة المغازي كما قال عبد الملك بن عمير: مرّ ابن عمر على الشعبي وهو يحدِّث بالمغازي فقال: لقد شهدت القوم، فلهو أحفظ لها وأعلم بها (تهذيب الكمال ت ٣٠٢٩). ومرسل الشعبي هذا يتقوى بما ذكرنا من الروايات التي في إسنادها مقال: وبمرسل آخر هو: ٤ - قال ابن حجر: روى أبو سعيد النيسابوري في كتاب (شرف المصطفى) من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لما قدم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى وقرأه ومزّقه كتب إلى باذان وهو عامله باليمن ... الحديث. وفي آخره فأسلم وأسلمت الأبناء من آل فارس من كان منهم باليمن جميعًا (الإصابة ١/ ٦٣٢ / ت ١٢٧٨). ويرى المؤرخ البلاذري: أن باذام مات فتولى الرئاسة بعده داذويه (ويقال: إن باذام قد كان مات ورأس الأبناء بعده خليفة له يسمى داذويه وذلك أثبت) (فتوح البلدان / ١٤٦). ولا بأس هنا أن نذكر رأي الحافظ ابن كثير وهو إمام من أئمة التأريخ الإسلامي صاحب الموسوعة المعروفة (البداية والنهاية) فهو يرى رحمه الله: أن باذام عامل كسرى على اليمن أسلم فبعث إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنيابة اليمن بكاملها فلم يعزله منه حتى مات. فلما مات استنابه ابنه شهر بن باذام على صنعاء وبعض مخاليفه. فبعث أولًا في سنة عشر عليًّا، وخالدًا، ثم أرسل معاذًا، وأبا موسى الأشعري، وفرّق عمالة اليمن بين جماعة من الصحابة، فمنهم: شهر بن باذام، وعامر بن شهر الهمداني على همدان، وأبو موسى على مأرب ... إلخ. (البداية والنهاية ٦/ ٣١١). قلنا: ومسألة بعثه - صلى الله عليه وسلم - لعلي، وخالد رضي الله عنهما؛ فثابتة في الصحيح كما أخرج البخاري في صحيحه (باب بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليّ بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع). عن البراء بن عازب قال: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث عليًّا بعد ذلك مكانه ... الحديث. ورواه البخاري في مواضع أخرى مختلفة. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- *= ٥ - قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٩٢): فيروز الديلمي قاتل الأسود العنسي له صحبة. وقال البخاري في التأريخ الكبير (٤/ ١ / ١٣٦ / ت ٦١٦): فيروز الديلمي قاتل الأسود العنسي، ثم روى البخاري من طريق شيخه علي: ثنا محمد بن الحسن الصنعاني قال: أخبرني النعمان بن الزبير عن أبي صالح الأحمسي عن مر المؤذن قال: خرجت مع فيروز الديلمي في ألفين (وفي رواية في العيد): فأتيت عمر، ثم أتاه فيروز، فقال عمر: هذا فيروز قاتل الكذاب. اهـ. ٦ - قال الحافظ المزي في تهذيب الكمال: فيروز هو الذي قتل الأسود العنسي الذي كان تنبأ في اليمن (تهذيب الكمال / ت ٣٦٥). وأخرج المزي بسنده حديثًا عن فيروز الديلمي رضي الله عنه، والحديث أخرجه أبو داود في الأشربة، وفيه: أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: يا رسول الله! إن لنا أعنابًا ... الحديث. وحسن الألباني إسناده (سنن أبي داود / ٣٧١٠) وأخرجه النسائي (ح ٨٣٣٢). ٧ - وأخرج الطبراني (١٨/ ٣٣٠ / ٨٤٨) من طريق ضمرة بن ربيعة عن فيروز الديلمي: أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأس العنسي الكذاب. قال الحافظ معقبًا على سند هذا الحديث: - ضمرة لم يتابع عليه - والحافظ ابن حجر يرى: أنهم قتلوا الأسود العنسي، ثم أرسلوا في غيره عليه الصلاة والسلام، ولكن الخبر وصل إلى المدينة وقد توفي - صلى الله عليه وسلم - وهذا موافق لما جاء في رواية سيف (خ ٢٩): وفي آخره: وكتبنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخبر وذلك في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه الخبر من ليلته، وقدمَت رُسُلُنا، وقد مات النبي - صلى الله عليه وسلم - صبيحة تلك الليلة فأجابنا أبو بكر رحمه الله. اهـ. وقال الحافظ: وأرسلوا الخبر إلى المدينة، فوافى بذلك عند وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال أبو الأسود عن عروة: أصيب الأسود قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بيوم وليلة، فأتاه الوحي، فأخبر به أصحابه، ثم جاء الخبر إلى أبي بكر رضي الله عنه (الفتح ٨/ ٩٣). وقد أشار الحافظ إلى رواية سيف هذه في الإصابة (٥/ ٢٩٠ / ت ٧٠٢٥). وأشار ابن عبد البر إلى فيروز الديلمي قدومه على النبي - صلى الله عليه وسلم - وحديثه في الأشربة وعقب على حديث ضمرة بن ربيعة: (أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأس الأسود العنسي): لم يتابع ضمرة (على قوله: عن الشيباني عن عبد الله الديلمي عن أبيه: أنه قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأس الأسود العنسي الكذاب) أحدٌ. وقد روى حديث فيروز الديلمي في قدومه على النبي وحديثه في الأشربة عن الشيباني عن عبد الله بن الديلمي عن أبيه جماعة، لم يذكر واحد منهم فيه: أنه قدم برأس الأسود العنسي الكذاب ... ثم قال ابن عبد البرِّ: وأهل السير لا يختلفون في أن الأسود العنسي الكذاب المتنبئ في صنعاء قتل في سنة إحدى عشرة، ومنهم من يقول: قتل في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وليس ذلك عندي بشيء ... والصحيح: أنه قُتلَ قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأتاه خبره وهو مريض مرضه الذي مات فيه. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- *= ولا خلاف أن فيروز الديلمي ممن قتل الأسود بن كعب العنسي اليمنى (الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣/ ٣٣٠ / ت ٢١٠٩). ٨ - أما ما ذكره سيف (في رواية الطبري) من أن معاذ بن جبل، وأبا موسى الأشعري كانا ممن بعثهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصحيح. فقد أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / ح ٤٣٤١): بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا موسى الأشعري ومعاذًا إلى اليمن وبعث كلّ واحدٍ منهما على مخلاف، واليمن مخلافان. ٩ - أما بالنسبة لـ (وبر بن يحنّس) الذي ورد ذكره في رواية الطبري من طريق سيف (٣٢) فسنذكر ما يؤيده بتوفيق الله تعالى: - فقد قال الحافظ -: وأخرج ابن السكن وابن منده من طريق عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري عن سليمان بن وهب عن النعمان بن برزج: أن وبر بن يحنّس قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قدمت صنعاء فائْتِ مسجدها الذي بحيال الضّبيل - جبل بصنعاء - فصلّ فيه". زاد ابن السكن في روايته: فلما قتل الأسود الكذاب؛ قال وبر: هذا الموضع الذي أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أصنع فيه المسجد. قال بن مندة: تفرد به الذماري (الإصابة ٦/ ٤٦٨ / ٩١٢٤). وقلنا: وكلام بن منده عن تفرد الذماري بهذا الحديث بحاجة إلي شيء من التفصيل؛ لأن بعض أئمة الجرح والتعديل لم يفرِّقوا بين عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري هذا وبين الشامي الذي ضعفه البخاري، وأبو الحاتم، ووثقه عمرو بن علي، وابن حبان، وقال الحافظ في التهذيب: والصواب التفريق بينهما، وكذلك فعل في التقريب فضعف الشامي، وقال عن الذماري هذا: صدوق كان يصحّف (التقريب ص ٣٦٣) فإسناد ابن مندة حسن إن شاء الله تعالى. وقال ابن عبد البر في ترجمة وبر بن يحنّس: وله صحبه، وهو الذي بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى داذويه الإصطخري، وفيروز الديلمي، وحشيش الديلمي باليمن ليقتلوا الأسود العنسي؛ الذي ادّعى النبوة (الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٤/ ١١٢ / ت ٢٧٤٥). ١٠ - أما عمرو بن حزام الذي ورد اسمه في رواية الطبري من طريق سيف فبحاجة إلي شيء من التفصيل: فقد أخرج البيهقي في الدلائل (٥) من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق ثنا عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: هذا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلي اليمن يفقه أهلها، ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب كتابًا ... الحديث. ثم قال البيهقي: وقد روى سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده هذا الحديث موصولًا بزيادات كثيرة في الزكاه والديات وغير ذلك. ونقصان عن بعض ما ذكرناه، وقد ذكرناه في كتاب السنن. اهـ وقلنا: والمواضع التي أشار إليها البيهقي في الدلائل وهي كالآتي في سننه (١/ ٨٨، ٣٠٩، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- *= ١٠/ ١٢٨): وقد ضعف العلامة ابن التركماني في الجوهر النقي على حاشية سنن البيهقي هذا الحديث، ونقل عن ابن معين قوله: لا يصح هذا الحديث (حاشية السنن ١/ ٨٨). قلنا: ومن الذين ضعفوه كذلك ابن حزم في المحلى (٨١١) والنووي في المجموع (٢/ ٧٢) وقد صححه غير واحد، كما أخرجه الحاكم مختصرًا جدًّا وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٩٥)، وابن حبان في صحيحه (موارد الظمآن / ٢٠٢) وصححه الطحاوي (٢/ ٤١٩) وابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٩٨) وغيرهم. ومن أراد المزيد عن حديث عمرو بن حزم وكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل اليمن؛ فليراجع ما كتبه الأستاذ الباغندي في حاشية مسند عمر بن عبد العزيز، فقد رجَّح قول من صححوا الحديث على قول من ضعفوه، وذكر طرق الحديث المختلفة، فجزاه الله خيرًا (راجع مسند عمر بن عبد العزيز / تحقيق الباغندي / ح ٨٠). ولقد ترجم الحافظ لعمرو بن حزم بن لوذان الأنصاري في الصحابة، وقال: شهد الخندق وما بعدها، واستعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - على نجران (الإصابة في تمييز الصحابة ٦/ ٥١٢ / ت ٥٨٢٦). ١١ - أما قيس بن عبد يغوث بن المكشوح الذي تحدث عنه سيف طويلًا في رواية الطبري (٢٩) فقد قال الحافظ: واختلف في صحبته، وقيل: إنه لم يسلم إلا في خلافة أبي بكر أو عمر، لكنهم ذكروا: أنه كان ممن أعان على قتل الأسود العنسي الذي ادعى النبوة باليمن، فهذا يدلّ على أنه أسلم في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر بقتل الأسود في الليلة التي قُتل فيها وذلك قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بيسير، وممن ذكر ذلك محمد بن إسحاق في السيرة (الإصابة ٥/ ٤٠٤ / ت ٧٣٢٨). وقال الحافظ: وكان ممن ارتد عن الإسلام باليمن، وقتل داذويه الفارسي، كما تقدم ذلك في ترجمته، وطلب فيروز ليقتله، ففرّ منه إلى خولان، ثم راجع الإسلام، وهاجر، وشهد الفتوح، وله في فتوح العراق آثار شهيرة في القادسية، وفي فتح نهاوند وغيرها، وتقدم له ذكر في ترجمة عمرو بن معد يكرب (الإصابة ٥/ ٤٠٤) وراجع أسد الغابة (٤٤٠٥). قلنا: وقد ذكرت رواية أخرى من غير طريق سيف بن عمر: أنه (أي: قيس بن المكشوح) شارك في قتل الأسود العنسي: فقد أخرج خليفة بن خياط عن أبي الحسن عن يعقوب بن داود الثقفي قال: سُئل أشياخنا بصنعاء عن مقتل الأسود العنسي، فقالوا: كنا نسمع آباءنا يذكرون: أن داذويه، وقيسًا، وفيروز دخلوا عليه بيته فحطم فيروز عنقه فقتله. (تأريخ خليفة / ١١٧). قلنا: وهذا إسناد ضعيف. وكذلك أخرج خليفة فقال: وحدثنا أبو الحسن عن عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري قال: دخل عليه فيروز، وداذويه، وقيس (تأريخ خليفة / ١١٧). قلنا: وهذا إسناد مرسل، ولعل هذه الروايات (ضعيف سيف، ومرسل الزهري) والرواية =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- *= عن أشياخ صنعاء تتقوى ببعضها وخاصة لأنها روايات في التأريخ لا دخل لها في مسائل العقيدة، ولا الحلال والحرام، والله أعلم. وهناك رواية رابعة عند البلاذري تخالف هذه الروايات الثلاث؛ فقد أخرج البلاذري: قال: أخبرني بكر بن الهيثم قال: حدثني ابن أنس اليماني عمن أخبره عن النعمان بن برزج؛ أحد الأبناء: أن عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أخرجه الأسود عن صنعاء: أبان بن سعيد بن العاص، وأن الذي قتل الأسود العنسي هو فيروز الديلمي، وأن قيسًا وفبروز ادعيا قتله وهما بالمدينة فقال عمر: قتله هذا الأسد، يعني: فيروز (فتوح البلدان / ١٤٨) وهذا إسناد منقطع إلَّا أن قول عمر: (قتله هذا الأسد، يعني: فيروز) قد أخرج نحوه البخاري في تأريخه كما ذكرنا سابقًا وبلفظ: فقال عمر: هذا فيروز قاتل الكذاب (الكبير ٤/ ١ / ١٣٦). ١٢ - أما زياد بن لبيد الأنصاري الذي ذكره سيف فيمن بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمالًا له على اليمن (الطبري ٢٥). فكذلك ذكره خليفة بن خياط في تأريخه: تسمية عماله - صلى الله عليه وسلم - وفيه: وفرق اليمن فاستعمل على صنعاء خالد بن سعيد بن العاص، وعلى كندة، والصدف المهاجر بن أبي أمية، وعلى حضرموت زياد بن لبيد الأنصاري أحد بني بياضة، ومعاذ بن جبل على الجند، والقضاء، وتعليم الناس الإسلام، وشرائعه، وقراءة القرآن، وولى أبا موسى الأشعري زبيد، ورِقع، وعدن، والساحل، وجعل قبض الصدقات من العمال الذين بها إلى معاذ بن جبل. وبعث عمر بن حزم إلى بلحارث بن كعب، وأبا سفيان بن حرب إلى نجران (تأريخ خليفة / ٩٧). أما البلاذري فهو يقول بإجماع أصحاب المغازي والسير: أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث زياد بن لبيد على حضرموت، فقال: وأجمعوا جميعًا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولى زياد بن لبيد حضر موت (فتوح البلدان / ٩٣). ١٣ - أما المهاجر بن أبي أمية والذي ذكره الطبري في روايته (٢٥) من طريق سيف، وأنه كان ممن أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن؛ فقد أخرج الطبراني عنه، قال: وفدت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرحب بي، وأدنى مجلسي، فلما أردت الرجوع؛ كتب ثلاث كتب: كتاب خاص بي فضَّلني فيه على قومي: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المهاجر بن أبي أمية: إن وائلًا يستسعيني ونوفلًا على الأقيال حيث كانوا من حضرموت ... الحديث). كما أشار الحافظ في الإصابة وذكر كذلك عن الزبير قوله: شهد بدرًا مع المشركين وقتل أخواه يومئذ: هشام ومسعود وكان اسمه الوليد، فغيّره النبي - صلى الله عليه وسلم - وولَّاه لما بعث العمال على صدقات صنعاء، فخرج عليه الأسود العنسي (الإصابة ٦/ ١٨٠ / ت ٨٢٧١)، (مؤتلف الدارقطني ١٦٣)، (أسد الغابة ٥١٣٤)، (الاستيعاب ٢٥٣). ١٤ - أما خالد بن سعيد بن العاص الذي ذكره سيف بن عمر (رواية الطبري ٢٤ - ٢٥) فقد وجدنا الحافظ قد ذكر روايتين في ذلك؛ الأولى قال فيها: وروينا في مناقب الشافعي =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- *= لمحمد بن رمضان بن شاكر: حدثنا محمد بن عبد الله بن الحكم، حدثنا الشافعي قال: (وجَّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليًّا، وخالدًا إلى اليمن ... الحديث). والرواية الثانية فقد قال الحافظ: وأخرج محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تأريخه من طريق خلاد بن يحيى عن خالد بن سعيد عن أبيه قال: (بعث رسولا الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن، وقال: "إذا مررت بقرية ... " الحديث. (الإصابة ٤/ ٥٦٩ / ت ٥٩٨٤). قلنا: أما الإسناد الأول؛ فهو معضل، وأما الإسناد الثاني؛ فهو إسناد مرسل وهو صحيح إلى مرسله. وأخرج البلاذري قال: حدثني بكر بن الهيثم قال: حدثني عبد الرزاق بن همام اليماني عن مشايخ حدثوه من أهل اليمن: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولى خالد بن سعيد بن العاص صنعاء، فأخرجه العنسي الكذاب عنها، وأنه ولّى المهاجر بن أبي أمية على كندة، وزياد بن لبيد الأنصاري على حضرموت والصدف، وهم ولد مالك بن مرتع بن معاوية بن كندة (فتوح البلدان). قلنا: وهذا إسناده ضعيف كما ترى. ١٥ - أما عبيد بن صخر بن لوذان الأنصاري؛ فقد ترجم له الحافظ في الإصابة في تمييز الصحابة، وقال: ذكره البغوي، وغيره في الصحابة، وقال ابن السكن: له صحبة ولم يصح سند حديثه وأخرجه هو، والبغوي، والطبري من طريق سيف بن عمر بن سهل بن يوسف عن أبيه عن عبيد بن صخر بن لوذان قال: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمال اليمن جميعًا فقال: "تعاهدوا القرآن بالمذاكرة ... " الحديث. وفيه: لما مات باذام فرّق النبي - صلى الله عليه وسلم - أعماله بين شهر بن باذام، وعامر بن شهر، وأبي موسى، والطاهر بن أبي هالة، وخالد بن سعيد، وعمرو بن حزم. وأخرج ابن السكن والطبري من هذا الوجه إلى صخر: وكان ممن بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - مع عمال اليمن (الإصابة ٤/ ٣٣٤ / ت ٥٣٥٩). قلنا: وهاتان روايتان ضعيفتان، فمدارهما على سيف بن عمر، والله أعلم. ١٦ - أما جشيش الديلمي؛ فقد ترجم له الحافظ في الإصابة (١/ ٦٣٥ / ت ١٢٩٠) فيمن أدرك الجاهلية ولم يَرِدْ: أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: كان ممن أعان على قتل الأسود الكذاب. ذكره الطبري، واستدركه ابن فتحون. اهـ. ثم ذكر الحافظ رواية سيف في كتابه (الردّة) والتي فيها: أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى جشيش وإلى داذويه وإلى فيروز يأمرهم بمحاربة الأسود العنسي. وأنه أخرجه من وجهين عن ابن عباس ثم قال: وكذلك ذكره الواقدي من رواية همام بن منبه (الإصابة ١/ ٦٣٥). قلنا: أما رواية سيف؛ فضعيفة، وكذلك رواية الواقدي، فهو متروك. (خلاصة القول في روايات قصة الأسود العنسي وما جرى بينه وبين عمال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمرائه وبعوثه إلى اليمن): نقول وبالله التوفيق: لقد جعلنا الأصل في روايات الطبري حول هذا الموضوع ضعيفة لأنها من طريق سيف بن عمر، ثم حاولنا أن نجمع ما وجدناه في =
١٢ / أ- حدَّثني عمر بن شبَّة، قال: حدَّثنا عن أبي معْشر، ويزيد بن عياض بن جُعْدَبة، وغسّان بن عبد الحميد، وجُوَيرِيَة بن أسماء، عن مشيختهم، قالوا: أمضى أبو بكر جيشَ أسامة بن زيد في آخر ربيع الأول، وأتى مقتلُ العنسيّ في آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة؛ وكان ذلك أوّل فتح أتى أبا بكر وهو بالمدينة ١ . (٣: ٢٤٠) .
- ١إسناده ضعيف وقد تحدثنا عن إسناده ومتنه في روايات الطبري عن إنفاذ أبي بكر لجيش أسامة فراجعهما هناك (١٧ - ٢٣).
١٢ / ب- وقال الواقديّ: في هذه السنة - أعني: سنة إحدى عشرة- قدِم وفد النَّخَع في النصف من المحرّم علَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، رأسُهم زُرارة بن عمرو، وهم آخر من قدم من الوفود.
وفيها ماتت فاطمة ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة الثلاثاء لثلاث خلَوْن من شهر رَمضان؛ وهي يومئذ ابنة تسع وعشرين سنة أو نحوها. وذكر: أنّ حدّثه عن إسحاق بن عبد الله، عن أبان بن صالح بذلك ١ (٣: ٢٤٠) .
- ١وفيها ماتت فاطمة ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان وهي يومئذ ابنة تسع وعشرين سنة أو غيرها، وذكر أن أبا بكر بن عبد الله حدثه عن إسحاق بن عبد الله عن أبان بن صالح بذلك. هذا إسناد ضعيف ولكن الصحيح: أنها توفيت في السنة التي توفي فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو اختيار ابن كثير والذهبي (البداية والنهاية ٦/ ٣٣٦)، (تأريخ الإسلام / عهد الخلفاء الراشدين / ٤٣) وهو ما تثبته رواية الزهري عن عروة الآتية.
- *= الصحاح، والمسانيد، والسنن، ومصادر التأريخ المعتمدة: (تأريخ ابن خليفة، فتوح البلدان للبلاذري، طبقات ابن سعد، وما رواه الحافظ من كتب ابن السكن، وابن مندة، وأبو سعيد النيسابوري وغيرهم بالأسانيد المذكورة في الإصابة). والحق يقال فإن سيف بن عمر عمدة في التأريخ، كما قال ابن حجر؛ الذي لم يقل هذه العبارة اعتباطًا، وإنما سبر رواياته التأريخية، ثم قال: ضعيف في الحديث، عمدة في التأريخ، وكذلك قال الذهبي: كان أخباريًا عارفًا بالتأريخ. أما ما لم نذكره في الصحيح من روايات سيف فسنعلق عليها في قسم الضعيف من عهد الخلفاء الراشدين. ولله المنة والفضل. فإن كنا قد أصبنا في تقسيمنا لروايات الأسود العنسي في تأريخ الطبري؛ فمن الله التوفيق، وإن كنا قد أخطأنا؛ فمن أنفسنا، ونستغفر الله. أما الرواية (٣٠) من طريق سيف عن ابن عمر قال: (أتى الخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - من السماء الليلة التي قتل فيها العنسي ليبشرنا، فقال: "قتل العنسي البارحة، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين": قيل: ومن هو؟ قال: "فيروز. فاز فيروز". فلم نجد له متابعًا. وكذلك قوله في نهاية الرواية (٣٢) قال: وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: "إن الله قتل الأسود الكذاب العنسي، قتله رجل من إخوانكم، وقوم قد أسلموا وصدقوا". فلم نجد من يتابع سيفًا في روايته هذه والله أعلم، إلَّا أنا ذكرنا: أن البخاري أخرج في صحيحه حديث أبي هريرة الذي فيه: أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى منامًا، وأوَّله بزوال كذابين يخرجان من بعده، ثم حديث ابن عباس الذي يقول فيه عبد الله رضي الله عنه: أحدهما: العنسي؛ الذي قتله فيروز باليمن، والآخر: مسيلمة الكذاب. (صحيح البخاري ح ٤٣٧٩) والحمد لله أولًا وآخرًا.
١٣ - قال: وحدثنا ابن جريج عن الزهريّ، عن عروة، قال: توفِّيتْ فاطمة بعد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بستة أشهر. قال الواقديّ: وهو أثبت عندنا. قال: وغسَّلها عليّ - عليه السلام -، وأسماء بنت عُمَيس ١ . (٣: ٢٤٠) .
- ١قلنا: وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها: أن فاطمة عاشت بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستة أشهر، ودفنت ليلًا. (المستدرك ٣/ ١٦٢) وكذلك عند ابن سعد في طبقاته (٨/ ٢٨) وقال خليفة بن خياط: وحدثني محمد بن معاوية عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، قال: لبثت بعد أبيها ستة أشهر (تأريخ خليفة / ٩٦). وقال ابن كثير: والصحيح ما ثبت في الصحيح من طريق الزهري عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة عاشت بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة أشهر ودفنت ليلًا (البداية والنهاية ٦/ ٣٣٨) أما سنها حين وفاتها فقد رجح الذهبي: أن سنها يوم وفاتها أربع وعشرون سنة رضي الله عنها (تأريخ الإسلام / عهد الخلفاء الراشدين / ٤٨).
١٤ - وحدَّثني عُبيد الله، قال: حدثنا عمّي، قال: أخبرنا سيف - وحدَّثني السَّريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سَيف عن المجالد بن سعيد، قال: لما فَصَل أسامة كفرت الأرض وتضرَّمت، وارتدّت من كلّ قبيلة عامة أو خاصة إلا قريشًا وثقيفًا ١ . (٣: ٢٤٢) .
- ١إسناده ضعيف وإن كان من أقل أسانيد سيف عند الطبري ضعفًا، ولم نجد هذه الرواية من طريق آخر مسندًا صحيحًا إلَّا أننا ذكرنا في الصحيح رواية عائشة رضي الله عنها، وصيغتها العموم دون تحديد.
(اشرأب النفاق وارتدت العرب) والله أعلم
١٥ - وحدَّثني عُبيد الله، قال: حدَّثنا عمّي، قال: أخبرَنا سيف - وحدَّثني السّريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سيف -عن ، عن أبيه، قال: لما مات رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وفَصل أسامة ارتدّت العرب عوامَّ أو خواصَّ؛ وتوَحَّى مسيلمة، وطُليحة، فاستغلظ أمرهما؛ واجتمع على طُليحة عوامُّ طيِّيء وأسد، وارتدَّت غَطَفان إلى ما كان من أشْجع وخواصّ من الأفناء فبايعوه، وقدّمت هوازن رِجْلًا، وأخَّرَتْ رِجْلًا، أمسكوا الصَّدقة إلَّا ما كان من ثَقِيف ولِفّها؛ فإنهم اقتدى بهم عوامّ جَدِيلة والأعجاز؛ وارتدّت خواصّ من بني سُليم؛ وكذلك سائر الناس بكلّ مكان. قال: وقدمت رسُل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من اليَمن واليمامة وبلاد بني أسد ووفود مَن كان كاتبه النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وأمِر أمرُه في الأسود، ومسيلمة، وطلحة بالأخبار والكتب؛ فدفعوا كتبَهم إلى أبي بكر، وأخبروه الخبر، فقال لهم أبو بكر: لا تبرحوا حتى تجيء رسلُ أمرائكم وغيرهم بأدْهى ممّا وصفتم وأمرّ؛ وانتقاضِ الأمور. فلم يلبَثُوا أن قَدِمَتْ كتبُ أمراء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من كلّ مكان بانتقاضِ عامَّة أو خاصَّه؛ وتبسُّطهم بأنواع الميل على المسلمين، فحاربهم أبو بكر بما كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حاربَهم بالرّسل. فردّ رسلَهم بأمره، وأتبعَ الرّسلَ رسلًا؛ وانتظر بمصادمتهم قدومَ أسامة؛ وكان أول مَنْ صادم عَبْس، وذُبْيان، عاجلوه، فقاتلهم قبل رجوع أسامة ١ . (٣: ٢٤٢/ ٢٤٣) .
- ١إسناده ضعيف ومتنه صحيح كما مر بنا في بقية أحاددث الردة وراجع تعليقنا على الحديث السابق.
١٦ - حدَّثني السريّ، قال: حدَّثنا شعيب عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجِدْع، وحرام بن عثمان، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: لما قدِم أسامة بن زيد خرج أبو بكر واستخلفه على المدينة، ومضى حتى انتهى إلى الرَّبَذَة يلقى بني عبس، وذُبيان، وجماعة من بني عبد مناة ابن كنانة، فلقيَهم بالأبْرَق، فقاتلهم فهزمَهم الله، وفَلَّهم، ثم رجع إلى المدينة، فلما جمَّ جند أسامة، وثاب مَن حول المدينة خرج إلى ذي القَصَّة فنزل بهم -وهو على بريد من المدينة تلقاء نَجْد - فقطّع فيها الجند، وعَقَد الألوية. عقد أحد عشر لواءً على أحد عشر جندًا، وأسَر أمير كلّ جند باستنفار مَنْ مَرّ به من المسلمين من أهل القوّة، وتخلَّف بعضُ أهل القوّة لمنع بلادهم ١ . (٣: ٢٤٨/ ٢٤٩) .
- ١إسناده ضعيف وخروج أبي بكر رضي الله عنه في بداية الأمر إلى ذي القصة معروف عند أئمة المغازي والسير؛ فقد ذكر خليفة بن خياط خروجه رضي الله عنه إلى ذي القصة فقال: ثم خرج إلى ذي القصة واستخلف على المدينة سنان الضميري وابن مسعود على أنقاب المدينة. وقال خليفة: فحدثنا علي بن محمد عن عبد الله بن عمر الأنصاري عن هشام بن عروة عن أبيه: قال: خرج أبو بكر من المدينة للنصف من جمادى الآخرة (تأريخ خليفة بن خياط / ١٠١) وكذلك ذكر البلاذري في كتابه خروج أبي بكر رضي الله عنه إلى القصَّة من أرض محارب لتوجيه الزحوف إلى أهل الردة ومعه المسلمون. (مقدمة في الردة بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبداية خلافة أبي بكر) قبل أن نناقش روايات الطبري في أحداث الردة والتي استغرقت ما يقرب من مئة صفحة، نود أن نذكر الحديث الصحيح عن الردة وموقف أبي بكر رضي الله عنه منها؛ إذ من المعلوم: أنه لما انتشر خبر وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ارتدت طوائف من العرب كثيرة، حتى أن ابن إسحاق حصر الذين لم يرتدوا بأهل المسجدين (المدينة ومكة) فعزم سيدنا أبو بكر لقتالهم وهداه الله للصواب في ذلك في أحرج مرحلة مرت بها جماعة الصحابة ودولة الخلافة بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأراد بعض الصحابة في بداية الأمر أن يقنعوا أبا بكر بالعدول عن رأيه فقال أبو بكر الصديق قولته المشهورة: والله لو منعوني عقالًا أو عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها وحسابه على الله". فقال أبو بكر: (والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال وقد قال: "إلا بحقها"، فقال عمر: فوالله ما هو إلَّا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت: أنه الحق). (صحيح البخاري، باب الاقتداء بسنن الرسول - صلى الله عليه وسلم -)، و (مسلم، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله وغيرها).
(مقدمة في الردة بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبداية خلافة أبي بكر)
١٧ - حدَّثنا عبيد الله بن سعد، قال: حدَّثنا عمي، قال: أخبرنا سيف - وحدثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سيف - عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد بن الخليل ، قالوا: لما أرَزَتْ عَبْس وذُبيان ولِفُّها إلى البُزَاخةَ، أرسل طليحة إلى جَدِيلة والغَوْث أن ينضمُّوا إليه، فتعجَّل إليه أناس من الحَيَّينِ، وأمروا قومهم باللحاق بهم، فقدِموا على طُلَيحَة، وبعث أبو بكر عَدِيًّا قبل توجيه خالد من ذي القَصَّة إلى قومه، وقال: أدْرِكْهُمْ لا يُؤكَلُوا. فخرج إليهم ففَتلهم في الذَرْوَة والغارب، وخرج خالد في أثره، وأمره أبو بكر أن يبدأ بطيِّيء على الأكناف، ثم يكون وجهه إلى البُزاخة، ثم يثلِّث بالبُطاح، ولا يريم إذا فرغ من قوم حتى يحدِّث إليه، ويأمره بذلك. وأظهر أبو بكر أنه خارج إلى ومنصبّ عليه منها حتى يلاقيَه بالأكناف، أكناف سَلْمَى؛ فخرج خالد فازورَّ عن البُزاخة، وجَنَح إلى أجأ، وأظهر أنه خارج إلى خيبَر، ثم منصبّ علمِهم، فقعَّد ذلك طيِّئًا وبطَّأهم عن طليحة؛ وقدم عليهم عديٌّ؛ فدعاهم فقالوا: لا نبايعْ أبا الفَصِيل أبدًا، فقال: لقد أتاكم قوم ليُبيحُنَّ حريمكم، ولتُكنُّنَّه بالفحْل الأكبر؛ فشأنكم به. فقالوا له: فاستقبل الجيش فنههْه عنّا حتى نستخرج من لحق بالبُزاخة منّا، فإنا إن خالفنا طُلَيحة وهم في يديه قَتلهم أو ارْتَهنهم. فاستقبل عديٌّ خالدًا وهو بالسُّنْح، فقال: يا خالد! أمسِكْ عنِّي ثلاثًا يجتمع لك خمسمئة مقاتل تضرب بهم عدوّك؛ وذلك خيرٌ من أن تُعْجِلَهم إلى النار؛ وتشاغلْ بهم؛ ففعل. فعاد عديّ إليهم وقد أرسلوا إخوانهم؛ فأتوْهم من بُزاخة كالمدَدِ لهم؛ ولولا ذلك لم يحركوا؛ فعاد عديّ بإسلامهم إلى خالد، وارتحل خالد نحو الأنسُر يريد جَدِيلة، فقال له عديّ: إن طيِّئًا كالطائر، وإن جَدِيلة أحدُ جناحَي طيّئ؛ فأجّلْني أيامًا لعلّ الله أن ينتقذ جَدِيلة كما انتقذ الغوْث؛ ففعل، فأتاهم عديّ فلم يزل بهم حتى بايعوه؛ فجاءه بإسلامهم، ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب؛ فكان خير مولود وُلد في أرضِ طّيئ، وأعظمه عليهم بركة. (٣: ٢٥٣/ ٢٥٤) .
١٨ - فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، قال: حُدَّثت: أنّ الناس لما اقتتلوا، قاتل عُيينة مع طليحة في سبعمئة من بني فزارة قتالًا شديدًا، وطُلَيحة متلفّف في كساء له بفناء بيت له من شَعَر، يتنبّأ لهم، والناس يقتتلون، فلما هزَّتْ عُيَينة الحرب، وضرَس القتال، كرَّ على طليحة، فقال: هل جاءك جبريل بعد؟ قال: لا، قال: فرجع فقاتل حتى إذَا ضرَس القتال وهزَّته الحرب كرَّ عليه فقال: لا أبا لك! أجاءك جبريل بعد؟ قال: لا والله، قال: يقول عُيينة حلِفًا: حتى متى! قد والله بلَغ منّا! قال: ثم رجع فقاتل، حتى إذا بلغ كرَّ عليه، فقال: هل جاءك جبريل بعد؟ قال: نعم، قال: فماذا قال لك؟ قال: قال لي: "إنَّ لك رحًا كرَحاه، وحديثًا لا تنساه" ، قال: يقول عيينة: أظنَّ أن قد علم الله أنه سيكون حديث لا تنساه؛ يا بني فزارة هكذا؛ فانصرفوا؛ فهذا والله كذَّاب. فانصرفوا وانهزم الناس فغَشوا طليحة يقولون: ماذا تأمرنا؟ وقد كان أعدّ فرسه عنده، وهيّأ بعيرًا لامرأته النَّوَار، فلما أن غَشَوه يقولون: ماذا تأمرنا؟ قام فوثب على فرسه، وحمل امرأته ثم نجا بها، وقال: من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله فلْيفعل؛ ثم سلك الحوشيَّة حتى لحق بالشأم وارفضّ جمعه؛ وقتل الله مَن قتل منهم، وبنو عامر قريبًا منهم على قادتِهم وسادتهم؛ وتلك القبائل من سُلَيم وهوازن على تلك الحال؛ فلما أوقع الله بطُليحة وفَزَارة ما أوقع، أقبل أولئك يقولون: ندخل فيما خرجنا منه، ونؤمن بالله ورسوله، نُسلم لحُكْمه في أموالنا وأنفسنا. (٣: ٢٥٦) .
١٩ - قال أبو جعفر: وكان سبب ارتداد عُيينة، وغطَفان، ومَن ارتدَّ من طيئ ما حدثنا عبيد الله بن سعد، قال: أخبرني عمّي، قال: أخبرني سيف - وحدثني السريّ قال: حدَّثنا شعيب عن سيف - عن طلحة بن الأعلم عن حبيب بن ربيعة الأسَديِّ، عن عُمارة بن فلان الأسديّ، قال: ارتدَّ طُلَيحة في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فادَّعى النبوّة، فوجَّه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ضِرار بن الأزور إلى عمَّاله علي بني أسد في ذلك، وأمرهم بالقيام في ذلك على كلّ مَن ارتدَّ، فأشجوْا طليحة وأخافوه، ونزل المسلمون بوَارِدَات. ونزل المشركون بسَمِيراء، فما زال المسلمون في نماء والمشركون في نقصان؛ حتى همَّ ضِرار بالمسير إلى طُليحة، فلم يَبْق [أحد] إلَّا أخذه سلَمًا، إلَّا ضربة كان ضربها بالجُراز، فنبا عنه، فشاعت في النّاس، فأُتي المسلمون وهم على ذلك بخبر موتِ نبيّهم - صلى الله عليه وسلم - وقال ناس من الناس لتلك الضربة: إنَّ السلاح لا يُحيك في طليحة؛ فما أمسى المسلمون من ذلك اليوم حتى عرفوا النقصان، وارفضَّ الناس إلى طُليحة واستطار أمرُه، وأقبل ذو الخِمارين عوفُ الجَذَمِيّ حتى نزل بإزائنا، وأرسل إليه ثُمامة بن أوْس بن لأم الطائيّ: إنّ معي من جَديلة خمسمئة، فإنْ دَهِمَكم أمر فنحن بالقُرْدُودة والإنسُر دُوَينَ الرمل. وأرسل إليه مُهَلْهِلُ بن زيد: إنّ معي حدَّ الغوث؛ فإنْ دهِمكم أمرٌ فنحن بالأكناف بحيال فَيد. وإنما تحدَّبتْ طيّئ على ذي الخمارين عوف: أنه كان بين أسَد وغَطَفَان وطيّئ حِلْفٌ في الجاهليّة، فلما كان قبل مبعث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - اجتمعتْ غَطَفان وأسَد على طيّئ، فأزاحوها عن دارها في الجاهلية: غَوْثها، وجَدِيلتها، فكره ذلك عَوْف؛ فقطع ما بينه وبين غَطَفان، وتتابع الحيَّانِ على الجَلاء، وأرسل عوف إلى الحيّين من طيّيء، فأعاد حِلْفهم، وقام بنصرتهم، فرجعوا إلى دُورهم، واشتدّ ذلك على غَطَفان؛ فلما مات رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قام عُيَينة بن حِصْن في غَطَفَان؛ فقال: ما أعرف حدودَ غَطَفَان منذ انقطع ما بيننا وبين بني أسَد؛ وإني لمجدّد الحِلْف الذي كان بيننا في القديم ومتابعٌ طليحة؛ والله لأنْ نتّبع نبيًّا من الحليفين أحبُّ من أن نتّبع نبيًّا من قريش؛ وقد مات محمد، وبَقِيَ طليحة! فطابَقُوه على رأيِه، ففعل وفعلوا.
فلمّا اجتمعت غطفان على المطابَقة لطليحة هَرب ضرار، وقُضاعيّ، وسنان، ومَن كان قام بشيء من أمر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في بني أسد إلى أبي بكر، وارفضّ مَن كان معهم، فأخبروا أبا بكر الخبر، وأمروه بالحذَر، فقال ضرار بن الأزور: فما رأيتُ أحدًا - ليس رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمْلأَ بحرب شَعواء من أبي بكر؛ فجعلنا نخبره، ولكأنما نخبره بما له ولا عليه. وقدمتْ عليه وفودُ بني أسد، وغَطَفَان، وهَوازِن، وطيّئ، وتلقتْ وفودُ قضاعة أسامة بن زيد، فحوَّزها إلى أبي بكر؛ فاجتمعوا بالمدينة فنزلوا على وجوه المسلمين لعاشر من مُتَوَفَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعرضوا الصلاةَ على أن يُعْفوا من الزّكاة، واجتمع مَلأ مَن أنزلهم على قبول ذلك حتى يبلغوا ما يريدون؛ فلم يبق من وجوه المسلمين أحد إلا أنزل منهم نازلًا إلا العبَّاس. ثم أتوا أبا بكر فأخبروه خبرهم وما أجمع عليه ملؤُهم، إلَّا ما كان من أبي بكر، فإنه أبي إلَّا ما كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذ، وأبوا، فردّهم وأجَّلهم يومًا وليلة؛ فتطايروا إلى عشائرهم. (٣: ٢٥٧/ ٢٥٨) .
٢٠ - حدَّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن سَهْل بن يوسف، قال: أخذ المسلمون رجلًا من بني أسَد، فأتِيَ به خالد بالغَمْر -وكان عالمًا بأمر طُليحة- فقال له خالد: حدِّثنا عنه وعما يقول لكم، فزعم أن مما أتي به: "والحمام واليمام، والصُّرَد الصَّوَّام، قد صمنا قبلكم بأعوام، ليبلغنّ مُلْكُنا العراق، والشام" . (٣: ٢٦) .
٢١ - حدَّثني السريّ، قال: حدَّثنا شعيب عن سيف، عن أبي يعقوب سعيد بن عبيد، قال: لما أرْزَى أهل الغَمْر إلى البُزاخة، قام فيهم طليحة، ثم قال: "أمرت أن تصنعوا رحًا ذات عُرًا، يرمي الله بها مَنْ رَمى، يهوي عليها من هوى" ، ثم عَبَّى جنوده. ثم قال: "ابعنَوا فارسين على فرسين إلى أبي بكر: إن بني عامر أقبلت بعد إعراض ودخلت في الإسلام بعد تربص، وإني لي أقبل من أحد قاتلني أو سالمني شيئًا حتى يجيئوني بمن عدا على المسلمين، فقتلهم كل قتلة، وبعثت إليك بقرّة وأصحابه ١ . (٣: ٢٦٢/ ٢٦٣) .
- ١أما بقية الروايات التي لم نذكرها فقد ذكرناها في القسم الضعيف من عهد الخلفاء الراشدين. أولًا: ذكر الروايات عند غير الطبري من المؤرخين المتقدمين: ١ - أخرج خليفة بن خياط من طريق علي بن محمد عن مسلمة، عن داود، عن عامر، وأبي معشر عن يزيد بن رومان: أن ألا بكر خرج إلى ذي القصة وهمّ بالمسير بنفسه. فقال له المسلمون: إنك لا تصنع بالمسير بنفسك شيئًا، ولا ندري لم تقصد؟ فأمِّر رجلًا تأمنه وتثق به وارجع إلى المدينة فإنك تركتها تغلي بالنفاق، فعقد لخالد بن الوليد على الناس، وأمَّر على الأنصار خاصة ثابت بن قيس بن شمَّاس وعليهم جميعًا خالد، وأمره أن يصمد لطليحة وأظهر أبو بكر مكيدة فقال لخالد: إني موافيك بمكان كذا وكذا (تأريخ خليفة / ١٠٢). ٢ - وقال مسلمة عن داود، عن عامر، وعثمان بن عبد الرحمن عن الزهري: أن خالدًا سار من ذي القصّة في ألفين وسبعمئة إلى الثلاثة آلاف يريد طليحة، ووجَّه عكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم بن ثعلبة الأنصاري حليف لهم من بليّ فانتهوا إلى قطن فصادفا بها حبالًا وأخذا ما معه. فخرج طليحة وسلمة ابنا خويلد فلقيا عكاشة وثابتًا، فقتلا عكاشة وثابتًا وسار خالد إلى بُزاخة، فلقي طليحة ومعه عيينة بن حصن الفزاري وقرّة بن هبيرة القيري، فاقتتلوا قتالًا شديدًا. وهزم الله طليحة وهرب إلى الشام وأسر عيينة وقرة بن هبيرة، فبعث بهما خالد إلى أبي بكر فحقن دماءهما، وتفرّق الناس عن بُزاخة، فأتى ناس غَمْرَ مرزوق، فسار إليهم خالد فقتل منهم ناسًا كثيرًا، وانهزم الآخرون بعد قتالٍ شديد (تأريخ خليفة / ١٠٢). ٣ - وأخرج خليفة بن خياط: حدثنا بكر عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: قاتل عيينة مع طليحة في سبعمئة من = = بين فزارة فانهزم الناس وهرب طليحة إلى الشام وانفض جمعه. (تأريخ خليفة / ١٠٣). هذه ثلاث روايات عن طليحة وما جرى بينه وبين المسلمين من وقائع (عند ابن خليفة). ٤ - قال الحافظ في الإصابة في ترجمة ثابت بن أقرم (حليف الأنصار): واتفق أهل المغازي على أن ثابت بن أقرم قتل في عهد أبي بكر، قتله طليحة بن خويلد الأسدي (الإصابة ١/ ٥٠١ / ت ٨٧٤). ٥ - أخرج يعقوب بن سفيان في تأريخه من طريق الزهري، قال: خرج أبو بكر غازيا، ثم أمر خالدًا وندب معه الناس، وأمره أن يسير في ضاحية مضر، فيقاتل من ارتد، ثم يسير إلى اليمامة، فسار فقاتل طليحة فهزمه الله تعالى فذكر القصّة (الإصابة ٣/ ٢٥٨) (المعرفة والتأريخ ٣/ ٢٩٠). ٦ - ونسب ابن حجر إلى محمد بن عثمان بن أبي شيبة: أنه أخرج من طريق عبد الملك بن عمير نحو ما رواه الزهري وفيها: يا أمير المؤمنين فمعاشرة جميلة، فإن الناس يتعاشرون مع البغضاء، قال: وأسلم طليحة إسلامًا صحيحًا ولم يُغْمَصْ عليه في إسلامه بعد، وأنشد له في صحة إسلامه شعرًا (الإصابة ٣/ ٤٤١) ثم ذكر الحافظ: أنه ناقش مع القاضي جلال الدين البلقيني رواية عند الشافعي ذكرها في الأم وفيها: (أن عمر رضي الله عنه قتل طليحة، وعيينة بن بدر) فاستغربه البلقيني جدًّا. وقال الحافظ: ولعله (أي لفظه): قتل بالباء الموحدة أي (قَبِلَ) منهما الإسلام فالله أعلم (الإصابة ٣/ ٤٤١). ٧ - أخرج البلاذري قال: حدثنا إبراهيم بن محمد عن عرعرة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: أخبرنا سفيان الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: قدم وفد بُزاخة على أبي بكر فخيّرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية. فقالوا: قد عرفنا الحرب المجلية فما السلم المخزية؟ قال: أن ننزع منكم الحلقة والكراع ونغنم ما أصبنا منكم، وتردّوا إلينا ما أصبتم منا، وتدُوا قتلانا ويكون قتلاكم في النار (فتوح البلدان / ١٣٢). قلنا: وفي الأصل عن قيس بن مسلم عن مسلم عن طارق بن شهاب وهو تصحيف أو خطأ مطبعي وإلَّا فإن قيسًا يروي عن طارق هذا بلا مباشرة. وقد صحح الحافظ ابن حجر إسنادًا أخرجه الطبري من طريق شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وغزوت في خلافة أبي بكر. وقال الحافظ أيضًا: وحديث طارق عن الصحابة في الكتب الستة، منهم الخلفاء الأربعة (الإصابة ٣/ ٤١٤). وأخرج الذهبي هذه الرواية في تأريخه عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: لمَّا قدم وفدُ بزاخة وأسد وغطفان على أبي بكر يسألونه الصلح ... الخبر ... وفي آخره: وتشهدون أن قتلانا في الجنة، وأن قتلاكم في النار، وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، فقال عمر: أمّا قولك: (تدون قتلانا) فإن قتلانا قتلوا على أمر الله لا ديات. فاتبع = = لا تنساه؛ يا بني فزارة هذا كذاب! وولّى عن عسكره فانهزم الناس وظهر المسلمون وأسر عيينة بن حصن فَقُدِمَ به المدينة فحقن أبو بكر دمه وخلى سبيله وهرب طليحة بن خويلد فدخل خباء له فاغتسل، وخرج فركب فرسه وأهلَّ بعمرة ثم مضى إلى مكة ثم أتى المدينة مسلمًا. وقيل: بل أتى الشام فأخذه المسلمون ممن كان غاديًا، وبعثوا به إلى أبي بكر بالمدينة فأسلم وأبلى في فتح العراق ونهاوند. وقال له عمر: أقتلت العبد الصالح عكاشة بن محصن؟ فقال: إن عكاشة بن محصن سُعِدَ بي وشقيت به وأنا أستغفر الله. ا. هـ. (فتوح البلدان ١٣٤) هكذا ذكره البلاذري بلا إسناد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- *= عمر. وقال عمر في الباقي: نعم ما رأيت (عهد الخلفاء الراشدين / ٣٢). وأخرج الحافظ ابن كثير هذه الرواية عن طارق بن شهاب مع اختلاف بسيط في الألفاظ ثم قال: ورواه البخاري من حديث الثوري بسنده مختصرًا. (البداية والنهاية ٦/ ٣٢٣). ٨ - وأخرج ابن سعد من طريق ضعيف (الواقدي) عن عميلة الفزاري عن أبيه قال: خرج خالد بن الوليد يستعرض الناس فكلما سمع أذانًا للوقت كفّ وإذا لم يسمع أذانًا أغار، فلما دنا من القوم ببزاخة بعث عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم طليعة أمامه يأتيانه بالخبر، وكانا فارسين، عكاشة على فرس يقال له: الرزام وثابت على فرس يقال له: المحبر، فلقيا طليحة وأخاه سلمة ابني خويلد طليعة لمن وراءهما من الناس فانفرد طليحة بعكاشة وسلمة بثابت بن أقرم فلم يلبث سلمة أن قتل ثابت بن أقرم، وصرخ طليحة بسلمة: أعنّي على هذا الرجل فإنه قاتلي. فكرّ سلمة على عكاشة فقتلاه جميعًا. وأقبل خالد بن الوليد معه المسلمون فلم يدعهم إلَّا ثابت بن أقرم قتيلًا تطؤه المطيّ فعظم ذلك على المسلمين، ثم لم يسيروا إلا يسيرًا حتى وطئوا عكاشة قتيلًا. (الطقبات ٣/ ٤٦٧). ٩ - وأخرج ابن سعد أيضًا رواية أخرى من طريق الواقدي عن أبي واقد الليثي قال: كنّا نحن المقدمة مئتي فارس وعلينا زيد بن الخطاب، وكان ثابت بن أقرم وعكاشة بن محصن أمامنا، فلما مررنا بهما سيء بنا، وخالد والمسلمون وراءنا بعد، فوقفنا عليهما حتى اطلع خالد بن الوليد يسير فأمرنا فحفرنا لهما ودفنَّاهما بدمائهما وثيابهما ولقد وجدنا بعكاشة جراحات منكرة، قال محمد بن عمر (أي: الواقدي): هذا أثبت ما سمعنا في قتلهما وكان قتلهما طليحة الأسدي ببزاخة سنة اثنتي عشرة (الطقبات ٣/ ٤٦٧). وقال ابن سعد: شهد بدرًا، وأحدًا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وخرج مع خالد بن الوليد إلى أهل الردة في خلافة أبي بكر، وكذلك قال ابن إسحاق. (٣/ ٤٦٦). ١٠ - أخرج البلاذري في فتوح البلدان: أن أبا بكر أمر خالدًا أن يصمد لطليحة بن خويلد الأسدي، وكان قد ادعى النبوة، وهو يومئذ ببزاخة، وبزاخة ماء لبني أسد بن خزيمة فسار إليه خالد وقدّم أمامه عكاشة بن محصن الأسدي، حليف بني عبد شمس، وثابت بن أقرم البلوي، حليف الأنصار، فلقيهما حبال بن خويلد فقتلاه وخرج طليحة وسلمة أخوه وقد بلغهما الخبر فلقيا عكاشة وثابتًا فقتلاهما، فقال طليحة: ذكرت أخي لما عرفت وجوههم ... وأيقنت أني ثائر بحبال عشية غادرت ابن أقرم ثاويًا ... وعكاشة الغنمي عند مجال ثم التقى المسلمون وعدوهم، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وكان عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر مع طليحة في سبعمئة من بني فزارة، فلما رأى سيوف المسلمين قد استلحمت المشركين؛ أتاه فقال له: أما ترى ما يصنع جيش أبي الفضل، فهل جاءك جبريل بشيء، قال: نعم جاءني فقال: إن لك رحًا مثل رحاه، ويومًا لا تنساه، فقال عيينة: أرى والله إن لك يومًا =
٢٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: لمّا فرغ خالد من أمر بني عامر وبيعتهم على ما بايعهم عليه، أوثق عُيينة بن حِصن وقُرّة بن هبيرة، فبعث بهما إلى أبي بكر، فلمّا قدِما عليه قال له قرّة: يا خليفةَ رسولِ الله! إنِّي قد كنت مسلمًا، ولي من ذلك على إسلامي عند شهادة؛ قد مرّ بي فأكرمته وقرّبته ومنعته. قال: فدَعا أبو بكر عمرَو بن العاص، فقال: ما تعلم من أمر هذا؟ فقصّ عليه الخبر، حتى انتهى إلى ما قال له من أمر الصّدقة، قال له قرّة: حسبك رحمك الله! قال: لا والله؛ حتى أبلِّغ له كلّ ما قلت، فبلّغ له، فتجاوز عنه أبو بكر، وحقَن دمه ١ . (٣: ٢٥٩ - ٢٦٠) .
- ١إسناده ضعيف ولكن له ما يشهد لأصل القصة (أي وقوع قرة بن هبيرة في الأسر ثم تجاوز أبي بكر عنه وأمره بأداء الصدقة وأنه أنكر أن يكون قد ارتد بقلبه). قال الحافظ في الإصابة: وهذا رواه ابن أبي داود والبغوي وابن شاهين من طريق الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد بن نشيط أن قرة بن هبيرة قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما كان في حجة الوداع نظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على ناقة قصيرة فقال: (يا قرّة كيف قلت حيث لقيتني) فذكره وزاد فيه: ثم بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن العاص إلى البحرين وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمرو هنالك ... ثم قال الحافظ (بعد قليل): وقصة مسيلمة أوردها ابن شاهين متصلة بالخبر المذكور وزاد عمر ويعني ابن العاص، فمررت بمسيلمة فأعطاني الأمان. ثم قال: إن محمدًا أرسل في جسيم الأمر وأرسلت في المحقرات. فقال: اعرض عليّ ما تقول فذكر كلامه، وفيه فقال عمرو: فقلت والله إنك من الكاذبين، فتوعدني فقال لي قرة بن هبيرة: ما فعل صاحبكم؟ فقلت: إن الله اختار له ما عنده، فقال: لا أصدّق أحدًا منكم بعد. قال: ثم لقيته بعد ذلك وقد أمّنه أبو بكر وكتب معه أن أدّ الصدقة، فقلت: ما حملك على ما قلت؟ قال: كان لي مال وولد فتخوّفت من مسيلمة وإنما أردت أني لا أصدّق من بعده أنه رسول الله (الإصابة ٥/ ٣٣٤ / ت ٧١٢١). أما علقمة بن علاثة الذي تحدثت عنه رواية سيف هذه فلقصته ما يؤيده عند ابن أبي شيبة في = = مصنفه من طريق أشعث عن ابن سيرين قال: ارتدّ علقمة بن علاثة فبعث أبو بكر إلى امرأته وولده، فقالت المرأة: إن كان علقمة كفر فإني لم أكفر أنا ولا ولدي، قال: فذكرت ذلك للشعبي فقال: هكذا فعل بهم (الإصابة ٤/ ٤٥٦ / ت ٥٦٩١) أي: أن تابعين جليلين يرويان هذه القصة مرسلًا، فتعددت مخارج الرواية المرسلة هذه علمًا بأن مراسيل الشعبي قوية والله أعلم.
ذكر ردة هوازن وسليم وعامر
٢٣ - حدَّثنا السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن سهل وعبد الله، قالا: أمّا بنو عامر فإنهم قدّموا رِجْلًا وأخروا أخرى، ونظروا ما تصنع أسد وغَطَفان؛ فلما أحيطَ بهم وبنو عامر على قادتِهم وسادتهم؛ كان قُرّة بن هُبيرة في كعب ومن لافَّها، وعلقمة بن عُلاثَة في كلاب ومَن لافَّها؛ وقد كان علقمة أسلمَ ثم ارتدّ في أزمان النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم خرج بعد فَتْح حتى لحق بالشام؛ فلما تُوُفِّيَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أقبل مسرعًا حتى عسكر في بني كَعْب، مقدّمًا رجلًا ومؤخِّرًا أخرى؛ وبلغ ذلك أبا بكر، فبعث إليه سريّة، وأمَّر عليها القَعْقاع بن عمرو، وقال: يا قعقاع! سِرْ حتى تُغير على عَلْقمة بن عُلاثة، لعلك أن تأخذه لي أو تقتله؛ واعلم أنّ شفاء الشَّق الحوْص، فاصنع ما عندك. فخرج في تلك السريّة؛ حتى أغار على الماء الذي عليه عَلْقمة؛ وكان لا يبرح أن يكون على رِجْل؛ فسابقهم على فرسِه؛ فسبقهم مراكضةً، وأسلم أهلُه وولده، فانتسف امرأتَه وبناتِه ونساءَه، ومَن أقام من الرجال؛ فاتّقوْه بالإسلام، فقدِم بهم على أبي بكر، فجحد ولده وزوجته أن يكونوا مالؤوا علقمة، وكانوا مقيمين في الدار، فلم يبلغه إلّا ذلك، وقالوا: ما ذنبنا فيما صنع علقمة من ذلك! فأرسلهم ثم أسلم، فقبل ذلك منه ١ . (٣: ٢٦١ - ٢٦٢) .
- ١إسناده ضعيف وقد ذكرناه في قسم الصحيح لشواهده وقد ذكرنا بعضها عند تحقيقنا للأثر (٦٤) فراجعها هنالك وهي تتعلق بمقدم أهل علقمة بن علاثة على أبي بكر وإقرارهم بالإسلام وأنهم لم يوافقوا علقمة بن علاثة على ارتداده. أما لحوقه بالشام فله ما يؤيده عند أبي عوانة في صحيحه من طريق ابن أبي حدْرد الأسلمي = = قال: قال محمد بن مسلمة: كنا يومًا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا حسان! أنشدني من شعر الجاهلية. فأنشده قصيدة الأعشى التي هجا بها علقمة بن علاثة، ومدح عامر بن الطفيل. فقال: يا حسّان لا تعد تنشدني هذه القصيدة. فقال: يا رسول الله تنهاني عن رجل مشرك مقيم عند قيصر. فقال: إن قيصر سأل أبا سفيان عنّي فتناول مني، وسأل علقمة فأحسن القول، فإن أشكر الناس للناس أشكرُهم لله تعالى. (الإصابة ٤/ ٤٥٦).
ذكر خبر أهل البحرين وردة الحطم ومن تجمع معه بالبحرين
٢٧ - قال أبو جعفر: وكان فيما بلَغنا من خَبَر أهل البحرين وارتداد مَنِ ارتدّ منهم كما حدثنا عبيد الله بن سعد، قال: أخبرَنا عَمّي يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا سَيف، قال: خرج العَلاء بن الحضرميّ نحو البحرين؛ وكان من حديث البحرين: أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - والمنذر بن ساوى اشتكيا في شهر واحد، ثم مات المنذر بعد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بقليل، وارتدّ بعده أهلُ البحرين، فأمَّا عبد القيس ففاءت، وأمَّا بكر فتمَّت على رِدّتها؛ وكان الذي ثنَى عبدَ القيس الجارودُ حتى فاؤوا ١ . (٣٠١: ٣) .
- ١إسناده ضعيف وسنورد ما يؤيده بعد الرواية (١١٥) إن شاء الله تعالى.
٢٨ - حدَّثنا عُبيد الله، قال: أخبرَنا عمّي، قال: أخبرنا سيف عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: قَدِم الجارود بن المُعَلَّى عَلَى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مرتدًّا، فقال: أسلِم يا جارود، فقال: إنّ لي دينًا، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنّ دينك يا جارود ليس بشيء، وليس بدين؛ فقال له الجارود: فإنْ أنا أسلمت فما كان من تبعةٍ في الإسلام فعليك؟ قال: نعم. فأسلم ومكث بالمدينة حتى فَقُهَ. فلما أرادَ الخروج، قال: يا رسولَ الله، هل نجدُ عند أحد منكم ظهرًا نتبلّغ عليه؟ قال: ما أصبح عندنا ظهر. قال: يا رسول الله؛ إنَّا نَجِد بالطريق ضَوالّ من هذه الضوالّ، قال: تلك حَرقُ النار، فإيَّاك وإيَّاها. فلمَّا قدم على قومه دعاهم إلى الإسلام فأجابوه كلُّهم، فلم يلبث إلّا يسيرًا حتى مات النبيّ - صلى الله عليه وسلم -. فقالت عبد القيس: لو كان محمدٌ نبيًّا لما مات؛ وارتدوا، وبلغه ذلك فبعث فيهم فجمعهم، ثم قام فخَطَبهم، فقال: يا معشَر عبد القيس! إني سائلُكم عن أمر فأخبروني به إن علمتموه ولا تجيبوني إن لم تَعْلموا قالوا: سلْ عَمَّا بدا لك، قال: تعلمون أنَّه كان لله أنبياء فيما مضى؟ قالوا: نعم، قال: تعلمونه أو ترونه؟ قالوا: لا بل نعلمه، قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال: فإن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - مات كما ماتوا، وأنا أشهد وأنّ محمدًا عبده ورسوله، قالوا: ونحن نشهد وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنَّك سيِّدنا وأفضلُنا. وثبتوا على إسلامهم، ولم يبسطوا ولم يُبْسَط إليهم وخَلَّوْا بين سائر ربيعة وبين المنذر والمسلمين، فكان المنذر مشتغلًا بهم حياته، فلمَّا مات المنذر حُصِر أصحاب المنذر في مكانين حتى تنقَّذهم العلاء ١ . (٣: ٣٠١/ ٣٠٢) .
- ١إسناده ضعيف وهو أقل أسانيد سيف ضعفًا عند الطبري.
٢٩ - قال أبو جعفر: وأما ابن إسحاق فإنه قال في ذلك ما حدَّثنا به ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عنه، قال: لمَّا فرغ من اليَمامة بعث أبو بكر رضي الله عنه العَلاء بن الحضرميّ. وكان العَلاء هو الذِي كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه إلى المنذر بن ساوى العبديّ، فأسلم المنذر، فأقام بها العلاء أميرًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمات المنذر بن ساوى بالبحرين بعد متوفَّى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان بعُمان، فتوفّي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وعمرو بها فأقبل عمرو، فمرّ بالمنذر بن ساوى وهو بالموت فدخل عليه فقال المنذر له: كم كان رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يجعل للميّت من المسلمين من ماله عند وفاته؟ قال عمرو: فقلت له: كان يجعل له الثّلُث؛ قال: فما ترى لِي أن أصنع في ثلُث مالي؟ قال عمرو: فقلت له: إن شئت قسمتَه في أهل قرابتك، وجعلتَه في سبيل الخير؛ وإن شئت تصدّقت به فجعلته صدقةً مُحَرّمة تجري من بعدك على مَنْ تصدّقت به عليه. قال: ما أحبّ أن أجعل من مالي شيئًا محرّمًا كالبَحيرة والسَّائبة والوَصِيلة والحامِي ولكن أقسمه، فأنفذه على مَنْ أوصيتُ به له يصنع به ما يشاء. قال: فكان عمرو يعجب لها من قوله. من العرب، إلا الجارود بن عمرو بن حَنَش بن مُعَلَّى؛ فإنه ثبت على الإسلام ومَن معه من قومه، وقامَ حين بلغته وفاة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وارتداد العرب، إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، وأكفر من لا يشهد. واجتمعت ربيعة بالبحرين وارتدّت، فقالوا: نردُّ الملْكَ في آل المنذر، فملَّكوا المنذر بن النعمان بن المنذر، وكان يُسَمَّى الغَرور، وكان يقول حين أسلم وأسلم الناس وغلبهم السيف: لستُ بالغَرُور؛ ولكنّي المغرور.
٣٠ - حدَّثنا عُبيد الله بن سعد، قال: أخبرَنا عمّي، قال: أخبرنا سَيفٌ، عن إسماعيل بن مسلم، عن عُمَير بن فلان العَبْدِيّ، قال: لمَّا مات النبيّ - صلى الله عليه وسلم - خرج الحُطَمُ بن ضُبَيعة أخو بني قيس بن ثعلبة فيمَن اتّبعه من بكر بن وائل على الرّدّة، ومَنْ تأشَّب إليه من غير المرتدّين ممَّن لم يزل كافرًا، حتى نزل القَطِيف وهَجَر، واستغوى الخطّ ومن فيها من الزُّطّ والسَّيابجة، وبَعث بعثًا إلى دارِين، فأقاموا له ليجعلَ عبدَ القَيس بينه وبينهم، وكانوا مخالفين لهم، يمدُّون المنذر والمسلمين؛ وأرسل إلى الغَرور بن سُوَيد، أخي النعمان بن المنذر؛ فبعثه إلى جؤاثَى، وقال: اثبت، فإني إن ظفرت ملَّكتك بالبحرين حتى تكون كالنعمان بالحيرة. وبعث إلى جؤاثى، فحصرهم وألحُّوا عليهم فاشتدّ على المحصورين الحصر، وفي المسلمين المحصورين رَجُل من صالح المسلمين يقال له عبد الله بن حذَف؛ أحد بني أبي بكر بن كِلاب، وقد اشتدّ عليه وعليهم الجوع حتى كادوا أن يهلكوا. وقال في ذلك عبد الله بن حَذَف: ألا أبْلغْ أبا بَكْر رسولًا ... وفِتْيانَ المدينة أجمعينَا فهل لكُمُ إلى قومٍ كِرَامٍ ... قُعُود في جُؤاثى مُحْصَرينا! كأنَّ دِمَاءَهُمْ في كلِّ فَجّ ... شُعَاعُ الشَمس يغْشَى الناظرينا توكّلْنا على الرَّحمن إنَّا ... وَجَدْنا الصَّبْرَ للمتوكِّلينا ١
- ١إسناده معضل وإليك ما ورد في الباب (كما علمنا): ١ - قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى وهو يتحدث عن ردة أهل البحرين: إلا قرية تسمى جواثى (كانت أول قرية أقامت الجمعة من أهل الردة) كما ثبت في البخاري عن ابن عباس (البداية والنهاية ٦/ ٣٣٢). ٢ - قال الحافظ في ترجمة المنذر بن ساوى: وكان عامل البحرين وكتب إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - مع العلاء بن الحضرمي قبل الفنح فأسلم. ذكره ابن إسحاق وغير واحد وزاد الواقدي: ثم استقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - العلاء بن الحضرمي واستخلف المنذر بن ساوى مكانه. وأخرج الطبراني من طريق أبي مجلز عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المنذر بن ساوى: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم له ذمة الله ورسوله) ونسبه ابن الأثير الجزري إلى ابن مندة وأبي نعيم من طريق أبي مجلز عن أبي عبيدة به (أسد الغابة ٥/ ٢٥٥ / ت ١٥٠٦). وقال الحافظ أيضًا: وذكر أبو جعفر الطبراني: أن المنذر هذا مات بالقرب من وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحضره عمرو بن العاص فقال له: كم جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - للميت من ماله عند الموت؟ قال: الثلث. قال: فما ترى أن أصنع في ثلثي؟ قال: إن شئت قسمته في سبيل الخير وإن شئت جعلت غلّته تجري بعدك على من شئت قال: ما أحب أن أجعل شيئًا من مالي كالسائبة ولكن أقسمه. قال الرّشاطي: لم يذكره ابن عبد البر. قلت (أي: ابن حجر): هو على شرطه ولو لم يثبت أنه وفد (الإصابة ٦/ ١٧٠ / ت ٨٢٣٤). ٣ - أخرج ابن سعد في طبقاته عن العلاء بن الحضرمي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه منصرفه من الجعرانة إلى المنذر بن ساوى العبدي بالبحرين، وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المنذر بن ساوى معه كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام. وخلى بينه العلاء بن الحضرمي وبين الصدقة يجتبيها ... إلى آخره. وهو من طريق الواقدي وهو ضعيف. ٤ - وأخرج خليفة بن خياط في (ردة البحرين) قال أبو عبيدة عن حماد عن علي بن زيد عن الحسن: أن الخطم شدّ الجارود وثاقًا. وفي إسناده علي بن زيد وهو ضعيف ولكن استشهدنا به لأنه من روايته عن الحسن وهو من الملازمين له وهذه الرواية ليست في الحلال والحرام ولا في العقيدة ولا طعن فيها في عدالة الصحابة والله أعلم. = وأخرج أيضًا: قال علي: فحدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: وبعث أبو بكر العلاء بن الحضرمي إلى البحرين - وكانوا ارتدوا إلا نفرًا ثبتوا مع الجارود فالتقوا بجؤاثى فهزمهم الله وقتل منهم مقتلة. وهذا إسناد صحيح. وأخرج أيضًا: عن ابن إسحاق معضلًا قال: حدثنا بكر عن ابن إسحاق قال: حاصرهم العلاء بجؤاثى حتى كاد المسلمون يهلكوا من الجهد، فسمعوا أصواتًا كثيرة شديدة، فقال عبد الله بن حذف: دعوني أهبط من الحصن فآتيكم بالخبر، فنزل من الحصن فأخذوه فقالوا: من أنت؟ فانتسب وجعل ينادي: يا أبجراه، فعرفه أبجر فمنّ عليه، فرجع إلى أصحابه فأخبرهم: أن القوم سكارى، فبيتهم العلاء فيمن معه فقتلوهم قتلًا شديدًا (تأريخ خليفة ١١٦). ٥ - وذكر ابن سعد الجارود (الطبقات الكبرى ٥/ ٥٥٩) فيمن كانوا بالبحرين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر قصة قدومه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (بلا إسناد) وقال في آخر القصة: وكان الجارود قد أدرك الردة فلما رجع قومه مع المعرور بن المنذر بن النعمان قام الجارود فشهد شهادة الحق ودعا إلى الإسلام. وقال: أيها الناس إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأكفر من لم يشهد وقال رضينا بدين الله من كل حادث وبالله الرحمن نرضى به ربًا. ٦ - أما عبد الله بن حذف (أو حذق) فقد ترجم له الحافظ ابن حجر فيمن أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يره وقال: ذكره وثيمة في (كتاب الردة) فيمن ثبت على إسلامه وأنشد له في ذلك قوله: ألا أبلغ أبا بكر رسولًا ... وفتيان المدينة أجمعينا ... إلخ (كما عند الطبري). (الإصابة في تمييز الصحابة ٥/ ٦٥ / ت ٦٣٢٢).
(٣: ٣٠٢/ ٣٠٣ / ٣٠٤) .
ذكر الخبر عما جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الإمارة في سقيفة بني ساعدة
٩ - حدَّثنا هشام بن محمد، عن أبي مخنْف، قال: حدّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاريّ: أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لما قُبِض اجتمعت الأنصارُ في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: نُولّي هذا الأمر بعد محمد - عليه السلام - سعدَ بن عبادة، وأخرجوا سعدًا إليهم وهو مريض؛ فلما اجتمعوا قال لابنه أو بعض بني عمّه: إنّي لا أقدِر لشكوايَ أن أسمع القوم كلّهم كلامي؛ ولكن تَلَقَّ منّي قولي فأسْمِعْهموه؛ فكان يتكلّم ويحفظ الرجل قوله، فيرفع صوتَه فيسمع أصحابه، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا معشر الأنصار! لكم سابقةٌ في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب؛ إنّ محمّدًا - عليه السلام - لَبِث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرّحمن وخلْع الأنداد والأوثان؛ فما آمن به من قومه إلا رجالٌ قليل؛ وكان ما كانوا يقدرون على أن يمنعُوا رسولَ الله؛ ولا أن يُعزُّوا دينَه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيمًا عُمُّوا به؛ حتى إذا أراد بكم الفضيلةَ، ساق إليكم الكرامةَ وخصّكم بالنعمة، فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله، والمنعَ له ولأصحابه، والإعزازَ له ولدينه، والجهادَ لأعدائه؛ فكنتم أشدَّ الناس على عدوّه منكم، وأثقلَه على عدوّه من غيركم، حتى استقامت العرب لأمر الله طوعًا وكرهًا، وأعطى البعيدُ المقادةَ صاغرًا داخرًا، حتى أثخن الله عز وجلّ لرسوله بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب؛ وتوفّاه الله وهو عنكم راض؛ وبكم قرير عين. استبدّوا بهذا الألمر فإنّه لكم دون الناس.
فأجابوه بأجمعهم: أن قد وُفِّقتَ في الرأي وأصبت في القول، ولن نعدُوَ ما رأيت، ونولِّيك هذا الأمر، فإنك فينا مَقنَعٌ ولصالح المؤمنين رضا. ثم إنهم ترادُّوا الكلامَ بينهم، فقالوا: فإن أبَتْ مهاجرة قريش؟ فقالوا: نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الأوّلون؛ ونحن عشيرته وأولياؤه؛ فعَلامَ تنازعوننا هذا الأمر بعده! فقالت طائفة منهم: فإنّا نقولُ إذًا: منَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ؛ ولن نرضى بدون هذا الأمر أبدًا. فقال سعدُ بن عبادة حين سمعها: هذا أول الوهَن!
وأتى عمرَ الخبرُ، فأقبل إلى منزل النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فأرسل إلى أبي بكر وأبو بكر في الدار - عليه السلام - دائب في جِهاز رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فأرسل إلى أبي بكر أن اخرج إليّ، فأرسل إليه: إنّي مشتغل؛ فأرسل إليه أنه قد حدَث أمرٌ لا بدّ لك من حضوره؛ فخرج إليه، فقال: أمَّا علمتَ أنّ الأنصار قد اجتمعت في سَقيفة بني ساعدة، يريدون أن يولُّوا هذا الأمر سعدَ بن عبادة؛ وأحسنهم مقالةً مَنْ يقول: منّا أمير ومِن قريش أمير! فمضيا مسرعين نحوهم؛ فلقيَا أبا عُبيدة بن الجراح؛ فتماشَوْا إليهم ثلاثتُهم، فلقيَهم عاصم بن عديّ وعُوَيمُ بن ساعدة، فقالا لهم: ارجعوا فإنه لا يكون ما تريدون، فقالوا: لا نفعل، فجاؤوا وهم مجتمعون. فقال : أتيناهم - وقد كنت زوَّرت كلامًا أردت أن أقوم به فيهم - فلما أن دفعتُ إليهم ذهبتُ لأبتدئ المنطق، فقال لي أبو بكر: رُوَيدًا حتى أتكلّم ثم انطقْ بعد بما أحببت. فنطق، فقال عمر: فما شيء كنتُ أردت أن أقوله إلّا وقد أتى به أو زاد عليه. فقال عبد الله بن عبد الرحمن: فبدأ أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الله بعث محمدًا رسولًا إلى خلقه، وشهيدًا على أمته، ليعبُدوا الله ويوحّدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى، ويزعمون أنها لهم عنده شافعةٌ، ولهم نافعة، وإنما هي من حَجَر منحوت، وخشب منجور، ثم قرأ: ﴿ لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، وقالوا: ﴿ اللَّهِ زُلْفَى﴾ ؛ فعظُم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخصّ الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه، والإيمان به، والمؤاساة له، والصبر معه على شدّة أذى قومهم لهم؛ وتكذيبهم إياهم؛ وكلُّ الناس لهم مخالف، زارٍ عليهم، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشَنَفِ الناس لهم، وإجماع قومهم عليهم، فهم أوّل مَنْ عَبَد الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول؛ وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقُّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم، وأنتم يا معشرَ الأنصار، مَنْ لا ينكَر فضلُهم في الدينِ، ولا سابقتُهم العظيمة في الإسلام، رضيَكم الله أنصارًا لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلّةُ أزواجه وأصحابه؛ فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحدٌ بمنزلتكم؛ فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تُفْتاتون بمشورة، ولا نقضي دونكم الأمور. قال: فقام الحُبَابُ بن المنذر بن الجموح، فقال: يا معشر الأنصار! املكوا عليكم أمرَكم؛ فإنّ الناس في فيئكم وفي ظِلّكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافِكم؛ ولن يُصدِر الناس إلّا عن رأيكم، أنتم أهل العزّ والثرْوَة، وأولو العَدد والمَنعة والتجربة، ذوو البأس والنجْدة؛ وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيُكم؛ وينتقض عليكم أمركم، فإن أبي هؤلاء إلّا ما سمعتم؛ فمنّا أمير ومنهم أمير. فقال عمر: هيهات لا يجتمع اثنان في قَرن! والله لا ترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيها من غيركم؛ ولكن العرب لا تمتنع أن تولّي أمرَها مَنْ كانت النبوّة فيهم ووَلي أمورهم منهم؛ ولنا بذلك على مَنْ أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين؛ مَنْ ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته. ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مُدْلٍ بباطل، أو مُتَجَانِف لإثم، ومتورِّط في هَلَكة!
فقام الحُباب بن المنذر فقال: يا معشرَ الأنصار! املكُوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر؛ فإن أبوْا عليكم ما سألتموه، فاجلُوهم عن هذه البلاد، وتولَّوا عليهم هذه الأمور؛ فأنتم والله أحقُّ بهذا الأمر منهم؛ فإنه بِأسيافكم دانَ لهذا الذين مَنْ دان ممّن لم يكن يدين؛ أنا جُذَيلُها المُحَكَّك، وعُذيقُها المُرَجَّب! أمَّا والله لئن شئتم لنعيدنّها جذَعَةً؛ فقال عمر: إذًا يقتلك الله! قال: بل إياك يقتل! فقال أبو عبيدة: يا معشرَ الأنصار! إنكم أوّل مَنْ نصر وآزرَ؛ فلا تكونوا أوّل مَنْ بدّل وغيّر.
فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير فقال: يا معشرَ الأنصار! إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدّين؛ ما أردنا به إلّا رضا ربنا وطاعة نبينا؛ والكَدْحَ لأنفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على النّاس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرَضًا؛ فإن الله وليّ المنة علينا بذلك؛ ألا إنّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من قريش، وقومُه أحقّ به وأولى. وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدًا، فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم! فقال أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيَّهما شئتم فبايعوا. فقالا: لا والله لا نتولّى هذا الأمر عليك؛ فإنك أفضلُ المهاجرين وثاني اثنين إذْ هما في الغار، وخليفةُ رسول الله على الصّلاة؛ والصَّلاةُ أفضلُ دين المسلمين؛ فمن ذا ينبغي له أن يتقدّمك أو يتولّى هذا الأمر عليك! ابسُط يدك نبايعك.
فلما ذهبا ليبايعاه، سبقهما إليه بشير بن سعد، فبايعه، فناداه الحُباب بن المنذر: يا بشير بن سعد! عَقّتك عَقاقِ؛ ما أحوجَك إلى ما صنعت، أنَفِسْتَ على ابن عمّك الإمارة! فقال: لا والله! ولكني كرهت أن أنازع قومًا حقًّا جعله الله لهم.
ولما رأت الأوسُ ما صنع بشير بن سعد، وما تدعُو إليه قريش، وما تطلبُ الخزرجُ من تأمير سعد بن عبادة؛ قال بعضهم لبعض، وفيهم أسَيد بن حُضير - وكان أحدَ النقباء -: والله لئن وليَتْها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة؛ ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبًا أبدًا، فقوموا فبايعوا أبا بكر. فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم. قال هشام: قال أبو مخنف: فحدّثني أبو بكر بن محمد الخُزاعيّ: أن أسلمَ أقبلتْ بجماعتها حتى تضائقَ بهم السكك، فبايعوا أبا بكر؛ فكان عمر يقول: ما هو إلّا أن رأيتُ أسلم، فأيقنتُ بالنّصر. قال هشام، عن أبي مخنف: قال عبدُ الله بن عبد الرحمن: فأقبَل الناس من كلّ جانب يبايعون أبا بكر، وكادوا يطؤون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدًا لا تطؤوه، فقال عمر: اقتلوه قتله الله! ثم قام على رأسه، فقال: لقد هممتُ أن أطأكَ حتى تُنْدَر عَضُدك، فأخذ سعد بلحية عمر، فقال: والله لو حصصتَ منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة؛ فقال أبو بكر: مهلًا يا عمر! الرّفْقُ ها هنا أبلغ. فأعرض عنه عمر. وقال سعد: أما والله لو أنّ بي قوّة ما، أقوى على النهوض؛ لسمعتَ منّي في أقطارها وسككها زَئيرًا يُحْجرك وأصحابك؛ أما والله إذا لألحقنك بقوم كنتَ فيهم تابعًا غير متبوع! احملوني مِنْ هذا المكان، فحملوه فأدخلوه في داره، وترك أيامًا ثم بعث إليه أن أقْبِل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومُك؛ فقال: أما والله حتى أرميَكم بما في كنانتي من نَبْلي، وأخْضب سنان رمْحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومَنْ أطاعني من قومي؛ فلا أفعل، وأيمُ الله لو أنّ الجنّ اجتمعتْ لكم مع الإنس ما بايعتُكم، حتى أعرَض على ربّي، وأعلَم ما حسابي.
فلما أتى أبو بكر بذلك قال له عمر: لا تَدَعْه حتى يبايع. فقال له بشير بن سعد: إنه قد لجّ وأبي، وليس بمبايعكم حتى يُقتل، وليس بمقتول حتى يُقتل معه ولدُه وأهل بيته وطائفة من عشيرته؛ فاتركوه فليس تركُه بضارّكم، إنما هو رجلٌ واحد. فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه لما بدَا لهم منه، فكان سعْد لا يصلِّي بصلاتهم، ولا يجمِّع معهم، ويحجّ، ولا يُفيض معهم بإفاضتهم؛ فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر رحمه الله ١ . (٣: ٢١٨ - ٢١٩ - ٢٢٠ - ٢٢١ - ٢٢٢) .
- ١هذه رواية تالفة مكذوبة في أول إسناده ابن الكلبي وهو كشيخه الهالك التالف أبي مخنف وهذه الرواية انفرد بها أبو مخنف وفي آخر الإسناد انتهطاع كذلك، فالسند لا يصح من أوله إلى آخره وأما متن الرواية فمنكر مخالف لما ورد في الروايات الصحيحة عند البخاري وغيره وفيه من سوء الأدب بحق صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فيه.
١٠ - حدَّثنا عُبيد الله بن سعد، قال: حدّثنا عمّي، قال: أخبرنا سَيف بن عمر عن سهل وأبي عثمان، عن الضحّاك بن خليفة، قال: لما قام الحُبابُ بن المنذر انتضَى سيفه؛ وقال: أنا جُذَيلُها المحكّك وعُذَيقها المرجّب؛ أنا أبو شبل في عرّيسة الأسد، يعزَى إلى الأسْد. فحامله عمر فضرب يده، فندَر السيفُ، فأخذه ثم وثب على سعد ووثبوا على سعد؛ وتتابع القوم على البيعة؛ وبايع سعد؛ وكانت فلتةً كفَلَتات الجاهليّة؛ قام أبو بكر دونها. وقال قائل حين أوطئ سعد: قتلتم سعدًا، فقال عمر: قتله الله! إنه منافق، واعترض عمرَ بالسيف صخرةٌ فقطعه ١ . (٣: ٢٢٣) .
- ١إسناده ضعيف فهو من طريق سيف بن عمر وفي متنه نكارة شديدة.
١١ - حدَّثنا عُبيد الله بن سعيد، قال: حدّثني عمّي يعقوب، قال: حدثنا سيف، عن مبشّر، عن جابر، قال: قال سعد بن عبادة يومئذ لأبي بكر: إنكم يا معشرَ المهاجرين حسدتموني على الإمارة؛ وإنك وقومي أجبرتموني على البَيعة، فقالوا: إنا لو أجْبَرناك على الفُرقة فصرت إلى الجماعة كنت في سَعة؛ ولكنا أجبرناك على الجماعة، فلا إقالة فيها؛ لئن نزعت يدًا من طاعة، أو فرّقت جماعة، لنَضرِبنّ الذي فيه عيناك ١ . (٣: ٢٢٣) .
- ١إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.
، ، ، ، ، ، ،