السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

حجة الوداع

التاريخسنة ١٠، بلا خلاف
عمره ﷺ٦٢
الموضععرفة

سنة ١٠، بلا خلاف، وعمره ﷺ ٦٢

تقرأ في محمد بن يوسف الصالحي الشامي، ت ٩٤٢هـ، ٣٧١ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ

الباب الثالث في سياق حجة الوداع

٩/٤٥٠٩/٤٥٠

أفردها بالتصنيف الحافظ أبو بكر ، وأبو جعفر أحمد بن عبد الله المحب الطبري، وأبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعيون، وأبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري، وبسط الكلام عليها أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن القيم الحنبلي في «زاد المعاد» ، والحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير الشافعي في كتاب السيرة في تاريخه المسمى «بالبداية والنهاية» ، وهو أوسع من الذي قبله، كل منهم ذكر أشياء لم يذكرها الآخر، وظفرت بأشياء لم يذكروها، ورأيت سياق ابن القيم أحسنهم سياقا، فاعتمدته وجردته من الأدلة غالبا، ومن الأبحاث الطويلة، وأدخلت فيه ما أجمل به مميزا له غالبا بقولي: «قلت» في أوله، «والله أعلم» في آخره، وإذا أتيت بضمير تثنية لا مرجع له كقالا، أو رجحا أو جزما، فمرادي: ابنا كثير، والقيم، وضمير مفرد مذكر لا مرجع له فمرادي: ابن القيم، أو أبا محمد فمرادي: ابن حزم، والله سبحانه وتعالى أعلم، وأسأله التوفيق للصواب، وحسن المرجع، والمآب، وهو حسبي ونعم الوكيل، لم يشأ لم يكن، بالله العلي العظيم.

ذكر إعلامه - صلى الله عليه وسلم - بأنه حاج في هذه السنة

قلت: قال ابن سعد: قالوا: عليه وسلم- بالمدينة عشر سنين يضحي كل عام، ولا يحلق، ولا يقصر، ويغزو المغازي، ولا يحج حتى كان في ذي القعدة سنة عشر أجمع الخروج إلى الحج والله تعالى أعلم، ولما عزم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على الحج أذن في الناس أنه حاج في هذه السنة فسمع بذلك من حول المدينة، فلم يبق أحد يريد وفي لفظ: راجلا إلا قدم، فقدم المدينة بشر كثير، ووافاه في الطريق خلائق لا يحصون، وكانوا وعن يمينه، وعن شماله، مدّ البصر، الله- صلى الله عليه وسلم- ويعمل مثل عمله، وأصاب الناس جدري، أو حصبة، منعت من شاء الله أن تمنع من الحج، قال أبو محمد: فأعلم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن عمرة في رمضان، تعدل حجة معه. وصوّبا أن هذا الإعلام كان بعد رجوعه- صلى الله عليه وسلّم- وهو كما قال.

ذكر خروجه - صلى الله عليه وسلم - من المدينة الشريفة

قلت: استعمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما أراد الخروج على المدينة أبا دجانة سماك بن خرشة السّاعدي ويقال: بل سباع بن عرفطة ذكره ابن هشام والله تعالى أعلم.

٩/٤٥١٩/٤٥١

وصلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الظهر بالمدينة أربعا، وخطب الناس وعلمهم ما أمامهم من المناسك ثم ترجل وادهن بزيت، قلت اغتسل قبل ذلك، وتجرد في ثوبين صحاريين إزار ورداء كما ذكره ابن سعد، زاد محمد بن عمر الأسلمي: وأبدلهما بالتنعيم بثوبين من جنسهما، والله تعالى أعلم، ولبس إزاره، ورداءه، قلت وركب كما قال أنس على رحل وكانت زاملته، وقال أيضا حجّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على رحل رثّ، وقطيفة خلقة تستوي أربعة دراهم ولا تستوي.

ثم قال: «اللهم اجعله حجا مبرورا، لا رياء فيه، ولا سمعة» [ (١) ] رواه البخاري تعليقاً وابن ماجة، والترمذي، في «الشمائل» وأبو يعلى موصولا، والله تعالى أعلم.

وخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من المدينة نهارا بعد الظهر لخمس بقين من ذي القعدة وصوّبا أن خروجه كان يوم السبت، وبسط الكلام على ذلك الحافظ الدمياطي، قلت: ورواه الحاكم في «الإكليل» عن ، وبه جزم ابن سعد، ومحمد بن عمر الأسلمي، خلافا لابن حزم في أنه كان يوم الخميس، واستدل بأشياء نقضا عليه، وخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على طريق الشجرة، كان يخرج منها، وصلى في مسجدها، رواه البخاري عن ابن عمر.

ذكر نزوله- صلى الله عليه وسلّم- بذي الحليفة وبياته بها: فسار- صلى الله عليه وسلّم- حتى أتى ذا الحليفة، وهو من وادي العقيق فنزل به، قلت: تحت سمرة في موضع المسجد بذي الحليفة، دون الروسة عن يمين الطريق كما في الصحيح، عن ، ليجتمع إليه أصحابه، كما ذكره محمد بن عمر الأسلمي والله تعالى أعلم.

وصلى بهم العصر ركعتين، قلت: وأمر بالصلاة في ذلك الوادي، رواه الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، وابن ماجة، والبيهقي، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقول بوادي العقيق: «أتاني آت من ربي» ، ولفظ البيهقي: «جبريل» فقال: «صلّ في هذا الوادي المبارك» ، وقال: «عمرة في حجة، إلى يوم القيامة والله تعالى أعلم» [ (٢) ] .

ثم بات بذي الحليفة، وصلى المغرب والعشاء، والصبح والظهر فصلى بها خمس صلوات، وكان نساؤه معه كلهن في الهوداج، وكنّ تسعة وطاف عليهن تلك الليلة واغتسل، قلت: وطيبته عائشة قبل طوافه عليهن تلك الليلة، واغتسل. «كما رواه مسلم- عن عائشة، والبيهقي عنها، قالت: طيّبته بالطيب» والله تعالى أعلم.

وساق هديه مع نفسه، قلت: كان معه- صلى الله عليه وسلم- قبل وصوله، أنه- صلى الله عليه وسلم- دعا ببدنته، وفي رواية: بناقته فأشعرها في صفحة سنامها من الشق الأيمن ثم سلت الدم عنها، وقلدها نعلين، قلت: وتولى إشعار بقية الهدي وتقليده غيره، قال: كان- صلى الله عليه وسلم- معه هدي كثير. قال ابن سعد: وكان على هديه ناجية بن جندب الأسلمي وكان جميع الهدي الذي ساقه من المدينة [ (١) ] .

ذكر إحرامه - صلى الله عليه وسلم -

٩/٤٥٢٩/٤٥٢

«فلما صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الصبح أخذ في الإحرام، فاغتسل غسلا ثانيا، غير الغسل الأول، وغسل رأسه بخطمي وأشنان، قلت: ودهن رأسه بشيء من زيت غير كثير» ، رواه الإمام أحمد، والبزار، والطبراني، والدارقطني عن عائشة [ (٢) ] .

وعن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يدّهن بالزيت- وهو محرم- غير المقتت» ، رواه الترمذي، وابن ماجة [ (٣) ] .

في حديث أبي أيوب عند الشيخين: أنه- صلى الله عليه وسلم- في غسله حزك رأسه بيديه جميعا فأقبل بهما وأدبر، والله تعالى أعلم، وطيبته بذريرة وطيب فيه مسك [ (٤) ] ، قلت: وبالغالية الجيدة كما رواه الدارقطني والبيهقي والله أعلم في بدنه ورأسه حتى كان وبيص المسك يرى من مفارقه، ولحيته الشريفة- صلى الله عليه وسلم-[ (٥) ] ثم استدامه، ولم يغسله، قلت وروى الإمام أحمد، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- الطيب في مفرق رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بعد أيام وهو محرم [ (٦) ] ، ورواه الحميدي في مسنده بلفظ: بعد ثالثة، وهو محرم» والله تعالى أعلم.

ثم لبس إزاره ورداءه، قلت: «ولم ينه عن شيء من الأردية إلا المزعفرة، التي تردع على الجلد» ، رواه البخاري، وأبو يعلى، عن ابن عباس والله تعالى أعلم.

وسأله- صلى الله عليه وسلّم- رجل: «ما يلبس المحرم من الثياب؟» فقال- صلى الله عليه وسلم-: « ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أن تكون نعالا، فإن لم تكن نعالا فخفين دون الكعبين» ، وفي رواية: «إلا أن لا يجد نعلين» ، وفي رواية: «فمن لم يجد نعلين» ، وفي رواية: «فليحرم أحدكم في إزار، ونعلين» .

٩/٤٥٣٩/٤٥٣

فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليجعلهما أسفل شيئا مسّه الزعفران، ولا الورس، إلا أن يكون غسيلا، ولا تنتقب المحرمة، ولا تلبس القفازين» ، رواه الإمام أحمد، والشيخان، عن ابن عمر، والله تعالى أعلم [ (١) ] .

وولدت أسماء بنت عميس- زوجة أبي بكر- بذي الحليفة محمد بن أبي بكر.

فأرسلت أبا بكر إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- تقول: كيف أصنع؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «اغتسلي واستثفري بثوب، وأهلّي» ، وفي رواية: «وأحرمي» ، رواه مسلم في حديث جابر الطويل [ (٢) ] .

وزاد النسائي، وابن ماجة، عن أبي بكر: أنها لا تطوف بالبيت [ (٣) ] .

ثم أنه- صلى الله عليه وسلم- صلى ركعتين، قال في الاطلاع: صلى ركعتي الإحرام، وهما الركعتان اللتان كان يودع بهما المنزل. قال ابن القيم: «ولم ينقل عنه أنه- صلى الله عليه وسلم- صلى للإحرام ركعتين» قلت: روى الشيخان، عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل» [ (٤) ] .

قال النووي في «شرح مسلم» فيه استحباب صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام، ويصليهما قبل الإحرام إلى آخره. والله تعالى أعلم.

ثم ركب راحلته القصواء، قلت: «واستقبل القبلة قائما، ثم لبّى» [ (٥) ] رواه البخاري، عن ابن عمر والله تعالى أعلم.

ذكر إهلاله - صلى الله عليه وسلم - وفي أي مكان أهل

اختلف في الموضع الذي أهل فيه- صلى الله عليه وسلم-.

فقيل: أهلّ من المسجد الذي بذي الحليفة، فروى الخمسة عن سالم، عن أبيه عن - رضي الله تعالى عنهما- أنه- صلى الله عليه وسلم- أهل من عند المسجد، يعني: مسجد ذي الحليفة، وفي رواية الشيخين، عن ابن عمر قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إنما أهل من المسجد [ (١) ] .

٩/٤٥٤٩/٤٥٤

روى الطبراني، عن أبي داود المازني، وكان من أهل ، قال: خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فدخل مسجد ذي الحليفة، فصلّى فيه أربع ركعات، ثم أهلّ في المسجد فسمعه الذين كانوا في المسجد فقالوا أهل من المسجد، وأهل حين ركب راحلته، فقال الذين به راحلته، ثم لما استوى على البيداء أهلّ فسمعه الذين على البيداء فقالوا أهلّ من البيداء وصدقوا كلهم» [ (٢) ] .

وقيل: أهلّ حين استوت به راحلته- صلى الله عليه وسلّم-.

وروى الستة، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: بات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذي الحليفة حتى أصبح، فلما زالت راحلته واستوت به أهلّ [ (٣) ] .

وروى البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «فأصبح رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بذي الحليفة، وركب [أهلّ] هو وأصحابه» ورواه الإمام أحمد من طريق آخر نحوه [ (٤) ] .

وروى مسلم من طريق زين العابدين بن علي بن الحسين، والبخاري من طريق عطاء، كلاهما عن جابر- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- حين استوت به راحلته» .

وروى الشيخان من طريق عبيد بن جريج، عن ابن عمر قال: «أما الله- صلى الله عليه وسلم- يهل حتى تنبعث به راحلته» [ (٥) ] .

وروى مسلم، من طريق موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه قال: «بيداؤكم التي تكذبون صلى الله عليه وسلم- إلا من عند الشجرة، حين قام به بعيره» [ (٦) ] .

وروى الإمام أحمد، من طريق أبي حسان: مسلم بن عبد الله البصري الأعرج، والبخاري من طريق كريب، كلاهما عن ابن عباس قال: «لما أصبح رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بذي الحليفة ودعا براحلته فلما استوت على البيداء أهلّ بالحج» [ (١) ] .

٩/٤٥٥٩/٤٥٥

وروى الشيخان، عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله- حين استوت به راحلته» . قال ابن كثير: وهذه الرواية المثبتة المفسرة أنه أهلّ حين استوت به راحلته عن ابن عمر مقدمة على الأخرى لاحتمال أنه أراد أنه أحرم من عند المسجد حين استوت به راحلته، وتكون رواية ركوبه الراحلة فيها زيادة علم على الأخرى، ورواية أنس وجابر وكذا رواية ابن عباس التي في الصحيح سالمات من المعارض، قال: وهذه الطرق كلها دالة على القطع أو الظن الغالب أنه- صلى الله عليه وسلّم- أحرم بعد الصلاة وبعد ما ركب راحلته وابتدأت به السير، زاد ابن عمر. وهي مستقبلة القبلة. قال: وما في الصحيح عن ابن عباس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أهل حين استوت به راحلته أصح وأثبت، من رواية خصيف الحروري، عن سعيد بن جبير. قلت: وجعل أبو جعفر الطحاوي والحافظ حديث ابن عباس هذا جامعا بين الأقوال، وأورده ابن القيم ساكتا عليه.

ذكر الاختلاف فيما أهل به - صلى الله عليه وسلم -

اختلف في ذلك على أربعة أقوال: الأول: الإفراد بالحج.

روى الإمامان: الشافعي وأحمد، والشيخان والنسائي عن عائشة وأحمد، ومسلم، وابن ماجه، والبيهقي عن جابر بن عبد الله، وأحمد، ومسلم، والبزار، عن ، ومسلم، والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عباس «أنه- صلى الله عليه وسلم- أهل بالحج مفردا» [ (٢) ] .

الثاني: القرآن.

روى الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة والبيهقي عن وأحمد عن عثمان وأحمد والبخاري، وابن حبان، عن علي، وأحمد، والنسائي، والشيخان، والبزار، والبيهقي، عن أنس، والترمذي، وابن ماجة، والبزار، والدارقطني، والبيهقي، عن جابر بن عبد الله، والإمام أحمد، وابن ماجة، عن أبي طلحة: زيد بن سهل الأنصاري- رضي الله تعالى عنه- وأحمد، عن سراقة بن مالك، والإمامان: مالك، وأحمد، والترمذي وصححه، والنسائي عن سعد بن أبي وقاص، والطبراني، عن عبد الله بن أبي أوفى والإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن ابن عباس، وأحمد ومسلم، والنسائي، والدارقطني، عن الهرماس بن زياد، وأبو يعلى، عن بن الخطاب، وأحمد، والشيخان، عن ابن عمرو، وأحمد، عن عمران بن حصين، والدارقطني، عن أبي قتادة، والترمذي- وحسنه- عن جابر بن عبد الله، وأحمد، عن حفصة، والشيخان، والبيهقي، عن عائشة- رضي الله تعالى عنهم- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان قارنا» [ (١) ] .

٩/٤٥٦٩/٤٥٦

الثالث: التمتع.

روى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، عن ابن عمر قال: عليه وسلم- الحج، وأهدى، فساق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأهلّ بالعمرة، ثم أهل بالحج. الحديث [ (٢) ] .

وروى الشيخان، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- عليه وسلّم- في تمتعه بالعمرة إلى الحج: وتمتع الناس معه [ (٣) ] .

وروى مسلم، عن عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- قال: «تمتع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وتمتعنا معه» .

وروى مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- « لم يكن عنده الهدي فليحل الحلّ كلّه، فإنّ إلى يوم القيامة» [ (٤) ] .

وروى البخاري، عن حفصة- رضي الله تعالى عنها- أنها قالت الناس حلّوا بعمرة؟ قال: «إني لبدت رأسي، وقلّدت هديي فلا أحل حتى أنحر» [ (٥) ] .

٩/٤٥٧٩/٤٥٧

وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: « عليه وسلم- وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأول من نهى عنه معاوية» [ (١) ] .

وروى الشيخان، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- عن معاوية- رضي الله تعالى عنه- قال: «قصرت عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بمشقص» ، زاد مسلم، فقلت: «لا أعلم هذه إلا حجّة عليك» [ (٢) ] .

وروى النسائي، عن عطاء، عن معاوية قال: « الله- صلى الله عليه وسلم- بمشقص كان معي، بعد ما طاف بالبيت وبالصفا والمروة، في أيام العشر» [ (٣) ] . قال قيس بن سعد الراوي، عن عطاء: «والناس ينكرون هذا على معاوية» [ (٤) ] .

وروى البخاري عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «اعتمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قبل أن يحج» .

الرابع: - الإطلاق.

روى الشيخان، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا نذكر حجّا ولا عمرة وفي لفظ «نلبيّ لا نذكر حجّا ولا عمرة» ، وفي لفظ «خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا نرى إلا مكة، أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من لم يكن معه هدي إذا طاف بين الصّفا والمروة، أن يحل» [ (٥) ] .

قال الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- أخبرنا سفيان، أخبرنا ابن طاوس [ (٦) ] ، وإبراهيم ابن ميسرة، وهشام بن حجير [ (٧) ] سمعوا طاوسا يقول: «خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من المدينة لا يسمي حجا ولا عمرة، ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهلّ ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة الحديث» [ (٨) ] ويأتي الكلام عليه في التنبيهات.

٩/٤٥٨٩/٤٥٨

فهذه أربعة أقوال: «الإفراد، والقران، والتمتع، والإطلاق، ورجحا أنه- صلى الله عليه وسلم- كان قارنا، ورجحه المحب الطبري، والحافظ، وغيرهم، ويأتي تحقيقه بعد تمام القصة، قال: أهلّ في مصلاه، ثم ركب ناقته، فأهلّ أيضا، ثم أهلّ لما استقلت به على البيداء وكان يهلّ بالحج والعمرة تارة، وبالعمرة تارة، وبالحج تارة لأن العمرة جزء منه، فمن ثمّ قيل: قرن. وقيل: تمتع، وقيل: أفرد، وكل ذلك وقع بعد صلاة الظهر، خلافا لابن حزم، وصاحب الاطلاع، قال النووي، والحافظ: وطريق الجمع بين الأحاديث وهو الصحيح: أنه- صلى الله عليه وسلم- كان أولا مفردا بالحج، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، وأدخلها على الحج فصار: قارنا، فمن روى الإفراد هو الأصل، ومن روى القران اعتمد آخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع والارتفاق.

ذكر لفظ تلبيته [- صلى الله عليه وسلم - ثم]

لبّى- صلى الله عليه وسلّم- فقال: « شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك» ، ورفع صوته بالتلبية حتى سمعها أصحابه، قلت: وروى البزار، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كانت تلبية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «لبّيك حجّا حقّا تعبّدا ورقّا» [ (١) ] .

وروى الطبراني- بسند حسن- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقف فلما قال: «لبيك اللهم لبيك» قال: «إنّما الخير خير الآخرة» [ (٢) ]

وعند الإمام أحمد، والنسائي، والبيهقي عن أبي هريرة «أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال في تلبيته: «لبّيك إله الحقّ لبّيك» [ (٣) ] .

وروى الطبراني، عن خزيمة بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الله عز وجل مغفرته ورضوانه واستعتقه من النار» [ (٤) ] .

وأمرهم بأمر الله- تعالى- بأن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج.

وأمره جبريل- عليه الصلاة والسلام- «أن يعلن بالتلبية» ، وروى الإمام أحمد، عن السائب بن خلاد أن رسول الله- « أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتّلبية» ، وقال: «يا محمد كن عجاجا ثجاجا» [ (١) ] ، «رواه الطبراني وغيره» . قلت: جاء جبريل به، فلم يرد- صلى الله عليه وسلم- شيئا منه، ولزم- صلى الله عليه وسلّم- تلبيته» ، رواه مسلم، وعند أبي داود، والناس يزيدون «ذا المعارج» ونحوه من الكلام. والنبي- صلى الله عليه وسلم- يسمع، فلا يقول لهم شيئاً، ثم إنه- صلى الله عليه وسلّم- خيّرهم عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة. ثم ندبهم عند دنوّهم من مكة إلى فسخ الحج، والقران إلى العمرة، لمن لم يكن معه هدي، ثم حتّم ذلك عليهم عند المروة، ثم سأل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهو يلبّي تلبيته المذكورة، والناس معه يزيدون فيها، وينقصون، وهو يقرهم، ولا ينكر عليهم، ولزم تلبيته.

ذكر مسيره - صلى الله عليه وسلم -

٩/٤٥٩٩/٤٥٩

من قال إهلاله ومروره بالروحاء، ثم الأثاية قلت: قال ابن سعد: ومضى- صلى الله عليه وسلّم- يسير المنازل ويؤم أصحابه في الصّلوات في مساجد له، قد بناها الناس وعرفوا مواضعها. والله تعالى أعلم.

ثم سار رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. وهو يلبي تلبيته المذكورة، فلما كان بالرّوحاء رأى حمارا وحشيا عقيرا، قال: «دعوه يوشك أن يأتي صاحبه» ، فجاء صاحبه إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قلت: هو رجل من بهز، واسمه الله تعالى أعلم فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «شأنكم بهذا الحمار» ، فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أبا بكر فقسمه بين الرفاق، ثم مضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى كان بالأثاية بين الرّويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل وفيه سهم، فأمر رجلا- قلت هو أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- كما رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن ، والله تعالى أعلم- فأمره أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوه [ (٢) ] ، قال: والفرق بين قصة الظبي، وقصة الحمار: أن الذي صاد الحمار كان حلالا، فلم يمنع من أكله، وهذا لم يعلم أنه حلال، وهم محرمون، فلم يأذن لهم في أكله، ووكّل من يقف عنده لئلا يأخذه أحد حتى يجاوزوه.

ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بالعرج

وضياع زاملته التي بينه وبين أبي بكر، ثم سار- صلى الله عليه وسلم- حتى إذا نزل بالعرج، وكانت زاملته وزاملة أبي بكر واحدة، وكانت مع غلام لأبي بكر، فجلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر إلى جانبه وعائشة إلى جانبه الآخر، وأسماء بنت أبي بكر إلى جانبه وأبو بكر ينتظر الغلام أن يطلع عليه فطلع وليس معه البعير، فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة، فقال أبو بكر- وكان فيه حدة: بعير واحد تضلّه، فطفق يضرب الغلام بالسوط، وسلم- يتبسم ويقول: «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع؟» ، وما يزيد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أن يقول ذلك ويتبسم، ترجم أبو داود على هذه القصة «باب المحرم يؤدب» [ (١) ] .

٩/٤٦٠٩/٤٦٠

قلت سبق أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حجّ على رحل، وكانت زاملة، قال المحب الطبري: فيحتمل إن يكون بعض الزاملة عليها، وبعض الزاملة مع زاملة أبي بكر- رضي الله تعالى عنه- ولما بلغ آل فضالة الأسلمي، أن زاملة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ضلت حملوا له جفنة من حيس فأقبلوا بها حتى وضعوها بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «هلم يا أبا بكر، فقد جاء الله تعالى بغذاء أطيب، وجعل أبو بكر يغتاظ على الغلام، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «هوّن عليك يا أبا بكر، فإن الأمر ليس إليك، ولا إلينا معك، وقد كان الغلام حريصا على ألا يضل بعيره، وهذا خلف مما كان معه» ، ثم أكل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأهله، وأبو بكر ومن كان معه يأكل حتى شبعوا، فقال فأقبل صفوان بن المعطل- رضي الله تعالى عنه- وكان على ساقة الناس، والبعير معه، وعليه الزاملة، فجاء حتى أناخ على باب منزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر: «متاعك؟» ، فقال: «ما فقدت شيئا إلا قعبا كنا نشرب فيه، فقال الغلام: هذا القعب معي» فقال أبو بكر لصفوان: أدّى الله عنك الأمانة.

وجاء سعد بن عبادة، وابنه قيس- رضي الله تعالى عنهما- ومعهما زاملة تحمل زادا يؤمّان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فوجدا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- واقفا بباب منزله، قد رد الله- عز وجل- عليه زاملته، فقال سعد يا رسول الله: بلغنا أن زاملتك ضلت الغداة، وهذه زاملة مكانها، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «قد جاء الله بزاملتنا، فارجعا بزاملتكما بارك الله فيكما» .

ذكر مروره - صلى الله عليه وسلم - بالأبواء

وإهداء الصعب بن جثامة له- ثم مضى رسول الله حتى إذا كان أهدى له الصعب بن جثامة حمار وحش، وفي رواية «عجز حمار وحش» وفي رواية «لحم حمار وحش، يقطر دما» ، وفي رواية «شق حمار وحشي» ، وفي رواية «رجل حمار وحش فرده» وقال: «إنا لم نردّه عليك إلا أنّا حرّم» [ (٢) ] .

ذكر مروره - صلى الله عليه وسلم - بوادي عسفان

٩/٤٦١٩/٤٦١

فلما مر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بوادي عسفان، قال: «يا أبا بكر أيّ واد هذا؟» قال: «وادي عسفان» ، قال: «لقد مرّ به هود، وصالح، على بكرين أحمرين خطمهما ليف، وأزرهم العباء، وأرديتهم النماز يلبون، يحجون البيت العتيق [ (١) ] .

ذكر مروره - صلى الله عليه وسلم - بسرف

قلت: قال ابن سعد: وكان يوم الاثنين بمر الظهران فغربت له الشمس بسرف.

فلما كان- صلى الله عليه وسلّم- بسرف حاضت عائشة وقد كانت أهلت بعمرة، فدخل عليها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهي تبكي، فقال: «ما يبكيك؟ لعلك نفست؟» قالت: نعم، قال: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، افعلي لا تطوفي بالبيت» .

وقال- صلى الله عليه وسلم- لما كان بسرف لأصحابه: «من لم يكن معه فليفعل، ومن كان معه هدي فلا» . قال ابن القيم: وهذا رتبة أخرى فوق رتبة التخيير عند الميقات، فلما كان بمكة، أمر أمرا حتما من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، ويحل من إحرامه، ومن معه هدي أن يقيم على إحرامه، ولم ينسخ ذلك شيء البتة بل سأله سراقة بن مالك، عن هذه العمرة التي أمرهم بالفسخ إليها هل هي لعامهم ذلك أم للأبد؟ فقال: «بل للأبد، وإن إلى يوم القيامة» .

وقد روي عنه- صلى الله عليه وسلم- الأمر بفسخ الحج إلى العمرة أربعة عشر من الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- وأحاديثهم صحاح، وسرد أسماءهم، والدليل على صحة مذهبه في نحو عشر ورقات وسيأتي التحقيق فيه بعد تمام القصة.

ذكر نزوله - صلى الله عليه وسلم - بذي طوى، ودخوله مكة، وطوافه وسعيه

ثم نهض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى أن نزل بذي طوى، وهي المعروفة اليوم بآبار الزاهر، فبات بها ليلة الأحد، لأربع خلون من ذي الحجة، وصلّى بها الصبح، ثم اغتسل من يومه، ونهض إلى مكة من أعلاها من الثنية العليا، التي تشرف على الحجون وكان في العمرة يدخل من أسفلها وفي الحج دخل من أعلاها وخرج من أسفلها، ثم سار حتى دخل المسجد ضحى.

وروى الطبراني عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: «دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ودخلنا معه من باب عبد مناف، وهو الذي تسميه الناس: «باب بني شيبة» - رجاله رجال الصحيح إلا مروان بن أبي مروان، قال السليماني: فيه نظر» [ (١) ] .

٩/٤٦٢٩/٤٦٢

وروى البيهقي: وخرج من باب بني مخزوم [إلى الصفا] فلما نظر إلى البيت، واستقبله ورفع يديه وكبر، وقال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا، وتعظيما، وتكريما، ومهابة، وزد من عظّمه، ممن حجه أو اعتمره، تكريما وتشريفا وتعظيما وبرا» [ (٢) ] .

وروى الطبراني، عن حذيفة بن أسيد، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان إذا نظر إلى البيت قال: « وتعظيما وتكريما وبرا ومهابة» [ (٣) ] .

فلما دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- المسجد عمد إلى البيت، ولم يركع تحية المسجد، فإن تحية الطواف.

وكان طوافه- صلى الله عليه وسلم- في هذه المرة ماشيا فقد روى البيهقي- بإسناد جيد- كما قال ابن كثير عن جابر بن عبد الله قال: «دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، وسلم- باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثا، ومشى أربعا، حتى فرغ قبّل الحجر، ووضع يديه عليه، ومسح بهما وجهه» [ (٤) ] .

وأما ما رواه مسلم، عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «طاف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على بعيره يستلم الركن كراهة أن يضرب عنه الناس» ، وما رواه أبو داود، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مكة يشتكي فطاف على راحلته وكلما أتى الركن استلم أناخ فصلّى ركعتين [ (٥) ] .

وقول أبي الطفيل- رضي الله تعالى عنه- «يطوف حول البيت على بعير يستلم الركن بمحجن» رواه البيهقي [ (٦) ] . قال: طاف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حجته بالبيت ابن أم مكتوم آخذ بخطامها يرتجز فقالا، واللفظ لابن كثير، إن حجة الوداع كان فيها ثلاثة أطواف، هذا الأول، والثاني طواف الإفاضة، وهو طواف الفرض وكان يوم النحر. والثالث: طواف الوداع فلعل ركوبه- صلى الله عليه وسلم- كان في أحد الأخيرين، أو في كليهما، فأما الأول: وهو طواف القدوم فكان ماشيا فيه، وقد نص على هذا الإمام الشافعي- رضي الله تعالى عنه- والدليل على ذلك ما رواه البيهقي بإسناد جيد، عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: «دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، وسلم- باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، ثمن رمل ثلاثا، ومشى أربعا، حتى فرغ يقبل الحجر، ووضع يديه عليه ومسح بهما وجهه» . قال ابن القيم: وحديث ابن عباس إن كان محفوظا فهي في إحدى عمره، وإلا فقد صح عنه: الرمل في الثلاثة الأول من طواف القدوم، إلا أن يقول كما قال ابن حزم في السعي: إنه رمل على بعيره، فقد رمل لكن ليس في شيء من الأحاديث أنه كان راكبا في طواف القدوم.

٩/٤٦٣٩/٤٦٣

فلما حاذى- صلى الله عليه وسلّم- الحجر الأول استلمه، ولم يزاحم عليه قلت: وقال لعمر: « لا تزاحم على الحجر تؤذي الضعيف إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلّل وكبّر» رواه الإمام أحمد وغيره والله تعالى أعلم [ (١) ] . قال: ولم يتقدم عنه إلى جهة الركن اليماني، ولم يرفع يديه، ولم يقل: نويت بطوافي هذا الأسبوع، كذا وكذا ولا افتتحه بالتكبير، كما يكبر للصلاة كما يفعله من لا علم عنده، بل هو من البدع المنكرات، ولا حاذى الحجر الأسود بجميع يديه، ثم انفتل عنه وجعله على شقه، بل واستقبله، واستلمه، ثم أخذ على يمينه وجعل البيت على يساره ولم يدع عند الباب بدعاء، ولا تحت الميزاب، ولا عند ظهر الكعبة وأركانها ولا وقت الطواف ذكرا معينا، لا بفعله ولا تعليمه، بل حفظ عنه بين الركنين وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ. قلت: وروى ابن سعد، عن - رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقول بين الركنين: اليماني، والحجر الأسود رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ [ (٢) ] .

ورمل- صلى الله عليه وسلّم- في طوافه هذا الثلاثة الأشواط، الأول قلت: «من الحجر إلى الحجر» رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى [ (٣) ] .

٩/٤٦٤٩/٤٦٤

وكان يسرع مشيه، ويقارب بين خطاه واضطبع بردائه فجعله على أحد كتفيه، وأبدى كتفه الآخر، ومنكبه، وكلما حاذى الحجر الأسود أشار إليه واستلمه بمحجنه وقبّل المحجن، وهو عصا محنيّة الرأس.

وثبت عنه: أنه استلم الركن اليماني، ولم يثبت عنه أنه قبّله، ولا قبّل يده حين استلامه.

وقول ابن عباس كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقبّل الركن اليماني، ويضع خدّه عليه، رواه الدارقطني، من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز. قال ابن القيم: «المراد بالركن اليماني ها هنا الحجر الأسود، فإنه يسمى الركن اليماني مع الركن الآخر يقال لهما: اليمانيان، ويقال له مع الركن الذي يلي الحجر من ناحية الباب العراقيان، ويقال للركنين اللذين يليان الحجر الشاميان، ويقال للركن اليماني، والذي يلي الحجر من ظهر الكعبة الغربيان، ولكن ثبت عنه أنه قبل الحجر الأسود، وثبت عنه أنه استلمه بيده، فوضع يده عليه ثم قبّلها.

وثبت عنه: أنه استلمه بمحجنه، فهذه ثلاث صفات.

وروي عنه «أنه وضع شفته عليه طويلا يبكي» .

وروى الطبراني بإسناد جيد أنه- صلى الله عليه وسلم- كان إذا استلم الركن اليماني قال: بسم الله، والله أكبر، وكان كلما أتى الحجر الأسود، قال: «الله أكبر» .

وروى أبو داود الطيالسي، عن - رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ثم قبله، ثم سجد عليه، ثلاث مرات، ولم يمس من الركنين إلا اليمانيين فقط. قلت: «واستسقى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو في طوافه» . رواه الطبراني، عن العباس، وفي سنده رجل لم يسم، والله تعالى أعلم [ (١) ] .

فلما فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام، فقرأ فصلى ركعتين- والمقام بينه وبين البيت- قرأ فيهما بعد الفاتحة: بسورة الإخلاص، وقراءته الآية المذكورة. قلت في حديث جابر: «أنه قرأ فيهما يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ والله تعالى أعلم. فلما فرغ من صلاته أقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه ثم خرج إلى الصفا من الباب الذي يقابله، فلما دنا منه قرأ إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أبدأ بما بدأ الله به» .

وفي رواية النسائي: «ابدأوا» على الأمر ثم رقى عليه حتى إذا رأى البيت فاستقبل البيت فوحّد الله- تعالى- وكبره وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ، ثم دعا بين ذلك، قال مثل ذلك ثلاث مرات» .

٩/٤٦٥٩/٤٦٥

وقام ابن مسعود على الصدع، وهو: الشق الذي في الصفا، فقيل له ها هنا يا أبا عبد الرحمن، قال: مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، ثم نزل إلى المروة يمشي، فلما سعي حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشى كذا في حديث جابر عند الإمام أحمد ومسلم من طريق [ (١) ] .

قالا: لكن روى الإمام أحمد، ومسلم عن محمد بن بكر، والنسائي عن شعيب بن إسحاق ومسلم عن علي بن شهر وعيسى بن يونس كلهم عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، عليه وسلّم- طاف في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبين الصفا والمروة ليراه الناس. قلت وبكونه سعى راكبا جزم ابن حزم.

وظاهر الأحاديث عن جابر وغيره، يقتضي أنه مشى خصوصا قوله فلما حتى إذا صعد مشى. وجزم ابن حزم: بأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه أيضا مع سائر جسده.

قال ابن كثير وهذا بعيد جدا.

قالا: وفي الجمع بينهما وجه أحسن من هذا وهو: أنّه سعى ماشيا أولا، ثم أتم سعيه راكبا، وقد جاء ذلك مصرحا به، ففي صحيح مسلم، عن أبي الطفيل، قال قلت لابن عباس: والمروة راكبا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة. قال: «صدقوا وكذبوا» ، قال: قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا قال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، حتى خرج عليه العواتق من البيوت قال: وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لا يضرب الناس بين يديه، قال: فلما كثر عليه الناس ركب، والمشي أفضل. قلت: «وفي حديث يعلى بن أمية عند الإمام أحمد أنه رأى رسول الله- بين الصفا والمروة ببرد نجراني» [ (٢) ] .

وروى النسائي والطبراني برجال الصحيح، عن أم ولد «أنها أبصرت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: «لا يقطع الأبطح إلا شدّا» [ (٣) ] .

٩/٤٦٦٩/٤٦٦

وروى البيهقي، عن قدامة بن عمار، قال: «رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يسعى بين الصفا والمروة على بعير، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك» [ (١) ] .

وروى عبد الله ابن الإمام أحمد، والبزار- برجال ثقات- عن علي- رضي الله تعالى عنه- «أنه رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كاشفا عن ثوبه حتى بلغ ركبتيه» [ (٢) ] .

وروى الإمام أحمد، والطبراني، عن حبيبة بنت أبي تجراة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السّعي، يدور به إزاره وهو يقول: « كتب عليكم السعي» وفي الكبير قال: «ولقد الإزار حول بطنه وفخذيه حتى رأيت بياض فخذيه» [ (٣) ] . قلت: وفي حديث ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- أنه- صلى الله عليه وسلم- كان إذا سعى في بطن المسيل، قال: «اللهم اغفر وارحم، وأنت الأعز الأكرم» رواه الطبراني [ (٤) ] .

وفي حديث ابن علقمة، عن عمه «أنه- إذا جاء عبيد الله- استقبل البيت ودعا» . رواه الإمام أحمد وأبو داود إلا أنه قال: عن أمّه والله تعالى أعلم [ (٥) ] .

قال ابن حزم وطاف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- راكبا على بعير يخبّ ثلاثا ويمشي أربعا.

قالا: وكونه خب ثلاثة أشواط بين الصفا والمروة، ومشى أربعا لم يتابع على هذا القول، ولم يتفوه به أحد قبله، وإنما هذا في الطواف بالبيت.

وكان- صلى الله عليه وسلم- إذا وصل إلى المروة رقي عليها واستقبل البيت وكبر الله ووحدّه وفعل كما فعل على الصفا، فلما أكمل سعيه عند المروة أمر كلّ من لا هدي معه أن يحل حتما ولا بد قارنا كان أو مفردا، وأمرهم أن يحلّوا الحلّ كله، من وطء النساء، والطيب ولبس المخيط، وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية، ولم يحل هو من أجل هديه، فحلّ الناس كلهم وسلم- ومن كان معه هدي، ومنهم أبو بكر وعمر، وطلحة والزبير، قال: « استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» ، وهناك سأله سراقة بن مالك بن جشم وهو في أسفل الوادي، لمّا أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة والإحلال، يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبّك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصابعه واحدة في الأخرى فقال: «لا» ، ثلاث مرات، ثم قال: «دخلت العمرة في الحج مرتين أو ثلاثا إلى الأبد» بل الأبد فحل الناس كلهم إلا النبي- صلى الله عليه وسلم- ومن كان معه هدي. قلت: وأمره- صلى الله عليه وسلم- من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة، رواه عنه خلائق من الصحابة.

٩/٤٦٧٩/٤٦٧

وقد اختلف العلماء في ذلك. فقال مالك، والشافعي، كان ذلك من خصائص الصحابة، ثم نسخ جواز الفسخ كغيرهم، وتمسكوا بما رواه مسلم، عن أبي ذر لم يكن فسخ الحج إلى العمرة إلا إلى أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم-.

وأما الإمام أحمد فرد ذلك وجوّز الفسخ لغير الصحابة.

وهناك دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا، وللمقصرين مرة.

فأما نساؤه فأحللن وكن قارنات إلا عائشة فإنها لم تحل من أجل تعذر الحل عليها بحيضتها، وفاطمة حلت، لأنها لم يكن معها هدي، وعلي لم يحلّ من أجل هديه، وأمر من أهلّ بإهلال كإهلاله- صلى الله عليه وسلّم- أن يقيم على إحرامه، إن كان معه هدي، وأن يحل من لم يكن معه هدي. قلت: ورواه الطبراني- برجال ثقات- والله تعالى أعلم.

وسار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قبل يوم التروية بيوم، فقلنا غدا إن شاء الله تعالى بالخيف حيث استقسم المشركون، ثم سار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والناس معه حتى نزل الأبطح شرقي مكة في قبة حمراء من أدم ضربت له هناك، وهناك كما قال ابن كثير- قدم عليّ من اليمن ببدن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- محرّشا لفاطمة فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «صدقت» ثلاثا «أنا أمرتها، يا عليّ بم أهللت؟» ، بما أهلّ به رسولك قال: ومعي هدي قال: «فلا تحل» ، فكان جملة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي ساقه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من المدينة مائة بدنة، وكان يصلي مدة مقامه هنا إلى يوم التروية بمنزلة الذي هو نازل فيه بالمسلمين بظاهر مكة، فأقام بظاهر مكة أربعة أيام يقصر الصلاة. الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء. قلت: ولم يعد إلى الكعبة كما في الصحيح عن ابن عباس.

وفي حديث أبي جحيفة عند الإمام أحمد، والشيخين، أنه أتى رسول الله- وهو في قبة له حمراء فخرج بلال بفضل وضوئه فمن ناضح ومن نائل، قال: فأذّن بلال، فكنت أتتّبع فاه ها هنا وها هنا- يعني يمينا وشمالا- ثم خرج بلال بالعنزة بين يديه، فخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وعليه حلة حمراء، فكأني أنظر إلى بريق ساقيه، فصلى بنا الظهر والعصر ركعتين ركعتين تمرّ المرأة والكلب والحمار من وراء العنزة، فقام الناس فجعلوا يأخذون بيده فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت يديه أبرد من الثلج، وأطيب ريحا من المسك، والله تعالى أعلم. قلت: قال ابن سعد: فلما كان قبل يوم التروية بيوم خطب بمكة بعد الظهر فلما كان يوم الخميس ضحى توجه بمن معه من المسلمين إلى منى فأحرم بالحج من كان أحلّ منهم في رحالهم، ولم يدخلوا المسجد فأحرموا منه، بل أحرموا ومكة خلف ظهورهم فلما وصل إلى منى نزل بها فصلى بها الظهر والعصر، وبات بها، وكانت ليلة الجمعة، فلما طلعت الشمس ساروا منها إلى وأخذ على طريق ضب على يمين طريق الناس اليوم، وكان من الصحابة الملبّي والمكبّر، وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء. قلت: وفي حديث ابن عباس قال: غدا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم عرفة من منى، فلما انبعثت به راحلته وعليها قطيفة قد اشتريت بأربعة دراهم، قال: «اللهم اجعله حجا مبرورا، لا رياء فيه ولا سمعة» رواه الطبراني بسند جيد.

٩/٤٦٨٩/٤٦٨

وفي حديث جابر واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فسار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى أتى نمرة، فوجد القبّة قد ضربت له هناك بأمره فنزل فيها، حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي من أرض . قال ابن سعد: فوقف بالهضبات من عرفات وقال: «كلّ عرفة موقف إلا بطن عرنة» أي بالنون قال ابن تيمية وهو يعني بطن عرنة وادي من حدود عرفة.

فخطب الناس قبل الصلاة على راحلته خطبة عظيمة.

قلت وهو قائم في الركابين- كما عند أبي داود- عن العدّاء بن خالد-[ (١) ] رضي الله تعالى عنه-.

ونص الخطبة بعد الحمد لله، والثناء عليه، « عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، هذا، في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلّغت، فمن كانت عنده أمانة فليردها لمن ائتمنه عليها، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدميّ، وإن أول دمائكم أضع، وفي رواية: وإن أول دم أضع من دمائنا دم ربيعة، وفي رواية: دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعا في بني سعد بن بكر فقتلته هذيل [ (١) ] .

٩/٤٦٩٩/٤٦٩

وعند ابن إسحاق، والنسائي، في بني ليث فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية، وإن كل ربا موضوع، ولكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا، وإن أول ربا أضع فإنه موضوع كله.

أما بعد أيها الناس الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ولكنه إن يطمع فيما سوى ذلك فقد رضي بما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم أيها الناس إن بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً، وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ ويحرموا ما أحل الله، وإن خلق السماوات والأرض، السّنة اثنا عشر شهرا، وفي رواية «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثلاثة متوالية: ذي القعدة وذي بين جمادى وشعبان» .

«أما بعد أيها الناس: اتقوا الله واستوصوا بالنساء خيرا، فإنّهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهم شيئا وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله» . وفي رواية «بكتاب الله، ولكم عليهن حق، ولهن عليكم حق، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.

فاعقلوا أيها الناس قولي- فإني قد بلغت- وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي أبدا- إن اعتصمتم به- أمرين، وفي رواية أمرا بينا كتاب الله عز وجل وسنة نبيه- صلى الله عليه وسلّم-.

أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ لمسلم، وفي رواية: أخو المسلم وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، فلا تظلمن أنفسكم واعلموا أن القلوب لا تغل على ثلاث: إخلاص العمل لله عز وجل جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم، ومن تكن الدنيا نيّته يجعل الله فقره بين عينيه ويشتت عليه ضيعته، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له، ومن تكن الآخرة نيّته يجعل الله غناه في قلبه، ويكفيه ضيعته وتأتيه الدنيا وهي راغمة، فرحم الله امرأ سمع مقالتي حتى يبلغه غيره، ورب حامل فقه وليس من هو أفقه منه، أرقاءكم أرقاءكم أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، فإن جاء فبيعوا عباد الله، ولا تعذبوهم، أوصيكم بالجار- حتى أكثر- فقلنا إنه سيورثه.

٩/٤٧٠٩/٤٧٠

أيها الناس: إن الله قد أدى لكل ذي حق حقه، وإنه لا يجوز وصية لوارث، والولد إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، العارية مؤدّاة، والنحلة مردودة، والدين مقضيّ والزعيم غارم.

والأوثان كانوا يدفعون من ها هنا عند غروب الشمس حتى تكون الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها. هدينا مخالف هديهم، عند طلوع الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها. ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير فأخر الله هذه وقدم هذه، يعني: قدم المزدلفة قبل طلوع الشمس، وأخر إلى أن تغيب الشمس، وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغيب الشمس، وندفع من المزدلفة حتى تطلع الشمس، وهدينا مخالف لهدي الأوثان والشرك» . قلت: وفي حديث - رضي الله تعالى عنه- قال: خطبنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعرفات فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من هذا الموضع إذا كانت الشمس على رؤوس وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب وكانوا يدفعون من المشعر الحرام إذا كانت الشمس منبسطة» ، رواه الطبراني برجال الصحيح [ (١) ] .

«وأنتم تسألون عنّي فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها على الناس «اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد» .

ثلاث مرات. قلت: روى البيهقي، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- خطب ، فلما قال: «لبيك اللهم لبيك، قال إنما الخير خير الآخرة» [ (٢) ] . قال أبو محمد: وأرسلت إليه أم الفضل بنت الحارث الهلالية وهي أم عبد الله بن عباس بقدح لبن فشربه أمام الناس ووهّماه في ذلك وقال: «إنما كان ذلك بعد ذلك حين وقف بعرفة كما سيأتي» .

٩/٤٧١٩/٤٧١

وروى ابن إسحاق عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: كان الرجل الذي يصرخ في الناس (تحت لبة ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-) بقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو : بن خلف الجمحي قال: يقول له رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- (اصرخ. وكان صيتا) قل أيها الناس إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: هل تدرون أي شهر هذا؟ فيقول لهم وفي رواية فيصرخ فيقولون نعم الشهر الحرام، فيقول قل لهم إني وفي رواية: فإن الله قد حرم.

«فلما أتمها أمر بلالا فأذن ثم أقام الصلاة فصلّى الظهر، ركعتين أسرّ فيهما بالقراءة وكان يوم جمعة، فلما فرغ من صلاته ركب حتى أتى الموقف، فوقف في ذيل الجبل عند الصخرات واستقبل القبلة» .

قلت في حديث جابر، وجعل بطن ناقته القصواء وهو عليها إلى الصّخرات وجعل جبل المشاة بين يديه.

وأمر الناس أن يرتفعوا عن بطن عرنة- بالنون- ووقف- صلى الله عليه وسلّم- من لدن الزوال إلى أن غربت الشمس وهو يدعو الله تبارك وتعالى ويبتهل ويتضرع إليه رافعا يديه إلى صدره كاستطعام المسكين وأخبرهم أن خير الدعاء يوم .

ومما حفظ من دعائه- صلى الله عليه وسلّم- هناك: «اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي، وإليك مآبي، ولك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر اللهم إني أعوذ بك من شر ما يجيء به الريح، ومن شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر بوائق الدهر.

مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته وذلّ جسده، ورغم أنفه لك، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رؤوفا رحيما يا خير المسؤولين. ويا خير المعطين» .

«لا إله إلا أنت الملك، وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي صدري نورا وفي سمعي نورا، وفي نورا، اللهم اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، وأعوذ بك من وسواس الصدر، وشتات الأمر، وفتنة القبر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، ومن شر بوائق الدهر» رواه البيهقي.

٩/٤٧٢٩/٤٧٢

أنزل عليه هناك عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة/ ٣] .

وهناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته وهو محرم فمات، فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أن يكفن في ثوبه، ولا يمس بطيب، وأن يغسل بماء وسدر، ولا يغطى رأسه ولا وجهه وأخبر أنه يبعث يوم القيامة يلبي.

فلما غربت الشمس واستحكم غروبها بحيث ذهبت الصّفرة أفاض من ، وأردف أسامة بن زيد خلفه، وأفاض بالسّكينة، وضم إليه زمام ناقته القصواء حتى إن رأسها ليصيب طرف رجله، وهو يقول: « البرّ ليس بالإيضاع» ، أي ليس بالإسراع، وأفاض من طريق المأزمين وكان دخل مكة من طريق ضبّ» . قلت: وفي حديث ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أفاض من عرفات وهو يقول: «إليك تغدو قلفا وضينها ... مخالفا دين النصارى دينها»

رواه الطبراني وقال: المشهور في الرواية أنه من فعل ابن عمر أي: لا مرفوعا، والله تعالى أعلم [ (١) ] .

ثم جعل يسير العنق وهو ضرب من السير ليس بالسريع ولا البطيء، فإذا وجد فجوة- وهو المتسع- نصّ سيره أي رفعه فوق ذلك وكلما أتى ربوة من تلك الربى أرخى للناقة- وهي العضباء- زمامها قليلا حتى تصعد، وكان يلبي في مسيره ذلك لا يقطع التلبية، فلما كان في أثناء الطريق مال إلى الشّعب وهو شعب الأذاخر عن يسار الطريق بين المأزمين- نزل- صلى الله عليه وسلّم- فبال وتوضأ خفيفا، فقال أسامة: الصلاة يا رسول الله: فقال: «الصلاة أمامك» ، ثم سار حتى أتى المزدلفة. قلت: نزل قريبا من النار التي على قزح فتوضأ وضوء الصلاة، ثم أمر بالأذان فأذّن المؤذن، ثم أقام الصلاة فصلى المغرب قبل حطّ الرحال، وتبريك الجمال، فلما حطّوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة، ثم صلى العشاء الآخرة بإقامة بلا أذان، ولم يصل بينهما شيئا ثم نام حتى أصبح ولم يحيي تلك الليلة، وأذن في تلك الليلة، قلت عند السحر لمن استأذنه من أهل الضعف من الذرية والنساء، ومنهن سودة وأم حبيبة أن يتقدموا إلى منى قبل حطمة الناس، وذلك طلوع الفجر، وكان ذلك عند غيبوبة القمر.

٩/٤٧٣٩/٤٧٣

وأمرهم ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، ورمى من النساء أسماء بنت أبي بكر، وأم سلمة قبل الفجر. قال في البداية فكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أمر الغلمان بأن لا يرموا قبل طلوع الفجر، وأذن للظعن في الرمي قبل طلوع الشمس لأنهن أثقل حالا، وأبلغ في الستر.

وفي حديث ابن عباس- قدّمنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أغيلمة بني عبد المطلب على نساء محمد يلطح أفخاذنا ويقول: «أبنيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» [ (١) ] رواه أحمد وجئت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ببقيّة نسائه حتى يدفعن معه حين يصبح.

فلما برق الفجر، صلاها في أول الوقت خلافا لمن زعم أنه صلاها قبل الوقت بأذان وإقامة، يوم النحر، وهو يوم العيد، وهو يوم الحج الأكبر، وهو يوم الأذان ببراءة الله ورسوله من كل مشرك، ثم ركب القصواء حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام فوقف على قزح وقال: «كل المزدلفة موقفنا إلا بطن محسّر» ، فاستقبل القبلة، وأخذ في الدعاء والتضرّع والتهليل، والتكبير، والذكر، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، وذلك قبل طلوع الشمس. قلت: وكان أهل الجاهلية لا يدفعون حتى تطلع الشمس على ثبير، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إنّ قريشا خالفت هدي إبراهيم، فدفع طلوع الشمس.

وهنالك سأله عروة بن مضرّس بن الطائي، فقال: يا رسول الله: إني جئت من جبل طيّء أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل من حج؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «من شهد صلاتنا هذه، فوقف فقد أتم حجّه وقضى تفثه» [ (٢) ] .

ثم سار بمزدلفة مردفا للفضل بن عباس، وهو يلبي في مسيره، وانطلق أسامة بن زيد على رجليه في سباق قريش، وفي طريقه ذلك، أمر أن يلقط له حصى الجمار سبع حصيات، ولم يكسرها من الجبل، تلك الليلة كما يفعل من لا علم عنده ولا التقطها بالليل، فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول: «أمثال هؤلاء، فارموا، أهلك من كان قبلكم الغلّو في الدّين» ، وفي طريقه تلك عرضت له امرأة من خثعم جميلة، فسألته عن الحج عن أبيها- وكان شيخا كبيرا لا يستمسك على الراحلة- فأمرها أن تحج عنه، وجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فوضع يده على وجهه فصرفه إلى الشق الآخر لئلا تنظر إليه ولا ينظر إليها.

٩/٤٧٤٩/٤٧٤

قلت في حديث جابر وكان الفضل رجلا حسن الشّعر أبيض وسيما، والله تعالى أعلم. فقال العباس لويت عنق ابن عمك، فقال: «رأيت شابا وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما» .

وسأله آخر هناك عن أمّه، وقال: «إنها عجوز كبيرة، وإن خشيت أن أقتلها» ، قال: «أرأيت إن قاضيه؟» قال: نعم. قال «فحج عن أمك»

فلما أتى بطن محسّر حرك ناقته وأسرع السير، وهذه كانت عادته- صلى الله عليه وسلّم- في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، فإن هنالك أصاب الفيل ما قص الله علينا. ولذلك سمي الوادي وادي محسّر، لأن الفيل حسر فيه أي أعيا وانقطع عن الذهاب.

ومحسّر برزخ بين منىّ ومزدلفة لا من هذه ولا من هذه، وعرنة برزخ بين والمشعر الحرام، فبين كل مشعرين برزخ ليس منها، فمنى من الحرم، وهي مشعر، ومحسّر من الحرم وليس بمشعر، ومزدلفة حرم ومشعر، وعرنة ليست بمشعر، وهي من الحل وعرفة حل ومشعر. قلت: كذا في أكثر الروايات.

وفي حديث أم جندب، عند أبي داود وغيره، أنه كان راكبا يظله وهو غريب مخالف للروايات الصحيحة [ (١) ] .

وسلك الطريق الوسطى بين الطّريقين، وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى منى. قلت: قال ابن سعد: ولم يزل يلبّي حتى رمى جمرة العقبة.

«فأتى جمرة العقبة فوقف في أسفل الوادي وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة، وهو على راحلته فرماها راكبا بعد طلوع الشمس، واحدة بعد واحدة، يكبر مع كل حصاة، وحينئذ قطع التلبية وكان في مسيره ذلك يلبي حتى شرع في الرمي، وبلال وأسامة معه، أحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر يظله بثوب من الحر» . قلت: الذي كان يظله بلال كما في حديث أبي أمامة، عن بعض الصحابة رواه ابن سعد [ (٢) ] .

٩/٤٧٥٩/٤٧٥

وفي حديث أم جندب الأزدية أنه ، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والبيهقي فإنهما كانا يتناوبان [ (١) ] .

قلت وروى مسلم وابن سعد والبيهقي عن جابر قال: «رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- علي راحلته يوم النحر» ويقول لنا: «خذوا عني لا أحج بعد حجتي هذه» [ (٢) ] ، وفي حديث أم جندب: فازدحم الناس فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف» ، ورأيت بين أصابعه حجرا فرمى ورمى الناس» [ (٣) ] .

وفي حديث العلائي أنه رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- رمى جمرة العقبة في بطن الوادي صهباء، لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك [ (٤) ] . قلت: «ولم يقف عند جمرة العقبة، ثم رجع إلى منى فخطب الناس خطبة بليغة» .

وروى الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن معاذ، عن رجل من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال: خطب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الناس بمنى وأنزلهم منازلهم، فقال: «لينزل المهاجرون هاهنا» وأشار إلى يمين القبلة، «والأنصار هاهنا» وأشار إلى ميسرة القبلة، «ثم لينزل الناس حولهم» ، وعلمهم مناسكهم، ففتحت أسماع أهل منى حتى سمعوه في منازلهم [ (٥) ] . قال ابن كثير: ولست أدري أكانت قبل ذهابه إلى البيت، أو بعد رجوعه منه إلى منى؟. قلت جزم- صاحب الهدي: «بأنها كانت قبل ذهابه إلى البيت، وكان عمرو بن خارجة تحت جران ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهي تقصع بجرّتها وإن لعابها ليسيل بين كتفيه قال الحافظ: قال بعض الشراح: إنه بلال، والصواب: أنه أبو بكرة- فقال- صلى الله عليه وسلم- وهو على ناقته العضباء بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «إلا أن الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، والسنّة حرم. ثلاث والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ألا أي، وفي رواية: ألا تدرون، وفي رواية: أتدرون أي يوم هذا؟» حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: «أليس هذا يوم النحر؟» قلنا: بلى، قال: «أي شهر هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس ذو الحجة؟» قلنا: بلى، قال: «فأي بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: «أليس البلدة؟» قلنا: بلى. قال وأحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه» ، ثم قال: «ألا هل بلغت؟» قلنا: نعم، قال: «اللهم فاشهد» . رواه الإمام أحمد والشيخان [ (١) ] .

٩/٤٧٦٩/٤٧٦

وروى الإمام أحمد، والبخاري، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: «خطب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم النحر، فقال: « قالوا يوم حرام، قال: فأيّ بلد هذا؟ قالوا بلد حرام، قال: فأيّ شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: «فإن دماءكم، وأموالكم هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا» . فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه [إلى السماء] فقال: «اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت؟» [ (٢) ] .

وروى الشيخان نحوه عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع: «ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا شهرنا هذا، قال: «ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا: بلدنا هذا، قال: «ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا: يومنا هذا، قال: «فإن الله تبارك وتعالى قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت ثلاثا؟» كل ذلك يجيبونه ألا نعم قال: « ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» [ (٣) ] .

ثم انصرف إلى النحر بمنى، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده بالحربة وكان ينحرها قائمة معقولة اليسرى وكان عدد هذا الذي نحره عدد سنين عمره- صلّى الله عليه وسلم- ثم أمسك وأمر عليا أن ينحر ما بقي من المائة، ثم أمره أن يتصدق بجلالها وجلودها ولحومها، في المساكين، وأمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئا منها، وقال: «نحن نعطيه من عندنا، وقال: من شاء اقتطع» . قلت: في حديث ابن جريج عن عن جابر ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها والله تعالى أعلم. قال ابن جريج: قلت من الذي أكل مع النبي- صلى الله عليه وسلم- وشرب من المرق؟ قال جعفر: أكل مع النبي- صلى الله عليه وسلم- وشرب من المرق.

٩/٤٧٧٩/٤٧٧

وقول أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نحر بيده سبع بدن قياما.

حمله أبو محمد- رحمه الله تعالى- على أنه- صلى الله عليه وسلم- لم ينحر بيده أكثر من سبع بدن كما قال أنس وأنه أمر من ينحر ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث وستين، ثم زال عن ذلك المكان، وأمر عليا فنحر ما بقي، أو أنه لم يشاهد إلا نحره- صلى الله عليه وسلّم- سبعا فقط بيده، وشاهد جابر تمام نحره- صلى الله عليه وسلّم- للباقي، فأخبر كل واحد منهما بما رأى وشاهد، وأنه- صلى الله عليه وسلّم- نحر بيده مفردا سبع بدن كما قال أنس ثم أخذ هو وعلي الحربة معا فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين كما قال عروة بن الحارث الكندي أنه شاهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يومئذ أخذ بأعلى الحربة، وأمر عليا فأخذ بأسفلها، ونحرا بها البدن، ثم انفرد علي بنحر الباقي من المائة كما قال جابر.

وحديث - رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قرب له بدنات خمس فلما وجبت جنوبها. تكلم بكلمة خفية لم أفهمها. فقلت: ما قال؟ قال من شاء اقتطع لا يلزم منه أنه نحر خمسا فقط، فإن المائة لم تقرب إليه جملة، وإنما كانت تقرب إليه أرسالا، فقرّب منها خمس بدنات رسلا، وكان ذلك الرّسل يبادرن ويتقربن إليه، لكي يبدأ بكل واحدة منهن. قلت: وضحى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن نسائه بالبقر [ (١) ] .

ونحر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بمنحره بمنى، وأعلمهم أن منى كلها منحر، وأن فجاج مكة طريق ومنحر وسئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يبنى له بناء بمنى يظلّه من الحرّ، فقال: لا منى مناخ لمن سبق إليه [ (٢) ] .

فلما أكمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نحره استدعى بالحلاق فحلق رأسه، فقال للحلاق- وهو بن نضلة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف- وحضر المسلمون يطلبون من شعره- وهو قائم على رأسه بالموسى، ونظر في وجهه وقال: « صلى الله عليه وسلم- من شحمة أذنه وفي يدك الموسى» ، قال معمر، الله أن ذلك من نعم الله علي ومنّه. قال للحلاق: «خذ» ، وأشار إلى جانبه الأيمن، فلما فرغ منه قسم شعره على من يليه، ثم أشار إلى الحلّاق، فحلق جانبه الأيسر، ثم قال: «هاهنا أبو طلحة» ، فدفعه إليه. قال ابن سعد: وحلق رأسه وأخذ من شاربه وعارضيه وقلم أظفاره وأمر بشعره وأظفاره أن تدفن [ (١) ] .

٩/٤٧٨٩/٤٧٨

وروى البخاري، عن ابن سيرين، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- طلحة أول من أخذ شعره، قال: وهذا لا يناقض رواية مسلم: لجواز أن يصيب أبا طلحة من الشق الأيمن مثل ما أصاب غيره، ويختص بالشق الآخر، لكن قد روى مسلم- أيضاً- من حديث أنس «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما رمى الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحلاق أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه ثم ناوله الشق الأيسر فقال: «احلق» فحلقه فأعطاه أبا طلحة فقال: «اقسمه بين الناس» .

ففي هذه الرواية، كما ترى أن نصيب أبي طلحة كان الشق الأيمن وفي الأولى أنه كان الأيسر وفي رواية أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أعطاه أم سليم ولا يعارض هذا دفعه لأبي طلحة لأنها امرأته، وفي لفظ: والشعرتين بين الناس، ثم قال: بالأيسر فصنع به مثل ذلك ثم قال: «ها هنا أبو طلحة» فدفعه إليه، وفي لفظ ثالث: دفع إلى أبي طلحة شعر شقّ رأسه الأيسر، ثم أظفاره وقسمها بين الناس.

وكلمه في ناصيته حين حلق فدفعها إليه فكان يجعلها في مقدم قلنسوته، فلا يلقى جمعا إلا فضّه.

وحلق أكثر أصحابه- صلى الله عليه وسلّم- وقصّر بعضهم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «اللهم اغفر للمحلقين» ، ثلاثا كل ذلك يقال: والمقصرين يا رسول الله، فقال: «والمقصرين في الرابعة» . قلت: قال ابن سعد: وأصاب الطيب بعد أن حلق، ولبس القميص، وحلّ الناس، وجاءه رجل فقال: أن انحر قال: «انحر ولا حرج» ، ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله إني أفضت قبل أن أنحر. قال: «احلق ولا حرج» ، فما سئل عن شيء يومئذ «افعل ولا حرج» [ (٢) ] .

وبعث السهمي، وقيل: كعب بن مالك ينادي في الناس، بمنى: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «إنها أيام أكل وشرب وذكر الله» [ (٣) ] . قلت: ونادى مناديه بمنى أنها أيام أكل وشرب وباءة ذكره ابن سعد [ (١) ] .

٩/٤٧٩٩/٤٧٩

فانتهى المسلمون عن صيامهم إلا محصورا بالحج أو متمتعا بالعمرة إلى الحج، فإن الرّخصة من رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أن يصوموا أيام منى، والله تعالى أعلم.

ثم أفاض- صلى الله عليه وسلم- إلى مكة قبل الظهر راكبا، (وأردف من منى إلى مكة) ، فطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة، وهو طواف الصدر، ولم يطف غيره، قال: هو الصواب.

في حديث الله- طواف يوم النّحر إلى الليل [ (٢) ] ، علقه البخاري، ورواه الأربعة. قلت: قال ابن كثير: والأشبه أن هذا الطواف كان قبل الزوال، ويحتمل أنه كان بعده.

فإن حمل هذا أنّه أخّر ذلك إلى ما بعد الزوال كأنه يقول: إلى العشي صح ذلك، وأما إن حمل على ما بعد الغروب فهو بعيد جدا، ومخالف لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من أنه- صلى الله عليه وسلّم- طاف يوم النحر نهارا، وشرب من سقاية زمزم، وأما الطواف بالليل، فهو طواف الوداع، ومن الرواة من يعبّر عنه بطواف الزيارة ثم أتى زمزم بعد أن قضى طوافه، وهم يسقون، فقال: «لولا أن يغلبكم الناس عليها يا ولد عبد المطلب لنزلت، فسقيت معكم» [ (٣) ] .

ويقال: إنه نزع دلوا لنفسه، ثم ناوله الدلو، قلت: ثم مجّ فيها فأفرغ على سقايتهم في زمزم.

وفي حديث ابن عباس عند البخاري أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فائت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بشراب من عندها، فقال: اسقني، فقالت: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: «اسقني (مما يشرب الناس) » ، فشرب منه، ثم أتى زمزم [ (٤) ] ، والله تعالى أعلم. قال: فشرب وهو قائم. قال: والأظهر أن ذلك كان للحاجة، وهل كان في طوافه هذا راكبا؟ أو ماشيا؟. وقد تقدم ما رواه مسلم وغيره، الله- صلى الله عليه وسلم- بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه، لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه.

٩/٤٨٠٩/٤٨٠

وروى الشيخان، عن ابن عباس قال: طاف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجنه. قال ابن القيم: وهذا الطواف ليس بطواف الوداع فإنه كان ليلا، وليس بطواف القدوم، لوجهين: أحدهما: أنه قد صح عنه. أن الرّمل في طواف القدوم. ولم يقل أحد قط رملت به راحلته وإنما قالوا رمل نفسه.

والثاني قول عمرو بن الشريد: أفضت عليه وسلّم- فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعا، وهذا ظاهره، انه من حين أفاض معه، ما مست قدماه الأرض إلى أن رجع، ولا ينقض هذا بركعتي الطواف، فإن شأنهما معلوم، قال: والظاهر أن عمرو بن الشريد إنما أراد الإفاضة معه من ، ولهذا قال: حتى أتى جمعا وهي مزدلفة، ولم يرد الإفاضة إلى البيت يوم النحر، ولا ينقض هذا بنزوله عند الشعب حين بال ثم ركب، لأنه ليس بنزول مستقر، وإنما مست قدماه الأرض مسّا عارضا.

ثم رجع- صلى الله عليه وسلم- إلى منى.

واختلف: أين صلى الظهر يومئذ؟ ففي الصحيحين عن ابن عمر: أنه- يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. وفي مسلم عن جابر أنه- صلى الله عليه وسلم- صلى الظهر بمكة، وكذلك قالت عائشة واختلف في ترجيح أحد القولين على الآخر.

ورجح أبو محمد بن حزم وغيره الثاني، ورجح ابن القيم الأول. وقال ابن كثير: فإن علمنا بها أمكن أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام صلى الظهر بمكة، ثم رجع إلى منى فوجد الناس ينتظرونه، فصلى بأصحابه بمنى أيضا.

وطافت عائشة في ذلك اليوم طوافا واحدا وسعت سعيا واحدا أجزأها عن حجها وعمرتها وقال في موضع آخر: يحتمل أنه رجع إلى منى، في آخر وقت الظهر، فصلى وطافت صفية ذلك اليوم. ثم حاضت، قال: فأجزأها طوافها ذلك عن طواف الوداع ولم تودع.

وكان رمي الجمار حين تزول الشمس قبل الصلاة، وكان إذا رمى الجمرتين علاهما ورمى جمرة العقبة من بطن الوادي.

وكان يقف عند الجمرة الأولى أكثر مما يقف عند الثانية، ولا يقف عند الثالثة، وإذا رماها انصرف، وكان إذا رمى الجمرتين وقف عندهما، ورفع يديه لا يقول ذلك في رمي العقبة فإذا رماها انصرف.

٩/٤٨١٩/٤٨١

ونهى أن يبيت أحد بليالي منى، ورخص للرعاة أن يبيتوا عند منى، من جاء منهم فرمى بالليل أرخص له في ذلك وقال: ارموا بمثل حصى الخذف [ (١) ] .

كان أزواجه يرمين مع الليل، ثم رجع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إلى منى من يومه ذلك فبات بها، فلما أصبح انتظر زوال الشمس، فلما زالت الشمس مشى من رحله إلى الجمار ولم يركب، فبدأ بالجمرة الأولى، التي تلي مسجد الخيف فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة، يقول مع كل حصاة: «الله أكبر»

ثم يقدم على الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة ثم رفع يديه ودعا دعاء طويلا بقدر سورة البقرة، ثم أتى- صلى الله عليه وسلّم- إلى الجمرة الوسطى فرماها كذلك، ثم انحدر ذات اليسار، مما يلي الوداع فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو قريبا من وقوفه الأول ثم أتى الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة، فاستبطن الوادي واستعرض الجمرة، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه فرماها بسبع حصيات كذلك، ولم يرمها من أعلاها كما يفعل الجهال، ولا جعلها عن يمينه، واستقبل البيت وقت الرمي كما ذكره غير واحد من الفقهاء.

فلما أكمل الرمي من فوره ولم يقف عندها، فقيل: لضيق المكان بالجبل، وقيل: وهو الأصح أن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمى جمرة العقبة فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها، وذكر ما يتعلق بالدعاء بعد الصلاة، وقد تقدم بما فيه. قال: والذي يغلب على الظن أنه كان يرمي قبل الصلاة، ثم يرجع فيصلي، لأن جابرا وغيره قالوا: كان يرمي إذا زالت الشمس فعقبوا زوال الشمس برميه وأيضا فإن وقت الزوال للرمي أيام منى، كطلوع الشمس لرمي يوم النحر.

وروى الترمذي، وابن ماجه، عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: عليه وسلّم- يرمي الجمار إذا زالت الشمس زاد ابن ماجة. قدر ما إذا فرغ من رميه- صلى الله عليه وسلّم- صلى الظهر [ (٢) ] .

وذكر الإمام أحمد: أنه- صلى الله عليه وسلم- كان يرمي يوم النحر راكبا، وأيام منى ماشيا، في ذهابه ورجوعه. قال ابن القيم: وقد تضمّنت حجّته- صلى الله عليه وسلّم- ست وقفات للدعاء في الموقف: الأول: على الصفا، والثاني: على المروة، والثالث: ، والرابع: بمزدلفة، والخامس: عند الجمرة الأولى، والسادس: عند الجمرة الثانية.

٩/٤٨٢٩/٤٨٢

وخطب- صلى الله عليه وسلّم- الناس بمنى خطبة عظيمة. قلت: قال ابن سعد: على راحلته القصواء.

قال عمرو بن خارجة وهي تقصع بجرتها، وإن لعابها ليسيل بين كتفيّ في وسط أيام التشريق. فقيل: هو ثاني يوم النحر، وهو أوسطها- أي خيارها- لما سيأتي. وهو الحادي عشر من ذي الحجة، وهو يوم الرؤوس سمي بذلك لأنهم كانوا يذبحون يوم النحر ثم يطبخون الرؤوس تلك الليلة فيبكّرون على أكلها، وكان عم أبي حرّة الرقاشي آخذ بزمام ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يذود عنه الناس.

وسببها أنه- صلى الله عليه وسلّم- أنزلت عليه سورة النصر في هذا اليوم، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت له، فوقف للناس بالعقبة، فاجتمع إليه الناس، وفي رواية: ما شاء الله من المسلمين، فحمد الله تعالى، ثم قال: «أما بعد أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، ألا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلّا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ألا هل بلّغت؟» قالوا: بلّغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: « أوعى من سامع» ، ثم قال: «أي شهر هذا؟» فسكتوا فقال: هذا شهر حرام، «أي بلد هذا؟» فسكتوا فقال: بلد حرام،: «أي يوم هذا؟» فسكتوا قال: يوم حرام، ثم قال: «إن الله تعالى قد حرّم دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، هذا، في يومكم هذا، إلى أن تلقوا ربكم، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، ثم قال: إنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم» ، ألا هل بلغت؟ قال: الناس نعم، قال: «اللهم اشهد، ألا وإن من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع وان كل دم في الجاهلية موضوع وأن أول دمائكم أضع دم إياس بن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد بن ليث فقتلته هذيل» ، ألا هل بلّغت؟ قالوا: نعم قال: «اللهم فاشهد فليبلغ الشاهد الغائب، ألا إن كل مسلم محرم على كل مسلم. ثم قال: اسمعوا مني تعيشوا ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا. ألا لا تظلموا إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» .

فقال عمرو بن يثربي يا رسول الله أرأيت إن لقيت غنم ابن عمي فأخذت شاة فاحترزتها، فقال: إن لقيتها تحمل شفرة وأزنادا بخبت الجميش فلا تهجها. ثم قال أيها الناس: يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ [التوبة/ ٣٧] ألا يوم خلق الله السماوات والأرض» ، ثم قرأ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة/ ٣٦] ثلاث متواليات: ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي يدعى شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان، والشهر تسعة وعشرون وثلاثون، ألا هل بلغت؟ قال الناس: نعم فقال: اللهم اشهد» . ثم قال: «أيها الناس. إن للنساء عليكم حقا، وإن لكم عليهن حقا، فعليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا، ولا يدخلن بيوتكم أحدا تكرهونه إلا بإذنكم، فإن فعلن فإن الله تعالى قد أذن لكم أن تهجروهن بالمضاجع، وأن تضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم، فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلّغت؟ قال الناس: نعم، قال: اللهم اشهد. ثم قال: أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه، فقد رضي به، إن المسلم أخو المسلم، إنما المسلمون إخوة، ولا يحل لامرئ مسلم دم أخيه ولا ماله إلا بطيب نفس منه، إنما يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، لا تظلموا أنفسكم، بعضكم رقاب بعض، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا كتاب الله تعالى، ألا هل بلّغت؟ قال الناس: نعم قال: اللهم اشهد.

٩/٤٨٣٩/٤٨٣

ثم انصرف إلى منزله وصلى الظهر والعصر يوم النّفر بالأبطح، قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها- إنما نزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالمحصب، لأنه كان أسمح لخروجه.

واستأذنه العباس عمه في المبيت سقايته، فأذن له، واستأذنه رعاء الإبل في البيتوتة خارج منى، فأرخص لهم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما، قال مالك: ظننت أنه قال: في أول يوم منهما، ثم يرمون يوم النفر قال ابن عيينة في هذا الحديث. رخص للرعاء أن يرموا يوما، ويتركوا يوما.

ولم يتعجل- صلى الله عليه وسلّم- في يومين، بل تأخر حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة، وأفاض- صلى الله عليه وسلّم- يوم الثلاثاء بعد الظهر، إلى المحصّب وهو الأبطح، وهو خيف بني كنانة فوجد، أبا رافع قد ضرب فيه هنالك، وكان على ثقله توفيقا من الله تعالى دون أن يأمره به رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقد رقدة ثم نهض إلى مكة فطاف للوداع ليلا سحرا، ولم يرمل في هذا الطواف.

٩/٤٨٤٩/٤٨٤

ثم خرج إلى أسفل مكة قلت: من المسجد من باب الحرورية وهو باب الخيّاطين. رواه الطبراني، عن ابن عمر.

وأخبرته صفية أنها حائض، فقال: «أحابستنا هي؟» فقيل إنها قد أفاضت، قال: «فلتنفر إذن» ، ورغبت إليه عائشة تلك الليلة أن يعمرها عمرة مفردة فأخبرها أن طوافها بالبيت وبالصفا والمروة قد أجزأ عن حجها وعمرتها فأبت إلا أن تعتمر عمرة منفردة فأمر أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم، ففرغت من عمرتها ليلا، ثم وافت المحصّب مع أخيها فأتيا في جوف الليل ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: فرغتما؟ قالت: نعم.

فنادى بالرحيل في أصحابه فارتحل الناس، ثم طاف بالبيت قبل صلاة الصبح، هذا لفظ البخاري عنها من طريق القاسم.

وفي الصحيح من طريق الأسود عنها قالت: الله عليه وسلم- ولا نرى إلا الحجّ فذكر الحديث.

يا رسول الله يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع أنا بحجة، فقال: « قدمنا مكة؟» ، قلت: لا: قال: «فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم، فأهلّي بعمرة، ثم موعدك مكان كذا وكذا» . قالت عائشة: فلقيني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منهبطة، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها.

وظاهر هذا أنهما تقابلا في الطريق، وفي الأول أنه انتظرها في منزله فلما جاءت نادى بالرحيل في أصحابه، وقولها تعني وهو مصعد من مكة، وأنا منهبطة عليها للعمرة، وهذا ينافي انتظاره لها في المحصّب، قال: فإن كان حديث الأسود محفوظا عنها فصوابه «لقيني رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأنا مصعدة من مكة وهو منهبط إليها فإنها طافت وقضت عمرتها ثم أصعدت لميعاده فوافته وهو قد أخذ في الهبوط إلى مكّة للوداع، فارتحل وأذن في الناس بالرحيل» ، ولا وجه لحديث الأسود غير هذا.

ويؤيد هذا ما رواه الشيخان عنها من طريق- قالت: حين قضى الله الحج ونفرنا من منّى، فنزلنا بالمحصّب بكر فقال: اخرج بأختك من الحرم ثم افرغا من طوافها، ثمّ ائتياني بها بالمحصب، قالت: فقضى الله العمرة وفرغنا من طوافنا من جوف الليل، وأتيناه بالمحصب وقال: «فرغتما؟» قلنا: نعم فأذّن في الناس بالرحيل. قلت: أتى سعد بن أبي وقاص بعد حجه يعوده من وجع أصابه، فقال: يا رسول الله بي ما ترى من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة فأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت فالشطر؟، قال: لا. قال: « تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس، بها وجه الله تعالى إلا أجرت بها حتى ما تجعله في في امرأتك» ، فقال: يا رسول الله: أخلّف بعد أصحابي؟ فقال: «إنك لن تخلّف، فتعمل عملا صالحا إلا تزداد خيرا حتى ينتفع بك أقوام، ويضرّ بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم» ، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أن مات بمكة وخلّف على سعد بن أبي وقاص رجلا وقال: إن مات بمكة فلا تدفنه بها يكره أن يموت الرجل في الأرض التي هاجر منها.

٩/٤٨٥٩/٤٨٥

ثم سار- صلى الله عليه وسلّم- راجعا إلى المدينة فلما كان بالروحاء لقي ركبا فسلم عليهم فقال: «من القوم؟» فقالوا المسلمون فمن القوم؟ فقال: «رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-» فرفعت امرأة صبيا لها من محفة حج؟ قال: نعم. ولك أجر؟. فلما أتى ذا الحليفة بات بها حتى أصبح، وصلى في بطن الوادي. قلت: ورأى وهو قيل له إنك ببطحاء مباركة.

فلما رأى المدينة كبر ثلاث مرات وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، حامدون، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» .

وكان إذا قفل من حج أو عمرة أو غزوة فأوفى على ثنية أو فدفد كبر ثلاثا وقال: « لا شريك له، له الملك وله الحمد (يحيي ويميت) ، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، آئبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» [ (١) ] .

« وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد، اللهم بلّغنا بك بلاغا صالحا يبلّغ إلى الخير بمغفرة منك ورضوان» .

ولما نزل المعرّس نهى أن يطرقوا النساء ليلا، فطرق رجلان أهليهما فكلاهما وجد ما يكره، وأناخ بالبطحاء، وكان إذا خرج إلى الحج سلك على الشجرة، وإذا رجع من مكة دخل المدينة من معرّس الأبطح وكان في معرّسه في بطن الوادي، وكان فيه عامة الليل.

الباب الرابع في تنبيهات وفوائد تتعلق بحجة الوداع

٩/٤٨٦٩/٤٨٦

الأول: «لم يصح أنه- صلى الله عليه وسلم- دخل البيت في حجة الوداع» .

الثاني: أنه- صلى الله عليه وسلم- صلى صبيحة ليلة الوداع بمكة.

لما رواه الشيخان، عن أم سلمة، قالت: شكوت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إني اشتكي، فقال: «إذا أقمت والناس يصلون» ففعلت ذلك، فلم تصل حتى خرجت، وفي رواية: «فطوفي » ، قالت: عليه وسلم- يقرأ وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ. قال ابن القيم: وهذا محال قطعا أن يكون يوم النحر، فهو طواف الوداع بلا شك، فظهر أنه- صلى الله عليه وسلم- صلى الصبح يومئذ عند البيت وسمعته أم سلمة يقرأ بالطّور فيها.

الثالث: صح أنه- صلى الله عليه وسلم- وقف بالملتزم في غزوة الفتح، كما رواه أبو داود، عن عبد الرحمن بن أبي صفوان، روى أبو داود أيضا، عن ابن عباس: أنه قام بين الركن والباب، فوضع صدره وجبهته وذراعيه، وكفيه هكذا وبسطهما بسطا، وقال: هكذا إذ رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يفعله، فهذا يحتمل أن يكون وقت الوداع، وأن يكون غيره.

فصل: في ترجيح قول من رأى أنه- صلى الله عليه وسلم- كان قارنا: وذلك من وجوه، كما قال في زاد الميعاد.

الأول: أنّهم أكثر.

الثاني: أن طريق الاخبار بذلك تنوعت.

الثالث: أن فيهم من أخبر عن سماعه لفظه- صلى الله عليه وسلّم- صريحا، وفيهم من أخبر عن نفسه بأنه فعل ذلك، ومنهم من أخبر عن أمر ربه بذلك، ولم يجئ شيء من ذلك في الإفراد.

الرابع: تصديق روايات من روي أنه اعتمر أربع، وأوضح ذلك ابن كثير بأنهم اتفقوا على أنه- صلى الله عليه وسلم- اعتمر عام حجة الوداع، فلم يتحلل بين النسكين، ولا أنشأ إحراما آخر للحج، ولا اعتمر بعد الحج فلزم القران، قال: وهذا مما يفسر الجواب عنه انتهى.

الخامس: أنها صريحة لا تحتمل التأويل بخلاف روايات الإفراد، كما سيأتي.

السادس: أنها متضمنة زيادة سكت عنها من روى الإفراد، أو نفاها، والذاكر والزائد مقدم على الساكت، والمثبت مقدم على النافي.

السابع: روى الإفراد أربعة: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن عباس، وغيرهم رووا القران، فإن صرنا إلى تساقط رواياتهم سلمت رواية من عداهم للقران عن معارض، وإن صرنا إلى الترجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرواية عنه ولا اختلف كعمر بن الخطاب، وأنس، والبراء وعمران بن حصين، وأبي طلحة، وسراقة بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن أبي أوفى، وهرماس بن زياد.

٩/٤٨٧٩/٤٨٧

الثامن: أنّه النسك الذي أمر به من ربه، كما تقدم فلم يكن ليعدل عنه.

التاسع: أنه النسك الذي أمر به كل من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي ثم يسوق هو الهدي ويخالفه.

العاشر: أنه النسك الذي أمر به له ولأهل بيته، واختاره لهم، ولم يكن يختار لهم إلا ما اختار لنفسه.

قوله: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» ، يقتضي أنها صارت جزءا منه أو كالجزء الداخل فيه بحيث لا يفصل بينه وبينه، وإنما يكون كالداخل في الشيء معه.

الثاني عشر: قول عمر: للصّبيّ بن معبد- وقد أهلّ بحج وعمرة- فأنكر عليه زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة فقال له عمر: هديت لسنّة نبيك- صلى الله عليه وسلّم- وهذا يوافق رواية عمر أنه الوحي جاء من الله بالإهلال بهما جميعا، فدل على أن القران سنة التي فعلها وامتثل أمر الله تعالى بها. قال ابن كثير: والجمع بين رواية من روي أنه أفرد الحج وبين رواية من روى القران، أنه أفرد أفعال الحج ودخلت فيه العمرة نيّة وفعلا وقولا، واكتفى بطواف الحج وسعيه عنه وعنها، كما في مذهب الجمهور في القران خلافا لأبي حنيفة.

وأما من روى التمتع وصح عنه: أنه روى القران، فالتمتّع في كلام السلف أعم من التمتع الخاص والأوائل يطلقونه على الاعتمار في أشهر الحج وإن لم يكن معه حج، قال سعد بن أبي وقاص تمتعنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وإنما يريد بهذا إحدى العمرتين المتقدمتين: إمّا ، وإمّا القضاء، فأما عمرة الجعرانة، فقد كان معاوية قد أسلم- فإنها كانت بعد الفتح، وحجة الوداع بعد ذلك سنة عشر. قلت: وأما الحديث ابن عمر وعائشة السابقان فقد رويا التمتع فهو مشكل على الأقوال، أما قول الإفراد ففي هذا إثبات عمرة إما قبل الحج أو معه، وإما على قول التمتع الخاص فإنه ذكر أنه لم يحل من إحرامه بعد ما طاف بالصفا والمروة، وليس هذا شأن المتمتع، ومن زعم أنه إنما منعه من التحلل سوق الهدي، كما قد يفهم من حديث ابن عمر.

٩/٤٨٨٩/٤٨٨

التنبيه الرابع: وهم من قال إنه خرج يوم الجمعة بعد الصلاة، والذي حمله على هذا الوهم القبيح قوله في الحديث خرج لست بقين فظن أن هذا لا يمكن أن يكون الخروج يوم الجمعة إذ تمام الست يوم الأربعاء والأول الحجة كان الخميس بلا تردد، وهذا خطأ فاحش، فإنه من المعلوم الذي لا ريب فيه إنه صلى الظهر يوم خروجه من المدينة أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين.

الخامس: أنه حل بعد طوافه وسعيه.

السادس: أنه دخل مكة يوم الثلاثاء وصوابه: يوم الأحد، صبح رابعة من ذي الحجة.

السابع: أنه- صلى الله عليه وسلّم- قصر عنه بمقص في حجته.

الثامن: أنه كان يقبل الركن اليماني في طوافه وإنما ذلك الحجر الأسود كما تقدم بيانه.

التاسع: أنه رمل في سعيه ثلاثة أشواط، ومشى أربعة، وأعجب من صاحب هذا الوهم حكاية الاتفاق على هذا القول الذي لم يقله أحد سواه.

العاشر: أنه طاف بين الصّفا والمروة أربعة عشر شوطا، فكان ذهابه وسعيه مرة واحدة وهذا باطل لم يقله غير قائله.

الحادي عشر: أنه- صلى الله عليه وسلم- صلى الصبح يوم النحر قبل الوقت.

الثاني عشر: أنه صلى الظهر يوم ، والمغرب والعشاء تلك الليلة بأذانين وإقامتين.

الثالث عشر: أنه صلاهما بلا أذان أصلا.

الرابع عشر: أنه جمع بينهما بإقامة واحدة، والصحيح أنه صلاهما بأذان واحد وإقامة لكل صلاة والله أعلم.

الخامس عشر: أنه خطب خطبتين، جلس بينهما ثم أذن المؤذن فلما فرغ أخذ في الخطبة الثانية فلما فرغ أقام الصلاة، وهذا لم يجيء في شيء من الأحاديث البتّة، وحديث جابر صريح في أنه لما أكمل خطبته أذن بلال وأقام الصلاة فصلى الظهر بعد الخطبة.

السادس عشر: أنه لما صعد أذن المؤذن فلما فرغ قام فخطب، وصوابه أنّ الأذان كان بعد الخطبة.

السابع عشر: قدّم أمّ سلمة ليلة النحر، وأمرها أن توافيه صلاة الصبح بمكة.

الثامن عشر: أنه أخر طواف الزيارة يوم النحر إلى الليل والصواب أن الذي أخره إلى الليل طواف الوداع.

٩/٤٨٩٩/٤٨٩

التاسع عشر: أنه أفاض مرتين: مرة بالنهار، ومرة مع نسائه ليلا، وهذا غلط، والصحيح عن عائشة خلاف هذا أنه أفاض نهارا إفاضة واحدة.

العشرون: أنه طاف للقدوم يوم النحر، ثم طاف للزيارة بعده.

الحادي والعشرون: أنه سعى يومئذ مع هذا الطواف أعني طواف القدوم، ويردّه قول عائشة وجابر أنه لم يسع إلا سعيا واحدا.

الثاني والعشرون: أنه- صلى الله عليه وسلم- صلى الظهر يوم النحر بمكة، والصحيح أنه صلاها بمنى.

الثالث والعشرون: أنه لم يسرع في وادي محسّر حين أفاض من جمع إلى منى وإنما ذلك هو فعل الأعراب.

الرابع والعشرون: أنه كان يفيض كل ليلة من ليالي منى إلى البيت.

الخامس والعشرون: أنه ودع مرتين.

السادس والعشرون: أنه جعل مكة دائرة في دخوله وخروجه فبات بذي طوى ثم دخل من أعلاها، ثم خرج من أسفلها ثم رجع إلى المحصب عن يمين مكة فكملت الدائرة.

السابع والعشرون: أنه انتقل من المحصب إلى ظهر العقبة، وقد نبه ابن القيم على هذه الأوهام مفصلة مع بيان ردّ كل فليراجعه من أراده.

تنبيهات في بيان غريب ما سبق، وحجة الوداع

قال النووي: المعروف في الرواية: حجة الوداع- بفتح الحاء، وقال الهروي وغيره من أهل اللغة: المسموع من العرب في واحدة الحج حجة بكسر الحاء، قالوا: والقياس فتحها لكونها اسما لمرة واحدة، وليست عبارة عن الهيئة حين تكسر، قالوا: فيجوز الكسر بالسماع، والفتح بالقياس، وسميت بذلك، لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- ودّع الناس فيها وعلمهم في خطبه فيها أمر دينهم، وأوصاهم بتبليغ الشرع إلى من غاب.

الجدري- بجيم مضمومة، فدال مهملة مفتوحة، فراء: قروح في البدن تسقط وتقيح.

الحصبّة- بحاء مهملة، وصاد ساكنة وتحرك مهملتين، وموحدة: بثر يخرج بالجسد.

طريق الشجرة [ (١) ] ...

القطيفة بقاف مفتوحة، فطاء مهملة مكسورة، فتحتية ففاء فتاء تأنيث: كساء له خمل.

٩/٤٩٠٩/٤٩٠

وادي العقيق- بعين مهملة فقافين أولاهما مكسورة بينهما تحتية: واد من أودية المدينة، وهو الذي ذكر في الحديث: أنه واد مبارك.

ذو الحليفة بحاء مهملة مضمومة، فلام مفتوحة، فتحتية ساكنة، ففاء، فتاء تأنيث.

الهوادج- جمع هودج: مركب للنساء معروف.

الهدي- بهاء مفتوحة، فدال مهملة ساكنة، فتحتية تخفف وتشدّد: ما يهدى من الأنعام إلى البيت الحرام.

الإشعار- بهمزة مكسورة، فشين معجمة ساكنة، فعين مهملة مفتوحة، فألف، فراء: شقّ سنام البدنة حتى يسيل دمها.

ناجية- بنون، فألف، فجيم مكسورة فتحتية.

جندب بجيم مضمومة، فنون ساكنة فدال مهملة.

الخطمي- بخاء معجمة.

الإشنان- بهمزة مكسورة فشين معجمة ساكنة فنونين بينهما ألف.

المقتت- بميم مضمومة فقاف مفتوحة فمثناتين فوقيتين. طبخ فيه الرياحين أو خلط بأدهان طيبة.

الذّريرة: طيب وقد تقدم.

المسك بميم مكسورة، فسين مهملة ساكنة، فكاف نوع من الطيب معروف.

الوبيص- بواو مفتوحة، فموحدة مكسورة، فتحتية ساكنة فصاد مهملة: البريق.

المفرق كمقعد الذي يفرق به الشعر.

الأردية- بهمزة مفتوحة فراء ساكنة، فدال مهملة مكسورة فتحتية فتاء تأنيث جمع رداء وهو الثوب أو البرد الذي يضعه الإنسان فوق عاتقه وبين كتفيه فوق ثيابه.

المزعفرة: المصبوغة بالزعفران وهو معروف.

تردع بفوقية مفتوحة فراء ساكنة فدال مفتوحة فعين مهملتين: تنفض ردعها وهو الطبخ الذي لم يعم.

السراويلات جمع سراويل، والجمهور على أنها مفردة أعجمية معربة.

الورس: بفتح الواو، وسكون الراء: نبت أصفر يكون باليمن يصبغ به.

القفاز: بقاف مضمومة ففاء فألف فزاي: شيء يعمل لليدين يحشى بقطن، ويكون له أزرار تزر على الساعدين من البرد.

٩/٤٩١٩/٤٩١

استثفري- بهمزة مكسورة، فسين مهملة ساكنة فمثناة فوقية فمثلثة ففاء فراء أمرها أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنا، وتوثق طرفيها بشيء تشده في وسطها، فيمنع بذلك سيل الدم، وهو مأخوذ من ثفر الدابة التي تجعل تحت ذنبها.

البيداء: بموحدة مفتوحة، فتحتية ساكنة، فدال مهملة فألف: المفازة التي لا شيء فيها.

الراحلة- براء، فألف فحاء مهملة، فلام، فتاء تأنيث.. من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيه للمبالغة، وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة، وتمام الخلق، وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل .

الإهلال- بهمزة مكسورة، فهاء ساكنة، فلامين بينهما ألف: رفع الصوت بالتلبية.

المشقص- بميم مكسورة، فشين معجمة ساكنة، فقاف، فصاد مهملة: نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض.

لبّيك من لبّ بالمكان إذا أقام به، ومعناه: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، وهي تثنية لبّى، وأصله لبين حذفت نونه للإضافة.

أن الحمد- بهمزة تفتح وتكسر الخطا، رواية العامة بالفتح وقال ثعلب: الاختيار الكثير، لأن المعنى: أن الحمد لك على كل حال. ومعنى الفتح لبّيك بهذا السبب، فمن كسر عمّ، ومن فتح خصّ.

العجّ- بفتح المهملة، والجيم: رفع الصوت.

والثّج- بثاء مثلثة مفتوحة، فجيم: سيلان دم الهدي.

الرّوحاء- براء مفتوحة، فواو ساكنة، فحاء مهملة، فألف، وبالمدّ: موضع بين الحرمين على ثلاثة، أو أربعة أميال من المدينة.

الأثاية- بهمزة مضمومة، فمثلثة، فألف، فتحتية، فتاء تأنيث، الموضع المعروف بطريق الجحفة إلى مكة.

الرّويثة- براء مهملة مضمومة، فواو مفتوحة، فتحتية ساكنة، فمثلثة، فتاء تأنيث، وبالتصغير: موضع بين الحرمين.

العرج- بمهملة، فراء مفتوحتين فجيم: مدينة باليمن.

الحاقف- بحاء مهملة، فألف، فقاف، ففاء: نائم قد انحنى في نومه.

الزّمالة- بزاي مكسورة، فميم، فألف، فلام، فتاء تأنيث: المركوب أي كان لمركوبها وأداتهما وما كان معهما في السفر واحدا.