السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

غزوة حنين

التاريخمتصلة بالفتح، سنة ٨
عمره ﷺ٦٠
الموضعحنين

متصلة بالفتح، سنة ٨، وعمره ﷺ ٦٠

تقرأ في إبراهيم العلي، ت ١٤٢٥هـ، ٦٨ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: دار النفائس، الأردن، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ

المبحث الثاني: غزوة حنين شوال سنة ثمان للهجرة

١/٤٣١١/٤٣١

قال تعالى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١ .

  1. ١سورة التوبة: آية: ٢٥.

وحنين: واد إلى جنب ذي المجاز قريب من الطائف، وبينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا من جهة عرفات، قال أبو عبيد البكري: سمي باسم حنين بن قابثة بن مهلائيل ١ .

  1. ١فتح الباري: ٨/ ٢٧.

١ - وقتها

قال أهل المغازي: خرج رسول الله ﷺ إلى حنين لخمس خلت من شوال، وبه قال ابن إسحاق في المغازي، وهكذا روي عن ابن مسعود، وبه قال عروة ابن الزبير، واختاره أحمد، وابن جرير في تاريخه.

وقيل لليلتين بقيتا من رمضان، وجمع بعضهم بأنه بدأ الخروج في أواخر رمضان، وسار سادس شوال، وكان وصوله إليها في عاشره، وبه قال الواقدي ١ .

  1. ١فتح الباري: ٨/ ٢٧، سيرة ابن كثير: ٣/ ٦١٠.

٢ - سببها

٦٨٢ - قال ابن إسحاق: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله وعمرو بن شعيب، والزهري وعبد الله بن أبي بكر ابن حزم وعبد الله بن المكرم بن عبد الرحمن الثقفي عن حديث حنين حين سار إليهم رسول الله ﷺ وساروا إليه فبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض، وقد اجتمع حديثهم: "أن رسول الله ﷺ لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف النصري: بني نصر، وبني جشم، وبني سعد بن بكر، وأوزاعًا من بني هلال، وهم قليل، وناسًا من بني عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، وأوعبت معه ثقيف الأحلاف، وبنو مالك، ثم سار بهم إلى رسول الله ﷺ ، وساق معه الأموال والنساء والأبناء.

١/٤٣٢١/٤٣٢

فلما سمع بهم رسول الله ﷺ ، بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، فقال: اذهب، فادخل في القوم حتى تعلم لنا من علمهم، فدخل فيهم، فمكث فيهم يومًا أو اثنين، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره خبرهم. فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: (ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد) ، فقال عمر رضي الله عنه : كذب، فقال: ابن أبي حدرد، والله لئن كذبتني يا عمر لربما كذبت بالحق، فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد فقال: (قد كنت يا عمر ضالًّا فهداك الله) .

ثم بعث رسول الله إلى صفوان بن أمية، فسأله أدراعًا عنده مائة درع، وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصبًا يا محمَّد، فقال: (بل عارية مضمونة حتى نؤديها عليك) ثم خرج رسول الله ﷺ سائرًا".

وزاد ابن إسحاق بالإسناد الأول: أن مالك بن عوف أقبل فيمن معه ممن جمع من قبائل قيس وثقيف، ومعه دريد بن الصمة شيخ كبير في شجار ١ له يعاد به حتى نزل الناس بأوطاس ٢ فقال دريد -حين نزلوا بأوطاس فسمع رغاء البعير ٣ ، ونهيق الحمير ٤ ويعار النساء ٥ ، وبكاء الصغير-: بأي واد أنتم؟ فقالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ٦ ضرس ٧ ، ولا سهل ٨

  1. ١شجار: شبه الهودج إلا أنه مفتوح الأعلى.
  2. ٢أوطاس: واد في ديار هوازن، كانت فيه وقعة حنين، وتسمى أيضًا غزوة أوطاس.
  3. ٣رغاء البعير: صوتها.
  4. ٤نهاق الحمير: صوتها.
  5. ٥يعار الشاء: صوتها.
  6. ٦حزن: ما غلظ من الأرض.
  7. ٧ضرس: الأكمة الخشنة وفي الإملاء هو الموضع فيه حجارة محددة.
  8. ٨سهل: ضد الحزن.
١/٤٣٣١/٤٣٣

دهش ١ ، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهيق الحمار، ويعار الشاء؟ فقالوا: ساق مالك مع الناس أموالهم وذراريهم ونساءهم. قال: فأين مالك؟ فدعي مالك، فقال: يا مالك! إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، فما دعاك إلى أن تسوق مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وأمواله ليقاتل عنهم، قال: فانقض ٢ به دريد، وقال: يا راعي ضأن والله، وهل يرد وجه المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، فارفع الأموال والنساء، والذراري إلى علياء قومهم، وممتنع بلادهم. ثم قال دريد: وما فعلت كعب وكلاب، فقالوا: لم يحضرها منهم أحد، فقال: غاب الحد ٣ والجد لو كان يوم علاء ورفعة لم تغلب عنه كعب وكلاب، ولوددت لو فعلتم ما فعلت كعب وكلاب فمن حضرها؟ فقالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، فقالوا: ذانك الجذعان ٤ لا يضران ولا ينفعان، فكره مالك أن يكون لدريد فيها رأي، فقال: إنك قد كبرت، وكبر علمك والله لتطيعن يا معشر هوازن، أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، فقالوا: أطعناك. ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم، فاكسروا جفان سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد" ٥ .

  1. ١دهس: المكان السهل اللين الذي لا يبلغ أن يكون رملًا وهو تراب.
  2. ٢فانقض: زجره كما تزجر الدابة.
  3. ٣الحد: الشجاعة والحدة.
  4. ٤الجذعان: يريد أنهما ضعيفان بمنزلة الجذع في سنه.
  5. ٥أخرجه البيهقي في الدلائل: ٥/ ١٢٠ - ١٢٣، سيرة ابن هشام: ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٤ وابن حبان كما في الموارد ص: ٤١٧، رقم: ١٧٠٤، وأخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٣٧٦، وأبو يعلى رقم: ١٨٦٢، ١٨٦٣، والبزار: ١٨٣٤، وفيه ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث وبقية رجاله أحمد رجال الصحيح: قلت: وهو حديث طريل ذكرت جزءًا منه هنا، وسيأتي أجزاء أخرى سأشير إليها في مواطنها، وفيها قصة الهزيمة والرجل صاحب الراية، وقد أخرج أيضًا ابن حبان: ١٧٠٤، أجزاء منه بنفس الإسناد الذي ذكرت في بداية الحديث من طريق عبد الرحمن بن جابر عن أبيه، والسند رجاله ثقات، فالحديث بذلك حسن، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٤٨ - ٤٩، وقال: صحيح الإسناد، رقم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي المجمع: ٦/ ١٧٩ "رواه أحمد، وأبو يعلى ورواه البزار، باختصار، وفيه ابن إسحاق وقد صرح بالسماع في رواية أبي يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح.

٣ - استعارة الدروع من صفوان بن أمية

١/٤٣٤١/٤٣٤

٦٨٣ - من حديث صفوان بن أمية رضي الله عنه : (أن رسول الله ﷺ استعار منه أدراعًا يوم حنين فقال: أغصب يا محمَّد؟ فقال: (لا بل عارية مضمونة) ١ .

  1. ١أخرجه أبو داود في السنن كتاب البيوع باب في تضمين العارية حديث رقم ٣٥٦٢، وأحمد في المسند: ٣/ ٤٠١، ٦/ ٤٦٥، والبيهقي: ٦/ ٨٩، والحاكم: ٢/ ٤٧، وهو حسن في الشواهد، ويشهد له ما جاء في حديث عبد الرحمن بن جابر عن أبيه، والذي أخرجه الحاكم: ٣/ ٤٨، والبيهقي: ٦/ ٨٩ قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وهو كما قالا، فالحديث صحيح. قلت: ويشهد له أيضًا ما جاء في حديث ابن عباس بنفس اللفظ والذي أخرجه الحاكم: ٢/ ٤٧، وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

٤ - قصة الجاسوس الذي جاء يتجسس على المسلمين

٦٨٤ - من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن. فبينما نحن نتضحى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه. ثم انتزع طلقًا من حقبه، فقيد به الجمل. ثم تقدم يتغدى مع القوم. وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد، فأتى جمله فأطلق قيده، ثم أناخه وقعد عليه، فأثاره، فاشتد به الجمل، فأتبعه رجل على ناقة ورقاء. قال سلمة: وخرجت أشتد. فكنت عند ورك الناقة. ثم تقدمت. حتى كنت عند ورك الجمل. ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل، فأنخته. فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي، فضربت رأس الرجل فندر ثم جئت بالجمل أقوده. عليه رحله وسلاحه. فاستقبلني رسول الله ﷺ ، والناس معه. فقال: من (قتل الرجل؟) قالوا: ابن الأكوع. قال: (له سلبه أجمع) ١ .

  1. ١أخرجه مسلم في صحيحه الجهاد والسير باب استحقاق القاتل سلب القتيل حديث رقم: ١٧٥٤، وأبو داود في الجهاد باب الجاسوس المستأمن حديث رقم: ٢٦٥٤، والطحاوي: ٢/ ١٣٠ - ١٣١، وأحمد: ٤/ ٤٩ - ٥١.

٥ - تبشير الرسول ﷺ بغنيمة حنين

٦٨٥ - من حديث سهيل بن الحنظلية رضي الله عنه : "أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فأطنبوا السير، حتى كانت عشية، فحضرت الصلاة عند رسول الله ﷺ ، فجاء رجل فارس، فقال: يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بظعنهم ونعمهم وشائهم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: (تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله) . ثم قال: (من يحرسنا الليلة؟) فقال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول؟ قال: (فاركب) فركب فرسًا له فجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : (استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا نغرن من قبلك الليلة) .

١/٤٣٥١/٤٣٥

فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه، فركع ركعتين ثم قال: (هل أحسستم فارسكم؟) قالوا: يا رسول الله، ما أحسسناه فثوب بالصلاة، فجعل رسول الله ﷺ يصلي، وهو يلتفت إلى الشِعب حتى إذا قضى صلاته، وسلم، قال: (أبشروا فقد جاءكم فارسكم) .

فجعلنا ننظر إلى الشجرة في الشعب فهذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله ﷺ ، فسلم فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله ﷺ ، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدًا، فقال له رسول الله ﷺ : (هل نزلت الليلة؟) قال: لا إلا مصليًا أو قاضي حاجة. فقال له رسول الله ﷺ : (فقد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها) ١ .

  1. ١أخرجه أبو داود في الجهاد باب فضل الحرس في سبيل الله تعالى حديث رقم: ٢٥٠١، والنسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك صاحب تحفة الأشراف حديث رقم: ٤٦٥٠، والحافظ ابن كثير في التاريخ: ٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦، وأخرجه البيهقي في الدلائل: ٥/ ١٢٦، وإسناد هذا الحديث صحيح، حسنه الحافظ في الفتح: ٨/ ٢٧.

أ - الهزيمة

٦٨٦ - من حديث أنس رضي الله عنه قال: "لما اجتمع يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة أعجبتهم كثرتهم، فقال القوم: اليوم والله ما نقاتل حين اجتمعنا، فكره ﷺ ما قالوا، ما أعجبهم من كثرتهم" ١ .

  1. ١أخرجه الحاكم وصححه، وابن المنذر وابن مردويه وأبو الشيخ وغيرهم: الفتح الرباني: ٢١/ ١٦٩.

٦٨٧ - من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "لما استقبلنا وادي حنين قال: انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط ١ إنما ننحدر فيه انحدارًا قال: وفي عماية الصبح ٢ ، وقد كان القوم كمنوا لنا في شعابه، وفي أجنابه، ومضايقه، قد جمعوا وتهيئوا، وأعدوا فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد، وانهزم الناس راجعين، فاستمروا لا يلوي أحد منهم على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين قال: (إلي أيها الناس، هلم إلي، أنا رسول الله، أنا محمَّد بن عبد الله) ، قال: فلا شيء ٣ .

  1. ١حطوط: واسع منحدر من أعلى إلى أسفل.
  2. ٢عماية الصبح: أي بقية ظلمة الليل.
  3. ٣فلا شيء: يعني فلا مجيب.
١/٤٣٦١/٤٣٦

احتملت الإبل بعضها بعضًا فانطلق الناس إلا أن مع رسول الله ﷺ رهطًا من المهاجرين والأنصار وأهل بيته غير كثير، وفيمن ثبت معه ﷺ أبو بكر وعمر ومن أهل بيته علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وابنه الفضل بن عباس، وأبو سفيان بن الحارث وربيعة بن الحارث وأيمن بن عبيد، وهو ابن أم أيمن، وأسامة بن زيد، قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر في يده راية له سوداء في رأس رمح طويل أمام الناس، وهوازن خلفه، فإذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفعه لمن وراءه، فاتبعوه ١ .

  1. ١سبق تخريجه في حديث رقم: ٦٨٢.

قال ابن إسحاق "وحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله قال: (بينما ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله ذلك يصنع ما يصنع، إذ هوى له علي بن أبي طالب، ورجل من الأنصار يريدانه، قال: فيأتيه علي من خلفه فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل، فضربه ضربة أطن قدمه ١ بنصف ساقه، فانعجف ٢ عن رحله، واجتلد الناس فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول الله ﷺ " .

  1. ١أطن قدمه: قصعه.
  2. ٢فانعجف: مال وسقط.

ب - الثابتون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

١/٤٣٧١/٤٣٧

٦٨٨ - من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "وقد جاءه رجل فقال: يا أبا عمارة، أتوليت يوم حنين، فقال: أما أنا فأشهد على النبي ﷺ أنه لم يول، ولكن عجل سرعان القوم، فرشقتهم هوازن - وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته البيضاء يقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب قوله تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ حديث رقم: ٤٣١٥، ٤٣١٦، ٤٣١٧، ومسلم في الجهاد والسير باب في غزوة حنين حديث رقم: ١٧٧٦، الترمذي في الجهاد باب ما جاء في الثبات عند القتال حديث رقم: ١٦٨٨، والنسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم:١٨٧٣. قلت: وقد جاء من حديث زيد بن أرقم: هتاف النبي: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب أخرجه الطبراني، ورجاله ثقات، كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٨٢.

وفي لفظ آخر "وقد سأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، كانت هوازن رماة، وأنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلنا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول: (أنا النبي لا كذب) .

٦٨٩ - من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "لقد رأيتنا يوم حنين وإن الفئتين لموليتين، وما مع رسول الله ﷺ بمائة رجل" ١ .

  1. ١أخرجه الترمذي في الجهاد باب ما جاء في الثبات عند القتال حديث رقم:١٦٨٩، وقال: حديث حسن غريب، وحسنه الحافظ في الفتح: ٨/ ٢٩ - ٣٠.

٦٩٠ - من حديث أنس رضي الله عنه قال: "افتتحنا مكة، ثم إننا غزونا حنينًا، فجلى المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم. قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف ١ . وعلى مجنبة ٢ خيلنا خالد بن الوليد. فجعلت خيلنا تلوي ٣ خلف ظهورنا فلم نلبث أن انكشف خيلنا، وفرت الأعراب. ومن نعلم من الناس. قال: فنادى رسول الله ﷺ : (يا للمهاجرين!) ثم قال: (يا للأنصار) قال: قال أنس. هذا حديث عمية ٤ ، قال: قلنا لبيك يا رسول الله، قال: فتقدم رسول ﷺ . قال: فأيم الله! ما أتيناهم حتى هزمهم الله. قال: فقبضنا ذلك المال. ثم انطلقنا إلى الطائف، فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة، فنزلنا، قال: فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة من الإبل " ٥ .

  1. ١قد بلغنا ستة آلاف: قال القاضي هذا وهم من الراوي عن أنس، والصحيح ما جاء في الرواية الأولى عشرة آلاف، ومعه الطلقاء، لأن المشهور في كتب المغازي أن المسلمين كانوا يومنذ اثني عشر ألفًا، عشرة آلاف شهدوا الفتح. وألفان من أهل مكة ومن انضاف إليهم (انظر الرواية الأولى، والتي فيها ذكر العشرة الآف في صحيح مسلم حديث: ١٠٥٩/ ١٣٥.
  2. ٢مجنبة: هي الكتيبة من الخيل التي تأخذ جانب الطريق.
  3. ٣تلوي: تلوذ، فجعلت فرساننا يثنون أفراسهم ويعفونها خلف ظهورنا.
  4. ٤هذا حديث عمية: هذا حديث فضل أعمامي، أو هذا الحديث الذي حدثني به أعمامي.
  5. ٥أخرجه مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإِسلام وتصبر من قوي إيمانه حديث رقم: ١٠٥٩/ ١٣٦، والنسائي في السنن الكبرى كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم: ٨٩٧.
١/٤٣٨١/٤٣٨

٦٩١ - من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كنت مع النبي ﷺ يوم حنين قال: فولى الناس، وثبت معه ثمانون رجلًا من المهاجرين والأنصار فنكصنا على أقدامنا نحوًا من ثمانين قدمًا، ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله عز وجل عليهم السكينة، قال: ورسول الله ﷺ على بغلته يمضي قدمًا، فحارت به بغلته فمال عن السرج فقلت: ارتفع رفعك الله فقال: ناولني كفًّا من تراب فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابًا قال: (أين المهاجرون والأنصار) . قلت: هم أولاء قال: (اهتف بهم) ، فهتفت بهم، فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، وولى المشركون أدبارهم " ١ . قال الحافظ في الفتح: "وهذا لا يخالف حديث ابن عمر، فإنه نفى أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين، وأما ما ذكره النووي في شرح مسلم: أنه ثبت معه اثنا عشر رجلًا، فكأنه أخذه مما ذكره ابن إسحاق في حديثه أنه ثبت معه العباس وابنه الفضل وعلي، وأبو سفيان بن الحارث، وأخوه ربيعة، وأسامة بن زيد، وأخوه من أمه أيمن بن أم أيمن، ومن المهاجرين أبو بكر وعمر، فهؤلاء تسعة، وتقدم ذكر ابن مسعود في مرسل الحاكم، فهؤلاء عشرة، ووقع في شعر العباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا كانوا عشرة ففي وذلك قوله: نصرنا رسول الله في الحرب تسعة .... وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا وعاشرنا وافي الحمام بنفسه … لما مسه في الله لا يتوجع ولعل هذا هو الثبت. ومن زاد على ذلك يكون عجل في الرجوع فعد فيمن لم ينهزم " ٢ .

  1. ١قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٨٠: رواه أحمد، والبزار، والطبراني، ورجاله أحمد رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة، وهو ثقة، انظر كشف الأستار عن زوائد البزار حديث رقم: ١٨٢٩، وأخرجه الحاكم: ٢/ ١١٧، أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٤٥٤، دلائل البيهقي: ٥/ ١٤٢، وقال الحاكم: صحيح الإسناد رقم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
  2. ٢فتح الباري: ٨/ ٣٠. قلت: وقد جرح خالد رضي الله عنه في هذا اليوم، أثناء المفاجأة التي فاجأ بها المشركون المسلمين فسارع رسول الله ﷺ للاطمئنان عليه، فقد جاء عن عبد الرحمن بن أزهر أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين يتخلل الناس، يسأل عن رحل خالد. فدل عيه، فنظر إلى جرحه، وحسبت أنه نفث فيه، أخرجه أحمد: ٤/ ٨٨، ٣٥١، وعبد الرزاق في المصنف: ٩٤٧١، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ١٣٩ - ١٤٠، وأخرجه مختصرًا: الحاكم: ٤/ ٣٧٤ - ٣٧٥، وأبو داود: ٤٤٨٧ - ٤٤٨٩، وأحمد في المسند: ٤/ ٨٨، ٣٥٠. وإسناده صحيح.

٧ - هتاف العباس بالأنصار للعودة

١/٤٣٩١/٤٣٩

٦٩٢ - من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه : "شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين. فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ ، فلم نفارقه. ورسول الله ﷺ على بغلة له، بيضاء. أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي. فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار. قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ . أكلفها إرادة أن لا تسرع. وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : (أي عباس! ناد أصحاب السمرة) ١ فقال العباس: "وكان رجلًا صيتًا" ٢ فقلت: بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله! لكان عطفتهم حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولادها. فقالوا: يا لبيك؟ يا لبيك! قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار، يقولون: يا معشر الأنصار! يا معشر الأنصار! ثم قصرت الدعوة علي بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج!، يا بني الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله ﷺ ، وهو على بغلته، كالمتطاول عليها، إلى قتالهم، فقال رسول الله ﷺ : (هذا حين سمي الوطيس) ٣ . قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات، فرمي بهن وجوه الكفار. ثم قال: (انهزموا، ورب محمد!) قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى. قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته. فما زلت أرى حدّهم كليلًا ٤ وأمرهم مدبرًا " ٥ . قال النووي رحمه الله "قال العلماء: في هذا الحديث دليل على أن فرارهم لم يكن بعيدًا، وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم، وإنما فتحه عليهم من في قلبه مرض من مسلمة أهل مكة المؤلفة ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا، وإنما كانت هزيمتهم فجأة لانصبابهم عليهم دفعة واحدة، ورشقهم بالسهام، ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يستقر الإيمان في قلبه، وممن يتربص بالمسلمين الدوائر، وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة، فتقدم أخفاؤهم، فلما رشقوهم بالنبل ولوا، فانقلبت أولاهم على أخراهم إلى أن أنزل الله سكينته على المؤمنين، كما ذكر الله تعالى في القرآن " ٦ .

  1. ١أصحاب السمرة: هي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان. ومعناه: ناد أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية.
  2. ٢صيتًا: قوي الصوت.
  3. ٣هذا حين حمي الوطيس: الضرب في الحرب.
  4. ٤حدهم كليلًا: ما زلت أرى قوتهم ضعيفة.
  5. ٥أخرجه مسلم في الجهاد باب في غزوة حنين حديث رقم: ١٧٧٥، وأحمد في المسند: ٧/ ٢٠١، وعبد الرزاق في المصنف حديث رقم: ٩٧٤١، وابن هشام في السيرة: ٢/ ٤٤٤، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٢٧، ٣٢٨، والنسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم: ٥١٣٤.
  6. ٦شرح صحيح مسلم النووي: ١٢/ ١١٥.
١/٤٤٠١/٤٤٠

٦٩٣ - من حديث أنس رضي الله عنه قال: "التقى يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة، واشتد القتال فولوا مدبرين، فندب رسول الله ﷺ الأنصار فقال: (يا معشر المسلمين أنا رسول الله) فقالوا: إليك والله جئنا، فنكسوا رؤوسهم، ثم قاتلوا حتى فتح الله عليهم" ١ .

  1. ١أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٤٨، وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

وقد جاء في أحاديث المفاجأة والهزيمة، وثبات النبي ﷺ فوائد كثيرة ذكرها

١/٤٤١١/٤٤١

وفي الحديث (يعني حديث البراء بن عازب في ثبات النبي) من الفوائد: حسن الأدب في الخطاب، والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب، وذم الإعجاب، وفيه جواز الانتساب إلى الآباء ولو ماتوا في الجاهلية، والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب، ومثله الرخصة في الخيلاء في الحرب دون غيرها، وجواز التعرض إلى الهلاك في سبيل الله، ولا يقال كان النبي ﷺ متيقنًا للنصر لوعد الله تعالى له بذلك، وهو حق؛ لأن أبا سفيان بن الحارث قد ثبت معه آخذًا بلجام بغلته، وليس هو على اليقين مثل النبي ﷺ .

وفيه ركوب البغلة إشارة إلى مزيد الثبات، لأن ركوب الفحولة مظنة الاستعداد للفرار والتولي، وإذا كان رأس الجيش قد وطن نفسه على عدم الفرار، وأخذ بأسباب ذلك كان ذلك أدعى لاتباعه على الثبات، وفيه شهرة الرئيس نفسه في الحرب مبالغة في الشجاعة وعدم المبالاة بالعدو " ١ .

  1. ١فتح الباري: ٨/ ٣٢.

٨ - اشتداد المعركة وقوله عليه السلام في ذلك

٦٩٤ - من حديث جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: (الآن حمي الوطيس) ، ثم قال: (هزموا ورب الكعبة) ١ .

  1. ١رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح كذا قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٨٢.

٩ - رميه عليه السلام الحصى في وجوه الأعداء

أ - قد سبق ذكر رمي الحصى من حديث ابن مسعود رقم: ٦٩١، ومن حديث العباس بن عبد المطلب رقم: ٦٩٢، وقد جاء أيضًا من حديث أبي عبد الرحمن الفهري في قصة حنين ١ .

  1. ١أخرجه أبو داود في الأدب باب في الرجل ينادي فيقول لبيك حديث رقم: ٥٢٣٣، أحمد: ٥/ ٢٨٦، وأبو داود الطيالسي: ٣٢٧٢، ٢/ ١٠٧، وقال الزرقاني في شرح المواهب: رواه الترمذي، وابن سعد وابن أبي شيبة، والطبراني وابن مردويه والبيهقي، ورجاله ثقات.

٦٩٥ - وقد جاء أيضًا من حديث يزيد بن عامر السسوائي أنه قال: "عند انكشافة انكشفها المسلمون يوم حنين، فتبعتهم الكفار، فأخذ رسول الله ﷺ قبضة من الأرض، فرمى بها وجوههم، وقال: (ارجعوا شاهت الوجوه) ، فما من أحد يلقى أخاه إلا وهو يشكو القذى، ويمسح عينيه " ١ .

  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير: ٢٢/ ٢٣٧، رقم: ٦٢٢، والبخاري في التاريخ الكبير: ٤/ ٢ / ٣١٦، المطالب العالية: ٤٣٧٢، وعزاه إلى عبد بن حميد، وسكت عنه البوصيري، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٨٢ - ١٨٣: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
١/٤٤٢١/٤٤٢

٦٩٦ - ومن حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ حنينًا، فلما واجهنا العدو تقدمت، فأعلو ثنية، فأستقبل رجلًا من العدو، فأرميه بسهم وتوارى عني، فما دريت ما صنع.

ثم نظرت إلى القوم، فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة للنبي ﷺ ، فولى صحابة النبي ﷺ ، فأرجع منهزمًا وعلي بردتان مؤتزرًا بإحداهما، مرتديًا بالأخرى، قال: فاستطلق إزاري ١ ، فجمعتها جمعًا، ومررت على رسول الله ﷺ منهزمًا ٢ وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ﷺ : (لقد رأى ابن الأكوع فزعًا) .

  1. ١فاستطلق إزاري: انحل لاستعجالي.
  2. ٢منهزمًا: قال العلماء: قول منهزمًا، حال من ابن الأكوع، كما صرح أولًا بانهزامه، ولم يرد أن النبي ﷺ انهزم وقد قالت: الصحابة كلهم رضي الله عنهم : إنه ﷺ ما انهزم، ولم يقل أحد قط أنه انهزم في موطن من المواطن، وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه ﷺ ، ولا يجوز ذلك عليه.

فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: (شاهت الوجوه) ١ فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين فهزمهم الله، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين" ٢ . قلت: جاء في الأحاديث السابقة أنه ﷺ قد تناول كفًّا من تراب أو حصى، ورمى بها المشركين، وقد جاء من حديث ابن مسعود، فيما مضى أيضًا أنه طلب منه أن يناوله كفًّا من التراب فرمى به المشركين، ومن حديث ابن عباس أنه طلب من علي أن يناوله التراب، فرمى به المشركين، ويجمع بين هذه الأحاديث أنه ﷺ أولًا قال لصاحبه ناولني، فناوله، فرماهم، ثم نزل عن البغلة، فأخذ بيده، فرماهم أيضًا، فيحتمل أن الحصى في إحدى المرتين، وفي الأخرى التراب، والله أعلم، كذا قال الحافظ. ٣ .

  1. ١شاهت الوجوه: أي قبحت.
  2. ٢أخرجه مسلم في باب غزوة حنين حديث رقم: ١٧٧٧.
  3. ٣الحافظ في الفتح: ٨/ ٣٢.
١/٤٤٣١/٤٤٣

ب - الرعب الذي أوقعه الله في قلوب المشركين يوم حنين: ٦٩٧ - من حديث يزيد بن عامر السسوائي "وكان شهد حنينًا مع المشركين، ثم أسلم قال أبو السائب: سألناه عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم يوم حنين، كيف كان، فأخذ حصاة، فرمى بها طستًا فطن قال: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا" ١ .

  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير: ٢٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨، رقم: ٦٢٣، وانظر المطالب العالية: ٤٣٧١، وعزاه إلى عبد بن حميد، وسكت عليه البوصيري، وقال الهيثمي: ٦/ ١٨٣، رواه الطبراني، ورجاله ثقات.

١٠ - دعاء النبي ﷺ يوم حنين

٦٩٨ - من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال رجل للبراء: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبي الله ﷺ ما ولى. ولكنه انطلق أخفاء الناس، وحُسَّرٌ إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة. فرموهم برشق من نبل، كأنها رجل من جراد ١ فانكشفوا: فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ ، وأبو سفيان بن الحارث يقول به بغلته، فنزل، ودعا، واستنصر، وهو يقول: (أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب)

  1. ١رجل من جراد: كأنها قطعة من جراد، والرجل: الجراد الكثير.

(اللهم نزل نصرك) . قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي ﷺ " ١ .

  1. ١أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب في غزوة حنين: ١٧٧٦/ ٧٩، وقد سبق تخريجه حديث رقم: ٦٨٨، ولكن مسلم تفرد بلفظ الدعاء للنبي ﷺ .

١١ - ثبات أبي سفيان بن الحارث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

١/٤٤٤١/٤٤٤

وقد سبق ذكر ثباته من حديث العباس بن عبد المطلب ١ ، ومن حديث البراء ابن عازب ٢ ومن حديث جابر بن عبد الله ٣ ، وهذا مما يدل على شجاعته، وتضحيته، وصدق إيمانه رضي الله عنه .

  1. ١انظر رقم: ٦٩٢.
  2. ٢انظر رقم: ٦٨٨.
  3. ٣انظر رقم: ٦٨٧.

٦٩٩ - من حديث أنس رضي الله عنه : "أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: (جزوهم جزًّا) ، وأومأ بيده إلى الحلق" ١ .

  1. ١أخرجه البزار حديث رقم: ١٨٣٠، كما في كشف الأستار، وقال الهيثمي: ٦/ ١٨١: رواه البزار، ورجاله ثقات.

ب - أبو قتادة رضي الله عنه

٧٠٠ - من حديث أنس رضي الله عنه قال: "قال رسول الله ﷺ يومئذ يعني يوم حنين: (من قتل كافرًا، فله سلبه) ، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم" ١

  1. ١أخرجه أبو داود في الجهاد باب في السلب يعطى للقاتل رقم: ٢٧١٨، والدارمي: ٢/ ٢٢٩، وابن سعد: ٣/ ٥٠٥، وصححه الحاكم: ٣/ ٣٥٣، ووافقه الذهبي، وإسناده صحيح كما قالا. وابن حبان في الموارد: ١٦٧١، وأحمد: ٣/ ١١٤، ١٢٣، ١٩٠، ٢٧٩، والطيالسي حديث رقم: ٢٠٧٩، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ١٥٠.

٧٠١ - من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين. فلما التقينا كانت للمسلمين جولة ١ . قال: فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين ٢ ، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه، فضربته على حبل عاتقه ٣ ، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ٤ . ثم أدركه الموت. فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب. فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله.

  1. ١جولة: أي انهزم وخيفه ذهبوا فيها. وهذا إنما كان في بعض الجيش، وأما رسول الله ﷺ وطائفة معه فلم يولوا. والأحاديث الصحيحة بذلك مشهورة قد سبق بعضها فيما مضى من الأحاديث.
  2. ٢قد علا رجلًا من المسلمين: يعنى ظهر عليه وأشرف على قتله، أو صرعه وجلس عليه ليقتله.
  3. ٣على حبل عاتقه: هامه بين العنق والكتف.
  4. ٤وجدت منها ريح الموت: يحتمل أنه أراد شده كشدة الموت: ويحتمل قاربت الموت.
١/٤٤٥١/٤٤٥

ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله ﷺ فقال: (من قتل قتيلًا، له عليه بينة، فله سلبه) ١ قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ٢ ، ثم جلست ثم قال مثل ذلك. فقال فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. ثم قال ذلك. الثالثة فقمت.

  1. ١له عليه بينة: أي شاهد، فله سلبه: هو ما على القتيل ومعه من ثياب وسلاح ومركب وجنيب يقاد بين يديه.
  2. ٢من يشهد لي: بأني قتلت رجلًا من المشركين، فيكون سلبه لي.

فقال رسول الله ﷺ (ما لك؟ يا أبا قتادة!) فقصصت عليه القصة فقال رجل من القوم: صدق. يا رسول الله! سلب ذلك القتيل عندي. فأرضه من حقه، وقال أبو بكر الصديق: لاها الله ١ إذًا لا يعمد ٢ إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله، فيعطيك سلبه. فقال رسول الله ﷺ : (صدق. فأعطه إياه) فأعطاني قال: فبعت الدرع، فابتعت به مخرفًا ٣ في بني سلمة. فإنه لأول مال تأثلته ٤ في الإِسلام.

  1. ١لاها الله: هكذا هو في روايات جميع المحدثين وهو قسم ويمين بمعنى (لا والله).
  2. ٢لا يعمد: الضمير عائد إلى النبي ﷺ . أي لا يقصد عليه السلام إلى إبطال حق أسد من أسود الله يقاتل في سبيله وهو أبو تقادة بإعطاء سلبه إياك.
  3. ٣مخرفًا: البستان وقيل السكة من النخيل وقيل هي الجنينة الصغيرة.
  4. ٤تأثلته: اقتنيته وتأصلته.

وفي حديث الليث: فقال أبو بكر: كلا لا يعطيه أضيبع في قريش ويدع أسدًا من أسد الله" ١ .

  1. ١أخرجه البخاري باب غزوة حنين حديث رقم: ٤٣٢١، ومسلم في الجهاد والسير باب غزوة حنين رقم: ١٧٥١، وأبو داود في الجهاد باب في السلب يعطى للقاتل: ٢٧١٧، والترمذي في السير باب ما جاء فيمن قتل قتيلًا له سلبه: ١٥٦٢، وقال: حسن صحيح، مالك في الموطأ: ٢/ ١٠/ ١٢، الجهاد باب ما = = جاء في السلب، وابن الجارود: ١٠٧٦، البيهقي: ٩/ ١٥٠، والطحاوي: ١/ ١٣٠، وهو مختصر عند ابن ماجه: ٢٨٣٧ والدارمي: ٢/ ٢٢٩، وسعيد بن منصور رقم: ٢٦٩٦.

١٣ - شجاعة ممثلة النساء أم سليم يوم حنين

١/٤٤٦١/٤٤٦

٧٠٢ - من حديث أنس رضي الله عنه قال: "إن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا ١ ، فكان معها فرآها أبو طلحة. فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله ﷺ : (ما هذا الخنجر؟) قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه. فجعل رسول الله ﷺ يضحك. قالت: يا رسول الله! اقتل من بعدنا ٢ من الطلقاء ٣ انهزموا بك ٤ . فقال رسول الله ﷺ : (يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن) ٥ .

  1. ١خنجرًا: سكين كبير ذات حدين.
  2. ٢من بعدنا: من سوانا.
  3. ٣الطلقاء هم الذين أسلموا يوم فتح مكة سمو بذلك لأن النبي ﷺ من عليهم وأطلقهم وكان في إسلامهم ضعف فاعتقدت أم سليم أنهم منافقون يستحقون القتل لانهزامهم.
  4. ٤انهزموا بك: أي انهزموا عنك. على حد قوله تعالى: ﴿فاسأل به خبيرًا﴾، أي عنه وبما تكون للسببية. أي انهزموا بسببك لنفاقهم.
  5. ٥أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب غزوة النساء مع الرجال حديث رقم: ١٨٠٩، وأحمد: ٣/ ١٩٠، وسنده صحيح على شرط مسلم، وابن سعد في الطبقات: ٨/ ٤٢٥، وإسناده صحيح.

١٤ - اعتصام بعض الفارين بأوطاس، وملاحقة المسلمين لهم

٧٠٣ - من حديث أبي موسى الأشعري: قال: "لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله أصحابه قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه فقلت: يا عم! من رماك؟ فأشار أبو عامر إلى أبي موسى، فقال: إن ذلك قاتلي، تراه ذلك الذي رماني.

قال أبو موسى فقصدت له، فاعتمدته، فلحقته، فلما رآني ولى عني ذاهبًا، فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربيًّا؟ ألا تثبت؟ فكف فالتقيت أنا وهو فاختلفنا ضربتين أنا وهو فقتلته. ثم رجعت إلى أبي عامر، فقلت: قد قتل الله صاحبك، قال: فانتزع هذا السهم، فنزعته، فنزا منه الماء ١ فقال: يا ابن أخي، انطلق إلى رسول الله ﷺ ، فأقرئه عني السلام، ثم قل له إنه يقول لك استغفر لي. قال: واستخلفني أبو عامر على الناس يسيرًا، ثم مات. فلما رجعت إلى النبي ﷺ ، دخلت عليه، وهو في بيت على سرير مرمل وعليه فراش، وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله ﷺ . وجنبيه، فأخبرته بخبرنا، وخبر أبي عامر، وقلت له: قال: قل له يستغفر لي.

  1. ١فنزا منه الماء: ظهر وجرى.
١/٤٤٧١/٤٤٧

فدعا رسول الله ﷺ بماء فتوضأ، ثم رفع يديه، فقال: (اللهم اغفر لأبي عامر عبدك) ، حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قال: (اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك، أو من الناس) ، فقلت: يا رسول الله! ولي فاستغفر. فقال: (اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا) .

قال أبو بردة إحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى" ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب غزاة أوطاس حديث رقم: ٤٣٢٣، مسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر، حديث رقم: ٢٤٩٨، والنسائي في الكبرى كما جاء في تحفة الأشراف لمعرفة الأطراف حديث رقم: ٩٠٤٦، وابن جرير الطبري: ٢/ ٣٥١.

أ - طريقته في القسمة

١/٤٤٩١/٤٤٩

٧٠٨ - من حديث عمرو بن تغلب رضي الله عنه قال: "أعطى رسول الله ﷺ قومًا، ومنع آخرين، فكأنهم عتبوا عليه فقال: (إني أعطي أقوامًا أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم عمرو ابن ثعلب) . قال عمرو: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم".

وفي لفظ آخر: "أن رسول الله ﷺ أتي بمال، أو سبي - فقسمه، فأعطى رجالًا، وترك رجالًا. فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله، ثم أثنى عليه، ثم قال: (أما بعد، فوالله إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكني أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، فيهم عمرو بن ثغلب) ، فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله عليه وسلم حمر النعم" ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في الجمعة باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد حديث رقم: ٩٢٣، وجاء عنده أيضًا بأرقام: ٣١٤٥، ٧٥٣٥، وأحمد في المسند: ٥/ ٦٩.

ب - إعطاؤه لصفوان بن أمية

١/٤٥٠١/٤٥٠

٧٠٩ - من حديث ابن شهاب قال: "غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح، فتح مكة، ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة. ثم مائة. قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: والله! لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي. فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي) ١ .

  1. ١أخرجه مسلم في الفضائل باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئًا في فقال: لا وكثرة عطائه حديث: ٢٣١٣، والترمذي في الزكاة باب ما جاء في إعطاه المؤلفة قلوبهم حديث رقم: ٦٦٦، وأحمد: ٦/ ٤٦٥، وابن سعد: ٥/ ٤٤٩.

جـ - إعطاؤه لأبي سفيان بن حرب

٧١٠ - من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه قال: "أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم، مائة من الإبل. وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك. فقال عباس بن مرداس: أتجعل نهبي ونهب العبيد … بين عيينة والأقرع فما كان بدر ولا حابس … يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما … ومن تخفض اليوم لا يرفع قال: فأتم له رسول الله ﷺ مائة " ١ .

  1. ١أخرجه مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه حديث: ١٠٦٠.

د - الأعرابي الجلف ورفض البشرى

٧١١ - من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "كنت عند النبي ﷺ وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال، فأتى النبي ﷺ أعرابي، فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له: (أبشر) . فقال: قد أكثرت علي من أبشر. فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان، فقال: (رد البشرى، فأقبلا أنتما). قالا: قبلنا، ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجه فيه، ومج فيه ثم قال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا، فأخذا القدح ففعلا. فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما، فأفضلا لها منه طائفة " ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الطائف حديث: ٤٣٢٨، مسلم فضائل الصحابة باب من فضائل أبي موسى الأشعري وأبي عامر حديث رقم: ٢٤٩٧.

هـ - مقولة المنافق اعدل فإنك لم تعدل

١/٤٥١١/٤٥١

٧١٢ - من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "فلما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله. قال: فقلت: والله! لأخبرن رسول الله ﷺ . قال: فأتيته، فأخبرته بما قال: قال: فتغير وجهه حتى كان كالصرف. ثم قال: (فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله) قال: ثم قال: (يرحم الله موسى. قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) قال: قلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثًا " واللفظ لمسلم ١ .

  1. ١أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الطائف حديث رقم: ٤٣٣٦، مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإِسلام وتصبر من قوي إيمانه حديث: ١٠٦٢، وأحمد كما في الفتح الرباني: ٢١/ ١٨٠ وقد جاء من حديث جابر بن عبد الله عند مسلم: ١٠٦٣، وابن ماجة: ١٧٢، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ١٨٥، ومن حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري في المناقب باب علامات النبوة في الإِسلام حديث رقم: ٣٦١٠، ومسلم في الزكاة حديث رقم: ١٠٦٤/ ١٤٨، البيهقي في الدلائل: ٥/ ١٨٨.

و - خطبته ﷺ بعد توزيع الغنائم

٧١٣ - من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "شهدت رسول الله ﷺ يوم حنين، وجاءته وفود هوازن فقالوا: يا محمد إنا أصل ١ وعشيرة، فمنَّ علينا منَّ الله عليك، فإنه قد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فقال: (اختاروا بين نسائكم وأموالكم وأبنائكم) فقالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا نختار أبناءنا، فقال: (ما كان لي ولبني عبد المطلب، فهو لكم، فإذا صليت الظهر قولوا: إنا نستشفع برسول الله على المؤمنين، وبالمؤمنين على رسول الله ﷺ في نسائنا وأبنائنا) . قال: ففعلوا فقال رسول الله ﷺ : (أما ما كان لي ولبني عبد الطلب فهو لكم) ، وقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، وقالت الأنصار مثل ذلك، وقال عيينة بن بدر: أما ما كان لي ولبني فزارة فلا، وقال الأقرع ابن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فقال الحيان: كذبت بل هو لرسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : (يا أيها الناس ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن تمسك بشيء من الفيء، فله علينا ستة فرائض من أول شيء يفيئه الله علينا) .

  1. ١أنا أصل: يريدون أن رسول الله استرضع في بني سعد، وأن أمه من الرضاع حليمة السعدية.
١/٤٥٢١/٤٥٢

وفي رواية "فردوا على الناس أبناءهم ونساءهم ثم ركب راحلته، وتعلق به الناس يقولون: اقسم علينا فيئنا بيننا، حتى ألجأوه إلى سمرة ١ فخطفت رداءه، فقال: (يا أيها الناس ردوا علي ردائي، فوالله لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعم لقسمته بينكم ثم لا تلقوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذوبًا) .

  1. ١سمرة: ضرب من شجر الطلح له شوك.

ثم دنا من بعيره، فأخذ وبرة من سنامه، فجعلها بين أصابعه السبابة والوسطى، ثم رفعها، فقال: (يا أيها الناس ليس لي من هذا الفيء ولا هذه إلا بالخمس، والخمس مردود عليكم، فردوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله يوم القيامة عارًا ونارًا وشنارًا) .

فقام رجل معه كبة من شعر فقال: إني أخذت هذه أصلح بها بردعة بعير لي دبر، قال: (أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك) ، فقال الرجل: يا رسول الله أما إذ بلغت ما أرى فلا أرب لي بها ونبذها" ١ .

  1. ١أخرجه أحمد في المسند: ٢/ ١٨٤، ابن هشام في السيرة: ٢/ ٤٨٨، ٤٩٠ والبيهقي في الدلائل: ٥/ ١٩٤ - ١٩٦، أبو داود: ٢٦٩٤، ابن الجارود: ١٠٨٠، والنسائي: ٢/ ١٧٨ وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٨٧ - ١٨٨: رواه أبو داود باختصار كثير، ورواه أحمد، ورجال أحمد أسانيده ثقات، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح: ٨/ ٣٤، وهو كما قال الحافظ، وقد جاء أيضًا من حديث عبادة بن الصامت عند الحاكم: ٣/ ٤٩، مقطع الخطبة فقط، ومن حديث عمرو بن عبسة عند البيهقي: ٦/ ٣٣٩ ومن حديث جبير بن مطعم عند البخاري برقم: ٢٨٢١، ٣١٤٨.

١٨ - مقولة الأنصار في تقسيم الغنائم وخطاب النبي لهم

١/٤٥٣١/٤٥٣

لقد جاءت هذه المقولة من حديث عبد الله بن زيد، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة رضي الله عنهم ، ورواياتهم بعضها فيها طول وبعضها فيها اختصار، وسنوردها جميعًا لأن كل حديث من هذه الأحاديث فيه ما ليس في الآخر: ٧١٥ - من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه : "أن رسول الله ﷺ لما فتح حنينًا قسم الغنائم، فأعطى المؤلفة قلوبهم، فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا ما أصاب الناس فقام رسول الله ﷺ ، فخطبهم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟ وعالة ١ فأغناكم الله بي؟ ومتفرقين ٢ فجمعكم الله بي) ويقولون: الله ورسوله أمنُّ. فقال: (ألا تجيبوني؟) فقالوا: الله ورسوله أمن. فقال: (أما إنكم لو شئتم أن تقولوا كذا وكذا) ، وكان من الأمر كذا وكذا " لأشياء عددها. زعم عمرو أن لا يحفظها. فقال: (ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء ٣ والإبل، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ الأنصار شعار والناس دثار ٤ ، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وشعبًا، لسلكت وادي الأنصار وشعبهم. إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) ٥ اللفظ لمسلم.

  1. ١عالة: أي فقراء.
  2. ٢متفرقين: متدابرين يعادي بعضكم بعضًا.
  3. ٣الشاء: جمع شاه وهي الغنم.
  4. ٤الأنصار شعار والناس دثار: قال أهل اللغة: الشعار الثوب الذي يلي الجسد، والدثار فوقه ومعناه الأنصار هم البطانة والخاصة والأصفياء وألصق الناس بي من سائر الناس.
  5. ٥أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الطائف حديث رقم: ٤٣٣٠، مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم حديث رقم: ١٠٦١، وأحمد: ٤/ ٤٢.
١/٤٥٤١/٤٥٤

٧١٦ - من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "إن أناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين، حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء ١ ، فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالًا من قريش. المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشًا، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم! " ٢ . قال أنس بن مالك: فحدث ذلك رسول الله ﷺ ، من قولهم. فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ٣ . فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: (ما حديث بلغني عنكم) فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا، يا رسول الله! فلم يقولوا شيئًا. وأما أناس منا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسوله، يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم! فقال رسول الله ﷺ : (فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم ٤ . أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم ٥ برسول الله ﷺ ؟ فوالله! لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به) فقالوا: بلى يا رسول الله! قد رضينا. قال: (فإنكم ستجدون أثَرةً شديدة ٦ ، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله. فإني على الحوض). قالوا: سنصبر. قال أنس: فلم نصبر " وفي لفظ آخر له: " قال: جمع رسول الله ﷺ الأنصار، فقال: (أفيكم أحد من غيركم؟ فقالوا: لا. إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله ﷺ : إن ابن أخت القوم منهم) . فقال: (إن قريشًا حديث عهد بجاهلية ٧ ومصيبة. وإني أردت أن أجبرهم ٨ وأتألفهم. أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم. لو سلكت الناس واديًا، وسلك الأنصار شعبًا ٩ ، لسلكت شعب الأنصار) ١٠ .

  1. ١ما أفاء: ما غنم من هوازن بعد هزيمتهم.
  2. ٢أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الطائف حديث رقم: ٤٣٣١، مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإِسلام حديث رقم: ١٠٥٩/ ١٣٢، أحمد: ٣/ ١٦٩، ١٧٢، ١٨٨، ٢٤٦، ٢٤٩.
  3. ٣قبة من أدم: القبة من الخيام: بيت صغير مستدير والأدم الجلد.
  4. ٤أتألفهم: أستميل قلوبهم بالإحسان ليثبتوا على الإِسلام رغبة في المال.
  5. ٥رحالكم: منازلكم.
  6. ٦أثرة شديدة: الأثرة: الاستتثار: أي يستأثر عليكم ويفضل عليكم غيركم بغير حق.
  7. ٧حديث عهد بجاهلية: كانوا قريب عهد بجاهلية. أي أن زمانهم قريب من زمان الكفر.
  8. ٨أجبرهم: أي أفعل معهم ما ينجبر به خاطرهم وينسيهم مصيبتهم.
  9. ٩وسلك الأنصار شعبًا: قال الخليل: الشعب هو ما انفرج عن بين جبلين.
  10. ١٠أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الطائف حديث رقم: ٤٣٣٤، مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم حديث رقم: ١٠٥٩/ ١٣٣، وأحمد في فضائل الصحابة: ١٤٣١، وفي المسند: ٣/ ١٦٥ - ١٦٦.
١/٤٥٥١/٤٥٥

٧١٦ - من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا، في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم المقالة ١ حتى قال قائلهم: لقد لقي والله رسول الله ﷺ قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء. قال: (فأين أنت من ذلك يا سعد؟) قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي، قال: (فأجمع لي قومك في هذه الحظيرة) ٢ . قال: فخرج سعد، فجمع الأنصار في تلك الحظيرة. قال: فجاء رجال من المهاجرين، فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فرده. فلما اجتمعوا له أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول ﷺ ، فحمد لله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: (يا معشر الأنصار: ما قالة بلغتني عنكم، وجدة ٣ وجدتموها علي في أنفسكم؟ الم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة ٤ فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم!) قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: (ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟) قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. قال ﷺ : (أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم، ولصُدقتم: أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولًا ٥ فنصرناك، وطريدًا فآويناك. وعائلًا فآسيناك ٦ ؟

  1. ١المقالة: الكلام الرديء.
  2. ٢الحظيرة: شبيه الزريبة التي تصنع للإبل والماشية لتمنعها، وتكف عنها العوادي.
  3. ٣الموجدة: العتاب.
  4. ٤عالة: جمع عائل: الفقير.
  5. ٥مخذولًا: متروكًا.
  6. ٦آسيناك: أعطيناك حتى جعلناك كأحدنا.
١/٤٥٦١/٤٥٦

وجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة ١ من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمَّد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا، وسلكت الأنصار شعبًا: لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار) ٢ .

  1. ١لعاعة: بقلة خضراء ناعمة شبه بها زهرة الدنيا ونعيمها.
  2. ٢أخرجه أحمد: ٣/ ٧٦ - ٧٧ - ٨٩، ابن جرير: ٢/ ٣٦٠، ٣٦١ وعبد الرزاق في المصنف: ١١/ ٦٤، وأبو يعلى كما في مجمع الزوائد: ١٠/ ٣٠، وأسانيدهم صحيحة، ابن كثير في سيرته: ٣/ ٦٧٨، ٦٧٩، ابن هشام في السيرة: ٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩، وسنده صحيح.
١/٤٥٧١/٤٥٧

ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح فوائد نفيسة استخلصها من هذه الحادثة وما قال الرسول ﷺ للأنصار، وما قالوا له، أذكرها لعظيم نفعها، وجزالة معانيها، ولما احتوته في طياتها من الخير العظيم، قال رحمه الله : وبعد شرحه حديث عبد الله بن زيد وبيانه للكثير من معانيه.

وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: إقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحق عند الحاجة إليه، وحسن أدب الأنصار في تركهم المحاورة، والمبالغة في الحياء، وبين أن الذي نقل عنهم إنما كان عن شبانهم لا عن شيوخهم وكهولهم.

وفيه مناقب عظيمة لهم لما اشتمل من ثناء الرسول البالغ عليهم، وأن الكبير ينبه الصغير على ما يغفل عنه، ويوضح له وجه الشبهة ليرجع إلى الحق، وفيه المعاتبة واستعطاف المعاتب وإعتابه عن عتبه بإقامة حجة من عتب عليه، والاعتذار والاعتراف.

وفيه علم من أعلام النبوة لقوله: "ستلقون بعدي أثرة " فكان كما قال. وقد قال الزهري في روايته عن أنس في آخر الحديث قال أنس فلم يصبروا " وفيه أن للإمام تفضيل بعض الناس على بعض في مصارف الفيء، وأن له أن يعطي الغني منه للمصلحة، وأن من طلب حقه من الدنيا لا عتب عليه في ذلك.

وفيه مشروعية الخطبة عند الأمر الذي يحدث سواءً كان خاصًّا أم عامًّا، وفيه تسلية من فاته شيء من الدنيا مما حصل له من ثواب الآخرة، والحض على طلب الهداية والألفة والغنى وأن المنة لله ورسوله على الإطلاق، وتقديم جانب الآخرة على الدنيا، والصبر عما فات منها ليدخر ذلك لصاحبه في الآخرة، والآخرة خير وأبقى" ١ .

  1. ١فتح الباري: ٨/ ٥٢.