الباب الثامن والعشرون في غزوة حنين
[وتسمى أيضا غزوة هوازن، لأنهم الّذين أتوا لقتال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال محمد بن عمر الأسلمي: حدثني ابن أبي الزناد عن أبيه: أقامت هوازن سنة تجمع الجموع وتسير رؤساؤهم في العرب تجمعهم-] انتهى. قال أئمة المغازي: لما فتح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مكة مشت أشراف هوازن، وثقيف بعضها إلى بعض، وأشفقوا أن يغزوهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقالوا: قد فرغ لنا فلا ناهية له دوننا، والرأي أن نغزوه، فحشدوا وبغوا وقالوا: والله إن محمدا لاقى قوما لا يحسنون القتال فأجمعوا أمركم، فسيروا في النّاس وسيروا إليه قبل أن يسير إليكم، فأجمعت هوازن أمرها، وجمعها مالك بن عوف بن سعد بن ربيعة النّصريّ بالصاد المهملة- وأسلم بعد ذلك، وهو- يوم حنين- ابن ثلاثين سنة، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها ونصر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال، وهم قليل. قال محمد بن عمر: لا يبلغون مائة، ولم يشهدها من قيس عيلان- أي بالعين المهملة- إلا هؤلاء، ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، مشى فيها ابن أبي براء فنهاها عن الحضور وقال: والله لو ناوأوا محمّدا من بين المشرق والمغرب لظهر عليهم.
وكان في جشم دريد بن الصّمّة وهو يومئذ ابن ستين ومائة. ويقال عشرين ومائة سنة، وهو شيخ كبير قد عمي، ليس فيه شيء إلّا التّيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجرّبا قد ذكر بالشّجاعة والفروسيّة وله عشرون سنة، فلمّا عزمت هوازن على حرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سألت دريدا الرياسة عليها فقال: وما ذاك وقد عمي بصري وما استمسك على ظهر الفرس، ولكن أحضر معكم لأن أشير عليكم برأيي على أن لا أخالف، فإن كنتم تظنون أني أخالف أقمت ولم أخرج قالوا: لا نخالفك، وجاءه مالك بن عوف، وكان جماع أمر الناس إليه، فقالوا له: لا نخالفك في أمر تراه. فقال له دريد: يا مالك إنك تقاتل رجلا كريما، قد أوطأ العرب، وخافته العجم ومن بالشام، وأجلى يهود الحجاز، إمّا قتلا وإما خروجا على ذلّ وصغار، ويومك هذا الّذي تلقى فيه محمدا له ما بعده. قال مالك: إني لأطمع أن ترى غدا ما يسرك. قال دريد: منزلي حيث ترى، فإذا جمعت النّاس صرت إليك، فلما خرج من عنده طوى عنه أن يسير بالظعن والأموال مع الناس.
فلما أجمع مالك المسير بالناس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أمر النّاس فخرجوا معهم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم ثم انتهى إلى أوطاس، فعسكر به، وجعلت الأمداد تأتي من كلّ جهة، وأقبل دريد بن الصّمّة في شجار له يقاد به من الكبر، فلما نزل الشيخ لمس الأرض بيده وقال: بأيّ واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس.
مالي أسمع بكاء الصّغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، وبعار الشّاء وخوار البقر؟ قالوا: ساق مالك مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم فقال دريد: قد شرط لي ألا يخالفني فقد خالفني فأنا أرجع إلى أهلي وتارك ما هنا. قيل: أفتلقى مالكا فتكلمه؟ فدعي له مالك، فقال: يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام. مالي أسمع بكاء الصغير ورغاء البعير ونهاق الحمير وبعار الشاء وخوار البقر؟ ! قال: قد سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قال: ولم قال: أردت أن أجعل خلف كل إنسان أهله وماله يقاتل عنهم، فأنقض به دريد وقال: راعي ضأن والله، ماله وللحرب. وصفّق دريد بإحدى يديه على الأخرى تعجّبا وقال: هل يردّ المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلّا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة، بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، فارفع الأموال والنّساء والذّراري إلى عليا قومهم، وممتنع بلادهم، ثم الق القوم على متون الخيل والرجال بين أصفاف الخيل أو متقدمة دريّة أمام الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك الفاك ذلك، وقد أحرزت أهلك ومالك. فقال مالك بن عوف: والله لا أفعل ولا أغيّر أمرا صنعته، إنّك قد كبرت وكبر علمك، أو قال عقلك. وجعل يضحك مما يشير به دريد، فغضب دريد وقال: هذا أيضا يا معشر هوازن، والله ما هذا لكم برأي، إنّ هذا فاضحكم في عورتكم، وممكّن منكم عدوّكم ولا حق بحصن ثقيف وتارككم، فانصرفوا واتركوه، فسلّ مالك سيفه ثمّ نكّسه، ثم قال: يا معشر هوازن!! والله لتطيعنني أو لأتّكئنّ على هذا السّيف حتى يخرج من ظهري- وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي- فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: والله- لئن عصينا مالكا ليقتلنّ نفسه وهو شابّ، ونبقى مع دريد وهو شيخ كبير لا قتال معه، فأجمعوا رأيكم مع مالك، فلما رأى دريد أنهم قد خالفوه قال: يا ليتني فيها جذع ... أخبّ فيها وأضع أقود وطفاء الزّمع ... كأنّها شاة صدع قال ابن هشام: أنشدني غير واحد من أهل العلم: ثم قال دريد: ليتني فيها جذع يا معشر هوازن ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: ما شهدها منهم أحد. قال: غاب الحدّ والجدّ، لو كان يوم علاء ورفعة، وفي لفظ: لو كان ذكرا وشرفا ما تخلّفوا عنه، يا معشر هوازن ارجعوا وافعلوا ما فعل هؤلاء، فأبوا عليه، قال: فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر، قال: ذانك الجذعان من بني عامر لا ينفعان ولا يضرّان، قال مالك لدريد: هل من رأي غير هذا فيما قد حضر من أمر القوم؟ قال دريد: نعم تجعل كمينا، يكونون لك عونا، إن حمل القوم عليك جاءهم الكمين من خلفهم، وكررت أنت بمن معك، وإن كانت الحملة لك لم يفلت من القوم أحد، فذلك حين أمر مالك أصحابه أن يكونوا كمينا في الشعاب وبطون الأودية، فحملوا الحملة الأولى التي انهزم فيها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال دريد- من مقدّمة أصحاب محمد؟ قالوا: بني سليم، قال: هذه عادة لهم غير مستنكرة، فليت بعيري ينحى من سنن خيلهم، فنحيّ، بعيره مولّيا من حيث جاء.
ذكر استعماله - صلى الله عليه وسلم - عتاب بن أسيد أميرا على مكة ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهما - معلما لأهلها
قالوا: لما بلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خبر هوازن وما عزموا عليه أراد التّوجّه لقتالهم، واستخلف عتاب بن أسيد أميرا على أهل مكة، ومعاذ بن جبل يعلمهم السّنن والفقه، وكان عمر عتّاب إذ ذاك قريباً من عشرين سنة.
ذكر استعارته - صلى الله عليه وسلم - أدرعا من صفوان بن أمية
روى ابن إسحاق من رواية يونس بن بكير عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- وعن عمرو بن شعيب وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم والزهري: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لما أجمع السّير إلى هوازن ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدرعا وسلاحا، فأرسل إليه- وهو يومئذ مشرك- فقال: [يا أبا أميّة أعرنا سلاحك هذا نلقى فيه عدوّنا] فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟ قال: «لا بل عارية مضمونة حتّى نردّها إليك» قال: ليس بهذا بأس، فأعطى له مائة درع بما يكفيها من السلاح، فسأله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يكفيهم حملها، فحملها إلى أوطاس. ورواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن أمية بن صفوان، وسيأتي في أبواب معاملاته- صلى الله عليه وسلّم- ويقال أنه- صلى الله عليه وسلّم- استعار منه أربعمّائة درع بما يصلحها. قال السّهيلي: واستعار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في غزوة حنين من نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة آلاف رمح، فقال- صلى الله عليه وسلّم- كأني أنظر إلى رماحك هذه تقصف ظهر المشركين.
ذكر إرساله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أبي حدرد ليكشف خبر القوم
روى ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- وعمرو بن شعيب، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم- رحمهم الله تعالى- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لمّا سمع بخبر هوازن بعث عبد الله بن أبي حدرد- رضي الله عنه- فأمره أن يدخل في القوم فيقيم فيهم، وقال: «اعلم لنا علمهم» فأتاهم فدخل فيهم فأقام فيهم يوما وليلة أو يومين، حتّى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وسمع من مالك، وأمر هوازن وما هم عليه.
وعند محمد بن عمر أنه انتهى إلى خباء مالك بن عوف فيجد عنده رؤساء هوازن، فسمعه يقول لأصحابه: إن محمدا لم يقاتل قوما قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فيظهر عليهم، فإذا كان السّحر فصفّوا مواشيكم ونساءكم من ورائكم، ثم صفّوا، ثم تكون الحملة منكم، واكسروا جفون سيوفكم فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسورة الجفون، واحملوا حملة رجل واحد، واعلموا أنّ الغلبة لمن حمل أولا. انتهى.
ثم أقبل حتى أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأخبره الخبر، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لعمر بن الخطاب «ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد» ؟ فقال: عمر: كذب، فقال ابن أبي حدرد: والله لئن كذبتني يا عمر لربّما كذبت بالحقّ. فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قد «كنت ضالّا فهداك الله» .
ذكر خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقاء هوازن
روى البخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم قال حين أراد حنينا «منزلنا غدا- إن شاء الله تعالى بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر. وفي رواية قال: منزلنا إن شاء الله تعالى إذا فتح الله الخيف حيث تقاسموا على الكفر»
[ (١) ] . قال جماعة من أئمة المغازي: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم في اثني عشر ألفا من المسلمين، عشرة آلاف من المدينة وألفين من أهل مكة.
وروى أبو الشيخ عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير اللّيثي- رحمه الله تعالى- قال: كان مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أربعة آلاف من الأنصار، وألف من جهينة وألف من مزينة.
وألف من أسلم. وألف من غفار، وألف من أشجع، وألف من المهاجرين وغيرهم، فكان معه عشرة آلاف، وخرج باثني عشر ألفا، وعلى قول عروة والزهري وابن عقبة يكون جميع الجيش الذين سار بهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أربعة عشر ألفا، لأنهم قالوا: إنه قدم مكّة باثني عشر ألفا، وأضيف إليهم ألفان من الطّلقاء.
قال محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- غدا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم السبت لستّ خلون من شوّال.
وقال ابن إسحاق لخمس، وبه قال عروة، واختاره ابن جرير، وروي عن ابن مسعود قال ابن عقبة، ومحمد بن عمر- رحمهم الله تعالى- ثم بعد فتح مكّة خرج رسول- صلى الله عليه وسلّم- لحنين وكان أهل حنين وفي رواية أهل مكة يظنون حين دنا منهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنّه مبادر بهوازن، وصنع الله لرسوله أحسن من ذلك، فتح له مكة وأقرّ بها عينه وكبت بها عدوّه، فلما خرج إلى حنين خرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحدا- ركبانا ومشاة حتى خرج معه النساء يمشين على غير دين نظّارا ينظرون ويرجون الغنائم، ولا يكرهون أن تكون الصّدمة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم.
وكان معه أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وكانت امرأته مسلمة وهو مشرك لم يفرق بينهما، وجعل أبو سفيان بن حرب كلما سقط ترس أو سيف أو متاع من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- نادى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: أن أعطنيه أحمله حتى أوقر بعيره. قال محمد بن عمر: وخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وزوجتاه أم سلمة وميمونة فضربت لهما قبة.
ذكر قول بعض من أسلم، وهو حديث عهد بالجاهلية: أجعل لنا ذات أنواط
روى ابن إسحاق، والترمذي- وصححه- والنسائي وابن أبي حاتم عن أبي قتادة الحارث بن مالك- رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى حنين- ونحن حديثو عهد بالجاهلية فسرنا معه إلى حنين، وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة، وعند الحاكم في الإكليل سدرة خضراء- يقال لها «ذات أنواط» ، يأتونها كل سنة، فيعلّقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما، فرأينا ونحن نسير مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- سدرة خضراء عظيمة، فتنادينا من جنباب الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا «ذات أنواط» كما لهم «ذات أنواط» فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «الله أكبر الله أكبر الله أكبر، قلتم- والذي نفسي بيده، كما قال قوم موسى لموسى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف ١٣٨] إنها لسنن، لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» .
ذكر الآية في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قيل له ان هوازن قد أقبلت
عن سهل بن الحنظلية- رضي الله عنه- إنهم ساروا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين فأطنبوا في السّير حتى إذا كان عشية حضرت صلاة الظهر عند رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا بهوازن قد جاءت عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم، اجتمعوا، فتبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وقال: «تلك غنيمة للمسلمين غدا إن شاء الله تعالى» . ثم قال: «من يحرسنا اللّيلة؟» قال أنس بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله، قال: «فاركب» فركب فرسا له، وجاء إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: استقبل هذا الشّعب حتّى تكون في أعلاه ولا نغرّن من قبلك اللّيلة» . فلما أصبحنا خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إلى مصلّاه فركع ركعتين ثم قال: «هل أحسستم فارسكم؟» قالوا: يا رسول الله ما أحسسناه، فثوب بالصلاة فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي وهو يلتفت إلى الشّعب، حتى إذا قضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صلاته قال: «أبشروا فقد جاءكم فارسكم» فجعل ينظر إلى خلال الشجر في الشّعب، وإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال إنّي انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشّعب حيث أمرني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدا، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «هل نزلت اللّيلة؟» قال: لا إلا مصلّيا، أو قاضي حاجة، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «قد أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها» رواه أبو داود والنسائي
ذكر الآية في حفظه - صلى الله عليه وسلم - ممن أراد الفتك به
روى محمد بن عمر عن شيوخه قالوا: قال أبو بردة- بضم الموحدة، وسكون الرّاء وبالدّال المهملة- بن نيار- رضي الله عنه- لمّا كنا بأوطاس نزلنا تحت شجرة ونظرنا إلى شجرة عظيمة فنزل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- تحتها وعلّق سيفه وقوسه، وكنت أقرب أصحابي إليه، فما راعني إلا صوته: يا أبا بردة، فقلت: لبيك يا رسول الله، فأقبلت سريعا فإذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جالس وعنده رجل جالس، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: إن هذا الرّجل جاءني وأنا نائم، فسلّ سيفي، وقام به على رأسي، فانتبهت وهو يقول: يا محمد من يمنعك منّي؟ فقلت: الله تعالى، قال أبو بردة: فسللت سيفي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: شم سيفك فقلت: يا رسول الله، دعني أضرب عنق عدوّ الله، فإنّه من عيون المشركين. فقال لي: «اسكت يا أبا بردة» . قال: فما قال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شيئا ولا عاقبه. قال: فجعلت أصيح به في العسكر لأشهره للنّاس فيقتله قاتل بغير أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأما أنا فقد كفّني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن قتله، فجعل النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: «يا أبا بردة كف عن الرجل: فرجعت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا أبا بردة إنّ الله مانعي وحافظي حتّى يظهر دينه على الدين كله»
[ (١) ] .
ذكر الآية التي حصلت لجواسيس المشركين في هذه الغزوة
روى أبو نعيم والبيهقي من طريق ابن إسحاق قال: حدّثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان أنه حدّث إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قد انتهى إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر خلون من شوال، وبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر من هوازن ينظرون إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأصحابه، وأمرهم أن يتفرّقوا في العسكر فرجعوا إليه وقد تفرّقت أوصالهم، فقال: ويلكم ما شأنكم، فقالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، والله ما نقاتل أهل الأرض، إن نقاتل إلّا أهل السماوات وإن اطعتنا رجعت بقومك، فإنّ الناس إن رأوا مثل الذي رأينا أصابهم مثل ما أصابنا. فقال: أفّ لكم، أنتم أجبن أهل العسكر، فحبسهم عنده فرقا أن يشيع ذلك الرعب في العسكر، وقال: دلّوني على رجل شجاع، فأجمعوا له على رجل، فخرج ثم رجع إليه قد أصابه كنحو ما أصاب من قبله منهم، فقال: ما رأيت؟ قال: رأيت رجالا بيضا على خيل بلق، ما يطاق النظر إليهم، فو الله ما تماسكت أن أصابني ما ترى، فلم يثن ذلك مالكا عن وجهه [ (٢) ] ، وروى محمد بن عمر نحوه عن شيوخه.
ذكر تعبئة المشركين عسكرهم
قال شيوخ محمد بن عمر: لما كان ثلثا الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادي حنين، وهو واد أجوف خطوط ذو شعاب ومضايق، وفرق النّاس فيها، وأوعز إليهم أن يحملوا على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأصحابه حملة واحدة. وعبأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصحابه وصفّهم صفوفا في السّحر، ووضع الألوية والرّايات في أهلها، ولبس درعين والمغفر والبيضة، وركب بغلته البيضاء، واستقبل الصفوف، وطاف عليهما بعضها خلف بعض ينحدرون، فحضهم على القتال وبشّرهم بالفتح إن صدقوا وصبروا، وقدّم خالد بن الوليد في بني سليم وأهل مكة، وجعل ميمنةً وميسرةً وقلباً، كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم فيه
ذكر إعجاب المسلمين كثرتهم يوم حنين
روى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن الربيع بن أنس قال: قال رجل يوم حنين: لن نغلب من قلّة، فشق ذلك على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكانت الهزيمة.
وروى ابن المنذر عن الحسن قال: لمّا اجتمع أهل مكّة وأهل المدينة قالوا: الآن نقاتل حين اجتمعنا، فكره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما قالوا مما أعجبهم من كثرتهم، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم أحد على أحد.
وروى أبو الشيخ والحاكم- وصححه- وابن مردويه والبزار عن أنس- رضي الله عنه- قال: لما اجتمع يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة أعجبتهم كثرتهم فقال القوم: اليوم والله نقاتل، ولفظ البزّار، فقال غلام من الأنصار يوم حنين لن نغلب اليوم من قلة، لما هو إلا أن لقينا عدوّنا فانهزم القوم، وولّوا مدبرين [ (١) ] .
وروى محمد بن عمر عن ابن شهاب الزهري، قال رجل من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لو لقينا بني شيبان ما بالينا، ولا يغلبنا اليوم أحد من قلة. قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل مكة: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال حين فصل من مكة إلى حنين، ورأى كثرة من معه من جنود الله تعالى: «لن نغلب اليوم من قلّة» ، كذا في هذه الرواية [ (٢) ] .
والصّحيح أن قائل ذلك غير النبي- صلى الله عليه وسلم- كما سبق. قال ابن إسحاق: وزعم بعض الناس أن رجلا من بني بكر قالها.
وروى محمد بن عمر عن سعيد بن المسيب- رحمه الله تعالى- أن أبا بكر- رضي الله عنه- قال: يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة كذا في هذه الرّواية، وبذلك جزم ابن عبد البر. قال ابن عقبة: ولمّا أصبح القوم ونظر بعضهم إلى بعض، أشرف أبو سفيان، وابنه معاوية، وصفوان ابن أمية، وحكيم بن حزام على تلّ ينظرون لمن تكون الدائرة.
ذكر كيفية الوقعة وما كان من أول الأمر من فرار أكثر المسلمين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم كانت العاقبة للمتقين، وما وقع في ذلك من الآيات
قال ابن سعد: أشهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال.
روى ابن إسحاق، والإمام أحمد وابن حبان عن جابر بن عبد الله، والإمام أحمد من طريقين، وأبو يعلى. ومحمد بن عمر عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنهما- لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد أجوف خطوط له مضايق وشعاب، وإنما ننحدر فيه انحدارا، وفي عماية الصّبح، وقد كان القوم سبقونا إلى الوادي فمكثوا في شعابه وأجنابه ومضايقه وتهيّئوا، فو الله ما راعنا ونحن منحطّون إلّا الكتائب قد شدّوا علينا شدّة رجل واحد، وكانوا رماة.
قال أنس- رضي الله عنه- استقبلنا من هوازن شيء، لا والله ما رأيت مثله في ذلك الزمان قط، من كثرة السّواد، قد ساقوا نساءهم وأبناءهم وأموالهم ثم صفّوا صفوفا، فجعلوا النّساء فوق الإبل وراء صفوف الرجال، ثم جاءوا بالإبل والبقر والغنم، فجعلوها وراء ذلك لئلا يفرّوا بزعمهم فلما رأينا ذلك السّواد حسبناه رجالا كلهم، فلمّا انحدرنا في الوادي، فبينا نحن في غبش الصّبح إن شعرنا إلّا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي وشعبه، فحملوا حملة رجل واحد، فانكشفت أوائل الخيل- خيل بني سليم- مولّيه وتبعهم أهل مكة وتبعهم النّاس منهزمين ما يلوون على شيء وارتفع النقع فما منا أحد يبصر كفّه [ (١) ] . وقال جابر: وانحاز رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذات اليمين، ثم قال: «أيها الناس هلم إلى أيها الناس، هلم إليّ أنا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أنا محمد بن عبد الله»
[ (٢) ] . قال: فلا شيء وحملت الإبل بعضها على بعض، فانطلق النّاس.
وذكر كثير من أهل المغازي: أن المسلمين لما نزلوا وادي حنين تقدمهم كثير ممن لا خبرة لهم بالحرب، وغالبهم من شبّان أهل مكة، فخرجت عليهم الكتائب من كل جهة، فحملوا حملة رجل واحد والمسلمون غارون، فرّ من فرّ، وبلغ أقصى هزيمتهم مكة، ثم كرّوا بعد.
وفي الصحيح عن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- قال: عجل سرعان القوم- وفي لفظة: شبان أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فإنّا لمّا حملنا على المشركين انكشفوا، فاقبل الناس على الغنائم، وكانت هوازن رماة فاستقبلتنا بالسهام كأنما رجل جراد، لا يكاد يسقط لهم سهم [ (١) ] انتهى. قال: وكان رجل على جمل له أحمر، بيده راية سوداء على رمح طويل أمام هوازن، وهوازن خلفه، إذا أدرك طعن برمحه، وإن فاته النّاس، رفع رمحه لمن وراءه فاتّبعوه. فبينما هو كذلك إذ هوى له علي بن أبي طالب، ورجل من الأنصار يريدانه، فأتاه علي بن أبي طالب من خلفه فضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصاريّ على الرّجل فضربه ضربة أطنّ قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله، واجتلد الناس، فو الله ما رجعت راجعة النّاس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتّفين عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: لما انهزم النّاس ورأى من كان مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلّم منهم رجال بما في أنفسهم من الضّغن. قال أبو سفيان بن حرب وكان إسلامه- بعد- مدخولا: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإنّ الأزلام لمعه في كنانته، وصرخ جبلة بن الحنبل- وقال ابن هشام: كلدة بن الحنبل- وأسلم بعد ذلك، وهو مع أخيه لأمه صفوان بن أمية، وصفوان مشرك في المدة التي جعل له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: إلا بطل السّحر اليوم!! فقال له صفوان: اسكت فضّ الله فاك! والله أن يربّني رجل من قريش أحب إلي من أن يربّني رجل من هوازن.
وروى محمد بن عمر عن أبي بشير- ككريم- المازني- رضي الله عنهم- قال: لما كان يوم حنين صلّينا الصّبح، ثمّ رجعنا على تعبئة من رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فما شعرنا- وقد كاد حاجب الشّمس أن يطلع، وقد طلع- إلا بمقدمتنا قد كرّت علينا، قد انهزموا، فاختلطت صفوفنا، وانهزمنا مع المقدّمة، وأكر، وأنا يومئذ غلام شابّ، وقد علمت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- متقدّم فجعلت أقول: يا للأنصار، بأبي وأمّي، عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- تولّون؟ وأكرّ في وجوه المنهزمين، ليس لي همّة إلّا النظر إلى سلامة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى صرت إلى رسول لله- صلى الله عليه وسلّم- وهو يصيح: «يا للأنصار» فدنوت من دابّته، والتفتّ من ورائها، وإذا الأنصار قد كرّوا كرّة رجل واحد ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- واقف على دابّته في وجوه العدوّ، ومضت الأنصار أمام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقاتلون، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- سائر معهم يفرّجون العدوّ عنه، حتّى طردناهم فرسخا، وتفرّقوا في الشّعاب، حتّى فلّوا من بين أيدينا، فرجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى منزله وقبته، وقد ضربت له- والأسرى مكتّفون حوله، وإذا نفر حول قبّته، وفي قبته زوجاته أم سلمة وميمونة، حولها النّفر الّذين يحرسون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهم عباد بن بشر، وأبو نائلة، ومحمد بن مسلمة. قال ابن عقبة: ومرّ رجل من قريش بصفوان بن أميّة فقال: أبشر بهزيمة محمّد وأصحابه، فو الله لا يجبرونها أبدا. فقال صفوان: أتبشّرني بظهور الأعراب» فو الله لربّ من قريش أحب إلي من ربّ من الأعراب، وغضب صفوان لذلك، وبعث صفوان غلاما له فقال: اسمع لمن الشّعار فجاءه فقال: سمعتهم يقولون: يا بني عبد الرحمن يا بني عبيد الله، يا بني عبد الله، فقال: ظهر محمد وكان ذلك شعارهم في الحرب [ (١) ] .
وروى محمد بن عمر عن أبي قتادة- رضي الله عنه- قال: مضى سرعان النّاس من المنهزمين، حتى دخلوا مكّة، ساروا يوما وليلة- يخبرون أهل مكّة بهزيمة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعتّاب بن أسيد بوزن أمير، على مكّة ومعه معاذ بن جبل، فجاءهم أمر غمّهم، وسر بذلك قوم من أهل مكة وأظهروا الشّماتة، وقال قائل منهم: ترجع العرب إلى دين آبائها، وقد قتل محمد وتفرّق أصحابه، فتكلم عتاب بن أسيد يومئذ فقال: إن قتل محمد، فإن دين الله قائم- والّذي يعبده محمد حي لا يموت، فما أمسوا من ذلك اليوم حتّى جاء الخبر إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أوقع بهوازن، فسرّ عتاب بن أسيد، ومعاذ بن جبل، وكبت الله- تعالى- من هناك ممّن كان يسرّه خلاف ذلك.
فرجع المنهزمون إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فلحقوه بأوطاس وقد رحل منها إلى الطائف [ (٢) ] .
ذكر ارادة شيبة بن عثمان - قبل أن يسلم - الفتك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رآه في نفر قليل، وما وقع في ذلك من الآيات
روى ابن سعد وابن عساكر عن عبد الملك بن عبيد، وأبو القاسم البغوي، والطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن عساكر عن عكرمة- رحمهم الله تعالى- قالا: قال شيبة: لما كان عام الفتح دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مكة عنوة، وغزا حنينا، قلت أسير مع قريش إلى هوازن، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرّة، وتذكّرت أبي وقتله حمزة، وعمي وقتله علي بن أبي طالب، فقلت: اليوم أدرك ثأري من محمد، وأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا، فكنت مرصدا لما خرجت له، لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة، فلما اختلط الناس، اقتحم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن بغلته، وأصلتّ السّيف، ودنوت منه، أريد ما أريد- وفي رواية فلما انهزم أصحابه جئته من عن يمينه فإذا العبّاس قائم عليه درع بيضاء، فقلت: عمّه لن يخذله، فجئته من عن يساره، فإذا بأبي سفيان بن الحارث فقلت: ابن عمه لن يخذله، فجئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسوّره سورة بالسّيف إذ رفع إليّ فيما بيني وبينه شواظ من نار كأنّه برق. فخفت أن يتمحشني فوضعت يدي على بصري، خوفا عليه» ، ومشيت القهقري، وعلمت أنّه ممنوع. فالتفت إلي وقال: «يا شيب أدن مني» فدنوت منه، فوضع يده على صدري وقال: «اللهم أذهب عنه الشيطان» . فرفعت إليه رأسي وهو أحب إلي من سمعي وبصري وقلبي، ثم قال: «يا شيبة قاتل الكفّار» قال: فتقدّمت بين يديه أحبّ- والله- أن أقيه بنفسي كل شيء، فلما انهزمت هوازن رجع إلى منزله ودخلت عليه فقال: «الحمد لله الّذي أراد بك خيرا مما أردت» [ (١) ] ثم حدثني بما هممت به- صلى الله عليه وسلم.
ذكر ارادة النضير بن الحارث الفتك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما وقع في ذلك من الآيات
قال محمد بن عمر: حدثنا إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري عن أبيه قال: كان النضير من أحلم قريش. وكان يقول: الحمد لله الذي أكرمنا بالإسلام ومنّ علينا بمحمد- صلى الله عليه وسلم- ولم نمت على ما مات عليه الآباء، فذكر حديثا طويلا، ثم قال: خرجت مع قوم من قريش، هم على دينهم- بعد- أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أميّة، وسهيل بن عمرو، ونحن نريد إن كانت دبرة على محمد أن نغير عليه فيمن يغير، فلما تراءت الفئتان ونحن في حيز المشركين حملت هوازن حملة واحدة، ظننّا أنّ المسلمين لا يجبرونها أبدا، ونحن معهم وأنا أريد بمحمد ما أريد. وعمدت له فإذا هو في وجوه المشركين واقف على بغلة شهباء حولها رجال بيض الوجوه، فأقبلت عامدا إليه، فصاحوا بي: إليك، فأرعب فؤادي وأرعدت جوارحي. قلت: هذا مثل يوم بدر، إن الرجل لعلى حقّ، وإنه لمعصوم، وأدخل الله تعالى في قلبي الإسلام وغيّره عما كنت أهم به، فما كان حلب ناقة حتى كرّ أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كرّة صادقة، وتنادت الأنصار بينها: الكرة بعد الفرّة: يا للخزرج، يا للخزرج، فحطمونا حطاما، فرقوا شملنا، وتشتت أمرنا، وهمّة كلّ رجل نفسه فتنحيت في غبّرات الناس حتى هبطتّ بعض أودية أوطاس فكمنت في خمر شجرة لا يهتدي إلى أحد إلّا أن يدلّه الله- تعالى- علي، فمكثت فيه أيّاما وما يفارقني الرّعب مما رأيت، ومضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى الطّائف، فأقام ما أقام، ثم رجع إلى الجعرّانة، فقلت: لو صرت إلى الجعرانة، فقاربت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، فما بقي فقد رأيت عبرا، وقد ضرب الإسلام بجرانه، ولم يبق أحد، ودانت العرب والعجم لمحمد- صلى الله عليه وسلّم- فعزّ محمّد لنا عزّ، وشرفه لنا شرف، فو الله إني لعلى ما أنا عليه إن شعرت إلا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- يلقاني بالجعرانة كنّة لكنّة فقال: «النضير؟» قلت: «لبّيك، فقال: «هذا خير لك ممّا أردت يوم حنين ممّا حال الله بينك وبينه» فأقبلت إليه سريعا، فقال: «قد إن لك أن تبصر ما أنت فيه توضع قلت: قد أرى إن لو كان مع الله- تعالى- إلها غيره لقد أغنى شيئا، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله. قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «اللهمّ زده ثباتا» قال النّضير: فو الله الّذي بعثه بالحقّ لكأنّ قلبي حجر ثباتا في الدين وبصيرة في الحق، وذكر الحديث [ (١) ] .
ذكر ثبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورميه الكفار، ونزوله عن بغلته، ودعائه ربه سبحانه وتعالى، وما وقع في ذلك من الآيات
روى ابن إسحاق، والإمام أحمد عن جابر بن عبد الله، وابن إسحاق، وعبد الرزّاق، ومسلم عن العباس عم رسول الله- صلى الله عليه وسلم، قال العبّاس: شهدت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم: يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلم نفارقه، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- على بغلة له شهباء، قال عبد الرزاق: وربما قال معمر: بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، قال فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يركض بغلته قبل الكفّار، وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله- صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: أكفّها أن لا تسرع، وهو لا يألو ما أسرع نحو المشركين، وأبو سفيان بن الحارث آخذ، بركاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وفي رواية بغرزه، وفي رواية بثغره، فالتفت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى أبي سفيان بن الحارث وهو مقنّع في الحديد، فقال: «من هذا» فقال: ابن عمك يا رسول الله، وفي حديث البراء: وأبو سفيان ابن عمه يقود به، قال ابن عقبة- رحمه الله تعالى: وقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الرّكابين، وهو على البغلة، فرفع يديه إلى الله- تعالى- يدعو يقول: «اللهم إني أنشدك ما وعدتني.. اللهمّ لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا»
انتهى. قال العباس: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «يا عباس!! ناديا معشر الأنصار، يا أصحاب السّمرة، يا أصحاب سورة البقرة»
[ (٢) ] . قال العبّاس- وكنت رجلا صيتا- فقلت بأعلى صوتي: أين الأنصار، أين أصحاب السّمرة، أين أصحاب سورة البقرة، قال: والله لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها.
وفي حديث عثمان بن شيبة عند أبي القاسم البغوي، والبيهقي «يا عبّاس، اصرخ بالمهاجرين الّذين بايعوا تحت الشّجرة، وبالأنصار الذين آووا ونصروا» قال: فما شبهت عطفة الأنصار على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إلّا عطفة الإبل على أولادها. حتى ترك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كأنه في حرجة، فلرماح الأنصار كانت أخوف عندي على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من رماح الكفّار- انتهى. فقالوا: يا لبيك يا لبيك يا لبّيك. قال: فيذهب الرجل يثني بعيره ولا يقدر على ذلك، أي لكثرة الأعراب المنهزمين- كما ذكره أبو عمر بن عبد البر- فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره، فيخلّي سبيله، فيؤمّ الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى إذا اجتمع منهم مائة، استقبلوا النّاس فاقتتلوهم والكفار، والدعوة في الأنصار يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، وكانوا صبّرا عند الحرب، وأشرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في ركابيه، فنظر إلى مجتلدهم وهم يجتلدون وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «هذا حين حمي الوطيس، ثم أخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: «انهزموا ورب محمد»
فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، فو الله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدّهم كليلا وأمرهم مدبرا، فو الله ما رجع النّاس إلا وأسارى عند رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مكتّفون، قتل الله تعالى- منهم من قتل، وانهزم منهم من انهزم وأفاء الله تعالى علي رسوله أموالهم ونساءهم وأبناءهم [ (١) ] .
وروى ابن سعد، وابن أبي شيبة، والإمام أحمد، وأبو داود، والبغوي في معجمه، والطبراني وابن مردويه، والبيهقي برجال ثقات عن أبي عبد الرحمن بن يزيد الفهري- يقال اسمه كرز- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- في حنين في يوم قائظ شديد الحرّ، فنزلنا تحت ظلال السّمر، فلمّا زالت الشمس لبست لامتي، وركبت فرسي فأتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمته، الرواح قد حان، الرواح يا رسول الله، قال: «أجل» ثم قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يا بلال» فثار من تحت سمرة كأنّ ظلّه ظلّ طائر، فقال: لبّيك وسعديك، وأنا فداؤك. قال: «أسرج لي فرسي» فأتاه بسرج دفّتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر، فركب فرسه، ثم سرنا يومنا، فلقينا العدوّ، وتشأمت الخيلان، فقاتلناهم فولّى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «يا عباد الله. أنا عبد الله ورسوله، يا أيها الناس إنّي أنا عبد الله ورسوله» فاقتحم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن فرسه، وحدّثني من كان أقرب إليه منّي أنه أخذ حفنة من تراب فحثاها في وجوه القوم، وقال: «شاهت الوجوه» قال يعلى بن عطاء: وأخبرنا أبناؤهم عن آبائهم أنّهم قالوا: ما بقي منّا أحد إلّا امتلأت عيناه وفمه من التّراب، وسمعنا صلصلة من السّماء كمرّ الحديد على الطّست، فهزمهم الله تعالى [ (١) ] .
وروى أبو يعلى والطبراني برجال ثقات عن أنس- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أخذ يوم حنين كفّا من حصى أبيض فرمى به وقال: «هزموا ورب الكعبة» وكان علي- رضي الله عنه- يومئذ أشدّ الناس قتالا بين يديه [ (٢) ] .
وروى أبو نعيم بسند ضعيف عن أنس- رضي الله عنه- والطبراني عن عكرمة- رحمه الله تعالى- قالا: لما انهزم المسلمون بحنين ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- على بغلته الشهباء- وكان اسمها دلدل- فقال لها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «دلدل البدي» فألزقت بطنها بالأرض، فأخذ حفنة من تراب فرمى بها في وجوههم وقال: «حم لا ينصرون» فانهزم القوم، وما رمينا بسهم ولا طعنّا برمح، كذا في هذه الرواية اسمها دلدل، والصّحيح أنّ دلدل أهداها المقوقس فهي غير التي أهداها فروة بن نفاثة [ (٣) ] .
وروى أبو القاسم البغوي، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن عساكر عن شيبة بن عثمان- رضي الله عنه-: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال يوم حنين: يا عبّاس ناولني من الحصباء قال: وأفقه الله- تعالى- البغلة كلامه، فانخفضت به حتّى كاد بطنها يمسّ الأرض، فتناول رسول الله- صلى الله عليه وسلم من البطحاء فحثا في وجوههم وقال: «شاهت الوجوه، هم لا ينصرون»
[ (٤) ] .
وروى عبد بن حميد في مسنده، والبخاري في تاريخه، والبيهقي وابن الجوزي عن يزيد بن عامر السّوائي- رضي الله عنه- وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم- قال: أخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين قبضةً من الأرض، ثم أقبل على المشركين فرمى بها في وجوههم وقال: «ارجعوا، شاهت الوجوه» قال: فما من أحد يلقى أخاه إلّا وهو يشكو القذى في عينيه ويمسح عينيه [ (٥) ] .
وروى الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقيّ برجال ثقات عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين، فولّى النّاس عنه، وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار، فقمنا على أقدامنا ولم نولّهم الدّبر، وهم الذين أنزل الله- تعالى- عليهم السّكينة، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- على بغلته لم يمض قدما، فحادت به بغلته فمال عن السّرج، فقلت له ارتفع رفعك الله. فقال: «ناولني كفا من تراب» فناولته، فضرب وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا، ثم قال: «أين المهاجرون والأنصار؟» قلت: هم أولاء، قال: «اهتف بهم» فهتفت بهم، فجاؤوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشّهب، وولّى المشركون أدبارهم [ (١) ]
وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي عن أنس- رضي الله عنه- قال: جاءت هوازن يوم حنين بالنّساء والصّبيان والإبل والغنم فجعلوهم صفوفا، ليكثروا على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فالتقى المسلمون والمشركون، فولّى المسلمون مدبرين- كما قال الله تعالى- وبقي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وحده فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله» ونادى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نداءين لم يخلط بينهما كلاما، فالتفت عن يمينه فقال: «يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله» فقالوا: «لبيك يا رسول الله، نحن معك» ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله، فقالوا: لبيك يا رسول الله نحن معك فهزم الله تعالى المشركين، ولم يضرب بسيف، ولم يطعن برمح [ (٢) ] .
وروى ابن سعد وابن أبي شيبة، والبخاري، وابن مردويه، والبيهقي من طرق عن أبي إسحاق السّبيعي- رحمه الله تعالى- قال: جاء رجل من قيس إلى البراء بن عازب- رضي الله عنهما- فقال: أكنتم ولّيتم؟ وفي رواية: أولّيت؟ وفي أخرى: أوليتم مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم؟
وفي أخرى: أفررتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أنّه ما ولّى، وفي رواية: لا والله ما ولى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين دبره، ولكنه خرج بشبّان أصحابه وهم حسّر ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل النّاس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام كأنها رجل جراد لا يكادون يخطئون، وأقبلوا هناك إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث يقود به، فنزل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ودعا واستنفر، وقال- صلى الله عليه وسلم-: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب، اللهمّ أنزل نصرك»
[ (١) ] . قال البراء: وكنا إذا أحمرّ البأس نتّقي برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وإن الشجاع منا الذي يحاذيه: يعني النبي- صلى الله عليه وسلم.
وروى البخاري، ومسلم، والبيهقي عن سلمة بن الأكوع- رضي الله عنه- قال: غزونا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حنينا. فلما واجهنا العدوّ تقدمت فأعلو ثنيّة فاستقبلني رجل من المشركين فأرميه، بسهم، وتوارى عنّي فما دريت ما صنع، ثم نظرت إلى القوم فإذا هم طلعوا من ثنيّة أخرى، فالتقوا هم وأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فولّى أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأرجع منهزما. وعليّ بردتان مؤتزراً بإحداهما مرتدياً بالأخرى، فاستطلق إزاري، فجمعتهما جميعا، ومررت برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا منهزم- وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «لقد رأى ابن الأكوع فزعا» فلما غشوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نزل عن بغلته ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم إنه استقبل به وجوههم، وقال: شاهت الوجوه» فما خلّى الله تعالى منهم إنسانا إلّا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة، فولّوا مدبرين. وقسّم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- غنائمهم بين المسلمين [ (٢) ] .
وروى أبو الشيخ عن عكرمة- رحمه الله تعالى- قال: لما كان يوم حنين ولّى المسلمون، وثبت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «إنا محمد رسول الله» ثلاث مرات، وإلى جنبه عمّه العبّاس- الحديث [ (٣) ] .
وروى ابن سعد، والبخاري في التاريخ، والحاكم، والبيهقي عن عياض بن الحارث- رضي الله عنه- قال: أخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كفا من حصباء فرمى بها وجوهنا فانهزمنا [ (٤) ] .
وروى البخاري في التاريخ، والبيهقي في الدلائل عن عمرو بن سفيان- رضي الله عنه- قال: قبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين قبضة من الحصباء فرمى بها وجوهنا فانهزمنا، فما خيّل إلينا إلا أنّ كلّ حجر وشجر فارس يطلبنا. وروى ابن عساكر عن الحارث بن زيد مثله [ (٥) ] .
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد- برجال الصحيح- عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: كان من دعاء النبي- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين: «اللهمّ إنّك إن تشاء لا تعبد بعد اليوم»
[ (١) ] .
وذكر محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- قال: كان من دعاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين انكشف عنه النّاس ولم يبق معه إلّا المائة الصّابرة «اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان» فقال له جبريل: «لقد لقنت الكلمات الّتي لقّن الله- تعالى- موسى يوم فلق البحر، وكان البحر أمامه وفرعون خلفه»
[ (٢) ] .
ذكر ما قيل إن الملائكة قاتلت يوم حنين والرعب الذي حصل للمشركين
روى ابن أبي حاتم عن السدي الكبير- رحمه الله تعالى- في قول الله عزّ وجلّ: وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها قال: هم الملائكة وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا [التوبة ٢٦] قال: قتلهم بالسيف. وروى أيضا عن سعيد بن جبير- رحمه الله تعالى- قال: في يوم حنين أمدّ الله- تعالى- رسوله- صلى الله عليه وسلّم- بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، ويومئذ سمّى الله تعالى الأنصار مؤمنين قال: «ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين [ (٣) ] .
وروى ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جبير ابن مطعم- رضي الله عنه- قال: رأيت قبل هزيمة القوم- والناس يقتتلون- مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوت قد ملأ الوادي، لم أشكّ أنها الملائكة، ولم يكن إلا هزيمة القوم.
وروى محمد بن عمر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن عن شيوخ من قومه من الأنصار، قالوا: رأينا يومئذ كالبجد السّود هوت من السماء ركاما، فنظرنا فإذا رمل مبثوت، فكنا ننفضه عن ثيابنا، فكان نصر الله- تعالى- أيّدنا به.
وروى مسدّد في مسنده، والبيهقي. وابن عساكر عن عبد الرحمن مولى أم برثن قال: حدثني رجل كان من المشركين يوم حنين قال: لمّا التقينا نحن وأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يقوموا لنا حلب شاة أن كببناهم، فبينما نحن نسوقهم في أدبارهم إذ التقينا بصاحب البغلة- وفي رواية- إذ غشينا، فإذا هو رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فتلقّتنا عنده، وفي رواية: إذا بيننا وبينه رجال بيض حسان الوجوه قالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، فرجعنا- وكانت إيّاها [ (٤) ] .
وروى ابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر عن مصعب بن شيبة بن عثمان الحجبيّ عن أبيه- رضي الله عنه- قال: خرجت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين، والله ما خرجت إسلاما، ولكن خرجت أنفا أن تظهر هوازن على قريش، فإني لواقف مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ قلت: يا رسول الله إني لأرى خيلا بلقا، قال: «يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر» فضرب بيده في صدري وقال: «اللهم اهد شيبة» فعل ذلك ثلاث مرات- فو الله ما رفع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله تعالى أحب إلي منه، فالتقى المسلمون فقتل من قتل، ثم أقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وعمر آخذ باللّجام، والعبّاس آخذ بالثّغر، فنادى العباس: أين المهاجرون، أين أصحاب سورة البقرة- بصوت عال- هذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأقبل المسلمون والنبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب» فجالدوهم بالسيوف، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «الآن حمي الوطيس» .
وروى عبد بن حميد، والبيهقي عن يزيد بن عامر السّوائي- رضي الله عنه- وكان حضر يومئذ، فسئل عن الرعب فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطّست فيطنّ فيقول: أن كنّا نجد في أجوافنا مثل هذا.
روى محمد بن عمر عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: حدثني عدّة من قومي شهدوا ذلك اليوم يقولون: «لقد رمى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تلك الرّمية من الحصى فما منّا أحد إلّا يشكو القذى في عينيه، ولقد كنا نجد في صدورنا خفقانا كوقع الحصى في الطاس ما يهدأ ذلك الخفقان، ولقد رأينا يومئذ رجالا بيضا، على خيل بلق، عليهم عمائم حمر، قد أرخوها بين أكتافهم، بين السماء والأرض كتائب كتائب ما يليقون شيئا، ولا نستطيع أن نتأملهم من الرّعب منهم.
وروى أيضا عن ربيعة بن أبزي قال: حدّثني نفر من قومي، حضروا يومئذ قالوا: كمنّا لهم في المضايق والشعاب، ثمّ حملنا عليهم حملة، ركبنا أكتافهم حتى انتهينا إلى صاحب بغلة شهباء، وحوله رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا. فانهزمنا، وركب المسلمون أكتافنا، وكانت إيّاها، وجعلنا نلتفت وإنا لننظر إليهم يكدّوننا فتفرّقت جماعتنا في كل وجه، وجعلت الرّعدة تستخفّنا حتى لحقنا بعلياء بلادنا، فإن كنا ليحكى عنا الكلام ما ندري به، لما كان بنا من الرّعب، وقذف الله- تعالى- الإسلام في قلوبنا.
وروى أيضا عن شيوخ من ثقيف أسلموا بعد ما كانوا حضروا ذلك اليوم قالوا: ما زال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في طلبنا- فيما نرى- ونحن مولّون حتى إن الرجل ليدخل منّا حصن الطائف وإنه ليظنّ أنه على أثره من رعب الهزيمة.
ذكر من ثبت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين
روى البيهقي عن حارثة بن النعمان- رضي الله عنه- قال: لقد حزرت من بقي مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين أدبر الناس، فقلت: مائة واحد.
وروى ابن مردويه عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: لقد رأينا يوم بدر وإن الفئتين لموليتان، وما مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مائة رجل.
وروى الإمام أحمد، والحاكم، والطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم، برجال ثقات عن ابن مسعود قال: كنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين فولّى النّاس وثبت معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار، فنكصنا على أعقابنا نحوا من ثمانين قدما، ولم نولّهم الدّبر إلى آخره، وتقدم. قال محمد بن عمر يقال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لمّا انكشف النّاس عنه يوم حنين- قال لحارثة «يا حارثة، كم ترى النّاس الّذين ثبتوا» قال: فما التفتّ ورائي تحرّجا، فنظرت عن يميني وعن شمالي، فحزرتهم مائة، فقلت: يا رسول الله!! هم مائة فما علمت أنهم مائة حتّى كان يوم مررت على النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو يناجي جبريل عند باب المسجد، فقال جبريل: «يا محمد من هذا؟» قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «حارثة بن النعمان» فقال جبريل: هو أحد المائة الصّابرة يوم حنين، لو سلم لرددت عليه، فأخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حارثة، قال: «ما كنت أظنه إلّا دحية الكلبي واقفا معك» .
وروى ابن أبي شيبة عن الحكم بن عتيبة- بلفظ تصغير عتبة الباب- رحمه الله تعالى- قال: لمّا فرّ النّاس يوم حنين عن النبي- صلى الله عليه وسلّم- جعل يقول: «أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب»
فلم يبق معه إلا أربعة، ثلاثة من بني هاشم، ورجل من غيرهم، علي بن أبي طالب، والعبّاس وهما بين يديه، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من جانبه الأيسر، قال: فليس يقبل أحد إلّا قتل، والمشركون حوله صرعى، فمن أهل بيته عمّه العبّاس، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، وأخوه ربيعة أبناء عم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- والفضل بن العباس، وعلي بن أبي طالب، وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث وقثم بن العباس- قال في الزهر: وفيه نظر، لأن المؤرّخين قاطبة فيما أعلم عدّوه فيمن توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو صغير، فكيف شهد حنينا!! وعتبة ومعتّب ابنا أبي لهب، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، وأخوه لأمه أيمن بن أم أيمن، وقتل يومئذ، ومن المهاجرين: أبو بكر- رضي الله عنه- وعمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وعثمان بن عفان- رضي الله عنه- روى البزار عن أنس- رضي الله عنه-: أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا- رضي الله تعالى عنهم- ضرب كل منهم يومئذ بضعة عشر ضربة- وابن مسعود- رضي الله عنه- ومن الأنصار: أبو دجانة، وحارثة بن النعمان- قد ذكر في ذلك عند محمد بن عمر- وسعد بن عبادة، وأبو بشير- كما في حديثه عند محمد بن عمر- وأسيد بن الحضير، ومن أهل مكة: شيبة بن عثمان الحجبيّ- كما تقدّم- ومن نساء الأنصار: أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك، وأم عمارة نسيبة بنت كعب، وأم الحارث جدّة عمارة بن غزيّة- بفتح العين، وكسر الزّاي المعجمتين- وأمّ سليط بنت عبيد- قال محمد بن عمر: يقال إنّ المائة الصّابرة يومئذ ثلاثة وثلاثون من المهاجرين وستّة وستّون من الأنصار.
ذكر ثبات ام سليم بنت ملحان، وام عمارة
نسيبة- بفتح النون، وكسر السين المهملة، وسكون التّحتية، وبالموحّدة: بنت كعب- رضي الله تعالى عنها. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبي طلحة، وهي حامل بعبد الله بن أبي طلحة، وقد خشيت أن يغرّ بها الجمل، فأدنت رأسه منها، وأدخلت يدها في خزامه [ (١) ] مع الخطام، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «أم سليم» ؟ قالت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أقتل المنهزمين عنك كما تقتل الّذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل» فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «أو يكفي الله يا أم سليم» .
وعند محمد بن عمر: «قد كفى الله تعالى عافية الله تعالى أوسع» .
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، ومسلم عن أنس- رضي الله عنه- قال: اتخذت أمّ سليم خنجرا أيام حنين، فكان معها، فلقي أبو طلحة أم سليم ومعها الخنجر، فقال أبو طلحة: ما هذا؟ قالت: إن دنا منّي بعض المشركين أبعج به بطنه، فقال أبو طلحة: أما تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم؟ فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أقتل من يعدونا من الطّلقاء، انهزموا عنك فقال: «إن الله تعالى قد كفى وأحسن يا أم سليم»
[ (٢) ] .
وروى محمد بن عمر عن عمارة بن غزيّة قال: قلت أم عمارة: لما كان يوم حنين والناس منهزمون في كل وجه، وكنّا أربع نسوة، وفي يدي سيف لي صارم، وأم سليم معها خنجر قد حزمته على وسطها، وإنّها يومئذ حامل بعبد الله بن أبي طلحة، وأم سليط، وأم الحارث. قال شيوخ محمد بن عمر: فجعلت أمّ عمارة تصيح يا للأنصار: أية عادة هذه. مالكم والفرار؟ ! قالت: وأنظر إلى رجل من هوازن على جمل أورق معه لواء يوضع جمله في أثر المسلمين، فأعترض له فأضرب عرقوب الجمل. فيقع على عجزه وأشد عليه، ولم أزل أضربه حتّى أثبتّه، وأخذت سيفا له.
ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- قائم، مصلت السيف بيده، قد طرح غمده ينادي: «يا أصحاب سورة البقرة» فكرّ الأنصار، ووقفت هوازن قدر حلب ناقة فتوح، ثم كانت إيّاها، فو الله ما رأيت هزيمة قط كانت مثلها، قد ذهبوا في كل وجه، فرجع إليّ أبنائي جميعا: حبيب وعبد الله أبناء زيد بأسارى مكتّفين، فأقوم إليه من الغيظ فأضرب عنق واحد منهم، وجعل الناس يأتون بالأسارى فرأيت في بني مازن ابني النجار ثلاثين أسيرا، وكان المسلمون بلغ أقصى هزيمتهم مكة، ثم كرّوا بعد وتراجعوا، فأسهم لهم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- جميعا، وكانت أم الحارث الأنصارية آخذة بخطام جمل الحارث زوجها، وكان يسمى المجسار فقالت: يا حار أتترك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والنّاس يولّون منهزمين؟! وهي لا تفارقه، قالت: فمر علي عمر بن الخطاب فقلت: يا عمر ما هذا؟ قال: أمر الله تعالى [ (١) ] .
ذكر انهزام المشركين
قال محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- لما نادى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الأنصار كرّوا راجعين فجعلوا يقولون: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله، يا خيل الله.
وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قد سمّى خيله خيل الله، وجعل شعار المهاجرين: بني عبد الرحمن، وجعل شعار الأوس: بني عبيد الله، وشعار الخزرج: بني عبد الله.
روى محمد بن عمر عن محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة: أن سعد بن عبادة جعل يصيح يومئذ: يا للخزرج ثلاثا، وأسيد بن الحضير يصيح: يا للأوس- ثلاثا فثابوا من كل ناحية كأنهم النحل تأوى إلى يعسوبها، قال أهل المغازي فحنق المسلمون على المشركين فقتلوهم حتّى أسرع القتل في ذراري المشركين. فبلغ ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «ما بال أقوام بلغ بهم القتل حتى بلغ الذريّة! ألا لا تقتل الذرية، ألا لا تقتل الذرية» ثلاثا [ (٢) ]- فقال أسيد بن الحضير: يا رسول الله، أليس إنّما هم أولاد المشركين؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «أليس خياركم أولاد المشركين! كلّ نسمة تولد على الفطرة حتّى يعرب عنها لسانها، فأبواها يهوّدانها أو ينصّرانها» . قال محمد بن عمر: قال شيوخ ثقيف، ما زال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في طلبنا، فيما نرى - ونحن مولّون حتى إن الرجل منّا ليدخل حصن الطّائف وإنه ليظن أنّه على أثره، من رعب الهزيمة. قال أنس بن مالك كما رواه الإمام أحمد: كان في المشركين رجل يحمل علينا فيدقنا ويحطمنا فلما رأى ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نزل، فهزمهم الله- تعالى- فولّوا، فقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين رأى الفتح، فجعل يجاء بهم أسارى رجل رجل، فيبايعونه على الإسلام، فقال رجل من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إن علي نذرا لئن جيء بالرّجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربنّ عنقه فسكت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجيء بالرجل فلما رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: يا نبي الله تبت إلى الله، فأمسك رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عن مبايعته ليوفي الآخذ بنذره، وجعل ينظر إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ليأمره بقتله، وهاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم الرجل لا يصنع شيئا بايعه، فقال: يا رسول الله نذري؟ قال: «لم أمسك عنه إلّا لتوفي بنذرك» فقال: يا رسول الله ألا أومأت إليّ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: إنه ليس لنبي أن يومئ. قالوا: وهزم الله تعالى أعداءه من كل ناحية، واتبعهم المسلمون يقتلونهم، وغنّمهم الله- تعالى- نساءهم وذراريهم وأموالهم، وفرّ مالك بن عوف حتّى بلغ حصن الطّائف. هو وأناس من أشراف قومه، وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله- تعالى- رسوله وإعزاز دينه. قال ابن إسحاق: ولما هزم الله تعالى المشركين من أهل حنين، وأمكن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منهم، قالت امرأة من المسلمين- رضي الله عنها- وعنهم: قد غلبت خيل الله خيل اللّات ... والله أحقّ بالثّبات ويروى: وخيله أحقّ بالثبات.
إنّ لنا ماء حنين فخلّوه ... إن تشربوا منه فلن تعلوه هذا رسول الله لن تغلوه ورجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من جهة المشركين بعد انهزامهم إلى العسكر، وأمر أن يقتل كل من قدر عليه، وثاب من انهزم من المسلمين.
روى البزار بسند رجاله ثقات عن أنس- رضي الله عنه-: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال يوم حنين: «اجزروهم جزرا» وأومأ بيده إلى الحلق [ (١) ] . قال محمد بن عمر: وذكر للنبي- صلى الله عليه وسلم- إن رجلا كان بحنين قاتل قتالا شديدا، حتّى اشتدّت به الجراح، قال: «أنه من أهل النار» فارتاب بعض الناس من ذلك، ووقع في قلوب بعضهم ما الله تعالى به أعلم، فلما آذته جراحته، أخذ مشقصا من كنانته فانتحر به، فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بلالا أن ينادي: ألا لا يدخل الجنة إلّا مؤمن، أن الله- تعالى- يؤيد هذا الدين بالرّجل الفاجر»
[ (١) ] . قال محمد بن عمر: وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بطلب العدوّ وقال لخيله إن قدرتم على «بجاد» رجل من بني سعد بن بكر فلا يفلتن منكم، وقد كان أحدث حدثا عظيما، كان قد أتاه رجل مسلم فأخذه فقطعه عضوا عضوا ثم حرّقه بالنار، وكان قد عرف جرمه فهرب فأخذته الخيل فضموه إلى الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى، أخت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الرّضاعة، وأتعبوها في السّياق، فتعبت الشّيماء بتعبهم، فجعلت تقول: إنّي والله أخت صاحبكم، فلا يصدّقونها، وأخذها طائفة من الأنصار، وكانوا أشد النّاس على هوازن- فأتوا بها إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا محمد!! إني أختك. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «وما علامة ذلك؟ فأرته عضّة بإبهامها، وقالت: عضة عضضتنيها وأنا متورّكتك بوادي السرر ونحن يومئذ نرعى البهم، وأبوك أبي، وأمك أمي، وقد نازعتك الثّدى، وتذكّر يا رسول الله حلابي لك عنز أبيك أطلان، فعرف رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- العلامة، فوثب قائما، فبسط رداءه، ثم قال: «اجلسي عليه» ورحّبّ بها، ودمعت عيناه، وسألها عن أمّه وأبيه، فأخبرته بموتهما فقال: «إن أحببت فأقيمي عندنا محبّبة مكرّمة، وإن أحببت أن ترجعي إلى قومك وصلتك ورجعت إلى قومك» [ (٢) ] قالت: بل أرجع إلى قومي، فأسلمت، فأعطاها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أعبد وجارية وأمر لها ببعير أو بعيرين وقال لها: «ارجعي إلى الجعرانة تكونين مع قومك، فأنا أمضي إلى الطائف» فرجعت إلى الجعرانة، ووافاها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالجعرانة فأعطاها نعما وشاء، ولمن بقي من أهل بيتها، وكلمته في بجاد أن يهبه لها ويعفو عنه ففعل- صلى الله عليه وسلّم.
ذكر قتل دريد بن الصمة
قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وغيرهما: لما هزم الله- تعالى- هوازن أتوا للطّائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجّه بعضهم نحو نخلة بنو عيرة من ثقيف، فبعث رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- خيلا تتبع من سلك نخلة ولم تتبع من سلك الثّنايا، وأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة من بني سليم دريد بن الصّمة، فأخذ بخطام جمله، وهو يظن أنّه امرأة، وذلك أنه في شجار له، فإذا هو رجل، فأناخ به وهو شيخ كبير، ابن ستين ومائة سنة، فإذا هو دريد ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ما تريد؟ قال: أقتلك. قال: وما تريد إلى المرتعش الكبير الفاني؟ قال الفتى: ما أريد إلّا ذاك، قال له دريد: من أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السّلمي، قال: فضربه فلم يغن شيئا، فقال دريد: بئس ما سلحتك أمك، خذ سيفي من وراء الرحل في الشجار، فاضرب به وارفع عن العظم واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أقتل الرّجال، ثم إذا أتيت أمّك فأخبرها أنّك قتلت دريد بن الصّمّة، فربّ يوم قد منعت فيه نساءك.
فزعمت بنو سليم أنّ ربيعة لما ضربه فوقع تكشف للموت فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل، فلمّا رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إيّاه، قالت: والله لقد أعتق أمّهات لك ثلاثا في غداة واحدة، وجزّ ناصية أبيك، فقال الفتى: لم أشعر.
ووقف مالك بن عوف على ثنيّة من الثّنايا، وشبّان أصحابه، فقال: قفوا حتى يمضي ضعفاؤكم وتلتئم إخوانكم. فبصر بهم الزبير بن العوام- رضي الله عنه- فحمل عليهم حتى أهبطهم من الثنيّة، وهرب مالك بن عوف، فتحصن في قصر بليّة، ويقال دخل حصن ثقيف [ (١) ] .
ذكر من استشهد بحنين
أيمن بن عبيد الله بن زيد الخزرجي وابن أم أيمن، وسراقة بن الحارث الأنصاري، ورقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان، وأبو عامر الأشعري أصيب بأوطاس، كما سيأتي في السرايا، ويزيد بن زمعة بن الأسود جمح به فرس يقال له الجناح فقتل. واستحرّ القتل من ثقيف في بني مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن الحارث، وكانت رايتهم مع ذي الخمار، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله، فقاتل حتى قتل، ولمّا بلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قتله، قال: «أبعده الله، فإنّه كان يبغض قريشا [ (٢) ] .
وروى البيهقي عن عبد الله بن الحارث عن أبيه قال: قتل من أهل الطّائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر.
ذكر عيادته - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد رضي الله عنه - من جرح أصابه
وروى عبد الرزاق، وابن عساكر عن عبد الرحمن بن أزهر- رضي الله عنه- قال: كان خالد بن الوليد جرح يوم حنين، وكان على خيل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فجرح يومئذ، فلقد رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد ما هزم الله تعالى الكفار، ورجع المسلمون إلى رحالهم- يمشي في المسلمين ويقول: «من يدلني على رحل خالد بن الوليد؟» فأتي بشارب فأمر من عنده فضربوه بما كان في أيديهم، وحثا عليه التّراب [ (١) ] . قال عبد الرحمن: فمشيت، أو قال: سعيت بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا غلام محتلم، أقول: من يدل على رحل خالد، حتى دللنا عليه، فإذا خالد مستند إلى موخّرة رحله، فأتاه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فنظر إلى جرحه، فتفل فيه فبرأ- رضي الله تعالى عنه-.
ذكر بركة يده - صلى الله عليه وسلم - في برء جرح عائذ بن عمرو - رضي الله عنه
روى الحاكم، وأبو نعيم، وابن عساكر عن عائذ بن عمرو- رضي الله عنه- قال: أصابتني رمية يوم حنين في جبهتي، فسال الدم على وجهي وصدري، فسلت النبي- صلى الله عليه وسلم- الدم بيده عن وجهي وصدري إلى ثندؤتي، ثم دعا لي. قال حشرج والد عبد الله: فرأينا أثر يد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى منتهى ما مسح من صدره، فإذا غرّة سابلة كغرّة الفرس.
ذكر بركة يده - صلى الله عليه وسلم - في الماء بحنين
روى أبو نعيم عن سلمة بن الأكوع- رضي الله عنه- قال: غزونا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- هوازن فأصابنا جهد شديد، فدعا بنطفة من ماء في إداوة، فأمر بها فصبت في قدح فجعلنا نطّهّر به حتّى تطهّرنا جميعا.
ذكر نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء يوم حنين
روى الإمام أحمد، وأبو داود عن رباح بن ربيع- رضي الله عنه- أنه خرج مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمرّ رباح وأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على امرأة مقتولة مما أصابت المقدّمة، فوقفوا ينظرون إليها، يعني ويعجبون من خلقها- حتّى لحقهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على راحلته، فانفرجوا عنها. فوقف عليها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «ما كانت هذه لتقاتل» فقال لأحدهم: «الحق خالدا وقل له لا تقتل ذرّيّة ولا عسيفا [ (٢) ] .
ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين أنا ابن العواتك
روى الطبراني عن سيابة بن عاصم السلمي- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال يوم حنين: «أنا ابن العواتك»
[ (١) ] .
ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين من قتل كافرا فله سلبه
روى ابن شيبة، والإمام أحمد، وابن حبان عن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من قتل قتيلا فله سلبه» قال: فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم. وقال أبو قتادة: يا رسول الله إني ضربت رجلا على حبل عاتقه، وعليه درع فأجهضت عنه فانظر في أخذها، فقام رجل قال محمد بن عمر: اسمه أسود بن خزاعي الأسلمي، حليف بني سلمة- كذا قال وفي الصحيح كما سيأتي: أنه قرشي، فقال: يا رسول الله: أنا أخذتها فأرضه منها وأعطينها، قال: وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا يسأل شيئاً إلا أعطاه، أو سكت، فسكت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال عمر: والله لا يغنها الله تعالى علي أسد من أسد الله- تعالى- ويعطيكها، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «صدق عمر»
[ (٢) ] .
وروى الشيخان، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة عن أبي قتادة الحارث بن ربعي- رضي الله تعالى عنه- قال: خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة. فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلا من المسلمين. وفي رواية نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين وآخر من المشركين يختله فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدّرع، وأقبل عليّ فضمّني ضمّة، وجدت منها ريح الموت، ثمّ أدركه الموت، فأرسلني، فلحقت- وفي رواية- فلقيت عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- في النّاس الّذين لم يهزموا، فقلت: ما بال النّاس؟ قال: أمر الله تعالى، فرجعوا وجلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال: «من قتل قتيلا له عليه بيّنة فله سلبه» فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثمّ جلست، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مثله. فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثمّ جلست، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مثله، فقال: «مالك يا أبا قتادة؟» فأخبرته [ (٣) ] .
وذكر محمد بن عمر: إن عبد الله بن أنيس شهد له فقال رجل: صدق سلبه عندي فأرضه مني- أو قال منّيه- فقال أبو بكر: لا ها الله إذا، لا تعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله- تعالى- ورسوله فيعطيك سلبه! فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «صدق فأعطه إياه» فأعطانيه، وعند محمد بن عمر فقال لي حاطب بن أبي بلتعة: يا أبا قتادة، أتبيع السلاح؟ فبعته بسبع أواق، فابتعت به مخرفا، وفي رواية: خرافا في بني سلمة، فإنّه لأول مال تأثّلته، وفي رواية: اعتقبته- في الإسلام، زاد محمد بن عمر يقال له الرّديني قال في البداية في الرواية السابقة عن أنس: أن عمر قال ذلك، وهو مستغرب، والمشهور أن قائل ذلك أبو بكر كما في حديث أبي قتادة، وقال الحافظ: الراجح أن الذي قال ذلك أبو بكر كما رواه أبو قتادة، وهو صاحب القصة، فهو أتقن لما وقع فيها من غيره، قالا: فلعل عمر قال ذلك متابعة لأبي بكر ومساعدة له، وموافقة، فاشتبه على الراوي. قال العلماء: لو لم يكن من فضيلة أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- إلّا هذا لكفى فإنّه بثاقب علمه، وشدّة صرامته، وقوّة إنصافه، وصحّة توفيقه، وصدق تحقيقه بادر إلى القول بالحقّ، فزجر، وأفتى، وحكم، وأمضى، وأخبر في الشّريعة عن المصطفى بحضرته وبين يديه، وبما صدّقه فيه وأجراه على قوله.
وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع- رضي الله عنه- قال: غزونا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- هوازن فبينما نحن نتضحى مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه، ثم انتزع طلقا من حقبه فقيّد به الجمل، ثم تقدم فتغدّى مع القوم وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقّة من الظهر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد فأتى الجمل فأطلق قيده، ثم أناخه ثم قعد عليه فاشتد به الجمل واتبعه رجل من أسلم من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على ناقة ورقاء، وفي رواية: أتى عين من المشركين إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث. انتهى. ثم انفتل، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «اطلبوه واقتلوه» قال سلمة: وخرجت أشتدّ فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتّى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدّمت حتّى أخذت بخطام الجمل، فأنخته، فلمّا وضع ركبته على الأرض، اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر، ثمّ جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والناس معه، فقال: «من قتل الرجل» ؟ قالوا: ابن الأكوع، قال: «له سلبه أجمع»
[ (١) ] .
ذكر صلاته - صلى الله عليه وسلم - الظهر بحنين وحكومته بين عيينة بن حصن والأقرع بن حابس في دم عامر بن الأضبط الأشجعي الذي قتله محلم بن جثامة
كما سيأتي في نقل محمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا: صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الظهر يوما بحنين ثم تنحّى إلى شجرة فجلس إليها، فقام إليه عيينة بن حصن يطلب بدم عامر بن الأضبط الأشجعي وهو يومئذ سيد قيس ومعه الأقرع بن حابس يدفع عن محلم بن جثامة لمكانه من خندف فاختصما بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وعيينة يقول: يا رسول الله، والله لا أدعه حتى أدخل على نسائه من الحرب والحزن ما أدخل على نسائي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «تأخذ الدّية؟» فأبى عيينة حتّى ارتفعت الأصوات وكثر اللّغط، إلى أن قام رجل من بني ليث يقال له مكيتل- قصير مجتمع عليه شكّة كاملة ودرقة في يده فقال: يا رسول الله، إني لم أجد لما فعل هذا شبها في غرّة الإسلام إلا غنما وردت فرمي أوّلها فنفر آخرها. فاسنن اليوم وغيره غدا فرفع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يده وقال تقبلون الدّية خمسين في فورنا هذا، وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة» فلم يزل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بالقوم حتّى قبلوا الدّية وفي رواية: فقام الأقرع ابن حابس فقال: يا معشر قريش، سألكم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه، أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله- صلى الله عليه وسلم فيغضب الله- تعالى عليكم- لغضبه، أو يلعنكم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيلعنكم الله تعالى بلعنته، والله لتسلمنه إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أولا يأتين بخمسين من بني ليث كلهم يشهدون أنّ القتيل ما جلّي قط فلأبطلن دمه. فلما قال ذلك قبلوها. ومحلّم القاتل في طرف الناس، فلم يزالوا يؤزونه ويقولون: ائت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يستغفر لك، فقام محلم وهو رجل ضرب طويل آدم. محمر بالحناء عليه حلّة قد كان تهيأ فيها للقتل للقصاص، فجلس بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعيناه تدمعان، فقال: يا رسول الله، قد كان من الأمر الذي بلغك وإني أتوب إلى الله، فاستغفر لي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «ما اسمك» قال: أنا محلم بن جثامة. فقال «أقتلته بسلاحك في غرّة الإسلام؟! اللهم لا تغفر لمحلّم» بصوت عال ينفذ به الناس، قال فعاد محلّم فقال: يا رسول الله، قد كان الّذي بلغك، وإني أتوب إلى الله فاستغفر لي، فعاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم لمقالته بصوت عال، ينفذ به النّاس «اللهمّ لا تغفر لمحلّم بن جثامة» حتّى كانت الثالثة، فعاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم لمقالته، ثم قال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم «قم من بين يدي» فقام من بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يتلقّى دمعه بفضل ردائه، فكان ضمرة السلمي يحدث- وقد كان حضر ذلك اليوم- قال: كنا نتحدث فيما بيننا إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حرّك شفتيه بالاستغفار له، ولكنه أراد أن يعلم الناس قدر الدمّ عند الله تعالى [ (١) ] .
ذكر البشير الذي قدم المدينة بهزيمة هوازن
روى محمد بن عمر عن داود بن الحصين قال: كان بشير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى أهل المدينة بفتح الله- تعالى- عليه وهزيمة هوازن، نهيك بن أوس الأشهلي، فخرج في ذلك اليوم ممسيا، فأخذ في أوطاس حتّى خرج على غمرة، فإذا الناس يقولون هزم محمد هزيمة لم يهزم هزيمة مثلها قط، وظهر مالك بن عوف على عسكره، قال: فقلت الباطل يقولون، والله لقد ظفّر الله- تعالى- رسوله- صلى الله عليه وسلّم وغنّمه نساءهم وأبناءهم، قال: فلم أزل أطأ الخبر حتى انقطع بمعدن بني سليم أو قريبا منها، فقدمت المدينة وقد سرت من أوّل أوطاس ثلاث ليال وما كنت أمسي على راحلتي أكثر مما كنت أركبها فلما انتهيت إلى المصلّى ناديت: أبشروا يا معشر المسلمين بسلامة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، ولقد ظفّره الله- تعالى- بهوازن، وأوقع بهم، فسبى نساءهم، وغنم أموالهم، وتركت الغنائم في يديه تجمع، فاجتمع النّاس يحمدون الله- تعالى- علي سلامة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، ثم انتهيت إلى بيوت أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم- فأخبرتهن، فحمدن الله- تعالى- علي ذلك.
قال وكانت الهزيمة الأولى التي هزم المسلمون ذهبت في كل وجه حتى أكذب الله- تعالى- حديثهم.
ذكر ما أنزل الله تبارك وتعالى في شأن هذه الغزوة
قال الله عز وجل يذكّر المؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ [التوبة ٢٥] للحرب «كثيرة» كبدر وقريظة والنّضير (و) اذكر «يَوْمَ حُنَيْنٍ» واد بين مكة والطّائف، أي يوم قتالكم فيه هوازن، وذلك في شوال سنة ثمان «إذ» بدل من يوم، (أعجبتكم كثرتكم) - فقلتم: لن نغلب اليوم من قلّة، وكانوا اثني عشر ألفا، والكفار أربعة آلاف- كذا جزم به غير واحد، وجزم الحافظ وغيره بأنّهم كانوا ضعف عدد المسلمين، وأكثر من ذلك كما سيأتي، فعلى هذا كان المشركون أربعة وعشرين ألفا، (فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت) ما مصدرية أي مع رحبها أي سعتها. فلم تجدوا مكانا تطمئنون إليه لشدّة ما لحقكم من الخوف «ثمّ ولّيتم مدبرين» منهزمين وثبت النبي- صلى الله عليه وسلم- على بغلته البيضاء، وليس معه غير العباس، وأبو سفيان آخذ بركابه، (ثمّ أنزل الله سكينته) طمأنينته (على رسوله وعلى المؤمنين) فردوا إلى النبي لما ناداهم العباس بإذنه وقاتلوا (وأنزل جنودا لم تروها) ملائكة (وعذّب الّذين كفروا) بالقتل والأسر (وذلك جزاء الكافرين. ثمّ يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء) منهم بالإسلام (والله غفور رحيم) .
ذكر ما قيل في هذه الغزوة من الشعر
قال عباس بن مرداس السّلمي يذكر قارب بن الأسود وفرازه من بني أبيه وذا الخمار وحبسه قومه للموت. ألا من مبلغ غيلان عنّي ... وسوف إخال يأتيه الخبير وعروة إنّما أهدى جوابا ... وقولا غير قولكما يسير بأنّ محمّدا عبدا رسول ... لربّ لا يضلّ ولا يجوز وجدناه نبيا مثل موسى ... فكلّ فتى يخايره مخير وبئس الأمر أمر بني قسيّ ... بوجّ إذا تقسمت الأمور أضاعوا أمرهم ولكلّ قوم ... أمير والدّوائر قد تدور فجئنا أسد غابات إليهم ... جنود الله ضاحية تسير تؤمّ الجمع جمع بني قسيّ ... على حنق نكاد له نطير وأقسم لو همو مكثوا لسرنا ... إليهم بالجنود ولم يغوروا فكنّا أسد ليّة ثمّ حتّى ... أبحناها وأسلمت النّصور ويوم كان قبل لدى حنين ... فأقلع والدّماء به تمور من الأيّام لم تسمع كيوم ... ولم يسمع به قوم ذكور قتلنا في الغبار بني حطيط ... على راياتها والخيل زور ولم تك ذو الخمار رئيس قوم ... لهم عقل يعاقب أو نكير أقام بهم على سنن المنايا ... وقد بانت لمبصرها الأمور فأفلت من نجا منهم جريضا ... وقتّل منهم بشر كثير ولا يغني الأمور أخو التّواني ... ولا الغلق الصّريّرة الحصور أمانهم وحان وملّكوه ... أمورهم وأفلتت الصّقور بنو عوف تميج بهم جياد ... أهين لها الفصافص والشّعير فلولا قارب وبنو أبيه ... تقسّمت المزارع والقصور ولكنّ الرّياسة عمّموها ... على يمن أشار به المشير أطاعوا قاربا ولهم جدود ... وأحلام إلى عزّ تصير فإن يهدوا إلى الإسلام يلفوا ... أنوف النّاس ما سمر السّمير وإن لم يسلموا فهم أذان ... بحرب الله ليس لهم نصير كما حكّت بني سعد وحرب ... برهط بني غزيّة عنقفير كأنّ بني معاوية بن بكر ... إلى الإسلام ضائنة تخور فقلنا أسلموا إنّا أخوكم ... وقد برئت من التّرة الصّدور كأنّ القوم إذ جاءوا إلينا ... من البغضاء بعد السّلم عور وقال بجير بن زهير بن أبي سلمى: لولا الإله وعبده ولّيتم ... حين استخفّ الرّعب كلّ جبان بالجزع يوم حيالنا أقراننا ... وسوابح يكبون للأذقان من بين ساع ثوبه في كفّه ... ومقطّر بسنابك ولبان والله أكرمنا وأظهر ديننا ... وأعزّنا بعبادة الرّحمن والله أهلكهم وفرّق شملهم ... وأذلّهم بعبادة الشّيطان «قال ابن هشام ويروي فيها بعض الرّواة» . إذ قام عمّ نبيّكم ووليّه ... يدعون يا لكتيبة الإيمان أين الّذين هم أجابوا ربّهم ... يوم العريض وبيعة الرّضوان
فإنّي والسّوابح يوم جمع ... وما يتلوا الرّسول من الكتاب لقد أحببت ما لقيت ثقيف ... بجنب الشّعب أمس من العذاب هم رأس العدوّ من أهل نجد ... فقتلهم ألذّ من الشّراب هزمنا الجمع جمع بني قسيّ ... وحكّت بركها ببني رئاب وصرما من هلال غادرتهم ... بأوطاس تعفّر في التّراب ولولا قين جمع بني كلاب ... لقام نساؤهم والنّقع كابي ركضنا الخيل فيهم بين بسّ ... إلى الأوراد تنحط بالذهاب بذي لجب رسول الله فيهم ... كتيبته تعرّض للضّراب
يا خاتم النّبّاء إنّك مرسل ... بالحقّ كلّ هدى السّبيل هداكا إنّ الإله بنى عليك محبّة ... في خلقه ومحمّدا سمّاكا إنّ الّذين وفوا بما عاهدتهم ... جند بعثت عليهم الضّحّاكا رجلا به درب السّلاح كأنّه ... لمّا تكنّفه العدوّ يراكا يغشى ذوي النّسب القريب وإنّما ... يبغي رضي الرّحمن ثمّ رضاكا أنبيك إني قد رأيت مكرّه ... تحت العجاجة يدمغ الإشراكا طولا يعانق باليدين وتارة ... يقري الجماجم صارما بتّاكا [يغشى به هام الكماة ولو ترى ... منه الّذي عاينت كان شفاكا] وبنو سليم معنقون أمامه ... ضربا وطعنا في العدوّ دراكا يمشون تحت لوائه وكأنّهم ... أسد العرين أردن ثمّ عراكا ما يرتجون من القريب قرابة ... إلّا بطاعة ربّهم وهواكا هذي مشاهدنا الّتي كانت لنا ... معروفة ووليّنا مولاكا
عفا مجدل من أهله فمتالع ... فمطلى أريك قد خلا فالمصانع ديار لنا يا جمل إذ جلّ عيشنا ... رخيّ وصرف الدّهر للحيّ جامع حبيبة ألوت بها غربة النّوى ... لتبن فهل ماض من العيش راجع فإن تبتغي الكفّار غير ملومة ... فإنّي وزير للنّبيّ وتابع دعانا إليه خير وفد علمتهم ... خزيمة والمرّار منهم وواسع فجئنا بألف من سليم عليهم ... لبوس لهم من نسج داود رائع نبايعه بالأخشبين وإنّما ... يد الله بين الأخشبين نبايع فجسنا مع المهديّ مكّة عنوة ... بأسيافنا والنّقع كاب وساطع علانية والخيل يغشى متونها ... حميم وآن من دم الجوف ناقع ويوم حنين حين سارت هوازن ... إلينا وضاقت بالنّفوس الأضالع صبرنا مع الضّحّاك لا يستفزّنا ... قراع الأعادي منهم والوقائع أمام رسول الله يخفق فوقنا ... لواء كخذروف السّحابة لامع عشيّة ضحّاك بن سفيان معتص ... بسيف رسول الله والموت كانع نذود أخانا عن أخينا ولو نرى ... مصالا لكنّا الأقربين نتابع ولكنّ دين الله دين محمّد ... رضينا به فيه الهدى والشّرائع أقام به بعد الضلالة أمرنا ... وليس لأمر حمّه الله دافع
ما بال عينك فيها عائر سهر ... مثل الحماطة أغضى فوقها الشّفر عين تأوّبها من شجوها أرق ... فالماء يغمرها طورا وينحدر كأنّه نظم درّ عند ناظمة ... تقطّع السّلك منه فهو منبتر يا بعد منزل من ترجو مودّته ... ومن أتى دونه الصّمّان فالحفر دع ما تقدم من عهد الشّباب فقد ... ولّى الشّباب وزار الشّيب والزّعر واذكر بلاء سليم في مواطنها ... وفي سليم لأهل الفخر مفتخر قوم همو نصروا الرّحمن واتّبعوا ... دين الرّسول وأمر النّاس مشتجر لا يغرسون فسيل النّخل وسطهم ... ولا تحاور في مشتاهم البقر إلّا سوابح كالعقبان مقربة ... في دارة حولها الأخطار والعكر تدعى كفاف وعوف في جوانبها ... وحيّ ذكوان لا ميل ولا ضجر الضّاربون جنود الشّرك ضاحية ... ببطن مكّة والأرواح تبتدر حتّى رفعنا وقتلاهم كأنّهم ... نخل بظاهرة البطحاء منقعر ونحن يوم حنين كان مشهدنا ... للدّين عزا وعند الله مدّخر إذ ركب الموت مخضرا بطائنه ... والخيل ينجاب عنها ساطع كدر تحت اللّواء مع الضّحّاك يقدمنا ... كما مشى اللّيث في غاباته الخدر في مأذق من مجرّ الحرب كلكلها ... تكاد تأفل منه الشّمس والقمر وقد صبرنا بأوطاس أسنّتنا ... لله تنصر من شئنا وننتصر حتّى تأوّب أقوام منازلهم ... لولا المليك ولولا نحن ما صدروا فما ترى معشرا قلّوا ولا كثروا ... إلّا قد أصبح منّا فيهم أثر وقال عباس بن مرداس أيضا: يا أيّها الرّحل الّذي تهوي به ... وجناء مجمرة المناسم عرمس إمّا أتيت على النّبيّ فقل له ... حقا عليك إذا اطمأنّ المجلس يا خير من ركب المطيّ ومن مشى ... فوق التّراب إذا تعدّ الأنفس إنّا وفينا بالّذي عاهدتنا ... والخيل تقدع بالكماة وتضرس إذ سال من أفناء بهثة كلّها ... جمع تظلّ به المخارم ترجس حتّى صبحنا أهل مكّة فيلقا ... شهباء يقدمها الهمام الأشوس من كلّ أغلب من سليم فوقه ... بيضاء محكمة الدّخال وقونس يروي القناة إذا تجاسر في الوغى ... وتخاله أسدا إذا ما يعبس يغشى الكتيبة معلما وبكفّه ... عضب يقدّ به ولدن مدعس وعلى حنين قد وفى من جمعنا ... ألف أمدّ بها الرّسول عرندس كانوا أمام المسلمين دريئة ... والشّمس يومئذ عليهم أشمس نمضي ويحرسنا الإله بحفظه ... والله ليس بضائع من يحرس ولقد حبسنا بالمناقب محبسا ... رضي الإله به فنعم المحبس وغداة أوطاس شددنا شدّة ... كفت العدوّ وقيل منها: يا احبسوا تدعو هوازن بالإخاوة بيننا ... ثدي تمدّ به هوازن أيبس حتّى تركنا جمعهم وكأنّه ... عير تعاقبه السّباع مفرّس وقال عباس بن مرداس أيضا: نصرنا رسول الله من غضب له ... بألف كميّ لا تعدّ حواسره حملنا له في عامل الرّمح راية ... يزود بها في حومة الموت ناصره ونحن خضبناها دما فهو لونها ... غداة حنين يوم صفوان شاجره وكنّا على الإسلام ميمنة له ... وكان لنا عقد اللّواء وشاهرة وكنّا له دون الجنود بطانة ... يشاورنا في أمره ونشاوره دعانا فسمّانا الشّعار مقدّما ... وكنّا له عونا على من يناكره جزى الله خيراً من نبيّ محمّدا ... وأيّده بالنّصر والله ناصره
من مبلغ الأقوام أن محمدا ... رسول الإله راشد حيث يمّما دعا ربّه واستنصر الله وحده ... فأصبح قد وفّى إليه وأنعما سرينا وواعدنا قديدا محمّدا ... يؤم بنا أمرا من الله محكما تمادوا بنا في الفجر حتّى تبيّنوا ... مع الفجر فتيانا وغابا مقوّما على الخيل مشدودا علينا دروعنا ... ورجلا كدفّاع الأتيّ عرمرما فإنّ سراة الحيّ إن كنت سائلا ... سليم وفيهم منهم من تسلّما وجند من الأنصار لا يخذولونه ... أطاعوا فما يعصونه ما تكلّما فإن تك قد أمّرت في القوم خالدا ... وقدّمته فإنّه قد تقدّما بجند هداه الله أنت أميره ... تصيب به في الحق من كان أظلما حلفت يمينا برّة لمحمّد ... فأكملتها ألفا من الخيل ملجما وقال نبيّ المؤمنين تقدّموا ... وحبّ إلينا أن تكون المقدّما وبتنا بنهي المستدير ولم تكن ... بنا الخوف إلّا رغبة وتحزّما أطعناك حتّى أسلم النّاس كلّهم ... وحتّى صبحنا الجمع أهل يلملما يضلّ الحصان الأبلق الورد وسطه ... ولا يطمئنّ الشّيخ حتّى يسوّما لدن غدوة حتّى تركنا عشيّة ... حنينا وقد سالت دوامعه دما سمونا لهم ورد القطا زفّة ضحى ... وكلّ تراه عن أخيه قد أحجما إذا شئت من كلّ رأيت طمرّة ... وفارسها يهوي ورمحا محطّما وقد أحرزت منّا هوازن سربها ... وحبّ إليها أن نخيب ونحرما
تنبيهات
الأول: قال أهل المغازي: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إلى حنين لستّ خلت من شوال، وقيل: لليلتين بقيتا من رمضان، وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج من أواخر رمضان، وسار سادس شوّال، وكان وصوله إليها في عاشره. قال في زاد المعاد: كان الله- تعالى- قد دعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو الصّادق الوعد أنه إذا فتح مكّة دخل الناس في دينه أفواجا، ودانت له العرب بأسرها، فلمّا تمّ له الفتح المبين، اقتضت حكمة الله- تعالى- أن أمسك قلوب هوازن ومن تبعها عن الإسلام وأن يتجمّعوا ويتأهبوا لحرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، ليظهر أمر الله- سبحانه وتعالى- وتمام إعزازه، لرسوله- صلى الله عليه وسلّم- ونصره لدينه، ولتكون غنائمهم شكرا لأهل الفتح، ليظهر الله ورسوله وعباده وقهره لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلق المسلمون مثلها، فلا يقاومهم بعد أحد من العرب. ويتبين ذلك من الحكم الباهرة التي تلوح للمتأملين واقتضت حكمته - تعالى- أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكبوة مع كثرة عددهم وعددهم وقوّة شوكتهم ليطأ من رؤوس رفعت بالفتح ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- واضعا رأسه منحنيا على فرسه، حتّى إنّ ذقنه تكاد أن تمسّ سرجه تواضعا لربه تبارك وتعالى، وخضوعا لعظمته، واستكانة لعزته أن أحلّ له حرمة بلده، ولم يحله لأحد قبله، ولا لأحد بعده، وليبيّن عزّ وجلّ لمن قال: لن نغلب اليوم من قلّة أن النّصر إنما هو من عنده، وأنه من ينصره فلا غالب له، ومن يخذله فلا ناصر له غيره، وأنه- تعالى- هو الذي تولّى نصر رسوله ودينه لا كثرتكم التي أعجبتكم، فإنها لم تغن عنكم شيئا فولّيتم مدبرين فلما انكسرت قلوبهم أرسلت إليها خلع الجبر مع مزيد ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها [التوبة ٢٦] وقد اقتضت حكمته- تبارك وتعالى- أن خِلع النّصر وجوائزه إنما تفضى على أهل الانكسار وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ [القصص ٥، ٦] .
الثاني: وافتتح الله- سبحانه وتعالى- غزو العرب بغزوة بدر، وختم غزوهم بغزوة حنين، ولهذا يقرن هاتين الغزاتين بالذكر فيقال «بدر وحنين» وإن كان بينهما سبع سنين والملائكة قاتلت بأنفسها مع المسلمين بهاتين الغزاتين، والنبي- صلى الله عليه وسلم رمى وجوه المشركين بالحصا فيهما، وبهاتين الغزاتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول الله- صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فالأولى خوفتهم وكسرت من حدتهم. والثّانية: استفرغت قواهم، واستنفدت سهامهم، وأذلت جمعهم، حتّى لم يجدوا بدا من الدّخول في دين الله- تعالى- وجبر الله تبارك وتعالى أهل مكّة بهذه الغزوة، وفرّحهم بما نالوا من النّصر والمغنم، فكانت كالدّواء لما نالهم من كسرهم، وإن كان عين جبرهم وقهرهم تمام نعمته عليهم بما صرفه عنهم من شرّ من كان يجاورهم من أشراف العرب من هوازن وثقيف، بما أوقع بهم من الكسرة، وبما قيّض لهم من دخولهم في الإسلام، ولولا ذلك ما كان أهل مكّة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدّتها. ومن تمام التوكّل استعمال الأسباب التي نصبها الله سبحانه وتعالى لمسبباتها قدرا وشرعا فإن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أكمل الخلق توكّلا، فقد دخل مكّة والبيضة على رأسه، ولبس يوم حنين درعين، وقد أنزل الله- سبحانه وتعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة ٦٧] وكثير ممن لا تحقيق عنده يستشكل هذا ويتكايس في الجواب، تارة بأنّ هذا فعله- صلى الله عليه وسلم- تعليما لأمّته، وتارة بأنّ هذا كان قبل نزول الآية!! لو تأمل أن ضمان الله- سبحانه وتعالى- له العصمة لا ينافي تعاطيه لأسبابها فإنّ هذا الضمان له من ربه- تبارك وتعالى- لا ينافي احتراسه من الناس ولا ينافيه، كما أن إخبار الله- عز وجل- له بأنه يظهره على الدين كله ويعليه، لا يناقض أمره بالقتال، وإعداد العدة والقوّة، ورباط الخيل، والأخذ بالجدّ والحذر، والاحتراس من عدوه، ومحاربته بأنواع الحرب، والتورية، فكان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، وذلك لأنه إخبار من الله- تعالى- عن عاقبة حاله وماله فما يتعاطاه من الأسباب التي جعلها الله- تعالى- بحكمته موجبة لما وعده به من النّصر والظّفر، وإظهار دينه وغلبته عدوّه انتهى.
الثالث: اختلف العلماء في العارية هل تضمن إذا تلفت، فقال الشافعي وغيره يضمن، وقال أبو حنيفة وغيره: لا يضمن، وفي بعض طرق الحديث «بل عارية مضمونة، وقد اختلفوا في هذا القيد وهو مضمونة، أنه صفة موضحة أو مقيّدة، فمن قال بالأول قال: تضمن، ومن قال مقيدة قال: لا إلا بشرط، قاله في النّور.
الرابع: تضمّن قول السّائل للبراء في الرواية الثانية أولّيتم مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وفي الثالثة أفررتم مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وقول البراء رضي الله عنه- فأشهد على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إنه لم يولّ، وقوله في الرّواية الثانية «لكنّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يقر إثبات الفرار، لكن لا على طريق التعميم، وأراد أنّ إطلاق السّائل يشمل الجميع حتّى النبي- صلى الله عليه وسلّم- بظاهر الرّواية الثانية، ويمكن الجمع بين الثّانية والثّالثة بحمل المعية على ما قبل الهزيمة فبادر إلى استثنائه، ثم أوضح ذلك وختم حديثه بأنه لم يكن أحد يومئذ أشد من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ويحتمل أن البراء فهم أنّ السائل اشتبه عليه حديث سلمة بن الأكوع، ومررت برسول الله- صلى الله عليه وسلم- منهزما، فلذلك حلف البراء إن النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يولّ، ودلّ ذلك على أن منهزما حال من سلمة، ولهذا وقع في طريق أخرى «ومررت على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- منهزما وهو على بغلته» فقال: لقد رأى ابن الأكوع فزعا، ويحتمل أن يكون السائل أخذ العموم من قوله تعالى: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة ٢٥] فبيّن البراء أنه من العموم الذي أريد به الخصوص.
الخامس: يجمع بين قول أنس- رضي الله عنه-: بقي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وحده وبين الأخبار الدّالة أنه بقي معه جماعة بأن المراد بقي وحده متقدما مقبلا على العدو، والذين ثبتوا كانوا وراءه، أو الوحدة بالنسبة لمباشرة القتال، وأبو سفيان بن الحارث وغيره كانوا يخدمونه في إمساك البغلة، ونحو ذلك.
السادس: لا تخالف بين قول ابن عمر، لم يبق مع النبي- صلى الله عليه وسلم- مائة رجل، وبين قول ابن مسعود، ثبت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ثمانون من المهاجرين والأنصار فإن ابن عمر نفى أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين.
وذكر النووي أن الذين ثبتوا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- اثنا عشر رجلا، ووقع في شعر العباس بن عبد المطلب- رضي الله عنه- أن الذين ثبتوا معه كانوا عشرة فقط، وذلك لقوله: نصرنا رسول الله في الحرب تسعة ... وقد فرّ من قد فرّ عنه فأقشعوا وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه ... لما مسّه في الله لا يتوجّع قال الحافظ: ولعل هذا هو الأثبت، ومن زاد على ذلك يكون عجل في الرجوع فعدّ فيمن لم ينهزم.
السابع: البغلة البيضاء: وفي مسلم عن سلمة بن الأكوع الشهباء التي كان عليها يومئذ أهداها له فروة- بفتح الفاء، وسكون الراء، وفتح الواو، وبالهاء ابن نفاثة بنون مضمومة ففاء مخففة فألف فثاء مثلثة، ووقع في بعض الروايات عند مسلم فروة بن نعامة بالعين والميم، والصحيح المعروف الأول، ووقع عند ابن سعد وتبعه جماعة ممن ألف في المغازي أنه- صلّى الله عليه وسلم- كان على بغلته دلدل، وفيه نظر، لأن دلدل أهداها له المقوقس. قال القطب: ويحتمل أن يكون النبي- صلى الله عليه وسلّم- ركب يومئذ كلّا من البغلتين، وإلّا فما في الصّحيح أصح.
الثامن: قال العلماء: ركوبه- صلى الله عليه وسلّم- البغلة يومئذ دلالة على النهاية في الشجاعة والثبات، لأن ركوب الفحولة مظنّة الاستعداد للفرار والتولّى، وإذا كان رأس الجيش قد وطّن نفسه على عدم الفرار والأخذ بأسباب ذلك كان ذلك أدعى لاتباعه.
التاسع: وقع في الصحيح حديث البراء وأبو سفيان ابن عمه يقود به، وفي حديث العباس أنه كان آخذا بلجام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبو سفيان آخذ بركابه، ويجمع بأن أبا سفيان كان آخذا أولا بزمام البغلة، فلما ركضها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى جهة الكفار خشي العبّاس وأخذ بلجام البغلة يكفّها، وأخذ أبو سفيان بالركاب وترك اللّجام للعباس إجلالا له لأنه كان عمه.
العاشر: وقع في حديث ابن عبد الرحمن الفهري- رضي الله عنه- أن رسول- صلى الله عليه وسلم- اقتحم عن فرسه «فأخذ كفا من تراب» انتهى قلت: وهي رواية شاذة، والصحيح أنه- صلى الله عليه وسلم- كان حينئذ على بغلة.
الحادي عشر: في قوله- صلى الله عليه وسلم- «أنا النبي لا كذب»
إشارة إلى صفة النّبوة يستحيل معها الكذب، وكأنه- صلى الله عليه وسلم- قال: لأنا النبي، والنبي لا يكذب، فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم، وأنا متيقن أنّ الذي وعدني به الله من النصر حق فلا يجوز عليّ الفرار، وقيل معنى قول «لا كذب» أي أنا النبي حقا لا كذب في ذلك.
قوله- صلى الله عليه وسلم- أنا النبي لا كذب»
بسكون الموحّدة من كذب وهذا وإن وقع موزونا لا يسمّى شعرا لأنه غير مقصود كما سيأتي بسط ذلك في الخصائص.
الثالث عشر: انتسب- صلى الله عليه وسلّم- إلى عبد المطلب دون أبيه عبد الله لشهرة عبد المطّلب بين النّاس لما رزق من نباهة الذّكر وطول العمر، بخلاف عبد الله فإنه مات شابا ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب كما في حديث حماد في الصحيح وقيل لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب. رجل يدعو إلى الله ويهدي الله- تعالى- الخلق على يديه، ويكون خاتم الأنبياء، فانتسب ليتذكر ذلك من كان يعرفه، وقد اشتهر ذلك بينهم، وذكره سيف بن ذي يزن قديما لعبد المطلب قبل أن يتزوج عبد الله آمنة وأراد- صلى الله عليه وسلّم- تنبيه أصحابه بأنه لا بد من ظهوره، وإن العاقبة له لتقوى قلوبهم إذا عرفوا أنه- صلى الله عليه وسلم- ثابت غير منهزم.
الرابع عشر: في إشهاره- صلى الله عليه وسلم- نفسه الكريمة في الحرب غاية الشجاعة وعدم المبالاة بالعدو.
الخامس عشر: في تقدمة- صلى الله عليه وسلّم- قبل الكفار نهاية الشجاعة، وفي نزوله- صلى الله عليه وسلم- عن البغلة حين غشوة مبالغة في الثّبات والشّجاعة والصبر، وقيل: فعل ذلك مواساة لمن كان نازلا على الأرض من المسلمين.
السادس عشر: في حديث سلمة بن الأكوع وغيره «إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب» إلخ.
وفي حديث ابن مسعود أن رسول- صلى الله عليه وسلم- قال له حين انهزم أصحابه «ناولني كفا من تراب» فناوله، وفي حديث ابن عباس عن البراء أن عليا ناول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- التّراب فرمى به في وجوه الكفّار، والجمع بين ذلك إن النبي- صلى الله عليه وسلم- أولا قال لصاحبه «ناولني» فناوله، فرماهم، ثم نزل عن البغلة فأخذ بيده فرماهم أيضا، فيحتمل أن الحصى في إحدى المرتين وفي الأخرى التّراب، وأن كلا ممن ذكر ناوله.
السابع عشر: في رميه- صلى الله عليه وسلّم- الكفار، وقوله: «انهزموا وربّ الكعبة» إلخ، معجزتان ظاهرتان لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- إحداهما فعليّة، والأخرى خبرية، فإنه- صلى الله عليه وسلم- أخبر بهزيمتهم ورماهم بالحصى فولوا مدبرين. وفي رواية استقبل وجوههم فقال «شاهت الوجوه» . وهنا أيضا معجزتان فعلية وخبرية.
الثامن عشر: في قول العباس: فو الله لكأن في عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها. إلخ دليل أنّ فرارهم لم يكن بعيدا.
التاسع عشر: في عقر علي- رضي الله عنه- بعير حامل راية الكفّار دليل على جواز عقر فرس العدو ومركوبه إذا كان ذلك عونا على قتله.
العشرون: في انتظار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بقسم غنائم هوازن إسلامهم جواز انتظار الإمام بقسم الغنائم إسلام الكفار ودخولهم في الطاعة فيه وردّه عليهم غنائمهم ومتاعهم.
الحادي والعشرون: اتفقوا على أنه لا يقبل قول من ادّعى السّلب إلّا ببيّنة تشهد له.
ونقل ابن عطيّة عن أكثر الفقهاء أنّ البيّنة هنا شاهد واحد يكتفي به.
الثاني والعشرون: قال في العيون أخذا من الرّوض فرار من كان معه- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين قد أعقبه رجوعهم إليه بسرعة وقتالهم معه حتى كان الفتح، وفي ذلك نزل وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً إلى قوله: غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة ٢٥: ٢٧] كما قال فيمن تولّى يوم أحد (ولقد عفى الله عنهم) أن اختلف الحال في الوقعتين. وقال الحافظ: العذر لمن انهزم من غير المؤلفة أن العدوّ كانوا ضعفهم في العدد وأكثر من ذلك، وكذا جزم في النور بأنّ هوازن كانوا أضعاف الذين كانوا معه- صلى الله عليه وسلّم.
حنين- بحاء مهملة ونون مصغر: واد إلى جنب ذي المجاز قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا، قال أبو عبيد البكري سمي باسم حنين بن قانية بن مهلائيل.
والأغلب عليه التذكير، لأنّه اسم ماء. وربما أنثته العرب، لأنه اسم للبقعة. فسمّيت الغزوة باسم مكانها.
هوازن- بفتح الهاء وكسر الزّاي، قبيلة كبيرة من العرب، فيها عدة بطون، وهي: هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة- بخاء معجمة فصاد مهملة ففاء مفتوحتان- بن قيس عيلان- بعين مهملة، بن إلياس بن مضر أبو الزّناد- بكسر الزّاي، وبالنّون، وبالدّال المهملة.
ثقيف- بثاء مثّلثة بوزن أمير: اسمه قسيّ- بفتح القاف وكسر السين المهملة وتشديد الياء- بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة- بفتح الخاء المعجمة، والصّاد المهملة، وبالفاء- ابن قيس عيلان.
أشفقوا: خافوا.
لا ناهية له: أي نهي: أي مانع.
حشدوا: اجتمعوا.
أجمعوا أمرا: أي عزموا عليه.
نصر- بفتح النون، وسكون الصاد المهملة، وبالراء: اسم قبيلة.
جشم- بضم الجيم وفتح الشين المعجمة: لا ينصرف للعلمية والعدل عن جاشم: أبو قبيلة كبيرة، وهو معاوية بن بكر بن هوازن بن قيس عيلان- بفتح المهملة، لقب قيس باسم عبد كان يملكه، وقيل باسم فرس له كعب وكلاب بن أبي براء- بفتح الموحدة وتخفيف الراء وبالمد. وحكى القصر.
ناوأه: عاداه.
دريد- بضم الدال المهملة، وفتح الرّاء، وسكون التحتية وبالدال المهملة.
الصّمة- بكسر الصاد المهملة، وتشديد الميم- واسمه، الحارث بن بكر أو ابن الحارث بن بكر بن علقمة بن معاوية بن بكر هوازن الجشمي- بضم الجيم وفتح الشين- من بني محرب- بكسر الميم وإسكان الحاء المهملة ثم راء مفتوحة ثم موحدة يقال رجل محرب- بكسر الميم: صاحب حروب أوطأ العرب: علاهم وقهرهم.
أجلى يهود: أخرجهم.
الذّل- بضم الذال المعجمة: الضعف والهوان.
الصّغار- بفتح الصاد المهملة: الضيم.
يومك هذا له ما بعده.
طوى عنه الخبر: كتمه.
الظّعن- بضمّ الظاء المعجمة المشالة، والعين المهملة.
أوطاس- بفتح أوله وسكون الواو وبالطاء والسين المهملتين: واد في ديار هوازن، والصحيح أنه غير وادي حنين، وسيأتي بيان ذلك في السّرايا.
عسكر- موضع كذا: جمع عسكره به.
الأمداد: جمع مدد بفتحتين، وهو الجيش.
الشّجار- بكسر الشين المعجمة وبالجيم والراء: مركب مكشوف دون الهودج. ويقال له شجر أيضا.
مجال الخيل- بفتح الميم، وبالجيم المخففة، وباللّام.
الحزن- بفتح الحاء المهملة، وسكون الزّاي، وبالنّون: ما غلظ من الأرض الضّرس- بكسر الضاد المعجمة، وسكون الراء، وبالسين المهملة: الأكمة الخشنة، وفي الإملاء: هو الموضع فيه حجارة محدّده.
السهل: ضد الحزن.
دهس- بفتح الدال المهملة، والهاء، وبالسّين المهملة. والدهاس مثل اللّيث واللّباث: المكان السّهل اللّيّن الذي لا يبلغ أن يكون رملا وليس هو بتراب. ولا طين، وفي الإملاء: ليّن كثير التراب.
رغاء الإبل- بضم الراء وبالغين المعجمة والمد: صوتها.
نهاق الحمير بضم النون وتخفيف الهاء وبالقاف: صوتها.
بعار الشّاء- بضمّ التّحتية وبالعين المهملة المخففة وبالراء: صوتها.
خوار البقر- بضم الخاء المعجمة، وبالواو والراء: صوتها.
ولم- بفتح الميم: على الاستفهام.
فأنقض به- بفتح الهمزة، وسكون النون، وفتح القاف، وبالضّاد المعجمة السّاقطة قال في الروض: صوّت بلسانه من فيه، من النقيض وهو الصّوت، وقيل: الإنقاض بالإصبع الوسطى والإبهام كأنه يدفع بهما شيئا، وفي الإملاء، أي زجره كما تزجر الدابة، والإنقاض للدابة أن تلصق لسانك بحنكك الأعلى وتصوت به.
راعي ضأن: يجهّله بذلك.
فضح- بالبناء للمفعول.
البيضة هنا- الجماعة، وبيضة الثانية بالجر بدلا من الأولى.
عليا- بضم العين المهملة مقصور.
ممتنع- بضم الميم الأولى، وسكون الثّانية وفتح الفوقية، وكسر النون وبالعين المهملة.
الصّبّاء- بضم الصاد المهملة، وتشديد الموحدة، قال في الإملاء: جمع صابئ، وهم المسلمون عندهم كانوا يسمونهم بهذا الاسم لأنهم صبئوا من دينهم أي خرجوا وقال في النور: أي الّذين يشتهون الحرب ويميلون إليها، ويحبون التّقدّم فيها والبراز: قاله في النهاية.
المتون- جمع متن: الظّهر.
بين أضعاف الخيل: بين أثنائها أو متقدمة دريئة.
ألفاك ذلك- بالفاء أي وجدك أو صادفك.
كبر عقلك- بكسر الموحدة: يشير إلي إنه قد خرف.
الجذع- بفتح الجيم، والذال المعجمة، وبالعين: ما قبل الثّنى، والجمع جذعان وجذاع مثل جبل وجبال، والأنثى جذعة، والجمع جذعات- بضم الجيم وكسرها: أي يا ليتني في هذه الحرب جذع، أي شاب.
الخبب: ضرب من السّير وهو خطو فسيح دون العنق.
الوضع: ضرب من السّير وهو الإسراع، قال الفراء: هو مثل الخبب.
الوطفاء بفتح الواو وبطاء مهملة ساكنة وبالفاء والمد: الطويلة الشعر.
الزّمع- بفتح الزّاي، والميم، وبالعين المهملة: الشعر الذي فوق مربط قيد الدّابة، يريد فرسا صفتها كذا، وهو محمود في وصف الخيل.
الشّاة- هنا الوعل- بفتح الواو، وكسر العين المهملة، وتسكّن، وباللام: ذكر الأروى وهي الشّاة الجبلية والجمع: وعول مثل: فلس وفلوس، والأنثى: وعلة- بكسر العين، وسكونها، والجمع: وعال، مثل كلبة وكلاب.
صدع- بفتح الصّاد، والدّال، وبالعين المهملات: وصف للوعل، وهو الوسط منها، وليس بالعظيم ولا الصّغير، ولكنّه وعل بين الوعلين.
الحدّ- بفتح الحاء وبالدال المهملة: المنع.
الجد- بجيم مكسورة: الشّجاعة والجرأة.
يوم علاء- بفتح العين المهملة وبالمد- الرفعة، وإنّما عطفها عليه لاختلاف اللفظ.
ذانك: تثنية ذا اسم إشارة.
الجذعان: تثنية جذع، يريد أنّهما ضعيفان في الحرب بمنزلة الجذع في سنه الكمين: الجيش المستخفي في مكمن- بفتح الميمين- بحيث لا يفطن به ثم ينهض على العدوّ وعلى غفلة منهم، وجمعه كمناء، كأمير وأمراء، يقال كمن كمونا، من باب قعد قعودا: توالى واستخفى.
كرّ- بفتح الكاف والراء المشددة: رجع.
الحملة لك: الغلبة.
لم يفلت- بضمّ التحتية وسكون الفاء.
مقدمة الجيش- بكسر الدال وقد تفتح: الجماعة تتقدمه.
بنو سليم: بالتصغير.
ينحّى يعدل به.
السّنن- بفتح السين المهملة والنون الأولى: الطريق.
شرح غريب استعماله - صلى الله عليه وسلم - عتابا، واستعارته من صفوان بن أمية أدرعا، وبعثه عبد الله بن أبي حدرد، وخروجه للقاء هوازن
عتّاب- بفتح العين المهملة، والفوقية المشددة، وبالموحدة.
أسيد- بالسّين والدّال المهملتين وزن أمير.
أجمع السّير: عزم عليه.
ذكر له: بالبناء للمفعول.
أعرنا- بفتح أوله.
أبو حدرد- بمهملات كجعفر، واسمه سلامة بن عمير.
الخباء- بكسر الخاء المعجمة ككتاب: واحد الأخبية من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت.
الأغمار- بفتح أوله، وبالغين المعجمة: جمع غمر بضمتين وتسكن الميم: وهو الرّجل الّذي لم يجرّب الأمور.
الجفون- بضم الجيم: جمع جفن- بفتح الجيم، وهو هنا غلافة السّيف، وقد يجمع على أجفان.
الخيف- بفتح الخاء المعجمة، وسكون التحتية وبالفاء، وهو في الأصل المنحدر من غلظ الجبل، قد ارتفع من مسيل الماء، فليس شرفا ولا حضيضا.
كنانة- بكسر الكاف، وبنونين مخفّفا.
تقاسموا: تحالفوا وتعاهدوا جهينة- بالجيم: مصغّر.
مزينة: مصغر، بالزّاي والنّون.
أسلم بهمزة مفتوحة، فسين مهملة ساكنة، فلام مفتوحة، فميم غفار- بكسر الغين المعجمة وبالفاء.
أشجع- بفتح أوله، وبالشّين المعجمة، والعين المهملة: الجميع أسماء قبائل.
الطّلقاء- بضم الطاء المهملة، وفتح اللام: الذين أسلموا يوم فتح مكة من أهلها ممّن غلبهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأطلقهم أو خلّى سبيلهم دنا: قرب.
بدأ بكذا: قدمه.
كبت الله عدوّك: أخزاه وأذلّه وصرفه وغاظه وأهلكه.
لم يغادر: لم يترك.
النّظّار- بضم النون: جمع ناظر.
الصّدمة- بفتح الصاد المهملة.
أوقر بعيره: حمّله.
ذات أنواط: شجرة عظيمة قرب مكة، كانت الجاهلية تأتيها كل سنة تعظمها وتعلّق عليها سلاحها ويذبح عندها. يقال ناط الشّيء ينوطه نوطا علّقه، وكل ما علّق من شيء فهو نوط- بفتح النّون، والجمع: أنواط، وهي المعاليق.
يعكفون عليها: يلزمونها ويواظبون على خدمتها.
الحذو- بفتح الحاء المهملة، وسكون الذال المعجمة.
القدر- بفتح القاف، وسكون الدال.
القذّة بالقذة- بكسر القاف فيها أخص من القدّ: وهو سير يقدّ من جلد غير مدبوغ.
أطنبوا السّير: بالغوا فيه.
عن بكرة أبيهم- بفتح الموحدة، وسكون الكاف: هذه كلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفّر العدد، وأنهم جاءوا جميعا لم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بكرة في الحقيقة، وهي الّتي يستقى عليها الماء، فاستعيرت في هذا الموضع.
أبو مرثد- بفتح الميم، وسكون الرّاء، وبفتح الثّاء المثلّثة، وبالدّال المهملة.
نغرّن- بضم النون وفتح الغين المعجمة والراء المشددة.
قبلك- بكسر القاف، وفتح الموحدة، واللّام: أي من جهتك.
ثوّب بالصّلاة: التّثويب هنا إقامة الصّلاة، والأصل في التثويب أن يجيء الرّجل مستصرخا فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر، فسمّي الدّعاء تثويبا لذلك، وكلّ داع مثوّب، وقيل إنما سمي تثويبا من ثاب يثوب إذا رجع، فهو رجوع- إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة، فإن المؤذّن إذا قال حي على الصلاة، فقد دعاهم إليها، فإذا قال بعده: الصّلاة خير من النّوم فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها.
خلال الشّجر: أي الفرج بينها.
أوجبت: أي عملت موجبا للجنّة.
التّبيان: البيان.
سليم- بضم السين المهملة، وفتح اللام، وسكون التحتية.
غسّان- بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة، قال النّوويّ: المسموع في كتب [أهل] الحديث ورواياتهم غير منصرف وذكره ابن فارس في باب غسن، وهذا تصريح بأنه يجوز صرفه.
العضادة- بكسر العين المهملة، وبالضّاد المعجمة: جانب الشيء.
الأجربان: سماهم بذلك تشبيها بالأجرب الذي يغرّب.
عبس- بفتح المهملة وسكون الموحدة: بطن من غطفان ومن الأزد بن مراد.
ذبيان- بضم الذال المعجمة وكسرها من زبيت شفته أي ذبلت من العطش، وهو إذا فعلان ينصرف للعلمية والزيادة «شمر سيفك» أدخله في غمده «عيون المشركين» جمع عين وهو الجاسوس، يقال جسّ الأخبار وتجسسها تتبعها لأنه يتبع الأخبار ويفحص عن بواطن الأمور، ثم استعير لنظر العين «تفرقت أوصالهم» : أي مفاصلهم جمع وصل بالكسر، وهو كل عظم على حدة لا يكسر ولا يخلط به غيره «الذعر» بضم الذال المعجمة: الخوف.
لم يثنه الأمر: لم يرده.
واد أجوف: متسع.
خطوط- بخاء مفتوحة فطاء مضمومة، فواو ساكنة فطاء أخرى مهملات منحدر، أوعز إليه بالعين المهملة والزّاي: تقدم إليه.
ربيع بن أنس بلفظ اسم الشهرة.
بنو شيبان- بفتح الشين المعجمة، وسكون التّحتية، وبالموحّدة، والنون: هو شيبان بن ذهل، قبيلة من بكر بن وائل.
فصل من مكّة: خرج.
حزام- بالزّاي والد حكيم، وكذا كل مكي قرشي، وحرام بالراء في الأنصار.
شرح غريب ذكر كيفية الوقعة
مضايق- جمع مضيق.
عماية الصبح- بفتح العين المهملة وتخفيف الميم: بقية ظلمته.
شعابه- جمع شعب: وهو ما انفرج بين الجبلين.
أجنابه: جوانبه.
راعنا: أفزعنا.
الكتائب- بالفوقية جمع كتيبة: وهي الطائفة المجتمعة من الجيش شدوا علينا: حملوا يقتلوننا.
سواد العسكر: ما يشتمل عليه من الدّواب والمضارب وغيرهما.
الغبش- بفتح الغين المعجمة، وسكون الموحدة، وبالمعجمة: ظلامه.
إن شعرنا: ما علمنا.
انكشف الخيل وتبعهم الناس منهزمين هذا مجاز، لم ينهزم كل الناس، ولا نعرف في موطن من المواطن أن كل الناس انهزموا.
ما يلوون على شيء: لا يبقون عليه.
النّقع- بفتح النون، وسكون القاف: الغبار.
انحاز: إلى كذا تنحّى إليه.
هلمّ إلى: اسم فعل في لغة الحجازيين فلا يبرز فاعلها، وفعل في لغة تميم فيقولون هلمّ وهلمّي وهلمّوا وهلممن.
الشّبّان- بضم الشين: جمع شاب، وهو سن قبل الكهولة.
سرعان الناس- بفتح السين والراء: أوائلهم.
كأنّها رجل جراد بكسر الراء وسكون الجيم، الجماعة الكثيرة من الجراد خاصته، وهو جمع على غير لفظ الواحد.
أطنّ قدمه بنصف ساقه: قطعها، يراد بذلك صوت القطع.
انجعف: وقع.
اجتلد الناس: تضاربوا بالسّيوف.
الجفاة- جمع جاف: وهو الغليظ الطبع، والمراد هنا- والله أعلم- من كان غليظا على الإسلام. ممّن لم يتمكن الإيمان في قلبه.
الضّغن- بكسر الضّاد، وإسكان الغين- المعجمتين- وبالنون- الضغينة بالفتح- وهما: الحقد.
الأزلام: القداح التي كانت في الجاهليّة، واحدها زلم- بفتحات- عليها مكتوب الأمر والنهي، إفعل ولا تفعل، كان الرجل من المشركين يضعها في وعاء له، فإذا أراد سفرا أو زواجا أو أمرا مهما أدخل يده وأخرج منها زلما، فإن خرج الأمر مضى لشأنه، وإن خرج النّهي كفّ عنه فلم يفعله.
الكنانة: جعبة السهام.
جبلة: كذا عند ابن إسحق، وهو تصحيف، وصوابه كلدة- بفتح الكاف واللام بن الحنبل بفتح الحاء المهملة وسكون النون وبالموحدة، ويقال: ابن عبد الله بن الحنبل، أسلم بعد ما قال بحنين ما قال.
فضّ الله فاه: أسقط أسنانه، والفضّ: الكسر بالتفرقة.
يربّني- بضم الراء: يملكني ويدبر أمري ويصير لي ربّا أي سيّدا.
المازني- بكسر الزاي والنون.
كاد: قرب.
حاجب الشمس: ناحيتها.
يا للأنصار- بفتح اللام.
عبّاد- بفتح العين المهملة وبالموحدة المشددة.
بشر بكسر الموحّدة، وسكون المعجمة.
أبو نائلة- بهمزة بعد الألف على صورة الياء.
لا يجبرونها: أي: لا مجبر منها.
الشّعار- بكسر الشين المعجمة، والعين المهملة: العلامة التي كانوا يتعارفون بها.
شرح غريب ذكر ارادة شيبة بن عثمان والنضير بالتصغير بن الحرث الفتك برسول الله - صلى الله عليه وسلم
الفتك: القتل على غفلة، أو القتل مطمئنا مجاهرة.
عنوة- بعين مهملة مفتوحة، فنون ساكنة، فواو مفتوحة، فتاء تأنيث: قهرا وغلبة.
المرصد- بكسر الصاد المهملة: اسم فاعل.
اقتحم عن بغلته: ألقى نفسه عنها.
أصلت السّيف: سله من غمده.
أسوّره- بفتح السين المهملة وكسر الواو المشددة: أعلوه.
سورة- بفتح السين المهملة، وسكون الواو، وفتح الرّاء، وسورة الخمر وغيره: حدّتها، والمجد أثره وعلامته وارتفاعه، والبرد شدّته، والسطان شدته واعتداده.
الشّواظ- بضم الشين المعجمة وكسرها: اللهب الّذي لا دخان فيه.
يتمحّشني- بتحتية ففوقية مفتوحتين، فميم مفتوحة، فحاء مشددة وشين معجمة: يحرقني.
مشيت القهقرى: المشي إلى خلف من غير أن يعيد وجهه إلى جهة مشيه.
يا شيب: منادى مرخّم، ويجوز فيه ضم الموحدة وفتحها.
شرحبيل- بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة، وكسر الموحدة، وباللام.
العبدري، بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة، وآخره راء فياء نسب.
الدّبرة- بفتح الدال المهملة وبالموحدة وتسكن: الهزيمة، وهو اسم من الإدبار.
الفئتان- تثنية فئة بكسر الفاء وبالهمز: الفرقة من النّاس جمعها فئون وفئات.
الحيز- بالحاء المهملة المفتوحة والتحتية الساكنة وبالزاي الناحية.
عمدت له: قصدت.
إليك إليك: اسم فعل بمعني الزم أو انتبه الرّعب: الفزع.
حلب ناقة: أي قدر ذلك.
يا للخزرج- بفتح اللّام.
أرعدت جوارحي: ارتعشت.
غبّرات الناس بضم الغين المعجمة وفتح الموحدة المشددة: جمع غبر كذفر: وهو جمع غابر، وهو هنا بمعنى الباقي.
خمر الشجر- بفتح الخاء المعجمة والميم وبالراء: ما وراك منه.
الجعرانة- بكسر الجيم وسكون العين- خفّف الأكثر الراء وشدّدها غيرهم: موضع على سبعة أميال من مكة من جهة الطائف.
العبر- بكسر العين المهملة وفتح الموحدة جمع عبرة بفتح أوله وكسر ثانيه: وهي الاعتبار والتفكر في عواقب الأمور.
لقيته كفّة كفّة- بكسر الكاف فيهما، أي كفاحا، وذلك إذا استقبلته مواجهة، وهما اسمان جعلا واحدا وبنيا على الفتح مثل خمسة عشر.
آن لك وحان أي قرب فيه.
توضع: تسرع.
شرح غريب ذكر ثبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم
فروة: بلفظ اسم الملبوس.
نفاثة- بضم النون وتخفيف الفاء وآخره ثاء مثلثة.
الجذامي بضم الجيم، وبالذال المعجمة.
طفق: شرع.
قبل- بكسر القاف، وفتح الموحدة: تلقاءه أي جهته.
يركض: يسرع.
آخذ- بمد أوّله، وكسر الخاء المعجمة.
الحكمة- بفتح الحاء المهملة، والكاف، والميم، وبتاء تأنيث: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس، وحنكيه تمنعه من مخالفة راكبه.
شجرتها- بشين معجمة، أي ضربتها بالحكمة حتى فتحت فاها.
المقنّع- بضم الميم وفتح القاف، والنّون المشددة، وبالعين المهملة: الذي على رأسه البيضة.
أنشدك ما وعدتني: أسألك ذلك.
لا يظهروا علينا: يغلبونا.
أصحاب السّمرة، يشير بذلك إلى أصحاب بيعة الحديبية، لأنّهم بايعوا تحت الشّجرة، وكانت سمرة.
يا أصحاب سورة البقرة: خصّت بالذّكر حين الفرار لتضمنها كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة ٢٤٩] أو لتضمنها وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة ٤٠] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [البقرة ٢٠٧] .
الحرجة- بفتح الحاء المهملة والرّاء، وبالجيم: مجتمع شجر ملتف كالغيضة، والجمع حرج وحراج.
يثني بعيره بفتح أوله: يدير رأسه صوب رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
الدرع من الحديد: مؤنثة، ولهذا قال فيقذفها، أي يرميها.
يؤم الصوت: يقصده.
صبّر عند اللقاء- بضم الصاد المهملة، وتشديد الموحدة المفتوحة: أي أشداء أقوياء.
مجتلدهم- بميم مضمومة، فجيم ساكنة، فمثناة فوقية، فلام مفتوحتين: موضع جلادهم، أي ضرابهم.
المتطاول: الذي مدّ عنقه لينظر إلى الشيء يبعد عنه.
الوطيس: هو شيء كالتنور يخبز فيه شبه شدة الحرب به، وقيل: حجارة مدوّرة إذا حميت منعت الوطء عليها، فضرب مثلا للأمر يشتد.
حدّهم- بفتح الحاء: قوّتهم.
كليلا: ضعيفا.
أفاء الله على رسوله أموالهم: غنّمه ذلك.
الفهري- بكسر الفاء، وسكون الهاء.
كرز- بضمّ الكاف، وسكون الرّاء، وبالزّاي.
قائظ: شديد الحر.
اللأمة: الدّرع.
الفسطاط- بضمّ الفاء وتكسر بيت من شعر: حان الرواح: قرب.
أجل: كنعم، وزنا ومعنى.
دفتاه: دفّ الرّجل ودفّته- بالفتح، وتشديد الفاء جانب كور البعير وهو سرجه، والدّف والدفة: الجانب من كل شيء.
الأشر- بفتحتين: البطر وكفر النّعمة وعدم شكرها. قال الراغب: الأشر: أبلغ من البطر، والبطر: أبلغ من الفرح، فإنّ الفرح وإن كان في أغلب أحواله مذموما كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص ٧٦] فقد يحمد تارة إذا كان على قدر ما يجب، وفي الموضع الذي يجب قال تعالى: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس ٥٨] وذلك أن الفرح قد يكون من سرور بحسب قضيّة العقل فليس بمكروه، والأشر لا يكون إلا فرحا بحسب قضيّة الهوى.
تسامت الخيلان: [تبلدت وتطاولت] حثاها: ألقاها.
شاهت وجوههم: تشوّهت وقبحت.
الصّلصلة: صوت كل ذي صوت.
الطست: تقدم الكلام عليه في الرضاع وفي الكلام على شق صدره الشريف فراجعه.
دلدل- بضم الدّالين المهملتين، وسكون اللام الأولى بينهما، وسيأتي الكلام عليها في ذكر بغاله- صلى الله عليه وسلّم.
حم: أشبعت الكلام على الحروف المقطعة في أوائل كتاب «القول الجامع الوجيز الخادم للقرآن العزيز» فراجعه.
السوائي- بضم السين المهملة، وتخفيف الواو والهمزة بعد الألف.
القذى- بالقاف والذال المعجمة: ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو طين أو وسخ أو غير ذلك: جمع قذاة، وجمع القذى أقذاء.
اهتف بهم: صح وادعهم.
الشهب: جمع شهاب.
السّبيعي- بفتح السين المهملة وكسر الموحدة فتحتية فعين مهملة.
حسر- بضم الحاء وفتح السين المهملتين وبالراء.
الثّنيّة: كلّ عقبة مسلوكة.
احمرّ البأس- بكسر أوله، وسكون الحاء المهملة، وفتح الميم، وتشديد الراء: اشتدت الحرب.
غشوه: ازدحموا عليه وكثروا.
شرح غريب ما قيل أن الملائكة قاتلت يوم حنين
قوله مسوّمين: معلمين.
البجاد- بكسر الموحّدة، وتخفيف الجيم، وبالدّال المهملة: الكساء، جمعه أبجد نمل مبثوت: متفرق.
أم برثن- بضم الموحدة، وسكون الراء، وضمّ الثّاء المثلثة، وبالنون- وقيل بالميم كببناهم: قلبناهم راجعين.
تطن- بفوقيّة، فطاء مهملة، تصوّت.
الخفقان: الاضطراب والتحرك.
الطّساس- جمع طست وتقدم الكلام عليه في الكلام على شق صدره الشريف.
الكتائب- جمع كتيبة بفتح الكاف، وكسر الفوقيّة: وهي الطّائفة المجتمعة من الجيش.
ما يليقون- بيائين تحتيين بينهما لام مكسورة فقاف، يقال: لا يليق بك: لا يعلق.
الرّعدة- بالكسر: اسم من ارتعد إذا اضطرب.
شرح غريب ذكر من ثبت معه - صلى الله عليه وسلم - يومئذ
حارثة بن النعمان- بحاء مهملة، فألف، فراء، فمثلّثة.
نكص على عقبه بنون، فكاف، فصاد مهملة مفتوحات رجع.
الحكم- بفتحتين.
عتبة بن أبي لهب- بضم العين المهملة، وسكون الفوقية، وبالموحدة.
معتّب- أخوه بضم الميم، وفتح العين المهملة وكسر الفوقية المشددة وبالموحدة.
أبو دجانة- بضم الدال المهملة، وبالجيم المخففة، والنون.
أبو بشير المازنيّ كأمير.
الحضير- بضم الحاء المهملة، وكسر الضاد المعجمة، وسكون التحتيّة أم سليم- بضمّ أوّله.
ملحان- بكسر الميم، وفتحها، قال في المطالع: والأوّل أشهر، وعليه اقتصر ابن الأثير والنووي.
نسيبة ككريمة وقيل بالتصغير.
يغر بها الجمل بالغين المعجمة.
الخزام- بكسر الخاء المعجمة.
برة- بضمّ الموحّدة، وتخفيف الراء: حلقة من صفر ونحوه يشد في أنف النّاقة، يشد بها الزمام.
الخطام- بكسر الخاء المعجمة: ما يقاد به الجمل.
الخنجر- بفتح الخاء المعجمة وكسرها سكّين كبير.
بعج بطنه: شقه.
جمل أورق: في لونه بياض إلى السّواد، أو يضرب لونه إلى الخضرة.
يوضع به جمله: يسرع.
أثبته: أصاب مقتله.
مصلت السيف: مخرجه من غمده.
الغمد- بكسر الغين المعجمة: قراب السّيف.
ناقة فتوح- بفتح الفاء، وضم الفوقية المخففة: واسعة الإحليل.
بنو مازن- بكسر الزّاي.
الشّعار: العلامة في الحرب.
صعصعة بمهملات وفتح أوله، وسكون ثانيه.
اليعسوب- بفتح التحتية، وسكون العين، وضمّ السّين المهملتين وبالموحدة: ملك النحل.
النّسمة- بفتحات: الإنسان.
لن تعلوه: لن تشربوا منه مرّة ثانية.
لن تغلوه: لن تعذبوه.
ثاب- بالمثلّثة: رجع.
اجزروهم: استأصلوهم.
المشقص- بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح القاف: سهم فيه نصل عريض.
الكنانة- بكسر الكاف: ما يجعل فيه السّهام.
بجاد- بفتح الموحدة وبالجيم والدال المهملة، ولم أر له ذكرا في الصحابة وكأنه لم يسلم.
الشّيماء: تقدم الكلام عليها في الرّضاع.
وما علامة ذلك- بكسر الكاف: خطاب المؤنث.
متورّكتك: أي جعلتك على وركي.
وادي السّرر- بكسر السين المهملة وبضمّها وفتح الرّاء: على أربعة أميال من مكة.
البهم بفتح الموحدة.
أطلان بفتح الطاء المهملة وباللّام.
محبّبة- بضم الميم، والموحدة المشددة اسم مفعول وكذا مكرّمة.
وافاها: [لحق بها] عسكروا بأوطاس: اجتمعوا.
نخلة- بالخاء المعجمة: اسم موضع.
بنو غيرة- بكسر الغين المعجمة، وفتح التحتية، وبالرّاء: بطن من ثقيف.
ربيعة- براء، فموحدة، فمثناة، فعين مهملة.
رفيع بالتصغير.
أهبان- بضم أوله.
العجان- بكسر العين المهملة، وبالجيم، والنّون: ما بين الخصية وحلقة الدّبر.
الثّنيّة: الطريق في الجبل.
ليّة- بكسر اللام، وفتح التحتية المشدّدة: جبل بالطائف، كان به حصن مالك بن عوف سراقة- بضم السين المهملة.
رقيم- بضمّ الرّاء، وفتح القاف.
لوذان- بفتح اللام، وسكون الواو، وبالذال المعجمة.
زمعة- بفتح الزّاي والميم وبسكونها، وبالعين المهملة.
جمح به فرسه: استعصى عليه.
الجناح- بلفظ جناح الطّائر.
استحرّ القتل: اشتدّ وكثر. وهو استفعل من الحرّ.
ذو الخمار: اسمه سبيع بن الحارث بن مالك لم يعلم له إسلام.
شرح غريب ذكر بركة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في برء جرح عائذ بن عمرو وفي الماء، ونهيه عن قتل النساء، وقوله: انا بن العواتك
عائذ- بهمزة بعد الألف، فذال معجمة.
الثّندؤة- بالثّاء المثلّثة، وسكون النون، وضم الدّال المهملة ومن ضمّ الثّاء: همز، ومن فتحها لم يهمز كالثّدي للمرأة.
حشرج- بفتح الحاء المهملة، وسكون الشين المعجمة، وفتح الراء وبالجيم.
سابلة: مستطيلة عريضة.
غرّة الفرس: بياض في جبهته فوق الدّرهم.
النّطفة- بضمّ النّون: والمراد بها هنا الماء الصّافي القليل.
الإداوة بكسر أوّله وبالدّال المهملة: المطهرة.
رباح- بفتح الرّاء، وتخفيف الموحّدة، وبالحاء المهملة.
ربيع بفتح الراء.
العسيف: الأجير لفظا ومعنى، وهو أيضا المملوك.
سيابة- بفتح السين المهملة وتخفيف التحتية وبالموحدة.
شرح غريب ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم - من قتل قتيلا فله سلبه
السّلب- بفتح السين المهملة، واللّام: ما يسلب، أي ينزع.
حبل العاتق: وهو الوريد، والعاتق: موضع الرّداء من المنكب.
أجهضت عنه: غيبت عنه وأزيلت.
أسود بن خزاعيّ- بضم الخاء المعجمة.
ربعي بكسر الراء.
الجولة: حركة فيها اختلاط.
يختله- بفتح التحتية، وسكون الخاء المعجمة، وكسر الفوقية: يأخذه على غرّة.
فقطعت الدّرع: أي الّتي كان لابسها، وخلصت الضربة إلى يده فقطعتها.
وجدت منها ريح الموت: أي شدّتها.
أرسلني: أطلقني.
أمر الله: حكمه وقضاؤه.
لاها الله- قال الجوهري: «ها» للتنبيه، وقد يقسم بها، يقال: ها الله ما فعلت كذا، قال ابن مالك: فيه شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التّنبيه، قال: ولا يكون ذلك إلّا مع الله، أي لم يسمع لاها الرّحمن، كما سمع لا والرّحمن، قال: وفي النّطق بها أربعة أوجه، أحدها: ها لله باللّام بعد الألف، بغير إظهار شيء من الألفين، ثانيها مثله، لكن بإظهار ألف واحدة بغير همز، ثالثها بثبوت الألفين وبهمزة قطع، رابعها بحذف الألف وثبوت همزة القطع، انتهى. والمشهور في الرّواية الثّالث ثم الأوّل.
إذا- قال الحافظ أقوال كثيرة ممّن تكلّم على هذا الحديث: أنّ الذي وقع فيه بلفظ إذا خطأ، وإنّما هو ذا تبعا لأهل العربية، ومن زعم أنّه ورد في شيء من الرّوايات خلاف ذلك فلم يصب، بل يكون ذلك من إصلاح بعض من قلّد أهل العربية، قد ثبت في جميع الرّوايات المعتمدة والأصول المحقّقة من الصّحيحين وغيرهما بكسر الألف، ثم ذال معجمة منونة، قال الطيبي: ثبت في الرّوايات «لاها الله إذن» والحديث صحيح، والمعنى صحيح، وهو كقولك لمن قال لك: أفعل كذا؟ فقلت: لا والله إذن لا أفعل، فالتّقدير: والله إذن لا يعمد إلى أسد..
إلخ. قال أبو العباس القرطبيّ: الّذي يظهر لي أن الرّواية المشهورة صواب وليست بخطأ، وذلك أنّ الكلام وقع على جواب إحدى الكلمتين للأخرى، والهاء هي التي عوّض بها عن واو القسم، وذلك أنّ العرب تقول في القسم: الله لأفعلنّ، بمدّ الهمزة وبقصرها، فكأنّهم عوضوا من الهمزة هاء فقالوا «ها لله» لتقارب مخرجيها، وكذلك قالوا: «ها» بالمدّ والقصر، وتحقيقه أنّ الّذي مد مع الهاء كأنّه نطق بهمزتين أبدل من إحداهما ألفا، استثقالا لاجتماعهما، كما تقول: «الله» . والّذي قصر كأنه نطق بهمزة واحدة كما تقول: «الله» . وأمّا إذا فهي بلا شك حرف جواب وتعليل، وهي مثل الّذي وقعت في قوله- صلى الله عليه وسلم-، وقد سئل عن بيع الرطب بالتّمر فقال «أينقص الرّطب إذا جفّ» قالوا: نعم قال: «فلا إذن» فلو قال: فلا والله إذا كان مساويا لما وقع هنا- وهو قوله: «لاها الله إذا» من كل وجه، لكنّه لم يحتج هنا إلى القسم فتركه، قال: فقد وضح تقدير الكلام ومناسبته واستقامته معنى ووضعا من غير حاجة إلى تكلّف بعيد يخرج عن البلاغة، ولا سيّما من ارتكب وأبعد وأفسد، فجعل «الهاء» للتّنبيه «وذا» للإشارة، وفصل بينهما بالمقسم به، قال: وليس هذا قياسا فيطرد، ولا فصيحا فيحمل عليه الكلام النّبوي، ولا مرويا برواية ثابتة. قال: وما وجد للعذرى والهروي في مسلم «لا ها الله ذا» فإصلاح ممّن اغترّ بما حكي عن بعض أهل العربية، والحق أحق أن يتّبع.
وقال أبو جعفر الغرناطي نزيل حلب- رحمه الله تعالى- استرسل جماعة من القدماء في هذا الإشكال إلى أن جعلوا المخلص من ذلك أن اتهموا الإثبات في التصحيف فقالوا: الصّواب «لاها الله ذا» باسم الإشارة، قال: ويا عجبا من قوم يقبلون التّشكيك على الرّوايات الثّابتة. ويطلقون لها تأويلا، وجوابهم أنّ «ها الله» لا يستلزم اسم الإشارة. كما قال ابن مالك، وأمّا من جعل لا يعمد جواب فأرضه فهو سبب الغلط وليس بصحيح ممن زعمه وإنما هو جواب شرط مقدّر يدلّ عليه قوله «إن صدق فأرضه» فكان «أبو بكر» قال: إذا صدق في أنه صاحب السّلب إذا لا يعمد إلى السّلب فيعطيك حقه، فالجزاء على هذا صحيح لأنّ صدقه سبب الا يفعل ذلك، قال: وهذا واضح لا تكلّف فيه، قال الحافظ: فهو توجيه حسن، والّذي قبله أقعد ويؤيده كثرة وقوع هذه الجملة في كثير من الأحاديث. وسردها الحافظ، وبسط الكلام على هذا اللفظ هو والشيخ في شرح الموطأ، فمن أراد الزّيادة على ما هنا فليراجع كلامهما رحمهما الله تعالى.
لا يعمد بالتحتية للأكثر، وللنووي بالنون: أي لا يقصد رسول الله- صلى الله عليه وسلم إلى رجل كأنه أسد في الشّجاعة يقاتل على دين الله ورسوله- فيأخذ حقه ويعطيكه بغير طيبة من نفسه.
كلّا: حرف ردع وزجر.
أصيبغ بمهملة، ثم معجمة عند القابسي. وبمعجمة ثم مهملة عند أبي ذر، قال ابن التين: وصفه بالضعف والمهانة. والأصيبغ نوع من الطّير، أو شبّهه بنبات ضعيف يقال له الصيغا إذا طلع من الأرض يكون أوّل ما يلي الشمس منه أصفر، ذكر ذلك الخطابي، وهذا على رواية القابسي، وعلى الرواية الثانية تكون تصغير الضّبع على غير قياس، كأنه لمّا عظّم أبو قتادة» بأنه أسد صغّر خصمه وشبهه بالضّبع لضعف افتراسه، وما يوصف به من العجز، وقال ابن مالك: أضيبع- بمعجمة وعين مهملة- تصغير أضبع، ويكنى به عن الضعيف.
ويدع- بالرفع والنصب والجزم أي يترك.
صدق: أي القائل.
فأعطه- بصيغة الأمر، يقول: اعترف بأن السّلب عنده.
المخرف- بفتح الميم، والرّاء، وسكون الخاء المعجمة بينهما، ويجوز كسر الراء، أي بستانا سمي بذلك لأنه يخترف منه التّمر أي يجتنى، وأما بكسر الميم فهو اسم الآلة الّتي يخترف بها.
في رواية خرافا- بكسر الخاء: وهو التّمر الذي يخترف أي يجتنى، وأطلقه على البستان مجازا فكأنه قال: بستان خراف.
في بني سلمة- بكسر اللّام: بطن من الأنصار، وهم قوم أبي قتادة.
تأثّلته بالفوقية والثّاء المثلّثة: أي تأصّلته، وأثلة كل شيء أصله.
اعتقدته جعلته عقدة، والأصل فيه من العقد لأن من ملك شيئا عقد عليه.
نتضحّى معه: نأكل وقت الضّحى.
انتزع طلقا: قيدا من جلود.
من حقبه- بفتح المهملة والقاف: حبل يشد به الرحل إلى بطن البعير ممّا يلي ثيله.
رقة من الظهر: ضعف.
ناقة ورقاء في لونها بياض إلى السواد ويضرب لونها إلى الخضرة.
اخترط سيفه: سلّه من غمده، وهو افتعل من الخرط.
الوبرة من البعير- بفتح الواو والموحدة.
عيينة- بضم العين المهملة وكسرها وفتح التحتية الأولى وسكون الثانية.
حصن- بكسر الحاء، وسكون الصّاد المهملتين، وبالنون.
ابن الأضبط- بوزن الأحمر بالضّاد المعجمة، والموحدة، والطاء المهملة.
محلّم- بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وكسر اللّام المشددة، وبالميم.
جثامة- بفتح الجيم، وتشديد الثّاء المثلّثة وبعد الألف ميم مفتوحة وتاء تأنيث واسمه زيد بن قيس.
خندف- بكسر الخاء المعجمة وسكون النون، وكسر الدّال المهملة، وبالفاء.
مكيتل- بضم الميم، وفتح الكاف، وسكون التحتية، وكسر الفوقيّة، واللّام، ويروى بكسر الثّاء المثلّثة، وباللّام.
الشّكة بكسر الشين المعجمة: السلاح.
والرّجل المجتمع: الذي بلغ أشدّه.
غرّة الإسلام بالغين المعجمة أوله «فورنا» بفتح الفاء وسكون الواو وبالراء هنا: الوقت الحاضر: الذي لا تأخير فيه، ثم استعمل في الحالة التي لا بطء فيها.
يؤزونه- بالزّاي يغرون ويهيجون.
ضرب- بفتح الضاد المعجمة وسكون الرّاء، وبالموحّدة، وهو هنا الخفيف اللّحم الممشوق المستدق.
آدم- بالمد: أسمر.
ينفذ به النّاس- بالنّون، والفاء، والذّال المعجمة: يسمعهم.
الحصين- بضم الحاء، وفتح الصاد المهملتين مصغر.
نهيك- ككريم- آخره كاف.
غمرة- بغين- معجمة مفتوحة، فميم ساكنة: منهل من مناهل طريق مكّة، يصل بين تهامة ونجد.
أطأ الخبر: أعلنه وأبينه.
معدن- بفتح الميم، وكسر الدّال المهملة.
سليم- بضم السين.
المصلّى- بضم الميم، وفتح الصّاد المهملة، واللّام المشدّدة: موضع الصّلاة، وهو موضع مصلّى النبي- صلى الله عليه وسلم في الأعياد خارج المدينة بالعقيق معروف.
شرح غريب قصيدة العباس الرائية
قوله: العائر- بعين مهملة وبعد الألف تحتية وبالراء: وجع العين.
سهر- بكسر الهاء: اسم فاعل من السّهر، وهو امتناع النّوم، وجعله سهرا، وإنما السهر أمر جميل لأنه لم يفتر فكأنّه قد سهر ولم ينم.
الحماطة- بفتح الحاء وتخفيف الميم وبعد الألف طاء مهملة فتاء تأنيث: وهي هنا بزّة تكون في جفن العين، وقال في الروض: هي من ورق الشجر ما فيه خشونة.
أغضى- بالغين، والضّاد المعجمتين وزن أعطى.
الشّفر- بضم الشين المعجمة، والفاء. قال في الإملاء: جفون العين.
تأوّبها- بفوقية، فهمزة مفتوحة، فواو مشدّدة مفتوحة فموحدة،: جاءها مع الليل.
الشّجو- بفتح الشين المعجمة، وسكون الجيم وبالواو: الحزن.
الأرق- بفتح الهمزة والراء والقاف: السهر، وهو امتناع النوم.
والماء: المراد به هنا الدّمع.
يغمره- بالغين المعجمة وضم الميم: يغطيه.
طورا: تارة.
السّلك- بكسر السين المهملة، وسكون اللّام، وبالكاف: الخيط الذي ينظم فيه.
منبتر- بميم مضمومة، فنون ساكنة فموحدة مفتوحة ففوقية مثناة: أي منقطع، ويروى منتثر- بالنون ففوقية فثاء مثلثة.
الصّمّان- بضم الصاد المهملة، وتشديد الميم، وبعد الألف نون: موضع إلى جنب أرض عالج، أي بالعين المهملة، فألف، فلام مكسورة فجيم: مكان بالبادية كثير الرّمال.
الحفر- بفتح الحاء المهملة والفاء، كما ذكره أبو عبيد البكري، والحازمي وخلائق: اسم لعدّة مواضع والله أعلم أيّها أراد العباس. وقول من قال يعني به: حفر الذي بالكوفة أو بالبصرة ليس ببيّن لأن العباس قال هذه القصيدة في غزوة حنين، والبصرة والكوفة حدثتا بعد النبي- صلى الله عليه وسلم- بدهر.
الزّعر- بفتح الزاي والعين: قلة الشّعر، وفي نسخة: الذّعر- بالذّال المعجمة والعين المهملة المضمومتين: وهو الفزع.
البلاء- بفتح الموحدة: الصّنع.
سليم الأولى والثانية- بضمّ السين المهملة وفتح اللام.
مفتخر- بالخاء المعجمة.
مشتجر- بكسر الجيم.
لا يغرسون فسيل النّخل- بفتح الفاء وكسر السّين المهملة، فتحتية ساكنة، فلام والجمع فسلات، وهو الوديّ بفتح الواو، وكسر الدال وتشديد التحتية: النّخل.
وسطهم- بإسكان السّين، وإن جاز فيه الفتح من حيث اللغة، لكنه ساكن لأجل الوزن مضموم الميم يعير بذلك أهل المدينة الشريفة.
ولا تخاور- بفوقية، فخاء معجمة، فألف، فواو مفتوحة وبالراء من الخوار، وهو أصوات البقر، ويروى: يجاور بالجيم والراء، ويحاوز بالحاء المهملة والزاي، وصوّب في الإملاء الأول.
السّوابح- بفتح السين المهملة وبعد الألف موحدة مكسورة: جمع سابح يقال: سبح الفرس في جريه فهو سابح.
العقبان- جمع كثرة للعقاب، وهو طائر من الجوارح، ولفظه مؤنث.
مقرب- بضم الميم، وسكون القاف وفتح الرّاء وبالموحدة، الفرس الذي يدنى ويكرم والأنثى مقربة ولا تترك أن ترود وإنما يفعل ذلك بالإناث لئلا يقرعها فحل لئيم.
الدارة: أخص من الدار.
الأخطار- جمع خطر- بكسر الخاء المعجمة وإسكان الطاء المهملة والراء، وهو القطيع من الإبل.
العكر- بفتح العين المهملة والكاف، ويجوز إسكانها، وهنا محركة لا غير للوزن: جمع عكرة: وهو القطيع الضّخم من الإبل ما بين الخمسين إلى المائة، وقيل: الخمسون إلى الستين إلى السبعين، وقيل إلى المائة، وقيل ما فوق الخمسمائة من الإبل، يقال: أعكر الرّجل إذا كان عنده عكرة.
خفاف- بضمّ أوله، وتخفيف الفاء- بن عمير بن الحارث بن رشيد السلمي المعروف بابن ندبة- بنون- وهي أمه، كان من فرسان قيس وشعرائها المذكورين، شهد حنينا، وثبت على إسلامه في الرّدّة.
وعوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي شهد الفتح وكانت معه راية أشجع- رضي الله عنه.
وحيّ ذكوان- بفتح الذال المعجمة وسكون الكاف.
الميل: بكسر الميم وإسكان التحتية وباللام جمع أميل: وهو الذي لا سلاح معه.
الضّجر- بضم الضاد المعجمة والجيم، جمع ضجور، والضّجر: الحرج وسوء الاحتمال.
الضاربون: جمع ضارب.
جنود- بالنّصب: مفعول اسم الفاعل.
ضاحية- بفتح الضّاد المعجمة، وبعد الألف حاء مهملة مكسورة، فتحتية فتاء تأنيث: منكشفة بارزة.
الظّاهر بالظاء المعجمة المشالة وهو من الأرض ما غلظ منها.
منقعر: منقلع من أصله.
ينجاب- بفتح التّحتيّة وسكون النون وبالجيم والموحدة: ينكشف.
السّاطع هنا: الغبار.
كدر: متغير إلى السّواد.
تحت اللّواء مع الضّحّاك، يقدمنا: كذا في الرّواية، وقال في الإملاء، ورواه الخشنيّ: تحت اللوامع. والضّحّاك هو ابن سفيان السلمي.
الليث- بالثاء المثلّثة من أسماء الأسد.
الخدر: الدّاخل في خدره، والخدر هنا غابة الأسود.
المأزق- بهمزة ساكنة: بعد الميم، والزّاي المكسورة وبالقاف: موضع الحرب، وأصله الضيق.
الكلكل- بفتح الكافين وإسكان اللّام الأولى: الصّدر.
يكاد يقرب: يأفل- بضم الفاء: يغرب.
تأوّب- بتشديد الواو المفتوحة وبالموحدة: رجع.
منازلهم: بالنّصب.
إلا قد أصبح بالنقل للوزن.
شرح غريب قصيدته السينية
قوله: تهوي به: تسرع.
الوجناء- غليظة الوجنات بارزتها، وذلك يدلّ على غور عينيها، وهم يصفون الإبل بغور العينين عند طول السّفاد، ويقال في الوجنة من الآدميين رجال موجنة وامرأة موجنة، ولا يقال وجناء.
مجمرة: مجتمعة منضمة.
المناسم- جمع منسم، بفتح الميم، وسكون النون وكسر السين المهملة، وهو مقدم طرف خف البعير.
العرمس- بكسر العين المهملة، وسكون الراء، وكسر الميم وبالسّين المهملة: الحجارة الصلبة، تشبّه بها النّاقة الشّديدة الجلدة، وهي المراد هنا.
المطيّ- جمع مطية: البعير لأنه يركب مطاه أي ظهره.
تقدع- بفتح الفوقية، وسكون القاف، وفتح الدّال، وبالعين المهملة: تكف.
الكماة- بضم الكاف. الشجعان واحدهم كمي.
تضرس- بضم الفوقية، وسكون الضّاد المعجمة، وفتح الرّاء، وبالسين المهملة، قال في الإملاء: تجرّح، وقال في الروض: تضرب أطرافها باللجم، يقال ضرس أي أصيبت أضراسه، كما تقول: رأس أي أصبت رأسه.
سال: ارتفع.
الأفناء- كأحمال: هنا أخلاط الناس.
بهثة- بفتح الموحدة وسكون الهاء، وبالثّاء المثلثة، وبتاء التأنيث: قبيلة من سليم.
المخارم- بالخاء المعجمة والراء: الطرق في الجبال، واحدها مخرم.
ترجس- بالجيم: تهتزّ وتتحرك.
الفيلق- بالفاء المفتوحة فالتحتية الساكنة، فاللام، فالقاف: الجيش.
شهباء: كثيرة السّلاح.
الهمام- بضم الهاء: السيّد.
الأشوس- بفتح أوله وسكون الشّين المعجمة، وفتح الواو، وبالسين المهملة: الذي ينظر بمؤخر عينيه متكبرا.
الأغلب: الشّديد الغليظ.
محكمة: متقنة.
الدّخال- بكسر الدال المهملة وبالخاء المعجمة واللّام: يعني نسيج الدروع.
القونس- بفتح القاف، وسكون الواو، وفتح النون وبالسين المهملة: أعلى بيضة الخوذة.
يروي- بضم التحتية، وسكون الراء.
القناة- بالقاف والنون: الرّمح.
الوغى- بفتح الواو، والغين المعجمة: الحرب.
تخاله: تظنه.
العضب- بفتح العين المهملة، وسكون الضّاد المعجمة السّاقطة وبالموحدة: السيف القاطع.
لدن- بفتح اللام وسكون الدال المهملة اللّين من كل شيء: مدعس: بكسر الميم وسكون الدال، وفتح العين وبالسين المهملتين- الشديد من الرماح الغليظ.
العرندس- بفتح العين وبالسين المهملتين الأسد الشديد.
دريئة- من روى دريئة بالهمز فمعناه: مدافعة، ومن رواه دريّة بتشديد التحتية فمعناه: تستر، وفي الروض الدريّة: الحلقة التي يتعلم عليها الرمي، أي كانوا كالدرية للرماح.
والشّمس يومئذ عليهم أشمس، يريد لمعان الشمس في كلّ بيضة من بيضات الحديد كأنها شمس، وهو معنى صحيح وتشبيه مليح.
كفت: قلبت ومنعت.
الإخاوة: مصدر أخا وآخى، والمعنى طلب اتخاذ الأخوة.
العير- بفتح المهملة: حمار الوحش.
تعاقبه السباع: مفرّس- بضم الميم، وفتح الفاء، والراء المشددة وبالسين المهملة: تعتور فرسته السّباع.
شرح غريب قصيدته الهائية
قوله: الحواسر: الجموع الذين لا درع عليهم، ويقال: رجل حاسر إذا لم يكن عليه درع.
عامل الرّمح: أعلاه.
يذود- بالذّال المعجمة، وبعد الواو المهملة: يطرد.
حومة الموت: معظمه.
شاجره: مخاصمه ومخالطه، ويحتمل أن يكون شاجره هنا مخالطه بالرّمح، يقال شجرته بالرّمح إذا طعنته به وشجرت الرّماح إذا دخل بعضها في بعض.
بطانة الرّجل: من كان حاط به مطّلعا على سرّه.
الشّعار: ما يلي جسد الإنسان من الثّياب، فاستعاره هنا.
شرح غريب قصيدته الميمية
قوله قديدا: تصغير قد، اسم موضع.
تماروا بنا: شكّوا فينا.
فتيان- جمع فتىّ.
الغاب بالمعجمة هنا: الرّماح.
دفّاع- بضم الدال المهملة وتشديد الفاء.
الأتيّ- بفتح أوله، وكسر الفوقيّة، وتشديد التحتية: السّيل يأتي من بلد إلى بلد.
العرمرم: الكثير الشّديد.
سراة: سادتهم.
تسلّما- بتشديد اللام، يريد في سليم من اعتزى أي انتهى إليهم من حلفائهم فتسلّم بذلك كما تقول تقيّس الرجل إذا اعتزى إلى قيس.
وحبّ إلينا- بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة فعل ماض وأصله حبب- بضمّ الموحدة، ثم أسكنت وأدغمت في الثانية.
النّهي- بفتح النّون، وكسرها، وسكون الهاء، وآخره تحتية: الغدير من الماء.
يلملما- بفتح التحتية، واللّامين، وسكون الميم بينهما: اسم موضع.
الحصان- بكسر الحاء المهملة: الفرس العتيق، ثم كثر حتّى سمّي به كلّ ذكر من الخيل.
الورد- بلفظ المشموم، ما بين الكميت والأشقر.
يسوّما- بضم التحتية وتشديد الواو: يعلم نفسه بعلامة يعرف بها.
لدن: ظرف مكان بمعنى عند.
غدوة- بالنّصب والتنوين.
دوافعه: مجاري السيول فيها.
زفّه- بالزّاي، والفاء: ساقه سوقا رفيقا.
قد أحجما- بحاء مهملة، فجيم: رجع وانقبض. وأحجم بالجيم فالحاء بمعناه.
الطّمرّة: الفرس السريعة الوثّابة.
محطم: مكسّر.
السّرب- بفتح السين وسكون الرّاء: المال الرّاعي.
الباب السادس والخمسون في سرية أبي عامر الأشعري رضي الله تعالى عنه إلى أوطاس بين غزوة حنين وغزوة الطائف
روى الجماعة عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، وابن إسحاق عن رجاله عن سلمة بن الأكوع، وابن هشام عمّن يثق به من أهل العلم، ومحمد بن عمر، وابن سعد عن رجالهم أن هوازن لما انهزموا يوم حنين ذهبت فرقة منهم فيهم رئيسهم مالك بن عوف النصري فلجأوا إلى الطائف فتحصنوا وصارت فرقة فعسكروا بمكان يقال له أوطاس: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه، سرية وأمر عليهم أبا عامر الأشعري رضي الله تعالى عنه. ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة إلى الطائف فحاصرها، وتقدم ذلك في غزوة الطائف. قال أبو موسى رضي الله تعالى عنه: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عامر الأشعري على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصّمّة، فقتل دريد وهزم الله تعالى أصحابه.
قال أبو موسى بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي عامر، قال سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه، وابن هشام رحمه الله تعالى: لما نزلت هوازن عسكروا بأوطاس عسكرا عظيما وقد تفرّق منهم من تفرّق وقتل من قتل وأسر من أسر فانتهينا إلى عسكرهم، فإذا هم ممتنعون، فبرز رجل معلم يبحث للقتال: فبرز له أبو عامر فدعاه إلى الإسلام ويقول اللهم اشهد عليه فقال الرجل: اللهم لا تشهدوا عليّ. فكفّ عنه أبو عامر فأفلت ثم أسلم بعد حسن إسلامه فكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إذا رآه يقول: «هذا شريد أبي عامر» . وقال ابن هشام: ورمى أبا عامر أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث من بني جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته فقتلاه. قال أبو موسى: رمي أبو عامر في ركبته رماه جشمي. وعند ابن عائذ، والطبراني بسند حسن عن أبي موسى رضي اللَّه تعالى عنه: قتل ابن دريد بن الصّمّة أبا عامر قال ابن إسحاق: اسمه سلمة ولم أر له إسلاما.
وفي حديث سلمة أن العاشر ضرب أبا عامر فأثبته قال سلمة: فاحتملناه وبه رمق. وقال أبو موسى: فانتهيت إلى أبي عامر فقلت له: يا أبا عامر من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى وقال: ذاكه قاتلي الذي رماني. وفي حديث سلمة بن الأكوع أن أبا عامر أعلم أبا موسى أن قاتله صاحب العصابة الصفراء. قال أبو موسى: فقصدت له فلحقته فلما رآني ولّى فاتّبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي ألا تثبت؟ فكفّ فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته. ثم قلت لأبي عامر: قتل اللَّه صاحبك. قال: فانزع هذا السهم فنزعته، فنزا منه الماء. فقال: يا ابن أخي أقرئ النبي صلى اللَّه عليه وسلم السلام وقل له استغفر لي. قال أبو موسى: واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرا ثم مات.
وفي حديث سلمة: وأوصى أبو عامر إلى أبي موسى ودفع إليه الراية وقال: ادفع فرسي وسلاحي إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقاتلهم أبو موسى حتى فتح اللَّه تعالى عليه وانهزم المشركون بأوطاس وظفر المسلمون بالغنائم والسبايا، وقتل قاتل أبي عامر وجاء بسلاحه وتركته وفرسه إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وقال: إن أبا عامر أمرني بذلك.
وفي حديث أبي موسى رضي اللَّه تعالى عنه: «فرجعت فدخلت على النبي صلى اللَّه عليه وسلم في بيته وهو على سرير مرمل وعليه فراش قد أثّر رمال السّرير بظهره وجنبيه فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفر لي، فدعا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر» ورأيت بياض إبطيه ثم قال: «اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس» . فقلت: ولي فاستغفر فقال: «اللهم اغفر لعبد اللَّه بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما» [ (١) ] .
تنبيهات
الأول: أوطاس: بفتح أوله وسكون الواو وبالطاء والسين المهملتين قال القاضي: هو واد في ديار هوازن وهو موضع قرب حنين. قال الحافظ: وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السّير والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين ويوضح ذلك ما ذكره ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف وطائفة إلى نخلية وطائفة إلى أوطاس. قال أبو عبيد البكري رحمه اللَّه تعالى: أوطاس واد في ديار هوازن وهناك عسكروا هم وثقيف ثم التقوا بحنين.
الثاني: أبو عامر اسمه عبيد- بالتصغير- ابن سليم- بضم السين وفتح اللام- ابن حضّار- بحاء مهملة مفتوحة وتشديد الضاد المعجمة الساقطة وبعد الألف راء- ابن حرب بن عنز- بفتح العين المهملة وسكون النون وبالزاي- ابن بكر- بفتح الموحدة وسكون الكاف- ابن عامر بن عذرة- بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة- ابن وائل- بكسر التحتية- ابن ناجية- بالنون والجيم والتحتية- ابن الجماهر- بالجيم والميم وكسر الهاء- ابن الأشعر، وهو عمّ أبي موسى. وقال ابن إسحاق هو ابن عمّه. قال الحافظ: والأول أشهر.
الثالث: اختلف في اسم الجشميّ الذي رمى أبا عامر فقال ابن إسحاق: زعموا أنه سلمة بن دريد بن الصّمّة فهو الذي رمى أبا عامر بسهم فأصاب ركبته. وعند ابن عائذ، والطبراني في الأوسط بسند حسن من وجه آخر عن أبي موسى الأشعري قال: لما هزم اللَّه المشركين يوم حنين بعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على خيل الطلب أبا عامر الأشعري وأنا معه، فقتل ابن دريد أبا عامر فعدلت إليه فقتلته وأخذت اللواء.
الرابع: قال الحافظ في الفتح كما رأيته بخطه إن ابن إسحاق ذكر أن أبا عامر لقي يوم أوطاس عشرة إخوة فقتلهم واحدا واحدا حتى كان العاشر، فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه فقال الرجل: اللهم لا تشهد عليّ. فكفّ عنه أبو عامر ظنّا منه أنه أسلم، فقتله العاشر ثم أسلم بعد، فحسن إسلامه فكأن النبي صلى اللَّه عليه وسلم يسميه: «شهيد أبي عامر» . ثم قال الحافظ: وهذا مخالف لحديث الصحيح في أن أبا موسى قتل قاتل أبي عامر، وما في الصحيح أولى بالقبول، ولعل الذي ذكره ابن إسحاق شرك في قتله. قلت: وما نقله الحافظ عن ابن إسحاق ليس في رواية البكّائي، وإنما زاده ابن هشام عن بعض من يثق به ولم يذكر أن العاشر قتل أبا عامر أصلا بل قال: ورمى أبا عامر أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث بن جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته فقتلاه. ثم ظهر لي أن الحافظ لم يراجع السيرة وإنما قلّد القطب في المورد فإنه ذكره كذلك. وجزم محمد بن عمر، وابن سعد بأن العاشر لم يسّلم وأنه قتل أبا عامر وتقدم ذلك في القصة. وفي خط الحافظ «شهيد» بلفظ شهيد المعركة والذي رأيته في نسخ السّيرة «الشريد» بعد الشين المعجمة راء فتحتية فدال مهملة.
الخامس: قول ابن هشام: «وولّى الناس أبا موسى» يخالفه ما تقدم في القصة عن أبي موسى كما في الصحيح أن أبا عامر استخلفه، وكذا في حديث سلمة بن الأكوع وبه جزم ابن سعد.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،