السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

حجة الوداع

التاريخسنة ١٠، بلا خلاف
عمره ﷺ٦٢
الموضععرفة

سنة ١٠، بلا خلاف، وعمره ﷺ ٦٢

تقرأ في ابن القيم، ت ٧٥١هـ، ٢٢٦ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: دار عطاءات العلم ودار ابن حزم، الطبعة الثالثة ١٤٤٠ هـ
٢/١٢٢٢/١٢٢

لم يحجَّ بعد هجرته إلى المدينة سوى حجَّةٍ واحدةٍ وهي حجَّة الوداع، ولا خلافَ أنَّها كانت سنة عشرٍ

فصل في سياق هديه - صلى الله عليه وسلم - في حجته

٣/١٢٢٣/١٢٢

لا خلاف أنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يحجَّ بعد هجرته إلى المدينة سوى حجَّةٍ واحدةٍ وهي حجَّة الوداع، ولا خلافَ أنَّها كانت سنة عشرٍ.

واختُلِف: هل حجَّ قبل الهجرة؟ فروى الترمذي (٤) عن جابر بن عبد الله قال: حجَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ثلاثَ حِججٍ: حجَّتين قبل أن يهاجر، وحجَّةً بعدما هاجر معها عمرةٌ. قال الترمذي (٥) : هذا حديثٌ غريبٌ من حديث سفيان. قال: وسألتُ محمَّدًا ــ يعني البخاريَّ ــ عن هذا، فلم يعرفه من حديث الثَّوريِّ، وفي روايةٍ: لا يعدُّ هذا الحديث محفوظًا.

ولمَّا نزل فرض الحجِّ بادرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الحجِّ من غير تأخيرٍ، فإنَّ فرض الحجِّ (٦) تأخَّر إلى سنة تسعٍ أو عشرٍ. وأمَّا قوله تعالى: ﴿ (١٩٥) ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، فإنَّها وإن نزلت سنة ستٍّ عامَ ، فليس فيها

فصل في وصف حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -

٣/١٢٣٣/١٢٣

فريضة (١) الحجِّ، وإنَّما فيها الأمرُ بإتمامه وإتمامِ العمرة بعد الشُّروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوبَ الابتداء.

فإن قيل: فمن أين لكم تأخُّر (٢) نزول فرضه إلى التَّاسعة أو العاشرة؟

قيل: لأنَّ صدْر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنَّما نزلت عام سنة تسعٍ، وفيها نزل صدر سورة (٣) آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التَّوحيد والمباهلة. ويدلُّ عليه أنَّ أهل مكَّة وجدوا في نفوسهم بما فاتهم من التِّجارة من المشركين لمَّا أنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا فَلَا يَقْرَبُوا بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ، فأعاضهم الله من ذلك بالجزية. ونزولُ هذه الآيات (٤) والمناداةُ بها إنَّما كان في سنة تسعٍ، وبعث الصِّدِّيق يؤذِّن بذلك في مكَّة في مواسم الحجِّ، وأردفه بعلي. وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحدٍ من السَّلف. والله أعلم.

فصل

ولمَّا عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الحجِّ أعلمَ النَّاسَ أنَّه حاجٌّ، فتجهَّزوا للخروج معه، وسمع بذلك مَن حول المدينة، فقدموا يريدون الحجَّ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ووافاه في الطَّريق خلائقُ لا يُحصَون، فكانوا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله مدَّ البصر. وخرج من المدينة نهارًا بعد الظُّهر لستٍّ بقين من ذي القعدة بعد أن صلَّى الظُّهر بها أربعًا، وخطبَهم قبل ذلك خطبةً علَّمهم فيها الإحرامَ وواجباتِه وسننَه. قال ابن حزمٍ (١) : وكان خروجه يوم الخميس. قلت: والظَّاهر أنَّ خروجه كان يوم السَّبت، واحتجَّ أبو محمد ابن حزمٍ على قوله بثلاث مقدِّماتٍ، إحداها: أنَّ خروجه كان لستٍّ بقين من ذي القعدة. والثَّانية: أنَّ استهلال ذي الحجَّة كان يوم الخميس. والثَّالثة: أنَّ يوم كان يوم الجمعة. واحتجَّ على أنَّ خروجه كان لستٍّ بقين من ذي القعدة بما روى البخاريُّ (٢) من حديث ابن عبَّاسٍ: انطلق النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من المدينة بعدما ترجَّل وادَّهن، فذكر الحديث. وقال: وذلك لخمسٍ بقين من ذي القعدة (٣) . قال ابن حزمٍ (٤) : وقد نصَّ عمر (٥) على أنَّ يوم عرفة كان يوم الجمعة، وهو التَّاسع، فاستهلالُ ذي الحجَّة بلا شكٍّ ليلة الخميس، فآخرُ ذي القعدة يوم الأربعاء، فإذا كان خروجه لستِّ ليالٍ بقين من ذي القعدة كان يوم الخميس، إذ الباقي بعده ستُّ ليالٍ سواء.

٣/١٢٤٣/١٢٤

ووجهُ ما اخترناه أنَّ الحديث صريحٌ في أنَّه خرج لخمسٍ بقين، وهي يوم السَّبت والأحد والاثنين والثُّلاثاء والأربعاء، فهذه خمسٌ، وعلى قوله يكون خروجه لسبعٍ بقين، فإن لم يعدَّ يوم الخروج كان لستٍّ، وأيُّهما كان فهو خلاف الحديث.

٣/١٢٥٣/١٢٥

وإن اعتبر اللَّيالي كان خروجه لستِّ ليالٍ بقين لا لخمسٍ، فلا يصحُّ الجمع بين خروجه يومَ الخميس وبين بقاء خمسٍ من الشَّهر البتَّةَ، بخلاف ما إذا كان الخروج يوم السَّبت، فإنَّ (١) الباقي بيوم الخروج خمسٌ بلا شكٍّ. ويدلُّ عليه أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذكر لهم في خطبته شأنَ الإحرام وما يلبس المحرم بالمدينة على منبره، والظَّاهر أنَّ هذا كان يوم الجمعة، لأنَّه لم يُنقل أنَّه جمعهم ونادى فيهم لحضور الخطبة، وقد شهد ابن عمر هذه الخطبة بالمدينة على منبره. وكان عادته - صلى الله عليه وسلم - أن يعلِّمهم في كلِّ وقتٍ ما يحتاجون إليه إذا حضر فعلُه، فأولى الأوقات به الجمعة الَّتي تلي خروجه، والظَّاهر أنَّه لم يكن ليدع الجمعة وبينه وبينها بعضُ يومٍ من غير ضرورةٍ، وقد اجتمع إليه الخلق، وهو أحرص النَّاس على تعليمهم الدِّين، وقد حضر ذلك المجمع العظيم. والجمع بينه وبين الحجِّ (٢) ممكنٌ بلا تفويتٍ. والله أعلم.

ولمَّا علم أبو محمد ابن حزم أنَّ قول ابن عبَّاسٍ وعائشة: «خرج لخمسٍ بقين من ذي القعدة» لا يلتئم مع (٣) قوله أوَّلَه بأن قال: معناه أنَّ (٤) اندفاعه من ذي الحليفة كان لخمسٍ= قال: وليس بين ذي الحليفة وبين المدينة إلا أربعة أميالٍ فقط، فلم تعدَّ هذه المرحلة القريبة لقلَّتها، وبهذا تأتلف جميع الأحاديث (١) . قال (٢) : ولو كان خروجه من المدينة لخمسٍ بقين لذي القعدة لكان خروجه بلا شكٍّ يوم الجمعة، وهذا خطأٌ؛ لأنَّ الجمعة لا تُصلَّى أربعًا، وقد ذكر أنس (٣) أنَّهم صلَّوا الظُّهر معه بالمدينة أربعًا. قال: ويزيده وضوحًا، ثمَّ ساق من طريق البخاريِّ (٤) حديث كعب بن مالكٍ: لَقلَّ ما (٥) كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا يوم الخميس. وفي لفظٍ آخر: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحبُّ أن يخرج يوم الخميس» (٦) ، فبطل خروجه يوم الجمعة لِما ذكرنا عن أنس، وبطل خروجه يوم السَّبت؛ لأنَّه يكون حينئذٍ خارجًا من المدينة لأربعٍ بقين من ذي القعدة، وهذا ما لم يقله أحدٌ. قال: وأيضًا فقد صحَّ مبيتُه بذي الحليفة اللَّيلة المستقبلة من يوم خروجه من المدينة، فكان يكون اندفاعُه من ذي الحُليفة يوم الأحد. يعني: لو كان خروجه يوم السَّبت، وصحَّ مبيتُه بذي طوى ليلةَ دخوله مكَّة، وصحَّ أنَّه دخلها صُبْحَ (٧) رابعةٍ (٨) من ذي الحجَّة= فعلى هذا يكون مدَّة سفره من المدينة إلى مكَّة سبعةَ أيَّامٍ؛ لأنَّه كان يكون خارجًا من المدينة لو كان ذلك لأربعٍ بقين لذي القعدة، واستوى على مكَّة لثلاثٍ خلون من ذي الحجَّة (١) وفي استقبال اللَّيلة الرَّابعة، فتلك سبع ليالٍ لا مزيد، وهذا خطأٌ بإجماعٍ وأمرٌ لم يقله أحدٌ، فصحَّ أنَّ خروجه كان لستٍّ بقين لذي القعدة، وتآلفت الرِّوايات كلُّها، وانتفى التَّعارض عنها بحمد الله. قلت: هي متآلفةٌ متوافقةٌ، والتَّعارض منتفٍ عنها مع خروجه يومَ السَّبت، ويزول عنها الاستكراه الذي أوَّلتَها عليه كما ذكرناه.

٣/١٢٧٣/١٢٧

وأمَّا قول أبي محمد: لو كان خروجه من المدينة لخمسٍ بقين من ذي القعدة لكان خروجه يوم الجمعة، إلى آخره= فغير لازمٍ، بل يصحُّ أن يخرج لخمسٍ، ويكون خروجه يوم السَّبت. والَّذي غَرَّ أبا محمد أنَّه رأى الرَّاوي قد حذف التَّاء من العدد، وهي إنَّما تُحذف مع المؤنَّث، ففهم لخمس ليالٍ بقين، وهذا إنَّما يكون إذا كان الخروج يوم الجمعة، ولو كان يوم السَّبت لكان لأربع ليالٍ بقين. وهذا بعينه ينقلب عليه، فإنَّه لو كان خروجه يوم الخميس لم يكن لخمس ليالٍ بقين، وإنَّما يكون لستِّ ليالٍ بقين، ولهذا اضطُرَّ إلى أن يؤوِّل الخروج المقيَّد بالتَّاريخ المذكور بخمسٍ على الاندفاع من ذي الحليفة، ولا ضرورةَ له إلى ذلك، إذ من الممكن أن يكون شهر ذي القعدة كان ناقصًا، فوقع الإخبار عن تاريخ الخروج بخمسٍ بقين منه بناءً على المعتاد من الشَّهر، وهذه عادة العرب والنَّاس في تواريخهم، أن يؤرِّخوا بما بقي من الشَّهر بناءً على كماله، ثمَّ يقع الإخبار عنه بعد انقضائه وظهور نقصِه كذلك، لئلَّا يختلف عليهم التَّاريخ، فيصحُّ أن يقول القائل يومَ الخامس والعشرين: «كُتِب لخمسٍ بقين» ، ويكون الشَّهر تسعًا وعشرين.

٣/١٢٨٣/١٢٨

وأيضًا فإنَّ الباقي كان خمسة أيَّامٍ بلا شكٍّ بيوم الخروج، والعرب إذا اجتمعت اللَّيالي والأيَّام في التَّاريخ غلَّبت لفظَ اللَّيالي لأنَّها أوَّل الشَّهر، وهي أسبق من اليوم، فتذكر اللَّيالي ومرادها الأيَّام، فيصحُّ أن يقال: «لخمسٍ بقين» باعتبار الأيَّام، ويُذكَّر لفظ العدد باعتبار اللَّيالي، فصحَّ حينئذٍ أن يكون خروجه لخمسٍ بقين ولا يكون يوم الجمعة.

وأمَّا حديث كعب فليس فيه أنَّه لم يكن يخرج قطُّ إلا يوم الخميس، وإنَّما فيه أنَّ ذلك كان أكثر خروجه، ولا ريبَ أنَّه لم يكن يتقيَّد في خروجه إلى الغزوات بيوم الخميس.

وأمَّا قوله: لو خرج يوم السَّبت لكان خارجًا لأربعٍ، فقد تبيَّن أنَّه لا يلزم، لا (١) باعتبار اللَّيالي ولا باعتبار الأيَّام.

وأمَّا قوله: إنَّه بات بذي الحليفة اللَّيلةَ المستقبلة من يوم خروجه من المدينة إلى آخره، وإنه يلزم من خروجه يوم السَّبت أن تكون مدَّة سفره سبعة أيَّامٍ= فهذا عجبٌ منه، فإنَّه إذا خرج يوم السَّبت وقد بقي من الشَّهر خمسة أيَّامٍ ودخل مكَّة لأربعٍ مَضَين من ذي الحجَّة فبين خروجِه من المدينة ودخوله مكَّة تسعةُ أيَّامٍ، وهذا غير مشكلٍ بوجهٍ من الوجوه، فإنَّ الطَّريق الَّتي سلكها إلى مكَّة بين المدينة وبينها هذا المقدار، وسيرُ العرب أسرع من سير الحضر بكثيرٍ، ولا سيَّما مع عدم المحامل والكَجاوات (١) والزَّوامل الثِّقال. وهذا القول الذي اخترناه أحد القولين في تاريخ خروجه، قاله الواقدي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) .

٣/١٢٩٣/١٢٩

عدنا إلى سياق حَجته، فصلَّى الظُّهر بالمدينة بالمسجد أربعًا، ثمَّ ترجَّل وادَّهن، ولبس إزاره ورداءه (٣) ، وخرج بين الظُّهر والعصر، فنزل بذي الحليفة فصلَّى بها العصر ركعتين، ثمَّ بات بها، وصلَّى بها المغرب والعشاء والصُّبح (٤) والظُّهر (٥) ، فصلَّى بها خمس صلواتٍ. وكان نساؤه كلُّهنَّ معه (٦) ، فطاف عليهنَّ تلك اللَّيلة، فلمَّا أراد الإحرام اغتسل غسلًا ثانيًا لإحرامه غيرَ غسلِ الجماع الأوَّل.

ولم يذكر ابن حزمٍ أنَّه اغتسل غير الغسل الأوَّل للجنابة (٧) ، فإمَّا أن يكون تركه عمدًا لأنَّه لم يثبت عنده، وإمَّا أن يكون سهوًا منه، وقد قال زيد بن ثابتٍ: إنَّه رأى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تجرَّد لإهلاله واغتسل (٨) . قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.

٣/١٣٠٣/١٣٠

وذكر الدَّارقطنيُّ (١) عن عائشة قالت: الله عليه وسلم - إذا أراد أن يُحرِم غسلَ رأسه بخِطْميٍّ وأُشنانٍ. ثمَّ طيَّبته عائشة بيدها بذَرِيرةٍ (٢) وبطيبٍ فيه مِسْكٌ في بدنه ورأسه، حتَّى كان وَبيصُ (٣) المسكِ يُرى في مفارِقه ولحيته - صلى الله عليه وسلم - (٤) . ثمَّ استدامَه ولم يغسله، ثمَّ لبس إزاره ورداءه، ثمَّ صلَّى الظُّهر ركعتين، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ والعمرة في مصلَّاه. ولم يُنقل عنه أنَّه صلَّى للإحرام ركعتين غيرَ فرض الظُّهر.

وقلَّد قبل الإحرام بَدَنتَه نعلين، وأشعرها في جانبها الأيمن، فشقَّ صفحةَ سَنامها، وسَلَتَ الدَّم عنها (٥) .

وإنَّما قلنا: إنَّه أحرم قارنًا لاثنين وعشرين (٦) حديثًا صريحةً صحيحةً في ذلك: أحدها: ما خَرَّجا (٧) في «الصَّحيحين» (٨) عن ابن عمر، قال: تمتَّع رسول الله - الحجِّ، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي صلى الله عليه وسلم - فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ. وذكر الحديث.

٣/١٣١٣/١٣١

وثانيها: ما خرَّجا (١) في «الصَّحيحين» (٢) أيضًا عن عروة عن عائشة، أخبرته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل حديث ابن عمر سواءً.

وثالثها: ما روى مسلم في «صحيحه» (٣) من حديث قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّه قرن الحجَّ إلى العمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا، ثمَّ قال: هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ورابعها: ما روى أبو داود (٤) عن النُّفيلي، ثنا زهير بن معاوية (٥) ، ثنا أبو إسحاق (٦) ، عن مجاهد: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: مرَّتين. فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمر ثلاثًا سوى الَّتي قَرنَ بحجَّته.

ولا يناقض هذا قول ابن عمر: «إنَّه - صلى الله عليه وسلم - قرنَ بين الحجِّ والعمرة» ؛ لأنَّه أراد العمرة الكاملة المفردة ولا ريب أنَّهما عمرتان: عمرة القضاء وعمرة الجعرانة؛ وعائشة أرادت العمرتين المستقلَّتين، وعمرة القِران، والَّتي صُدَّ عنها، ولا ريب أنَّها أربعٌ.

٣/١٣٢٣/١٣٢

وخامسها: ما رواه (١) سفيان الثَّوريُّ، عن ، عن أبيه (٢) ، عن جابر بن عبد اللَّه: أنَّ رسول الله - حجَّ ثلاث حِجَجٍ: [حجَّتين] (٣) قبل أن يهاجر، وحجَّةً بعدما هاجر، معها عمرةٌ. رواه الترمذي وغيره (٤) .

وسادسها: ما روى (٥) أبو داود (٦) عن بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ، قال: اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع عمرٍ: عمرة ، والثَّانية حين تواطأوا على عمرةٍ من قابلٍ، والثَّالثة (٧) من الجِعرانة، والرَّابعة الَّتي قرن مع حجَّته.

وسابعها: ما رواه البخاريُّ في «صحيحه» (٨) عن - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوادي العقيق يقول: «أتاني اللَّيلةَ آتٍ من ربِّي عزَّ وجلَّ، المبارك، وقل: عمرةٌ في حجَّةٍ» .

٣/١٣٣٣/١٣٣

وثامنها: ما رواه أبو داود (١) عن البراء بن عازبٍ قال: كنت مع علي حين أمَّره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على اليمن، فأصبتُ معه أواقيَّ، فلمَّا قدم عليٌّ من اليمن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: وجدتُ فاطمة قد لبست ثيابًا صَبِيغًا (٢) ، وقد نَضَحت البيت بنَضُوحٍ، فقالت: ما لك؟ فإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر أصحابه فأَحَلُّوا، قال: قلتُ لها: صلى الله عليه وسلم -، قال: فأتيت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: «كيف صنعتَ؟» قال: قلت: أهللتُ بإهلال النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «فإنِّي قد (٣) سقتُ الهدي وقرنتُ»، وذكر الحديث.

تاسعها: ما رواه النَّسائيُّ (٤) عن عمران بن يزيد الدمشقي، ثنا عيسى بن (٥) يونس، ثنا الأعمش، عن مسلم البَطِين، عن ، عن قال: كنتُ جالسًا عند عثمان، فسمع عليًّا يلبِّي بحج وعمرةٍ، فقال: ألم يكن يُنهى عن هذا؟ فقال: - صلى الله عليه وسلم - يلبِّي بهما جميعًا، فلم أدَعْ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقولك.

عاشرها: ما رواه مسلم في «صحيحه» (٦) من حديث شعبة، عن حميد بن هلالٍ قال: سمعت مطرِّفًا قال: قال عسى الله أن ينفعك به: الله عليه وسلم - لم يَنْهَ عنه حتَّى مات، ولم ينزل قرآنٌ يُحرِّمه.

٣/١٣٤٣/١٣٤

وحادي عشرها: ما رواه يحيى بن سعيدٍ القطَّان وسفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: إنَّما الله عليه وسلم - بين الحجِّ والعمرة، لأنَّه علم أنَّه لا يحجُّ بعدها (١) . وله طرقٌ صحيحةٌ إليهما.

وثاني عشرها: ما رواه الإمام أحمد (٢) من حديث سُراقة بن مالك قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: « يوم القيامة» ، قال: وقرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجَّة الوداع. إسناده ثقاتٌ.

وثالث عشرها: ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه (٣) من حديث أبي طلحة الأنصاريِّ: الله عليه وسلم - جمع بين الحجِّ والعمرة. ورواه ابن ماجه (٤) ، وفيه الحجَّاج بن أرطاة.

٣/١٣٥٣/١٣٥

ورابع عشرها: ما رواه الإمام أحمد (١) من حديث الهِرماس بن زيادٍ الباهليِّ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرنَ في حجَّة الوداع بين الحجِّ والعمرة.

وخامس عشرها: ما رواه البزّار (٢) بإسنادٍ صحيحٍ إلى ابن أبي أوفى قال: إنَّما الله عليه وسلم - بين الحجِّ والعمرة لأنَّه علمَ أنَّه لا يحجُّ بعد عامه ذلك. وقد قيل: إنَّ يزيد (٣) بن عطاء أخطأ في إسناده (٤) ، وقال آخرون: لا سبيلَ إلى تخطئته بغير دليلٍ.

وسادس عشرها: ما رواه الإمام أحمد (٥) من حديث جابر بن عبد اللَّه الله عليه وسلم - قرن الحجَّ والعمرة، فطاف لهما طوافًا واحدًا. ورواه الترمذي، وفيه الحجَّاج بن أرطاة، وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن ما لم ينفرد بشيءٍ أو (٦) يخالف الثِّقات.

وسابع عشرها: ما رواه الإمام أحمد (٧) من حديث أم سلمة قالت: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أهِلُّوا يا آلَ محمَّدٍ بعمرةٍ في حجٍّ» .

٣/١٣٦٣/١٣٦

وثامن عشرها: ما أخرجاه في «الصَّحيحين» (١) ــ واللَّفظ لمسلم ــ عن حفصة قالت: قلت للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ما شأن النَّاس حَلُّوا ولم تَحلِلْ من عمرتك؟ قال: « فلا أحلُّ حتى أحلَّ من الحجِّ» . وهذا يدلُّ على أنَّه كان في عمرةٍ معها حجٌّ، وأنَّه لا يحلُّ من العمرة حتَّى يحلَّ من الحجِّ. وهذا على أصل مالك والشَّافعيِّ ألزمُ؛ لأنَّ المعتمر عمرةً مفردةً لا يمنعه عندهما الهديُ من التَّحلُّل، وإنَّما يمنعه عمرة القران، فالحديث على أصلهما نصٌّ.

وتاسع عشرها: ما رواه النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ (٢) عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وقَّاصٍ والضَّحَّاكَ بن قيسٍ عامَ حجَّ ، وهما يذكران التَّمتُّع بالعمرة إلى الحجِّ، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهِلَ أمرَ اللَّه، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي! قال الضحاك: فإنَّ (٣) نهى عن ذلك، قال سعد: قد صنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصنعناها معه. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

٣/١٣٧٣/١٣٧

ومراده هنا بالتَّمتُّع بالعمرة إلى الحجِّ: أحدُ نوعيه، وهو تمتُّع القِران، فإنّ لغة القرآن والصَّحابةِ الذين شهدوا التَّنزيل والتَّأويل تشهد بذلك، ولهذا قال ابن عمر (١) : «تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحجِّ، فبدأ فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ» ، وكذلك قالت عائشة (٢) .

وأيضًا فالذي صنعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو متعة القِران بلا شكٍّ، كما قطع به أحمد، ويدلُّ على ذلك أنَّ عمران بن حُصينٍ قال: تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتمتَّعنا معه. متَّفقٌ عليه (٣) . وهو الذي قال لمطرِّف: ينفعك به: الله عليه وسلم - جمعَ بين حجٍّ وعمرةٍ، ثمَّ لم يَنْهَ عنه حتَّى مات. وهو في «صحيح مسلم» (٤) . فأخبر عن قِرانه بقوله: «تمتَّع» ، وبقوله: «جمعَ بين حجٍّ وعمرةٍ» .

ويدلُّ عليه أيضًا ما ثبت في «الصَّحيحين» اجتمع علي وعثمان بعُسْفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي: ما تريد - صلى الله عليه وسلم - تنهى عنه؟ فقال عثمان: دَعْنا منك، فقال: إنِّي لا أستطيع أن أدَعَك. فلمَّا رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما جميعًا. هذا لفظ مسلم (٥) .

٣/١٣٨٣/١٣٨

ولفظ البخاريِّ (١) : « في المتعة، فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمرٍ فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما جميعًا» .

وخرَّج البخاريُّ (٢) وحده من حديث قال: شهدتُ عليًّا وعثمان، يجمع بينهما، فلمَّا رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما: لبَّيك بعمرةٍ وحجَّةٍ، وقال: ما كنتُ أَدَعُ سنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - لقول أحدٍ.

فهذا يبيِّن أنَّ من جمع بينهما كان متمتِّعًا عندهم، وأنَّ هذا هو الذي فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد وافقه عثمان على أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك، فإنَّه لمَّا قال له: ما تريد - صلى الله عليه وسلم - تنهى عنه، لم يقل له: لَمْ يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولولا أنَّه وافقه على ذلك لأنكره. ثمَّ قصد عليٌّ موافقةَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والاقتداءَ به في ذلك، وبيانَ أنَّ فعْلَه لم يُنسَخ، فأهلَّ بهما جميعًا، تقريرًا للاقتداء به ومتابعته في القِران، وإظهارًا لسنَّةٍ نهى عنها عثمان متأوِّلًا، وحينئذٍ فهذا دليلٌ مستقلٌّ تمام العشرين.

الحادي والعشرون: ما رواه مالك، عن ابن شهابٍ، عن عروة، عن عائشة أنَّها قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « بالحجِّ مع العمرة، ثمَّ لا يحلُّ حتَّى يحلَّ منهما جميعًا» . رواه في «الموطأ» (٣) .

٣/١٣٩٣/١٣٩

ومعلومٌ أنَّه كان معه الهدي، فهو أولى من بادر إلى ما أمر به، وقد دلَّ عليه سائر الأحاديث الَّتي ذكرناها ونذكرها.

وقد ذهب جماعةٌ من السَّلف والخلف إلى إيجاب القِران على (١) من ساق الهدي، والتمتُّع بالعمرة المفردة على من لم يَسُقِ الهدي، منهم: وجماعةٌ، فعندهم لا يجوز العدول عمَّا فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر به أصحابه، فإنَّه قرنَ وساق وأمرَ كلَّ من لا هدْيَ معه بالفسخ إلى عمرةٍ مفردةٍ، فالواجب أن يُفعَل كما فعله أو كما أمر. وهذا القول أصحُّ من قول من حرَّم فسخ الحجِّ إلى العمرة، من وجوهٍ كثيرةٍ (٢) سنذكرها إن شاء الله تعالى.

الثَّاني والعشرون: ما خرَّجا في «الصَّحيحين» (٣) عن أبي قِلابة، عن أنس بن مالكٍ قال: صلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن معه بالمدينة الظُّهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فبات بها حتَّى أصبح. ركبَ حتَّى استوت به راحلته على البيداء، حمِدَ الله وسبَّح النَّاس بهما. فلمَّا قدِمنا أمر النَّاسَ فحلُّوا، حتَّى إذا كان يوم التَّروية أهلُّوا بالحجِّ.

وفي «الصَّحيحين» (٤) أيضًا عن بكر بن عبد الله المزنيِّ، عن أنس قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكر: لبَّى بالحجِّ وحده. فلقيتُ أنسًا، فحدَّثته بقول ابن عمر فقال أنس: ما تعدُّونا إلا صبيانًا، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لبَّيك حجًّا وعمرةً. وبين أنس وابن عمر في السِّنِّ سنةٌ أو سنةٌ وشيءٌ.

٣/١٤٠٣/١٤٠

وفي «صحيح مسلم» (١) عن يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صُهيبٍ وحُميد أنَّهم سمعوا أنسًا قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ بهما: لبَّيك عمرةً وحجًّا لبيك عمرةً وحجًّا.

وروى أبو يوسف القاضي عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، عن أنس قال: سمعت النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لبَّيك بحجٍّ وعمرةٍ معًا» (٢) .

وروى النَّسائيُّ (٣) من حديث أبي أسماء، عن أنس قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُلبِّي بهما.

ورَوى أيضًا (٤) من حديث الحسن البصريِّ عن أنس أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ بالحجِّ والعمرة حين صلَّى الظُّهر.

وروى البزّار (٥) من حديث زيد بن أسلم مولى ، عن أنس أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ.

٣/١٤١٣/١٤١

ومن حديث سليمان التَّيمي عن أنس كذلك (١) ، وعن أبي قُدامة عن أنس مثله (٢) .

وذكر وكيعٌ: ثنا مصعب بن سُليم قال: سمعت أنسًا مثله (٣) . قال: وحدَّثنا ابن أبي ليلى، عن ثابتٍ البنانيِّ، عن أنس مثله (٤) .

وذكر الخُشني (٥) : ثنا محمَّد بن بشَّارٍ، ثنا ، ثنا شعبة، عن أبي قَزَعة، عن أنس مثله.

وفي «صحيح البخاريِّ» (٦) عن قتادة، عن أنس: اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع عمرٍ، فذكرها وقال: وعمرةٌ مع حجَّته. وقد تقدَّم.

وذكر عبد الرزاق: ثنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة وحُميد بن هلالٍ، عن أنس مثله (٧) .

فهؤلاء ستَّة عشر نفسًا من الثِّقات، كلُّهم متَّفقون عن أنس (٨) أنَّ لفظ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان إهلالًا بحجٍّ وعمرةٍ معًا، وهم: الحسن البصريُّ، وأبو قِلابة، وحُميد بن هلالٍ، وحُميد بن عبد الرحمن (١) الطويل، وقتادة، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ، وثابتٌ البُنانيُّ، وبكر بن عبد الله المزنيُّ، وعبد العزيز بن صُهيبٍ، وسليمان التَّيميُّ، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سُليم، وأبو أسماء، وأبو قُدامة عاصم بن حَبْتر (٢) ، وأبو قَزَعة وهو سُويد بن حُجَير (٣) الباهلي.

٣/١٤٢٣/١٤٢

فهذا إخبار أنس عن لفظ إهلاله الذي سمعه منه، وهذا علي والبراء يخبران عن إخباره - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه بالقران، وهذا عليٌّ أيضًا يخبر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعله، وهذا يخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ ربَّه أمره بأن يفعله هو، وعلَّمه اللَّفظ الذي يقوله عند الإحرام. وهذا عليٌّ أيضًا يخبر أنَّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبِّي بهما جميعًا. وهؤلاء بقيَّة من ذكرنا يخبرون عنه بأنَّه فعله، وهذا هو - صلى الله عليه وسلم - يأمر به آله، ويأمر به من ساق الهدي.

وهؤلاء الذين رَوَوا القِران بغاية البيان: عائشة أمُّ المؤمنين، ، وجابر بن عبد اللَّه، ، ، ، بإقراره لعليّ وتقريرِ عليّ له، وعمران بن الحصين، والبراء بن عازبٍ، وحفصة أمُّ المؤمنين، وأبو قتادة، وابن أبي أوفى، وأبو طلحة، والهِرْماس بن زيادٍ، وأم سلمة، وأنس بن مالكٍ، وسعد بن أبي وقَّاصٍ. فهؤلاء سبعة عشر صحابيًّا، منهم من روى فعله، ومنهم من روى لفظ إحرامه، ومنهم من روى خبره عن نفسه، ومنهم من روى أمره به.

٣/١٤٣٣/١٤٣

فإن قيل: كيف تجعلون منهم ابن عمر وجابرًا وعائشة وابن عبَّاسٍ؟ وهذه عائشة تقول: «أهلَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجِّ» ، وفي لفظٍ: «أفرد الحجَّ» ، والأوَّل في «الصَّحيحين» (١) والثَّاني في مسلم (٢) . وله لفظان هذا أحدهما، والثَّاني: «أهلَّ بالحجِّ مفردًا» ، وهذا ابن عمر يقول: «لبَّى بالحجِّ وحده» ذكره البخاريُّ (٣) ، وهذا ابن عبَّاسٍ يقول: «أهلَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجِّ» رواه مسلم (٤) ، وهذا جابر يقول: «أفرد الحجَّ» رواه ابن ماجه (٥) .

قيل: إن كانت الأحاديث عن هؤلاء تعارضت وتساقطتْ فإنَّ أحاديث الباقين لم تتعارض (٦) ، فهَبْ أنَّ أحاديث من ذكرتم لا حجَّة فيها على القِران ولا على الإفراد لتعارضها، فما الموجب للعدول عن أحاديث الباقين مع صراحتها وصحَّتها؟ فكيف وأحاديثهم يصدِّق بعضها بعضًا ولا تعارُضَ بينها (١) ، وإنَّما ظنَّ من ظنَّ التَّعارض لعدم إحاطته بمراد الصَّحابة من ألفاظهم، وحَمْلِها على الاصطلاح الحادث بعدهم.

٣/١٤٤٣/١٤٤

ورأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه (٢) فصلًا حسنًا في اتِّفاق أحاديثهم أسوقُه بلفظه، قال (٣) : والصَّواب أنَّ الأحاديث في هذا الباب متَّفقةٌ ليست بمختلفةٍ إلا اختلافًا يسيرًا، يقع مثله في غير ذلك، فإنَّ الصَّحابة ثبت عنهم أنَّه تمتَّع، والتَّمتُّع عندهم يتناول القِران، والَّذين رُوي عنهم (٤) أنَّه أفرد رُوي عنهم أنَّه تمتَّع.

أمَّا الأوَّل: ففي «الصَّحيحين» (٥) عن سعيد بن المسيَّب: «اجتمع عثمان وعلي بعُسْفانَ، وكان (٦) العمرة، فقال عليٌّ: ما تريد - صلى الله عليه وسلم - تنهى عنه؟ فقال عثمان: دَعْنا منك، فقال: إنِّي لا أستطيع أن أدعَك. فلمَّا رأى علي ذلك أهلَّ بهما جميعًا». فهذا يبيِّن أنَّ من جمع بينهما كان متمتِّعًا عندهم، وأنَّ هذا هو الذي فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ووافقه عثمان على أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك، لكن كان النِّزاع بينهما: هل ذلك الأفضل في حقِّنا أم لا؟ وهل يُشرَع فسخ الحجِّ إلى العمرة في حقِّنا كما تنازع فيه الفقهاء؟ فقد اتَّفق علي وعثمان على أنَّه تمتَّع، والمراد بالتَّمتُّع عندهم القِران.

٣/١٤٥٣/١٤٥

وفي «الصَّحيحين» (١) عن مطرِّف قال: قال عمران بن حُصينٍ: الله عليه وسلم - جمع بين حجٍّ وعمرةٍ، ثمَّ إنَّه ولم ينزل فيه قرآنٌ يحرِّمه. وفي روايةٍ عنه: «تمتَّع نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - وتمتَّعنا معه» . فهذا عمران وهو من أجلِّ السَّابقين الأوَّلين أخبر أنَّه تمتَّع، وأنَّه جمع بين الحجِّ والعمرة.

والقارن عند الصَّحابة متمتِّعٌ، ولهذا أوجبوا عليه الهدي، ودخل في قوله تعالى: ﴿ الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . وذكر حديث عمر: «أتاني في هذا الوادي المبارك، وقلْ: عمرةٌ في حجَّةٍ» (٢) . قال (٣) : فهؤلاء الخلفاء الرَّاشدون عمر وعثمان وعلي وعمران بن حُصينٍ، رُوي عنهم بأصحِّ الأسانيد أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرَنَ بين العمرة والحجِّ، وكانوا يسمُّون ذلك تمتُّعًا، وهذا أنس يذكر أنَّه سمع النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يلبِّي بالحجِّ والعمرة جميعًا.

وما ذكره بكر بن عبد الله المزنيُّ عن ابن عمر أنَّه «لبَّى بالحجِّ وحده» ، فجوابه: أنَّ الثِّقات الذين هم أثبتُ في ابن عمر من بكر مثل سالمٍ ابنه ونافعٍ رووا عنه أنَّه قال: «تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحجِّ» ، وهؤلاء أثبت عن (٤) ابن عمر من بكر. فتغليطُ بكرٍ عن ابن عمر أولى من تغليط سالم (٥)

٣/١٤٦٣/١٤٦

عنه، وتغليطِه هو على (١) النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ويُشبِه أنَّ ابن عمر قال له: «أفرد الحجَّ» فظنَّ أنَّه قال: «لبَّى بالحجِّ» ، فإنَّ إفراد الحجِّ كانوا يطلقونه ويريدون به إفراد أعمال الحجِّ، وذلك ردٌّ منهم على من قال: إنَّه قرن قرانًا طاف فيه طوافين وسعى فيه سعيين، وعلى من يقول: إنَّه أحلَّ (٢) من إحرامه. فرواية من روى من الصَّحابة أنَّه أفرد الحجَّ تردُّ على هؤلاء.

يبيِّن هذا ما رواه مسلم في «صحيحه» (٣) عن نافع عن ابن عمر قال: أهللنا (٤) مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجِّ مفردًا، وفي روايةٍ «أهلَّ بالحجِّ مفردًا» . فهذه الرِّواية إذا قيل: إنَّ مقصودها أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ بحجٍّ مفردٍ (٥) ، قيل: فقد ثبت بإسنادٍ أصحَّ من ذلك عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تمتَّع بالعمرة إلى الحجِّ، وأنَّه بدأ فأهلَّ بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحجِّ، وهذا من رواية الزُّهريِّ عن سالم عن ابن عمر. وما عارض هذا عن ابن عمر: إمَّا أن يكون غلطًا (٦) عليه، وإمَّا أن يكون مقصوده موافقًا له، وإمَّا أن يكون ابن عمر لمَّا علم أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يحلَّ ظنَّ أنَّه أفرد، كما وهم في قوله: «إنَّه اعتمر في رجبٍ» ، وكان ذلك نسيانًا منه، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا لم يحلَّ من إحرامه ــ وكان هذا حالَ المفرد (٧) ــ ظنَّ أنَّه أفرد.

٣/١٤٧٣/١٤٧

ثمَّ ساق (١) حديث الزُّهريِّ عن سالم عن أبيه: تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الحديث. وقول الزُّهريِّ: وحدَّثني عروة عن عائشة بمثل حديث سالم عن أبيه (٢) . قال (٣) : فهذا من أصحِّ حديثٍ على وجه الأرض، وهو من حديث الزُّهريِّ ــ أعلمِ أهل زمانه بالسُّنَّة ــ عن سالم عن أبيه، وهو من أصحِّ حديث ابن عمر وعائشة.

وقد ثبت عن عائشة في «الصَّحيحين» (٤) أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اعتمر أربع عُمَرٍ، الرَّابعة مع حجَّته. ولم يعتمر بعد الحجِّ باتِّفاق العلماء، فتعيَّن أن يكون متمتِّعًا تمتُّعَ قرانٍ أو التَّمتُّع الخاصَّ.

وقد صحَّ عن ابن عمر أنَّه قرَنَ بين الحجِّ والعمرة وقال: هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه البخاريُّ في «الصَّحيح» (٥) . قال (٦) : وأمَّا الذين نُقل عنهم إفراد الحجِّ فهم ثلاثةٌ: عائشة، وابن عمر، وجابر، والثَّلاثة نُقل عنهم التَّمتُّع، وحديث عائشة وابن عمر أنَّه تمتَّع بالعمرة إلى الحجِّ أصحُّ من حديثهما أنه أفرد الحج (٧) ، وما صحَّ من ذلك عنهما فمعناه إفراد أعمال الحجِّ، أو أن يكون وقع فيه (١) غلطٌ (٢) كنظائره، فإنَّ أحاديث التَّمتُّع متواترةٌ، رواها أكابر الصَّحابة كعمر وعلي وعثمان وعمران بن حُصينٍ، ورواها أيضًا عائشة وابن عمر وجابر، بل رواها عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بضعة عشر من الصَّحابة. قلت: وقد اتَّفق أنس وعائشة وابن عمر وابن عبَّاسٍ على أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اعتمر أربع عمرٍ، وإنَّما وهِمَ ابن عمر في كون إحداهنَّ في رجبٍ، وكلُّهم قالوا: وعمرةٌ مع حجَّته، وهُم سوى ابن عبَّاسٍ قالوا: إنَّه أفرد الحجَّ، وهم سوى أنس قالوا: تمتَّع. فقالوا هذا وهذا وهذا، ولا تناقضَ بين أقوالهم، فإنَّه تمتَّع تمتُّع قرانٍ، وأفرد أعمال الحجِّ، وقرنَ بين النُّسكين، فكان قارنًا باعتبار جمعه بين النُّسكين، ومفرِدًا باعتبار اقتصاره على أحد الطَّوافين والسَّعيين، ومتمتِّعًا باعتبار (٣) ترفُّهه بترك أحد السَّفرين.

٣/١٤٨٣/١٤٨

ومن تأمَّل ألفاظ الصَّحابة، وجمعَ الأحاديث بعضها إلى بعضٍ، واعتبر بعضَها ببعضٍ، وفهم لغة الصَّحابة= أسفر له صبحُ الصَّواب، وانقشعتْ عنه ظلمةُ الاختلاف والاضطراب، والله الهادي لسبيل الرَّشاد الموفِّق لطريق السَّداد.

فمن قال: «إنَّه أفرد الحجَّ» ، وأراد به أنَّه أتى (٤) بالحجِّ مفردًا، ثمَّ فرغ منه وأتى بالعمرة بعده من التَّنعيم أو غيره، كما يظنُّ كثيرٌ من النَّاس= فهذا غلطٌ لم يقله أحدٌ من الصَّحابة، ولا التَّابعين، ولا الأئمَّة الأربعة، ولا أحدٌ من أهل الحديث. وإن أراد به أنَّه حجَّ حجًّا مفردًا لم يعتمر معه، كما قاله طائفةٌ من السَّلف والخلف= فوهم أيضًا، والأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة تردُّه كما تبيَّن. وإن أراد به أنَّه اقتصر على أعمال الحجِّ وحده، ولم يُفرِد للعمرة أعمالًا، فقد أصاب، وعلى قوله تدلُّ جميع الأحاديث.

٣/١٤٩٣/١٤٩

ومن قال: «إنَّه قرَنَ» ، فإن أراد به أنَّه طاف للحجِّ طوافًا على حدةٍ، وللعمرة طوافًا على حدةٍ، وسعى للحجِّ سعيًا، وللعمرة سعيًا، فالأحاديث الثَّابتة تردُّ قوله. وإن أراد أنَّه قرنَ بين النُّسكين، وطاف لهما طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، فالأحاديث الصَّحيحة تشهد لقوله، وقوله هو الصَّواب.

ومن قال: «تمتَّع» ، فإن أراد أنَّه (١) تمتَّع تمتُّعًا حلَّ منه، ثمَّ أحرم بالحجِّ إحرامًا مستأنفًا، فالأحاديث تردُّ قوله، وهو غلطٌ. وإن أراد أنَّه (٢) تمتَّع تمتُّعًا لم يحلَّ منه، بل (٣) بقي على إحرامه لأجل سَوْق الهدي، فالأحاديث الكثيرة تردُّ قوله أيضًا، وهو أقلُّ غلطًا. وإن أراد تمتُّع القران فهو الصَّواب الذي تدلُّ عليه جميع الأحاديث الثَّابتة، ويأتلف به شَمْلُها، ويزول عنها (٤) الإشكال والاختلاف.

٤ - من قال: إنه لم يعتمر في حجته أصلا، والرد عليه

٣/١٥٤٣/١٥٤

الاشتباه أنَّه خرج من مكَّة في شوَّالٍ للقاء العدوِّ، وفرغ من عدوِّه، وقسَمَ غنائمهم، ودخل مكَّة ليلًا معتمرًا من الجعرانة، وخرج منها ليلًا، فخفيتْ عمرتُه هذه على كثيرٍ من النَّاس، وكذلك قال مُحرِّش الكعبي (١) .

فصل

وأمَّا من ظنَّ أنَّه اعتمر من التَّنعيم بعد الحجِّ، فلا أعلم له عذرًا، فإنَّ هذا خلاف المعلوم المستفيض من حجَّته، ولم ينقله أحدٌ قطُّ، ولا قاله إمامٌ، ولعلَّ ظانَّ هذا سمع أنَّه أفرد الحجَّ، ورأى أنَّ كلَّ من أفرد الحجَّ من أهل الآفاق فلا بدَّ له أن يخرج بعده إلى التَّنعيم، نزَّل حجَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، وهذا عين الغلط.

وأمَّا من قال: إنَّه لم يعتمر في حجَّته أصلًا، فعذره أنَّه لمَّا سمع أنَّه أفرد الحجَّ، وعلم يقينًا أنَّه لم يعتمر بعد حجَّته= قال: إنَّه لم يعتمر في تلك الحجَّة اكتفاءً منه بالعمرة المتقدِّمة. والأحاديث المستفيضة الصَّحيحة تردُّ قوله، كما تقدَّم من أكثر من عشرين وجهًا. وقد قال: «هذه عمرةٌ استمتعنا بها» (٢) ، وقالت له حفصة: ما شأن النَّاس حلُّوا ولم تحلَّ أنت من عمرتك؟ وقال سُراقة بن مالك: تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وكذلك قال ابن عمر وعائشة وعمران بن حُصينٍ وابن عبَّاسٍ، وصرَّح أنس وابن عبَّاسٍ (٣) وعائشة أنَّه

١ - من قال: إنه حج مفردا لم يعتمر معه، والرد عليه

٣/١٥٦٣/١٥٦

الهدي (١) من الصَّحابة، وأنكر ذلك عليهم آخرون، منهم شيخنا أبو العباس (٢) ، وقالوا: من تأمَّل الأحاديث المستفيضة الصَّحيحة تبيَّن له أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يحلَّ لا هو ولا أحدٌ ممَّن ساق الهدي.

فصل

في أعذار الذين وهموا في صفة حجَّته أمَّا من قال: إنَّه حجَّ حجًّا مفردًا لم يعتمر معه، فعذره ما في «الصَّحيحين» (٣) عن عائشة الله - صلى الله عليه وسلم - عام حجَّة الوداع، فمنَّا من أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بالحجٍّ، وأهلَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجِّ. قالوا: فهذا التَّقسيم والتَّنويع صريحٌ في إهلاله بالحجِّ وحده.

ولمسلم (٤) عنها أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ بالحجِّ مفردًا.

وفي «صحيح البخاريِّ» (٥) عن ابن عمر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبَّى (٦) بالحجِّ وحده.

وفي «صحيح مسلم» (٧) عن ابن عبَّاسٍ: أهلَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجِّ.

٣/١٥٧٣/١٥٧

وفي «سنن ابن ماجه» (١) عن جابر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحجَّ (٢) .

وفي «صحيح مسلم» (٣) عنه: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ننوي إلا الحجَّ، لسنا نعرف العمرة.

وفي «صحيح البخاريِّ» (٤) عن قال: حجَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتني عائشة أنه أوَّل شيءٍ بدأ به حين قدم مكَّة [ثمَّ لم تكن عمرةٌ] (٥) ، ثمَّ حجَّ أبو بكر، فكان أوَّل شيءٍ بدأ به الطَّواف بالبيت، ثمَّ لم تكن عمرةٌ، ثمَّ عمر مثل ذلك، ثمَّ حجَّ عثمان، فرأيته أوَّل شيءٍ بدأ به الطَّواف بالبيت، ثمَّ لم تكن عمرةٌ، عمر. ثمَّ حججتُ مع أبي الزُّبير (٦) بن العوَّام، فكان أوَّل شيءٍ بدأ به الطَّواف بالبيت، ثمَّ لم تكن عمرةٌ، ثمَّ رأيتُ المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة، ثم آخر من رأيتُ (٧) فعل ذلك ابن عمر، ثمَّ لم ينقضها بعمرة (٨) ، [وهذا ابن عمر عندهم، فلا يسألونه] (٩) ، ولا أحدٌ ممَّن مضى، ما كانوا يبدؤون بشيءٍ حين يضعون أقدامهم أوَّلَ من الطَّواف بالبيت ثمَّ لا يحلُّون. وقد رأيت أمِّي (١) وخالتي حين تَقدَمانِ لا تبدآنِ بشيءٍ أوَّلَ من البيت، تطوفان به، ثمَّ لا تَحلَّانِ. وقد أخبرتني أمِّي أنَّها أقبلتْ (٢) هي وأختها والزبير وفلانٌ وفلانٌ بعمرةٍ قط (٣) ، فلمَّا مسحوا الرُّكن حلُّوا.

٣/١٥٨٣/١٥٨

وفي «سنن أبي داود» (٤) : ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حمَّاد بن سلمة ووُهَيب بن خالدٍ، كلاهما عن ، عن أبيه، عن عائشة - صلى الله عليه وسلم - موافين لهلال الحليفة قال: «من شاء أن يُهِلَّ بحجٍّ فليفعلْ (٥) ، ومن شاء أن يهلَّ بعمرةٍ فليهلَّ (٦) ». ثمَّ انفرد حماد (٧) في حديثه بأن قال عنه - صلى الله عليه وسلم -: «فإنِّي لولا أنِّي أهديتُ لأهللتُ بعمرةٍ» . وقال الآخر (٨) : «وأمَّا أنا فأهلُّ بالحجِّ» . فصحَّ بمجموع الرِّوايتين أنَّه أهلَّ بالحجِّ مفردًا.

وأرباب هذا القول عذرهم ظاهرٌ كما ترى، ولكن ما عذرهم في حكمه وخبره الذي حكم به على نفسه، وأخبر عنها بقوله: «سُقتُ الهديَ وقَرنْتُ» (١) ؟ وخبر من هو تحت بطن ناقته، وأقرب إليه حينئذٍ من غيره، وهو من أصدق النَّاس، يسمعه (٢) يقول: «لبَّيك حجًّا وعمرةً» (٣) ، وخبر من هو أعلم النَّاس به عنه ، حين يخبر عنه (٤) أنَّه أهلَّ بهما جميعًا، ولبَّى بهما جميعًا (٥) ، وخبر زوجته حفصة في تقريرها له (٦) على أنَّه معتمرٌ بعمرةٍ لم يحلَّ منها، فلم ينكر ذلك عليها، بل صدَّقها، وأجابها بأنَّه مع ذلك حاجٌّ (٧) ، وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يقرُّ على باطلٍ يسمعه أصلًا، بل ينكره.

٣/١٥٩٣/١٥٩

وما عذره (٨) عن خبره عن نفسه بالوحي الذي جاءه من ربِّه، يأمره فيه أن يهلَّ بحجَّةٍ في عمرةٍ؟ وما عذره عن خبر من أخبر عنه من أصحابه أنَّه قرنَ؛ لأنَّه علم أنَّه لا يحجُّ بعدها، وخبر من أخبر عنه أنَّه اعتمر مع حجَّته؟

وليس مع من قال: إنَّه أفرد الحجَّ شيءٌ من ذلك البتَّة، فلم يقل أحدٌ منهم عنه: إنِّي أفردتُ، ولا أتاني آتٍ من ربِّي يأمرني بالإفراد، ولا قال أحدٌ: ما بال النَّاس حلُّوا، ولم تحلَّ من حجك، كما حلُّوا هم بعمرةٍ، ولا قال أحدٌ: إنه سمعه يقول: لبَّيك بعمرةٍ مفردةٍ البتَّة، ولا بحجٍّ مفردٍ، ولا قال أحدٌ: إنَّه اعتمر أربع عُمَرٍ الرَّابعة بعد حجَّته، وقد شهد عليه أربعةٌ من الصَّحابة أنَّهم (١) سمعوه يخبر عن نفسه بأنَّه قارنٌ، ولا سبيلَ إلى دفع ذلك إلا بأن يقال: لم يسمعوه.

٣/١٦٠٣/١٦٠

ومعلومٌ قطعًا أنَّ تطرُّقَ الوهم والغلط إلى من أخبر عمَّا فهِمَه هو من فعْلِه وظنَّه كذلك أولى من تطرُّقِ التَّكذيب إلى من قال: سمعته يقول كذا وكذا وإنَّه لم يسمعه، فإنَّ هذا لا يتطرَّق إليه إلا التَّكذيب، بخلاف خبر من أخبر عمَّا ظنَّه من فعْلِه وكان واهمًا، فإنَّه لا يُنسب إلى الكذب. ولقد نزَّه الله عليًّا وأنسًا والبراء وحفصة عن أن يقولوا: سمعناه يقول كذا، ولم يسمعوه، ونزَّهه ربُّه تبارك وتعالى أن يرسل إليه: أن افعَلْ كذا وكذا، ولم يفعله، هذا من أمحل المحال وأبطل الباطل، فكيف والَّذين ذكروا الإفراد عنه لم يخالفوا هؤلاء في مقصودهم ولا ناقضوهم، وإنَّما أرادوا إفرادَ الأعمال واقتصارَه على عمل المفرِد، فإنَّه ليس في عمله زيادةٌ على عمل (٢) المفرد.

ومَن روى عنهم ما يوهم خلاف هذا فإنَّه عبَّر بحسب ما فهمه، كما سمع بكرُ بن عبد الله ابنَ عمر يقول: أفرد الحجَّ، فقال: «لبَّى بالحجِّ وحده» ، فحمله على المعنى. وقال سالمٌ ابنه عنه ونافعٌ مولاه: إنَّه تمتَّع، فبدأ فأهلَّ بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحجِّ. فهذا سالمٌ يخبر بخلاف ما أخبر بكرٌ، ولا يصحُّ تأويل هذا عنه (١) بأنَّه أمر به، فإنَّه فسَّره بقوله: «وبدأ فأهلَّ بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحجِّ» .

٣/١٦١٣/١٦١

وكذلك الذين رووا الإفراد عن عائشة هما: عروة والقاسم، وروى القِران عنها عروة ومجاهد، وأبو الأسود يروي عن عروة الإفراد، والزُّهريُّ يروي عنه القران. فإن قدَّرنا تساقُطَ الرِّوايتين سلِمتْ رواية مجاهد، وإن حُمِلتْ رواية الإفراد على أنَّه أفرد أعمال الحجِّ تصادقت الرِّوايات وصدَّق بعضها بعضًا.

ولا ريبَ أنَّ قول عائشة وابن عمر: «أفردَ الحجَّ» ، محتملٌ لثلاثة معانٍ: أحدها: الإهلال به مفردًا.

الثَّاني: إفراد أعماله.

الثَّالث: أنَّه حجَّ حجَّةً واحدةً لم يحجَّ معها غيرها، بخلاف العمرة فإنَّها كانت أربع مرَّاتٍ.

وأمَّا قولهما: «تمتَّع بالعمرة إلى الحجِّ، وبدأ فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ» ، وحكيا فعله، فهذا صريحٌ لا يحتمل غير معنًى واحدٍ، فلا يجوز ردُّه بالمجمل. وليس في رواية الأسود وعَمرة عن عائشة أنَّه أهلَّ بالحجِّ ما يناقض روايةَ مجاهد وعروة عنها أنَّه قرنَ، فإنَّ القارن حاجٌّ مُهِلٌّ بالحجِّ قطعًا، وعمرته جزءٌ من حجّه، فمن أخبر عنه أنَّه مهلٌّ بالحجِّ فهو عين الصادق (١) . فإذا ضُمَّت رواية مجاهد إلى رواية عمرة والأسود ثمَّ ضُمَّا إلى رواية عروة= تبيَّن من مجموع الرِّوايات أنَّه كان قارنًا، وصدَّق بعضها بعضًا، حتَّى لو لم يحتمل قول عائشة وابن عمر إلا معنى الإهلال به مفردًا حسْبُ (٢) ، لوجب قطعًا أن يكون سبيله سبيلَ قولِ ابن عمر: «اعتمر في رجبٍ» ، وقولِ عائشة أو عروة: «إنَّه اعتمر في شوَّالٍ» ؛ لأنَّ (٣) تلك الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة لا سبيلَ أصلًا إلى تكذيب رواتها، ولا تأويلِها وحملِها على غير ما دلَّت عليه، ولا سبيلَ إلى تقديم هذه الرِّواية المجملة (٤) الَّتي قد اضطُرِب عن (٥) رواتها واختُلِف عنهم، وعارضهم من هو أوثق منهم أو مثلُهم عليها.

٣/١٦٢٣/١٦٢

وأمَّا قول جابر: «إنَّه أفرد الحجَّ» ، فالصحيح من حديثه ليس فيه شيءٌ من هذا، وإنَّما فيه إخباره عنهم أنفسهم أنَّهم لا ينوون إلا الحجَّ، فأين في هذا ما يدلُّ على أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبَّى بالحجِّ مفردًا؟

وأمَّا حديثه (٦) الآخر الذي رواه ابن ماجه (٧) أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحجَّ، فله ثلاث طرقٍ: أجودها: طريق الدراوردي عن عن أبيه، وهذا يقينًا مختصرٌ من حديثه الطَّويل في حجَّة الوداع ومرويٌّ بالمعنى، والنَّاس خالفوا الدراورديَّ في ذلك، وقالوا: أهلَّ بالحجِّ، وأهلَّ بالتَّوحيد.

٣/١٦٣٣/١٦٣

والطَّريق الثَّاني: فيها مطرف بن مصعب (١) عن عبد العزيز بن أبي حازمٍ عن جعفر. ومطرّف هذا (٢) قال ابن حزمٍ (٣) : هو مجهولٌ. قلت: ليس بمجهولٍ، ولكنَّه ابن أخت مالك، روى عنه البخاريُّ وبشر بن موسى وجماعةٌ. قال أبو حاتم: صدوقٌ مضطرب الحديث، هو أحبُّ إليَّ من إسماعيل بن أبي أويسٍ. وقال ابن عديٍّ (٤) : يأتي بمناكير. وكأنَّ أبا محمد رأى في النُّسخة مطرِّف بن مصعب فجهَّله، وإنَّما هو مطرف أبو مصعب، وهو مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار.

وممَّن غلط في هذا أيضًا محمد بن عثمان الذهبي في كتابه «الضُّعفاء» (٥) ، فقال: مطرِّف بن مصعب المدني عن ابن أبي ذئبٍ، منكر الحديث. قلت: والرَّاوي عن ابن أبي ذئبٍ والدراورديّ ومالكٍ هو مطرِّف أبو مصعب المدني (٦) ، وليس بمنكر الحديث، وإنَّما غرَّه قول ابن عديٍّ: «يأتي بمناكير»، ثمَّ ساق له منها ابن عديٍّ جملةً، لكن هي من رواية أحمد بن داود أبي صالح (١) عنه، كذَّبه الدَّارقطنيُّ، والبلاء فيها منه (٢) .

٣/١٦٤٣/١٦٤

والطَّريق الثَّالث (٣) لحديث جابر: فيها محمد بن عبد الوهاب، يُنظر فيه من هو وما حاله؟ عن محمَّد بن مسلمٍ، إن كان الطَّائفيَّ فهو ثقةٌ عند ابن معينٍ، ضعيفٌ عند الإمام أحمد، وقال ابن حزمٍ (٤) : ساقطٌ البتَّة. ولم أر هذه العبارة فيه لغيره، وقد استشهد به مسلم. قال ابن حزمٍ (٥) : وإن كان غيره فلا أدري من هو. قلت: ليس بغيره، بل هو الطَّائفيُّ يقينًا (٦) .

وبكلِّ حالٍ فلو صحَّ هذا عن جابر لكان حكمه حكم المرويِّ عن عائشة وابن عمر، وسائرُ الرُّواة الثِّقات إنَّما قالوا: «أهلَّ بالحجِّ» ، فلعلَّ هؤلاء حملوه على المعنى، وقالوا: «أفرد الحجَّ» . ومعلومٌ أنَّ العمرة إذا دخلت في الحجِّ فمن قال: أهلَّ بالحجِّ، لا يناقض من قال: أهلَّ بهما، بل هذا فصَّل (٧) وذاك أجملَ. ومن قال: «أفرد الحجَّ» يحتمل ما ذكرنا من الوجوه الثَّلاثة.

٣/١٦٥٣/١٦٥

ولكن هل قال أحدٌ قطُّ عنه: إنَّه سمعه يقول: لبَّيك بحجَّةٍ مفردةٍ؟ هذا ما لا سبيل إليه. حتَّى لو وُجِد ذلك لم يُقدَّم على تلك الأساطين الَّتي ذكرناها، الَّتي لا سبيل إلى دفعها البتَّة، وكان تغليط هذا أو حملُه على أوَّل الإحرام وأنَّه صار قارنًا في أثنائه متعيِّنًا، فكيف ولم يثبت ذلك. وقد قدَّمنا عن سفيان الثَّوريِّ عن عن أبيه عن جابر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرنَ في حجّه. رواه زكريا السَّاجيُّ، عن عبد الله بن زياد (١) القَطواني، عن زيد بن الحُباب، عن سفيان. ولا تناقضَ بين هذا وبين قوله: أهلَّ بالحجِّ، وأفرد الحجَّ، ولبَّى بالحجِّ، كما تقدَّم.

فحصل التَّرجيح لرواية من روى القران لوجوهٍ (٢) عشرةٍ: أحدها: أنَّهم أكثر كما تقدَّم.

الثَّاني: أنَّ طرق الإخبار بذلك تنوَّعت كما بيَّنَّاه.

الثَّالث: أنَّ فيهم من أخبر عن سماعِه لفظَه صريحًا، وفيهم من أخبر عن إخباره عن نفسه بأنَّه فعل ذلك، وفيهم من أخبر عن أمر ربِّه له بذلك، ولم يجئ شيءٌ من ذلك في الإفراد.

الرَّابع: تصديق روايات من روى أنَّه اعتمر أربعَ عُمَرٍ لها.

الخامس: أنَّها صريحةٌ لا تحتمل التَّأويل، بخلاف روايات الإفراد.

٣/١٦٦٣/١٦٦

السَّادس: أنَّها متضمِّنةٌ زيادةً سكت عنها أهل الإفراد أو نفوها، والذَّاكر الزَّائد مقدَّمٌ على السَّاكت، والمثبت مقدَّمٌ على النَّافي.

السَّابع: أنَّ رواة الإفراد أربعةٌ: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن عبَّاسٍ، والأربعة رووا القران، فإن صرنا إلى تساقُطِ رواياتهم سَلِمتْ رواية من عداهم للقِران عن معارضٍ، وإن صرنا إلى التَّرجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرِّواية عنه ولا اختلفت، كالبراء، وأنس، ، وعمران بن حُصينٍ، وحفصة، ومن معهم ممَّن تقدَّم.

الثَّامن (١) : أنَّه النُّسك الذي أُمِر به من ربِّه، فلم يكن لِيَعدِل عنه.

التَّاسع: أنَّه النُّسك الذي أَمر به كلَّ من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي ثمَّ يسوق هو الهدي ويخالفه.

العاشر: أنَّه النُّسك الذي أَمر به آلَه وأهلَ بيته واختاره لهم، ولم يكن ليختار لهم إلا ما اختار (٢) لنفسه.

وثمَّ ترجيحٌ حادي عشر، وهو قوله: «دخلت العمرة في الحجِّ إلى يوم القيامة» ، وهذا يقتضي أنَّها قد صارت جزءًا منه أو كالجزء الدَّاخل فيه، بحيث لا يُفصَل (٣) بينها وبينه، وأنها (٤) تكون مع الحجِّ كما يكون الدَّاخل في الشَّيء معه.

٣/١٦٧٣/١٦٧

وترجيحٌ ثاني عشر: وهو قول للصُّبَي بن مَعبد وقد أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ، فأنكر عليه زيد بن صُوحان أو سلمان بن ربيعة، فقال له عمر: هُدِيْتَ لسنَّة نبيِّك (١) . وهذا يوافق رواية عمر عنه أنَّ الوحي جاءه من الله بالإهلال بهما جميعًا، فدلَّ على أنَّ القِران سنَّته الَّتي فعلَها، وامتثلَ أمر الله له بها.

وترجيحٌ ثالث عشر: أنَّ القارن تقع أعماله عن كلٍّ من النُّسكين، فيقع إحرامه وطوافه وسعيه عنهما معًا، وذلك أكمل من وقوعِه عن أحدهما وعملِ كلِّ فعلٍ على حدةٍ.

وترجيحٌ رابع عشر: وهو أنَّ النُّسك الذي اشتمل على سَوق الهدي أفضل بلا ريبٍ من نسكٍ خلا عن الهدي. فإذا قرنَ كان (٢) هديه عن كلِّ واحدٍ من النُّسكين، فلم يخلُ نسكٌ منهما عن هديٍ. ولهذا ــ والله أعلم ــ أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ساق الهدي أن يُهِلَّ بالحجِّ والعمرة معًا، وأشار إلى ذلك في المتَّفق عليه من حديث البراء بقوله: «إنِّي سقتُ الهديَ وقَرنتُ» .

وترجيحٌ خامس عشر: وهو أنَّه قد ثبت أنَّ التَّمتُّع أفضل من الإفراد لوجوهٍ كثيرةٍ (٣) :

٢ - من قال: إنه حج متمتعا حل فيه من إحرامه ثم أحرم يوم التروية

٣/١٦٨٣/١٦٨

منها: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بفسخ الحجِّ إليه (١) ، ومحالٌ أن ينقلهم من الفاضل إلى المفضول الذي هو دونه.

ومنها: أنَّه تأسَّف على كونه لم يفعله بقوله: « استدبرتُ لما سقتُ الهدي ولجعلتُها متعةً» .

ومنها: أنَّه أمر به كلَّ من لم يَسُقِ الهدي.

ومنها: أنَّ الحجَّ الذي استقرَّ عليه فعله وفعل أصحابه: القرانُ لمن ساق، والتَّمتُّع لمن لم يسق.

ولوجوهٍ كثيرةٍ غير هذه، والمتمتِّع إذا ساق الهدي فهو أفضل من متمتِّعٍ اشتراه من مكَّة، بل في أحد القولين: لا هدْيَ إلا ما جمع فيه بين الحلِّ والحرم. وإذا ثبت هذا فالقارن السَّائق أفضل من متمتِّعٍ لم يسقْ ومن متمتِّعٍ ساق، لأنَّه قد ساق الهدي من حين أحرم، والمتمتِّع إنَّما يسوق الهدي من أدنى الحلِّ، فكيف يُجعل مفردٌ (٢) لم يسق هديًا أفضلَ من متمتِّعٍ ساقه من أدنى الحلِّ؟ فكيف إذا جُعِل أفضلَ من قارنٍ ساقه (٣) من الميقات؟ وهذا بحمد الله واضحٌ.

فصل

وأمَّا من قال: إنَّه حجَّ متمتِّعًا تمتُّعًا حلَّ فيه من إحرامه، ثمَّ أحرم يوم التَّروية بالحجِّ مع سوق الهدي= فعذره ما (٤) تقدَّم من حديث معاوية أنَّه قصَّر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمِشْقَصٍ في العشر، وفي لفظٍ: «وذلك في حجَّته» . وهذا ممَّا أنكره النَّاس على معاوية وغلَّطوه فيه، وأصابه فيه ما أصاب ابنَ عمر في قوله: إنَّه اعتمر في رجبٍ، فإنَّ سائر الأحاديث الصَّحيحة المستفيضة من الوجوه المتعدِّدة كلَّها تدلُّ على أنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يحلَّ من إحرامه إلى يوم النَّحر، وبذلك أخبر عن نفسه بقوله: «لولا أنَّ معي الهديَ لأحللتُ» ، وقوله: «إنِّي سقتُ الهديَ وقرنتُ فلا أحلُّ حتَّى أنحر» . وهذا خبرٌ عن نفسه، فلا يدخله الوهم ولا الغلط، بخلاف خبر غيره عنه، لا سيَّما خبر يخالف ما أخبر به عن نفسه، وأخبر عنه به (١) الجمُّ الغفير: أنَّه لم يأخذ من شعره شيئًا، لا بتقصيرٍ ولا حلقٍ، وأنَّه بقي على إحرامه حتَّى حلق يوم النَّحر. ولعلَّ معاوية قصَّر عن رأسه في عمرة الجِعرانة، فإنَّه كان حينئذٍ قد أسلم، ثمَّ نسي وظنَّ أنَّ ذلك كان في العشر، كما نسي ابن عمر أنَّ عمرته كانت في ذي القعدة، وقال: كانت في رجبٍ، وقد كان معه فيها. والوهم جائزٌ على من سوى الرَّسول، فإذا قام الدَّليل عليه صار واجبًا.

٣/١٦٩٣/١٦٩

وقد قيل: إنَّ معاوية لعلَّه قصَّر عن رأسه بقيَّة شعرٍ لم يكن استوفاه الحلَّاق يوم النَّحر، فأخذه معاوية على المروة، ذكره أبو محمَّد بن حزمٍ (٢) . وهذا أيضًا من وهمه، فإنَّ الحلَّاق لا يُبقِي غلطًا شعرًا يُقصِّر منه، ثمَّ يبقي منه بعد التَّقصير بقيَّةً، وقد قسم شعر رأسه بين الصَّحابة، فأصاب أبا طلحة أحدُ الشِّقَّين، وبقيَّة الصَّحابة اقتسموا الشِّقَّ الآخر (٣) الشَّعرة والشَّعرتين والشَّعرات (٤) . وأيضًا فإنَّه لم يَسْعَ بين الصَّفا والمروة إلا سعيًا واحدًا وهو سعيه الأوَّل، لم يَسْعَ عقيب طواف الإفاضة، ولا اعتمر بعد الحجِّ قطعًا، فهذا وهمٌ محضٌ.

٣/١٧٠٣/١٧٠

وقيل (١) : هذا الإسناد إلى معاوية وقع فيه غلطٌ وخطأٌ، أخطأ فيه ، فجعله عن معمر عن ابن طاوس (٢) ، وإنَّما هو عن هشام بن حُجَير عن ابن طاوس، وهشام ضعيفٌ. قلت: والحديث الذي في البخاريِّ (٣) عن معاوية: «قصَّرتُ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمِشْقَصٍ» لم يزد على هذا، والَّذي عند مسلم (٤) : « - صلى الله عليه وسلم - عند المروة بمِشْقَصٍ» . وليس في «الصَّحيحين» غير ذلك.

وأمَّا رواية من روى «في أيَّام العشر» (٥) فليست في «الصَّحيح» ، وهي معلولةٌ أو وهمٌ من معاوية. قال قيس بن سعدٍ راويها عن عطاء عن ابن عبَّاسٍ عنه: والنَّاس ينكرون هذا على معاوية. وصدق قيس، فنحن نحلف باللَّه أنَّ هذا ما كان في العشر قطُّ.

ويشبه هذا وهمُ معاوية - رضي الله عنه - في الحديث الذي رواه أبو داود (٦) عن

٣ - من قال: إنه حج متمتعا لم يحل فيه لأجل سوق الهدي

٣/١٧١٣/١٧١

قتادة (١) ، عن أبي شيخ الهُنَائي، أنَّ معاوية قال لأصحاب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: هل تعلمون أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كذا، (٢) : نعم. قال: فتعلمون أنَّه نهى أن يُقرَن بين الحجِّ والعمرة؟ قالوا: أمَّا هذا (٣) فلا. فقال: أمَا إنَّها معها، ولكنَّكم نسيتم.

ونحن نشهد بالله أنَّ هذا وهمٌ من معاوية أو كذبٌ عليه، فلم ينهَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك قطُّ، وأبو شيخ شيخٌ لا يحتجُّ به، فضلًا عن أن يُقدَّم على الثِّقات الحفَّاظ الأعلام، وإن روى عنه قتادة ويحيى بن أبي كثيرٍ. واسمه خَيْوان بن خالد بالخاء المعجمة، وهو مجهولٌ (٤) .

فصل

فأمَّا من قال: حجَّ متمتِّعًا تمتُّعًا لم يحلَّ فيه لأجل سَوْق الهدي كما قاله صاحب «المغني» وطائفةٌ، فعذرهم قول عائشة وابن عمر: تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقول حفصة: تحلَّ من عمرتك؟ وقول سعد في المتعة: قد صنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصنعناها معه، وقول ابن عمر لمن سأله عن متعة الحجِّ: هي حلالٌ، فقال له السَّائل: إنَّ أباك قد نهى عنها، فقال: أرأيتَ إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أأمرُ أبي يُتَّبع أم أمرُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال الرَّجل: بل أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: لقد صنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (١) . قال هؤلاء: ولولا الهدي لحلَّ كما يحلُّ المتمتِّع الذي لا هديَ معه، ولهذا قال: «لولا أنَّ معي الهديَ لأحللتُ» ، فأخبر أنَّ المانع له من الحلِّ سوق الهدي، والقارن إنَّما يمنعه من الحلِّ القران لا الهدي. وأرباب هذا القول قد يسمُّون هذا المتمتِّع قارنًا، لكونه أحرم بالحجِّ قبل التَّحلُّل من العمرة، ولكنَّ القِران المعروف أن يُحرِم بهما جميعًا، أو يحرم بالعمرة ويُدخل عليها الحجَّ قبل الطَّواف.

٣/١٧٢٣/١٧٢

أحدهما: من الإحرام، فإنَّ القارن هو الذي يُحرِم بالحجِّ قبل الطَّواف إمَّا في ابتداء الإحرام أو في أثنائه.

والثَّاني: أنَّ القارن ليس عليه إلا سعيٌ واحدٌ، فإن أتى به أوَّلًا، وإلَّا سعى عقيبَ طواف الإفاضة، والمتمتِّع عليه سعيٌ ثانٍ عند الجمهور. وعن أحمد روايةٌ أخرى: أنَّه يكفيه سعيٌ واحدٌ كالقارن. والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَسْعَ سعيًا ثانيًا عقيبَ طواف الإفاضة، فكيف يكون متمتِّعًا على هذا القول؟

فإن قيل: فعلى الرِّواية الأخرى يكون متمتِّعًا، ولا يتوجَّه الإلزام، ولها وجهٌ قويٌّ من الحديث الصَّحيح، وهو ما رواه مسلم في «صحيحه» (٢) عن جابر قال: « الله عليه وسلم - ولا أصحابه بين الصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافه الأوَّل هذا» ، مع أنَّ أكثرهم كانوا متمتِّعين. وقد روى سفيان الثَّوريُّ (١) عن سلمة بن كُهيلٍ قال: حلف طاوسٌ: ما طاف أحدٌ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لحجِّه وعمرته إلا طوافًا واحدًا.

٣/١٧٣٣/١٧٣

قيل: الذين نصروا (٢) أنَّه كان متمتِّعًا تمتُّعًا خاصًّا لا يقولون بهذا القول، بل يوجبون عليه سعيينِ، والمعلوم من سنَّته - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لم يسعَ إلا سعيًا واحدًا، كما ثبت في «الصَّحيح» (٣) عن ابن عمر: أنَّه قرنَ، وقدم ولم يزد على ذلك، ولم يحلِقْ ولا قصَّر، ولا حلَّ كان يوم النَّحر، فنحر وحلق رأسه، ورأى أنَّه (٤) بطوافه الأوَّل، وقال: هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومراده بطوافه الأوَّل الذي قضى به حجَّه وعمرته: الطَّواف بين الصَّفا والمروة بلا ريبٍ.

وذكر الدَّارقطنيُّ (٥) عن عطاء ونافع، عن ابن عمر وجابر: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما طاف لحجِّه وعمرته طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، ثمَّ قدم مكَّة، فلم يسْعَ بينهما بعد الصَّدر. فهذا يدلُّ على أحد أمرينِ ولا بدَّ: إمَّا أن يكون قارنًا، وهو (١) الذي لا يمكن من أوجب على المتمتِّع سعيينِ أن يقول غيرَه، وإمَّا أنَّ المتمتِّع يكفيه سعيٌ واحدٌ، لكنَّ الأحاديث الَّتي تقدَّمت في بيان أنَّه كان قارنًا صريحةٌ في ذلك، فلا يُعدَل عنها.

٣/١٧٤٣/١٧٤

فإن قيل: فقد روى شعبة عن حُميد بن هلالٍ عن مطرِّف عن عمران بن حُصينٍ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - طاف طوافين وسعى سعيين. رواه الدَّارقطنيُّ (٢) عن ابن صاعد (٣) : ثنا محمد بن يحيى الأزدي، ثنا عبد الله بن داود، عن شعبة.

قيل: هذا خبرٌ معلولٌ، وهو غلطٌ. قال الدَّارقطنيُّ: يقال: إنَّ محمَّد بن يحيى حدَّث بهذا من حفظه، ووهم في متنه، والصَّواب بهذا الإسناد: «أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قرنَ بين الحجِّ والعمرة» ، والله أعلم. وسيأتي إن شاء الله ما يدلُّ على أنَّ هذا الحديث غلطٌ.

وأظنُّ أنَّ الشَّيخ أبا محمد قدَّس الله روحه إنَّما ذهب إلى أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان متمتِّعًا، لأنَّه رأى الإمام أحمد قد نصَّ على أنَّ التَّمتُّع أفضل من القِران، ورأى أنَّ الله سبحانه لم يكن ليختار لرسوله إلا الأفضل، ورأى الأحاديث قد جاءت بأنَّه تمتَّع، ورأى أنَّها صريحةٌ في أنَّه لم يحلَّ، فأخذ من هذه المقدِّمات الأربع أنَّه تمتَّع (٤) تمتُّعًا خاصًّا لم يحلَّ منه، ولكنَّ أحمد لم يرجِّح التَّمتُّع لكون النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حجَّ متمتِّعًا، كيف وهو القائل: لا أشكُّ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا، وإنَّما اختار التَّمتُّع لكونه آخرَ الأمرينِ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي أمر به أصحابه أن يفسخوا حجَّهم إليه وتأسَّف على فوته.

٣/١٧٥٣/١٧٥

ولكن نقل عنه المروذي (١) أنَّه إذا ساق الهدي فالقران أفضل. فمن أصحابه من جعل هذا روايةً ثانيةً، ومنهم من جعل المسألة روايةً واحدةً، وأنَّه إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يَسُقْ فالتَّمتُّع أفضل. وهذه طريقة شيخنا (٢) ، وهي الَّتي تليق بأصول أحمد، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يتمنَّ أنَّه كان (٣) جعلها عمرةً مع سَوقه الهديَ، بل ودَّ أنَّه كان جعلها عمرةً ولم يسق الهدي.

يبقى أن يقال: فأيُّ الأمرين أفضل: أن يسوق ويقرِن، أو يترك السَّوق ويتمتَّع كما ودَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه فعله؟

أحدهما: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قرن وساق الهدي، ولم يكن الله ليختار له إلا أفضلَ الأمور (٤) ، ولا سيَّما وقد جاءه الوحي به من ربِّه تعالى، وخير الهدي هديه - صلى الله عليه وسلم -.

والثَّاني قوله: « استدبرتُ لما سقتُ الهدي ولجعلتُها عمرةً» . فهذا يقتضي أنَّه لو كان هذا الوقت الذي تكلَّم فيه هو وقت إحرامه لكان أحرم بعمرةٍ ولم يَسُقِ الهدي، لأنَّ الذي استدبره هو الذي فعلَه ومضى فصار خلفه، والَّذي استقبله هو الذي لم يفعله بعدُ، بل هو أمامه، فبيَّن أنَّه لو كان مستقبلًا لما استدبره ــ وهو الإحرام ــ لأحرم (١) بالعمرة دون هديٍ، ومعلومٌ أنَّه لا يختار أن ينتقل عن الأفضل إلى المفضول، بل إنَّما يختار الأفضل، وهذا يدلُّ على أنَّ آخر الأمرينِ منه ترجيح التَّمتُّع.

٣/١٧٦٣/١٧٦

ولمن رجَّح القِران مع السَّوق أن يقول: هو - صلى الله عليه وسلم - لم يقل هذا لأجل أنَّ الذي فعله مفضولٌ مرجوحٌ، بل لأنَّ أصحابه شقَّ عليهم أن يحلُّوا من إحرامهم مع بقائه هو محرمًا، فكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أُمِروا به مع انشراحٍ ومحبَّةٍ وقبولٍ. وقد ينتقل عن الأفضل إلى المفضول لما فيه من الموافقة وائتلاف القلوب، كما قال لعائشة: «لولا أنَّ قومكِ حديثو عهدٍ بجاهليَّةٍ لنقضتُ الكعبة وجعلتُ لها بابين» (٢) ، فهنا (٣) ترك ما هو الأولى لأجل الموافقة والتَّأليف، فصار هذا هو الأولى في هذه الحال، فكذلك اختياره للمتعة بلا هديٍ. وفي هذا جمعٌ بين ما فعله وبين ما ودَّه وتمنَّاه، ويكون الله سبحانه قد جمع له بين الأمرين: أحدهما بفعله له، والآخر بتمنِّيه ووِداده له، فأعطاه أجر ما فعله، وأجرَ ما نواه من الموافقة وتمنَّاه. وكيف يكون نسكٌ يتخلَّله التَّحلُّل لم يَسُقْ فيه الهدي أفضلَ من نسكٍ (٤) لم يتخلَّله تحلُّلٌ، وقد ساق فيه مائة بدنةٍ؟ وكيف يكون نسكٌ أفضلَ في حقِّه من نسكٍ اختاره الله له، وأتاه الوحي من ربِّه به؟

٣/١٧٧٣/١٧٧

فإن قيل: والتَّمتُّع وإن تخلَّله تحلُّلٌ لكن قد تكرَّر فيه الإحرام، وإنشاؤه عبادةٌ محبوبةٌ للرَّبِّ، والقِران لا يتكرَّر فيه الإحرام.

قيل: في تعظيم شعائر الله بسوقِ الهدي والتَّقرُّبِ إليه بذلك من الفضل ما ليس في مجرَّد تكرُّر (١) الإحرام، ثمَّ إنَّ استدامته قائمةٌ مقام تكرُّره، وسَوق الهدي لا مقابلَ له يقوم مقامه.

فإن قيل: فأيُّما أفضل: إفرادٌ يأتي عقيبَه بالعمرة، أو تمتُّعٌ يحلُّ منه ثمَّ يحرم بالحجِّ عقيبه؟

قيل: معاذَ الله أن نظنَّ أنَّ نسكًا قطُّ أفضل من النُّسك الذي اختاره الله (٢) لأفضل الخلق وساداتِ الأمَّة، وأن نقول في نسكٍ لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحدٌ من أصحابه الذين حجُّوا معه، بل ولا غيرهم من الصحابة: إنَّه أفضل ممَّا فعلوه معه بأمره، فكيف يكون حجٌّ على وجه الأرض أفضل من الحجِّ الذي حجَّه صلوات الله وسلامه عليه، أو أمر به أفضلُ الخلق واختاره لهم، وأمرهم بفسخ ما عداه من الأنساك إليه، وودَّ أنَّه كان فعله؟ فلا حجَّ قطُّ أكمل من هذا. وهذا وإن صحَّ عنه الأمر لمن ساق الهدي بالقران، ولمن لم يسق بالتَّمتُّع، ففي جواز خلافه نظرٌ. ولا يُوحِشنَّك قلَّةُ القائلين بوجوب ذلك، فإنَّ فيهم (٣) البحرَ الذي لا يُنزَف وجماعةً من أهل الظَّاهر،

٤ - من قال: إنه حج قارنا وطاف طوافين وسعى سعيين

٣/١٧٨٣/١٧٨

والسُّنَّة هي الحَكَم بين النَّاس، والله المستعان.

فصل

وأمَّا من قال: إنَّه حجَّ قارنًا قرانًا طاف له طوافين وسعى له سعيين، كما قاله كثيرٌ من فقهاء الكوفة، فعذره ما رواه الدَّارقطنيُّ (١) من حديث مجاهد عن ابن عمر أنَّه جمع بين حجٍّ وعمرةٍ معًا، وقال: سبيلهما واحدٌ، قال: وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين. وقال: هكذا رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع كما صنعتُ.

وعن عليٍّ أنَّه جمع بينهما، وطاف لهما طوافين، وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع كما صنعتُ (٢) .

وعن أيضًا أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا، فطاف طوافين، وسعى سعيين (٣) .

وعن علقمة عن عبد الله (٤) قال: طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحجَّته وعمرته طوافين، وسعى سعيين، وأبو بكر وعمر وعلي وابن مسعودٍ (٥) .

وعن عمران بن حُصينٍ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - طاف طوافين، وسعى سعيين (٦) .

٣/١٧٩٣/١٧٩

وما أحسنَ هذا العذرَ لو كانت هذه (١) الأحاديث صحيحةً، بل لا يصحُّ منها حرفٌ واحدٌ.

أمَّا حديث ابن عمر ففيه الحسن بن عُمارة، قال الدَّارقطنيُّ (٢) : لم يروِه عن الحكم غير الحسن بن عمارة، وهو متروك الحديث.

وأمَّا حديث علي الأوَّل، فيرويه حفص بن أبي داود. قال أحمد ومسلم: حفص متروك الحديث. وقال ابن خِراشٍ: هو كذَّابٌ يضع الحديث (٣) . وفيه محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، ضعيفٌ (٤) .

وأمَّا حديثه الثَّاني، فيرويه عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، حدَّثني أبي عن أبيه عن جدِّه. قال الدَّارقطنيُّ (٥) : عيسى بن عبد الله يقال له مباركٌ، وهو متروك الحديث.

وأمَّا حديث علقمة عن عبد الله، فيرويه أبو بُردة عمرو بن يزيد عن حماد عن إبراهيم عن علقمة. قال الدَّارقطنيُّ (٦) : وأبو بردة ضعيفٌ، ومن دونه في الإسناد ضعفاء، انتهى. وفيه عبد العزيز بن أبان، قال يحيى: هو كذَّابٌ خبيثٌ. وقال الرازي والنَّسائيُّ: متروك الحديث (٧) .

٣/١٨٠٣/١٨٠

وأمَّا حديث عمران بن حُصينٍ، فهو ممَّا غلط فيه محمد بن يحيى الأزدي، وحدَّث به من حفظه فوهم فيه، وقد حدَّث به على الصَّواب مرارًا، ويقال: إنَّه رجع عن ذكر الطَّواف والسَّعي (١) .

وقد روى الإمام أحمد والتِّرمذيُّ وابن حبَّان (٢) في «صحيحه» من حديث الدراوردي عن عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « أجزأه لهما طوافٌ واحدٌ» . ولفظ الترمذي: «من أحرم بالحجِّ والعمرة أجزأه طوافٌ وسعيٌ واحدٌ منهما (٣) ، حتَّى يحلَّ منهما جميعًا» (٤) .

وفي «الصَّحيحين» (٥) عن عائشة: صلى الله عليه وسلم - في حجَّة الوداع، فأهللنا بعمرةٍ، ثمَّ قال: «من كان معه هديٌ فليهلَّ بالحجِّ والعمرة، ثمَّ لا يحلَّ حتَّى يحلَّ منهما» ، فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة، آخر بعد أن رجعوا من منًى، وأمَّا الذين جمعوا بين الحجِّ والعمرة فإنَّما طافوا طوافًا واحدًا.

وصحَّ (٦) أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: «إنَّ طوافك بالبيت وبالصَّفا والمروة يكفيك لحجَّك وعمرتك».

٣/١٨١٣/١٨١

وروى عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف طوافًا واحدًا لحجِّه وعمرته (١) . وعبد الملك أحد (٢) الثِّقات المشهورين، احتجَّ به مسلم وأصحاب السُّنن. وكان يقال له: الميزان، ولم يُتكلَّم فيه بضعفٍ ولا جرحٍ، وإنَّما أُنكر عليه حديث الشُّفعة (٣) .

وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنه عارُها (٤)

وقد روى الترمذي (٥) عن جابر أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قرنَ بين الحجِّ والعمرة، فطاف لهما طوافًا واحدًا. وهو (٦) وإن كان فيه الحجَّاج بن أرطاة، فقد روى عنه سفيان وشعبة وابن نُميرٍ وعبد الرزاق والخلق. قال الثَّوريُّ: ما بقي أحدٌ أعرف بما يخرج من رأسه منه وعِيبَ عليه التَّدليس، وقلَّ من سَلِم منه. وقال أحمد: كان من الحفَّاظ. وقال ابن معينٍ: ليس بالقويِّ، وهو صدوقٌ يدلِّس. وقال أبو حاتم: إذا قال حدَّثنا فهو صالح، لا يُرتاب في صدقه وحفظه (١) .

٣/١٨٢٣/١٨٢

وقد روى الدَّارقطنيُّ (٢) من حديث ليث بن أبي سُليمٍ قال: حدَّثني عطاء وطاوس ومجاهد، عن جابر وعن ابن عمر وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يطف هو وأصحابه بين الصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا لعمرتهم وحجِّهم. وليث بن أبي سليمٍ احتجَّ به أهل السُّنن الأربعة، واستشهد به مسلم، وقال ابن معينٍ: لا بأس به، وقال الدَّارقطنيُّ: كان صاحب سنَّةٍ، وإنَّما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب، وقال عبد الوارث: كان من أوعية العلم، وقال أحمد: مضطرب الحديث، ولكن حدَّث عنه النَّاس. وضعَّفه النَّسائيُّ ويحيى في روايةٍ (٣) . ومثل هذا حديثه حسنٌ وإن لم يبلغ رتبة الصِّحَّة.

وفي «الصَّحيحين» (٤) عن جابر قال: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عائشة، ثمَّ وجدها تبكي، [فقال: ما شأنُكِ؟] (٥) ، فقالت: قد حِضتُ، وقد حلَّ النَّاس ولم أحلَّ، ولم أطف بالبيت، فقال: «اغتسلي ثمَّ أهلِّي بالحج» . ففعلتْ ووقفتِ المواقف، حتَّى إذا طهرتْ طافت بالكعبة وبالصَّفا والمروة، ثمَّ قال: «قد (١) حللتِ من حجِّك وعمرتك جميعًا».

٣/١٨٣٣/١٨٣

وهذا يدلُّ على ثلاثة أمورٍ، أحدها: أنَّها كانت قارنةً، والثَّاني: أنَّ القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ. والثَّالث: أنَّه (٢) لا يجب عليها قضاء تلك العمرة الَّتي حاضت فيها ثمَّ أدخلت عليها الحجَّ، وأنَّها لم ترفُضْ إحرام العمرة بحيضها، وإنَّما رفضت أعمالها والاقتصار عليها. وعائشة لم تطف أوَّلًا طوافَ قدومٍ، بل لم تطفْ إلا بعد التَّعريف، وسَعَتْ مع ذلك، فإذا كان طواف الإفاضة والسَّعي بعده يكفي القارنَ، فلَأَن (٣) يكفيه طواف القدوم مع طواف الإفاضة وسعيٌ واحدٌ مع أحدهما بطريق الأولى، لكنَّ عائشة تعذَّر عليها الطَّواف الأوَّل، فصارت قِصَّتها حُجَّةً في أن المُراهِق الذي (٤) يتعذّر عليه الطَّواف الأوَّل يفعل كما فعلت عائشة، يُدخل الحجَّ على العمرة، ويصير قارنًا، ويكفيه لهما طواف الإفاضة والسَّعي عقيبه. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة قدَّس الله روحه (٥) : وممَّا يبيِّن أنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يطفْ طوافين ولا سعى سعيين قولُ عائشة: « فإنَّما طافوا طوافًا واحدًا» ، متَّفقٌ عليه (١) . وقول جابر: « الله عليه وسلم - وأصحابه واحدًا، طوافه الأوَّل» ، رواه مسلم (٢) . وقوله لعائشة: « عن حجِّك وعمرتك» ، رواه مسلم (٣) . وقوله لها في رواية أبي داود (٤) : «طوافك بالبيت وبين الصَّفا والمروة يكفيك لحجِّك وعمرتك» . وقوله لها (٥) في الحديث المتَّفق عليه (٦) لمَّا طافت بالكعبة وبالصَّفا والمروة: «قد حللتِ من حجِّك وعمرتك جميعًا» . قال (٧) : والصَّحابة الذين نقلوا حجَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلُّهم نقلوا أنَّهم لمَّا طافوا بالبيت وبين الصَّفا والمروة أمرهم بالتَّحلُّل إلا من ساق الهدي، فإنَّه لا (٨) يحلُّ إلى (٩) يوم النَّحر، ولم ينقل أحدٌ منهم أنَّ أحدًا منهم طاف وسعى ثمَّ طاف وسعى. ومن المعلوم أنَّ مثل هذا ممَّا تتوفَّر الهِمم والدَّواعي على نقله، فلمَّا لم ينقله أحدٌ من الصَّحابة عُلِم أنَّه لم يكن.

٣/١٨٥٣/١٨٥

وعمدة من قال بالطَّوافين والسَّعيين أثرٌ يرويه الكوفيُّون عن علي، وآخر عن ابن مسعودٍ. وقد روى عن أبيه، عن علي: أنَّ القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ، خلاف ما رواه أهل الكوفة (١) ، وما رواه العراقيُّون: منه ما هو منقطعٌ، ومنه ما رجاله مجهولون أو مجروحون، ولهذا طعن علماء النَّقل في ذلك، حتَّى قال ابن حزمٍ (٢) : كلُّ ما روي في ذلك عن الصَّحابة لا يصحُّ منه ولا كلمةٌ واحدةٌ. وقد نُقِل في ذلك عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ما هو موضوعٌ بلا ريبٍ. وقد حلف طاوسٌ: ما طاف أحدٌ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحجَّته (٣) وعمرته إلا طوافًا واحدًا (٤) . وقد ثبت مثل هذا عن ابن عمر وابن عبَّاسٍ وجابر وغيرهم، وهم أعلم النَّاس بحجَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يخالفونها، بل هذه الآثار صريحةٌ في أنَّهم لم يطوفوا بالصَّفا والمروة إلا مرَّةً واحدةً.

وقد تنازع النَّاس في القارن والمتمتِّع هل عليهما سعيان أو سعيٌ واحدٌ؟ على ثلاثة أقوالٍ في مذهب أحمد وغيره: أحدها (٥) : ليس على واحدٍ منهما إلا سعيٌ واحدٌ، كما نصَّ عليه أحمد

فصل: هل دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة في حجته؟

٣/٣٥٩٣/٣٥٩

وفي «صحيح مسلم» (١) عن أبي رافع: «لم يأمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أنزل بمن معي بالأبطح، ولكن أنا ضربتُ قبَّتَه، ثمَّ جاء فنزل» . فأنزله الله فيه بتوفيقه تصديقًا لقول رسوله: «نحن نازلون غدًا بخَيْفِ بني كنانة» ، وتنفيذًا لما عزم عليه، وموافقةً منه لرسوله صلوات الله وسلامه عليه.

فصل

هاهنا ثلاث مسائل: هل دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيتَ في حجَّته (٢) أم لا؟ وهل وقف في الملتزم بعد الوداع أم لا؟ وهل صلَّى الصُّبح ليلةَ الوداع بمكَّة أو خارجًا منها؟

فأمَّا المسألة الأولى، فزعم كثيرٌ من الفقهاء وغيرهم أنَّه دخل البيت في حجَّته، ويرى كثيرٌ من النَّاس أنَّ دخول البيت من سنن الحجِّ اقتداءً بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. والَّذي تدلُّ عليه سنَّته أنَّه لم يدخل البيت في حجَّته ولا في عمرته (٣) ، وإنَّما دخله عامَ الفتح. ففي «الصَّحيحين» (٤) عن ابن عمر قال: دخل عليه وسلم - يوم فتح مكَّة على ناقةٍ لأسامة، عثمان بن طلحة بالمفتاح، فجاء به، ففتح، فدخل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة، فأجافوا عليهم البابَ مَليًّا (٥) ، ثمَّ فتحوه. قال عبد الله: فبادرتُ النَّاس، فوجدتُ بلالًا على الباب، فقلت: أين صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: بين العمودين المقدَّمين. قال: ونسيت أن أسأله كم صلَّى.

٣/٣٦٠٣/٣٦٠

وفي «صحيح البخاريِّ» (١) عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ رسول الله - يدخل البيت وفيه الآلهة، قال: إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قاتلهم اللَّه! أما والله لقد علموا أنَّهما لم يَستقسِما بها قطُّ» . قال: فدخل البيتَ فكبَّر في نواحيه، ولم يصلِّ فيه.

فقيل: كان ذلك دخولين، صلَّى في أحدهما، ولم يصلِّ في الآخر.

وهذه طريقة ضعفاء النَّقد، كلَّما رأوا اختلافَ لفظٍ جعلوه قصَّةً أخرى، كما جعلوا الإسراء مرارًا لاختلاف ألفاظه، وجعلوا اشتراءه من جابر بعيرَه مرارًا لاختلاف ألفاظه، وجعلوا طواف الوداع مرَّتين لاختلاف سياقه، ونظائر ذلك.

وأمَّا الجهابذة النُّقَّاد فيرغبون عن هذه الطَّريقة، ولا يَجْبُنون عن تغليط من ليس معصومًا من الغلط، ونسبته إلى الوهم. قال البخاريُّ وغيره من الأئمَّة: والقول قول بلال؛ لأنَّه مثبِتٌ شاهدَ صلاته، بخلاف ابن عبَّاسٍ. والمقصود أنَّ دخوله (٢) إنَّما كان في غزاة الفتح، لا في حجِّه ولا عُمَره. وفي «صحيح البخاريِّ» (٣) عن إسماعيل بن أبي خالدٍ قال: قلت لعبد الله بن أبي

فصل في أوهام العلماء في حجته - صلى الله عليه وسلم -

٣/٣٦٤٣/٣٦٤

عليهم وقال: «من القوم؟» ، فقالوا (١) : المسلمون، فمن القوم؟ فقال: «رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» ، فرفعت إليه امرأةٌ صبيًّا لها من مِحَفَّة (٢) ، حجٌّ؟ قال: «نعم، ولك أجرٌ» (٣) .

فلمَّا أتى ذا الحليفة بات بها، فلمَّا رأى المدينة كبَّر ثلاثَ مرَّاتٍ وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، حامدون, صدق الله وعدَه, ونصر عبدَه, وهزم الأحزابَ وحده» (٤) . ثمَّ دخلها نهارًا من طريق المُعرَّس، وخرج من طريق الشَّجرة (٥) ، والله أعلم.

فصل

في الأوهام فمنها: وهمٌ لأبي محمد بن حزم في «حجَّة الوداع» (٦) حيث قال: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعلمَ النَّاسَ وقتَ خروجه أنَّ عمرةً في رمضان تَعدِل حجَّةً.

٣/٣٦٥٣/٣٦٥

وهذا وهمٌ ظاهرٌ؛ فإنَّه إنَّما (١) قال ذلك بعد رجوعه إلى المدينة الأنصارية: «ما منعَكِ أن تكوني حججتِ معنا؟» ، قالت: لم يكن لنا إلا ناضحانِ (٢) ، فحجَّ أبو ولدي وابني على ناضحٍ، وترك لنا ناضحًا ننضَحُ عليه. فقال: «فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإنَّ عمرةً في رمضان تقضي حجَّةً» . هكذا رواه مسلم في «الصحيح» (٣) .

وكذلك أيضًا قال هذا لأم مَعقِل بعد رجوعه إلى المدينة، كما رواه أبو داود (٤) من حديث يوسف بن عبد الله بن سلامٍ عن جدَّته أم مَعقِل، قالت: لمَّا حجَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجَّة الوداع، وكان لنا جملٌ فجعله أبو مَعقِل في سبيل اللَّه، فأصابنا مرضٌ، فهلك أبو معقل، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا فرغ (٥) جئتُه، فقال: «ما منعكِ أن تخرجي معنا؟» ، فقالت: وكان لنا جملٌ هو الذي نحجُّ عليه، فأوصى به أبو مَعقِل في سبيل اللَّه. قال: «فهلَّا خرجتِ عليه؟ فإنَّ الحجَّ من سبيل اللَّه، فإذْ فاتتْكِ هذه الحجَّة معنا فاعتمري في رمضان؛ فإنَّها حجَّة (٦) ».

٣/٣٦٦٣/٣٦٦

ومنها: وهمٌ آخر له، أنَّ خروجه كان يوم الخميس لستٍّ بقين من ذي القعدة (١) . وقد تقدَّم أنَّه خرج لخمسٍ، وأنَّ خروجه كان يوم السَّبت.

ومنها: وهمٌ آخر لبعضهم ذكره (٢) الطبريُّ في «حجَّة الوداع» (٣) ، أنَّه خرج يوم الجمعة بعد الصَّلاة. والَّذي حمله على هذا الوهم القبيح قولُه في الحديث: «خرجَ لستٍّ بقين» ، فظنَّ أنَّ هذا لا يمكن إلا أن يكون الخروج يوم الجمعة؛ إذ تمام السِّتِّ يوم الأربعاء، وأوَّل ذي الحجَّة كان الخميس بلا ريبٍ.

وهذا خطأٌ فاحشٌ؛ فإنَّه من المعلوم الذي لا ريبَ فيه أنَّه صلَّى الظُّهر يوم خروجه بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين ثبت ذلك في «الصَّحيحين» .

وحكى الطبريُّ في «حَجَّته» (٤) قولًا ثالثًا: إنَّ خروجه كان يوم السَّبت، وهو اختيار الواقديِّ (٥) ، وهو القول الذي رجَّحناه أوَّلًا، لكنَّ الواقديَّ وهم في ذلك ثلاثة (١) أوهامٍ: أحدها: أنَّه زعم أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى يوم خروجه الظُّهرَ بذي الحليفة ركعتين.

٣/٣٦٧٣/٣٦٧

الوهم الثَّاني: أنَّه أحرم ذلك اليوم عقيبَ صلاة الظُّهر، وإنَّما أحرم من الغد بعد أن بات بذي الحليفة.

الوهم الثَّالث: أنَّ الوقفة كانت يوم السَّبت (٢) ، وهذا لم يقله غيره، وهو وهمٌ بيِّنٌ.

ومنها: وهمٌ للقاضي عياضٍ (٣) وغيره، أنَّه - صلى الله عليه وسلم - تطيَّب هناك قبل غسله، ثمَّ غسل الطِّيب عنه لمَّا اغتسل.

ومنشأ هذا الوهم من سياقٍ وقع في «صحيح مسلم» (٤) في حديث عائشة أنَّها قالت: طيَّبتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم طاف على نسائه بعد ذلك، ثم اغتسل (٥) ، ثمَّ أصبح محرمًا. والَّذي يردُّ هذا الوهم قولها: «طيَّبتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه» (٦) ، وقولها: «كأنِّي أنظر إلى وَبيصِ الطِّيب ــ أي بَريقه ــ في مفارقِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرمٌ» (١) ، وفي لفظٍ (٢) : «وهو يلبِّي» ، وفي لفظ (٣) : «بعد ثلاثٍ من إحرامه» ، وفي لفظٍ (٤) : « الله عليه وسلم - (٥) إذا أراد أن يُحرِم تطيَّب بأطيبِ ما يجد، ثمَّ أرى وبيصَ الطِّيب في رأسه ولحيته بعد ذلك». وكلُّ هذه الألفاظ ألفاظ الصَّحيح.

٣/٣٦٨٣/٣٦٨

وأمَّا الحديث الذي احتجَّ به فهو حديث إبراهيم بن محمَّد بن المنتشر عن أبيه عنها: « صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ يطوف على نسائه، ثمَّ يصبح محرمًا» (٦) ، وهذا ليس فيه ما يمنع الطِّيب الثَّاني عند إحرامه.

ومنها: وهمٌ آخر لأبي محمد بن حزم (٧) أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أحرم قبل الظُّهر. وهو وهمٌ ظاهرٌ لم يُنقل في شيءٍ من الأحاديث، وإنَّما أهلَّ عقيبَ صلاة الظُّهر في موضع مصلَّاه، ثمَّ ركب ناقته، واستوت به على البيداء وهو يُهِلُّ، وهذا يقينًا كان بعد صلاة الظُّهر.

٣/٣٦٩٣/٣٦٩

ومنها: وهمٌ آخر له (١) ، وهو قوله: وساقَ الهديَ مع نفسه، وكان هديَ تطوُّعٍ. وهذا بناءً منه على أصله الذي انفرد به عن الأئمَّة (٢) أنَّ القارن لا يلزمه هديٌ, وإنَّما يلزم المتمتِّع، وقد تقدَّم بطلان هذا القول.

ومنها: وهمٌ آخر لمن قال: إنَّه لم يعيِّن في إحرامه نسكًا، بل أطلقه، ووهمُ من قال: إنَّه عيَّن عمرةً مفردةً كان متمتِّعًا بها، كما قاله القاضي أبو يعلى وصاحب «المغني» وغيرهما (٣) ، ووهمُ من قال: عيَّن إفرادًا مجرَّدًا لم يعتمر معه، ووهمُ من قال: عيَّن عمرةً، ثمَّ أدخل عليها الحجَّ، ووهم من قال: عيَّن حجًّا مفردًا، ثمَّ أدخل عليه العمرة بعد ذلك، وكان من خصائصه، وقد تقدَّم بيان مستندِ ذلك ووجهِ الصَّواب فيه.

ومنها: وهمٌ لأحمد بن عبد الله الطبري في «حجَّة الوداع» له (٤) ، أنَّهم لمَّا كانوا ببعض الطَّريق صاد أبو قتادة حمارًا وحشيًّا ولم يكن مُحرِمًا، فأكل منه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. وهذا إنَّما كان في عمرة ، كما رواه البخاريُّ (٥) .

٣/٣٧٠٣/٣٧٠

ومنها: وهمٌ آخر لبعضهم حكاه الطَّبريُّ (١) عنه، أنَّه - صلى الله عليه وسلم - دخل مكَّة يوم الثُّلاثاء. وهو غلطٌ، فإنَّما دخلها يوم الأحد صبحَ رابعةٍ من ذي الحجَّة.

ومنها: وهمُ من قال: إنَّه - صلى الله عليه وسلم - حلَّ بعد طوافه وسعيه، كما قاله القاضي أبو يعلى وأصحابه. وقد بيَّنَّا أنَّ مستند هذا الوهم وهمُ معاوية أو من روى عنه أنَّه قصَّر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمِشْقَصٍ على المروة في حجَّته.

ومنها: وهمُ من زعم أنَّه كان يقبِّل الرُّكن اليمانيَّ في طوافه. وإنَّما ذلك الحجر الأسود، وسمَّاه اليمانيَّ لأنَّه يُطلق عليه وعلى الآخر اليمانيَّين، فعبَّر بعض الرُّواة عنه باليمانيِّ منفردًا.

ومنها: وهمٌ فاحشٌ لأبي محمد بن حزم (٢) أنَّه رمل في السَّعي ثلاثة أشواطٍ، ومشى أربعةً. وأعجبُ من هذا الوهم وهمه في حكاية الاتِّفاق على هذا القول الذي لم يقله أحدٌ سواه.

٣/٣٧١٣/٣٧١

ومنها: وهمُ من زعم أنَّه طاف بين الصَّفا والمروة أربعة عشر (١) شوطًا، وكان ذهابه وسعيه (٢) مرَّةً واحدةً، وقد تقدَّم بيان بطلانه.

ومنها: وهمُ من زعم أنَّه صلَّى الصُّبح يوم النَّحر قبل الوقت. ومستند هذا الوهم حديث ابن مسعودٍ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى الفجر يوم النَّحر قبل ميقاتها (٣) . وهذا إنَّما أراد به قبل ميقاتها الذي كانت عادته أن يصلِّيها فيه، فعجَّلها عليه يومئذٍ، ولا بدَّ من هذا التَّأويل، وحديث ابن مسعودٍ إنَّما يدلُّ على هذا، فإنَّه في «صحيح البخاريِّ» (٤) عنه أنَّه قال: « صلاة المغرب بعدما يأتي النَّاس المزدلفةَ، والفجر حين يَبزُغُ الفجر» ، وقال جابر في حجَّة الوداع (٥) : «فصلَّى الصُّبح حين تبيَّن له الصُّبح بأذانٍ وإقامةٍ» .

ومنها: وهمُ من وهِمَ في أنَّه صلَّى الظُّهر والعصر يوم (٦) والمغرب والعشاء تلك اللَّيلة بأذانين وإقامتين، ووهمُ من قال: صلَّاهما بإقامتين بلا أذانٍ أصلًا، ووهمُ من قال: جمع بينهما بإقامةٍ واحدةٍ. والصَّحيح أنَّه صلَّاهما بأذانٍ واحدٍ وإقامةٍ لكلِّ صلاةٍ.

٣/٣٧٢٣/٣٧٢

ومنها: وهم من زعم أنَّه خطب خطبتين جلس بينهما، ثمَّ أذَّن المؤذِّن، فلمَّا فرغ أخذ في الخطبة الثَّانية، فلمَّا فرغ منها أقام الصَّلاة. وهذا لم يجئ في شيءٍ من الأحاديث البتَّةَ، وحديث جابر صريحٌ في أنَّه لمَّا أكمل خطبته أذَّن بلال وأقام الصَّلاة (١) ، فصلَّى الظُّهر بعد الخطبة.

ومنها: وهمٌ لأبي ثورٍ أنَّه لمَّا صعد أذَّن المؤذِّن، فلمَّا فرغ قام فخطب. وهذا وهمٌ ظاهرٌ؛ فإنَّ الأذان إنَّما كان بعد الخطبة.

ومنها: وهمُ من روى أنَّه قدَّم أمَّ سلمة ليلة النَّحر، وأمرها أن توافيه صلاةَ الصُّبح بمكَّة، وقد تقدَّم بيانه.

ومنها: وهمُ من زعم أنَّه أخَّر طواف الزِّيارة يوم النَّحر إلى اللَّيل. وقد تقدَّم بيان ذلك، وأنَّ الذي أخَّره إلى اللَّيل طوافُ الوداع. ومستند هذا الوهم ــ والله أعلم ــ أنَّ عائشة قالت: أفاض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من آخر يومه، كذلك قال عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها (١) ، فحمل عنها على المعنى. وقيل: أخَّر طواف الزِّيارة إلى اللَّيل.

٣/٣٧٣٣/٣٧٣

ومنها: وهمُ من وهِمَ وقال: إنَّه أفاض مرَّتين: مرَّةً بالنَّهار، ومرَّةً مع نسائه باللَّيل. ومستند هذا الوهم ما رواه عمرو (٢) بن قيس عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أذنَ لأصحابه فزاروا البيت يومَ النَّحر ظهيرةً، وزار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع نسائه ليلًا (٣) . وهذا غلطٌ، والصَّحيح عن عائشة خلاف هذا أنَّه أفاض نهارًا إفاضةً واحدةً. وهذه طريقةٌ وخيمةٌ جدًّا (٤) ، يسلكها ضِعاف العلم المتمسِّكون بأذياله، والله أعلم.

ومنها: وهمُ من زعم أنَّه طاف للقدوم يوم النَّحر، ثمَّ طاف بعده للزِّيارة. وقد تقدَّم مستند ذلك وبطلانه.

ومنها: وهمُ من زعم أنَّه يومئذٍ سعى (٥) مع هذا الطَّواف، واحتجَّ بذلك على أنَّ القارن يحتاج إلى سعيين. وقد تقدَّم بطلان ذلك عنه، وأنَّه لم يسعَ إلا سعيًا واحدًا، كما قالت عائشة وجابر.

٣/٣٧٤٣/٣٧٤

ومنها: على القول الرَّاجح وهمُ من قال إنَّه (١) صلَّى الظُّهر يوم النَّحر بمكَّة. والصَّحيح أنَّه صلَّاها بمنًى كما تقدَّم.