السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

فتح مكة

التاريخرمضان ٨
عمره ﷺ٦٠
ما نزل فيهالنصر ١

رمضان ٨، وعمره ﷺ ٦٠

تقرأ في محمد بن محمد العواجي، ١٦٦ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ

٨- فتح مكة: ذكر فيها أربع روايات مختصرة

١/٥٣١/٥٣

الأولى: عن الزهري قال: "أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ذكر فيها تاريخ خروجه إلى مكة، وعدد جيش المسلمين" ٤.

الرواية الثانية: عن الزهري مرسلة: ذكر فيها تاريخ فتح مكة ١.

  1. ١المصدر السابق ص ٨٦.

الراوية الثالثة: عن الزهري مرسلة: ذكر فيها بعث خالد بن الوليد ليقاتل من يعترضه من أهل مكة ١.

  1. ١المصدر السابق ص ٩٠.

الرواية الرابعة: عبد الرزاق عن مالك عن الزهري ذكر فيها دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه المغفر ١.

  1. ١المصدر السابق ص ٩١. ويلاحظ أن هذه الرواية ليست من طريق معمر
  2. *المصدر السابق ص ٨٦.
١/٥٤١/٥٤

٩- وقعة حنين: ذكر فيها سبع روايات بعضها مختصرة: الأولى: عن الزهري مرسلة، ذكر فيها خروج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مسلمة الفتح إلى حنين وذكر رئيس المشركين ونصر الله للمسلمين ونزول الآية ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ ٢.

الثانية: عن الزهري قال: أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب عن أبيه العباس، فذكر شهوده حنين وانكشاف الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم غير العباس وأبي سفيان بن الحارث، واندفاع النبي صلى الله عليه وسلم نحو المشركين على بغلته ثم نداء العباس للأنصار ورجوع الناس وانتصارهم ١.

  1. ١المصدر السابق ص ٩٢-٩٣.

الثالثة: عن الزهري قال: كان عبد الرحمن بن أزهر يحدث أن خالد بن الوليد.. فذكر إصابته بجرح وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم له والسؤال عنه ١.

  1. ١المصدر السابق ص ٩٣.

الرابعة: قال الزهري: فأخبرني سعيد بن المسيب، وذكر عدد سبي هوازن ١.

  1. ١المصدر السابق ص ٩٣.

الخامسة: قال الزهري: فأخبرني عروة بن الزبير، وذكر مجيء وفد هوازن وتخيير الرسول صلى الله عليه وسلم لهم برد المال أو السبي، واختيارهم للسبي ١.

  1. ١المصدر السابق ص ٩٣-٩٤.
  2. *المصدر السابق ص ٩١.
١/٥٥١/٥٥

السادسة: عن الزهري مرسلة ذكر فيها أن امرأة من السبي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف وأخرى تحت صفوان بن أمية فاختارت كل واحدة الرجوع إلى أهلها ١.

  1. ١المصدر السابق ص ٩٤.

السابعة: عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب ذكر فيها عمرة النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة ١ ١٠- قصة بئر معونة: ذكر فيها روايتين، الأولى: عن الزهري قال: أخبرني ابن كعب بن مالك، وذكر مجيء ملاعب الأسنة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهدية، ورد النبي صلى الله عليه وسلم لها لأنها من مشرك، ثم طلبه من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث رجالاً يعلمون أهل نجد الإسلام، ثم ذكر مقتل القراء ٢.

  1. ١المصدر السابق ص ٩٤.
  2. ٢المصدر السابق ص ٩٤-٩٥. ويلاحظ هنا ذكره لبئر معونة بعد حنين مع أن حقها في السنة الرابعة.

الثانية: عن الزهري عن عروة: ذكر فيها التماس المشركين لجسد عامر بن فهيرة فلم يقدروا عليه ١.

  1. ١المصدر السابق ص ٩٥.

١١- غزوة تبوك: ذكر فيها ثلاث روايات، الأولى: عن الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، وذكر قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا ١.

  1. ١المصدر السابق ص ١٠٦ وما بعدها.
١/٥٦١/٥٦

الثانية: عن الزهري مرسلة، ذكر فيها قصة تخلف أبي لبابة وربط نفسه بسارية المسجد حتى يتوب الله عليه ١.

  1. ١المصدر السابق ص ١١١-١١٢.

الثالثة: عن الزهري قال: أخبرني ابن كعب بن مالك، ذكر فيها إشارة أبي لبابة إلى حلقه عندما نزل بنو قريظة على حكم سعد، ويعني بذلك الذبح ١.

  1. ١المصدر السابق ص١١٢

١٢- مقتل ابن أبي الحُقَيق، رواية واحدة عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ذكر فيها تنافس الأنصار - الأوس والخزرج - على التضحية من أجل الإسلام، وإصابة الأوس كعب بن الأشرف، ثم استئذان الخزرج النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ابن أبي الحقيق، وذكر قصة قتله ١.

  1. ١المصدر السابق ص١١٣.

١٣- حديث الإفك رواية واحدة مطولة عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود من حديث عائشة، وذكر قصة الإفك بطولها ١.

  1. ١المصدر السابق ص١١٦.
١/٥٧١/٥٧

١٤- غزوة ذات السلاسل رواية واحدة عن الزهري مرسلة: ذكر فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بعثين بعدما جاء الذين كانوا بأرض الحبشة إلى الشام إلى كلب وبلقين وغسان، وتأمير الرسول صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة على أحد البعثين وعلى الآخر عمرو بن العاص ١.

  1. ١المصدر السابق ص١٥٠، ويُلحظ هنا عدم ترتيب الغزوات حسب التسلسل الزمني في مصنف عبد الرزاق.

أما القسم الثالث من الكتاب: فقد ذكر فيه روايات تتعلق بفترة الخلافة الراشدة، وليس لها علاقة بالموضوع وبعد: فهذه هي محتويات كتاب مغازي الزهري المقتبسة من مصنف عبد الرزاق

١- يُلحظ أنه أورد عن الزهري في المغازي إحدى وثلاثين رواية كلها من طريق معمر عن الزهري إلا رواية واحدة من طريق مالك عن الزهري وليس من طريق معمر، وهي دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه المغفر ١.

  1. ١المصدر السابق ٩١. ١- غزوة بدر ص (٨٥) . ٢- غزوة السَّوِيق ص ٨٦. ١- ذكر اسمه ونسبه وكنيته، وتاريخ مولده، ونشأته وطلبه للعلم،

أما دراستي فكانت جمع مرويات الزهري في المغازي من طريق معمر وغيره.

٢- أن تلك الروايات كلها مقتبسة من مصنف عبد الرزاق، أما الروايات التي جمعتها فكانت من المصادر الحديثية المسندة والتاريخية وكتب الطبقات والتراجم وغيرها.

١/٥٨١/٥٨

٣- أن تلك الروايات كلها مرسلة ماعدا ثماني روايات فقط موصولة، مع عدم ذكر المصادر الأخرى التي وصلت هذه الروايات المرسلة، أما الروايات المرسلة التي جمعتها فقد قمت بذكر من وصلها في المصادر الأخرى إلا إذا لم أجد ذلك البتة.

٤- أنه لم يذكر المصادر الحديثية التي خرجت هذه الروايات، وقد اعتمد اعتماداً كبيراً على الواقدي وابن سعد والبلاذري، بالإضافة إلى ذكر البخاري وأحمد أحياناً بينما دراستي كانت موثقة من الكتب المعتمدة.

٥- أنه لم يتبع التسلسل الزمني للأحداث ولم ينظمها وفق ذلك فنجده يذكر الحديبية ثم غزوة بدر، ثم وقعة الرجيع ثم أحد، وهو وإن كان اتبع منهج مصنف عبد الرزاق لكن كان المفترض أن ينظمها وفق التسلسل الزمني، بينما اتبعت في دراستي المنهج الذي سلكه الأوائل كابن إسحاق والواقدي وابن سعد في التسلسل الزمني للأحداث.

٦- عندما ترجم للزهري في المقدمة لم يذكر الأجزاء وأرقام الصفحات التي استقى منها تلك الترجمة واكتفى بذكر المصادر جملة بينما دراستي كانت موثقة بالجزء والصفحة.

٧- لا يصح إطلاق اسم (مغازي الزهري) على هذا الكتاب دون تقييد لئلا يغتر به، ويظن أنه يحوي جميع مرويات الزهري في المغازي، بينما يمكن إطلاق هذا الاسم على هذه الدراسة.

١/٥٩١/٥٩

٨- أنه لا يعني أن الدكتور سهيل زكار لم يقدم شيئاً عن الزهري، بل قد اجتهد في استخراج روايات الزهري، ولكن في نظري لم يوفها حقها، والله أعلم.

ثانياً: كتاب (بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب) تأليف د. عبد العزيز الدوري.

أفرد ترجمةً للزهري من ص ٨٦-١٠٢.

وقد قسم ترجمته إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: تناول فيه حياة الزهري، فذكر ولادته ووفاته، وأبرز شيوخه في المدينة، وقوة حافظته، وطلبه للعلم، وحرصه على ذلك حتى فاق أقرانه.

القسم الثاني: خصصه لمرويات الزهري، وقد قسمها إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى: فترة ما قبل الإسلام من ص ٨٢-٨٥.

المجموعة الثانية: الفترة المكية حتى بعد بيعة العقبة ص ٨٣-٨٥.

المجموعة الثالثة: الفترة المدنية، ابتدأها من الهجرة حتى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ويهمنا دراسة الروايات التي ذكرها في الفترة المدنية خاصةً ما يتعلق بالغزوات والسرايا، فقد ذكر عشرين عنواناً بين غزوة وسرية وهي: ٣- مقتل كعب بن الأشرف ص ٨٦.

١/٦٠١/٦٠

٤- مقتل ابن أبي الحُقيق ص ٨٦.

٥- غزوة بني قَيْنُقاع ص ٨٦.

٦- غزوة قرقرة الكُدْر ص ٨٧.

٧- سرية ضد بني سليم بِبُحران ص ٨٧.

٨- غزوة أُحد ص ٨٧.

٩- غزوة بني النضير ص ٨٧.

١٠- غزوة الخندق ص ٨٨.

١١- غزوة بني قريظة ص ٨٨.

١٢- سرية ضد بني لِحيان ص ٨٨.

١٣- حديث الإفك ص ٨٨.

١٤- سرية زيد بن حارثة إلى أم قِرْفَة ص ٨٩.

١٥- صلح الحديبية ص ٨٩.

١٦- غزوة خيبر ص ٨٩.

١٧- فتح مكة ص ٩٠.

١٨- غزوة هوازن ص ٩٠-٩١.

١٩- غزوة تبوك ص ٩١.

٢٠- غزوة دومة الجندل ص ٩١.

هذه هي الغزوات والسرايا التي ذكرها الدوري عن الزهري أما القسم الثالث: فقد تحدث فيه عن منهج الزهري في الكتابة التاريخية، وعن القيمة العلمية لهذه الروايات.

١/٦١١/٦١

١- أنه ذكر عناوين فقط للغزوات والسرايا دون أن يدخل في تفاصيل تلك الغزوات والسرايا.

أما هذه الدراسة فقد ذكرت فيها تفاصيل تلك الغزوات والسرايا.

٢- أنه لم يستوعب روايات الزهري للغزوات والسرايا.

بينما هذه الدراسة قد استوعبت على وجه التقريب جميع روايات الزهري.

٣- أنه اعتمد في ذكر هذه المعلومات على سبعة مصادر فقط هي: ابن إسحاق، الواقدي في المغازي، البلاذري في أنساب الأشراف، والخراج ليحيى بن آدم في رواية واحدة، وصحيح البخاري في روايتين: قصة الإفك، ودخول الرسول صلى الله عليه وسلم مكة منتصراً.

أما دراستي فقد قارنتها بالعديد من المصادر الحديثية والتاريخية وغيرها.

ثالثاً: الكتاب الثالث: رواية الشاميين للمغازي والسير في القرنين الأول والثاني الهجريين للدكتور: حسين عطوان.

خصص الفصل الرابع من كتابه الذي يحتوي على خمسة فصول لدراسة حياة الزهري، وقد استغرقت هذه الدراسة من ص ٧١-١٥٠، شملت التعقبات التي كان يذكرها بعد نهاية كل مبحث.

١/٦٢١/٦٢

وقد قسم هذه الترجمة إلى ست نقاط هي: ١- تعليمه وثقافته.

٢- مصادر رواياته للمغازي والسيرة النبوية.

٣- خصائص رواياته للمغازي والسيرة النبوية.

٤- مصادر رواياته لتاريخ صدر الإسلام، ويقصد فترة الخلافة الراشدة.

٥- تصنيف رواياته لتاريخ صدر الإسلام.

٦- خصائص رواياته لتاريخ صدر الإسلام.

ويهمنا الحديث عن النقطة الثانية وهي (مصادر رواياته للمغازي والسيرة النبوية) هذا المبحث الذي خصصه لذكر روايات الزهري في السيرة النبوية كاملة، أي كل ما يتعلق بحياة النبي صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية والهجرة والفترة المدنية والوفود، ثم رسله إلى الملوك، ومرضه، فوفاته عليه الصلاة والسلام.

وذلك من الكتب التالية: كتاب المغازي للواقدي، مصنف عبد الرزاق، ابن هشام، الطبقات الكبرى لابن سعد، أنساب الأشراف للبلاذري، تاريخ الطبري، عيون الأثر لابن سيد الناس، السيرة النبوية لابن كثير، وذلك حسب ترتيبه.

وقد ذكر في هذه الكتب قوائم كبيرة ذكر فيها جميع روايات الزهري بالجزء والصفحة دون سرد للروايات وعمله هذا لا يتم إلا بعد الاستقراء التام للمصادر المذكورة حتى يتم تحديد روايات الزهري فيها، وهو جهد واضح يشكر عليه.

١/٦٣١/٦٣

١- اعتمد على سبعة مصادر تاريخية ومصدر واحد في الحديث وهو مصنف عبد الرزاق، بينما كان اعتمادي على معظم الكتب الحديثية والتاريخية وغيرها.

٢- أن عمله هذا وإن كان فيه جهد كبير إلا أن كثيراً من تلك الأرقام التي ذكرها في بعض المصادر مكرر في بعضها الآخر، فمثلاً ذكر أرقاماً في مغازي الواقدي وذكر أرقاماً أخرى في الطبقات الكبرى وعند المقارنة بين الكتابين تجد تلك الأرقام التي ذكرها في المغازي هي بعينها في الطبقات، أو بمعنى آخر أن ابن سعد نقل كثيراً من الواقدي فعمله يعتبر تكراراً لعمل شيخه الواقدي.

بينما دراستي ليس فيها تكرار للروايات وإنما أذكر المصادر الأخرى لنفس الرواية تحت رقم واحد.

١- أنه ذكر أرقاماً فقط لروايات الزهري، بينما دراستي فيها تفصيل وسرد للوقائع التاريخية.

رابعاً: (ترجمة الإمام الزهري التي استخرجها: شكر الله بن نعمة الله قوجاني من تاريخ دمشق لابن عساكر.

هذه الترجمة اشتملت على ما يلي: ثم ذكر شيوخه من الصحابة والتابعين.

١/٦٤١/٦٤

ثم حفظه القرآن وذاكرته، ومذاكرته مع نفسه، وسعة علمه، وتوثيقه ومدحه، ثم صفته وأخلاقه، ثم دعوته بالالتزام بالإسناد، ثم ذكر تلاميذه الشاميين والمصريين.

ثم صلته ببني أمية ووفوده على مروان بن الحكم، وبقية خلفاء بني أمية، وتوليه القضاء لهم ومواقفه منهم، ثم المآخذ التي أخذت عليه ومنها صحبته للملوك.

ثم ذكر مراسيله وإجازاته، ثم تاريخ وفاته ومكان دفنه، وهي ترجمة مطولة ووافية.

هذا كل ما ذكره ابن عساكر رحمه الله عن الزهري واستخرجها قوجاني من تاريخه وجعلها في كتاب مستقل. والكتاب لم يتطرق إلى روايات الزهري في المغازي والسير، ذلك لأن ابن عساكر قد أفرد لها جزءاً كبيراً من تاريخه ذكر فيها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم جمع فيه روايات الزهري وغيره.

وبالمقارنة بين هذا الكتاب وبين دراستي نجد أن هذه الترجمة خالية تماماً من ذكر روايات الزهري بينما دراستي شملت ترجمة الزهري ثم حصر رواياته في المغازي على وجه التقريب.

خامساً: كتاب المغازي الأولى ومؤلفوها، للمستشرق الألماني جوزيف هورفتش، ترجمة: حسين نصار أفرد هذا المستشرق ترجمة للزهري من ص ٤٩-٦٨.

١/٦٥١/٦٥

تحدث عن الزهري كأحد أبرز مدوني السيرة والمغازي، ودوره في فصل المغازي عن السنة في تأليف مستقل، ثم ذكر قربه من الخلفاء الأمويين، وناقش قضية وضعه الأحاديث لبني أمية التي تخدم مصالحهم السياسية معتمداً في ذلك على ما ذكره اليعقوبي في تاريخه ١، من أن الزهري قد وضع حديث: "لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" ٢، لعبد الملك وأن الصلاة في مسجد بيت المقدس تقوم مقام المسجد الحرام وأن الصخرة التي بناها عبد الملك تقوم مقام الكعبة، وتوصل بعد مناقشة هذه القضية إلى أن الزهري لا يمكن أن يضع مثل هذه الأحاديث وهو في سن مبكرة، وهو بذلك يحاول الرد على الفرية.

  1. ١اليعقوبي ٢/٢٦١.

ثم ذكر بعض الغزوات التي ذكرت بعض الروايات التي ساقها الزهري معتمداً في ذلك على الطبقات الكبرى لابن سعد والطبري، وفهرست ابن النديم فقط.

وبعد: فمقارنة دراستي بالدراسات السابقة لا يعني التقليل من شأن تلك الدراسات، وإنما القصد إبراز أوجه الاختلاف بينها وبين دراستي، وإلا فقد بذل أصحابها جهوداً طيبة، ولم يكن قصدهم من تلك الكتابات إلا إبراز القيمة العلمية لروايات الإمام الجهبذ، بل وينادون إلى إبراز تراثه العظيم من بطون الكتب.

  1. *سيأتي تخريج هذا الحديث في مبحث: الشبه الواردة على الزهري إن شاء الله.
١/٦٦١/٦٦

وهناك بحوث عديدة كتبت عن الزهري، لكن ليس لها أهمية كبيرة كالكتب التي ذكرتها، وذلك مثل: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للسباعي، وتاريخ التراث العربي لسزكين، وغيرهما.

١/٦٧١/٦٧

المبحث الثاني: دراسة تحليلية عن بعض مصادر الرسالة لابد لكل باحث أن يعتمد في تكوين بحثه بعد الله على مصادر عدّة يكون منها بحثه، ولكنها تختلف من حيث الأهمية، فبعض المصادر يكون البحث فيها أكثر التصاقاً بها، ولها تأثير عليه، والبعض الآخر يأتي عرضاً أو تكون مراجع مساعده، وقد جرت عادة الباحثين إعطاء نبذة يسيرة عن تلك المصادر التي أثرت تأثيراً مباشراً على تلك البحوث، وقد اعتمدت في بحثي على مصادر عدة كان لبعضها تأثير كبير عليه منها:

وابن إسحاق هو: محمد بن إسحاق بن يسار، وقيل ابن كوثان، أبو بكر، وقيل أبو عبد الله القرشي المطلبي مولاهم المدني، صاحب السيرة النبوية.

ولد سنة ثمانين، ورأى أنس بن مالك بالمدينة وسعيد بن المسيب وتوفي سنة ١٥١ هـ وقيل ١٥٢ هـ ١. قال علي بن المديني: "سمعت سفيان يقول: قال ابن شهاب: وسئل عن مغازيه – هذا أعلم الناس بها" – يعني ابن إسحاق ٢. وقال الشافعي: "من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد ابن إسحاق" ١. وقال الذهبي: قلت: "قد كان في المغازي علاّمة" ٢.

  1. ١سير أعلام النبلاء ٧/٣٣-٣٤، وانظر: ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/٣٢١-٣٢٢، والتاريخ الكبير للبخاري ١/٤٠، والصغير ٢/١١١، وطبقات خليفة ٢٧١، وتاريخه ١٦، والمعرفة والتاريخ ٢/٢٧، وغيرها.
  2. ٢تاريخ بغداد ١/٢١٩.
١/٦٨١/٦٨

وقد كانت سيرة ابن إسحاق في الأصل مقسمة إلى ثلاثة أجزاء: المبتدأ والمبعث والمغازي، فالمبتدأ يتناول فيه التاريخ الجاهلي، ولا يعني ابن إسحاق في هذا الجزء بأسانيد أخباره إلا نادراً، ويستقي أخباره من الأساطير والإسرائيليات.

وأما المبعث فيشمل حياة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة والهجرة، وتراه في هذا القسم يصدر الأخبار بموجز حاوٍ لها، ويدون مجموعات كاملة من القوائم، فتراه يذكر قائمة لمن أسلم من الصحابة بدعوة أبي بكر، وأخرى بالمهاجرين إلى أرض الحبشة وغيرها، وتزداد عنايته بذكر الأسانيد ١.

  1. ١مقدمة سيرة ابن هشام ١/١١-١٢.

وأما القسم الثالث: وهو المغازي، فيتناول فيه حياة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وقد اتبع في هذا القسم منهجاً جديداً حيث يبدأ الخبر بموجز لمحتوياته ثم يتبعه بخبر من جميع الأقوال التي أخذها من روايته ثم يكمله بما جمعه هو بنفسه من المصادر المختلفة ١.

  1. ١مقدمة سيرة ابن هشام ١/١١-١٢. بتصرف.

ويُلحظ جلياً في هذا القسم إيراده الأخبار تتقدمها الأسانيد التي منها الموصول والمنقطع، وأحياناً يورد الأخبار بدون إسناد أو برواة مجهولين.

  1. *المصدر السابق.
  2. *سير أعلام النبلاء ٧/٣٧.
١/٦٩١/٦٩

وقد رتب ابن إسحاق مادته على التسلسل الزمني للأحداث.

ومما زاد سيرة ابن إسحاق قوة علميه تحرير ابن هشام ١ لها، فقد قام رحمة الله عليه بحذف ما ليس له تعلق بذكر النبي صلى الله عليه وسلم كما قام بحذف بعض الأشعار المنتحلة، وتعقب ابن إسحاق في كثير من الأمور، بل وأضاف إليها بعض الأشياء التي فاتت ابن إسحاق، فجاءت السيرة معروفة به، منسوبة إليه، حتى كاد الناس ينسون مؤلفها الأول ابن إسحاق ٢.

  1. ١ابن هشام: هو عبد الملك بن هشام بن أيوب العلامة النحوي الأخباري، أبو محمد الذهلي السدوسي، وقيل: الحميري المعافري، نزيل مصر، هذب السيرة النبوية، وسمعها من زياد البكائي صاحب ابن إسحاق، توفي سنة ٢١٨ هـ. سير أعلام النبلاء ١٠/٤٢٨-٤٢٩.
  2. ٢مقدمة السيرة النبوية لابن هشام ١/١١-١٢، بتصرف.

وبالجملة فقد كانت سيرة ابن إسحاق من أهم المصادر التي اعتمدت عليها، فقد نقلت منها ستاً وعشرين رواية جعلت منها إحدى عشرة رواية في صلب الرسالة؛ لانفراده بها مصرحاً في أكثرها بالتحديث وقد ذكر في بعضها أدق التفاصيل عن بعض الغزوات، والباقي في الهامش شواهد لغيرها لكونها مختصرة جداً٣.

  1. *انظر: روايته في غزوة الحديبية.
١/٧٠١/٧٠

٢- مغازي الواقدي والواقدي هو: محمد بن عمر بن واقد الأسلمي مولاهم، الواقدي المديني القاضي، صاحب التصانيف والمغازي، أبو عبد الله أحد أوعية العلم على ضعفه المتفق عليه ١، ولد بعد العشرين ومائة، وتوفي سنة سبع ومائتين ٢.

  1. ١سير أعلام النبلاء ٩/٤٥٤-٤٦٧، ومقصود الذهبي بالضعف المتفق عليه، أي عند المحدثين فقط، أما عند المؤرخين فيحتاج إليه، بل هو إمام فيه.
  2. ٢المصدر السابق، وانظر: ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/٣٣٤، والتاريخ الكبير للبخاري ١/١٧٨، وطبقات خليفة ٤٧٢، والجرح والتعديل ٨/٢٠، وعيون الأثر ١/٦٧_٧٢.

له العديد من المؤلفات تقرب من الثلاثين ١، ومنها كتابه (المغازي) .

  1. ١الفهرست لابن النديم ١١١، ومقدمة محقق مغازي الواقدي ١/١٠-١٣.

وقد اختلف علماء الجرح والتعديل من المحدثين في توثيقه وتضعيفه إلى أقوال كثيرة، ملخصها ما ذكره الحافظ ابن حجر في التقريب حيث قال عنه: متروك مع سعة علمه ١.

  1. ١التقريب ٤٩٨.

ومقصود الحافظ من قوله متروك أي عند المحدثين، حيث لا تؤخذ أقواله في الفرائض والأحكام، أما في السير والمغازي فقد قال الإمام الذهبي: "وقد تقرر أن الواقدي ضعيف يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ ونورد آثاره من غير احتجاج أما في الفرائض فلا ينبغي أن يذكر ... "١. وقال ابن كثير: "الواقدي عنده زيادات حسنة وتاريخ محرر غالباً فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار، وهو صدوق في نفسه مكثار...."٢.

١/٧١١/٧١

بدأ مغازيه بذكر قائمة طويلة من الرجال الذين نقل عنهم تلك الأخبار فذكر جميع مغازي النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه إجمالاً حتى وفاته صلى الله عليه وسلم ثم يذكر المغازي والسرايا واحدةً واحدةً مفصلةً، مع ذكر تاريخ محدد لكل غزوة وسرية، وغالباً ما يذكر تفاصيل جغرافية تحدد موقع الغزوة أو السرية، ثم يذكر الغزوات التي قادها الرسول صلى الله عليه وسلم وأسماء الذين استخلفهم على المدينة أثناء غيابه ... ٣.

ويستعمل الواقدي لفظ (قالوا) عند ذكره لتفاصيل الغزوة أو السرية معتمداً في ذلك على الإسناد الأول، وقد يأتي بإسناد جديد لبعض الحوادث.

وقد استفدت منه في عدة روايات كان بعضها مكملاً للخبر الذي نقلته من غيره، أما الروايات الأخرى التي لم أجدها عند غيره من طريق الزهري مثل: غزوة بني قينقاع، وغزوة بني سُليم ببحران، وسرية كعب ابن عمير الغفاري إلى قضاعة من ناحية الشام، وتفاصيل مقتل حمزة رضي الله عنه، ومقدار سبي غزوة بني المصطلق، وهي وإن كانت من طريق الواقدي إلا أنني وجدت لها شواهد في كتب السنة يجدها القاري في مظانها.

  1. *السير ٩/٤٦٩.
  2. *البداية والنهاية ٣/٢٣٤-٢٣٥.
  3. *انظر: مقدمة محقق مغازي الواقدي ١/٣١.
١/٧٢١/٧٢

٣- الطبقات الكبرى لابن سعد وابن سعد هو: محمد بن سعد بن منيع، أبو عبد الله البغدادي، كاتب الواقدي، ومصنف الطبقات الكبير، ولد بعد الستين ومائة، فقيل: مولده في سنة ثمان وستين، وتوفي ببغداد في يوم الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة سنه ٢٣٠ وهو ابن ٦٢ سنة ١.

  1. ١سير أعلام النبلاء ١٠/٦٦٤-٦٦٦، وانظر: ترجمته في تاريخ بغداد ٥/٣٢١-٣٢٢، ووفيات الأعيان ٤/٣٥١-٣٥٢، وتهذيب الكمال ٢٥/٢٥٥، وتهذيب التهذيب ٩/١٨٢.

وكتابه الطبقات يعتبر أقدم كتاب وصل إلينا في الطبقات ١.

  1. ١بحوث في تاريخ السنة المشرفة للدكتور: أكرم ضياء العمري ٨٣.

ويقع في ثماني مجلدات ١.

  1. ١نشر دار صادر، وهناك جزء تاسع مخصص للفهارس العامة، وهناك أجزاء ناقصة من هذه الطبعة؛ نشر منها حتى الآن خمسة أجزاء. تحقيق: د. محمد بن صامل السُّلَمي.

خصص الجزء الأول للحديث عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة حتى الهجرة ومؤاخاته بين المهاجرين والأنصار وكتبه إلى الملوك يدعوهم للإسلام ثم ذكر وفادات العرب على النبي صلى الله عليه وسلم، وخص الجزء الثاني للحديث عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وسراياه.

١/٧٣١/٧٣

وقد استقى ابن سعد معلوماته عن مصادر كثيرة فكان عدد شيوخه في الطبقات ينيف على الستين شيخاً من المحدثين الذين اهتموا بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة والتابعين ١.

  1. ١بحوث في تاريخ السنة المشرفة ٨٦.

وقد وثق العلماء ابن سعد ١، وأثنوا على كتابه الطبقات، فقال الخطيب البغدادي عنه: "كان من أهل العلم والفضل، وصنف كتاباً كبيراً في طبقات الصحابة والتابعين والخالفين إلى وقته فأجاد فيه وأحسن" ٣. وقال الذهبي: "كان من أوعية العلم، ومن نظر في الطبقات خضع لعلمه" ٤.

  1. ١تهذيب التهذيب ٩/١٨٢.

ومنهج ابن سعد في ذكر الغزوات والسرايا يختلف باختلاف الخبر من حيث الأهمية، فبعد أن ذكر إسناداً جماعياً عن عدد من شيوخه ومنهم الواقدي في ذكر عدد الغزوات والسرايا إجمالاً بدأ بذكر الغزوات والسرايا فيتحدث عنها بالتفصيل مُصدِّراً ذلك بقوله: "ثم غزوة كذا، أو ثم سرية كذا"، دون ذكر إسناد لها، وكأنه اعتمد على الإسناد الأول الذي ذكر فيه الغزوات والسرايا إجمالاً.

  1. *تاريخ بغداد ٥/٣٢١.
  2. *سير أعلام النبلاء ١٠/٦٦٥.
١/٧٤١/٧٤

لكننا نجده يستعمل أسانيد جيدة عندما يدخل في تفاصيل الغزوات أو السرايا التي لها شأن كبير مثل غزوة بدر وأحد، وكسرية بئر معونة والرجيع على سبيل المثال، حتى إنه يستعمل الإسناد في جزئيات صغيرة، ويُصدّر الوقعة دائماً بذكر تاريخها فيذكر اليوم والشهر والسنة، مرتباً تلك الأحداث حسب التسلسل الزمني.

وقد استفدت منه كثيراً في ذكر تواريخ الغزوات والسرايا ١ وانفراده ببعض الروايات التي لم أجدها عند غيره، كما استفدت من ترتيبه للمادة العلمية وفق التسلسل الزمني، حيث أجد المعلومة التي أريدها منه كلما رجعت إليه بكل يسر وسهوله.

  1. ١وقد كان ذلك في الهامش.

٤- دلائل النبوة للبيهقي ١ وهو: الحافظ العلاّمة الثبت الفقيه شيخ الإسلام، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِرْدي ٢، الخراساني.

  1. ١حققه عبد المعطي قلعجي في سبع مجلدات، وقد اعتمدت على الطبعة الأولى عام ١٤٠٥هـ، دار الكتب، بيروت.
  2. ٢خُسْرَوْجِرْد: - بضم الخاء المعجمة، وسكون السين المهملة، وفتح الراء، وسكون الواو، وكسر الجيم، وسكون الراء، وفي آخرها الدال المهملة - قرية من ناحية بيهق، طبقات الشافعية للسبكي ٤/٨.
١/٧٥١/٧٥

وبيهق عدة قرى من أعمال نيسابور على يومين منها.

ولد في سنة أربع وثمانين وثلاث مائة في شعبان.

وتوفي في عاشر شهر جمادى الأولى، سنة ثمان وخمسين وأربع مائه، وعاش أربعاً وسبعين سنة ١.

  1. ١أخذت هذه الترجمة من سير أعلام النبلاء ١٨/١٦٣، ١٦٧، ١٦٨، ١٦٩، وانظر: ترجمته في المنتظم لابن الجوزي ٨/٢٤٢، ومعجم البلدان لياقوت ١/٥٣٨، ,الكامل لابن الأثير ١٠/٥٢، ووفيات الأعيان لابن خلكان ١/٧٥، وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/١١٣٢، وطبقات الشافعية للسبكي ٤/٨، والبداية والنهاية لابن كثير ١٢/٩٤، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٥/٧٧، وكشف الظنون لحاجي خليفة ١/٩، وغيرها

صنف كثيرا من الكتب، فعمل (السنن الكبير) في عشر مجلدات ليس لأحد مثله، وألف كتاب (السنن والآثار) في أربع مجلدات، و (دلائل النبوة) و (شعب الإيمان) و (والاعتقاد) و (مناقب الشافعي) و (كتاب النبوات الكبير) وغيرها ١. قال الذهبي عن تصانيف البيهقي عامة: "تصانيف البيهقي عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، قلَّ من جوَّد تواليف مثل الإمام أبي بكر" ٣. وقال عنها ابن كثير: "وجمع أشياء كثيرة لم يسبق إلى مثلها، ولا يدرك فيها، منها كتاب السنن ونصوص الشافعي في عشر مجلدات ... ودلائل النبوة ... وغير ذلك من المصنفات الكبار والصغار التي لا تسامى ولا تدانى "١. وقال عن دلائل النبوة خاصة: "دلائل النبوة لأبي بكر البيهقي من عيون ما صنف في السيرة والشمائل "٢. وقال السبكي: "وأما كتاب الاعتقاد، وكتاب دلائل النبوة، وكتاب شعب الإيمان، وكتاب الشافعي، وكتاب النبوات الكبير، فأقسم ما لواحد منها نظير "٣. وقال عنه العلماء: كان البيهقي على سيرة العلماء، قانعاً باليسير متجملاً في زهده وورعه ٢. وقالوا عنه: واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط ٣. وقال عنه الذهبي: " ... لو شاء البيهقي أن يعمل مذهباً يجتهد فيه لكان قادراً على ذلك لسعة علومه ومعرفته بالاختلاف"٦.

  1. ١سير أعلام النبلاء ١٨/١٦٥-١٦٦.
  2. ٢سير أعلام النبلاء ١٨/١٦٧.
  3. ٣سير أعلام النبلاء ١٨/١٦٧.
  4. *سير أعلام النبلاء ١٨/١٦٨.
١/٧٦١/٧٦

وبحكم تتبعي لروايات الزهري في كتب التراث لم أجد كتاباً أغزر مادة فيما يتعلق بالمغازي من هذا السفر العظيم الذي قال عنه مؤلفه: "ويُعلم أن كل حديث أوردته فيه قد أردفته بما يشير إلى صحته، أو تركته مبهماً وهو مقبول في مثل ما أخرجته، وما عسى أوردته بإسناد فيه ضعف أشرت إلى ضعفه، وجعلت الاعتماد على غيره" ١.

  1. *البداية والنهاية ١٢/٩٤.
  2. *مقدمة تحقيق دلائل النبوة ١/٧.
  3. *طبقات الشافعية ٤/٩.
  4. *سير أعلام النبلاء ١٨/١٦٩.
١/٧٧١/٧٧

وكلامه هذا فيه كثير من الصحة، وذلك لاعتماده كثيراً على الكتب الستة وغيرها وخاصة الصحيحين وقد أفدت منه فائدة كبيرة، وبخاصة من تلك الروايات التي جاءت من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ويمتاز هذا السفر بمميزات عدة أهمها في نظري اثنتان: ١- إتيانه بالروايات مسندة إلى قائلها.

٢- سرده للحوادث والوقائع حسب التسلسل الزمني، فلا يقدم غزوة على أخرى، مما سهل عليّ البحث في كتابه هذا الذي يقع في سبع مجلدات.

وقد استخرجت منه سبعاً وثلاثين رواية للزهري مرسلة وموصولة، ولم أجدها في غيره من المصادر الأخرى بالصورة التي أخرجها عن الزهري، مما يدل على تتبعه لروايات الثقات حتى في المغازي، وقد صدق عندما قال: "وعادتي في كتبي المصنفة في الأصول والفروع الاقتصار من الأخبار على ما يصح منها دون مالا يصح ... ومن وقف على تمييزي في كتبي بين صحيح الأخبار وسقيمها، وساعده التوفيق علم صدقي فيما ذكرته "١.

  1. *دلائل النبوة ١/٤٦.
١/٧٨١/٧٨

٥- صحيح البخاري وهو لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَة ١ الجعفي، ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ٢.

  1. ١بَرْدِزْبَه: - بفتح الباء الموحدة، وسكون الراء المهملة، وكسر الدال المهملة، وسكون الزاي المعجمة، وفتح الباء الموحدة بعدها هاء - هدي الساري، مقدمة فتح الباري ٤٧٧.
  2. ٢أخذت هذه الترجمة من هدي الساري ٤٧٧، وانظر: ترجمته في: الجرح والتعديل ٧/١٩١، وتاريخ بغداد ٢/٤، ووفيات الأعيان ٤/١٨٨، وتهذيب الكمال ٢٤/٤٣٠، وسير أعلام النبلاء ١٢/٣٩١، والوافي بالوفيات ٢/٢٠٦، وتهذيب التهذيب ٩/٤٧، وغيرها.

وتوفي ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين بعد المائتين، وكانت مدة عمره اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوماً٤.

وشهرة الصحيح غَنية عن الوصف لكن لا بأس بتسويد الورق بكلمات عنه.

فقد صنف البخاري رحمه الله كتابه الصحيح في المسجد الحرام حيث قال: "صنفت كتابي الجامع في المسجد الحرام وما أدخلت فيه حديثاً حتى استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته "١.

  1. *المصدر السابق ١/٤٧.
  2. *هدي الساري ٤٩٣.
١/٧٩١/٧٩

وقيل: إن البخاري حوّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين ١. وقال البخاري أيضاً: "ما وضعت في كتاب الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين "٣. وقال: "ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وتركت من الصحيح حتى لا يطول "٤.

  1. ١هدي الساري ٤٨٩، وقد جمع الحافظ بين القولين فقال: ولا ينافي هذا ما تقدم، لأنه يحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوله من المسودة إلى المبيضة.

وروى الإسماعيلي عنه قال: "لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحاً وما تركت من الصحيح أكثر"٥.

ومنهجه في صحيحه يختلف عن المصنفات الأخرى، فتراه يورد الحديث في باب آخر وتجد قطعة من حديث ما هنا وقطعة أخرى منه هناك، وإنما عمل ذلك لمعان نقلها الحافظ ابن حجر في الهدي ١.

  1. ١انظر: هدي الساري ١٥.

وقد تنافس العلماء في شرحه، فأول من شرحه الخطابي حَمْدُ بن محمد ت (٣٨٦) ، في كتابه إعلام السنن ١، ثم توالى العلماء بعد في شرحه.

  1. ١تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين ١/٢٢٦، في علوم القرآن والحديث، انظر: ص ٢٢٩-٢٤٣.
  2. *هدي الساري ٤٨٩.
  3. *المصدر السابق.
  4. *المصدر السابق ٧.
  5. *المصدر السابق.
١/٨٠١/٨٠

وقد نال حظوة كبيرة لدى علماء الإسلام لم يحظ بها أي كتاب ألف في الحديث. قال النووي: " ... وأما محله فقال العلماء: هو أول مصنف صنف في الصحيح المجرد، واتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة صحيحا البخاري ومسلم، واتفق على أن صحيح البخاري أصحهما صحيحاً وأكثرهما فوائد، وأجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين ووجوب العمل بأحاديثها" ٢.

وقد استفدت من هذا السفر العظيم حيث ظفرت بست وعشرين رواية من غير المكرر كلها في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه، ومن بين تلك الروايات روايتان تتحدثان عن غزوتين مهمتين؛ الرواية الأولى عن حادثة الإفك التي وقعت لعائشة رضي الله عنها في غزوة بني المصطلق، والثانية عن غزوة الحديبية، وكل رواية من تلك الروايتين تمثل غزوة بحد ذاتها لذكر معظم ما حدث في تلك الغزوتين، وروايات البخاري بصفة عامة أعطت قيمة علمية كبيرة لروايات الزهري في المغازي.

  1. *تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/٧٥.

المبحث الأول: في سبب هذه الغزوة.

٣/٦٩٧٣/٦٩٧

...

[المبحث الأول: في سبب هذه الغزوة.]

١٤٣- قال البيهقي ١: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ٢، وأبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ٣، قالا: حدثنا أبو العباس ٤ محمد بن يعقوب. قال: حدثنا أحمد ٥ بن عبد الجبار، حدثنا يونس ٦ بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعاً قالا: كان في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت ٧ خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهراً٢، ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم، وثبوا على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ليلاً بماء لهم يقال له: الوتير ٨، قريب من مكة، فقالت قريش: ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل وما يرانا أحد، فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح، فقاتلوا معهم للطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن عمرو بن سالم ٩ ركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الخبر، وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشده إياها: اللهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا ١٠ كنا والداً وكنت ولدا ١١ ... ثم أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر رسول الله نصرا أعتدا ١٢ ... وادع عباد الله يأتوا مددا ١٣ فيهم رسول الله قد تجردا ١٤ ... إن سيم خسفاً وجهه تربدا ١٥ في فيلق ١٦ كالبحر يجري مزبدا ١٧ ... إنّ قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدّا ... وزعموا أن لستُ أرجو أحدا فهم أذلّ وأقلّ عددا ... قد جعلوا لي بكداءٍ٧ مرصدا ١٨ هم بيتونا بالوتير هجدا ١٩ ... فقتلونا ركعاً وسجدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نُصِرتَ يا عمرو بن سالم " ١.

  1. ١دلائل النبوة (٥/ ٥- ٧) ، والسنن الكبرى له (٩/ ٢٣٣- ٢٣٤) ، وأسد الغابة (٤/ ٢٢٤) ، ترجمة عمرو بن سالم الخزاعي، نقلاً عن ابن إسحاق وقد ذكر السبب مختصراً، والبداية والنهاية ٤/ ٢٧٨- ٢٧٩، ونقلها ابن حجر في الإصابة ٢/ ٥٣٦، ترجمة عمرو بن سالم، وفي الفتح (٧/ ٥١٩)
  2. ٢ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] .
  3. ٣ثقة، تقدم في الرواية رقم [٨٤] .
  4. ٤أبو العباس محمد بن يعقوب تقدم في الرواية رقم [٢٠] .
  5. ٥تقدم في الرواية رقم [٨٤] .
  6. ٦تقدم في الرواية رقم [٢٠] .
  7. ٧الوثوب: النهوض والقيام. اللسان، مادة (وثب) .
  8. ٨الوتير: - بفتح الواو وكسر المثناة تحت، وآخره راء - وهو موضع معروف جنوب غرب مكة على حدود الحرم يبعد عن مكة (١٦) كيلاً، وقد أطلق اليوم على حيز منه اسم (الكعكية) نسبة إلى الكعكي الذي تملك هذا الحيز منه، معجم المعالم الجغرافية (٣٣١) .
  9. ٩هو: عمرو بن سالم بن حصين بن سالم بن كلثوم الخزاعي، قال ابن الكلبي وأبو عبيد والطبري: أن عمرو بن سالم هذا كان أحد من يحمل ألوية خزاعة يوم فتح مكة، الإصابة (٢/ ٥٣٦- ٥٣٧) .
  10. ١٠الأتلد: أي القديم، شرح السيرة للخشني (٣٦٧) ، والنهاية (١/ ١٩٤) ، والقاموس: (تلد) .
  11. ١١هكذا في دلائل البيهقي، وفي سيرة ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٣٩٤) : قد كُنْتُمُ وُلْداً.... يريد أن بني عبد مناف أمهم من خزاعة، وكذلك قصي أمه فاطمة بنت سعد الخزاعية، الروض الأنف (٤/ ٩٧) .
  12. ١٢أعتدا: أي حاضراً، شرح السيرة للخشني (٣٦٧) .
  13. ١٣الأمداد: جمع مدد، مدهم بالأعوان والأنصار. النهاية (٤/ ٣٠٨) .
  14. ١٤تجردا: أي شمر وتهيأ لحربهم، شرح السيرة، للخشني (٣٦٧) .
  15. ١٥تربدا: أي تغير إلى الغبرة. النهاية (٢/ ١٨٣) .
  16. ١٦الفيلق: الكتيبة العظيمة. النهاية (٣/ ٤٧٢) .
  17. ١٧يقال: بحر مزبد، أي مائج يقذف بالزبد، والزبد: الرغوة التي تعلو الماء، اللسان: زبد.
  18. ١٨رصده: أي رَقَبَهُ، القاموس (رصد) ، ويقال: رصدته إذا قعدت له على طريقه تترقبه. النهاية (٢/ ٢٢٦) .
  19. ١٩هُجَّدا: الهجد: المصلون بالليل، أو النيام، وهو من الأضداد. النهاية (٥/ ٢٤٤) ، وشرح السيرة للخشني (٣٦٧) .
  20. *وعند الواقدي في المغازي (٢/ ٧٨٣) : " ... فلما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهراً من صلح الحديبية تكلمت بنو نفاثة من بني بكر ... "، وتبعه في ذلك ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٣٤) . وتحديد الواقدي باثنين وعشرين شهراً غير مسلم به، لأن الصلح الذي تم في الحديبية كان في ذي الحجة، وقد ذكر الواقدي أن خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية كان في يوم الاثنين لهلال ذي القعدة، المغازي (٢/ ٥٧٣) ، والطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٩٥) ، وذكر الواقدي أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم أقام بالحديبية بضعة عشر يوماً، المغازي (٢/ ٦١٦) ، وقال أيضاً: ... قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من الحديبية في ذي الحجة سنة ست. المغازي (٢/ ٦٣٤) . فلو حسبنا المدة من وقت الصلح إلى نقض بني بكر العهد لوجدناها تسعة عشر شهراً ابتداءً من شهر محرم أول سنة سبع إلى نهاية شهر رجب من السنة الثامنة، ولو أدخلنا شهر ذي الحجة من السنة السادسة وشهر شعبان من السنة الثامنة - تجاوزاً - لحصلنا على واحد وعشرين شهراً، فتبقى رواية الزهري التي بين أيدينا هي الراجحة، وذلك لعدم ورود روايات ثابتة تحدد وقت نقض العهد من بني بكر، والله أعلم.
  21. *كداء: - بالتحريك والمد - هو ما يعرف اليوم بريع الحجون، يدخل طريقه بين مقبرتي المعلاة، ويفضي من الجهة الأخرى إلى حي العتيبية وجرول. معجم المعالم الجغرافية (٢٦١- ٢٦٢) .
٣/٧٠١٣/٧٠١

فما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مرت عنانة في السماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب" ٢، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز، وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمّي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم ١.

  1. ١قال ابن حجر: "وقد روى البزار من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن أبي سلمة عن أبي هريرة بعض الأبيات المذكورة في هذه القصة وهو إسناد حسن موصول" الفتح (٧/ ٥٢٠) . وقد نقل الهيثمي حديث أبي هريرة من رواية البزار وحكم عليه بالصحة، انظر: المجمع (٦/ ١٦٥) ، وكشف الأستار (٢/ ٣٤٢ رقم ١٨١٧) ، وأخرجه البيهقي عن حماد بن سلمة بسنده إلى أبي هريرة. دلائل النبوة (٥/ ١٣) ، وانظر البداية والنهاية (٤/ ٢٨٠) نقلاً عن البيهقي.
  2. *ويشهد له ما أخرجه أبو يعلى من حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه: ( ... لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب ... ) المسند (٧/ ٣٤٣ رقم [٤٣٨٠] ) وسنده حسن كما قال المحقق حسين أسد، وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش عن أبيه وقد وثقهما ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح، المجمع (٦/ ١٦٢) ، وأخرج الطبراني في الكبير (٢٣/ ٤٣٣) ، وفي الصغير (٢/ ٧٣- ٧٥) من حديث ميمونة بنت الحارث نحوه، إلا أن فيه: يحيى بن سليمان بن نضلة وهو ضعيف، كما قال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٦٣- ١٦٤) . وأخرجه ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٣٩٥) بدون إسناد، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٣٤) ، بدون إسناد والطبري في تاريخه (٣/ ٤٥) .
  3. *ورد نحوه من رواية أبي الأسود عن عروة (انظر: المغازي للذهبي (٥٢٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٤/ ٤٨٥- ٤٨٦) ، من طريق زكريا بن أبي زائدة قال: كنت مع أبي إسحاق فيما بين مكة والمدينة فسَايَرَنَا رجل من خزاعة، فقال له أبو إسحاق: كيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رعدت هذه السحابة بنصر بني كعب ... الحديث، وفيه جهالة الرجل الخزاعي.

لمبحث الثاني: في تاريخ خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وعدد جيشه.

٣/٧٠٣٣/٧٠٣

المبحث الثاني: في تاريخ خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وعدد جيشه.

١٤٤- قال البخاري: حدثني محمود، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس -رضي الله عنهما -: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان ١ ومعه عشرة آلاف ٢ وذلك على رأس ثمان ٣ سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون حتى بلغ الكَدِيد ٤ -وهو ماء بين عسفان وقُدَيْد -أفطر وأفطروا ". قال الزهري ٥: "وإنما يؤخذ من أمر النبي صلى الله عليه وسلم الآخر فالآخر"٣.

  1. ١باتفاق جميع المؤرخين. ولكن اختلفوا في تعيين وقت الخروج، فقد أخرج ابن إسحاق من طريق الزهري أنهم خرجوا لعشر مضين من رمضان (ابن هشام ٢/ ٣٩٩) ، وأخرج مسلم عن الزهري مرسلاًً قوله: فصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، صحيح مسلم بشرح النووي (٧/ ٢٣١) . وأخرج البيهقي رواية ابن إسحاق المتقدمة ثم قال: هكذا ذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق قوله: فخرج لعشر مضين من رمضان مدرجاً في الحديث. الدلائل (٥/ ٢٠) . وأخرج أحمد في المسند (٤/ ٣٠١ رقم [٢٥٠٠] أرناؤوط) من حديث محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: كان الفتح في ثلاث عشرة خلت من رمضان. وأخرج أيضاً من طريق قزعة بن يحيى عن أبي سعيد قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان، المسند (١٨/ ٣٤٢ رقم [١١٨٢٥] ) . قال الحافظ ابن حجر: "وهذ يدفع التردد الماضي ويعين يوم الخروج، وقول الزهري يعين يوم الدخول، ويعطي أنه أقام في الطريق اثني عشر يوماً". القتح (٨/ ٤) . وقد ورد عند أحمد أيضاً أنه خرج لثمان عشرة (المسند ١٨/٣٧٥، رقم [١١٨٧٠] أرناؤوط) وفي رواية أخرى لتسع عشرة، أو سبع عشرة (١٨/٢١٨، رقم [١١٦٨٤] أرناؤوط) . قال الحافظ: "ويجمع بين هاتين بحمل إحداهما على ما مضى والأخرى على ما بقي، والذي في المغازي على الاختلاف في أول الشهر". الفتح (٨/ ٤) . وقد ذكر النووي رواية لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأخرى لست عشرة مضت، وثالثة لثمان عشرة، ورابعة لثنتي عشرة، وخامسة لسبع عشرة - أو تسع عشرة - بالشك، ثم قال: "والمشهور في كتب المغازي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة الفتح من المدينة لعشر خلون من رمضان ودخلها لتسع عشرة خلت منه". النووي على مسلم (٧/ ٢٣٤) .
  2. ٢وورد عند البيهقي من رواية أبي الأسود عن عروة وهو قول موسى بن عقبة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في اثني عشر ألفاً من المهاجرين والأنصار، دلائل البيهقي (٥/ ٢٦، و٥/ ٣٦) . قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لمرسل عروة: "وكذا وقع في (الإكليل) و (شرف المصطفى) ثم قال: (ويجمع بينهما بأن العشرة آلاف خرج بها من المدينة ثم تلاحق بها الألفان" الفتح (٨/٤) .
  3. ٣قال الحافظ ابن حجر: "هكذا وقع في رواية معمر، وهو وهم، والصواب: على رأس سبع سنين ونصف، وإنما وقع الوهم من كون الغزوة كانت في سنة ثمان، ومن أثناء ربيع الأول إلى أثناء رمضان نصف سنة سواء، فالتحرير أنها سبع سنين ونصف، ويمكن توجيه رواية معمر، بأنه بناء على التاريخ بأول السنة من المحرم، فإذا دخل من السنة الثانية شهران أو ثلاثة أطلق عليها سنة مجازاً من تسمية البعض باسم الكل، ويقع ذلك في آخر ربيع الأول، ومن ثم إلى رمضان نصف سنة، أو يقال: كان آخر شعبان تلك السنة آخر سبع سنين ونصف من أول ربيع الأول، فلما دخل رمضان دخلت سنة أخرى، وأول السنة يصدق عليه أنه رأسها، فيصح أنه رأس ثمان سنين ونصف أو أن رأس الثمان كان أول ربيع الأول وما بعده نصف سنة" اهـ. الفتح (٨/ ٤) .
  4. ٤الكَدِيد: - بفتح الكاف وكسر الدال المهملة - وهو: ماء بين عسفان وقديد - بضم القاف على التصغير - كما بينته الرواية، الفتح (٤/ ١٨٠) . وفي حديث ابن عباس عند البخاري رقم (١٩٤٨) من وجه آخر (حتى بلغ عسفان) بدل الكديد. ووقع عند مسلم بشرح النووي (٧/ ٢٣٢) من حديث جابر (فصام حتى بلغ كراع الغميم) . قال الحافظ ابن حجر: قال عياض: واختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر فيه صلى الله عليه وسلم والكل في قصة واحدة، وكلها متقاربة والجميع من عمل عسفان. الفتح (٤/ ١٨١) . وبين الكديد وعسفان: عشرين كيلاً فقط، ويبعد عسفان عن مكة إلى الشمال (٩٠) كيلاً، معجم المعالم الجغرافية (٢٦٣) .
  5. ٥قوله: قال الزهري: إلى آخره، مدرج من قول الزهري كما قال الحافظ، انظر: الفتح (٤/ ١٨١) . وقد وقعت هذه الزيادة مدرجة عند مسلم بشرح النووي (٧/ ٢٣١) من طريق معمر ويونس كلاهما عن الزهري، وبينّا أنه من قول الزهري، وظاهره أن الزهري ذهب إلى أن الصوم في السفر منسوخ، ولم يوافَق على ذلك، الفتح (٤/ ١٨١) .
  6. *صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ٣) ، رقم (٤٢٧٦) . وأخرج البخاري أيضاً نحوه من طريق عُقيل عن ابن شهاب، صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ٣) رقم (٤٢٧٥) ، ومن طريق مالك عن الزهري، صحيح البخاري مع الفتح (٤/١٨٠) رقم (١٩٤٤) ، وأخرجه مسلم من طريق الليث وسفيان ومعمر ويونس كلهم عن الزهري نحوه، انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٧/ ٢٢٩- ٢٣١) . وقد ذكر هذه الرواية عبد الرزاق فقال: (قال الزهري) فساقها، وفيها: "وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة"، وقد تقدم جمع الحافظ في ذلك.

المبحث الثالث: في كتابة حاطب رضي الله عليه وسلم لأهل مكة يخبرهم بمسير الرسول صلى الله عليه وسلم.

٣/٧٠٦٣/٧٠٦

...

المبحث الثالث: في كتابة حاطب رضي الله عنه لأهل مكة يخبرهم بمسير الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم ١٤٥- عبد الرزاق ١ عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير في قوله تعالى: ﴿يأيها الذينَءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّيْ وَعَدُوَّكُمْ أَوْلياءَ﴾ ٢ أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ٢، قال: كتب إلى كفار قريش كتاباً ينصح لهم فيه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فأرسل علي اً والزبير ٣ فقال: "اذهبا فإنكما ستدركان امرأة ٤ بمكان كذا وكذا ٥، فأتياني بكتاب معها" ، فانطلقا حتى أدركاها، فقالا: الكتاب الذي معك، قالت ما معي كتاب، قالا: والله لا ندع عليك شيئاً إلا فتشناه أو تخرجينه، قالت: أولستما مسلمين؟ قالا: بلى، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن معك كتاباً، فقد أيقنت أنفسنا أنه معك، فلما رأت جدّهما، أخرجت كتاباً من قرونها ٦ فرمت به، فذهبا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: "من حاطب بن أبي بلتعه إلى كفار قريش" ، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم، قال: وما حملك على ذلك؟ قال: أما والله ما ارتبت ٧ في الله منذ أسلمت، ولكني كنت امرءاً غريباً٣ فيكم أيها الحي من قريش، وكان لي بمكة مال وبنون فأردت أن أدفع عنهم بذلك. فقال عمر: ائذن لي يا نبي الله فأضرب عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مهلاً يا ابن الخطاب إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فإني غافر لكم"١.

  1. ١تفسير عبد الرزاق (٢/ ٢٨٦- ٢٨٧) .
  2. ٢هو: حاطب بن أبي بلتعة - بفتح الموحدة، وسكون اللام بعدها مثناة ثم مهملة مفتوحات -، ابن عمرو بن عمير بن سلمة بن سهل اللخمي حليف بني أسد بن عبد العزى، شهد بدراً، توفي سنة ٣٠هـ- في خلافة عثمان وله خمس وستون سنة. الإصابة (١/ ٣٠٠) .
  3. ٣في صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ٦٣٣) رقم (٤٨٩٠) أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث علياً والزبير والمقداد. ومسلم بشرح النووي (١٦/ ٥٥) وورد في الصحيحين أيضاً أبو مرثد الغنوي بدلاً من المقداد، صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٣٠٤) رقم (٣٩٨٣) ، ومسلم بشرح النووي (١٦/ ٥٧) ، قال النووي: ولا منافاة بل بعث الأربعة علياً والزبير والمقداد وأبا مرثد، شرح النووي على مسلم (١٦/ ٥٧) . وقال الحافظ ابن حجر: "فيحتمل أن يكون الثلاثة كانوا معه - يعني علياً - فذكر أحد الراويين ما لم يذكره الآخر، فالذي يظهر أنه كان مع كل منهما آخر تبعاً له" الفتح (٧/ ٥٢٠) .
  4. ٤ورد في بعض الروايات أن اسمها: سارة مولاة لبني هاشم، انظر: المصنف لابن أبي شيبة (١٤/ ٤٨٥) ، ومغازي الواقدي (٢/ ٧٩٩) ، وتاريخ الطبري (٣/ ٦٠) .
  5. ٥ورد في صحيح البخاري من حديث علي وفيه: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ... ) ، الصحيح مع الفتح (٨/ ٦٣٣) رقم (٤٨٩٠) ، وروضة خاخ: موضع بقرب حمراء الأسد من حدود العقيق في نواحي المدينة، المعالم الأثيرة (١٠٧) .
  6. ٦من قرونها: القرون: الشعور، وكل ضفيرة من ضفائر الشعر قرن، النهاية (٤/ ٥١) . وعند البخاري: من عقاصها، حديث رقم (٤٨٩٠) ، وعند أيضاًبرقم (٣٠٨١) : (من حُجْزتها) ، والحُجْزة: - بضم المهملة وسكون الجيم بعدها زاي -: معقد الإزار والسراويل، فتح الباري (٦/ ١٩١) . ويجمع بين كونها أخرجته من حجزتها وبين كونها أخرجته من عقاصها، بأنها أخرجته من حجزتها فأخفته في عقاصها ثم اضطرت إلى إخراجه أو بالعكس أو بأن تكون عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها فربطته في عقيصتها وغرزته بحجزتها، وهذا الاحتمال أرجح. انظر: فتح الباري (٦/ ١٩١) .
  7. ٧أي: ما شككت، والريب بمعنى الشك، وقيل: هو الشك مع التهمة، النهاية (٢/ ٢٨٦) .
  8. *الآية الأولى من سورة الممتحنة.
  9. *لأنه لم يكن من صلب قريش، وإنما كان حليفاً لبني أسد، الفتح (٨/ ٦٣٤) ، والإصابة (١/ ٣٠٠) ، وقد ذكر ابن حجر في ترجمته أنه من لخم، الإصابة (١/ ٣٠٠) ، ولخم: قبيلة يمنية قحطانية شهيرة؟ انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٤٢٢) .
٣/٧٠٩٣/٧٠٩

١٤٦- وقال الطبراني ١: حدثنا موسى بن هارون ٢، ثنا هاشم بن الحارث ٣، ثنا عبيد الله بن عمرو ٤ عن إسحاق بن راشد ٥، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة ٦ أنه حدث أن أباه كتب إلى كفار قريش كتاباً وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد بدراً، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً والزبير فقال: " انطلقا حتى تدركا امرأة معها كتاب فائتياني به" . فانطلقا حتى لقياها، فقالا: أعطينا الكتاب الذي معك، وأخبراها أنهما غير منصرفين حتى ينزعا كل ثوب عليها، فقالت: ألستما رجلين مسلمين؟ قالا: بلى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن معك كتاباً، فلما أيقنت أنها غير منفلتة منهما حلت الكتاب من رأسها فدفعته إليهما، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً حتى قرأ عليه الكتاب، فقال: أتعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم، قال: "فما حملك على ذلك؟ " . قال: هناك ولدي وذو قرابتي، وكنت امرأ غريباً فيكم معشر قريش، فقال عمر: ائذن لي في قتل حاطب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا، لأنه ٧ قد شهد بدراً، وإنك لا تدري لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم إني غافر لكم" ٢.

  1. ١المعجم الكبير (٣/ ١٨٤) رقم (٣٠٦٦) .
  2. ٢هو: موسى بن هارون بن عبد الله بن مروان أبو عمران البزار المعروف والده بالحمال، قال الخطيب: وكان ثقة عالماً، تاريخ بغداد (١٣/ ٥٠- ٥١) .
  3. ٣هو: هاشم بن الحارث، أبو محمد المروزي، سكن بغداد وحدث بها، وكان ثقة، تاريخ بغداد (١٤/ ١٦) .
  4. ٤هو: عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرقي، أبو وهب الأسدي، ثقة فقيه ربما وهم، من الثامنة، توفي سنة ثمانين عن ثمانين إلا سنة، ع، التقريب (٣٧٣) .
  5. ٥هو: إسحاق بن راشد الجزري، أبو سليمان، ثقة، في حديثه عن الزهري بعض الوهم، من السابعة، توفي في خلافة أبي جعفر، خ، التقريب (١٠٠) .
  6. ٦هو: عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، - بفتح الموحدة والمثناة وسكون اللام بينهما ثم مهملة -، له رؤية، وعدوه في كبار ثقات التابعين، توفي سنة ثمان وستين، خت، التقريب (٣٣٨) .
  7. ٧وفي المعجم الأوسط (٨/ ١٤٦) (لا، إنه) .
  8. *والحديث أخرجه أيضاً ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٨/ ٣٩- ٤٠) من طريق محمد بن ثور عن معمر عن الزهري به. وانظر: أسباب النزول للواحدي (٤٤١) رقم (٨١١) ، فقد قال: قال جماعة المفسرين: إنّ هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، يريد الآية المتقدمة وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... } .
  9. *وأخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ١٤٦ رقم ٨٢٢٧) بنفس السند. وقال الهيثمي: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما ثقات"، المجمع (٩/ ٣٠٤) ، وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٠١) ، وسكت عليه الحاكم والذهبي، ولكن الذهبي ذكره في سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٥) ، ترجمة حاطب، وقال: "إسناده صحيح وأصله في الصحيحين". وعزاه الحافظ في الإصابة (١/ ٣٠٠) ، ترجمة حاطب، لابن شاهين والبارودي والطبراني وسمويه كلهم من طريق الزهري به. وقصة حاطب أخرجها البخاري في صحيحه من حديث علي رضي الله عليه وسلم في عدة مواضع. انظر: رقم (٣٠٠٧) ، ورقم (٣٠٨١) ، ورقم (٣٩٨٣) ، ورقم (٤٢٧٤) ورقم (٤٨٩٠) ، ورقم (٦٢٥٩) ، ورقم (٦٩٣٩) ، وانظر: صحيح مسلم بشرح النووي (١٦/ ٤٥- ٥٧) .

المبحث الرابع: في مسير النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة

٣/٧١١٣/٧١١

١٤٧- قال الطبراني ١: حدثنا أبو شعيب الحراني ٢، ثنا أبو جعفر النفيلي ٣، ثنا محمد بن سلمة ٤ عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على المدينة أبا رُهم كلثوم ابن حصين الغفاري ٥، وخرج لعشر ٦ مضين من رمضان فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد ما بين عسفان وأمَجَ١ أفطر، ثم مضى حتى نزل مر الظهران ٧ في عشرة آلاف من المسلمين من مزينة ٨ وسُليم، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب ٩ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار فلم يتخلف منهم أحد، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران وقد عميت الأخبار عن قريش فلم يأتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ولا يدرون ما هو فاعل، خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام ١٠ وبديل بن ورقاء ١١ يتحسسون ١٢ وينتظرون هل يجدون خبراً أو يسمعون به، وقد كان العباس بن عبد المطلب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق، وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ١٣ وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ١٤ قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: (لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك ١٥ عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال) ، فلما أخرج إليهما بذلك ١٦، ومع أبي سفيان بُنَي له، فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّ لهما ١٧، ثم أذن لهما فدخلا وأسلما، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران قال العباس: واصباح٣ قريش، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، قال: فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت عليها حتى جئت الأَراك٤، فقلت: لعلِّي ألقى بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، قال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيراناً ولا عسكراً، قال: يقول بديل: هذه والله نيران خزاعة حمشتها ١٨ الحرب، قال: يقول أبو سفيان: خزاعة والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة٢؟

  1. ١المعجم الكبير (٨/ ٩) رقم (٧٢٦٤) .
  2. ٢لم أهتد إلى معرفته.
  3. ٣هو: عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، - بنون وفاء مصغر -، أبو جعفر النفيلي الحراني، ثقة حافظ، من كبار العاشرة، توفي سنة أربع وثلاثين، خ، التقريب (٣٢١) ، رقم (٣٥٩٤) .
  4. ٤هو: محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي مولاهم، الحراني، ثقة، من التاسعة، توفي سنة ٩١هـ- على الصحيح، ر م، التقريب (٤٨١) ، رقم (٥٩٢٢) .
  5. ٥أبو رُهم: هو: كلثوم بن حصين بن خالد بن العسعس بن زيد بن العميس بن أحمس بن غفار، وقيل: ابن حصين بن عبيد بن خلف بن حماس بن غفار الغفاري، مشهور باسمه وكنيته، كان ممن بايع تحت الشجرة، واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة في غزوة الفتح، الإصابة (٤/ ٧٠- ٧١) .
  6. ٦قوله: " ... وخرج لعشر مضين من رمضان" أخرجها ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٣٧) ، من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن عباس.
  7. ٧مرور النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران قد ذكره البخاري (رقم ٥٤٥٣) من طريق الزهري، وذكره من غير طريق الزهري رقم (٤٢٨٠) . وقد ذكر الواقدي في المغازي (٢/ ٦٥٠- ٦٥١) هذه الرواية مطولاً بدون إسناد وفي سياقه بعض الاختلاف. أما ابن إسحاق فقد أشار إلى مظاهرة غطفان ليهود خيبر ولكن بسياق آخر فقد قال: فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر جمعوا له ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى ساروا مَنقلة - أي مرحلة - سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حساً، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله وبين خيبر. (ابن هشام ٢/ ٣٣٠) .
  8. ٨مزينة: من قبائل طابخة بن إلياس، وهم بنو عثمان وأوس ابني عمرو بن أد طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٤٨٠) .
  9. ٩أوعب: أي لم يتخلف منهم أحد عنه، والإيعاب: الاستقصاء في كل شيء، النهاية (٥/ ٢٠٥) .
  10. ١٠تقدمت ترجمته.
  11. ١١تقدمت ترجمته في ص (٤٣٦) . وذكر بديل بن ورقاء مع أبي سفيان ذكره البخاري (رقم ٤٢٨٠) .
  12. ١٢يتحسسون: التحسس: الاستماع لحديث القوم، وطلب خبرهم في الخبر، القاموس (حسَّ) .
  13. ١٣تقدمت ترجمته.
  14. ١٤هو: عبد الله بن أبي أمية واسمه حذيفة، وقيل: سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي، صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته عاتكة وأخو أم سلمة رضي الله عنها. الإصابة (٢/ ٢٧٧) .
  15. ١٥الهتك: خرق الستر عما وراءه، وقد هتكه فانهتك، والهتيكة: الفضيحة. النهاية (٥/ ٢٤٣) .
  16. ١٦أي: بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم.
  17. ١٧الرِّقة: بالكسر: الرحمة، القاموس (رَقَقَ) ، والمراد بالرقة ضد القسوة. النهاية (٢/ ٢٥٢) . (يا صباحاه) هذه كلمة يقولها المستغيث، وأصلها إذا صاحوا للغارة، لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح، ويسمون يوم الغارة يوم الصباح، فكأن القائل: يا صباحاه، يقول: قد غشينا العدو. النهاية (٣/ ٦- ٧) . ٤ الأراك: - بفتح أوله - على لفظ جمع أراكة، وهو من مواقف عرفة من ناحية الشام، معجم ما استعجم للبكري (١/ ١٣٤) ، هكذا ذكر البكري، ولكن الموضع المذكور هنا ليس بعرفة قطعاً فلعل العباس رضي الله عليه وسلم يقصد الموضع الذي يكثر به شجر الأراك، وهو موضع يقع شمال مكة، ولم أجد من عرفَّه.
  18. ١٨حمشتها الحرب: يقال: حمش الشر: اشتد، وأحمشته أنا، وأحمشت النار إذا ألهبتها، النهاية (١/ ٤٤١) .
  19. *أمَج: - بالتتحريك وآخره جيم -، ويعرف أمج اليوم: بخليص، واد زراعي على مائة كيل من مكة شمالاً على الجادة العظمى، معجم المعالم الجغرافية (٣٢) .
٣/٧١٥٣/٧١٥

فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي، فقلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحبه، فحركتُ به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟

فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب رضي الله عليه وسلم، فقال: من هذا؟

وقام إليّ فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة، قال: أبو سفيان، عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه، قال: قلت يا رسول الله إني أَجَرْتُه، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، فقلت: لا والله لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلاً يا عمر أما والله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ولكنك عرفت أنه رجل من رجال بني عبد مناف، قال: مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذهب به إلى رحلك يا عباس فإذا أصبح فائتني به، فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ " . قال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئاً. قال: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ " . قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، هذه والله كان في نفسي منها شيء حتى الآن، قال العباس: ويحك يا أبا سفيان أسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك. قال: فشهد بشهادة الحق وأسلم، قلت: يا رسول الله إن أبا سفيانض رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئاً، قال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن" .

  1. *هي: كنية لأبي سفيان، انظر: الإصابة (٢/ ١٧٨) ، وقد بحثت في كتب النسب فلم أجد في عقب أبي سفيان من يدعى (حنظلة) .
٣/٧١٧٣/٧١٧

فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عباس احبسه بمضيق ١ الوادي عند خطم ٢ الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها"، قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه، قال: ومرت به القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء؟ فأقول: سُليم، فيقول: مالي ولسُليم، قال: ثم تمر القبيلة، قال: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: مالي ولمزينة، حتى تعدت القبائل لا تمر قبيلة إلا قال: من هؤلاء؟ فأقول: بنو فلان، فيقول: مالي ولبني فلان، حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخضراء كتيبة فيها المهاجرون والأنصار لا يُرى منهم إلا الحدق ٣، قال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً، قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال: فنعم إذاً، قلت: النجاة إلى قومك، قال: فخرج حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه، فقالت: اقتلوا الدسم الأحمس ٤ فبئس من طليعة قوم. قال: ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاء ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: ويلك وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد ٥.

  1. ١المضيق: ما ضاق من الأماكن والأمور، وهو ضد الاتساع، القاموس (ضفق) .
  2. ٢خطم: أصل الخطم في السباع: مقاديم أنوفها وأفواهها، فاستعارها للناس. النهاية (٢/ ٥٠) . فيكون المعنى: مقدمة الجبل أو طرفه. والمراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر العباس أن يقعد أبا سفيان في طرف ذلك المضيق حتى يرى جيش الفتح وهو يمر من ذلك المضيق حيث لا طريق إلا منه فيكثر في عينه فيعلم أنه لا طاقة لأهل مكة بهذا الجيش.
  3. ٣تقدم معناها.
  4. ٤الدَّسم الأحمس: أي الأسود الدنيء. النهاية (٢/ ١١٨) .
  5. ٥قال الهيثمي بعد ذكره لهذا الحديث: "رجاله رجال الصحيح". المجمع (٦/ ١٦٧) . وقد أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٣) رقم (٢٧٦٥) من طريق يونس بن بكير عن جعفر بن برقان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، فذكر مثل حديث محمد بن إسحاق وأخرجه أبو داود برقم (٣٠٢١) مقتصراً على ذكر إسلام أبي سفيان وقول الرسول له: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن طريق يونس بن بكير أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٣- ٤٤) ، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي. قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي (٤٠٨) بعد تصحيح الحاكم له قال: "وإنما هو حسن فقط"، ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٧) . وقد أخرجه إسحاق في مسنده والذهلي في الزهريات من طريق جرير بن حازم كما في المطالب العالية المسندة (٤/ ٤١٨) وما بعدها، وقد حكم عليه بالصحة. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٢١) ، وصححه، وأخرجه البيهقي في الدلائل (٥/ ٣١) مختصراً، وفي معرفة السنن والآثار له (١٣/ ٢٩٧) . وأخرج البخاري في صحيحه مع الفتح (٨/ ٥- ٦ رقم ٤٢٨٠) نحوه من غير طريق الزهري عن هشام بن عروة عن أبيه، وأخرجه من غير طريق الزهري ابن جرير في تاريخه (٣/ ٥٢) من حديث ابن عباس، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣٢) . وذكره ابن إسحاق بدون إسناد (ابن هشام ٢/ ٤٠٠) فما بعدها.
٣/٧١٩٣/٧١٩

١٤٨- قال البيهقي: أخبرنا الحسين ١ بن بشران ببغداد، أخبرنا أبو جعفر ٢ الرزاز، قال: حدثنا أحمد ٣ بن الوليد الغمام، قال: حدثنا أبو بلال ٤ الأشعري، قال: حدثنا زياد ٥ بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: جاء العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان بن حرب فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان يشهد أن لا إله إلا الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا الفضل انصرف بضيفك الليلة إلى أهلك واغد به" .

  1. ١ثقة، تقدم في الرواية رقم [٦٥] .
  2. ٢أبو جعفر الرزاز هو: محمد بن عمرو بن البختري أبو جعفر، وكان ثقة ثبتاً، تاريخ بغداد (٣/ ١٣٢) .
  3. ٣أحمد بن الوليد، بن أبي الوليد أبو بكر الغمام، وقال الخطيب: وكان ثقة، تاريخ بغداد (٥/ ١٨٨) .
  4. ٤أبو بلال الأشعري: اسمه مرداس بن محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، وقيل: اسمه محمد، وقيل: عبد الله، ضعفه الدارقطني، يقال: توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين، ميزان الاعتدال (٤/ ٥٠٧) .
  5. ٥زياد بن عبد الله بن الطفيل العامري البكائي، - بفتح الموحدة وتشديد الكاف -، أبو محمد الكوفي، صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعاً كذبه، وله في البخاري موضع واحد متابعة، من الثامنة مات سنة ثلاث وثمانين، خ م ت ق، التقريب (٢٢٠) .
٣/٧٢٠٣/٧٢٠

فلما أصبح غدا به عليه، فقال العباس: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إن أبا سفيان رجل يحب الشرف والذكر، فاعطه شيئاً يتشرف به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" ١، فقال أبو سفيان: وما تسع داري؟ فقال: "من دخل الكعبة فهو آمن" ، فقال: وما تسع الكعبة؟ فقال: "من دخل المسجد فهو آمن" . فقال: وما يسع المسجد؟ فقال: "من أغلق بابه فهو آمن" ، فقال: هذه واسعة ١.

  1. ١دلائل النبوة (٥/ ٣٢) ، وهي رواية ضعيفة لعنعنة ابن إسحاق، لكن قد وردت شواهد تدل على ثبوتها، فقد أخرج نحوها مختصراً ابن أبي شيبة في المصنف (١٤/ ٤٩٦) ، وأبو داود في السنن (٣/ ١٦٢ رقم ٣٠٢١) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٣٦٤ رقم ٤٨٦) والطبراني في الكبير (٨/ ١٠ رقم ٧٢٦٤) ، والبيهقي في السنن أيضاً (٩/ ١١٨) ، ومعرفة السنن والآثار (١٣/ ٢٩٧) ، كلهم من طريق ابن إسحاق عن الزهري، وفيها جميعاً عنعنة ابن إسحاق، علماً بأن الألباني قد حكم عليها بأنها (حسنة) كما في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٥٨٦ رقم ٢٦١٠) .
  2. *قوله: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" أخرجها مسلم في صحيحه من غير طريق الزهري عن أبي هريرة في حديث طويل (٣/ ١٤٠٥ رقم ١٧٨٠) وله شاهد آخر عند أبي داود من غير طريق الزهري عن ابن عباس، رقم (٣٠٢٢) وحسن إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٥٨٦ رقم ٢٦١١) .
٣/٧٢١٣/٧٢١

١٤٩- وقال البيهقي ١: أخبرنا أبو عبد الله الحاكم ٢، قال: أنبأنا إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، (ح) . وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد واللفظ له، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن عتاب العبدي قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما يقال - في اثني عشر ألفاً٣ من المهاجرين والأنصار ومن طوائف العرب: من أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، ومن بني سُليم، وقادوا الخيول، فأخفى الله عزوجل مسيره على أهل مكة حتى نزلوا بمر الظهران، وبعثت قريش أبا سفيان وحكيم بن حزام ومعهما بديل بن ورقاء، فلما طلعوا على مر الظهران حين بلغوا الأراك، وذلك عشاءً رأوا النيران والفساطيط ٣ والعسكر، وسمعوا صهيل ٤ الخيل، فراعهم ذلك فقالوا: هذه بنو كعب ٥ حشَّتها ٦ الحرب، ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: هؤلاء أكثر من بني كعب، قالوا: فلعلهم هوازن انتجعوا ٧ الغيث بأرضنا ولا والله ما نعرف هذا أيضاً، فبينما هم كذلك لم يشعروا حتى أخذهم نفر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم عيوناً لهم بخطيم أبعرتهم، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال أبو سفيان: هل سمعتم بمثل هذا الجيش نزلوا على أكباد قوم لم يعلموا بهم؟ فلما دخل بهم العسكر لقيهم عباس بن عبد المطلب ٨ فأجارهم وقال: يا أبا حنظلة ثكلتك ٩ أمك وعشيرتك، هذا محمد صلى الله عليه وسلم في جمع المؤمنين فادخلوا [عليه فأسلموا فدخلوا] ٢ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فمكثوا عنده عامة الليل يحادثهم ويسألهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فقال لهم: اشهدوا أنه لا إله إلا الله، فشهدوا، ثم قال: اشهدوا أني رسول الله، فشهد حكيم وبديل، وقال أبو سفيان: ما أعلم ذلك، وخرج أبو سفيان مع العباس فلما نودي للصلاة، ثار الناس ففزع أبو سفيان، وقال للعباس: ماذا يريدون؟ قال: الصلاة، ورأى أبو سفيان المسلمين يتلقون وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما رأيت ملكاً قط كالليلة ولا ملك كسرى، ولا ملك قيصر، ولا ملك بني الأصفر، فسأل أبو سفيان العباس أن يدخله على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخله، فقال أبو سفيان: يا محمد قد استنصرتُ آلهتي، واستنصرت إلهك، فوالله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت عليّ، فلو كان إلهي محقاً وإلهك مبطلاً لقد غلبتك، فشهد أن محمداً رسول الله، وقال أبو سفيان وحكيم: يا رسول الله أجئت بأوباش الناس من يعرف ومن لا يعرف إلى أصلك وعشيرتك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم أظلم وأفجر، قد غدرتم بعقد الحديبية، وظاهرتم على بني كعب بالإثم والعدوان في حرم الله وأمنه ". فقال بديل: قد صدقت يا رسول الله، قد غدروا بنا والله لو أن قريشاً خلّوا بيننا وبين عدونا ما نالوا منا الذي نالوا. فقال أبو سفيان وحكيم: قد كنت يا رسول الله حقيقاً أن تجعل عُدّتك وكيدك لهوازن فإنهم أبعد رحماً وأشد عداوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأرجو أن يجمعهما لي ربي: فتح مكة، وإعزاز المسلمين بها، وهزيمة هوازن، وغنيمة أموالهم وذراريهم". فقال أبو سفيان وحكيم: يا رسول الله ادع لنا بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش فكفت أيديها آمنون هم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، من كفّ يده وأغلق داره فهو آمن، قالوا: فابعثنا نؤذن بذلك فيهم: قال: انطلقوا فمن دخل دارك يا أبا سفيان ودارك يا حكيم ١٠، وكف يده فهو آمن -ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفل مكة -فلما توجها ذاهبين، قال العباس: يا رسول الله إني لا آمن أبا سفيان أن يرجع عن إسلامه فيكفر، فاردده حتى نقفه فيرى جنود الله معك، فأدركه عباس فحبسه، فقال أبو سفيان: أغدراً يا بني هاشم؟ فقال العباس: ستعلم أنا لسنا نغدر، ولكن لي إليك حاجة، فأصبح حتى ترى جنود الله وإلى ما أعد للمشركين، فحبسهم بالمضيق دون الأراك إلى مكة، حتى أصبحوا وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فنادى: لتصبح كل قبيلة قد ارتحلت ووقفت مع صاحبها عند رايته، وتظهر ما معها من الأداة والعدة، فأصبح الناس على ظهر، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه الكتائب، فمرت كتيبة على أبي سفيان، فقال: يا عباس أفي هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، قال: فمن هؤلاء؟ قال: قضاعة، ثم مرت القبائل على راياتها، فرأى أمراً عظيماً رعبه الله به، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم وأمره أن يدخل من كَدَاء ١١ من أعلى مكة وأعطاه رايته وأمره أن يغرزها بالحجون ١٢ ولا يبرح حيث أمره أن يغرزها حتى يأتيه، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضاعة وبني سُليم وناساً أسلموا قبل ذلك وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وأمره أن يغرز رايته عند أدنى البيوت وبأسفل مكة بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناف

  1. ١دلائل البيهقي (٥/ ٣٩- ٤٩) بسند حسن إلى الزهري إلا أنها مرسلة، لكن يشهد لكثير من فقراتها ما جاء في الصحيحين وغيرهما كما سيأتي.
  2. ٢تقدمت تراجم سند هذه الرواية.
  3. ٣الفساطيط: جمع فسطاط، وهو: - بالضم والكسر - المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط، قال الزمخشري: (هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق) النهاية (٣/ ٤٤٥) .
  4. ٤صهيل الخيل: أي: صوته. النهاية (٣/ ٦٣) .
  5. ٥بنو كعب: يعني خزاعة، وكعب أكبر بطون خزاعة. فتح الباري (٨/ ٧) .
  6. ٦حشّتها الحرب، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: حاشتها الحرب، أي: جاشت بهم الحرب. الفتح (٨/ ٧) .
  7. ٧انتجعوا: التنجع والانتجاع والنجعة: طلب الكلأ ومساقط الغيث. النهاية (٥/٢٢)
  8. ٨في البخاري (٨/ ٥- ٦) رقم (٤٢٨٠ مع الفتح) من مرسل عروة: (أن حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين أخذوا هؤلاء الثلاثة وأتوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم أبو سفيان ... ) .
  9. ٩ثكلتك: أي: فقدتك، والثكل: فقد الولد، وهي من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء، كقولهم: تربت يداك، وقاتلك الله. النهاية (١/ ٢١٧) .
  10. ١٠قوله ودارك يا حكيم، ورد ما يشهد له عند الطبري في تاريخه (٣/ ٥٤- ٥٦) من رواية هشام بن عروة عن أبيه.
  11. ١١كَدَاء: - بالتحريك والمد - الثَّنيَّة العليا بمكة مما يلي المقابر، وهو: المعلاة. النهاية (٤/ ١٥٦) .
  12. ١٢الحجون: - بضم الحاء المهملة والجيم، وآخره نون - هي الثنية التي تفضي على مقبرة المعلاة والمقبرة عن يمينها وشمالها مما يلي الأبطح، تسمى الثنية اليوم (ريع الحجون) ، معجم المعالم الجغرافية (٩٤) .
  13. *تقدم توفيق الحافظ ابن حجر بين من ذكر عددهم عشرة آلاف وبين من ذكرهم اثني عشر ألفاً في المبحث الثاني.
  14. *ما بين الحاصرتين ليس في [ح] كما قال محقق الدلائل، عبد المعطي قلعجي.
٣/٧٢٦٣/٧٢٦

وهذيل ومن كان معهم من الأحابيش قد استنصرت بهم قريش، وأمرتهم أن يكونوا بأسفل مكة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع سعد رايته إلى قيس بن سعد ابن عبادة ١ وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلون أحداً إلا من قاتلهم، وأمرهم بقتل أربعة نفر، منهم: عبد الله بن سعد ابن أبي سرح ٢، والحويرث بن نقيذ ٣، وابن خطل ٤، ومقيس بن صُبابة ٥ أحد بني ليث وهو من كلب بن عوف، وأمر بقتل قينتين ٦ لابن خطل كانت تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت الكتائب يتلو بعضها بعضاً على أبي سفيان وحكيم وبديل ولا تمر عليهم كتيبة إلا سألوا عنها حتى مرت عليهم كتيبة الأنصار فيها سعد بن عبادة فنادى سعد أبا سفيان فقال: اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة ٧ فلما مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان في المهاجرين، قال: يا رسول الله أمرت بقومك أن يقتلوا، فإن سعد بن عبادة ومن معه حين مروا بي ناداني سعد فقال: اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة وإني أناشدك الله في قومك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة فعزله وجعل الزبير بن العوام مكانه على الأنصار مع المهاجرين، فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون، وغرز بها راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة، فلقيته بنو بكر فقاتلوه فهزموا، وقتل من بني بكر قريباً من عشرين رجلاً، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا وقُتلوا بالحزورة ٨ حتى بلغ قتلهم باب المسجد وفرّ بعضهم حتى دخلوا الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبال، واتبعهم المسلمون بالسيوف ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين الأولين وأخريات الناس، وصاح أبو سفيان حين دخل مكة: من أغلق داره وكف يده فهو آمن، فقالت له هند بنت عتبة وهي امرأته: قبحك الله من طليعة قوم وقبح عشيرتك معك، وأخذت بلحية أبي سفيان ونادت يا آل غالب: اقتلوا الشيخ الأحمق، هلاّ قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم، فقال لها أبو سفيان: ويحك اسكتي وادخلي بيتك، فإنه جاءنا بالحق.

  1. ١هو: قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي، مختلف في كنيته فقيل: أبو الفضل، وأبو عبد الله وأبو عبد الملك ... أخرج البغوي من طريق ابن شهاب قال: كان قيس حامل راية الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من ذوي الرأي من الناس ... شهد مع علي صفين ثم كان مع الحسن حتى صالح معاوية، فرجع قيس إلى المدينة ومات بها في آخر خلافة معاوية، الإصابة (٣/ ٢٤٩) .
  2. ٢هو: عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب - بالمهملة مصغراً - ابن حذافة بن مالك بن حسن بن عامر بن لؤي القرشي العامري، يكنى أبا يحيى، وكان أخا عثمان من الرضاعة، وكانت أمه أشعرية، كان عبد الله بن سعد يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فأزلّه الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم، أمّره عثمان على مصر، ولما وقعت الفتنة سكن عسقلان ولم يبايع لأحد ومات بها سنة ست وثلاثين. الإصابة (٢/ ٣١٦-٣١٧) .
  3. ٣هو: الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي، السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٤١٠) وقتله علي بن أبي طالب.
  4. ٤اسمه: عبد الله بن خطل، رجل من بني تيم بن غالب، السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٤٠٩) ، وقد ذكر ابن إسحاق أنه اشترك في قتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي. المصدر السابق. وذكر الواقدي في المغازي (٢/ ٨٥٩) أقوالاً أخرى في من قتله، وسيأتي الخلاف في اسمه.
  5. ٥مقيس بن صبابة: - بمهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة - الفتح (٨/ ١١) وعند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٤١٠) مقيس بن حبابة، وأن الذي قتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه.
  6. ٦القينة: الأمة غنَّت أو لم تغن، والماشطة، وكثيراً ما تطلق على المغنية من الإماء. النهاية (٤/ ١٣٥) . واسم الأولى: فرتنى (ابن هشام ٢/ ٤١٠) والثانية: قرينة فتح الباري (٨/ ١١) ، وقد استؤمن للأولى فأسلمت، وقتلت الثانية. المصدر السابق. وقد أحصى الحافظ ابن حجر عدد من أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمهم فبلغ عددهم ثمانية رجال وست نسوة. الفتح (٨/ ١٢) .
  7. ٧وكذلك وردت عند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٤٠٦) ، والواقدي في مغازيه (٢/ ٨٢١) ، والطبراني في الكبير ٨/ ٦ رقم ٧٢٦٣) ، ومغازي الأموي، انظر: عيون الأثر (٢/ ٢٢٣) . وفي البخاري مع الفتح (٨/ ٥- ٦) رقم (٤٢٨٠) من مرسل عروة (اليوم تستحل الكعبة) .
  8. ٨الحَزْوَرَة: - بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي - هي ما يعرف اليوم باسم القشاشية، مرتفع يقابل المسعى من مطلع الشمس كان ولا يزال سوقاً من أسواق مكة، معجم المعالم الجغرافية (٩٨) .
  9. *يوم الملحمة: - بالحاء المهملة - أي يوم حرب لا يوجد منه مخلص، ومراد سعد بقوله: يوم الملحمة: يوم المقتلة الكبرى. الفتح (٨/ ٨) .
٣/٧٢٩٣/٧٢٩

ولماّ علا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنية كداء نظر إلى البارقة ١ على الجبل مع فضض ٢ المشركين فقال: "ما هذا؟ وقد نهيت عن القتال؟ " .

  1. ١البارقة: السيوف: أي رأى لمعانها. النهاية (١/ ١٢٠) .
  2. ٢فضض المشركين: الفضض كل متفرق ومنتشر، القاموس، (فضض) . والمعنى: مع بعض المشركين الذين تفرقوا عن بعض.

فقال مهاجرون نظن أن خالداً قاتل، وبدئ بالقتال، فلم يكن له بد من أن يقاتل من قاتله، وما كان يا رسول الله ليعصيك، ولا يخالف أمرك ١، فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثنية فأجاز على الحجون، فاندفع الزبير ابن العوام حتى وقف بباب المسجد وجُرح رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كُرز بن جابر ٢ أخو بني محارب بن فهر، وحُبيش بن خالد ٣، وخالد - يدعى الأشعر وهو أحد بني كعب، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ في قتل النفير أن يقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان قد ارتد بعد الهجرة كافراً، فاختبأ حتى اطمأن الناس، ثم أقبل يريد أن يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه ليقوم إليه رجل من أصحابه ليقتله، فلم يقم إليه أحد ولم يشعروا بالذي كان في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم ٤: لو أشرت إليّ يا رسول الله لضربت عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفعل ذلك" .

  1. ١وقد ذكر عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٣٧٨) عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي بعث خالداً بمن معه يقاتل المشركين بأسفل مكة.
  2. ٢هو كُرز بن جابر بن حسل بن لاحب بن حبيب بن عمرو بن سفيان بن محارب بن فهر القرشي الفهري، كان من رؤساء المشركين قبل أن يسلم، وأغار على سرح المدينة مرة، ثم أسلم. الإصابة (٣/ ٢٩٠- ٢٩١) .
  3. ٣هو: حبيش بن خالد بن سعد بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن خبيس - بمعجمة ثم موحدة ثم مهملة مصغراً - بن حرام بن حبيشة بن كعب بن عمرو الخزاعي، يكنى أبا صخر وهو أخو أم معبد، قتل مع خالد بن الوليد يوم فتح مكة. الإصابة (١/ ٣١٠) .
  4. ٤نقل الحافظ ابن حجر عن سبط ابن الجوزي: أن الذي قال ذلك هو عباد بن بشر، وقيل: بل عمر بن الخطاب. الإصابة (٢/ ٣١٧) .
٣/٧٣٠٣/٧٣٠

ويقال: أجاره عثمان بن عفان رضي الله عليه وسلم وكان أخاه من الرضاعة، وقتلت إحدى القينتين وكمنت الأخرى حتى استؤمن لها، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعاً على راحلته يستلم الأركان زعموا بمحجن، وكثُر الناس حتى امتلأ المسجد، واستكف المشركون ينظرون إلى رسول الله وأصحابه فلما قضى طوافه نزل، وأخرجت الراحلة، وسجد سجدتين، ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها، وقال: "لولا أن تغلب بنو عبد المطلب على سقايتهم لنزعت بيدي دلواً"١ ثم انصرف في ناحية المسجد قريباً من المقام مقام إبراهيم عليه السلام، فكان المقام - زعموا - لاصقاً بالكعبة، فأخره رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانه هذا ١، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسجل ٢ من ماء زمزم فشرب وتوضأ، والمسلمون يبتدرون وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون إليهم يتعجبون، ويقولون: ما رأينا ملكاً قط بلغ هذا ولا سمعنا به، ومرّ صفوان بن أمية عامداً للبحر، وأقبل عمير بن وهب بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يؤمن صفوان بن أمية، وقال: إنه قد هرب فاراً نحو البحر، وقد خشيت أن يهلك نفسه فأرسلني إليه بأمان يا رسول الله فإنك قد أمنت الأحمر والأسود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أدرك ابن عمك فهو آمن" .

  1. ١المشهور أن الذي أخر المقام عمر رضي الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر: وكان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخّره عمر رضي الله عليه وسلم إلى المكان الذي هو فيه الآن. فتح الباري (٨/ ١٦٩) تحت حديث رقم (٤٤٨٣) . ثم قال: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح عن عطاء وغيره، وعن مجاهد أيضاً، وأخرج البيهقي عن عائشة مثله بسند قوي، ولفظه: (إن المقام كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن أبي بكر ملتصقاً بالبيت ثم أخّره عمر) المصدر السابق. وانظر: مصنف عبد الرزاق (٥/ ٤٨ رقم ٨٩٥٥) ، وحديث مجاهد في (٥/ ٤٧-٤٨ رقم ٨٩٥٣) وقد ذكر ابن كثير في تفسيره (١/ ١٧٠) نحواً من كلام الحافظ ابن حجر. وذكر الحافظ ابن حجر أيضاً أن ابن مردويه أخرج بسند ضعيف عن مجاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حوّله. قال: والأول أصح. الفتح ٠٨/ ١٦٩) . ونقل ابن كثير في تفسيره رواية ابن مردويه ثم قال: هذا مرسل عن مجاهد وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق عن معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد: أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عليه وسلم وهذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضادها بما تقدم. التفسير (١/ ١٧١) .
  2. ٢السجل: الدلو الملأى ماء، ويجمع على سجال. النهاية، ٢/٣٤٤.
  3. *أخرجه أحمد عن علي رضي الله عليه وسلم بلفظ: (يا بني عبد المطلب سقايتكم، ولولا أن يغلبكم الناس عليها لنزعت بها) المسند (٢/ ٥ رقم [٥٦٢] أرناؤوط) والترمذي رقم (٨٨٥) ، وأبو يعلى رقم (٣١٢و ٥٤٤) ، وابن خزيمة رقم (٢٨٣٧ و٢٨٨٩) ، والطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٧٢- ٧٣) ، والبيهقي في السنن (٥/ ١٢٢) من طريق أبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، وبعضهم يزيد فيه على بعض، وسنده حسن، وأخرج نحوه الفاكهي في أخبار مكة، وقال محققه عبد الملك بن دهيش: سنده حسن (٢/ ٥١ رقم ١١٣٠) ، والأزرقي في أخبار مكة (٢/ ٥٥) .
٣/٧٣٢٣/٧٣٢

فطلبه عمير فأدركه فقال: قد أمنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له صفوان: لا والله لا أقر لك حتى أرى علامة بأمان أعرفها، فقال عمير: امكث مكانك حتى آتيك بها، فرجع عمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن صفوان أبى أن يوقن لي حتى يرى منك آية يعرفها، فانتزع رسول الله صلى الله عليه وسلم بردة حَبِرة كان معتجراً بها حين دخل مكة، فدفعه إلى عمير بن وهب فلما رأى صفوان البرد أيقن واطمأنت نفسه وأقبل مع عمير حتى دخل المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان: أعطيتني ما يقول هذا من الأمان؟ قال: (نعم) ، قال: اجعل لي شهراً١ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل لك شهران لعل الله أن يهديك" . وقال ابن شهاب: نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوان وهو على فرسه فقال: يا محمد أمنتني كما قال هذا، إن رضيت وإلا سيرتني شهرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انزل أبا وهب) قال: لا والله لا أنزل حتى تبين لي، قال: فلك تسير أربعة أشهر ١، وأقبلت أم حكيم بنت الحارث بن هشام ٢ وهي مسلمة يومئذ، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنته في طلب زوجها، فأذن لها وأمّنه فخرجت بعبد لها رومي فأرادها على نفسها، فلم تزل تمنيه وتقرب له حتى قدمت على ناس من عكٍّ٤ فاستغاثت بهم عليه فأوثقوه لها، وأدركت زوجها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عكرمة وثب عليه فرحاً وما عليه رداء حتى بايعه وأدركته امرأته بتهامة، فأقبل معها وأسلم، ودخل رجل من هذيل حين هزمت بنو بكر على امرأته فاراً فلامته وعجزته وعيّرته بالفرار، فقال: وأنتِ لو رأيتنا بالخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة وألحقتنا بالسيوف المسلمة يقطعن كل ساعد وجمجمة لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة قال ابن شهاب: قالها حِماس ٣ أخو بني سعد بن ليث، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ قال: هم بدأونا بالقتال، ووضعوا فينا السلاح، وأشعرونا بالنبل، وقد كففت يدي ما استطعت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قضاء الله عزوجل خير" . قال: وكان دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة والفتح في رمضان سنة ثمان، ويقال: قال أبو بكر رضي الله عليه وسلم يومئذ: يا رسول الله أراني في المنام وأراك دنونا من مكة، فخرجت إلينا كلبة تهرُّ٢، فلما دنونا منها استقلت على ظهرها فإذا هي تشخب ٤ لبناً فقال: ذهب كلبهم، وأقبل درّهم، وهم سائلوكم بأرحامكم لاقون بعضهم فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه، فلقوا أبا سفيان وحكيم اً بمرّ، وقال حسان بن ثابت في مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة: عدمت بنيتي ٥ إن لم تروها ... تثير النقع ٦ من كتفي كَداءُ ينازعن الأعنة ٧ مصفيات ٨ ... يلطمهن بالخُمر النساء فإن أعرضتموا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعين الله فيه من يشاء وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء هجوتَ٦ محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تَكَيده ٩ الدلاء قال: فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم إلى أبي بكر رضي الله عليه وسلم حين رأى النساء يلطمن الخيل بالخمر ١٠.

  1. ١تخييره بأربعة أشهر ورد ما يشهد له عند مالك في الموطأ عن الزهري (الموطأ ٢/ ٥٤٣) رقم (٤٤) وستأتي.
  2. ٢هي: أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومية زوج عكرمة بن أبي جهل قال أبو عمر: حضرت يوم أحد وهي كافرة، ثم أسلمت في الفتح، واستأمنت أم حكيم بنت الحارث لعكرمة فأمّنه النبي صلى الله عليه وسلم، الإصابة (٤/ ٤٤٣- ٤٤٤) .
  3. ٣هو: حماس - بكسر أوله وتخفيف ثانيه وآخره مهملة - ابن قيس ويقال: ابن خالد بن قيس بن مالك الدئلي، ذكر ابن إسحاق والواقدي أنه كان بمكة يوم الفتح، فلما قرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة أعد سلاحه وقال لامرأته: إني لأرجو أن يخدمك الله منهم، ثم فرّ وذكر الأبيات. الإصابة (١/ ٣٥٢) .
  4. ٤شخب: الشخب السيلان، وأصل الشخب من يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة بضرع الشاة. النهاية (٢/ ٤٥٠) .
  5. ٥في ديوانه (١٩) : عدمنا خيلنا، والبنية اسم من أسماء الخيل، انظر اللسان (بني) .
  6. ٦النقع: الغبار. النهاية (٥/ ١٠٩) .
  7. ٧في الديوان (١٩) يبارين الأعنة، والمعنى: يجارينها في السرعة، والعُنة: سير اللجام الذي تمسك به الدابة، القاموس (عنن) .
  8. ٨في الديوان (١٩) مصعدات، وفي البداية والنهاية (٤/ ٣١٠) مصغيات، بالغين المعجمة.
  9. ٩في الديوان (٢١) : لا تكدره الدلاء، والمعنى: أن لسانه كالسيف القاطع وأن شعره كالبحر لا تؤثر فيه الدلاء التي يستقي بها، شرح الديوان (ص: ٢١) .
  10. ١٠ذكر ابن كثير في البداية مقتطفات متفرقة من هذه الرواية، انظر: (٤/ ٢٩١، ٢٩٤، ٢٩٥، ٢٩٦) .
  11. *قوله: (اجعل لي شهراً) ورد مثله عند البيهقي من رواية أبي الأسود عن عروة. الدلائل (٥/ ٤٦) .
  12. *عك: قبيلة تنسب إلى اليمن، وعك هو: عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد. جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٣٧٥) .
  13. *هَرَّ الكلب يهرُّ هَريراً، فهو هارٌّ وهرَّارٌ إذا نبح وكشّر عن أنيابه، وقيل: هو صوته دون نباحه. النهاية (٥/ ٢٥٩) .
  14. *الذي هجا النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، وقد أسلم عام الفتح. الإصابة (٤/ ٩٠) .
٣/٧٣٦٣/٧٣٦

١٥٠- قال الحاكم٣حدثنا أبو العباس محمد ١ بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الفتح حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين فسبعت٥سليم، وأَلَّفَت٦مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار، فلم يتخلف عنه منهم أحد، وقد عميت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما هو صانع، وكان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثنية العقاب؛ فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك ٢ وابن عمتك وصهرك ٣، فقال: لا حاجة لي بهما؛ أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال، فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بن الحارث ابن ٤ له، فقال: والله ليأذننّ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنَذْهبَنَّ في الأرض حتى نموت عطشاً أو جوعاً، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّ لهما فدخلا عليه فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى منه فقال: لعمرك أني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد لكالمدلج ٥ الحيران أظلم ليلهُ ... فهذا أوانُ الحق أُهدي وأهتدي هدانيَ هادٍ غير نفسي ونالني إلى الله من طردّت كل مطرِّدِ أفر سريعاً جاهداً عن محمد وأدعى ولو لم أنتسب من محمد هُم عصبة من لم يقل بهواهم وإن كان ذا رأي يلَم ويفنَّد ٦ أريد لأرضيهم ولست بلائط ٧ مع القوم ما لم أهد في كل مقعد فقل لثقيف لا أريد قتالكم وقل لثقيف تلك غيري وأوعدي فماكنت في الجيش الذي نال عامراً ولا كل عن خير لساني ولا يدي قبائل جاءت من بلاد بعيدة توابع جاءت من سهام ٨ سردد ٩ قال: فذكروا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن طردت كل مطرد، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: أنت طردتني كل مطرد ١٠.

  1. ١تقدمت تراجم سند هذه الرواية.
  2. ٢تريد أبا سفيان بن الحارث لأنه ابن عمّ النبي صلى الله عليه وسلم.
  3. ٣لأن عبد الله بن أبي أمية أخو أم سلمة، وابن عمته عاتكة. الإصابة (٢/٢٧٧) .
  4. ٤ابنه هو: جعفر بن أبي سفيان وقد اسلم مع أبيه. الاستيعاب (٤/٢٣٧) . وذكر الحافظ ابن حجر نقلاً عن الزبير بن بكار وغيره أن جعفراً كان ممن ثبت يوم حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم. الفتح (٨/٣٠) .
  5. ٥الدلجة: هي السير ليلاً، يقال: أدلج بالتخفيف إذا سار من أول الليل، وادَّلج - بالتشديد - إذا سار من آخره. النهاية (٢/ ١٢٩) .
  6. ٦الفند في الأصل: الكذب، والمفند هو الذي لا فائدة من كلامه. النهاية (٣/ ٤٧٥)
  7. ٧اللائط: الملصق: يقال: لاط به يلوط لوطاً ولياطاً، إذا لصق به. النهاية (٤/ ٢٧٧) .
  8. ٨سهام: اسم موضع باليمامة كانت به وقعة أيام أبي بكر رضي الله عليه وسلم بين ثمامة بن أثال ومسيلمة الكذاب، معجم البلدان (٣/ ٢٨٨- ٢٨٩) ، والمعالم الأثيرة (١٤٤) . وسهام اسم وادٍ باليمن قرب صنعاء اليمن، وسهام اسم رجل سمي به الموضع، وهو سهام بن الغوث بن حمير، ووادي سهام: قرب زبيد بيوم ونصف، معجم البلدان (٢/ ٢٨٩) .
  9. ٩سُردد: - بضم أوله وسكون ثانيه ودال مهملة مكررة الأولى منها مضمومة -، موضع من أرض زبيد باليمن، معجم البلدان (٢/ ٢٠٩) ، والمعالم الأثيرة (١٣٩) .
  10. ١٠ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٧- ٢٨) ، وابن الأثير في أسد الغابة (٦/ ١٤٥) ، وأخرجه ابن إسحاق بدون إسناد (ابن هشام ٢/ ٤٠٠- ٤٠١) . ووصله ابن جرير في التاريخ عن ابن إسحاق من غير طريق الزهري (٢/ ٥-- ٥١) ، ومعنى قوله: (أنت طردتني ... ) أي أنك ممن ساعد على إخراجي من مكة، والله أعلم. وانظر: النهاية (٣/ ١٢٨) .
  11. *مستدرك الحاكم (٣/٤٣-٤٤) ، وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي وإنما هو حسن فقط، كما قال الألباني، في تعليقه على فقه السيرة للغزالي (ص٤٠٨)
  12. *أي كملت سبعمائة رجل. النهاية (٢/٣٣٦)
  13. *أي صارت ألفاً.

المبحث الخامس: في منزل الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة.

٣/٧٤٠٣/٧٤٠

...

المبحث الخامس: في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة زمن الفتح ١٥١- روى البخاري من حديث الزهري عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح، يا رسول الله، أين تنزل غداً؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وهل ترك لنا عقيل من منزلٍ؟ " ١.

١٥٢- وروى البخاري أيضاً من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عليه وسلم قال حين أراد حنيناً: (منزلنا غداً إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر) ٢.

  1. *رواه البخاري (مع الفتح ٨/ ١٣ رقم ٤٢٨٢) .
  2. *رواه البخاري (مع الفتح ٨/١٤ رقم ٤٢٨٥) .

المبحث السادس: في قتل خزاعة رجلا من هذيل بعد تحريم مكة.

٣/٧٤١٣/٧٤١

...

المبحث السادس: قتل خزاعة رجلاً من هذيل بعد تحريم مكة ١٥٣- قال الإمام أحمد: ثنا وهب بن جرير ١ قال: حدثني أبي ٢ قال: سمعت يونس ٣ يحدث عن الزهري عن مسلم بن يزيد ٤ أحد بنى سعد بن بكر أنه سمع شريح الخزاعي ٥ ثم الكعبي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برفع السيف فلقي رهط منا الغد رجلاً من هذيل في الحرم يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم وكان قد وترهم ٦ في الجاهلية وكانوا يطلبونه فقتلوه، وبادروا أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر ٧، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب غضباً شديداً والله ما رأيته غضب غضباً أشد منه فسعينا إلى أبي بكر وعمر وعلى رضي الله عنه نستشفعهم وخشينا أن نكون قد هلكنا، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قام فأثنى على الله عز وجل بما هو أهله ثم قال: (أما بعد فإن الله عز وجل هو حرم مكة ولم يحرمها الناس وإنما أحلّها لي ساعة من النهار أمس وهى اليوم حرام كما حرمها الله عز وجل أول مرة وإن أعتى ٨ الناس على الله عز وجل ثلاثة: رجل قَتَل فيها، ورجل قَتَل غير قاتله، ورجل طُلِبَ بِذَحْلٍ٤ في الجاهلية، وإني والله لأَدِيَنَّ٥ هذا الرجل الذي قتلتم فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم ٩.

  1. ١هو: وهب بن جرير بن حازم بن زيد، أبو عبد الله الأزدي، البصري، ثقة، من التاسعة، توفي سنة ست ومائتين، ع، التقريب (٥٨٥) .
  2. ٢هو: جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي، أبو النضر البصري، والد وهب، ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف وله أوهام إذا حدث من حفظه، وهو من السادسة، توفي سنة سبعين بعدما اختلط لكن لم يحدث في اختلاطه، ع، التقريب (١٣٨) .
  3. ٣يونس بن يزيد الأيلي، ثقة، تقدم، رقم الرواية [٧٧] .
  4. ٤هو: مسلم بن يزيد السعدي، حجازي، مقبول، من الرابعة، التقريب (٥٣١) رقم (٦٦٥١) .
  5. ٥هو: شريح بن عمرو الخزاعي، الإصابة (٢/ ١٤٧) ، ثم قال الحافظ ابن حجر: ذكره ابن شاهين في الصحابة، ثم ذكر طرفاً من حديث شريح هذا.
  6. ٦الوِتْر: الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي، النهاية (٥/ ١٤٨) .
  7. ٧أي فيأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم قتله، والله أعلم.
  8. ٨العتو: التجبر والتكبر، وقد عتا يعتو عتواً فهو عاتٍ. النهاية (٣/ ١٨١) .
  9. ٩مسند أحمد (٢٦/ ٢٩٨- ٢٩٩، رقم [١٦٣٧٦] أرناؤوط) وهو حديث صحيح كما قال المحقق دون قوله: (وإنَّ أعتى الناس ... إلى قوله: (في الجاهلية) ، فحسن لغيره، ثم ذكر شواهد لهذه الرواية، فانظرها هناك، والمعرفة التاريخ للفسوي (١/ ٣٩٧) ، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٩١) رقم (٥٠٠) ، وقال في المجمع (٧/ ١٧٤) ورجاله رجال الصحيح، وسنن البيهقي (٨/ ٧١) ، وابن شاهين في الصحابة، كما في الإصابة لابن حجر (٢/ ١٤٧) ، وأخرجه أبو جعفر الطبري من غير طريق الزهري، انظر: (تهذيب الآثار، السفر الأول من مسند ابن عباس ص: ٤١ حديث رقم [١] ) . وقصة قتل خزاعة لرجل من بني ليث عام الفتح، ذكرها مسلم في الصحيح رقم: (١٣٥٥) من حديث أبي هريرة.
  10. *الذَّحل: الوتر وطلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو جرح ونحو ذلك، والذحل: العداوة أيضاً. النهاية (٢/ ١٥٥) .
  11. *لأدين هذا الرجل: أي أعطي ديته، يقال: وديت القتيل إذا أعطيت ديته. النهاية (٥/ ١٦٩) .

المبحث السابع: في كيفية دخول النبي صلى الله عليه وسلممكة عام الفتح.

٣/٧٤٣٣/٧٤٣

١٥٤- قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر ١، فلما نزعه جاءه رجل فقال: إن ابن خطل ٢ متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه" ٣.

  1. ١المغفر: ما يلبسه الدارع على رأسه من الزرد ونحوه. النهاية (٣/ ٣٧٤) .
  2. ٢ابن خطل: اسمه: هلال بن خطل، وقيل: عبد العزى بن خطل، وقيل: عبد الله بن خطل، هذا قول ابن إسحاق وجماعة، وقال الزبير بن بكار: ابن خطل الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله يوم فتح مكة هو: هلال بن عبد الله بن عبد مناف بن أسعد ابن جابر بن كبير بن تميم بن غالب بن فهر. التمهيد (٦/ ١٥٧) .
  3. *صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٥٩) رقم (١٨٤٦) ، ورقم (٣٠٤٤، ورقم ٤٢٨٦، ورقم ٥٨٠٨) ، وهو في موطأ مالك في كتاب الحج باب (جامع الحج) رقم (٢٤٧) ، وأخرجه مسلم في كتاب الحج حديث رقم (٤٥٠) ، والحميدي في المسند رقم (١٢١٢) وأحمد في المسند (٢٠/ ١١٣ رقم [١٢٦٨١] أرناؤوط) ، وأبو داود رقم (٢٦٨٥) ، والترمذي رقم (١٦٩٣) ، وفي الشمائل رقم (١٠٥) ، والنسائي في الحج (٥/ ٢٠٠- ٢٠١) ، وابن ماجه في الجهاد رقم (٢٨٠٥) ، وابن خزيمة في صحيحه رقم (٣٠٦٣) ، والدارمي في سننه رقم (١٩٣٨، ورقم٢٤٥٦) ، وابن حبان في صحيحه رقم (٣٧١٩) ، وأبو يعلى في مسنده رقم (٣٥٣٩) ، وابن أبي شيبة (١٤/ ٤٩٢) ، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٣٩) ، وأبو عبيد في الأموال (١٠٩ رقم ٢٩٧) ، وابن زنجويه في الأموال (١/ ٢٩٤ رقم ٤٥٣) ، وأبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه (ص: ١٤٣) ، والفاكهي في أخبار مكة (٢/ ٣٥٠) رقم (٦١٤٩) ، والخليلي في الإرشاد (١/ ١٦٨) ، والبيهقي في السنن (٦/ ٣٢٣) ، والبغوي في شرح السنة (٧/ ٣٠٤) رقم (٢٠٠٦) ونقله ابن عبد البر في التمهيد عن مالك (٦/ ١٥٧) .

المبحث الثامن: في تكسير النبي صلى الله عليه وسلم للأصنام التي حول الكعبة.

٣/٧٤٤٣/٧٤٤

١٥٥- أخرج أبو الوليد الأزرقي من طريق عبد العزيز بن عمران عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، منها ما قد شد بالرصاص، فطاف على راحلته، وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً" ويشير إليها فما منها صنم أشار إلى وجهه إلا وقع على دبره، ولا أشار إلى دبره إلا وقع على وجهه حتى وقعت كلها ١.

  1. ١أخبار مكة للأزرقي (١/ ١٢١) ، وفي سنده عبد العزيز بن عمران؛ متروك، انظر: التقريب (٤١١٤) . وقال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له عن ابن شهاب فذكره، السيرة النبوية (١/ ٤١٦) . وهي رواية ضعيفة أيضاً لجهالة من حدث ابن هشام. وقد أخرجها أبو الوليد الأزرقي من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن علي بن عبد الله بن عباس قال: فذكره. انظر: أخبار مكة (١/ ١٢٠) وهي رواية ضعيفة أيضاً لعنعنة ابن إسحاق. ولكن يشهد لذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من غير طريق الزهري وذلك من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عليه وسلم قال: "دخل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل وما يبدئ الباطل وما يعيد". صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ١٥- ١٦) رقم (٤٢٨٧) وانظر: صحيح مسلم رقم (١٧٨١) .

المبحث التاسع: في قصة إسلام صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل.

٣/٧٤٦٣/٧٤٦

١٥٦- أخرج مالك عن ابن شهاب أنه بلغه أن نساءً كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلمن بأرضهن وهن غير مهاجرات وأزواجهن حين أسلمن كفار، منهن بنت ١ الوليد بن المغيرة، وكانت تحت صفوان بن أمية فأسلمت يوم الفتح وهرب زوجها صفوان بن أمية من الإسلام، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمه وهب بن عمير برداء رسول الله صلى الله عليه وسلم أماناً لصفوان بن أمية، ودعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وأن يقدم عليه، فإن رضى أمراً قبله وإلا سيره شهرين، فلما قدم صفوان على رسول الله صلى الله عليه وسلم بردائه، ناداه على رؤوس الناس، فقال: يا محمد إن هذا وهب بن عمير جاءني بردائك، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك فإن رضيت أمراً قبلته، وإلا سيرتني شهرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انزل أبا وهب) ، فقال: لا والله لا أنزل حتى تبين لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل لك تسير أربعة أشهر) ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل هوازن بحنين فأرسل إلى صفوان بن أمية يستعيره ٢ أداة وسلاحاً عنده فقال صفوان: أطوعاً أم كرهاً؟ فقال: (بل طوعاً) .

  1. ١اسمها: فاختة بنت الوليد بن المغيرة المخزومية أخت خالد بن الوليد، كانت تحت صفوان بن أمية، أسلمت يوم الفتح وبايعت. الإصابة (٤/ ٣٧٤) .
  2. ٢استعارة النبي صلى الله عليه وسلم السلاح من صفوان أخرجها الحاكم في المستدرك من طريق ابن إسحاق (٣/ ٤٨- ٤٩) ضمن حديث طويل وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والصواب أنه حسن فقط للكلام المعروف في ابن إسحاق، وروي أيضاً من طرق أخرى انظرها في إرواء الغليل (٥/ ٣٤٤- ٣٤٦) .
٣/٧٤٧٣/٧٤٧

فأعاره الأداة والسلاح التي عنده، ثم خرج صفوان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كافر فشهد حنيناً والطائف وهو كافر، وامرأته مسلمة، ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين امرأته حتى أسلم صفوان واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح ١.

  1. ١موطأ مالك كتاب النكاح: باب نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله رقم [٤٤] . قال ابن عبد البر: لا أعلمه يتصل من وجه صحيح، وهو حديث مشهور معلوم عند أهل السير وابن شهاب إمام أهلها، وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده إن شاء الله، التمهيد (١٢/ ١٩) . وقد أخرج البيهقي هذه الرواية من طريق مالك في السنن الكبرى (٧/ ١٨٦- ١٨٧) وفي الدلائل (٥/ ٩٧) . وأخرج ابن إسحاق من غير طريق الزهري عن عروة بمعنى هذه الرواية (ابن هشام ٢/ ٤١٧- ٤١٨) ، ومن طريق ابن إسحاق أخرجها الطبري في تاريخه (٣/ ٦٣)

١٥٧- قال ابن سعد: أخبرنا أحمد بن الحجاج الخراساني ١، أخبرنا عبد الله بن المبارك ٢، قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن بعض آل عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية بن خلف وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام، قال عمر: قلت: قد أمكن الله منهم أُعَرِّفُهُم بما صنعوا، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ١) قال عمر: فانفضحت حياءً من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية لما كان مني، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ٣.

  1. ١هو" أحمد بن الحجاج البكري المروزي، ثقة من العاشرة، توفي سنة اثنتين وعشرين، خ، التقريب (٧٨) .
  2. ٢عبد الله بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، توفي سنة إحدى وثمانين وله ثلاث وستون، ع، التقريب (٣٢٠) .
  3. ٣الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١٤١-١٤٢) ، وهو ضعيف لجهالة بعض آل عمر، وقد أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم رقم (٨٢) ، وابن زنجويه في كتابه الأموال رقم (٤٥٥) كلاهما من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهري عن بعض آل عمر به.
٣/٧٤٨٣/٧٤٨

١٥٨- وقال الحاكم ١: حدثنا أحمد بن سهل ٢ الفقيه ببخارى، ثنا سهل بن المتوكل ٣، ثنا إسماعيل بن أبي أويس ٤، عن أبيه ٥، عن الزهري، عن عروة بن الزبير قال: قال عكرمة بن أبي جهل: لما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا محمد إن هذه ٦ أخبرتني أنك آمنتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت آمن" ، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبد الله ورسوله، وأنت أبر الناس وأصدق الناس وأوفى الناس. قال عكرمة: أقول ذلك وإني لمطأطئ رأسي استحياء منه، ثم قلت: يا رسول الله استغفر لي كل عداوة عاديتكها أو موكب أوضعت ٧ فيه أريد فيه إظهار الشرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها أو موكب أوضع فيه يريد أن يصد عن سبيلك" ، قلت: يا رسول الله مرني بخير ما تعلم فأعلمه، قال: "قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وتجاهد في سبيله" ، ثم قال عكرمة: أما والله يا رسول الله لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله ولا قاتلت قتالاً في الصد عن سبيل الله إلا أبليت ضِعْفَه في سبيل الله، ثم اجتهد في القتال حتى قتل يوم أجنادين شهيداً في خلافة أبي بكر رضي الله عليه وسلم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله عام حجته على هوازن يصدقها، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعكرمة يومئذ بتبالة ٨.

  1. ١المستدرك (٣/ ٢٤٢) .
  2. ٢هو: أبو النصر، أحمد بن سهل البخاري الفقيه، ثقة متفق عليه، الإرشاد للخليلي (٣/ ٩٧٤) .
  3. ٣سهل بن المتوكل بن حجر، أبو عصمة البخاري، يروي عن أبي الوليد الطيالسي وأهل العراق، روى عنه أهل بلده، ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٩٤) ، وقال عنه: (إذا حدث عن إسماعيل بن أبي أويس أغرب عنه) .
  4. ٤تقدم في الرواية رقم [٧] .
  5. ٥عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي، صدوق يهم، تقدم.
  6. ٦يقصد زوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام كما في الرواية الآتية رقم [١١٣] .
  7. ٧أوضعت فيه: أي أسرعت فيه القتال. النهاية (٥/ ١٩٧) .
  8. ٨تبالة: وادٍ ذو قرى ومياه ونخل، يقع جنوب شرق الطائف على قرابة (٢٠٠) كيل، يسيل من سراة غامد وبلقرن، من نواحي الباحة وبلجرشي وما والاهما، ثم يتجه شرقاً فيصب في بيشة، معجم المعالم الجغرافية (٥٩) . والحديث فيه انقطاع، لأن عروة بن الزبير لم يدرك عكرمة، لأن ولادته كانت في آخر خلافة عمر رضي الله عليه وسلم على الراجح، تاريخ خليفة (١٥٦) ، وتاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ ٥٦٤) .
  9. *سورة يوسف، آية رقم (٩٢) .
٣/٧٥٠٣/٧٥٠

١٥٩- مالك عن ابن شهاب: أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام، حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحاً، وما عليه رداء حتى بايعه، فثبتا على نكاحهما ذلك ١.

  1. ١موطأ مالك، كتاب النكاح، باب: نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله، رقم الحديث (٤٤) . ومن طريق مالك أخرجه البيهقي في السنن (٧/ ١٧٨) ، ودلائل النبوة (٥/ ٩٨) . وأخرج نحوه ابن إسحاق عن الزهري (ابن هشام ٢/ ٤١٨) ، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري في التاريخ (٣/ ٦٣) .