الباب التاسع والعشرون في غزوة الطائف
لمّا قدم فلّ ثقيف الطائف رمّوا حصنهم وأغلقوا عليهم أبواب مدينتهم، وتهيئوا للقتال، وكانوا أدخلوا فيه قوت سنة لو حصروا وجمعوا حجارة كثيرة، وأعدوا سككا من الحديد وأدخلوا معهم قوما من العرب من عقيل وغيرهم، وأمروا بسرحهم أن يرفع في موضع يأمنون فيه، وقدّم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بين يديه خالد بن الوليد في ألف من أصحابه إلى الطائف، فأتى خالد الطائف فنزل ناحية من الحصن، وقامت ثقيف على حصنها بالرّجال والسّلاح، ودنا خالد في نفر من أصحابه فدار بالحصن من كان متنحيا عنه، ونظر إلى نواحيه، ثم وقف في ناحية من الحصن فنادى بأعلى صوته: ينزل إليّ بعضكم أكلّمه وهو آمن حتى يرجع، أو اجعلوا لي مثل ما جعلت لكم، وأدخل عليكم حصنكم أكلمكم. قالوا: لا ينزل إليك رجل منا ولا تصل إلينا، وقالوا: يا خالد إنّ صاحبكم لم يلق قوما يحسنون قتاله غيرنا. قال خالد: فاسمعوا من قولي، نزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأهل الحصون والقوة بيثرب وخيبر، وبعث رجلا واحدا إلى فدك فنزلوا على حكمه، وأنا أحذركم مثل يوم بني قريظة، حصرهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أيّاما، ثم نزلوا على حكمه، فقتل مقاتلتهم في صعيد واحد ثمّ سبى الذّرية، ثم دخل مكة فافتتحها وأوطأ هوازن في جمعها، وأنتم في حصن في ناحية من الأرض، لو ترككم لقتلكم من حولكم ممن أسلم. قالوا: لا نفارق ديننا، ثم رجع خالد بن الوليد إلى منزله.
وسار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد خالد ولم يرجع إلى مكة، ولابها عرج على شيء إلا على غزو الطائف قبل أن يقسم غنائم حنين وقبل كل شيء وترك السّبي بالجعرانة وملئت عرش مكة منهم.
وكان مسيره في شوال سنة ثمان، وقال شدّاد بن عارض الجشميّ- رضي الله عنه- في مسير رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: لا تنصروا اللّات إنّ الله مهلكها ... وكيف ينصر من هو ليس ينتصر؟ إنّ الّتي حرّقت بالسّدّ فاشتعلت ... ولم تقاتل لدى أحجارها هدر إنّ الرّسول متى ينزل بلادكم ... يظعن وليس بها من أهلها بشر قال ابن إسحاق- رحمه الله تعالى- فسلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعني من حنين إلى الطائف على نخلة اليمانية، ثم على قرن ثم على المليح، ثم على بحرة الرّغاء من ليّة، فابتنى بها مسجدا فصلّى فيه، وأقاد يومئذ ببحرة الرّغاء حين نزلها بدم، وهو أوّل دم أقيد به في الإسلام، أتي برجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به. وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهو بليّة بحصن مالك بن عوف فهدم. وصلّى الظّهر بليّة. ثم سلك في طريق يقال لها الضّيقة، فلمّا توجّه إليها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وسأل عن اسمها فقيل: الضّيقة، فقال: «بل هي اليسرى» فخرج منها على نخب حتّى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة قريبا من مال رجل من ثقيف، قد تمنّع فيه، فأرسل إليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «أما إن تخرج وإمّا أن نحرق عليك حائطك» [ (١) ] فأبى أن يخرج فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بإحراقه.
ذكر إعلامه - صلى الله عليه وسلم - بقبر أبي رغال، وما وقع في ذلك من الآيات
روى ابن إسحاق، وأبو داود، والبيهقي عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقول: «حين خرجنا معه إلى الطّائف فمررنا بقبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم «هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلمّا خرج أصابته النّقمة الّتي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه» [ (٢) ] . قال: فابتدره الناس فنبشوه فاستخرجوا منه الغصن.
ذكر محاصرته - صلى الله عليه وسلم - الطائف
قال ابن إسحاق- رحمه الله تعالى-: ثم مضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتّى نزل قريبا من الطّائف، فضرب عسكره، وأشرفت ثقيف على حصنهم- ولا مثال له في حصون العرب- وأقاموا رماتهم، وهم مائة رام، فرموا بالسّهام والمقاليع من بعد من حصنهم، ومن دخل تحت الحصن دلّوا عليه سكك الحديد محماة بالنّار يطير منها الشرر، فرموا المسلمين بالنّبل رميا شديدا، كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراح، وقتل منهم اثنا عشر رجلا، فارتفع- صلى الله عليه وسلم- إلى موضع مسجده اليوم، الذي بنته ثقيف بعد إسلامها، بناه أمية بن عمرو بن وهب بن معتب بن مالك، وكانت فيه سارية لا تطلع عليها الشمس صبيحة كل يوم حتى يسمع لها نقيض أكثر من عشر مرات، فكانوا يرون أن ذلك تسبيح، وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب، فضرب لهما قبّتين وكان يصلّي بين القبّتين طول حصار الطائف كله، وقال عمرو بن أمية الثّقفي- وأسلم بعد ذلك، ولم يكن عند العرب أدهى منه- لا يخرج إلى محمد أحد إذا دعا أحد من أصحابه إلى البراز، ودعوه يقيم ما أقام، وأقبل خالد بن الوليد ونادى: من يبارز؟ فلم يطلع إليه أحد، ثم عاد فلم ينزل إليه أحد، ثم عاد فلم ينزل إليه أحد، فنادى عبد ياليل: لا ينزل إليك أحد، ولكنّا نقيم في حصننا، خبأنا فيه ما يصلحنا سنين، فإذا أقمت حتى يذهب هذا الطعام خرجنا إليك بأسيافنا جميعا حتى نموت عن آخرنا.
فقاتلهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالرمي عليهم وهم يقاتلونه بالرمي من وراء الحصن، فلم يخرج إليه أحد، وكثرت الجراحات له من ثقيف بالنّبل، وقتل جماعة من المسلمين.
ذكر بعثه مناديا ينادي: من نزل من العبيد فهو حر
قال ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير: حدثني عبد الله بن المكرم الثقفي، ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا: نادى منادي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «أيّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حرّ» فخرج من الحصن بضعة عشر رجلا: المنبعث، وكان اسمه المضطجع فسمّاه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المنبعث حين أسلم، وكان عبدا لعثمان بن عامر بن معتّب، وكان جوادا روميّا، والأزرق بن عقبة بن الأزرق وكان عبدا لكلدة- بفتح الكاف وسكون اللام، وبالدال المهملة- الثقفي ثم صار حليفا في بني أمية، ووردان وكان عبدا لعبد الله بن ربيعة الثّقفي، ويحنّس- بضم التّحتية وفتح الحاء المهملة والنون المشدّدة وبالسين المهملة- النّبّال وكان عبدا ليسار بن مالك الثّقفي، وأسلم سيّده بعد، فردّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إليه ولاءه، وإبراهيم بن جابر، وكان عبدا لخرشة- بفتح الخاء المعجمة والراء والشين المعجمة الثّقفي، ويسار، وكان عبدا لعثمان بن عبد الله. وأبو بكرة نفيع- بضم النون وفتح الفاء وسكون التحتية- بن مسروح- بفتح الميم وسكون السين المهملة وضم الراء وبالحاء المهملة- وكان عبدا للحارث بن كلدة، وإنّما كنّي بأبي بكرة لأنه نزل في بكرة من الحصن، ونافع أبو السايب وكان عبدا لغيلان بن سلمة، فأسلم غيلان بعد، فردّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولاءه إليه، ونافع بن مسروح، ومرزوق غلام لعثمان بن عبد الله.
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الطّائف «من خرج إلينا من العبيد فهو حرّ» فخرج عبيد من العبيد فيهم أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- [ (١) ] .
وروى الشيخان عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت سعدا- وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله- وأبا بكرة- وكان قد تسوّر حصن الطائف قالا: سمعنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام»
[ (٢) ] . وفي رواية نزل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- ثلاثة وعشرون من الطائف- فشق ذلك على أهل الطّائف مشقة شديدة، واغتاظوا على غلمانهم- فأعتقهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ودفع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه ويحمله فكان أبو بكرة إلى عمرو بن سعيد بن العاص، وكان الأزرق، إلى خالد بن سعيد بن العاص، وكان وردان إلى أبان بن سعيد بن العاص، وكان يحنّس النّبال إلى عثمان بن عفّان، وكان يسار بن مالك إلى سعد بن عبادة، وكان إبراهيم بن جابر إلى أسيد بن الحضير، وأمرهم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أن يقرئوهم القرآن، ويعلموهم السنن، فلما أسلمت ثقيف تكلمت أشرافهم في هؤلاء المعتقين، منهم الحارث بن كلدة يردونهم إلى الرّق، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «أولئك عتقاء الله، لا سبيل إليهم»
[ (١) ] .
ذكر رميه - صلى الله عليه وسلم - حصن الطائف بالمنجنيق
قال محمد بن عمر: قالوا: وشاور رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصحابه، فقال له سلمان الفارسي- رضي الله عنه-: يا رسول الله أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم، فإنّا كنّا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون. وتنصب علينا، فنصيب من عدوّنا ويصيب منّا بالمنجنيق، وإن لم يكن منجنيق طال الثّواء، فأمره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فعمل منجنيقا بيده، فنصبه على حصن الطائف، وهو أول منجنيق رمي به في الإسلام.
وروى ابن سعد عن مكحول- رحمه الله تعالى- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نصب المنجنيق على أهل الطّائف أربعين يوما، ويقال: قدم به يزيد بن زمعة بن الأسود وبدبّابتين، ويقال: الطفيل بن عمرو، ويقال: خالد بن سعيد قدم من جرش بمنجنيق وبدبّابتين، ونثر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الحسك، شقتين من حسك من عيدان حول حصنهم، ودخل المسلمون من تحت الدّبابة، وهي من جلود البقر. وذلك اليوم يقال له يوم الشّدخة لما شدخ فيه من الناس، ثمّ زحفوا بها إلى جدار الحصن ليحفروه، فأرسلت ثقيف بسكك الحديد المحماة بالنّار، فحرّقت الدّبّابة، فخرج المسلمون من تحتّها وقد أصيب منهم من أصيب، فرمتهم ثقيف بالنّبل، فقتل منهم رجال فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بقطع أعنابهم ونخيلهم وتحريقها، قال عروة: أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كل رجل من المسلمين أن يقطع خمس نخلات وخمس حبلات، فقطع المسلمون قطعا ذريعا.
فنادت ثقيف: لم تقطع أموالنا؟ إمّا أن تأخذها إن ظهرت علينا، وإمّا أن تدعها لله وللرّحم فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: فإني أدعها لله وللرحم فتركها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وكان رجل يقوم على الحصن فيقول: روحوا رعاء الشاء روحوا جلابيب محمّد أتروننا نبتئس على أحبل أصبتموها من كرومنا؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «اللهمّ روّح مروّحا إلى النّار» .
قال سعد بن أبي وقّاص فأرميه بسهم فوقع في نحره فهوى من الحصن ميّتا، فسرّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذلك.
ذكر استئذان عيينة بن حصن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إتيان أهل الطائف يدعوهم إلى الإسلام، وما وقع في ذلك من الآيات
روى أبو نعيم والبيهقي عن عروة بن الزبير- رحمه الله تعالى- قال استأذن عيينة ابن حصن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يأتي أهل الطائف يكلمهم لعل الله تعالى- أن يهديهم، فأذن له، فأتاهم ودخل في حصنهم، وقال بأبي أنتم تمسكوا بمكانكم فو الله لنحن بأذل من العبيد، وأقسم بالله لو حدث به حدث ليملكن العرب عزّا ومنعة، وإياكم أن تعطوا بأيديكم، ولا يتكاثر عليكم قطع هذا الشجر، ثم رجع إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال له: «ما قلت لهم يا عيينة؟» قال: أمرتهم بالإسلام، ودعوتهم إليه، وحذّرتهم النّار، ودللتهم على الجنّة، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «كذبت، بل قلت لهم كذا وكذا» [ (١) ] وقصّ عليه قوله، فقال: صدقت يا رسول الله، أتوب إلى الله وإليك من ذلك.
ذكر اشتداد الأمر وحثه - صلى الله عليه وسلم - على الرمي
قال: وعن عمرو بن عبسة- رضي الله عنه- حاصرنا قصر الطائف مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فسمعته يقول: «من بلغ بسهم فله درجة في الجنة» فبلغت يومئذ ستّة عشر سهما، وسمعته يقول: «من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرّر، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة، وأيّما رجل أعتق رجلا مسلما فإنّ الله سبحانه وتعالى جاعل كلّ عظم من عظامه وقاء كل عظم بعظم، وأيّما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله عز وجلّ جاعل كلّ عظم من عظامها وقاء كل عظم من عظامها في النّار» [ (٢) ] رواه يونس بن بكير وأبو داود والترمذي وصححه النّسائي
ذكر نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن دخول المخنثين على النساء
روى يونس بن بكير في زيادة المغازي، والشيخان عن أم سلمة- رضي الله عنها- قالت: كان عندي مخنّث- وهو في عرف السّلف: الذي لا همّ له إلى النّساء لا غير ذلك.
كما سيأتي: فقال لعبد الله أخي: إن فتح الله عليكم الطائف غدا فإني أدلّك على ابنه غيلان فإنّها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فسمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قوله. فقال: «لا أرى هذا يعلم ما ها هنا لا تدخلنّ هؤلاء عليكن»
وكانوا يرونه من غير أولى الاربة من الرّجال، قال ابن جريج: اسمه هيت. قال ابن إسحاق: كان مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مولى لخالته فاختة بنت عمرو بن عائد مخنّث يقال له ماتع يدخل على نساء رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ويكون في بيته ولا يرى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أنه يفطن لشيء من أمور النّساء ممّا يفطن الرّجال إليه، ولا يرى أن له في ذلك إربا، فسمعه وهو يقول لخالد بن الوليد: يا خالد إن فتح رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الطّائف فلا تفلتنّ منك بادية بنت غيلان، فإنّها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حين سمع هذا منه «لا أرى الخبيث يفطن لما أسمع» ثم قال لنسائه «لا تدخلنه عليكن» فحجب عن بيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- [ (١) ] .
ذكر منام رسول الله صلى الله عليه وسلم الدال على عدم فتح الطائف حينئذ وإذنه بالرجوع واشتداد الرجوع على الناس قبل الفتح
قال ابن إسحاق: وبلغني أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لأبي بكر: «إنّي رأيت أني أهديت لي قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك، فهراق ما فيها» فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «وأنا لا أرى ذلك» .
وروى محمد بن عمر عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: لمّا مضت خمس عشرة من حصار الطّائف، استشار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نوفل بن معاوية الديلي- رضي الله عنه- فقال: «يا نوفل ما ترى في المقام عليهم» قال: يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك. قال ابن إسحاق: ثم إنّ خولة بنت حكيم السّلمية، وهي امرأة عثمان بن مظعون، قالت: يا رسول الله، اعطني، إن فتح الله عليك الطائف- حليّ بادية بنت غيلان، أو حليّ الفارعة بنت عقيل- وكانتا من أحلى نساء ثقيف- فروى: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لها: «وإن كان لم يؤذن لنا في ثقيف يا خولة؟» فخرجت خولة، فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فدخل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله ما حديث حدّثتنيه خولة؟» زعمت أنك قلته؟ قال «قد قلته» قال «أو ما أذن فيهم» قال: «لا» قال: أفلا أؤذن الناس بالرّحيل؟ قال: «بلى» فأذّن عمر بالرّحيل.
وروى الشيخان عن ابن عمرو أو ابن عمر- رضي الله عنهم- قال: لمّا حاصر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الطائف ولم ينل منهم شيئا قال «إنّا قافلون غدا إن شاء الله تعالى» فثقل عليهم، وقالوا: أنذهب ولا نفتح؟ وفي لفظ فقالوا: لا نبرح أو نفتحها، فقال: «اغدوا على القتال» فغدوا فقاتلوا قتالا شديدا، فأصابهم جراح، فقال: «إنّا قافلون غدا إن شاء الله تعالى» قال: فأعجبهم، فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال عروة- رحمه الله تعالى- كما رواه البيهقي- وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الناس أن لا يسرّحوا ظهرهم، فلما أصبحوا، ارتحل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ودعا حين ركب قافلا وقال: «اللهمّ اهدهم واكفنا مؤنتهم»
[ (١) ] .
وروى الترمذي- وحسنه عن جابر- رضي الله عنه- قال: قال يا رسول الله أحرقتنا نار ثقيف، فادع الله- تعالى- عليهم فقال: «اللهم اهد ثقيفا وأت بهم»
[ (٢) ] .
قال ابن إسحاق في رواية يونس وحدثني عبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن المكرم عمن أدركوا من أهل العلم: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حاصر أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك ثم انصرف عنهم ولم يؤذن فيهم، فقدم وفدهم في رمضان فأسلموا، قلت: وسيأتي بيان ذلك في الوفود إن شاء الله تعالى. قال ابن إسحاق في رواية زياد: «وحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، وقيل: عشرين يوما وقيل: بضع عشرة ليلة» قال ابن حزم: وهو الصحيح بلا شك.
وروى الإمام أحمد، ومسلم عن أنس أنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة واستغربه في البداية. قال محمد بن عمر: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لأصحابه حين أرادوا أن يرتحلوا: «قولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده» فلما ارتحلوا واستقبلوا قال: «قولوا آئبون، إن شاء الله تائبون عابدون لربّنا حامدون» .
ذكر من استشهد من المسلمين بالطائف وهم اثنا عشر رجلا
سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية.
وعرفطة- بضم العين المهملة، وسكون الراء، وضم الفاء، وبالطّاء المهملة- ابن حباب- بضم الحاء المهملة، وتخفيف الموحدة.
ويزيد بن زمعة- بفتح الزّاي- وسكون الميم- ابن الأسود- جمح به فرسه إلى حصن الطّائف فقتلوه.
وعبد الله بن أبي بكر الصديق- رضي الله عنهما- رمي بسهم فلم يزل جريحا حتّى مات بالمدينة بعد رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهو غير شهيد عند الشّافعية لأنه توفي بعد انقضاء الحرب بمدّة مديدة.
وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، رمي في الحصن.
وعبد الله بن عامر بن ربيعة.
والسّائب بن الحارث بن قيس السّهمي، وأخوه عبد الله بن الحارث بن قيس.
وجليحة- بضم الجيم، وفتح اللّام، وسكون التّحتية، وبالحاء المهملة، ابن عبد الله.
وثابت بن الجذع- بفتح الجيم والذّال المعجمة وبالعين المهملة، واسمه ثعلبة السّلمي- بفتح السّين، واللّام.
والحارث بن سهل بن أبي صعصعة.
والمنذر بن عبد الله بن نوفل.
وذكر في العيون هنا: رقيم بن ثابت بن ثعلبة مع ذكره له فيمن استشهد بحنين، تبع هناك ابن إسحاق، وهنا ابن سعد.
ذكر مسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الطائف إلى الجعرانة
قالوا: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من الطائف فأخذ على دحنا، ثمّ على قرن المنازل، ثم على نخلة، ثم خرج إلى الجعرانة وهو على عشرة أميال من مكة، قال سراقة بن جعشم رضي الله عنه: لقيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهو منحدر من الطّائف إلى الجعرانة فتخلصت إليه- والنّاس يمضون أمامه أرسالا- فوقفت في مقنب من خيل الأنصار، فجعلوا يقرعونني بالرّماح ويقولون: إليك إليك، ما أنت؟ وأنكروني، حتّى إذا دنوت وعرفت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يسمع صوتي أخذت الكتاب الّذي كتبه لي أبو بكر فجعلته بين إصبعين من أصابعي، ثم رفعت يدي به وناديت: أنا سراقة بن جعشم، وهذا كتابي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «هذا يوم وفاء وبرّ، ادنوه فأدنيت منه، فكأني أنظر إلى ساق رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- في غرزه كأنها الجمارة، فلمّا انتهيت إليه سلمت وسقت الصّدقة إليه، وما ذكرت شيئا أسأله عنه إلا أنّي قلت: يا رسول الله أرأيت الضالة من الإبل تغشى حياضي وقد ملأتها لإبلي هل لي من أجر إن سقيتها؟ قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «نعم في كلّ ذات كبد حرّى أجر»
رواه قال محمد بن عمر: وقد كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كتب لسراقة كتاب موادعة سأل سراقة إياه، فأمر به فكتب له أبو بكر، أو عامر بن فهيرة، وتقدم بيان ذلك في أبواب الهجرة إلى المدينة.
وروى محمد بن عمر عن أبي رهم الغفاري- رضي الله عنه- قال: بينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يسير وأنا إلى جنبه، وعليّ نعلان غليظان، إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأوجعته، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «أوجعتني أخّر رجلك» وقرع رجلي بالسوط فأخذني ما تقدم من أمري وما تأخر، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن لعظم ما صنعت، فلمّا أصبحنا بالجعرانة، خرجت أرعى الظّهر وما هو يومي، فرقا أن يأتي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ورسول الله يطلبني، فلمّا روّحت الرّكاب سألت: فقيل لي طلبك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقلت: إحداهن والله، فجئت وأنا أترقب، فقال «إنّك أوجعتني برجلك، فقرعتك بالسّوط فأوجعتك، فخذ هذه الغنم عوضا عن ضربي» قال أبو رهم: فرضاه عنّي كان أحب إلى من الدنيا وما فيها. وقال ابن إسحاق في رواية سلمة: حدّثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلا ممن شهد حنينا قال والله إني لأسير إلى جنب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على ناقة لي وفي رجلي نعل غليظة إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأوجعته فقرع قدمي بالسّوط، وقال: «أوجعتني فتأخّر عنّي» فانصرفت، فلما كان من الغد إذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يلتمسني، فقلت: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالأمس، قال فجئته وأنا أترقب فقال «إنّك أصبت رجلي بالأمس فأوجعتني فقرعت قدمك بالسّوط فدعوتك لأعوّضك منها» فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني. قال ابن إسحاق وغيره: ونزل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الجعرانة فيمن معه، ومعه سبي هوازن ستّة آلاف من الذّراري والنساء، ومن الإبل والشاء ما لا ندري عدته. وذكر محمد بن عمر، وابن سعد، أن السّبي كان ستّة آلاف رأس. والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم لا يدري عدّتها وقال ابن سعد: أكثر من أربعين ألفا، وأربعة آلاف أوقية فضة، فاستأنى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالسّبي لكي يقدم عليه وفدهم.
ذكر دعائه - صلى الله عليه وسلم - على من أبى أن يرد شيئا من السبي أن يخيس
روى أبو نعيم عن عطية السعدي- رضي الله عنه- أنه كان ممن كلّم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في سبي هوازن، وكلّم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصحابه، فردّوا عليهم سبيهم إلا رجلا واحدا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «اللهم أخس سهمه» فكان يمر بالجارية فيدع ذلك حتى مر بعجوز، فقال آخذ هذه فإنها أمّ حي فيفدونها عليه. فكبر عطية وقال: خذها. خذها والله ما فوها ببارد ... ولا ثديها بناهد ولا زوجها بواحد ... عجوز يا رسول الله مالها أحد فلما رأى أنه لا يعرض لها أحد تركها.
وذكر ابن إسحاق ومحمد بن عمر واللفظ له: أن عيينة بن حصن حين أبى أن يردّ حظّه من السّبي خيّروه في ذلك، فنظر إلى عجوز كبيرة، فقال: هذه أمّ الحيّ، لعلهم أن يغلوا فداءها، فإنه عسى أن يكون لها في الحيّ نسب، فجاء ابنها إلى عيينة فقال: هل لك في مائة من الإبل؟ فقال عيينة: لا، فرجع عنه وتركه ساعة فقالت العجوز: ما أربك فيّ، بعد مائة ناقة، أتركه فما أسرع أن يتركني بغير فداء، فلمّا سمعها عيينة قال: ما رأيت كاليوم خدعة، قال: ثم مرّ عليه ابنها فقال له عيينة: هل لك في العجوز لما دعوتني إليه؟ قال ابنها: لا أزيدك على خمسين. قال عيينة: لا أفعل، قال: فلبث ساعة ثم مر به أخرى وهو يعرض عنه فقال له عيينة: هل لك في العجوز بالّذي بذلت لي؟ قال الفتى: لا أزيدك على خمس وعشرين فريضة هذا الّذي أقوى عليه، قال عيينة: لا أفعل والله، بعد مائة فريضة خمس وعشرون!! فلمّا تخوّف عيينة أن يتفرّق الناس ويرتحلوا، جاء عيينة فقال: هل لك إلى ما دعوتني إليه إن شئت؟ فقال الفتى: هل لك في عشر فائض أعطيكها، قال عيينة: والله لا أفعل، قال الفتى: والله ما ثديها بناهد ولا بطنها بوالد، ولا فوها ببارد، ولا صاحبها بواجد، فأخذتها من بين من ترى، قال عيينة: خذها لا بارك الله لك فيها، فقال الفتى: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قد كسا السّبي فاخطأها من بينهم بالكسوة، فهل أنت كاسيها ثوبا؟ فقال: لا والله ما ذلك لها عندي، قال: لا وتفعل، فما فارقه حتى أخذ منه سمل ثوب، ثم ولّى الفتى وهو يقول: والله إنّك لغير بصير بالفرض.
وذكر محمد بن إسحاق انّه ردها بستّ فرائض.
وروى البيهقي عن الإمام الشافعي- رضي الله عنه- أنه ردّها بلا شيء.
ذكر إعطائه - صلى الله عليه وسلم - المؤلفة قلوبهم قبل غيرهم
قال ابن إسحاق: أعطى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- المؤلفة قلوبهم، وكانوا أشرافا من أشراف العرب، يتألفهم ويتألف بهم قومهم. قال محمد بن عمر، وابن سعد: بدأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالأموال فقسمها، وأعطى المؤلفة قلوبهم أوّل الناس، قلت: فمنهم من أعطاه مائة بعير وأكثر، ومنهم من أعطاه خمسين، وجميع ذلك يزيد على الخمسين، وقد ذكرهم أبو الفرج ابن الجوزي في التّلقيح، وابن طاهر في مبهماته، والحافظ في الفتح، والبرهان الحلبي في النور، وهو أحسنهم سياقا وأكثرهم عددا، وعند كلّ منهم ما ليس عند الآخر، ولم يتعرض أحد منهم لما أعطى كلّ واحد، وقد تعرض محمد بن عمر، وابن سعد، وابن إسحاق لبعض ذلك كما سأنبّه عليه وهم: أبيّ- بضم الهمزة، وتشديد التحتية وهو الأخنس- بالخاء المعجمة والنون والسين المهملة، بن شريق- بالشين المعجمة والقاف.
أحيحة- بمهملتين مصغر- بن أميّة.
أسيد- بفتح أوله وكسر السين المهملة- بن جارية. بالجيم والتحتية- الثقفيّ، أعطاه مائة.
الأقرع- بالقاف والراء- ابن حابس- بالحاء المهملة وبالموحدة والسين المهملة- التميمي، أعطاه مائة.
جبير- بالجيم والموحّدة مصغر- بن مطعم- بضم الميم وسكون الطاء وكسر العين المهملتين.
الجدّ- بكسر الجيم وتشديد الدال المهملة- بن قيس الهميّ، كذا أورده التلقيح، ولم يذكره الحافظ في الفتح ولا في الإصابة، وإنما ذكره فيهما الجدّ بن قيس الأنصاريّ، ولم يتعرض لكونه من المؤلفة ولم يذكر في النور أنه سهميّ أو أنصاري، فإن صح أنه سهمي فهو وارد على الإصابة.
الحارث بن الحرث بن كلدة- بفتح الكاف واللام وبالدال المهملة. أعطاه مائة.
الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، أعطاه مائة.
حاطب بن عبد العزى العامري.
حرملة بن هوذة- بفتح الهاء وسكون الواو وبالذال المعجمة بن ربيعة بن عمرو بن عامر العامريّ.
حكيم- بوزن أمير- بن حزام- بكسر الحاء المهملة، وبالزاي- بن خويلد، أعطاه مائة، ثمّ سأله مائة أخرى، فأعطاه أياها.
روى الشيخان وغيرهما ومحمد بن عمر- واللفظ له- عن حكيم بن حزام- رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بحنين مائة من الإبل فأعطانيها ثم سألته مائة من الإبل فأعطانيها ثم قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «يا حكيم إنّ هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالّذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السّفلى، وابدأ بمن تعول» فقال: والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا، فكان عمر بن الخطاب يدعوه إلى عطائه فيأبى، أن يأخذه، فيقول عمر: أيّها الناس أشهدكم على حكيم بن حزام، أدعوه إلى عطائه فيأبى أن يأخذه [ (١) ] . قال ابن أبي الزناد: أخذ حكيم المائة الأولى فقط وترك الباقي.
حكيم بن طليق- بوزن أمير- ابن سفيان.
حويطب- بضم المهملة، وفتح الواو، وسكون التحتية، وكسر الطاء المهملة وبالموحدة- ابن عبد العزّى القرشي العامريّ، أعطاه مائة.
خالد بن أسيد- بوزن أمير- ابن أبي العيص بن أميّة.
خالد بن قيس السهميّ.
خالد بن هوذة- بفتح الهاء وبالذال المعجمة- ابن ربيعة بن عامر العامري.
خلف بن هشام، نقله في النور عن بعض مشايخه عن الصغاني، ثم قال في النور: أنا لا أعرفه في الصحابة قلت: لم يذكره الذهبي في التجريد، ولا الحافظ في الإصابة، فإن صحّ فهو وارد عليه.
وذكر في العيون: رقيم بن ثابت بن ثعلبة، وتقدم أنه استشهد بحنين والله أعلم.
زهير بن أبي أمية بن المغيرة أخو أم المؤمنين أم سلمة.
زيد الخيل بن مهلهل الطائي، عزاه في الفتح لتلقيح ابن الجوزي، ولم أجده في نسختين.
السّائب بن أبي السائب.
صيفي بن عائذ- بهمزة بعد الألف فذال معجمة- المخزومي.
سعيد بن يربوع بن عنكثة- بفتح العين المهملة- وسكون النون وفتح الكاف، والثاء المثلثة، أعطاه خمسين.
سفيان- بالحركات الثلاث في سينه وبسكون الفاء وبالتحتية- بن عبد الأسد المخزوميّ.
سهل بن عمرو بن عبد شمس العامريّ وأخوه سهيل بن عمرو، أعطاه مائة.
شيبة بن عثمان القرشي العبدريّ.
صخر بن حرب أبو سفيان، أعطاه مائة من الإبل وأربعين أوقية فضة.
صفوان بن أمية الجمحيّ، أعطاه مائة، وروى البخاري عن صفوان قال: ما زال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إليّ حتى ما خلق الله- تعالى- شيئا هو أحب إلي منه. وفي صحيح مسلم أنه- صلى الله عليه وسلّم- أعطاه مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة [ (١) ] ، قال محمد بن عمر: يقال إنّ صفوان طاف مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يتصفّح الغنائم إذ مرّ بشعب مملوء إبلا ممّا أفاء الله به على رسوله- صلى الله عليه وسلم- فيه غنم وإبل ورعاؤها مملوء، فأعجب صفوان وجعل ينظر إليه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أعجبك هذا الشّعب يا أبا وهب؟» قال: نعم. قال: «هو لك بما فيه» فقال صفوان: أشهد أنك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما طابت بهذا نفس أحد قط إلا نبي.
طليق بن سفيان والد حكيم السابق.
العباس بن مرداس- بكسر الميم وسكون الراء وبالدال المهملة. قال ابن إسحاق: أعطاه أباعر، وقال محمد بن عمر وابن سعد: أربعا من الإبل فسخطها.
وروى الإمام أحمد، ومسلم، والبيهقي عن رافع بن خديج- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين كل رجل منهم مائة من الإبل، فذكر الحديث فيه [ (٢) ] : وأعطى العباس بن مرداس دون المائة، نقص من المائة ولم يبلغ به أولئك، فأنشأ العباس بن مرداس يقول: أتجعل نهبي ونهب العب ... يد بين عيينة والأقرع فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع وقد كنت في الحرب ذا تدرإ ... فلم أعط شيئا ولم أمنع وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع فأتمّ له رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- المائة، ورواه البيهقي [ (١) ] عن ابن إسحاق رحمه الله بلفظه: فقال العباس بن مرداس يعاتب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: كانت نهابا تلافيتها ... بكرّي على المهر في الأجرع وإيقاظي القوم أن يرقدوا ... إذا أهجع النّاس لم أهجع فأصبح نهبي ونهب العبى ... د بين عيينة والأقرع وقد كنت في الحرب ذا تدرإ ... فلم أعط شيئا ولم أمنع وإلّا أفائل أعطيتها ... عديد قوائمها الأربع وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع فبلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فدعاه وقال: «أنت القائل فأصبح نهبي، ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟» فقال أبو بكر الصديق: - رضي الله عنه- بأبي أنت وأمي لم يقل كذلك، ولا والله ما أنت بشاعر، وما ينبغي لك، وما أنت براوية. قال: «فكيف قال» ؟ فأنشده أبو بكر- رضي الله عنه- فقال النبي- صلى الله عليه وسلّم- «اقطعوا عنّي لسانه»
ففزع منها ناس، وقالوا: أمر بالعبّاس بن مرداس أن يمثّل به، وإنما أراد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بقوله: «اقطعوا عنّي لسانه» أي يقطعوه بالعطيّة من الشاء والغنم.
عبد الرحمن بن يربوع الثّقفي.
عثمان بن وهب المخزوميّ أعطاه خمسين.
عديّ بن قيس بن حذافة السّهميّ أعطاه خمسين.
عكرمة بن عامر العبدريّ.
عكرمة بن أبي جهل.
عمرو بن هشام، نقله في النور عن بعض مشايخه عن ابن التين.
علقمة بن علاثة- بضمّ العين والتخفيف، وبالثاء المثلثة- بن عوف- بالفاء عمرو بن الأهتم- بالفوقية.
عمرو بن بعكك- بموحدة، فعين مهملة، فكافين، وزن جعفر، أبو السّنابل- جمع سنبلة عمرو بن مرداس السّلميّ أخو عباس.
عمير- بضم أوله، وفتح الميم، وسكون التحتية- بن ودقة- بفتح الواو والدّال المهملة.
عمير بن وهب الجمحيّ، أعطاه خمسين.
العلاء بن جارية- بالجيم والتحتية- الثّقفيّ أعطاه خمسين. وقال ابن إسحاق: مائة.
عيينة- بضم العين المهملة، وكسرها، وفتح التحتية الأولى- بن حصن- بكسر الحاء، وبالصّاد المهملتين وبالنون- الفزاريّ، أعطاه مائة.
قيس بن عديّ السّهميّ، أعطاه مائة كذا ذكره ابن إسحاق، ومحمد بن عمر. وقال بعضهم: صوابه عديّ بن قيس- على العكس- وقال الحافظ: هما واحد فانقلب، أم اثنان؟ قلت: وهو الظّن، لاتّفاق ابن إسحاق والواقدي على ذلك.
قيس بن مخرمة- بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الراء، والميم- ابن المطلب بن عبد مناف.
كعب بن الأخنس نقله في النّور عن بعض مشايخه، ثم قال: ولا أعرفه أنا. قلت: لا ذكرته في التّجريد، ولا في الإصابة.
لبيد- بوزن أمير- بن ربيعة العامريّ.
مالك بن عوف بالفاء- النّصري بالنّون، والصّاد المهملة- رأس هوازن، أعطاه مائة.
مخرمة- بفتح الميم، والرّاء، وسكون الخاء المعجمة بينهما، - بن نوفل الزهريّ، أعطاه خمسين.
مطيع بن الأسود القرشيّ العدويّ.
معاوية بن أبي سفيان.
أبو سفيان صخر بن حرب، أعطاه مائة من الإبل وأربعين أوقية فضلة.
المغيرة بن الحارث أبو سفيان القرشي الهاشمي.
النّضير- بالضاد المعجمة والتصغير- بن الحرث بن علقمة، أعطاه مائة من الإبل.
نوفل بن معاوية الكنانيّ.
هشام بن عمرو القرشيّ العامريّ أعطاه خمسين.
هشام بن الوليد المخزوميّ.
يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب أعطاه مائة بعير وأربعين أوقية.
أبو الجهم بن حذيفة بن غانم القرشيّ العدويّ.
أبو السنابل، اسمه عمرو، تقدم.
فهؤلاء بضع وخمسون رجلا لعلك لا تجدهم مجموعين محرّرين هكذا في كتاب غير هذا الكتاب والله الموفّق للصواب.
وروى البخاري عن أبي موسى الأشعري [ (١) ]- رضي الله عنه- قال: كنت عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة- ومعه بلال- فأتى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أعرابيّ فقال: ألا تنجزني ما وعدتني؟ فقال له: «أبشر» فقال: قد أكثرت عليّ من البشر. فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال: «ردّ البشرى فاقبلا أنتما، قالا قبلنا» ثم دعا بقدح فغسل يديه ووجهه، ومج فيه، ثم قال: «اشربا منه وافرغا على وجوهكما ونحوركما، وأبشرا» فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر: أن أفضلا لأمكما، فأفضلا منه طائفة. قالوا: ثم أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- زيد بن ثابت بإحضار الناس والغنائم، ثم فضّها على الناس فكانت سهامهم، لكل رجل أربع من الإبل أو أربعون شاة، فإن كان فارسا أخذ اثنتي عشرة من الإبل أو عشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس واحد لم يسهم له.
ذكر عتب جماعة من الأنصار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أعطى قريشا ولم يعط الأنصار شيئا وجمعه إياهم واستعطافه لهم
روى ابن إسحاق، والإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري، والإمام أحمد، والشيخان من طريق أنس بن مالك، والشيخان عن عبد الله بن يزيد بن عاصم- رضي الله عنهم- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أصاب غنائم حنين، وقسم للمتألّفين من قريش وسائر العرب ما قسم، وفي رواية: طفق يعطي رجلا المائة من الإبل، ولم يكن في الأنصار منها شيء قليل ولا كثير، فوجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثر فيهم القالة حتّى قال قائلهم: يغفر الله- تعالى- لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن هذا لهو العجب يعطي قريشا، وفي لفظ الطّلقاء والمهاجرين، ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا وددنا أنّا نعلم ممن كان هذا، فإن كان من أمر الله تعالى صبرنا، وإن كان من رأي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- استعتبناه [ (٢) ] .
وفي حديث أبي سعيد: فقال رجل من الأنصار لأصحابه: لقد كنت أحدثكم أن لو استقامت الأمور لقد آثر عليكم. فردّوا عليه ردّا عنيفا. قال أنس: فحدّث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بمقالتهم، وقال أبو سعيد: فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله: أن هذا الحيّ قد وجدوا عليك في أنفسهم. قال: «فيم» قال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شيء، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «فأين أنت من ذلك يا سعد» ؟ قال: ما أنا إلا امرؤ من قومي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة، وفي لفظ في هذه القبّة، فإذا اجتمعوا فأعلمني» ، فخرج سعد يصرخ فيهم حتّى جمعهم في تلك الحظيرة. وقال أنس: فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبّة من أدم ولم يدع غيرهم، فجاء رجال من المهاجرين فأذن لهم فيهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، حتى إذا لم يبق أحد من الأنصار إلّا اجتمع له. أتاه فقال يا رسول الله: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم، فخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فقال: «هل منكم أحد من غيركم» ؟ قالوا: لا يا رسول الله إلا ابن أختنا، قال: «ابن أخت القوم منهم» فقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلّالا فهداكم الله- تعالى- وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألّف بين قلوبكم، وفي رواية متفرّقين فألّفكم الله؟ - قالوا: بلى يا رسول الله، الله ورسوله أمنّ وأفضل.
وفي رواية قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟» قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ وماذا نجيبك؟ المنّ لله- تعالى- ولرسوله- صلى الله عليه وسلّم-: «والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدّقتم، جئتنا طريدا فاويناك، وعائلا فأسيناك، وخائفا فأمّنّاك، ومخذولا فنصرناك، ومكذّبا فصدّقناك» فقالوا: المنّ لله- تعالى- ورسوله، فقال: «وما حديث بلغني عنكم؟» فسكنوا، فقال: «ما حديث بلغني عنكم» ؟ فقال فقهاء الأنصار: أمّا رؤساؤنا فلم يقولوا شيئا، وأمّا أناس منّا حديثة أسنانهم قالوا يغفر الله- تعالى- لرسوله- صلى الله عليه وسلّم- يعطي قريشا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم!! فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «إنّي لأعطي رجالا حديثي عهد بكفر لأتألّفهم بذلك»
[ (١) ] .
وفي رواية إنّ قريشا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألّفهم، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدّنيا تألّفت بها قوما أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله- تعالى- لكم من الإسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب النّاس إلى رحالهم بالشّاة والبعير وتذهبون برسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى رحالكم تحوزونه إلى بيوتكم، فو الله لمن تنقلبون به خير ممّا ينقلبون به، فو الذي نفسي بيده لو أنّ النّاس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار.
وفي رواية لو سلك النّاس واديا وسلكت الأنصار شعبا- أنتم الشّعار والنّاس دثار، الأنصار كرشي وعيبتيّ، ولولا أنّها الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، اللهمّ ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله ورسوله حظّا وقسما.
وذكر محمد بن عمر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أراد حين إذ دعاهم أن يكتب بالبحرين لهم خاصة بعده دون الناس، وهي يومئذ أفضل ما فتح عليه من الأرض، فقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا بعدك، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «إنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»
وكان حسان بن ثابت- رضي الله عنه- قال قبل جمع النبي- صلى الله عليه وسلم- الأنصار. زاد الهموم فماء العين منحدر ... سحّا إذا حفلته عبرة درر وجدا بشمّاء إذ شمّاء بهكنة ... هيفاء لا ذنن فيها ولا خور دع عنك شمّاء إذ كانت مودّتها ... نزرا وشرّ وصال الواصل النّزر وائت الرّسول فقل يا خير مؤتمن ... للمؤمنين إذا ما عدّد البشر علام تدعى سليم وهي نازحة ... قدّام قوم هموا آووا وهم نصروا سمّاهم الله أنصارا بنصرهم ... دين الهدى وعوان الحرب تستعر وسارعوا في سبيل الله واعترضوا ... للنّائبات وما خافوا وما ضجروا والنّاس إلب علينا فيك ليس لنا ... إلّا السّيوف وأطراف القنا وزر نجالد النّاس لا نبقي على أحد ... ولا نضيّع ما توحي به السّور ولا تهرّ جناة الحرب نادينا ... ونحن حين تلظّى نارها سعر كما رددنا ببدر- دون ما طلبوا- ... أهل النّفاق ففينا ينزل الظّفر ونحن جندك يوم النّعف من أحد ... إذ حزّبت بطرا أحزابها مضر فما ونينا وما خمنا وما خبروا ... منّا عثارا وكلّ النّاس قد عثروا
ذكر اعتراض بعض الجهلة من أهل الشقاق والنفاق على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القسمة العادلة، وما وقع في ذلك من الآيات
روى الشيخان والبيهقي عن ابن مسعود- رضي الله عنه- قال: لما قسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لنا هوازن يوم حنين آثر أناسا من أشراف العرب، قال رجل من الأنصار: هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله، فقلت: والله لأخبرنّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، فتغيّر وجهه حتى صار كالصّرف وقال: «فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله، رحمة الله على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» [ (١) ] .
والرجل المبهم: قال محمد بن عمر هو معتّب بن قشير.
قصة أخرى
روى ابن إسحاق عن ابن عمرو، والإمام والشيخان عن جابر، والشيخان والبيهقي عن أبي سعيد- رضي الله عنهم- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بينا هو يقسم غنائم هوازن إذ قام إليه رجل- قال ابن عمر وأبو سعيد: من تميم يقال له ذو الخويصرة، فوقف عليه وهو يعطي الناس فقال: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «أجل، فكيف رأيت؟» قال: لم أرك عدلت، اعدل. فغضب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وقال: «شقيت إن لم أعدل، ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ » فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «معاذ الله أن يتحدّث النّاس أنّي أقتل أصحابي، دعوه فإنّه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدّين حتّى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يوجد فيه شيء، ثمّ في القدح فلا يوجد فيه شيء، ثمّ في الفوق فلا يوجد فيه شيء، وفي لفظ ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نصيبه وهو قدحه، فلا يوجد فيه شيء ثمّ ينظر ألى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدّم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم» ولفظ رواية جابر: «إنّ هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرّميّة، آيتهم أن فيهم رجلا أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس» وفي رواية «على حين فرقة» . قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس حتى أتى به، حتّى نظرت إليه على نعت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الّذي نعت.
ذكر قدوم مالك بن عوف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن يذكر معه
قالوا: وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لوفد هوازن: «ما فعل مالك بن عوف» قالوا يا رسول الله: هرب فلحق بحصن الطائف مع ثقيف. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «أخبروه أنّه إن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل» وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أمر بحبس أهل مالك بمكة عند عمتهم أم عبد الله بنت أبي أمية، فقال الوفد: يا رسول الله- أولئك سادتنا وأحبنا إلينا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «إنّما أريد بهم الخير» فوقف مال مالك فلم يجر فيه السهام، فلما بلغ مالكا ما فعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في قومه وما وعده رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأن أهله وماله موفور وقد خاف مالك ثقيفا على نفسه أن يعلموا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال له ما قال، فيحبسونه، فأمر راحلته فقدّمت له حتى وضعت لديه بدحنا، وأمر بفرس له فأتي به ليلا فخرج من الحصن فجلس على فرسه ليلا، فركضه حتى أتى دحنا فركب بعيره حتى لحق برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأدركه بالجعرانة- أو بمكة- فرد عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أهله وماله، وأعطاه مائة من الإبل وأسلم فحسن إسلامه، فقال مالك حين أسلم: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... في النّاس كلّهم بمثل محمّد أوفى وأعطى للجزيل إذا احتذي ... ومتى تشأ يخبرك عمّا في غد وإذا الكتيبة عرّدت أنيابها ... بالسّمهريّ وضرب كلّ مهنّد فكأنّه ليث على أشباله ... وسط الهباءة خادر في مرصد فاستعمله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على من أسلم من قومه، ومن تلك القبائل من هوازن وفهم وسلمة وثمالة. وكان قد ضوى إليه قوم مسلمون، واعتقد له لواء، فكان يقاتل بهم من كان على الشّرك ويغير بهم على ثقيف فيقاتلهم بهم، ولا يخرج لثقيف سرح إلا أغار عليه، وقد رجع حين رجع- وقد سرح الناس مواشيهم، وأمنوا فيما يرون حين انصرف رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عنهم، وكان لا يقدر على سرح إلا أخذه، ولا على رجل إلّا قتله، وكان يبعث إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بالخمس مما يغنم، مرة مائة بعير، ومرّة ألف شاة، ولقد أغار على سرح لأهل الطائف فاستاق لهم ألف شاة في غداة واحدة.
ذكر مجيء أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبيه وأخيه من الرضاعة
روى أبو داود، وأبو يعلى، والبيهقي، عن أبي الطفيل- رضي الله عنه- قال: كنت غلاما أحمل نضو البعير ورأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقيم بالجعرانة وامرأة بدوية، فلمّا دنت من النبي- صلى الله عليه وسلم- بسط لها رداءه فجلست عليه، فقلت: من هذه؟ فقالوا: أمّه التي أرضعته.
وروى أبو داود في المراسيل عن عمر بن السائب- رحمه الله تعالى- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جالسا يوما، فجاء أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمّه فوضع لها شقّ ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه ثم جاء أخوه من الرضاعة فقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأجلسه بين يديه.
ذكر رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة
قال محمد بن عمر وابن سعد: انتهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة، فأقام بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة، وأمر ببقايا السبي فحبس بمجنّة بناحية مرّ الظهران. قال في البداية والظاهر أنه- صلى الله عليه وسلم- إنما استبقى بعض المغنم ليتألّف به من يلقاه من الأعراب بين مكة والمدينة: فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا، فأحرم بعمرة من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى، ودخل مكة فطاف وسعى ماشيا، وحلق ورجع إلى الجعرانة من ليلته، وكأنه كان بائتا بها، واستخلف عتّاب- بالمهملة وتشديد الفوقية وبالموحدة- ابن أسيد بالدّال- كأمير- على مكة- وكان عمره حينئذ نيفا وعشرين سنة- وخلف معه معاذ بن جبل- زاد محمد بن عمر والحاكم: وأبا موسى الأشعري- رضي الله عنهم يعلّمان الناس القرآن والفقه في الدين، وذكر عروة بن عقبة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- خلف عتّابا ومعاذا بمكة قبل خروجه إلى هوازن، ثم خلّفهما حين رجع إلى المدينة. قال ابن هشام: وبلغني عن زيد بن أسلم- رحمه الله تعالى- أنه قال: لمّا استعمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عتّابا على مكة رزقه كلّ يوم درهما، فقام فخطب الناس فقال: «أيها الناس، أجاع الله كبد من جاع على درهم!! فقد رزقني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- درهما كلّ يوم، فليست لي حاجة إلى أحد» . قلت: ترجمته وبعض محاسنه في تراجم الإمراء. قال محمد بن عمر وابن سعد: فلما فرغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من أمره غدا يوم الخميس راجعا إلى المدينة، فسلك في وادي الجعرانة، حتى خرج على سرف، ثم أخذ في الطريق إلى مرّ الظّهران، ثم إلى المدينة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة- فيما زعمه- أبو عمرو المدني. قال أبو عمرو: وكانت مدة غيبته- صلى الله عليه وسلّم- من حين خرج من المدينة إلى مكة فافتتحها، وواقع هوازن، وحارب أهل الطائف إلى أن رجع إلى المدينة شهرين وستة عشر يوما.
ذكر بعض ما قيل من الشعر في هذه الغزوة
قال بجير بن زهير بن أبي سلمى- بضم أوائل الثلاثة- رضي الله عنه- يذكر حنينا والطائف: كانت علالة يوم بطن حنين ... وغداة أوطاس ويوم الأبرق جمعت بإغواء هوازن جمعها ... فتبدّدوا كالطّائر المتمزّق لم يمنعوا منّا مقاما واحدا ... إلّا حبارهم وبطن الخندق ولقد تعرّضنا لكيما يخرجوا ... فتحصّنوا منّا بباب مغلق ترتدّ حسرانا إلى رجراجة ... شهباء تلمع بالمنايا فيلق ملمومة خضراء لو قذفوا بها ... حصنا لظلّ كأنّه لم يخلق مشي الضّراء على الهراس كأنّنا ... قدر تفرّق في القياد وتلتقي في كلّ سابغة إذا ما استحصنت ... كالنّهي هبّت ريحه المترقرق جدل تمسّ فضولهنّ نعالنا ... من نسج داود وآل محرّق وقال كعب بن مالك- رضي الله عنه- في مسير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف. قضينا من تهامة كلّ ريب ... وخيبر ثمّ أجممنا السّيوفا نخبّرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهنّ دوسا أو ثقيفا فلست بحاضن إن لم تروها ... بساحة داركم منّا ألوفا وننتزع العروش ببطن وجّ ... وتصبح دوركم منكم خلوفا ويأتيكم لنا سرعان خيل ... يغادر خلفه جمعا كثيفا إذا نزلوا بساحتكم سمعتم ... لها ممّا أناخ بها رجيفا بأيديهم قواضب مرهفات ... يزدن المصطلين بها الحتوفا كأمثال العقائق أخلفتها ... قيون الهند لم تضرب كتيفا تخال جديّة الأبطال فيها ... غداة الزّحف جاديّا مدوفا أجدّهم أليس لهم نصيح ... من الأقوام كان بنا عريفا يخبّرهم بأنّا قد جمعنا ... عتاق الخيل والنّحت الطّروفا وأنّا قد أتيناهم بزحف ... يحيط بسور حصنهم صفوفا رئيسهم النّبيّ وكان صلبا ... نقيّ القلب مصطبرا عزوفا رشيد الأمر ذا حكم وعلم ... وحلم لم يكن نزقا خفيفا نطيع نبيّنا ونطيع ربّا ... هو الرّحمن كان بنا رءوفا فإن تلقوا إلينا السّلم نقبل ... ونجعلكم لنا عضدا وريفا وإن تأبوا نجاهدكم ونصبر ... ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا نجالد ما بقينا أو تنيبوا ... إلى الإسلام إذعانا مضيفا نجاهد لا نبالي من لقينا ... أأهلكنا التّلاد أم الطّريفا وكم من معشر ألبوا علينا ... صميم الجذم منهم والحليفا أتونا لا يرون لهم كفاء ... فجذّعنا المسامع والأنوفا بكلّ مهنّد لين صقيل ... نسوقهم بها سوقا عنيفا لأمر الله والإسلام حتّى ... يقوم الدّين معتدلا حنيفا ونفني اللّات والعزّى وودّا ... ونسلبها القلائد والشّنوفا فأمسوا قد أقرّوا واطمأنّوا ... ومن لا يمتنع يقبل خسوفا
تنبيهات
الأول: الطائف بلد كثير الأعناب والنخيل على ثلاث مراحل من مكة من جهة المشرق، قال في القاموس: سمي بذلك لأنه طاف بها في الطوفان، أو لأن جبريل- صلى الله عليه وسلّم- طاف بها على البيت، أو لأنها كانت بالشام فنقلها الله تعالى إلى الحجاز بدعوة إبراهيم- صلى الله عليه وسلم- أو لأن رجلا من الصدف أصاب دما بحضر موت ففرّ إلى وج، وحالف مسعود بن معتّب، وكان معه مال عظيم، فقال: هل لكم أن أبني لكم طرفا عليكم يكون لكم ردءا من العرب؟ فقالوا: نعم. فبناه بماله وهو الحائط المطيف به.
الثاني: اقتضت حكمة الله تعالى- تأخير فتح الطائف في ذلك العام لئلّا يستأصلوا أهله قتلا، لأنه تقدم في باب سفره إلى الطائف أنه- صلى الله عليه وسلم- لما خرج إلى الطائف دعاهم إلى الله- تعالى- وأن يؤوه حتى يبلّغ رسالة ربه تبارك وتعالى، وذلك بعد موت عمه أبي طالب فردّوا عليه ردّا عنيفا، وكذّبوه ورموه بالحجارة حتّى أدموا رجليه، فرجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مهموما فلم يستفق من همومه إلا عند قرن الثعالب [ (١) ] فإذا هو بغمامة وإذ فيها جبريل- صلى الله عليه وسلم- ومعه ملك الجبال- صلى الله عليه وسلّم- فناداه ملك الجبال، فقال: يا محمد أن الله- تعالى- يقرئك السّلام، وقد سمع قولة قومك وما ردّوا عليك فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت» ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «بل أستأني بهم لعلّ الله عز وجل أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله- تعالى- وحده لا يشرك به شيئاً»
فناسب قوله: بل أستأني بهم أن لا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم، وإن يؤخّر الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام القابل كما سيأتي في الوفود.
الثالث: لما منع الله سبحانه وتعالى- الجيش غنائم مكة فلم يغنموا منها ذهبا ولا فضة ولا متاعا ولا سبيا ولا أرضا، وكانوا قد فتحوها بأنجاب الخيل والرّكاب، وهم عشرة آلاف وفيهم حاجة إلى ما يحتاجه الجيش من أسباب القوة، حرّك الله- سبحانه وتعالى- قلوب المشركين في هوازن لحربهم، وقذف في قلب كبيرهم مالك بن عوف إخراج أموالهم ونعمهم وشابّهم وشيبهم معهم نزلا وكرامة وضيافة لحرب الله- تعالى- وجنده، وتمّم تقديره تعالى بأن أطمعهم في الظّفر، وألاح لهم مبادئ النصر ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ولو لم يكن يقذف الله- تعالى- في قلب رئيسهم مالك بن عوف أن سوقهم معهم هو الصواب لكان الرأي ما أشار به دريد، فخالفه فكان ذلك سببا لتصييرهم غنيمة للمسلمين، فلما أنزل الله تعالى نصره على رسوله وأوليائه وردّت الغنائم لأهلها وجرت فيها سهام الله- تعالى- ورسوله، قيل لا حاجة لنا في دمائكم ولا في نسائكم وذراريكم، فأوحى الله- تعالى- إلى قلوبهم التوبة فجاءوا مسلمين. فقيل من شكران إسلامكم وإتيانكم أن تردّ عليكم نساؤكم وأبناؤكم وسبيكم وإِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنفال ٧٠] .
الرابع: اقتضت حكمة الله- تعالى- أن غنائم الكفار لما حصلت قسّمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه من الطبع البشري من محبة المال، فقسّمه فيهم لتطمئن قلوبهم، وتجتمع على محبته، لأنها جبلت على حبّ من أحسن إليها، ومنع أهل الجهاد من كبار المجاهدين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها، لأنه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصورا عليهم بخلاف قسمه على المؤلفة لأن فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم، فلما كان ذلك العطاء سببا لدخولهم في الإسلام ولتقوية قلب من دخل إليه قبل، تبعهم من دونهم في الدخول، فكان ذلك مصلحة عظيمة.
الخامس: ما وقع في قصة الأنصار، اعتذر رؤساؤهم بأن ذلك من بعض أتباعهم وأحداثهم، ولمّا شرح لهم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ما خفي عليهم من الحكمة فيما صنعوا رجعوا مذعنين، وعلموا أن الغنيمة العظيمة: ما حصل لهم من عود رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى بلادهم.
فسلوا عن الشاة والبعير والسبايا بما حازوه من الفوز العظيم ومجاوره النبي الكريم حيّا وميّتا، وهذا دأب الحكيم يعطي كلّ أحد ما يناسبه.
السادس: رتّب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما من الله- تعالى- به على الأنصار على يديه من النّعم ترتيبا بالغا، فبدأ بنعمة الإيمان الّتي لا يوازنها شيء من أمور الدّنيا، وثنّى بنعمة الإيمان وهي أعظم من نعمة المال، لأن الأموال قد تبذل في تحصيلها وقد لا تحصل، فقد كانت الأنصار في غاية التّنافر والتقاطع لما وقع بينهم من حرب بعاث وغيرها، فزال ذلك بالإسلام كما قال تعالى: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال ٦٣] .
قوله- صلى الله عليه وسلّم- «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار» . قال الخطابي: أراد بهذا الكلام: تأليف الأنصار واستطابة نفوسهم والثناء عليهم في دينهم، حتى رضي أن يكون واحدا منهم لولا ما منعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها ونسبة الإنسان تقع على وجوه: الولادة والاعتقادية والبلادية والصناعية، ولا شك أنه لم يرد الانتقال عن نسب آبائه لأنه ممتنع قطعا، وأما الاعتقادي فلا معنى للانتقال عنه فلم يبق إلا القسمان الأخيران، كانت المدينة دار الأنصار والهجرة إليها أمرا واجبا، أي لولا أن النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم. وقال القرطبي: معناه لتسميت باسمكم وانتسبت إليكم لما كانوا يتناسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة وترتيبها سبقت فمنعت ما سوى ذلك، وهي أعلى وأشرف فلا تبدل بغيرها.
قوله- صلى الله عليه وسلّم- «لسلكت وادي الأنصار» أو «شعب الأنصار»
أراد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بهذا أو ما بعده التنبيه على جزيل ما حصل للأنصار من ثواب النّصرة والقناعة بالله ورسوله عن الدنيا، ومن هذا وصفه فحقّه أن يسلك طريقه ويتّبع حاله. قال الخطابي: لما كانت العادات أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه- وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشّعاب- فإذا تفرقت في السفر الطرق سلك كلّ قوم منهم واديا وشعبا، فأراد أنه مع الأنصار قال: ويحتمل أن يريد بالوادي المذهب، كما يقال فلان في واد وأنا في واد.
التاسع: في شرح غريب ما سبق: الفلّ- بفتح الفاء وتشديد اللّام: القوم المنهزمون.
رمّوا- بتشديد الميم المضمومة.
عقيل- بضم العين.
السرح- بفتح السين المهملة، وسكون الراء: المال السائم.
خيابر- لغة في خيبر، وتقدم ذلك في غزوتها.
فدك- بفتح الفاء والدال المهملة- مكان، قال ابن سعد: على ستة أميال من المدينة.
أرضنا هوازن: دخل أرضهم قهرا.
لم يعرّج عليه: لم يمل.
عرش- بضم العين والراء والشين المعجمة: جمع عريش.. بيوت مكة سميت بذلك لأنها كانت عيدانا تنصب ويظلّل عليها.
عارض- بالعين المهملة والضاد المعجمة بينهما راء مكسورة.
هرقت- بهاء مهملة فراء فقاف مفتوحات.
الهدر: الباطل الذي لا يؤخذ بثأره.
يظعن- بالظاء المعجمة المشالة: يرحل.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،