الباب الثلاثون في غزوة تبوك
ويقال إنها غزوة العسرة والفاضحة: اختلف في سببها، فقيل أن جماعة من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة ذكروا للمسلمين أن الرّوم جمعوا جموعا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معهم لخم وجذام وعاملة وغسّان وغيرهم من متنصّرة العرب، وجاءت مقدّمتهم إلى البلقاء ولم يكن لذلك حقيقة، ولمّا بلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذلك ندب الناس إلى الخروج- نقله محمد بن عمر ومحمد بن سعد.
وروى الطبراني بسند ضعيف عن عمران بن حصين- رضي الله عنهما قال: كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل/: إن هذا الرجل الذي قد خرج يدّعي النبوّة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم. فإن كنت تريد أن تلحق دينك فالآن، فبعث رجلا من عظمائهم وجهّز معه أربعين ألفا فبلغ ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأمر بالجهاد [ (١) ] .
وقيل: إنّ اليهود قالوا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يا أبا القاسم إن كنت صادقا فالحق بالشام فإنّها أرض الأنبياء، فغزا لا يريد إلّا الشام. فلما بلغ، تبوك أنزل الله تعالى الآيات من سورة بني إسرائيل: لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء ٧٦] رواه ابن أبي حاتم، وأبو سعد، النّيسابوري، والبيهقي بإسناد حسن.
وقيل: أن الله سبحانه وتعالى لما منع المشركين من قربات في الحج وغيره قالت قريش: لتقطعنّ عنا المتاجر والأسواق وليذهبنّ ما كنّا نصيب منها، فعوّضهم الله تعالى- عن ذلك بالأمر بقتال أهل الكتاب حتّى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون كما قال تعالى: الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التوبة ٢٨، ٢٩] وقال تعالى: الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة ١٢٣] وعزم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على قتال الروم، لأنّهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدّعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام رواه ابن مردويه عن ابن عباس وابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد، وابن جرير عن سعيد بن جبير.
ذكر عزمه - صلى الله عليه وسلم - على قتال الروم وبيان ذلك للناس
لمّا عزم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على قتال الروم عام ، وكان ذلك في زمان عسرة من الناس وشدّة من الحرّ وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس، يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص على تلك الحال من الزمان الذي هم عليه، وبيّن- صلى الله عليه وسلّم- للناس مقصده، وكان- صلى الله عليه وسلم- قل أن يخرج في غزوة إلا كنّى عنها وورّى بغيرها إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنّه بيّنها للناس لبعد الشّقّة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد له، ليتأهّب الناس لذلك أهبته، فأمر النّاس بالجهاز، ودعا من حوله من أحياء العرب للخروج معه، فأوعب معه بشر كثير، وبعث إلى مكة، وتخلّف آخرون، فعاتب الله- تعالى- من تخلّف منهم لغير عذر من المنافقين والمقصرين، ووبّخهم وبيّن أمرهم، فقال سبحانه وتعالى: لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة ٣٨، ٣٩] ثم قال تعالى وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [التوبة ٤١، ٤٢] إلى آخر الآيات.
وروى ابن شيبة، والبخاري، وابن سعد عن كعب بن مالك- رضي الله عنه- قال: عليه وسلّم- ورّى بغيرها، حتى كانت غزوة فغزاها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في قيظ شديد، واستقبل سفراً بعيدا، وغزّى وعددا كثيرا فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، وأخبرهم بوجهه الذي يريده [ (١) ] .
ذكر حثه - صلى الله عليه وسلم - على النفقة والحملان في سبيل الله تبارك وتعالى
في حديث عمران بن حصين- رضي الله عنهما- عند الطّبراني أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يجلس كلّ يوم على المنبر فيدعو فيقول: «اللهمّ أن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض. فلم يكن للناس قوة [ (٢) ] .
قال محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- حضّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على الصّدقات فجاءوا بصدقات كثيرة، فكان أول من جاء أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- جاء بماله كله أربعة آلاف درهم فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «هل أبقيت لأهلك شيئا؟» [ (١) ] فقال: أبقيت لهم الله ورسوله. وجاء - رضي الله عنه- بنصف ماله، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «هل أبقيت لأهلك شيئا؟» قال: نعم مثل ما جئت به، وحمل العباس، ، وسعد بن عبادة- رضي الله عنهم- وحمل - رضي الله عنه- مائتي أوقية إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وتصدّق عاصم بن عدي- رضي الله عنه- بسبعين وسقا من تمر، وجهّز - رضي الله عنه- ثلث ذلك الجيش حتى أنه كان يقال: ما بقيت لهم حاجة حتى كفاهم شنق أسقيتهم. قلت: كان ذلك الجيش زيادة على ثلاثين ألفا، فيكون- رضي الله عنه- جهز عشرة آلاف.
وذكر أبو عمرو في الدرر، وتبعه في الإشارة: أن عثمان حمل على تسعمائة بعير ومائة فرس بجهازها، وقال ابن إسحاق- رحمه الله تعالى- أنفق عثمان في ذلك الجيش نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها.
ونقل ابن هشام عمّن يثق به: أن عثمان- رضي الله عنه- أنفق في جيش العسرة ألف دينار قلت غير الإبل والزاد وما يتعلق بذلك. قال: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض» . وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسّنه، والبيهقي عن - رضي الله عنه- قال: جاء عثمان إلى رسول- صلى الله عليه وسلّم- بألف دينار في كمّه حين جهز رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- جيش العسرة، فصبّها في حجر النبي- صلى الله عليه وسلّم- فجعل النبي- صلى الله عليه وسلّم- يقلّبها بيده ويقول: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم»
[ (٢) ] يرددها مرارا.
وروى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند، والترمذي، والبيهقي عن عبد الرحمن بن خباب- بالمعجمة وموحدتين- رضي الله عنه- قال: خطب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فحثّ على جيش العسرة، فقال عثمان- رضي الله عنه- عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، ثمّ نزل مرقاة أخرى من المنبر فحثّ فقال عثمان- رضي الله عنه-: عليّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها ثم نزل مرقاة أخرى فحث فقال عثمان- رضي الله عنه-: عليّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. فرأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقول بيده- هكذا- يحركها كالمتعجب «ما على عثمان ما عمل بعد هذا اليوم» أو قال: - بعدها-[ (١) ] .
وروى الطيالسي، والإمام أحمد، والنسائي عن الأحنف بن قيس- رحمه الله تعالى- قال: سمعت عثمان- رضي الله عنه- يقول لسعد بن أبي وقاص وعليّ والزّبير وطلحة: أنشدكم الله، هل تعلمون أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «من جهّز » فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا؟ قالوا: اللهم نعم [ (٢) ] .
ويأتي في ترجمة عثمان- رضي الله عنه- أحاديث كثيرة في ذلك. قال محمد بن عمر- رحمه الله: وحمل رجال، وقوّى ناس دون هؤلاء من هم أضعف منهم، حتى إن الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول: هذا البعير بيننا نعتقبه، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج حتى إن كان النساء يبعثن بما يقدرن عليه، وحمل كعب بن عجرة واثلة بن الأسقع، وروى أبو داود، ومحمد بن عمر عن واثلة بن الأسقع، - رضي الله عنه- قال: نادى منادي وسلم- في غزوة ، فخرجت إلى أهلي- وقد خرج أوّل أصحابه- فطفت في المدينة أنادي: ألا من يحمل رجلا وله سهمه؟ فإذا شيخ من الأنصار- سمّاه محمد بن عمر: كعب بن عجرة- فقال: سهمه على أن تحمله عقبة وطعامه معنا؟ فقلت: نعم، فقال: سر على بركة الله تعالى، فخرجت مع خير صاحب حتى أفاء الله علينا. قال محمد بن عمر: بعثه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مع إلى أكيدر دومة. قال: فأصابني قلائص- قال محمد بن عمر: ستة- فسقتهن حتى أتيته بهن، فخرج فقعد على حقيبة من حقائب إبله ثم قال: سقهن مقبلات. فسقتهن، ثم قال: سقهن مدبرات، فقال: ما أرى قلائصك إلا كراما، فقلت: إنما هي غنيمتك التي شرطت لك، قال: خذ قلائصك يا ابن أخي، فغير سهمك أردنا.
ذكر بعض ما دار بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين بعض المنافقين وتثبيطهم الناس عن الخروج معه
روى ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة عن ابن عباس وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهم- وابن عقبة، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر- رحمهم الله تعالى- عن شيوخهم [ (١) ] زاد ابن عقبة: أن الجدّ بن قيس أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو في المسجد معه نفر، فقال: يا رسول الله ائذن لي في القعود، فإني ذو ضبعة وعلّة فيها عذر لي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «تجهّز فإنّك موسر» ، ثم اتفقوا فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «تجهز تجهز فإنك موسر، لعلّك تحقب من بنات بني الأصفر؟» قال الجدّ: أو تأذن لي ولا تفتنّي، فو الله لقد عرف قومي ما أحد أشد عجبا بالنساء منّي، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألّا أصبر عنهن، فأعرض عنه رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وقال: «قد أذنّا لك»
زاد محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- فجاءه ابنه عبد الله بن الجدّ- وكان بدريّا- وهو أخو معاذ بن جبل لأمه، فقال لأبيه: لم تردّ على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مقالته فو الله ما في بني سلمة أحد أكثر مالا منك، فلا تخرج ولا تحمل؟ ! فقال: يا بني ما لي وللخروج في الريح والحرّ الشديد والعسرة إلى بني الأصفر، فو الله ما آمن- خوفا- من بني الأصفر وأنا في منزلي، أفأذهب إليهم أغزوهم؟! إني والله يا بني عالم بالدوائر، فأغلظ له ابنه وقال: لا والله ولكنّه النفاق، والله لينزلن على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فيك قرآن يقرأ به، فرفع نعله فضرب به وجه ولده، فانصرف ابنه ولم يكلمه، وأنزل الله تعالى: وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [التوبة ٤٩] أي إن كان إنما خشي الفتنة من نساء بني الأصفر، وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة أكبر بتخلفه عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- والرغبة بنفسه عن نفسه، يقول: وإن جهنم لمن ورائه.
وجعل الجدّ وغيره من المنافقين يثبّطون المسلمين عن الخروج، قال الجدّ لجبّار بن صخر ومن معه من بني سلمة: لا تنفروا في الحر، زهادة في الجهاد، وشكّا في الحق، وإرجافا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله سبحانه وتعالى فيهم قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [التوبة ٨١، ٨٢] .
وروى ابن هشام- رحمه الله تعالى- عن عبد الله بن حارثة- رضي الله تعالى عنه- قال: بلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبّطون الناس عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في غزوة ، فبعث إليهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- - رضي الله عنه- في نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم اليهودي ففعل طلحة، واقتحم الضّحّاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله واقتحم أصحابه فأفلتوا.
وجاء أهل مسجد الضّرار إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهو يتجهّز إلى فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة، ونحبّ أن تأتينا فتصلّي فيه، فقال لهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «أنا في شغل السّفر، وإذا انصرفت سيكون» .
ذكر خبر المخلفين والمعذرين والبكائين
قال ابن عقبة- رحمه الله تعالى-: وتخلّف المنافقون، وحدّثوا أنفسهم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لا يرجع إليهم أبدا، فاعتذروا. وتخلّف رجال من المسلمين بأمر كان لهم فيه عذر، منهم السقيم والمعسر. قال محمد بن عمر: وجاء ناس من المنافقين إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ليستأذنوه في القعود من غير علة، فأذن لهم- وكانوا بضعة وثمانين رجلا.
وروى ابن مردويه عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- استدار برسول الله- صلى الله عليه وسلم- رجال من المنافقين حين أذن للجدّ بن قيس يستأذنون يقولون: يا رسول الله ائذن لنا فأنا لا نستطيع أن نغزو في الحرّ، فأذن لهم، وأعرض عنهم [ (١) ] .
وجاء المعذّرون من الأعراب فاعتذروا إليه فلم يعذرهم الله، قال ابن إسحاق: وهم نفر من بني غفار، قال محمد بن عمر، كانوا اثنين وثمانين رجلا، منهم، خفاف ابن أيماء.
وروى ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس- رضي الله عنه- وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وابن إسحاق، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن محمد بن عمر بن قتادة وغيرهم: أن عصابة من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- جاءوه يستحملونه، وكلهم معسر ذو حاجة لا يحب التخلف عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- « تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألّا يجدوا ما ينفقون» ، وهم سبعة، واختلفوا في أسمائهم، فالذي اتفقوا عليه سالم بن عمير من بني عمرو بن عوف الأوسي وعلبة- بضم العين المهملة وسكون اللام وبالموحدة- بن زيد- وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب. وهرمي- ويقال بإسقاط التحتية- ابن عبد الله- وهو بها- والذي اتفق عليه القرظي، وابن إسحاق، وتبعهم ابن سعد، وابن حزم، وأبو عمرو، والسهيلي ولم يذكر الأخير، والواقدي. عرباض- بكسر العين المهملة وسكون الراء وبالضاد المعجمة بن سارية بالمهملة وبالتحتية، وجزم بذلك ابن حزم، وأبو عمرو، ورواه أبو نعيم عن ابن عباس، والذي اتفق عليه القرظي وابن عقبة وابن إسحاق. عبد الله بن مغفّل- بميم مضمومة فغين معجمة ففاء مشددة مفتوحتين- المزني، وفي حديث ابن عباس: عبد الله بن مغفل فيهم، وروى ابن سعد ويعقوب بن سفيان وابن أبي حاتم عن ابن مغفّل قال: إني لأجد الرهط الذين ذكر الله تعالى: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ [التوبة ٩٢] الآية.
والذين اتفق عليهم القرظي وابن عمر: سلمة بن صخر، ولفظ القرظي سلمان، والذي اتفق عليه القرظي وابن عقبة: عمرو بن عنمة بفتح العين المهملة والنون- ابن عدي- المزني- حكاه ابن إسحاق قولا بدلا عن ابن مغفّل، وانفرد القرظي بذكر أبي عبلة من بني حارثة، وبذكر هرمي بن عمرو من بني مازن. قال محمد بن عمر: ويقال أن عمرو بن عوف منهم. قال ابن سعد: وفي بعض الروايات من يقول فيهم: معقل- بالعين المهملة والقاف ابن يسار، وذكر فيهم الحاكم حرمي بن مبارك بن النجار كذا في المورد ولم أر له ذكرا في كتب الصحابة التي وقفت عليها.
وذكر ابن عائذ فيهم: مهديّ بن عبد الرحمن، كذا في العيون، ولم أر له ذكرا فيما وقفت عليه من كتب الصحابة، وذكر فيهم محمد بن كعب: سالم بن عمرو الواقفي، قال ابن سعد: وبعضهم يقول: البكاءون بنو مقرّن السبعة، وهم من مزينة انتهى، وهم: النعمان، وسويد، ومعقل، وعقيل، وسنان وعبد الرحمن والسابع لم يسم، قيل اسمه عبد الله، وقيل النعمان، وقيل ضرار، وقيل [ ... ] وحكى ابن فتحون- قولا- أن بني مقرّن عشرة فيتعين ذكر السبعة منهم.
وذكر ابن إسحاق في رواية يونس وابن عمر: أن عبلة بن زيد لما فقد ما يحمله ولم يجد عند رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ما يحمله خرج من الليل فصلّى من ليلته ما شاء الله تعالى، ثم بكى وقال: اللهم إنك أمرتنا بالجهاد ورغّبت فيه، واني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في مال أو جسد أو عرض، ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «أين المتصدق هذه الليلة» فلم يقم أحد، ثم قال: «أين المتصدق فليقم» فقام إليه فأخبره، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «أبشر، فو الذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة» . قال ابن إسحاق ومحمد بن عمر: لما خرج البكاءون من عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد أعلمهم أنه لا يجد ما يحملهم عليه لقي يامين بن عمرو النضريّ أبا ليلى وعبد الله بن مغفّل وهما يبكيان، فقال: ما يبكيكما؟، قالا: جئنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج، ونحن نكره أن تفوتنا غزوة مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأعطاهما ناضحا له، وزوّد كل واحد منهما صاعين من تمر، زاد محمد بن عمر: وحمل منهم رجلين، وحمل منهم ثلاثة نفر بعد الذي جهّز من الجيش.
ذكر حديث أبي موسى في حلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يحملهم ثم حملهم
روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- قال: أتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في نفر من الأشعريين ليحملنا، وفي رواية: أرسلني أصحابي إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أسأله لهم الحملان، فقلت: يا رسول الله إن أصحابي أرسلوني لتحملهم، فقال: «والله لا أحملكم على شيء، وما عندي ما أحملكم عليه» ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزينا من منع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن مخافة أن يكون رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وجد في نفسه، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ثم جيء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بنهب إبل فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي: أين عبد الله بن قيس؟ فأجبته، فقال: أجب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يدعوك، فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «خذ هذين القرينين وهذين القرينين وهذين القرينين» لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد، وفي رواية: فأمر لنا بخمس ذود غرّ الذّرى، فقال «انطلق بهن إلى أصحابك فقل إن الله- أو قال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يحملكم على هؤلاء فاركبوا» قال أبو موسى فانطلقت إلى أصحابي فقلت: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يحملكم على هؤلاء، ولكن معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين سألته لكم ومنعه في أوّل مرّة، ثم إعطائه إياي بعد ذلك، لا تظنوا إني حدثتكم شيئا لم يقله، فقالوا لي والله إنك عندنا لمصدّق ولنفعلن ما أحببت فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من منعه إيّاهم ثم إعطائه بعد ذلك فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى، قال أبو موسى، ثم قلنا: تغفلنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يمينه، والله لا يبارك لنا، فرجعنا فقلنا له، فقال «ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم» قال: « يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت التي هي خير وتحللتها» فقال: «كفّرت عن يميني»
[ (١) ] .
ذكر مجيء المعذرين من الأعراب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليأذن لهم فلم يعذرهم
قال محمد بن عمر، وابن سعد: وهما اثنان وثمانون رجلا من بني غفار، وأنزل الله - تبارك وتعالى- في ذلك كله وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا مَعَ الْقاعِدِينَ. رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ. لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [التوبة ٨٦: ٩٣] .
ذكر من تخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو صحيح الإيمان غير شاك
قال ابن إسحاق ومحمد بن عمر رحمه الله تعالى: وكان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حتى تخلفوا عنه من غير شكّ ولا ارتياب منهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، وأبو خيثمة، وأبو ذر الغفاري. وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم- انتهى- وسيأتي أن أبا خيثمة، وأبا ذر لحقا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وستأتي قصة الثلاثة.
ذكر من استخلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أهله، ومن استخلفه على المدينة
قال ابن إسحاق: وخلّف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- - رضي الله عنه- على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له، وتخفّفا منه، فلما قالوا ذلك أخذ عليّ سلاحه وخرج حتى لحق برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو نازل بالجرف، فأخبره بما قالوا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «كذبوا، ولكني خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا على من موسى؟ إلا أنه لا نبيّ بعدي» فرجع عليّ إلى المدينة- وهذا الحديث رواه الشيخان [ (١) ] ، وله طرق تأتي في ترجمة سيدنا علي- رضي الله عنه.
واستخلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري- رضي الله عنه- قال: وذكر الدّراورديّ: أنه استخلف عام سباع بن عرفطة، زاد محمد بن عمر- بعد حكاية ما تقدم- ويقال ابن أم مكتوم، وقال: والثابت عندنا محمد بن مسلمة، ولم يتخلف عنه في غزوة غيرها، وقيل: ، قال أبو عمرو وتبعه ابن دحية: وهو الأثبت، قلت: ورواه عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه- ولفظه: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لما خرج إلى تبوك استخلف على المدينة علي بن أبي طالب، وذكر الحديث.
وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء وراية، وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- جيشه من الاستكثار من النعال، وقال «إن الرجل لا يزال راكبا ما دام منتعلا»
[ (١) ] وأمر أبا بكر- رضي الله عنه- أن يصلي بمن تقدمه- صلى الله عليه وسلّم-.
ذكر خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأين عسكر؟ وخروج عبد الله بن أبي معه مكرا ومكيدة، ورجوعه أخزاه الله تعالى
قالوا: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- في رجب سنة تسع فعسكر- صلى الله عليه وسلّم- في ثنية الوداع ومعه زيادة على ثلاثين ألفا، قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد، ورواه محمد بن عمر ونقله ابن الأمين عن زيد بن ثابت، وروى الحاكم في الإكليل عن معاذ بن جبل قال: خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى غزوة زيادة على ثلاثين ألفا، ونقل الحاكم في الإكليل عن أبي زرعة قال: كانوا بتبوك سبعين ألفا، وجمع بين الكلامين بأن من قال: ثلاثين ألفا لم يعدّ التابع. ومن قال سبعين ألفا عدّ التابع والمتبوع. وكانت الخيل عشرة آلاف فرس، وقيل بزيادة ألفين.
وروى عبد الرزاق وابن سعد عن كعب بن مالك- رضي الله عنه- قال: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى يوم الخميس، وكانت آخر غزوة غزاها، وكان يستحب أن يخرج يوم الخميس، وعسكر عبد الله بن أبيّ معه على حدة، عسكره أسفل منه نحو ذباب، قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد: وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين. قال ابن حزم: وهذا باطل، لم يتخلف عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إلا ما بين السبعين إلى الثمانين فقط، فأقام ابن أبيّ ما أقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما سار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نحو تبوك تخلف ابن أبيّ راجعا إلى المدينة فيمن تخلف من المنافقين، وقال: يغزو محمد بن الأصفر مع جهد الحال والحرّ والبلد البعيد إلى ما لا طاقة له به، يحسب محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب، والله لكأني أنظر إلى أصحابه مقرنين في الحبال، إرجافا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبأصحابه.
قال عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب: خرج المسلمون في غزوة الرجلان والثلاثة على بعير واحد. رواه البيهقي، وخرج مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ناس من المنافقين لم يخرجوا إلا رجاء الغنيمة.
ولما رحل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من ثنية الوداع عقد الألوية والرايات، فدفع لواءه الأعظم إلى أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- ورايته العظمى إلى ، ودفع راية الأوس إلى أسيد بن الحضير، وراية الخزرج إلى أبي دجانة، ويقال إلى الحباب بن المنذر، وأمر كل بطن من الأنصار أن يتخذ لواء، ورأى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- برأس الثنية عبدا متسلحا، فقال العبد: أقاتل معك يا رسول الله فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «ارجع إلى سيدك لا تقتل معي فتدخل النار» ، ونادى منادي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا يخرج معنا إلا مقو فخرج رجل على بكر صعب فصرعه بالسّويداء، فقال الناس: الشهيد الشهيد فبعث رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مناديا: لا يدخل الجنة عاص.
وكان دليله- صلى الله عليه وسلّم- إلى علقمة بن الفغواء الخزاعي- رضي الله عنه-.
ذكر تخلف أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - لما عجز بعيره، وما وقع في ذلك من الآيات
وروى ابن إسحاق عن ابن مسعود- رضي الله عنه- قال: لما سار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى جعل بتخلف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلّف فلان، فيقول «دعوه فإن تعالى بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله تعالى منه» حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذرّ وأبطأ به بعيره، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله تعالى منه»
[ (١) ] وتلوّم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ماشيا، قال محمد بن عمر: قالوا: وكان أبو ذرّ الغفاري يقول: أبطأت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في غزوة من أجل بعيري.
وكان نضوا أعجف، فقلت أعلفه أيّاما ثم ألحق برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فعلفته أياما، ثم خرجت فلما كنت بذي المروة أذمّ بي فتلوّمت عليه يوما فلم أر به حركة، فأخذت متاعي فحملته. قال ابن مسعود: وأدرك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بعض منازله، قال محمد بن عمر: قال أبو ذر: فطلعت على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- نصف النهار وقد أخذ منّي العطش، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «كن أبا ذرّ» فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذرّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «رحم الله أبا ذرّ، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده»
فكان كذلك كما سيأتي في المعجزات في أبواب إخباره- صلى الله عليه وسلّم- بأحوال رجال، فلما قدم أبو ذرّ على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أخبره خبره، فقال «قد غفر الله لك يا أبا ذر بكل خطوة ذنبا إلى أن بلغتني» [ (١) ] ووضع متاعه عن ظهره، ثم استقى فأتي بإناء من ماء فشربه.
قصة أبي خيثمة - رضي الله عنه -
روى الطبراني عن أبي خيثمة- رضي الله عنه- وابن إسحاق، ومحمد بن عمر عن شيوخهما قالوا: لمّا سار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أيّاما دخل أبو خيثمة على أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، وقد رشت كل منهما عريشها وبرّدت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعاما، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: سبحان الله! رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قد من ذنبه وما تأخر في الضّحّ والريح والحر يحمل سلاحه على عنقه وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ، وامرأة حسنة، في ماله مقيم؟ !! ما هذا بالنّصف! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فهيّئا لي زادا، ففعلتا، ثم قدّم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى أدركه حين نزل ، وقد كان أدرك أبا خيثمة الجمحي في الطّريق يطلب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إنّ لي ذنبا فلا عليك أن تخلّف عني حتى أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ففعل، حتى إذا دنا من رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «كن أبا خيثمة» فقال رجل: هو والله يا رسول الله أبو خيثمة، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «أولى لك يا أبا خيثمة» ثم أخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الخبر، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: خيراً، ودعا له بخير، قال ابن هشام: وقال أبو خيثمة في ذلك: لما رأيت النّاس في الدّين نافقوا ... أتيت الّتي كانت أعفّ وأكرما وبايعت باليمنى يدي لمحمّد ... فلم أكتسب إثما ولم أغش محرما تركت خضيبا في العريش وصرمة ... صفايا كراما بسرها قد تحمّما وكنت إذا شكّ المنافق أسمحت ... إلى الدين نفسي شطره حيث يمّما
ذكر إخباره - صلى الله عليه وسلم - بما قاله جماعة من المنافقين الذين خرجوا معه
قال محمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر- رحمهم الله تعالى- كان رهط من المنافقين يسيرون مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لم يخرجوا إلا رجاء الغنيمة منهم: وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف.
والجلاس بن سويد بن الصامت.
ومخشّن بالنون- قال أبو عمرو وابن هشام مخشي بالتحتية- ابن حميّر من أشجع، حليف لبني سلمة، زاد محمد بن عمر: وثعلبة بن حاطب. فقال بعضهم لبعض، عند محمد بن عمر: فقال ثعلبة بن حاطب: أتحسبون جلاد بني الأصفر كجلاد العرب بعضهم بعضا، لكأني بكم غدا مقرنين في الحبال، إرجافا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وإرهابا للمؤمنين.
وقال الجلاس بن عمرو، وكان زوج أم عمير، وكان ابنها عمير يتيما في حجره: والله لئن كان محمد صادقا لنحن شرّ من الحمير، فقال عمير: فأنت شرّ من الحمير، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- صادق وأنت الكاذب، فقال مخشّن بن حميّر: والله لوددت أن أقاضي على أن يضرب كلّ رجل منّا مائة جلدة، وإننا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه!!.
فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لعمار بن ياسر-: «أدرك القوم فإنهم قد اخترقوا، فاسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل بلى قلتم كذا وكذا»
[ (١) ] فانطلق عمّار إليهم فقال لهم ذلك، فأتوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- على ناقته وقد أخذ وديعة بن ثابت بحقبها ورجلاه تسفيان الحجارة وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله تعالى: نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ [التوبة ٦٥، ٦٦] وحلف الجلاس ما قال من ذلك شيئا، فأنزل الله سبحانه وتعالى: قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة ٧٤] . وقال مخشّن: يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي، فسمّاه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عبد الرحمن أو عبد الله، وكان الذي عفي عنه في هذه الآية، وسأل الله تعالى أن يقتل شهيدا ولا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة، ولم يعرف له أثر.
ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بذي المروة، وما وقع في ذلك من الآيات
روى الطبراني عن عبد الله بن سلام- رضي الله عنه-: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما مرّ بالخليجة في سفره إلى قال له أصحابه: المبرك يا رسول الله الظل والماء- وكان فيها دوم وماء، فقال «إنها أرض زرع نفر» ، دعوها فإنها مأمورة- يعني ناقته- فأقبلت حتى بركت تحت الدومة التي كانت في مسجد ذي المروة [ (١) ] .
ذكر مروره - صلى الله عليه وسلم - بوادي القرى
قال أبو حميد الساعدي- رضي الله عنه- خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عام حتى جئنا وادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها، فقال رسول- صلى الله عليه وسلّم- لأصحابه «اخرصوا» فخرص القوم وخرص رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عشرة أوسق، وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- للمرأة «احفظي ما يخرج منها حتى أرجع إليك إن شاء الله تعالى» ولما أقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من غزوة تبوك إلى وادي القرى قال للمرأة «كم جاءت حديقتك؟» قالت: عشرة أوسق خرص رسول الله- صلى الله عليه وسلم-[ (٢) ] رواه ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، ومسلم. قال محمد بن عمر: ولما نزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وادي القرى أهدى له بنو عريض اليهودي هريسة فأكلها وأطعمهم أربعين وسقا، فهي جارية عليهم إلى يوم القيامة قال محمد بن عمر: فهي جارية عليهم إلى الساعة.
ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بالحجر، وما وقع في ذلك من الآيات
روى الإمام مالك، وأحمد، والشيخان عن ، والإمام أحمد عن جابر بن عبد الله، الإمام أحمد بسند حسن عن أبي كبشة الأنماري، وابن إسحاق عن رواية ابن يونس عن الزهري، والإمام أحمد عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنهم: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لما مرّ بالحجر تقنع بردائه وهو على الرحل، فاتضع راحلته حتى خلّف أبيات ثمود، ولما نزل هناك سارع النّاس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، واستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا ونصبوا القدور باللحم، فبلغ ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فنودي في الناس: الصلاة جامعة، فلما اجتمعوا قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- « أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم، ولا تشربوا من مائها ولا تتوضئوا منه للصلاة، واعلفوا العجين الإبل» ثم ارتحل بهم حتى نزل على العين التي كانت تشرب منها الناقة، وقال: «لا تسألوا الآيات. فقد سألها قوم صالح، سألوا نبّيهم أن تبعث آية، فبعث الله تبارك وتعالى لهم الناقة، فكانت ترد الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب مياههم يوما، ويشربون لبنها يوما، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله تعالى من تحت أديم السماء منهم إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله تعالى، قيل: من هو يا رسول الله؟ قال «أبو رغال» فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه، ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم» فناداه رجل منهم: تعجب منهم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «ألا أنبئكم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم فينبئكم كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا، فإن الله تعالى لا يعبأ بعذابكم شيئا، وسيأتي الله بقوم لا يدفعون عن أنفسهم بشيء، وإنها ستهب عليكم أحد، ومن كان له بعير فليوثق عقاله، ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له» ، ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته والآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فإنه خنق على مذهبه- أي موضعه- وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء اللذين يقال لأحدهما أجا ويقال للآخر سلمى، فأخبر بذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فقال: ألم أنهكم عن أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحبه ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر فإن طيئا أهدته لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين رجع إلى المدينة [ (١) ] .
ذكر استسقائه - صلى الله عليه وسلم - ربه حين شكوا إليه العطش، وما وقع في ذلك من الآيات
روى البيهقي عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب رحمه الله تعالى- قال: خرج المسلمون إلى في حر شديد فأصابهم يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم ليعصروا أكراشها ويشربوا ماءها، فكان ذلك عسرة في الماء، وعسرة في النفقة، وعسرة في الظهر [ (٢) ] وروى الإمام أحمد وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم عن رضي الله عنه، وابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال عمر: خرجنا إلى تبوك في يوم قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا رقابنا ستنقطع حتى إن كان الرجل يذهب يلتمس الرجل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستقطع حتى إن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: عز وجل قد عوّدك في الدعاء خيرا، فادع الله تعالى لنا، قال «أتحب ذلك؟» قال نعم فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر [ (١) ] ، وروى ابن أبي حاتم عن ابن حرزة- رحمه الله تعالى- قال: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار في غزوة تبوك.
ونزلوا الحجر فأمرهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أن لا يحملوا من مائها شيئا ثم ارتحل، ثم نزل منزلا آخر وليس معهم ماء، فشكوا ذلك إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فقام فصلى ركعتين، ثم دعا فأرسل الله سبحانه وتعالى سحابة فأمطرت عليهم حتى استقوا منها، فقال رجل من الأنصار لآخر من قومه يتّهم بالنفاق: ويحك قد ترى ما دعا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأمطر الله علينا السماء، فقال: إنما أمطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة ٨٢] ذكر ابن إسحاق أن هذه القصة كانت بالحجر، وروي عن محمود بن لبيد عن رجال من قومه قال: كان رجل من المنافقين معروف نفاقه يسير مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حيثما سار، فلما كان من أمر الحجر ما كان، ودعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين دعا فأرسل الله تعالى السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، قالوا أقبلنا عليه نقول ويحك، هل بعد هذا شيء؟ قال: سحابة مارة [ (٢) ]
ذكر إضلال ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما وقع في ذلك من الآيات
قال محمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر- رحمه الله تعالى: ثم إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- سار حتى إذا كان ببعض الطريق متوجها إلى فأصبح في منزل فضلّت ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال محمد بن عمر: هي القصواء- فخرج أصحابه في طلبها وعند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عمارة بن حزم، وكان عقبيا بدريا، قتل يوم اليمامة شهيدا، وكان في رحله زيد بن اللّصيت، أحد بني قينقاع، كان يهوديا فأسلم فنافق وكان فيه خبث اليهود وغشهم، وكان مظاهرا لأهل النفاق، فقال زيد وهو في رحل عمارة بن حزم، وعمارة عند رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: محمد يزعم أنه نبي وهو يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم وعمارة عنده: «أن منافقا قال هذا محمد يزعم أنه نبي ويخبركم بأمر السماء ولا يدري أين ناقته، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله تعالى، وقد دلني الله عز وجل عليها، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا- لشعب أشار لهم إليه حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها» فذهبوا فجاءوا بها.
قال محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- الذي جاء بها الحارث بن خزيمة الأشهلي، فرجع عمارة إلى رحله فقال: والله، العجب لشيء حدّثناه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- آنفا عن مقالة قائل أخبرها الله تعالى عنه، قال كذا وكذا للذي قال زيد، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة- قال محمد بن عمر: وهو عمرو بن حزم أخو عمارة- ولم يحضر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- زيد- والله- قائل هذه المقالة، قبل أن تطلع علينا، فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه، ويقول: يا عباد الله، إن في رحلي لداهية وما أشعر، اخرج يا عدو الله من رحلي فلا تصحبني. قال ابن إسحاق: زعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك، وقال بعض الناس: لم يزل متهما بشرّ حتى هلك.
ذكر اقتدائه - صلى الله عليه وسلم - بعبد الرحمن بن عوف في صلاة الصبح
روى ابن سعد بسند صحيح عن المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- قال: كنا فيما بين الحجر ذهب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لحاجته وكان إذا ذهب أبعد، وتبعته بماء بعد الفجر وفي رواية قبل الفجر فأسفر الناس بصلاتهم، وهي صلاة الفجر حتى خافوا الشمس، فقدموا - رضي الله عنه- فصلى بهم فحملت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أداوة فيها ماء، وعليه جبة رومية من صوف، فلما فرغ صببت عليه فغسل وجهه، ثم أراد أن يغسل ذراعيه فضاق كم الجبة فأخرج يديه من تحت الجبة فغسلهما، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما فإنني أدخلتهما طاهرتين» فمسح عليهما، فانتهينا إلى عبد الرحمن بن عوف، وقد ركع ركعة، فسبّح الناس لعبد الرحمن بن عوف حين رأوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى كادوا يفتنون، فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص وراءه، فأشار إليه رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أن أثبت، فصلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة، فلما سلم عبد الرحمن تواثب الناس، وقام رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقضي الركعة الباقية ثم سلم بعد فراغه منها، ثم قال: «أحسنتم، أو- قد أصبتم- فغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها- إنه لم يتوفّ نبيّ حتى يؤمّه رجل صالح من أمته» ورواه مسلم بنحوه [ (١) ] .
ذكر حكومته - صلى الله عليه وسلم - في رجل عض آخر فانتزع ثنيته
عن يعلى بن أمية- رضي الله عنه- أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بأجير له قد نازع رجلا من العسكر فعضه ذلك الرجل فانتزع الأجير يده من فم العاضّ فانتزع ثنيته. فلزمه العاضّ فبلغ به رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وقمت مع أجيري لأنظر ما يصنع، فأتى بهما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال «أيعمد أحدكم فيعضّ أخاه كما يعضّ الفحل» فأبطل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ما أصاب من ثنيته، وقال «أفيدع يده في فيك تقضمها كأنها في فم فحل يقضمها؟» [ (١) ] رواه البخاري وغيره.
ذكر إردافه - صلى الله عليه وسلم - سهيل بن بيضاء
عن سهيل بن بيضاء- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أردفه على رحله في غزوة ، قال سهيل ورفع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صوته «يا سهيل» كل ذلك يقول سهيل: يا لبيك يا رسول الله- ثلاث مرات- حتى عرف الناس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يريدهم فانثنى عليه من أمامه ولحقه من خلفه من الناس، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: « إلا الله وحده لا شريك له حرّمه الله على النار» [ (٢) ] رواه الإمام أحمد والطبراني ومحمد بن عمر.
ما ذكر أن حية عظيمة عارضت الناس في مسيرهم إن صح الخبر
ذكر محمد بن عمر، وأقرّه أبو نعيم في الدلائل، وابن كثير في البداية، وشيخنا في الخصائص الكبرى قال: عارض الناس في مسيرهم حيّة- ذكر من عظمها وخلقها فانصاع الناس عنها، فأقبلت حتى واقفت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو على راحلته طويلا والناس ينظرون إليها، ثم التوت حتى اعتذلت الطريق، فقامت قائمة فأقبل الناس حتى لحقوا برسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فقال: «هل تدرون من هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال هذا أحد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا إلي يستمعون القرآن، فرأى عليه من الحق- حين ألمّ به رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أن يسلم عليه، وها هو يقرئكم السلام، فسلّموا عليه فقال الناس جميعا: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته [ (٣) ] .
ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بتبوك وما وقع في ذلك من الآيات
روى الإمام مالك، وابن إسحاق، ومسلم عن معاذ بن جبل والإمام أحمد برجال الصحيح عن حذيفة- رضي الله عنهما- قال معاذ: أنه خرج مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عام قال: فكان يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، قال: فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج قال: «إنكم ستأتون غدا إن شاء الله تعالى- حتى يضحى من مائها شيئا حتى آتي»
وفي حديث حذيفة «بلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنّ في الماء قلّة، فأمر مناديا ينادي في الناس أن لا يسبقني إلى الماء أحد» ، قال فجئناها وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبضّ بشيء من مائها، فسألهما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «» قالا: نعم. فسبّهما وقال لهما «ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شنّ، ثم غسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيه وجهه ويديه ومضمض ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير. ولفظ ابن إسحاق فانخرق الماء حتى كان يقول من سمعه: إنّ له حسّا كحس الصواعق وذلك الماء فوارة . انتهى، فاستسقى الناس، ثم قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا ملئ جنانا» .
وروى البيهقي وأبو نعيم عن عروة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- حين نزل - وكان في زمان قلّ ماؤها فيه فاغترف غرفة بيده من ماء فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها ففارت عينها حتى امتلأت. فهي كذلك حتى الساعة [ (١) ] .
وروى الخطيب في كتاب الرواة عن الإمام مالك عن جابر- رضي الله عنه- قال: انتهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى وعينها تبضّ بماء يسير مثل الشراك فشكونا العطش، فأمرهم فجعلوا فيها ما دفعها إليهم فجاشت بالماء، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لمعاذ: « بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا»
[ (٢) ] .
ذكر نومه - صلى الله عليه وسلم - حتى طلعت الشمس قبل وصوله إلى تبوك
روى البيهقي عن عقبه بن عامر- رضي الله عنه- صلى الله عليه وسلم- في غزوة ، فلما كان منها على ليلة استرقد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح قال «ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر» فقال يا رسول الله ذهب بي النوم، وذهب بي مثل الذي ذهب بك، قال: فانتقل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من منزله غير بعيد، ثم صلى، وسار مسرعا بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك.
ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - تبوك واتخاذه مسجدا
قال شيوخ محمد بن عمر: لما انتهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى وضع حجرا قبلة مسجد تبوك وأومأ بيده إلى الحجر وما يليه ثم صلى بالناس الظهر، ثم أقبل عليهم فقال: «ما ها هنا شام، وما ها هنا يمن» .
وروى الإمام أحمد: خطب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عام وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال: «ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس، إن من خير الناس رجلا يحمل فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت. وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شيء منه»
[ (١) ] .
وروى البيهقي عن عقبه بن عامر- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لما أصبح حمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أيها الناس أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص القرآن، هذا وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى، وشرّ المعذرة حين يحضر الموت، وشر النّدامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذاب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنّياحة من أعمال الجاهلية، والغلول من جثى جهنم، والسّكركة من النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، والنّساء حبالة الشيطان، والشّباب شعبة من الجنون، وشرّ المكاسب كسب الرّبا، وشر المأكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والأمر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، وشر الرؤيا رؤيا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله عز وجل، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتألّ على الله يكذّبه، ومن يغفر يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرّزيّة يعوضه الله، ومن يبتغ السّمعة يسمّع الله به، ومن يصبر يضعّف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله. اللهم اغفر لي ولأمتي- قالها ثلاثا- استغفر الله لي ولكم»
[ (٢) ] .
وذكر ابن عائذ- رحمه الله تعالى- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نزل في زمان قلّ ماؤها فيه، فاغترف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- غرفة بيده من مائها فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها ففارت حتى امتلأت، فهي كذلك حتى الساعة.
ذكر من استعمله - صلى الله عليه وسلم - على الحرس بتبوك
قال شيوخ محمد بن عمر: استعمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على حرسه من يوم قدم إلى أن رحل منها عبّاد- بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة- ابن بشر- بكسر الموحدة- رضي الله عنه- فكان عبّاد يطوف في أصحابه على العسكر، فغدا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوما فقال: يا رسول الله، ما زلنا نسمع صوت تكبير من ورائنا حتى أصبحنا، فولّيت أحدنا يطوف على الحرس، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «ما فعلت، ولكن عسى أن يكون بعض المسلمين انتدب» فقال سلكان- بكسر السين المهملة وسكون اللام- ابن سلامة: يا رسول الله، خرجت في عشرة من المسلمين على خيلنا فكنا نحرس الحرس فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «رحم الله حرس الحرس في سبيل الله، ولكم قيراط من الأجر على كل من حرستم من الناس جميعا أو دابة» .
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،