وفاته ﷺ
ابن ثلاث وستين، سنة ١١، وعمره ﷺ ٦٣
وفاته
توفي المصنف رحمه الله سنة ٩٤٢ هـ أسكنه الله تعالى فسيح جناته اللهم آمين ولله الأمر من قبل ومن بعد.
الثالث: في وفاته وتاريخه وصلاته عليه، وحزنه عليه.
مات سنة عشر، جزم به الواقدي، وقال: يوم الثلاثاء لعشر خلون من شهر ربيع الأول. وقالت عائشة: عاش ثمانية عشر شهراً رواه الإمام أحمد، وفي صحيح البخاري أنه عاش سبعة عشر شهراً أو ثمانية عشر شهراً على الشك. وقال محمد بن المؤمل: بلغ سبعة عشر شهراً أو ثمانية أيام.
وروى ابن سعد عن مكحول وابن سعد عن عطاء وابن سعد عن عبد الرحمن بن عوف وابن سعد عن بكير بن عبد الله بن الأشج وابن سعد عن قتادة وابن سعد عن أنس- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلقا به إلى النخل الذي فيه إبراهيم- عليه السلام-، فدخل وإبراهيم يجود بنفسه فوضعه في حجرة، فلما (مات) [ (١) ] زرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عبد الرحمن بن عوف: تبكي يا رسول الله؟ أو لم تنه عن البكاء؟ قال: «إنما نهيت عن النوح وعن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لهو، ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجه، وشق جيب، ورنة شيطان» .
وفي رواية: «إنما نهيت عن النياحة، وأن يندب الميت بما ليس فيه» ، ثم قال: «وإنما هذه رحمة ومن لا يرحم لا يرحم بإبراهيم لولا أنه حق ووعد صادق، ويوم جامع» .
وفي لفظ: «لولا أنه أجل معدود، ووقت معلوم، ووعد صادق، وأنها سبيل مأتية وإن أخرانا ستلحق أولانا لحزنا عليك حزنا أشد من هذا وإن بك يا إبراهيم لمحزونون تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب» .
وفي رواية فلقد رأيته يكيد بنفسه، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، والله يا إبراهيم، إنا بك لمحزونون» .
وروى مسلم وأبو داود وابن مسعد والإمام أحمد وعبد بن حميد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- والطبراني عن أبي أمامة- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الله تعالى والله إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون» .
وروى ابن ماجه والطبراني في «الكبير» وابن عساكر عن أسماء بنت يزيد- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب ولولا أنه وعد صادق، وموعود جامع، وأن الآخر منا يتبع الأول لوجدنا عليك يا إبراهيم، وجدا أشد من هذا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» .
وروى ابن سعد عن بكير بن عبد الله بن الأشج- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى على ابنه إبراهيم فصرخ أسامة بن زيد فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: رأيتك تبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البكاء من الرحمة والصراخ من الشيطان» .
وروى ابن سعد عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فانطلق بي إلى النخل الذي فيه إبراهيم فوضعه في حجره، وهو يجود بنفسه، فذرفت عيناه فقلت له: أتبكي يا رسول الله، أو لم تنه عن البكاء؟ قال: «إنما نهيت عن النوح عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان» ، قال: قال عبد الله بن نمير في حديثه: «إنما هذا رحمة ومن لا يرحم لا يرحم، يا إبراهيم، لولا أنه أمر حق، ووعد صادق، وأنها سبيل مأتية، وإن أخرانا ستلحق أولانا لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون تدمع العين، ويحزن القلب، ولا تقول ما يسخط الرب- عز وجل-.
وروى ابن ماجة والحكيم والترمذي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- لمّا قبض إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تدرجوه في أكفانه، حتى أنظر إليه» فأتاه فانكب عليه وبكى.
واختلف: هل صلى عليه أم لا؟.
وروى الإمام أحمد وابن سعد من طريق جابر الجعفي وهو ضعيف عن البراء والبيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه، وابن ماجة بسند ضعيف عن ابن عباس وابن سعد وأبو يعلى عن أنس وأبو داود والبيهقي مرسلا عن عطاء بن أبي رياح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على ابنه سيدنا إبراهيم زاد البيهقي في المقاعد: وهو موضع الجنائز، زاد أنس: وكبر عليه أربعا، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضا.
وروى ابن سعد عن عطاء وابن سعد عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على شفير قبر ابنه فرأى فرجة في اللحد، فناول الحفار مدرة وقال: «إنها لا تضر ولا تنفع ولكنها تقر عين الحي» ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي بإصبعه، ويقول: «إذا عمل أحدكم عملا فليتقنه، فإنه مما يسلي بنفس المصاب» . قال الزبير بن بكار: ولما دفن قبل علي قبره وأعلى بصلاته، وهو أول قبر رش.
وروى ابن سعد عن رجل من آل علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دفن سيدنا إبراهيم، قال: هل من أحد يأتي بقربة فأتى رجل من الأنصار بقربة ماء، فقال: رشها على قبر إبراهيم، وقال: وقبر إبراهيم قريب من الطريق، وأشار إلى قريب من دار عقيل.
التاسع: في وفاته - رضي الله تعالى عنه - ودعائه صلى الله عليه وسلم لأهله
روى أبو القاسم البغوي وأبو عمر عن عبد الله بن الزبير قال: «حدثني- أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة قال: شهدت مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه- رضي الله تعالى عنهم- فرأيت جعفر حين التحم القتال، اقتحم على فرس له أشقر ثم عقره، وقاتل القوم حتى قتل، وكان أول من عقر في الإسلام» .
وروى البخاري وابن حبان عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل فعبد الله بن رواحة» . قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين طعنة ورمية.
استشهد هو وزيد في جمادي سنة ثمان من الهجرة وروى الواقدي وابن سعد وابن عساكر عن عبد الله بن جعفر وابن سعد عن عامر والطبراني في الكبير وابن عساكر عن ابن عباس وأبو داود الطيالسي وابن سعد والإمام أحمد والطبراني في الكبير والحاكم وابن عساكر عن عبد الله بن جعفر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إن جعفرا قد قدم إلى أحسن الثواب فأخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته» وفي لفظ: «أخلف جعفرا في ولده» وفي لفظ: «وبارك لعبد الله في صفقة يمينه» - ثلاث مرات.
وروى ابن إسحاق عن أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- أن جعفرا وأصحابه قدموا من أرض الحبشة بعد فتح خيبر فقسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر.
وروى الطيالسي والإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجه والطبراني في الكبير، والحاكم والبيهقي والضياء عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر- رضي الله تعالى عنه- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنه قد أتاهم ما يشغلهم» .
وروى ابن ماجه عن أم عيسى الجزار عن أم عون ابنة جعفر عن جدتها أسماء بنت عميس- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن آل جعفر قد شغلوا بشأن ميتهم، فاصنعوا لهم طعاما» .
وروى الطبراني برجال الصحيح- مرسلا- عن الشعبي- رحمه الله تعالى- قال: قتل جعفر- رضي الله تعالى عنه- يوم مؤتة بالبلقاء.
الثالث في وفاته - رضي الله تعالى عنه -
توفي بناحية الأردنّ في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة من الهجرة، وذلك في خلافة عمر بن الخطاب.
الثالث: في وفاته - رضي الله تعالى عنه -
قال خليفة بن خياط: توفي سنة ثمان وخمسين بالمدينة، وقيل: بالشام، وقيل: باليمن والله أعلم، وعمره بضع وثمانون سنة.
الخامس: في وفاته
سافر- رضي الله تعالى عنه- إلى خراسان مع سهيل بن عثمان وكان معاوية ولى سعدا خراسان فقال له سعيد في بعض غزواته: يا ابن عم أضرب لك بمائة سهم، فقال: يكفني سهم واحد لي، وسهمان لفرسي أسوة بالمسلمين، ومات بسمرقند ويقال: استشهد بها ولا عقب له.
السابع عشر: في وفاته - رضي الله تعالى عنه - توفي بالطائف.
روى الطبراني برجال الصحيح عن سعيد بن جبير- رحمه الله تعالى- قال: مات ابن عباس- رحمه الله- ورضي الله عنه بالطائف، وشهدنا جنازته فجاء طائر لم يرى على خلقه، حتى دخل في نعشه ثم لم يرى خارجا منه، فلما دفن تليت هذه الآية على القبر يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر/ ٢٧، ٣٠] .
وروى أيضا عن عبد الله بن ياسين عن أبيه نحو إلا أنه قال: جاء طائر أبيض يقال له: الغرنوف قال يحيى بن بكير- رحمه الله تعالى-: توفى عبد الله بن عباس سنة ثمان وستين وهو ابن إحدى أو اثنتين وسبعين سنة، وكان يصفر لحيته.
الخامس: في وفاته - رضي الله تعالى عنه -
توفي بالمدينة سنة عشرين، ودفن في دار عقيل بن أبي طالب، قاله أبو عمر: وقال ابن قتيبة: دفن بينبع، وقيل: توفّي في سنة خمس عشرة، وكان- رضي الله تعالى عنه- هو الذي حفر قبر نفسه قبل أن يموت بثلاثة أيام، وسبب موته أنه كان في رأسه ثؤلول فحلقه الحلّاق، فقطعه، فلم يزل مريضا حتى مات بعد مقدمه من الحج، روي عنه أنه قال لما حضرته الوفاة: «لا تبكوا عليّ فإنّي لم أتنطّف بخطيئة منذ أسلمت» .
الرابع: في وفاته - رضي الله تعالى عنه
[توفي نوفل بن الحارث بعد أن استخلف عمر بن الخطاب بسنة وثلاثة أشهر فصلى عليه ثم تبعه إلى البقيع حتى دفن هناك] .
السابع: في مرضه ووفاته وذكر بعض ما رثي به
روى الحاكم عن الشّعبيّ قال: ماذا يتوقع من هذه الدنيا الدنية وقد سم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وسم أبو بكر [ (٢) ] .
وروى الواقديّ والحاكم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان أول بدء مرض أبي بكر أنّه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة فكان يوما باردا فحمّ خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة، وتوفى ليلة الثّلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنة، وكان يأمر عمر بالصّلاة.
وروى ابن سعد وابن أبي الدنيا عن أبي السفر قال: لمّا دخلوا على أبي بكر في مرضه، فقالوا: يا خليفة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟، قال: قد نظر إليّ، فقالوا: ما قال لك؟ قال: إنّي فعّال لما أريد [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أن أبا بكر، لما حضرته الوفاة، قال: أيّ يوم هذا؟ قالوا: يوم الاثنين، قال: فإن متّ في ليلتي هذه فلا تنتظروا بي الغد، فإنّ أحبّ الأيّام إليّ أقربها من رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-.
وروى الإمام أحمد وابن جرير عن عبد الله بن اليمن مولى الزبير بن العوام، قال: لما حضر أبو بكر تمثّلت عائشة- رضي الله تعالى عنها- بهذا البيت: أعوذك ما بقي العذار عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر ورواه ابن سعد وغيره عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما ثقل أبو بكر تمثلت بهذا البيت: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر وروى أبو يعلى برجال الصحيح عنها- رضي الله تعالى عنها- قالت: دخلت على أبي بكر فرأيت به وهو في الموت وفي لفظ: «فرأيت به الموت» ، فقلت: هيج هيج من لا يزال دمعه مقنعا ... فإنه في مرة مدفوق فقال: لا تقولي هذا، ولكن قولي: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق ١٩] . ثم قال: في أي يوْم تُوُفِّي رسوُلُ الله- صلى الله عليه وسلّم-. قلت: يوم الاثْنين، قال: أرجو فيما بيني وبين اللّيل، فمات ليلة الثّلاثاء، ودفن قبل أن يصبح [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد عنها أنها تمثّلت بهذا البيت وأبو بكر يقضي. وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل فقال: ذاك رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وروى ابن عساكر في تاريخه بسنده عن الأصمعي قال خفاف بن ندبة السلمي يبكي أبا بكر- رضي الله تعالى عنه-: ليس لحي فاعلمنه بقا ... وكلّ دنيا أمرها للفنا والملك في الأقوام مستودع ... عارية فالشّرط فيه الأدا والمرء يسعى وله راصد ... تندبه العين ونار الصّدا يهرم أو يقتل أو يقهره ... يشكوه سقم ليس فيه شفا أن أبا بكر هو الغيث إن ... لم تزرع الجوزاء بقلا بما تالله لا يدرك أيامه ... ذو مئزر ناش ولا ذو ردا من يسع كي يدرك أيامه ... مجتهدا شذّ بأرض فضا ومن مناقبه أنه قال لعائشة- رضي الله تعالى عنها- في مرضه: أنا مذ وليت أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما ولكنا أكلنا خبز الشعير طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشيّ وهذا البعير النّاضح وهذه القطيفة، فإذا متّ فابعثي بها إلى عمر، قالت عائشة: فقلت، فلما جاء الرّسول إلى عمر بكى، وجعلت دموعه تسيل، ويقول: رحم الله أبا بكر مرّتين، لقد أتعب من بعده. ومن مناقبه ما كان من إنقاذ جيش أسامة، ومخالفته الكافّة في ترك إبعاده وقوله: كأن أخر من السماء فتخطفني الطير، وتنهشني السّباع أحب إلي أن أكون حالا لعقد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يقول عند موته: أنقذوا جيش أسامة.
ومنها قتالة أهل الرّدّة، وخروجه بنفسه. قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي: وقبل عمر رأيه- رضي الله تعالى عنهما- في قتال أهل الردة.
ومنها عهده إلى عمر- رضي الله تعالى عنهما- لما حضرته الوفاة، وقوله له: اتق الله، يا عمر! واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدّى لها فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الحقّ في دار الدّنيا، وثقله عليهم وحقّ لميزان يوضع فيه الحقّ أن يكون ثقيلا، وإنّما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الباطل، وحقّ الميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا، وأن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم فإذا ذكرتهم قلت: إني أخاف أن لا ألحق بهم، وأن الله تعالى ذكر أهل النّار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، وردّ عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم، قلت: إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء ليكن العبد راغبا وراهبا، ولا يتمنّى على الله، ولا يقنط من رحمته، فإن أنت حفظت وصيّتي فلا تكن الدّنيا أحب إليك من الموت.
الخامس: في وفاته، وأنه قتل فهو شهيد.
وقد روى البخاري عن حفصة قالت: قال عمر- رضي الله تعالى عنه-: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، وميتة في بلد رسولك- صلى الله عليه وسلم- وذكر قاتله كما ختم الله له بالشّهادة حين طعنه العلج أبو لؤلؤة فيروز، غلام للمغيرة بن شعبة، وهو كامن له في زوايا المسجد، وعمر قام يصلّي في صلاة الصّبح عند إحرامه، بسكين مسمومة ذات طرفين في كتفه وخاصرته، قال: الحمد لله الذّي لم يجعل ميتتي على يد أحد يدّعي الإسلام. وطعن معه ثلاثة عشر رجلا فمات سبعة وعاش الباقون، فطرح عليه برنس، فلما أحسّ أنّه مقتول قتل نفسه وفي رواية «فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبا فلما اعتم قتل نفسه وشرب عمر لبنا فخرج من جوفه فعلم أنّه ميّت فأشاروا عليه بالوصيّة فجعل الخلافة شورى بين عليّ، وطلحة والزّبير، وسعد، وعبد الرّحمن، وعثمان بن عفان وقال: لا أعلم أحدا أحق من هؤلاء الذين توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهو عنهم راض، وقال: يؤمّر المسلمون أحد هؤلاء لا أعلم أحدا أحق من هؤلاء الستة وحسب الدين الذي كان عليه فوجده ستّة وثمانين ألفا أو نحوه، فقال لابنه عبد الله: إن وفّى ما لي دين عمر، فأدّوه منه، وإلا فسل من بني عدي، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، ثم بعث ابنه عبد الله إلى عائشة- رضي الله تعالى عنها- فقال: قل: يقرأ عمر عليك السّلام ولا تقل: أمير المؤمنين. فلست اليوم أميرهم، وقل: ليستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فجاء وسلّم واستأذن فدخل فوجدها تبكي، فقال لها: فقالت: كنت أراه لنفسي ولأوثرنّه اليوم على نفسي، فلمّا أقبل عبد الله من عندها، قيل لعمر: هذا عبد الله، قال: ارفعوني فأسنده رجل، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحبّ، قال: قد أذنت، قال: الحمد لله ما كان شيء أهمّ إليّ من ذلك. فإذا أنا قبضت فاحملوني ثم سلّم وقل: يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردّتني ردّوني إلى مقابر المسلمين، وأوصاهم أن يقتصدوا في كفنه ولا يتعالوا وطعن يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وغسّله ابنه عبد الله، وحمل على سرير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وصلّى بهم عليه صهيب وكبّر أربعا، ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين، وقيل: توفي لأربع بقين من ذي الحجّة، وقيل: لثلاث، وقيل: لليلة، وتوفّي وهو ابن ثلاث وستّين سنة على الصحيح المشهور، ثبت ذلك في الصحيح عن معاوية بن أبي سفيان وقال الجمهور: والصّحيح أن سنه- صلى الله عليه وسلّم- وأبي بكر وعمر، وعلي، وعائشة ثلاث وستّون، ونزل في قبره ابنه عبد الله وعثمان وسعيد بن زيد وهو أول من اتخذ الدّرّة، وفتح الله في ولايته بيت المقدس، و «دمشق» ، وزنيم «قرقيسيا» والسوس واليرموك، ثم كانت وقعة الجابية و «الأهواز» ، وكورها على يدي أبي موسى الأشعري «وجلولاء» سنة تسع عشرة، وأميرها سعد بن أبي وقاص وقيساريّة، وأميرها معاوية، ثم وقعة باب النون وأميرها عمرو بن العاص، ثم وقعة «نهاوند» سنة إحدى وعشرين، وأميرها النّعمان بن ميمون المزني، ثم فتح الله الأهواز سنة اثنتين وعشرين، وأميرها المغيرة بن شعبة، وكانت «إصطخر» الأولى وهمذان سنة ثماني عشرة، وحج بالنّاس عشر سنين متواليات.
الخامس: في وفاته ومن قتله وشيء من آثاره وما فتح في زمنه.
توفي والنبي- صلى الله عليه وسلّم- راض عنه وأبو بكر وعمر- رضي الله تعالى عنهم- وقتل شهيدا يوم الجمعة لثمان خلون من ذي الحجة، وقيل: لثماني عشرة خلت منه بعد العصر، ودفن بالبقيع سنة خمس وثلاثين، وقيل: يوم الأربعاء، وهو ابن تسعين سنة، وقيل: ثمان وثمانين، وهو الصحيح.
وقيل: وعشرين، وصلّى عليه جبير بن مطعم ودفن ليلا بالبقيع، وأخفى قبره ذلك الوقت، وإنّما دفن ليلا للعجز عن إظهار دفنه، لغلبة قاتليه، وقيل: لم يصل عليه، ودفن بثيابه في دمائه ولم يغسّل وقيل: حكيم بن حزام، وقيل: المسور بن مخرمة، وقيل: مروان ونائلة وأم البنين زوجتاه وهما اللّتان دلّلتاه، في حفرته على الرجال الذين نزلوا في قبره، ولحدّوا له، وغيّبوا قبره، وتفرّقوا، وكانت نائلة مليحة الثّغر، فكسرت ثناياها بحجر، وقالت: والله لا يجتليكن أحد بعد عثمان، وخطبها معاوية بالشام فأبت» .
وروى الترمذي عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: ذكر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فتنة فقال يقتل فيها هذا مظلوما، لعثمان.
وروى أيضا عن أبي سهلة مولى عثمان، قال: قال عثمان- رضي الله تعالى عنه- يوم الدار: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه ولم يلبس السّراويل في جاهلية ولا إسلام إلّا يوم قتل.
وروى البخاري عن عثمان بن موهب- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله [ (١) ] بن عمر، قال: يا بن عمر إنّي سائلك عن شيء فحدّثني عنه، هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد قال: نعم، قال: تعلم أنّه تغيّب عن بدر ولم يشهد قال: نعم، قال: هل تعلم أنّه تغيّب عن بيعة الرّضوان ولم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، فقال ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما-: تعال، أبيّن لك، أمّا فراره يوم أحد فأشهد أن الله تعالى عفا عنه وغفر له، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إلى قوله عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ [آل عمران ١٥٥] ، وأما تغيّبه عن بدر، فإنه كانت تحته بنت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وكانت مريضة، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، وأمّا تغيبه عن بيعة الرّضوان، فلو كان أحد أعزّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عثمان، وكانت بيعة الرّضوان بعد ما ذهب عثمان- رضي الله تعالى عنه- إلى مكة، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- بيده اليمنى هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان، فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك» .
وروى أبو يعلى عن الحسن بن علي- رضي الله تعالى عنهما- أن الحسن قام خطيبا، فقال: أيّها النّاس، إني رأيت البارحة في منامي عجبا، رأيت ربّ العزة جلّ جلاله فوق عرشه فجاء رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عند قائمة من قوائم العرش، ثم جاء أبو بكر وعمر، ثم جاء عثمان فقال: يا رب سل عبادك، فيم قتلوني، فانبعث من السّماء ميزابان من دم الأرض قال: فقيل لعليّ: ألا ترى إلى ما تحدّث به الحسن؟ ! فقال: يحدّث بما رأى؟! وقالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: قتل عثمان مظلوما بالطّعن لعن الله قتلته! وحجّ بالنّاس عشر سنين متوالية، فتح من العام الذي بويع سنة أربع وعشرين بلاد الرّيّ بكما لها، وفي سنة خمس وعشرين فتحت بلاد أرمينيّة، وفي سنة ستّ وعشرين فتحت اسكندرية ثاني مرّة، والقيروان وغيرها، وفي سنة سبع وعشرين فتحت إفريقية وبلاد المغرب، وفي سنة ثمان وعشرين فتحت إصطخر وما والاها، وفي تسع وعشرين فتحت بلاد فارس ثاني مرّة، وفي سنة ثلاثين كانت غزوة البحر وفتحت بلاد كثيرة بالغرب، وفي سنة إحدى وثلاثين فتحت صقلّيّة وغيرها، وفي اثنتين وثلاثين فتحت قبرص، وفي ثلاث وثلاثين فتحت بعض بلاد الأندلس، وفي أربع وثلاثين كانت غزوة ذي حسب وفتحت أطراف خراسان وما والاها، وفي سنة خمس وثلاثين فتحت بلاد كثيرة من بلاد الهند وغيرها من بلاد الغرب والأندلس، وكان يعتق في كل جمعة عتيقا، فإن تعذّر عليه أعتق في الجمعة الأخرى عتيقين، وقال مولاه حمدان: كان يغتسل كل يوم منذ أسلم، ولم يمس فرجه بيمينه منذ بايع بها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وكان نقش خاتمه «آمنت بالّذي خلق فسوّى» ، وفي رواية أخرى «آمن عثمان بالله العظيم» .
وروى ابن سعد أن امرأة كانت تدخل على عثمان- رضي الله تعالى عنه- وهو محصور، فولدت، ففقدها يوما، فقيل: إنّها قد ولدت غلاما، فأرسل إليها بخمسين درهما سنبلانيّة، وقال: هذا غطاء ابنك وكسوته، فإذا مرّت به سنة رفعناه إلى مائة، وكان يصلّي بالقرآن العظيم في (ركعة) [ (١) ] عند الحجر الأسود أيّام الحج، وكان هذا دأبه، وقال ابن عمر في قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزمر ٩] . هو عثمان، وقال ابن عباس في قوله تعالى هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل ٧٦] وقال حسّان- رحمه الله تعالى-: ضحّوا بأشمط عنوان السّجود له ... يقطع اللّيل تسبيحا وقرآنا وقال الحسن: قال عثمان- رضي الله تعالى عنه-: لو أنّ قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربّنا سبحانه وتعالى، وإني لأكره أن يأتي يوم لا أنظر في المصحف، وكان إذا قام من اللّيل لا يوقظ أحدا من أهله ليعينه على وضوئه، وكان يصوم الدّهر، وكان لا يرفع المئزر عنه وهو في بيت مغلق عليه، ولا يرفع صلبه مستويا من شدة حيائه.
ومن مناقبه الكبار: جمع المصحف، وحرق ما سواه.
وروى أبو بكر بن داود في كتاب المصاحف بسنده عن سويد بن غفلة قال: قال علي- رضي الله تعالى عنه- حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته، وهكذا رواه أبو داود الطّيالسيّ وعمر بن مسروق عن شعبة، وسبب ذلك خشية الاختلاف في القرآن العظيم، فإنّ حذيفة كان في بعض الغزوات وقد اجتمع فيها خلق عظيم من أهل الشام فكان بعضهم يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود، وأبي الدّرداء، وجماعة من أهل العراق يقرؤون على قراءة ابن مسعود، وأبيّ، فجعل من لم يعلم أن القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره، وربّما يجاوز ذلك إلى تخطئته وكفره، فأدّى ذلك إلى اختلاف شديد، فركب حذيفة إلى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمّة قبل أن تختلف كاختلاف اليهود والنّصارى في كتبهم، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- وشاورهم في ذلك، واتفقوا على كتابة المصحف وأن يجتمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه فاستدعى بالصّحف التي كان الصديق- رضي الله تعالى عنه- قد أمر زيد بن ثابت بكتابته وجمعه، فكان عند الصّدّيق أيّام حياته، ثم كان عند عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- فلما توفّي صار إلى حفصة، فاستدعى به عثمان، وأمر زيد بن ثابت الأنصاريّ أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي، يحضره عبد الله بن الزّبير وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، فكتبوا لأهل الشام مصحفا ولأهل مصر آخر وبعث إلى البصرة مصحفا، وإلى الكوفة آخر، وآخر إلى مكة، وآخر إلى المدينة، وأقر بالمدينة مصحفا، وليست كلها بخط عثمان، بل ولا واحد منها، وإنما هي بخط زيد بن ثابت، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه وخلافته.
وروى البيهقي وغيره بسنده عن سويد بن غفلة قال: قال علي: أيها الناس، يقولون: عثمان حرق المصاحف، والله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم- ولو ولّيت مثل ما ولّي لفعلت مثل الذي فعل، وكان ذلك بإجماع الصّحابة- رضوان الله تعالى عليهم- أجمعين.
الثالث: في وفاته - رضي الله تعالى عنه -.
قتل يوم الجمل سنة ستّ وثلاثين، وهو ابن أربع وستّين، وقيل: اعتزل يوم الجمل في بعض الصفوف، فرمي بسهم فقطع من رجله عرق النسا، فلم يزل دمه ينزف منه حتى مات، وأقرّ مروان بن الحكم أنّه رماه، ودفن بقنطرة القرة، قد رأى بعد موته بثلاثين سنة في المنام أنه يشكو إليها الغلاوة فأمر به فاستخرج طريّا ودفن في دار الهجرتين بالبصرة، وقبره مشهور.
الرابع في وفاته - رضي الله تعالى عنه -
كان أوصى أن يكفن في جبّة صوف، لقي المشركين فيها يوم بدر وهي عليه، فقال: إنما كنت أخبؤها لهذا فكفّن فيها، وذلك سنة خمس وخمسين، وهو ابن تسع وسبعين، وقيل: ابن اثنتين وثمانين، وهو آخر من مات من المهاجرين- رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وتوفّي في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل إليها وصلّى عليه مروان بن الحكم، وهو يومئذ وإلي المدينة، وصلّى عليه أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم- في حجرهنّ ودفن بالبقيع.
الثالث: في وفاته - رضي الله تعالى عنه -
توفّي سنة خمسين أو إحدى وخمسين وكان ابن بضع وسبعين سنة بالعقيق، وحمل إلى المدينة، ودفن بها، وغسّله ابن عمر، وقيل: سعد بن أبي وقاص، وصلّى عليه ابن عمر ونزل في قبره سعد وابن عمر- رضي الله تعالى عليهم أجمعين-.
توفّي سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان- رضي الله تعالى عنه- فصلى عليه عليّ وقيل الزبير- رضي الله تعالى عنهما- ودفن بالبقيع وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، أو خمس وسبعين سنة.
الثالث: في وفاته - رضي الله تعالى عنه -.
توفّي بالطاعون عام عمواس هو ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم من أشراف الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- ووقع ذلك الطّاعون مرتين وطال مكثه وفني فيه خلق كثير من الناس، وطمع العدوّ، وتخوّف المسلمون بذلك، وقبره بغور بيسان عند قرية تسمى عمتا. قال الشيخ محي الدين النّوويّ: وعلى قبره من الجلالة ما هو لائق به، وقد زرته فرأيت عنده عجبا، وصلّى عليه معاذ بن جبل، ونزل في قبره هو، وعمرو بن العاص، والضّحّاك ابن مزاحم.
وعمواس بلدة صغيرة بين الرملة وبيت المقدس، ونسب [الطاعون] إليها، لأنّه أوّل ما نجم من هذا الدار ثم انتشر إلى الشام.
ومن مناقبه ما روي عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- أنه قال لأصحابه ذات يوم: تمنّوا، فقال رجل: أتمنى لو أن لي هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله، ثم قال: تمنّوا، فقال رجل: أتمنّى لو كانت مملوءة لؤلؤا وزبرجدا وجوهرا أنفقه في سبيل الله وأتصدّق به، ثم قال: تمنّوا، فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجرّاح.
[عن عروة بن الزبير قال] : لمّا قدم عمر الشام تلقاه النّاس وعظماء أهل الأرض، وهو راكب فقال: أين أخي وقرّة عيني، قالوا: من تعني؟ قال: أبا عبيدة بن الجراح، قالوا: الآن يأتيك، فلما أتاه، نزل فاعتنقه ثم دخل عليه بيته فلم يرى فيه إلّا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر: ألا اتّخذت ما اتّخذ أصحابك؟ قال: يا أمير المؤمنين، هذا يبلغني المقيل.
الباب الأول في كثرة أمراضه - صلى الله عليه وسلم -
روى أبو يعلى بسند جيد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان عرق الكلية وهي الخاصرة تأخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شهرا ما يستطيع أن يخرج للنّاس، ولقد رأيته يكرب حتّى آخذ بيده فأتفل فيها بالقرآن ثمّ أكبّها على وجهه ألتمس بذلك بركة القرآن وبركة يد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأقول يا رسول الله إنّك مجاب الدّعوة فادع الله يفرّج عنك ما أنت فيه فيقول: «يا عائشة أنا أشدّ النّاس بلاء»
[ (١) ] .
وروى ابن السني، وأبو نعيم عنها: «أنّ الخاصرة كانت تنهز رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فكنّا ندعوها عرق الكلية» .
وروى أبو يعلى- بسند ضعيف عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من ذات الجنب» [ (٢) ] .
قال الحافظ بهاء الدين محمد بن أبي بكر البوصيري في «إتحاف المهرة» إنه حديث منكر فقد ثبت في الصحيح أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «ذلك ما كان الله يعذّبني به» .
وروى الحاكم وصححه عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كانت تأخذه الخاصرة فيشتدّ به جدّا فاشتدّت به حتّى أغمي عليه وفزع النّاس إله فظننّا أنّ به ذات الجنب فلددناه ثمّ سرّي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- وأفاق فعرف أنّه قد لدّ فقال: «ظننتم إن الله قد سلّطها على ما كان ليفعل إنّها من الشّيطان وما كان الله ليسلّطه عليّ»
[ (٣) ] .
وروى البخاري وابن سعد والحاكم وابن جرير عن عائشة وابن سعد عن أم سلمة وابن سعد عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قالوا: «كانت تأخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الخاصرة فاشتدّت به فأغمي عليه حتّى ظننّا أنه قد مات فلددناه فجعل يشير إلينا أن لا تلدّوني فقلنا: كراهية المريض للدّواء فلما أفاق. قال: «ألم أنهكم أن تلدّوني» .
- وفي لفظ- «أما إنّكم لددتموني وأنا صائم» ثم قال: «أكنتم ترون أنّ الله يسلّط عليّ ذات الجنب ما كان الله ليجعل لها عليّ سلطانا إنّ ذات الجنب من الشّيطان والله لا يبقى في البيت أحد إلا لدّ وأنا أنظر، إلا العباس فإنّه لم يشهدكم فما بقي أحد في البيت إلا لدّ ولددنا ميمونة وهي صائمة»
[ (١) ] .
وروى ابن إسحاق- بسند فيه متهم وهو علي- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت «تمادى على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجعه وهو يدور على نسائه في بيت ميمونة فاجتمع إليه أهله فقال العباس: إنا لنرى برسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذات الجنب لألدنّه فلدّوه وأفاق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «من فعل هذا؟» قالوا: عمّك العباس تخوّف أن يكون بك ذات الجنب فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إنّها من الشّيطان وما كان الله ليسلّطه عليّ لا يبقى في البيت أحد إلا لددتموه إلّا عمّي العباس» فلدّ أهل البيت كلّهم حتى ميمونة وإنّها لصائمة يومئذ وذلك بعين رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. قلت: ولا منافاة بين حديث أبي يعلى وهذين الحديثين: لأن في ذات الجنب تطلق بإزاء مرضين.
أحدهما: ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن.
والآخر: ريح محتقن بين الأضلاع، فالأول هو المنفي هنا، والثاني هو الذي أثبت في حديث أبي يعلى وليس فيه محذور كالأول.
«اللّدود» بفتح اللام وبدالين مهملتين أن تجعل الدواء في أحد جانبي الفم، وكان الذي لدّوه به العود الهندي، والزيت والورس.
الباب الثاني في نعي الله تعالى إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - نفسه الشريفة
قال الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر ٣٠] . وقال عز وجل: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ؟
[الأنبياء ٣٤] وقال تعالى تقدس اسمه كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ [الأنبياء ٣٥] . وقال سبحانه وتعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران ١٤٤] . وقال تبارك وتعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [النصر ١- ٣] .
وروى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبزار وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: نزلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجة الوداع إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً [النصر ١- ٣] حتى ختمها فعرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه الوداع فخطب الناس خطبة أمرهم فيها ونهاهم.
وروى الإمام أحمد والبلاذري وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر ١] قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «نعيت إليّ نفسي وقرب أجلي» .
وروى النسائي وعبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عنه قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ نعيت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نفسه حتى أنزلت فأخذني أشد ما يكون اجتهادا في أمر الآخرة.
وروى الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم عن الفضيل بن عياض قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر ١] إلى آخر السورة قال محمد- صلى الله عليه وسلم-: «يا جبريل نعيت إليّ نفسي» قال جبريل: «الآخرة خير لك من الأولى» .
وروى ابن سعد عن الحسن البصري- رحمه الله تعالى- قال: لما نزلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلى آخرها قال قرّب لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- أجله وأمر بكثرة التّسبيح والاستغفار.
وروى عبد الرزاق والشيخان وابن سعد عن عائشة وابن جرير وابن مردويه عن أم سلمة وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والحاكم عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنهم- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منذ نزلت عليه السورة كان لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: وفي لفظ لعائشة: كان يكثر في آخر عمره من قول: «سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك اللهم اغفر لي إنّك أنت التوّاب الرّحيم» ويقول ذلك في ركوعه وسجوده يتأول القرآن يعني إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر ١] قالت عائشة: فقلت له: يا رسول الله إنك تكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليك ما لم تكن تفعله قبل اليوم، فقال: «إنّ ربي كان أخبرني بعلامة في أمّتي فقال إذا رأيتها فسبّح بحمد ربك واستغفره فقد رأيتها» إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر ١] إلى آخر السورة.
وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم حبيبة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إن الله لم يبعث نبيا إلا عمّر في أمّته شطر ما عمّر النّبيّ الماضي قبله، وإنّ عيسى ابن مريم كان عمره أربعين سنة في بني إسرائيل، وهذه لي عشرون سنة وأنا ميّت في هذه السنة فبكت فاطمة فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «وأنت أول أهل بيتي لحوقا بي» فتبسّمت.
وروى الطبراني والحاكم والطحاوي والبيهقي بسند صحيح عن فاطمة الزهراء- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «إنه لم يكن نبي إلا عاش من بعده نصف عمر الذي كان قبله وإنّ عيسى ابن مريم عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهبا على رأس الستين. يا بنيّة إنّه ليس منّا من نساء المسلمين امرأة أعظم ذريّة منك فلا تكوني من أدنى امرأة صبرا، إنك أول أهل بيتي لحوقا بيّ وإنّك سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من البتول مريم بنت عمران» .
وروى إسحاق بن راهويه وابن سعد عن يحيى بن جعدة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «يا فاطمة أنه لم يبعث نبيّ إلا عمّر نصف الذي كان قبله [وإنّ عيسى ابن مريم بعث رسولا لأربعين وإنّي بعثت لعشرين]
[ (١) ] .
وروى البخاري في «تاريخه» عن زيد بن أرقم- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «ما بعث الله نبيا إلا عاش نصف ما عاش الذي كان قبله» .
وروى ابن سعد عن يزيد بن زياد أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال في السّنة التي قبض فيها لعائشة- رضي الله تعالى عنها-: «أن جبريل كان يعرض عليّ القرآن في كل سنة مرّة فقد عرض عليّ العام مرّتين وأنه لم يكن نبيّ إلا عاش نصف عمر أخيه الذي كان قبله عاش عيسى ابن مريم مائة وخمسا وعشرين سنة وهذه اثنتان وستون سنة، ومات في نصف السنة» .
وروى أبو يعلى من طريق الحسين بن علي بن الأسود وباقي رجاله ثقات عن يحيى بن جعدة قال: قالت فاطمة- رضوان الله تعالى عليها-: قال لي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أن عيسى ابن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنة» .
تنبيه
قال البيهقي كذا في هذه الرواية.
وقد روى عن ابن المسيب أن عيسى حين رفع كان ابن ثلاث وثلاثين سنة.
وعن وهب بن منبه: اثنان وثلاثون سنة، فإن صحّ قول ابن المسيب وابن وهب فالمراد من الحديث والله تعالى أعلم: ما بقي في الأرض بعد نزوله من السماء والله تعالى أعلم. قلت: لم يصح ما نقله عن سعيد ووهب وقد بسطت الكلام على ذلك في باب [ ... ]
فراجعه. وقال الحافظ ابن حجر بعد إيراده في «المطالب العالية» : حديث يحيى بن جعدة معناه عمره في النبوة.
الباب الثالث في عرضه - صلى الله عليه وسلم - القرآن على جبريل - عليه الصلاة والسلام - في العام الذي مات فيه مرتين ونعيه - صلى الله عليه وسلم - نفسه لأصحابه
روى الإمام أحمد وابن سعد عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعرض القرآن على جبريل في كلّ رمضان فلما كان في العام الذي مات فيه عرضه عليه مرّتين» .
وروى البخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعتكف في كل شهر رمضان عشرة أيّام، فلما كان العام الذي توفي فيه عكف عشرين يوما وكان جبريل يقرأ عليه القرآن مرة كل رمضان فلما كان العام الذي توفي فيه عرضه عليه مرتين.
وروى الشيخان عن فاطمة الزهراء- رضي الله تعالى عنها- أنها أسرّ إليها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «إن جبريل كان يعارضني القرآن كل عام مرة وإنّه عارضني به العام مرتين ولا أرى أجلي إلّا قد قرب فاتّقي الله واصبري فإنّي نعم السلف أنا لك» .
وروى مسلم عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يرمي الجمار فوقف وقال: «لتأخذوا عنّي مناسككم فلعلّي لا أحجّ بعد عامي هذا» .
وروى ابن مردويه عن معاوية بن أبي سفيان والإمام أحمد وابن سعد وأبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن واثلة بن الأسقع- رضي الله تعالى عنهما- قالا: خرج علينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «أتزعمون أنّي من آخركم وفاة قلنا: أجل، قال: فإنّي من أوّلكم وفاة وتتبعوني أفنادا يهلك بعضكم بعضا» .
وروى ابن سعد عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إني أوشك أن أدعى فأجيب وإنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي إنّ اللّطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»
[ (١) ] .
وروى ابن سعد عن عكرمة مرسلا قال: قال العباس: لأعلمن ما بقاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فينا فقال له: يا رسول الله لو اتخذت عرشا فإن النّاس قد آخوك، فقال: «والله لا أزال بين ظهرانيهم ينازعوني ردائي ويصيبني غبارهم حتّى يكون الله يريحني منهم» ! قال العباس: فعرفنا أنّ بقاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فينا قليل.
وروى البزار عن العباس- رضي الله تعالى عنه- قال رأيت في المنام كأن الأرض تنزع إلى السماء بأشطان شداد، فقصصت ذلك على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «ذاك وفاة ابن أخيك» .
أفناد قال في القاموس أي: تتبعوني ذوي فند: أي ذوي عجز وكفر للنّعمة والأشطان: بشين جمع شطن بشين معجمة فطاء مهملة فنون: الحبل.
الباب الرابع فيما جاء أنه خير بين أن يبقى حتى يرى ما يفتح على أمته وبين التعجيل واستغفاره - صلى الله عليه وسلم - لأهل البقيع
روى ابن إسحاق والإمام أحمد وابن سعد والبيهقي عن أبي مويهبة والإمام أحمد وابن سعد والبيهقي عن أبي رافع موليا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنهما- واللفظ لأبي مويهبة- قال: أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يصلى على أهل البقيع فصلى عليهم ثلاث مرّات، فلما كان في الثانية هبنى من جوف اللّيل فقال: «يا أبا مويهبة إني أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فأسرج لي دابّتي» قال: فركب ومشيت حتّى انتهى إليهم فنزل عن دابته، وأمسكت الدّابة، فلما وقف بين أظهرهم قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر ليهن لكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح فيه الناس، لو تعلمون ما نجاكم الله منه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضاً، يتبع آخرهم أوّلها، الآخرة شر من الأولى» ، ثم أقبل على وقال: «يا أبا مويهبة إنّي قد أتيت مفاتيح خزائن الدّنيا والخلد فيها، ثم الجنة. فخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربّي والجنة» قال: قلت بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: «لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة» ، ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في وجعه الّذي قبضه الله عز وجل فيه حين أصبح.
وروى ابن سعد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة فلبس ثيابه ثم خرج، فأمرت خادمتي بريرة، فتبعته حتى إذا جاء البقيع وقف في أدناه ما شاء الله أن يقف ثم انصرف فسبقته بريرة فأخبرتني فلم أذكر له شيئا حتى أصبح، ثم ذكرت له ذلك فقال «إني بعثت لأهل البقيع لأصلّي عليهم»
[ (١) ] .
وروى أيضا عنها قالت: فقدت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الليل فتبعته فإذا هو بالبقيع فقال: «السّلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط أتانا الله وأتاكم ما توعدون، وأنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم» قالت: ثم التفت إلى فقال: «ويحها لو تستطيع ما فعلت»
[ (١) ] .
وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: خطب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «إن عبدا خيره الله تعالى بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله» ، فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه فكان المخير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان أبو بكر هو أعلمنا به فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لا تبك يا أبا بكر إنّ أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوّة الإسلام، لا يبقى باب في المسجد إلا سدّ إلا باب أبي بكر» .
وروى عبد الرزاق بسند جيد قوي عن طاووس مرسلا قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «نصرت بالرعب وأعطيت الخزائن، وخيّرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل فاخترت التعجيل» .
وروي عن عقبة بن عامر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع على المنبر فقال: «إنّي بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد! وإنّ موعدكم الحوض وإنّي لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدّنيا أن تنافسوا فيها» . قال عقبة: وكانت أخر نظرة نظرتها إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
تنبيه
«هبّ من نومه» هب بضم الهاء وأهببته أي استيقظته وأنبهته من نومه وأنتبه بمعناه.
القطع: بكسر القاف وسكون الطاء ظلمة آخر الليل.
الباب الخامس في ابتداء مرضه - صلى الله عليه وسلم - وسؤال أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - أن يمرضه في بيته
قال ابن إسحاق: لما قفل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من حجة الوداع أقام بالمدينة ذا الحجة، والمحرم، وصفر. وضرب على الناس بعث أميره أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنه- وقد تقدم ذكر ذلك في جمّاع أبواب بعوثه فبينا الناس على ذلك إذ ابتدأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بشكواه الذي قبضه الله تعالى فيه إلى ما أراده به من رحمة وكرامة في ليال بقين من صفر، أو في أول ربيع الأول صبيحة ليلة خروجه البقيع ليلا مع أبي مويهبة، فلما أصبح ابتدأ بمرضه من يومه ذلك.
وروى ابن سعد عن محمد بن عمر عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن جده- رضي الله تعالى عنه- والبيهقيّ عن محمد بن قيس قالا: أوّل ما بدأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شكواه يوم الأربعاء فكان شكوه إلى أن قبض- صلى الله عليه وسلم- ثلاثة عشر يوما. ومشى على ذلك أبو عمرو وغيره. وقال سليمان التيمي: يوم السبت ومشى عليه الخطابي وقال الإمام الليث بن سعد: يوم الاثنين في صفر سنة إحدى عشرة ليلة إحدى وعشرين رواه يعقوب بن سفيان قال أبو عمر: لليلتين بقيتا منه.
وروى محمد بن قيس لإحدى عشرة ليلة بقيت منه. وقال عمر بن علي: لليلة بقيت منه قال أبو الفرج بن الجوزي: ابتدأ به صداع في بيت عائشة، ثم اشتد أمره في بيت ميمونة وقيل: في بيت زينب بنت جحش.
وقيل: في بيت ريحانة. قال الحافظ: وكونه في بيت ميمونة هو المعتمد، لأنه الذي رواه الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها-.
وروى البلاذري عنها أنه- صلى الله عليه وسلم- أقام في بيت ميمونة سبعة أيام.
وروى ابن إسحاق والإمام أحمد عنها قالت: رجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذات يوم من البقيع فدخل عليّ وهو يصدع وأنا اشتكي رأسي فقلت: وا رأساه فقال: «والله بل أنا والله وا رأساه» .
وفي رواية قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا مر ببابي يلقي إليّ الكلمة ينفع الله بها فمرّ ذات يوم فلم يقل شيئا مرتين، أو ثلاثا فقلت: يا جارية دعي لي وسادة على الباب: فجلست عليها على طريقه وعصبت رأسي فمرّ بي وقال: «ما شأنك» ؟ فقلت: أشتكي رأسي! فقال: «بل أنا وا رأساه» ! ثم مضى فلم يلبث إلا يسيرا حتى جيء به محمولا في كساء فدخل عليّ وقال: «وما عليك لو مت قبلي، فوليت أمرك وصليت عليك ودفنتك» فقلت: والله إني لأحسب أن لو كان ذلك، لقد خلوت ببعض نسائك في بيتي في آخر النهار فأعرست بها فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم تمادى به وجعه وهو يدور على نسائه ثم استعزّ به وهو في بيت ميمونة» .
وروى البخاري نحوه.
وروى أبو يعلى والإمام أحمد- برجال ثقات- عنها قالت: ما مر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على بابي قطّ إلّا قد قال كلمة تقرّ بها عيني قالت: فمر يوما فلم يكلمني ومرّ من الغد فلم يكلمني قالت: ومر من الغد فلم يكلمني، قلت: قد وجد على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في شيء: قالت فعصبت رأسي وصفّرت وجهي، وألقيت وسادة قبالة باب الدّار فاجتنحت عليها، قالت: فمرّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فنظر إليّ فقال: «ما لك يا عائشة» ؟ قالت: قلت يا رسول الله اشتكيت وصدّعت قال: «تقولين: وا رأساه، بل أنا وا رأساه» قالت فما لبث إلا قليلا حتى أتيت به يحمل في كساء قالت: فمرّضته ولم أمرّض مريضا قطّ ...
الحديث.
وروى ابن سعد عن عطاء بن يسار- رحمه الله تعالى- مرسلاً قال: أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقيل له: اذهب فصل على أهل البقيع، فذهب فصلى عليهم فقال: اللهم اغفر لأهل البقيع، ثم رجع فرقد فأتي فقيل له: اذهب فصل على الشهداء فذهب إلى أحد فصلى على قتلى أحد فرجع معصوب الرأس فكان بدء الوجع الذي مات فيه- صلى الله عليه وسلم-.
وروى أبو طاهر المخلص عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: جاء أبو بكر إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله ائذن لي فأمرّضك فأكون الذي أقوم عليك فقال: «يا أبا بكر إني إن لم أجد أزواجي وبناتي علاجي ازدادت مصيبتي عليهم عظما، وقد وقع أجرك على الله.
الباب السابع في اشتداد الوجع عليه - زاده الله فضلا وشرفا -
روى ابن حبان وابن سعد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: جعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يشتكي ويتقلّب على فراشه فقلت له: لو فعل هذا بغضنا قال: «إنّ الأنبياء يشدّد عليهم» .
وروى الإمام أحمد والشيخان وابن سعد عن عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: دخلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله إنك لتوعك وعكا شديدا قال: «أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» قلت: ذاك بأنّ لك أجرين؟ قال: «نعم، والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله عنه من خطاياه كما تحطّ الشجرة ورقها» -.
وروى ابن سعد والشيخان والبلاذري عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما رأيت أحدا أشدّ عليه الوجع من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وروى الإمام أحمد وابن سعد والبخاري في «الأدب» وابن أبي الدنيا وابن ماجه وأبو يعلى والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- فإذا عليه صالب من الحمى ما تكاد تقرّ يد أحدنا عليه من شدّة الحمّى.
وفي رواية «دخلنا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعليه قطيفة فوضعت يدي عليه فوق القطيفة فوجدت حرارتها فوق القطيفة فجعلنا نسبّح فقال: «ليس أحد أشدّ بلاء من الأنبياء، كما يشدّد علينا البلاء يضاعف لنا الأجر، إن كان النبي من الأنبياء ليسلّط عليه القمّل حتّى يقتله وإن كان النبي من الأنبياء ليعرّى ما يجد شيئا يواري عورته إلا العباءة يدرعها، وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء»
[ (١) ] .
وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد بإسناد صحيح والنسائي والحاكم وابن الجوزي عن أبي عبيدة عن عمته فاطمة بنت اليمان أخت حذيفة قالت: أتينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في نساء نعوده فإذا سقاء معلّق نحوه يقطّر ماؤه عليه من شدّة ما يجد من حرّ الحمى فقلنا: يا رسول الله لو دعوت الله يكشف عنك فقال: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «إن أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» .
وروى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- طرقه وجع فجعل يشتكي ويتقلّب على فراشه فقالت له عائشة لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه! فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «إنّ الصالحين يشدّد عليهم وإنّه لا يصيب المؤمن نكبة من شوكة فما فوق ذلك إلّا حطّت بها عنه خطيئة ورفع بها درجة» .
وروى ابن سعد عنها قالت: مرض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مرضا اشتد منه ضجره أو وجعه فجعل يشتكي ويتقلب على فراشه فقلت: يا رسول الله إنك لتجزع أو تضجر، لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «إن المؤمنين يشدّد عليهم، لأنّه لا يصيب المؤمن نكبة من شوكة فما فوقها ولا وجع إلا رفع الله تعالى له بها درجة وحطّ عنه بها خطيئة» .
وروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه عن أسامة بن يزيد- رضي الله تعالى عنه- قال: لما ثقل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجعه هبط وهبط الناس معه إلى المدينة، فدخلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد أصمت فلم يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها عليّ، أعرف أنه يدعو لي.
وروى النسائي والبيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أغمي على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو في حجرتي، فجعلت أمسح له وجهه وأدعو له بالشفاء، فقال: «بل أسأل الله الرفيق الأعلى لأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل» .
وروى الإمام أحمد في «الزهد» وابن سعد عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال دخلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يوعك فوضعت يدي فوق ثوبه، فوجدت حرّها من فوق الثوب، فقلت: يا رسول الله ما وجدت أحدا تأخذه الحمّى أشدّ من أخذها إيّاك قال: «كذلك يضاعف لنا الأجر إن أشدّ الناس بلاء الأنبياء ثمّ الصّالحون» .
وروى ابن أبي شيبة والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان بين يديه ركوة، أو عليه فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ثم يقول: اللهم أعني على سكرات الموت» - وفي لفظ: «لا إله إلا الله إن للموت سكرات» ثم نصب يده فجعل يقول: «في الرّفيق الأعلى» .
وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن الجوزي عنها قالت: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يموت وعنده قدح فيه ماء فيدخل يده في القدح ثم يمسح بها وجهه- وفي لفظ- ثم يمسح وجهه بالماء، ثم قال: «اللهم أعني على سكرات الموت» .
وروى البلاذري عنها قالت: لا أغبط أحدا يخفف عليه الموت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
ورواه البخاري بلفظ: لا أكره شدّة الموت لأحد أبدا بعد النبي- صلى الله عليه وسلم-.
صالب الحمّى- قال في الصحاح: الصّالب: الحارّة من الحمى، خلاف الناقص تقول: صلبت عليه حمّة تصلب بالكسر أي دامت واشتدّت، فهو مصلوب عليه هذا أي: طورا ونارا.
الباب الثامن في أمره - صلى الله عليه وسلم - أن يصب عليه الماء لتقوى نفسه فيعهد إلى الناس
روى الشيخان وابن سعد والحاكم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما ثقل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- واشتدّ وجعه قال: «اهريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهنّ، لعلّي أعهد إلى الناس» قالت: فأجلسناه في مخضب لحفصة ثم طفقنا نصبّ عليه من تلك القرب حتى جعل يشير إلينا أن قد فعلتم، ثمّ خرج إلى الناس فصلّى بهم وخطبهم.
وروى ابن إسحاق عنها قالت: قال النبي- صلى الله عليه وسلم- في مرضه: «صبوا عليّ من سبع قرب من آبار شتى حتّى أخرج إلى النّاس فأعهد إليهم» قالت: فأقعدناه في مخضب لحفصة فصببنا عليه الماء صبّا أو شننا عليه الماء شنّا فوجد راحة فخرج عاصبا رأسه وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه واستغفر للشهداء من أصحاب أحد ودعا لهم ثم قال: «أما بعد فإنّ الأنصار عيبتي التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم، إلا في حدّ ألا إن عبدا من عباد الله قد خيّره الله بين الدّنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله» ففهمها أبو بكر وعرف أنّ نفسه يريد، فبكى وقال: بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «على رسلك يا أبا بكر سدّوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر فإني لا أعلم امرءا أفضل عندي يدا في الصحابة من أبي بكر» وفي رواية: «لو كنت متخذا من العباد خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صحبة وإخاء وإيمان حتى يجمع الله بيننا عنده» .
وروى البخاريّ والبيهقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بعصابة دسماء ملتحفا بملحفة على منكبيه، فصعد المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «أنه ليس من الناس أحد آمنّ عليّ بنفسه وماله من أبي بكر، ولو كنت متخذا من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن خلّة الإسلام أفضل سدّوا عنّي كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر» .
وروي عن عروة بن الزبير- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- استبطأ الناس في بعث أسامة بن زيد وهو في وجعه، فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر وقد كان الناس قالوا في إمرة أسامة: أمّر غلاما حدثا على جلّة المهاجرين والأنصار فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها النّاس انفذوا بعث أسامة فلعمري لئن قلتم في إمارته فقد قلتم في إمارة أبيه من قبله وإنّه لخليق بالإمارة وإن كان أبوه لخليق الإمارة ثم نزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وانكمش الناس في جهازهم واستقر برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجعه، فخرج وخرج جيشه معه حتى تدلوا الجرف من المدينة على فرسخ، فضرب به عسكره وتتامّ إليه الناس، وثقل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فقام أسامة والناس ينتظرون ما الله قاض في رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وروى عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عاصبا رأسه بخرقة فلما استوى على المنبر تحدق الناس بالمنبر واستنكفوا حوله فقال: والذي نفسي بيده إني لقائم على الحوض الساعة ثم تشهد، فلما قضى تشهّده كان أول ما تكلم به أن استغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد ثم قال: إن عبدا من عباد الله خيّر بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار العبد ما عند الله، فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه، وقال: بأبي أنت وأمي نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا، فكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: على رسلك»
[ (١) ] .
في بيان غريب ما سبق
الوكاء ...
أحدق من الحدقة وهي العين والتحديق: شدة النّظر.
استنكف حوله بمعنى: أحاط عليه.
أهرق يقال: هراق الماء يهريقه- بفتح الهاء، هراقة أي صبّه.
الباب التاسع فيما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - طلب من أصحابه القود من نفسه
روى ابن سعد وأبو يعلى والطبراني وابن جرير والبيهقي وأبو نعيم وابن الجوزي عن الفضل بن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «شدّوا رأسي، لعلّي أخرج إلى المسجد» ، فشددت رأسه بعصابة ثم خرج إلى المسجد يهادي بين رجلين، حتى قدم على المنبر ثم قال: نادوا في الناس فصحت في الناس فاجتمعوا إليه فقال: أمّا بعد أيّها النّاس فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وإنه قد دنا مني خفوق من بين أظهركم وإنما أبا بشر فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه، ولا يقولن أحد: إني أخشى الشّحناء من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ألا وإن الشّحناء ليست من طبعي ولا من شأني، ألا وإن أخيركم إليّ من أخذ مني شيئا كان له، أو حلّلني فلقيت الله عز وجل وأنا طيّب النّفس، وإني أرى أن هذا غير مغن حتى أقوم فيكم مرارا ثم نزل، فصلى الظهر، ثم جلس على المنبر، فعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها فقام رجل فقال: إذا والله يا رسول الله إن لي عندك ثلاثة دراهم فقال: أما أنا فلا أكذّب قائلا ولا أستحلفه على يمين، فيم كانت لك عندي؟ فقال يا رسول الله أتذكر يوم مرّ بك المسكين، فأمرتني، فأعطيته ثلاثة دراهم، فقال: يا فضل أعطه ثم قال: أيها الناس من كان عليه شيء فليؤدّه ولا يقولنّ رجل فضوح الدنيا ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ثم عاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مقالته الأولى ثم قال: «أيها الناس من كان عنده من الغلول شيء فليردّه» ، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله قال: «ولم غللتها؟» قال: كنت محتاجا إليها، قال: «خذها منه يا فضل» ، فقال: ألا من أحس- وفي لفظ- خشي من نفسه شيئا فليأت. ادع الله له، فقام رجل فقال: يا رسول الله إني لكذوب وإني لفاحش فقال: «اللهم ارزقه الصدق واذهب عنه الكذب إذا أراد» ، ثم قام رجل فقال: يا رسول الله إني منافق وإني لبخيل وإني لجبان [وإني لنؤوم وإني لكذوب فقام عمر بن الخطاب فقال: فضحت نفسك أيّها الرجل] [ (١) ] فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- يا بن الخطاب: فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة فقال اللهم ارزقه إيمانا وصدقا واذهب عنه النوم وشحّ نفسه وشجّع جبنه. قال الفضل: فلقد رأيته في الغزو وما معنا رجل [أسخى] منه نفسا ولا أشدّ بأسا، ولا أقلّ نوما فقال عمر: كلمة فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم قال: عمر معي وأنا مع عمر، والحق مع عمر حيث كان وقامت امرأة وأومأت بإصبعها إلى نسائها فقال: انطلقي إلى بيت عائشة حتى آتيك ثم أتاها، فوضع قضيبا على رأسها ثم دعا لها، قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها- فإني كنت لا أعرف دعوة النبي- صلى الله عليه وسلم- فيها إذ كانت تقول: يا عائشة أحسني صلاتك.
تنبيهات
الأوّل: حديث ابن عباس في قصة عكّاشة وطلبه القصاص من النبي- صلى الله عليه وسلم- وطلب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- القضيب المسوق مع الحسن والحسين من السيدة فاطمة- رضي الله تعالى عنها- فهو حديث باطل رواه الطبراني من حديث عبد المنعم بن إدريس، وهو كذاب أشر، وقد صرح بوضعه الرازي في كتاب العلل له وابن الجوزي والذهبي في كتاب «العلوّ الإلهي المقدس» والشيخ وغيرهم فليحذر.
يهادي: أي كان يمشي بينهما يعتمد عليهما من ضعفه وتمايله.
خفوق: - «بخاء معجمة مضمومة وفاء آخره قاف يقال: خفقت الشّمس إذا تدلّت للغروب.
الشّحناء: - العداوة.
فضوح: «بفاء فضاد معجمة مضمومة فواو فحاء، كشف المساوىء.
الباب العاشر في مدة مرضه - صلى الله عليه وسلم - واستخلافه أبا بكر في الصلاة بالناس
قال الحافظ: اختلف في مدة مرضه، فالأكثر على أنّه ثلاثة عشر يوما.
وقيل: بزيادة يوم وقيل: بنقصه.
وقيل: تسعة أيام رواه البلاذري عن علي- رضي الله تعالى عنه- وقيل: عشرة، وفيه جزم سليمان التيمي، وكان يخرج إلى الصلاة إلا أنّه انقطع ثلاثة أيّام. قال في العيون: أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يصلى بالناس فصلى بهم فيما روينا سبع عشرة صلاة، ورواه البلاذري عن أبي بكر ابن أبي سبرة- وفي لفظ- وقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» .
وروى الإمام أحمد وأبو داود وابن سعد عن عبد الله بن زمعة بن الأسود قال: لما استعز برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا عنده في نفر من المسلمين قال: دعا بلال للصلاة فقال مروا من يصلي بالناس قال: فخرجت فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائبا فقال قم يا عمر فصلّ بالناس، قال: فقام فلما كبر عمر سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صوته وكان عمر رجلا مجهرا قال: فقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: لا، لا، لا يصلي بالناس إلا ابن أبي قحافة يقول ذلك مغضبا فأين أبو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون، قال: فبعث إلى أبي بكر بعد ما صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس قال وقال عبد الله بن زمعة قال عمر لي: ويحك ماذا صنعت بي يا بن زمعة، والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمرك بذلك، ولولا ذلك ما صليت بالناس قال: قلت: والله ما أمرني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولكن حين لم أر أبا بكر رأيتك أحقّ من حضر بالصّلاة.
وروى الشيخان وابن سعد والبلاذري والبيهقي وابن إسحاق عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما مرض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مرضه الذي مات فيه فثقل، فحضرت الصلاة فأذّن بلال فقال: «أصلّى النّاس؟» قلت: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله! [فقال: ضعوا لي ماء في المخضب قالت: ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: «أصلّى النّاس؟» فقلت: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله] [ (١) ] فقال: «ضعوا إليّ ماء في المخضب» قالت: فقلنا فاغتسل فقال: «أصلّى الناس؟» فقلنا: لا، هم ينتظرونك! قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لصلاة العشاء الآخرة. فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس فقلت: أن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يسمع النّاس من البكاء.
وفي لفظ: لم يستطع أن يصلّي بالناس فعاودته مثل مقالتي فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» فقلت لحفصة: قولي له: أن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصلّ بالناس ففعلت حفصة فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إنّكنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس» ، قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: لقد عاودت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في ذلك، وما حملني على معاودته إلا أن يتشائم النّاس بأبي بكر.
- وفي لفظ- والله ما أقول ذلك إلا أني كنت أحب أن يصرف الله ذلك عن أبي بكر، وعرفت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقامه أبدا، وأن الناس يتشاءمون به في كل حدث كان، فكنت أحبّ أن يصرف ذلك عن أبي بكر.
- وفي لفظ- علمت أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشائم الناس به، فأحببت أن يعدل ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن أبي بكر إلى غيره فأرسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس، وكان أبو بكر رجلا رقيقا، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه من البكاء فقال: يا عمر صلّ بالنّاس قال: أنت أحقّ بذلك فصلى بهم تلك الأيام ثم إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجد خفّة فخرج يهادي بين رجلين، أحدهما العباس لصلاة الظّهر كأني أنظر إلى رجليه يخطان الأرض من الوجع، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن لا يتأخر وأمرهما فأجلساه إلى جنب أبي بكر عن يساره فأخذ النبي- صلى الله عليه وسلم- من حيث الآية التي انتهى أبو بكر إليها فقرأ، فجعل أبو بكر يصلي قائما ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي قاعدا، وفي رواية: فكان أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله والناس يصلون بصلاة أبي بكر.
وروى ابن إسحاق وابن سعد والبلاذري عن عبيد الله بن أبي مليكة عن عبيد بن عمير، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لما فرغ من الصلاة يوم صلى قاعدا عن يمين أبي بكر قال: وأقبل عليهم فكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد: يا أيها الناس سعّرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم وإنّي والله لا يمسك الناس عليّ بشيء إني لم أحلّ إلّا ما أحلّ القرآن ولم أحرّم إلّا ما حرّم القرآن يا فاطمة بنت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يا صفية عمّة محمد اعملا لها عند الله فإني لم أغن عنكما من الله شيئا، فلما فرغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من كلامه قال أبو بكر: يا رسول الله إنّي أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما تحب واليوم يوم بنت خارجة فأتها قال: نعم ثم دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وخرج أبو بكر إلى أهله بالسّنح.
وروى الإمام أحمد والنسائي والبيهقي والترمذي وصححه عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خلف أبي بكر قاعدا في مرضه الذي مات فيه» .
وروى ابن سعد عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كشف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- السّتارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: «أنه لم يبق من مبشّرات النّبوّة إلّا الرّؤيا الصّالحة يراها المسلم، أو ترى له ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا، فأمّا الرّكوع فعظموا فيه الرّب، وأما السّجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» .
وروى الطبراني عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كشف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سترا، وفتح بابا في مرضه، فنظر إلى الناس يصلون خلف أبي بكر، فسرّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذلك.
وروى ابن سعد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: إن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأنّ وجهه ورقة بمصحف، ثم تبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ضاحكا، فبهشنا ونحن في الصلاة من الفرح بخروج رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وفي رواية: «وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم برسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين رأوه ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصّفّ وظنّ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خارج إلى الصلاة فأشار إليهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن أتموا صلاتكم ثم دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأرخى الستر، قال: فتوفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من يومه» .
وروي أيضا عنه قال آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فلما رآه الناس تخشخشوا فأومأ إليهم أن امكثوا مكانكم فنظرت إلى وجهه كأنّه ورقة مصحف ثم ألقى السّجف وتوفّي من آخر ذلك اليوم.
في بيان غريب ما سبق
«استعزّ» بضم المثناة والفوقية وكسر العين المهملة وزاء معجمة يقال: أستعز بفلان أي غلب عن كل شيء من مرض أو غيره. وقال أبو عمر: استعزّ بالعليل إذا غلب على عقله.
المخضب بالكسر شبه المركن وهي إجّانة تغسل فيها الثياب] .
السّنح هنا بضم السين والنون.
وقيل: بسكونها، أطم الجشم وزيد بن الحارث على ميل من المسجد النبوي، وهو أدنى العالية سميت الناحية، ووهم من جعله بحري مسجد الفتح، لأن ذلك بالمثناة التحتية وكسر السين قاله السيد نور الدين السمهودي في «تاريخ المدينة» .
«قمن-: بقاف مفتوحة فميم مكسورة فنون: حقيق.
الباب الحادي عشر في إرادته - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب لأبي بكر كتابا ثم لم يكتب
روى الإمام أحمد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما ثقل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: ائتني بكتف أو لوح أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه، فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: «يأبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر» ورواه البخاري لقد: هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول قائلون، أو يتمنى المتمنون ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون ورواه مسلم بلفظ قال لي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في مرضه ادع لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن أو يقول قائل: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، وقد ورد أنه أراد أن يكتب كتابا ولم يذكر أبا بكر.
الباب الثاني عشر في إرادته - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب لأصحابه كتابا فاختلفوا فلم يكتب
روى الشيخان عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بلّ دمعه الحصى، قلت يا ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فقال عمر: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مدّ عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت، فاختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم ومنهم من يقول ما قال عمر. فتنازعوا ولا ينبغي عند النبي التنازع، فقالوا: ما شأنه أهجر؟ استفهموه! فذهبوا يعيدون عليه فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «قوموا» لما أكثروا اللّغو والاختلاف عنده، دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه. فقال: وأوصاهم عند موته بثلاث فقال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم قال: وسكت عن الثالثة، أو قال: فنسيها فقال ابن عباس إن الرّزيئة سحل الرّزيئة ما حال بين رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبين أن يكتب لهم هذا الكتاب لاختلافهم ولغطهم» .
وروى أبو يعلى بسند صحيح عن جابر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابا لا يضلون بعده وفي رواية: «يكتب فيهما كتابا لأمّته لا يظلمون ولا يظلمون» وكان في البيت لغط فنكل عمر فرفضها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وروى الطبراني من طريق ليث بن أبي سليم- وبقية رجاله ثقات- عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال دعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بكتف فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تختلفون بعدي فأخذ من عنده من الناس وفي لفظ: «فقالت امرأة ممن حضر ويحكم عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إليكم فقال بعض القوم اسكتي فإنه لا عقل لك فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- أنتم لا أحلام لكم.
وروى الإمام أحمد وابن سعد- وفي سنده ضعف- عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال أمرني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن آتيه بطبق أكتب فيه ما لا تضلّ أمتي من بعدي قال: فخشيت أن تسبقني نفسه قال: قلت إني أحفظ وأوعى قال: أوصي بالصّلاة والزّكاة وما ملكت أيمانكم» .
تنبيهات
الأول: قال البيهقي والذهبي: وإنما أراد عمر التخفيف عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين رآه شديد الوجع لعلمه أن الله تبارك وتعالى قد أكمل ديننا، ولو كان ذلك الكتاب وحيا لكتبه النبي- صلى الله عليه وسلم- ولما أخل به لاختلافهم ولغطهم لقول الله تعالى: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] كما لم يترك تبليغ غيره لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه، وإنما أراد ما حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله، أن يكتب استخلاف أبي بكر، ثم ترك كتابته اعتمادا على ما علم من تقدير الله تعالى، كما هم به في ابتداء مرضه حين قال: «وا رأساه» . ثم بدا له أن لا يكتب ثم قال: «يأبى الله والمؤمنون إلّا أبا بكر»
ثم نبه أمّته على خلافته باستخلافه إيّاه في الصلاة حين عجز عن حضورها [ (١) ] ، وبسط البيهقي الكلام في ذلك. وقال المازري: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره بذلك، لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلّت على أن الأمر ليس على التحتم بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم وصمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه- صلى الله عليه وسلم- قال ذلك عن غير قصد جازم [وعزمه- صلى الله عليه وسلم- كان إمّا بالوحي وإما بالاجتهاد، وكذلك تركه إن كان بالوحي فبالوحي وإلا فبالاجتهاد أيضا] . وقال النووي: اتفق العلماء على أن قول عمر «حسبنا كتاب الله» من قوة فقهه ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب أمورا ربما عجزوا عنها فيستحقوا العقوبة لكونها منصوصة وأراد أن لا يسد باب الاجتهاد من العلماء، وفي تركه- صلى الله عليه وسلم- الإنكار على عمر الإشارة إلى تصويبه وأشار بقوله: «حسبنا كتاب الله» إلى قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] ولا يعارض ذلك قول ابن عباس: أن الرزية ... إلخ، لأن عمر كان أفقه منه قطعا، ولا يقال: أن ابن عباس لم يكتف بالقرآن مع أنه حبر القرآن وأعلم الناس بتفسيره ولكنه أسف على ما فاته من البيان وبالتنصيص عليه لكونه أولى من الاستنباط والله تعالى أعلم.
قولهم: «أهجر» بإثبات همز الاستفهام وفتح الهاء والجيم، قالوا: ولبعضهم هجرا بضم الهاء وسكون الجيم والتنوين أي قال هجرا والهجر بضم الهاء وسكون الجيم، وهو الهذيان الذي يقع من كلام المريض، الذي لا ينتظم ولا يعتد به لعدم فائدته ووقوع ذلك من النبي- صلى الله عليه وسلم- في حقه مستحيل.
وإنما هذا على طريق الاستفهام الذي معناه الإنكار والإبطال- أي أنه- صلى الله عليه وسلم- لا يهجر أي: لم يختلفوا في الأخذ عنه ولم ينكروا عليه الكتاب، وهو لا يهجر أصلا.
الرزيئة براء مفتوحة فزاي مكسورة فياء فهمز المصيبة.
اللغط: بغين معجمة فطاء مهملة محركا الصوت أو الجلبة، أو أصوات مبهمة لا تفهم.
الباب الثالث عشر في إخراجه - صلى الله عليه وسلم - من المال كان عنده وعتق عبيده
روى ابن سعد والطبراني- برجال الصحيح- عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- قال: كان عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سبعة دنانير وضعها عند عائشة فلما كان في مرضه قال: يا عائشة ابعثي الذّهب إلى علي، ثم أغمي عليه وشغل عائشة ما به حتى قال ذلك مرارا كل ذلك يغمى على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ويشغل عائشة ما به فبعث به إلى علي فتصدّق به، ثم أمسى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليلة الاثنين في جديد الموت، فأرسلت عائشة إلى امرأة من النساء بمصباحها فقالت: اقطري لنا في مصباحي من عكيك السن فإن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمسى في جديد الموت» .
وروى ابن سعد أيضا عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة- وهي مسندته إلى صدرها: «يا عائشة ما فعلت تلك الذّهب؟ قالت: هي عندي قال فأنفقيها ثم غشي عليه وهو على صدرها فلما أفاق قال: هل أنفقت تلك الذّهب يا عائشة قالت: لا والله يا رسول الله، قالت: فدعا بها فوضعها في كفّه، فعدّها، فإذا هي ستّة دنانير فقال: ما ظنّ محمّد بربّه أن لو لقي الله وهذه عنده؟ فأنفقها كلها، ومات من ذلك اليوم.
وروى مسدد وابن أبي عمر وابن أبي شيبة والإمام أحمد- برجال الصحيح- عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال لي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في وجعه الذي مات فيه: ما فعلت بالذّهب؟ قلت: هو عندي يا رسول الله قال: ائت بها فأتيت بها فجعلها في كفّه وهي بين الخمس والسّبع فرفع بها كفّه وقال: أنفقيها وقال: ما ظنّ محمّد إن لقي الله وهذه عنده أنفقيها.
وروى أبو طاهر المخلص عن سهل بن يوسف عن أبيه عن جده قال: أعتق النبي- صلى الله عليه وسلم- في مرضه أربعين نفسا-.
الباب الرابع عشر في إعلامه - صلى الله عليه وسلم - ابنته فاطمة - رضي الله تعالى عنها - بموته
روى الخمسة والطبراني وابن حبان والحاكم عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: اجتمع نساء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يغادر منهم امرأة في وجعه الذي مات فيه وما رأيت أحدا أشبه سمتا وهديا ودلّا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- في قيامها وقعودها من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها وقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك، فلما مرض جاءت تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: مرحبا يا بنتي فأجلسها عن يمينه أو عن شماله فأكبت عليه تقبّله، فسارّها بشيء، فبكت، ثم سارّها فضحكت فقلت: ما رأيت اليوم فرحا أقرب من حزن فسألتها عن ذلك قلت لها: ما خصك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالسّرار وتبكين فلما أن قامت قلت لها: أخبريني بما سارّك؟ قالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما أن توفي قلت لها: أسألك بما لي عليك من الحق لما أخبرتيني قالت أما الآن فنعم: سارّني فقال: إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، وأنه لم يكن نبيّ كان بعده نبيّ إلا عاش بعده نصف عمر الذي كان قبله، ولا أرى ذلك إلا اقترب أجلي- وفي لفظ- فقالت إنه أخبرني أنه يقبض في وجعه، فاتقي الله واصبري، إن جبريل أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المؤمنين أعظم رزنة منك فلا تكوني أدنى امرأة منهن صبرا فنعم السلف أنا لك فبكيت ثم سارني فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة- وفي لفظ- «أخبرني أني أول أهله لحوقا به، فضحكت ضحكي الذي رأيت» .
تنبيهات
الأول: قال الحافظ: اتفقت الروايات على أن الذي سارها به أولا فبكت هو إعلامه إياها بأنه ميت في مرضه ذلك، واختلف فيما سارّها به فضحكت.
ففي رواية عروة أنه إخباره إياها بأنها أول أهله لحوقا به.
وفي رواية مسروق بأنه إخباره إياها أنها سيدة نساء أهل الجنّة، وجعل كونها أول أهله لحوقا به مضموما إلى الأول وهو الراجح، ويحتمل تعدد القضية.
«السمت» : - بسين مهملة مفتوحة فميم ساكنة: الطريق وهيئة أهل الخير والهدي.
ساره في أذنه سارة وسرارا بكسر السين، وتسارّوا: أي تناجوا.
الباب الخامس عشر في وصيته - صلى الله عليه وسلم - الأنصار عند موته
روى البخاري والبيهقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خرج في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بعصابة دسماء ملتحفا بملحفة على منكبيه فجلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «أما بعد فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار حتى يكونوا في النّاس مثل الملح في الطعام، فمن ولى منكم أمرا يضرّ به قوما وينفع به آخرين فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئتهم» وكان آخر مجلس جلسه.
وروى البيهقي عن أبي أيوب بن بشير أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خرج في مرضه الذي توفي فيه فجلس على المنبر فكان أول ما ذكره بعد حمد الله تعالى والثناء عليه ذكر أصحاب أحد، فاستغفر لهم ودعا لهم، ثم قال: «يا معشر المهاجرين إنكم أصبحتم تزيدون والأنصار على هيئتها لا تزيد، وإنّهم عيبتي التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» .
وروى البخاري وسيف بن عمر في «الفتوح» عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن أبا بكر وعمر كانا يوما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقالا: ما يبكيكم قالوا: ذكرنا مجلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منا، فدخل أحدهما على النبي- صلى الله عليه وسلم- فأخبره بذلك- وعند سيف- أن الأنصار لما رأوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يزداد وجعا طافوا بالمسجد، فدخل العباس فأعلم النبي- صلى الله عليه وسلم- بمكانهم وإشفاقهم ثم دخل الفضل فأعلمه بمثل ذلك ثم دخل عليه علي بن أبي طالب كذلك، وخرج النبي- صلى الله عليه وسلم-، زاد سيف: «متوكئا على عليّ والفضل والعباس، أمامهم قد عصب على رأسه حاشية برد- زاد سيف: - يخطّ الأرض برجله فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم- زاد سيف- أنه جلس على أسفل مرقاة منه، وثار الناس إليه فحمد الله وأثنى عليه- زاد سيف- فقال: أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم قبلكم فمن بعث إليكم فأخلد فيكم، ألا إني لاحق بربّي وإنكم لاحقون به، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا وأوصي المهاجرين فيما بينهم، فإن الله تعالى يقول: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ١، ٢] إلى آخرها، وإن الأمور تجري بإذن الله تعالى ولا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله فإن الله عز وجل لا يعجل بعجلة أحد ومن غالب الله غلبه ومن خادع الله خدعه فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ [محمد: ٢٢] انتهى. أوصيكم بالأنصار- وزاد سيف- خيرا فإنهم الذين تبوّأوا الدّار والإيمان من قبلكم، ألم يشاطروكم في الثّمار، ألم يوسّعوا لكم في الدّيار، ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم خصاصة، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم- زاد سيف- ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم وفي لفظ: فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئتهم.
- زاد سيف- ولا تستأثروا عليهم، ألا وإنّي فرط لكم وأنتم لاحقون بي ألا وإنّ موعدكم الحوض فمن أحب أن يرده غدا فليكفف لسانه ويده ألا فيما ينبغي يا أيها الناس إنّ الذّنوب تغيّر النّعم وتبدّل القسم، فإذا بر الناس برهم وإذا فجر الناس عقهم.
في بيان غريب ما سبق.
دسما: بدال فسين مهملتين فميم أي: سوداء الملحفة.
كرشي وعيبتي قال الحافظ: أي بطانتي وخاصّتي قال القزاز: ضرب المثل بالكرش لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه، ويقال: كرش منثورة أي عيال كثيرة، والعيبة بفتح المهملة وسكون المثناة بعدها موحدة ما يحرز فيه الرجل نفيس ما عنده، يريد أنهم موضع سره وأمانته، قال ابن دريد: هذا من كلامه- صلى الله عليه وسلم- الموجز الذي لم يسبق إليه وقال غيره الكرش بمنزلة المعدة للإنسان والعيبة: مستودع الثياب، والأول أمر باطن، والثاني أمر ظاهر، فكأنه ضرب المثل بهما في إرادة اختصاصهم بأموره الباطنة والظاهرة، والأوّل أولى وكل من الأمرين مستودع لما يخص فيه] .
الباب السادس عشر في جمعه - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في بيت عائشة - رضي الله تعالى عنها - ووصيته لهم
روي عن مرّة عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنهم- قال: نعى إلينا نبيّنا وحبيبنا- صلى الله عليه وسلم- نفسه قبل موته بشهر، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت أمنا عائشة فنظر إلينا وتشدّد ودمعت عيناه، وتداوم القوم ونظر إلى الأرض وقال: مرحبا بكم- حيّاكم الله رحمكم الله آواكم الله قبلكم الله أوصيكم بتقوى الله وأوصي الله عز وجل بكم وأستخلفه عليكم وأذكّركم الله وأشهدكم أنّي لكم منه نذير وبشير أن لا تعلوا على الله في عباده وبلاده فإنه عز وجل قال لي ولكم تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣] وقال: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: ٦٠] قلنا: متى أجلك يا رسول الله؟ فقال: دنا الأجل والمنقلب إلى الله عز وجلّ وإلى سدرة المنتهى، وإلى جنّة المأوى والفردوس الأعلى والكأس الأوفى والعيش والحظّ المهنّى قلنا: فمن يغسّلك يا رسول الله؟ قال رجال من أهل بيتي الأدنى فالأدنى.
قلنا: ففيم نكفّنك يا رسول الله؟ قال: في ثيابي هذه إن شئتم، أو فى بياض مصر أو حلّة يمانية.
قلنا: فمن يصلي عليك يا رسول الله؟ قال: فبكى وبكينا فقال: «مهلا غفر الله لكم وجزاكم عن نبيّكم خيرا إذا أنتم غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري هذا على شفير قبري من بيتي هذا ثم اخرجوا عني ساعة، فإن أول من يصلي عليّ خليلي وحبيبي جبريل، ثم ميكائيل ثم إسرافيل، ثم ملك الموت معه جنوده بأجمعهم مع الملائكة عليهم الصلاة والسلام ثم ادخلوا عليّ أفواجا فصلوا علي وسلموا تسليما، ولا يؤمكم أحدا، ولا تؤذوني بتزكية ولا بضجّة ولا برنّة أقرؤوا أنفسكم مني السلام، ومن كان غائبا من أصحابي فأبلغوه عني السلام، وأشهدكم أني قد سلمت على من دخل في الإسلام ومن تابعني على ديني إلى يوم القيامة قلنا: فمن يدخلك قبرك يا رسول الله؟ قال: رجال من أهل بيتي، الأدنى فالأدنى مع ملائكة كثير، يرونكم من حيث لا ترونهم.
روى البزار عن محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ابن الأصبهاني عن مرّة بن عبد الله، وعبد الرحمن هذا لم يسمع من مرّة كما قال البزار بينه وبينه اثنان كما عند ابن منيع والطبراني، أو ثلاثة كما عند ابن جرير والطبراني وخلاد بن مسلم الأسدي الصفا والأشعث بن طليق ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا [ (١) ] .
روى عن الحسن العرني وروى عن خلاد بن مسلم الصّفّار أبو مسلم ثقة في الكوفيين، سمعت أبي وأبا زرعة يقولان ذلك، وذكره الأزدي في الضعفاء وتبعه وقال: لا يصح حديثه لكنهما صحفا اسم أبيه فقالا: طابق.
والحسن العرني هو ابن عبد الله ثقّة من رجال البخاري ومسلم، ورواه ابن سعد عن شيخه محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون عن ابن مسعود به. قلت: ورواه أحمد بن منيع في مسنده والطبراني في «الدعاء» عن ابن الأصبهاني عن الأشعث بن طليق أنه سمع الحسن العرني يحدث عن مرة عن ابن مسعود.
ورواه ابن جرير عن محمد بن عمر الصباح الهمذاني، حدثنا يحيى بن عبد الرحمن حدثنا مسلم بن جعفر البجلي قال: سمعت عبد الملك بن الأصبهاني عن خلاد الأسدي قال: قال عبد الله بن مسعود يذكره.
ورواه ابن سعد عن محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن أبي عون عن ابن مسعود به.
ورواه الطبراني في «الدعاء» من طريق ابن عيينة حدثني نبيط بن شريط عن عبد الملك بن عبد الرحمن الأصفهاني عن الأشعث بن طليق أنه سمع الحسن العرني يحدث عن مرة.
ومن طريق محمد بن أبان البلخي، حدثنا عمرو بن محمد العبقري حدثنا عبد الملك الأصبهاني حدثنا خلاد بن الصفار عن الأشعث بن طليق عن الحسن العرني عن مرة.
ورواه البيهقي من طريق سلام بن سليم الطويل عن عبد الملك بن عبد الرحمن وقال: انفرد به سلام الطويل وقد علمت مما تقدم أن سلام لم ينفرد به.
وروى أبو الحسن بن الضحاك من طريق سيف عن بشر بن الفضل عن أبيه، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال في مرضه الذي توفي فيه لأبي بكر: «أجمع لي يا أبا بكر الأربعين الذين سبقوا الناس إلى هذا الدين، وأودع عمر معهم ففعل، وكان قبل وفاته بخمسة عشر ليلة، فخلص لهم ودعا لهم، وعهد عهده وهم شهود، وهي آخر وصية أوصاها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وروى ابن أبي شيبة وأبو يعلى والنسائي في «الكبرى» عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: والذي أحلف به إن كان عليّ لأقرب النّاس عهدا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم قبض في بيت عائشة فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- غداة بعد غداة يقول: جاء عليّ، مرارا قالت فاطمة: كان بعثه في حاجة، فخرجنا من البيت، فقعدنا عند البيت، فكنت من أدناهم إلى الباب فأكب عليه عليّ فجعل يسارّه ويناجيه حتى قبض من يومه ذلك، فكان أقرب الناس به عهدا [ (١) ] .
الباب السابع عشر في وصيته - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة وغيرها من أمور الدين وأنه لم يوص بشيء من أمور الدنيا
روى الإمام أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة وابن سعد والبيهقي وابن الجوزي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: كانت عامة وصية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين حضره الموت وهو يغرغر بنفسه «الصّلاة وما ملكت أيمانكم» - وفي لفظ «الصلاة واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» حتى جعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يغرغر بها في صدره، وما يفيض بها لسانه- وفي لفظ- ما كان يفيض بها لسانه.
وروى الجماعة إلا البخاري عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: ما ترك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء.
وروى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة وابن سعد عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما حضر جعل يقول: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» فجعل يتكلم بها وما كان لسانه يفيض بها.
وروى ابن سعد عن كعب بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: أغمي على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم أفاق فقال: «الله الله فيما ملكت أيمانكم، ألبسوا ظهورهم وأشبعوا بطونهم، وألينوا لهم القول» .
وروى الجماعة إلا أبا داود عن طلحة بن مصرف قال: سألت ابن أبي أوفى هل أوصى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟ قال: لا. قلت: كيف كتب على الناس وأمر بها ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله.
وروى أبو داود وابن ماجه عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: كان آخر كلام رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» يغرغر بها نفسه.
الباب الثامن عشر في تحذيره - صلى الله عليه وسلم - أن يتخذ قبره مسجدا
روى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- وابن سعد قال: لما نزل برسول الله- صلى الله عليه وسلم- طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنّصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت عائشة: يحذّر مثل ما صنعوا.
وروى البخاري عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود [والنّصارى] [ (١) ] اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . قالت عائشة: لولا ذلك لأبرز قبره خشي أن يتّخذ مسجدا.
وروى الطيالسي والإمام أحمد عن أسامة بن زيد- رضي الله تعالى عنه- قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أدخلوا عليّ أصحابي» فدخلوا عليه وهو متقنّع ببرد له معافر. فقال: «لعن الله اليهود» زاد الإمام أحمد «والنّصارى، اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
وروى ابن أبي شيبة والحارث وأبو يعلى عنه قال: دخلنا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نعوده وهو مريض فوجدناه نائما قد غطّى وجهه ببرد عدنيّ فكشف عن وجهه ثم قال: لعن الله اليهود يحرّمون شحم الغنم ويأكلون أثمانها ...
الحديث.
وروى الحارث عن حذيفة- رضي الله تعالى عنه- قال: دخلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي مات فيه فقال: «أجلسوني» . فأجلسه [علي- رضي الله تعالى عنه-] [ (٢) ] إلى صدره.
الباب التاسع عشر في ما يؤثر عنه - صلى الله عليه وسلم - من ألفاظه في مرض موته وآخر ما تكلم به
روى البخاري عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: لما ثقل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جعل يتغشّاه الكرب فقالت فاطمة- رضي الله تعالى عنها- وا كرب أبتاه فقال: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» ، ورواه الإمام أحمد وابن ماجة بلفظ إنه قد حضر بأبيك ما ليس الله تبارك وتعالى بتارك منه أحدا لموافاة يوم القيامة [ (١) ] .
وروى ابن سعد والشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كنت أسمع أنه لا يموت نبيّ حتى يخير بين الدنيا والآخرة قالت: فأصابت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بحّة شديدة في مرضه فسمعته يقول: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: ٦٩] فظننت أنه خيّر.
وروى الإمام أحمد وابن سعد والشيخان والبيهقي عنها قالت: كان جبريل يعوّذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا مرض «وفي لفظ: كأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعوذ بهؤلاء الكلمات: «اذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، شفاء لا يغادر سقما» ، قالت: فلما ثقل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أخذت بيده فجعلت أمسحه بها وأعوّذه فنزع يده منّي.
زاد ابن سعد «ارفعي عني، فإنها إنما كانت تنفعني في المرة» .
وعند الحاكم من حديث أنس أنّ آخر كلمة يتكلم بها: جلال ربي الرفيع.
وروى النسائي والحارث بن أبي أسامة عنها قالت: أغمي على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو في حجري فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء بهذه الكلمات: «اذهب البأس رب الناس» ففاق فانتزع يده من يدي فقال: «بل اسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل» .
وروى ابن سعد عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنه- أن كعب الأحبار قدم زمن عمر فقال: يا أمير المؤمنين، ما كان آخر ما تكلم به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: سل عليّا فسأله فقال: الصلاة الصلاة فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء» .
وروى البلاذري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: كشف عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الستر، فرأيته معصوبا في مرضه الذي مات فيه، فقال: اللهم هل بلغت ثلاثا ثم قال: لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح، أو ترى له.
وروى الإمام أحمد من طريقين منها ثقات متصل اتصل إسنادهما عن أبي عبيدة- رضي الله تعالى عنه- قال: أخر ما تكلم به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أنّ شرار النّاس الّذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
وروى البخاريّ والبيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بين يديه ركوة أو علبة وفيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، ثم نصب يده اليمنى فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده في الماء.
وروى ابن سعد والبيهقي وصححه الذهبي عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قبل موته بثلاث يقول: «أحسنوا الظّنّ بالله» .
وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يموت وعنده قدح فيه ماء، يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: «اللهم أعنّي على سكرات الموت» .
وروى الإمام أحمد بسند قال ابن كثير: لا بأس به عنها أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «إنه ليهوّن عليّ الموت، إني رأيت بياض كفّ عائشة في الجنة» [ (١) ] ورواه ابن سعد عن الشعبي مرسلا، وهذا دليل على صحة محبته- عليه الصلاة والسلام- لعائشة.
تنبيه في بيان غريب ما سبق
«الكرب» : بكاف مفتوحة فراء ساكنة فموحدة الغم.
«البحّة» : بموحدة فمهملة خشونة وغلظ في الصوت.
«الرّكوة» : [شبه تور من أدم وقال المطرزي: دلو صغير: وقال غيره: كالقصعة تتخذ من جلد، ولها طوق خشب] .
«العلبة» : بعين مهملة مضمومة فلام ساكنة فموحدة المراد به هنا قدح من خشب.
الرفيق قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى. قال الأزهري: وهو غلط، بل الرفيق ها هنا جماعة يسكنون أعلى عليين، اسم جاء على فعيل ومعناه: الجماعة من قوله تبارك وتعالى: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: ٦٩] ويجوز أن يقال في الجماعة: هم لي صديق وعدو فتفرد، لأنه صفة الرّفيق، ويصح أن يقال: قومك صاحبك وأبوك، فإنما يحسن هذا إذا وصف الصديق وفريق وعدو، لأنها صفة لفريق والحزب، لأن الصداقة والعداوة صفتان متضادتان، فإذا كان أحدهما على الفريق الواحد كان الآخر على ضدها، وكانت قلوب أحد الفريقين في تلك الصفة على قلب رجل واحد في عرف العادة، فحسن الإفراد وليس يلزم مثل هذا في القيام والقعود ونحوه حتى يقال: هو قائم أو قاعد كما يقال: هم لي صديق وعدو كما قدمناه من الاتفاق والاختلاف، وأهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد، وهذه الكلمة آخر كلمة تكلم بها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهي تتضمن معنى التوحيد الذي يجب أن يكون آخر كلام المؤمن لأنه- صلى الله عليه وسلم- قال: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء: ٦٩]
وهم أصحاب الصراط المستقيم وهم أهل لا إله إلا الله، ويؤيد ذلك قول عائشة رضي الله تعالى عنها ب «ثم نصب يده» .
وفي رواية عنها «فأشار بإصبعه» .
وفي رواية: «اللهمّ الرّفيق الأعلى» وأشار بإصبعه السبابة يريد التوحيد قاله السهيلي.
الباب العشرون في آخر صلاة صلاها بالناس - صلى الله عليه وسلم -
روى البخاري والبلاذري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- عن أمّه أم الفضل قالت: خرج علينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو عاصب رأسه في مرضه في بيته في ثوب واحد، قد توشّح به، فصلى بنا المغرب، فقرأ بالمرسلات فما صلى لنا بعدها حتى لقي الله، أرادت فما صلى بعدها بالناس.
وروى البيهقي من طريقين، قال ابن كثير: وإسناده على شرط الصحيح عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: آخر صلاة صلاها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مع القوم في ثوب واحد برد مخالفا بين طرفيه فلما أراد أن يقوم قال: ادع لي أسامة بن زيد فجاء فأسند ظهره إلى نحره فكانت آخر صلاة صلاها. قال البيهقيّ: ففي هذا دلالة أن هذه الصلاة التي صلاها خلف أبي بكر كانت صلاة الصبح يوم الاثنين يوم الوفاة، لأنها آخر صلاة صلاها لما ثبت أنه توفي في ضحى يوم الاثنين. قال ابن كثير: وهو تابع في ذلك ابن عقبة وعروة وهو قول ضعيف، بل هذا آخر صلاة صلاها مع القوم، ثم لا يجوز أن تكون هذه صلاة الصبح من يوم الاثنين يوم الوفاة، لأن تلك لم يصلّها مع الجماعة، بل في بيته لما به من الضعف- عليه الصلاة والسلام- ويدل لذلك حديث أنس الآتي في ذلك في تاريخ وفاته- صلّى الله عليه وسلم- وهو أوضح دليل على أنه- صلى الله عليه وسلم- لم يصل يوم الاثنين صلاة الصبح وأنه كان قد انقطع عنهم لم يخرج إليهم، فعلى هذا يكون آخر صلاة صلاها الظهر كما جاء مصرحا به في حديث عائشة- رضي الله تعالى عنها- في صلاة أبي بكر، ويكون ذلك يوم الخميس لا يوم السبت، ولا يوم الأحد كما حكاه البيهقيّ عن مغازي ابن عقبة وهو ضعيف لما قدمناه من خطبته بعدها، ولا انقطع عنهم يوم الجمعة والسبت والأحد، وهذه ثلاثة أيام كوامل.
الباب الحادي والعشرون في استعماله - صلى الله عليه وسلم - السواك قبل وفاته
روى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «إن من أنعم الله علي أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- توفي في بيتي وبين سحري ونحري» وفي رواية «بين حاقنتي وداقنتي» وأن الله تعالى جمع بين ريقي وريقه عند الموت، فدخل عليّ عبد الرحمن وبيده سواك» .
وفي رواية «جريدة خضراء يشير بها وأنا مسندة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى صدري، فرأيته ينظر إليه، فعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك، فأشار برأسه أي نعم فقّصمته ثم مضغته ونقضته فأخذه، فاستنّ به أحسن ما كان مستتنا.
وروى محمد بن يحيى بن أبي عمرو العرني- برجال ثقات- عنها أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رفع رأسه في مرضه قالت: فأخذته فأسندته إلى صدري فدخل أسامة بن زيد وبيده سواك أراك رطب، فلحظه إليه، فظننت أنه يريده، فأخذته فنكشته بفي، فدفعته إليه فأخذه وأهواه إلى فيه، فخفقت يده فسقط من يده.
وروى الحارث بن أبي أسامة وابن أبي شيبة عنها قالت: «مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أو توفي بين حاقنتي وداقنتي، فلا أكره شدّة الموت لأحد بعد الذي رأيت من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وروى ابن سعد عنها قالت: لا أزال أغبط المؤمن شدة الموت بعد شدته على رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
تنبيهات
الأول: قال السهيلي في هذا الحديث أي: حديث السواك: فيه من الفقه التنظف والتطهر [ولذلك يستحب الاستحداد لمن استشعر القتل أو الموت لأن الميت قادم على ربه كما أن المصلي مناج لربّه فالنظافة من شأنهما.
«السّحر» بسين مفتوحة وتضم وحاء ساكنة مهملتين وبفتحتان الرّئة يريد أنه مات وهو مستند لصدرها ما بين جوفها وعنقها وما ألصق بالحلقوم والمريء من أعلى البطن، ورواه عمارة بن عقيل بشين وجيم معجمتين وسئل عنه فشبك بين أصابع يديه وضمها إلى نحره، كأنه يضم شيئا إليه أي أنّه مات وقد ضمته بيدها إلى صدرها ونحرها، والشحر التشبيك وهو الذقن أيضا والمحفوظ الأول.
«القضم» بالقاف وهو الكسر ودق الشيء وأبانته أي كسّرته فأبانت منه الموضع الذي كان استن به عبد الرحمن، وإن كان تالفا فهو الكسر من غير إبانة.
والحاقنة: المعدة أو النقرة بين الترقوة وحبلي العاتق.
الذاقنة: طرف الحلقوم، وقيل: الذّقن، وقيل: ما يناله الذقن من الصدر. والله تعالى أعلم.
الباب الثاني والعشرون في معاتبته - صلى الله عليه وسلم - نفسه على كراهية الموت
روى ابن سعد عن أبي الحويرث أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يشتك شكوى إلّا سأل الله تعالى العاقبة، حتى كان في مرضه الذي توفي فيه فإنه لم يكن يدعو بالشفاء وطفق يقول: «يا نفسي ما لك تلوذين كلّ ملاذ» .
الباب الثالث والعشرون فيما جاء أنه قبض ثم أري مقعده من الجنة ثم ردت إليه روحه ثم خير
روى الإمام أحمد والشيخان وابن سعد والطّبرانيّ وأبو نعيم بسند صحيح عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول وهو صحيح: ما من نبي إلا تقبض نفسه ثم يرى مقعده من الجنّة ثم تردّ إليه روحه فيخير بين أن يرد إليه إلى أن يلحق، فكنت قد حفظت ذلك، فإني لمسندته إلى صدري، فنظرت إليه قد غشى عليه ساعة حتى مات عنقه، فقلت قد قضى قالت: فعرفت الذي قال: ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت، فنظرت إليه حين ارتفع نظره فقلت: إذا والله لا يختار إلّا الرّفيق الأعلى، مع جبريل وميكائيل وإسرافيل، ومع الّذين أنعم الله عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، فعرفت أنه الحديث الذي حدثناه وهو صحيح. قال الحافظ: وفي «مغازي» أبي الأسود عن عروة: أن جبريل نزل إليه في تلك الحالة «فخيّره» وتقدمت أحاديث في باب «ما يؤثر عنه من ألفاظه» .
الباب الرابع والعشرون في تردد جبريل إليه واستئذان ملك الموت وزيارة إسماعيل صاحب السماء الدنيا له - صلى الله عليه وسلم - وقبض روحه الشريفة وصفة خروجها وصفة الثياب التي قبض فيها
روى ابن سعد والبيهقي عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه معضلاً والإمام الشافعي في مسنده، والطبراني عنه عن جده عن أبي الحسين مرسلا، ومحمد بن يحيى وبقي بن مخلد عنه عن أبيه عن جده عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب موصولا- ورجاله ثقات- أنه لما كان قبل وفاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بثلاثة أيام هبط جبريل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد وفي رواية يا أحمد إنّ الله أرسلني إليك إكراما لك وتفضيلا وخاصّة لك، ليسألك عما هو أعلم به منك - وفي حديث أبي هريرة عن ابن الجوزي فقال: إن الله عز وجل يقرئك السّلام يقول: كيف تجدك؟ قال: «أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا» [فلما كان اليوم الثاني هبط إليه جبريل فقال: يا أحمد إن الله أرسلني إليك إكراما لك وتفضيلا لك وخاصة لك يسألك عما هو أعلم به منك، يقول لك: كيف تجدك؟ قال: «أجدني يا جبريل مغموما؟ وأجدني يا جبريل مكروبا» ] .
فلما كان اليوم الثالث هبط جبريل ومعه ملك الموت، ومعهما ملك آخر يسكن الهواء لم يصعد إلى السماء قط، ولم يهبط إلى الأرض قط، يقال له إسماعيل، على سبعين ألف ملك كلّ ملك على سبعين ألف ملك، فسبقهم جبريل فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك إكراما لك وتفضيلا وخاصة لك، يسألك عما هو أعلم به منك- وفي حديث أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- عند ابن الجوزي فقال: يا محمد إن الله عز وجل يقرئك السّلام [يقول: كيف تجدك؟ قال: «أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا»
وفي حديث أبي الحويرث عند البيهقي «إنّ جبريل قال له: إنّ ربك يقرئك السلام] [ (١) ] ويقول لك: إن شئت شفيتك وكفيتك، وإن شئت توفّيتك، وغفرت لك قال: «ذلك إلى ربّي يصنع بي ما يشاء»
انتهى.
ثم استأذن ملك الموت على الباب فقال جبريل يا أحمد هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستأذن على آدمي كان قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، قال ائذن له، فدخل.
وفي حديث ابن عباس عند الطبراني أنه قال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، إن ربك يقرئك السلام، قال: فبلغني أن ملك الموت لم يسلم على أهل بيت قبله، ولا يسلم بعده.
انتهى.
فوقف بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: إن الله أرسلني إليك، وأمرني أن أطيعك فيما أمرتني، إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها يا أحمد، وإن أمرتني أن أتركها تركتها قال: وتفعل ذلك يا ملك الموت؟ قال نعم، بذلك أمرت أن أطيعك في كل ما أمرتني، فقال جبريل: يا أحمد إن الله قد اشتاق إلى لقائك. فقال: يا ملك الموت امض لما أمرت به فقال جبريل عليه الصلاة والسلام: عليك يا رسول الله، هذا آخر موطئ الأرض.
وفي حديث أبي هريرة عند ابن الجوزي وهذا آخر عهدي بالدّنيا بعدك، وهذا آخر عهدك بها، ولن أستأذن على هالك من بني آدم بعدك، ولن أهبط إلى الأرض على أحد بعدك أبدا، فوجد النبي- صلى الله عليه وسلم- سكرات الموت.
وفي حديث عائشة عند البخاري وغيره: «فبينما رأسه على منكبي إذ مال رأسه نحو رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة، فخرجت من فيه نقطة باردة فوقعت على ثغري ونحري فاقشعرّ لها جلدي، فظننت أنه أغشي عليه، فسجّيته ثوبا.
وفي حديث عائشة عند الطبراني فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يمد يده ويقول: «يا جبريل» وهو يقبضها ويبسطها.
وعند ابن عقبة فلم يزل يغمى عليه ساعة ثم يفيق، ثم يشخّص بصره إلى السماء.
وفي حديث أبي الحويرث عند البيهقي أنه قال: ادن مني يا جبريل، ادن مني يا جبريل.
وفي حديث جعفر بن محمد عن أبيه إنه جعل يقول: «ادن مني يا جبريل، ادن منّي يا جبريل» ثلاثا قالت عائشة: فلقد سمعت ما لم أسمع أدن مني يا جبريل، وهو يقول: لبّيك لبّيك.
وفي حديث علي عند محمد بن يحيى بن أبي عمر- برجال ثقات- فقال جبريل: يا أحمد عليك السلام هذا آخر موطئ الأرض إنما كنت حاجتي من الدنيا.
وفي حديث علي عند أبي نعيم لما قبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صعد ملك الموت باكيا إلى السماء والذي بعثه بالحق. لقد سمعت صوتاً من السماء ينادي وا محمّداه.
انتهى.
وعند ابن عقبة واشتدّ برسول الله- صلى الله عليه وسلم- الوجع فأرسلت إلى علي، وأرسلت حفصة إلى عمر، وأرسلت كلّ امرأة إلى خيمها، فلم يرجعوا حتى توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على صدر عائشة في يومها.
وعند البلاذري عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- رأيت يوما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحمرّ وجهه ويعرق جبينه ولم أكن رأيت قطّ ميّتا قبله ثم قال: أقعديني فأقعدته فأسندته إليّ ووضعت يدي عليه فقلب رأسه فوضعت يدي عنه ووقعت من فيه نقطة على صدري- أو قالت على ترقوتي- فسقط على الفراش فسجّيناه بثوب فتوفي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-.
وفي حديث عائشة عند الإمام أحمد والبزّار والبيهقي بسند صحيح قالت: لما خرجت نفسه لم أجد قطّ ريحا أطيب منها.
وفي حديث لعائشة عند أبي يعلى وأحمد- برجال ثقات- ثم أقبل بوجهه إليّ حتى إذا كان فاه في ثغرة نحري سال من فيه نقطة باردة اقشعرّ منها جلدي، وثار ريح المسك في وجهي، ومال رأسه فظننت أنه غشي عليه، فأخذته فنوّمته على الفراش وغطيت وجهه.
وفي حديث أم سلمة عند البيهقي قال: وضعت يدي على صدر النبي- صلى الله عليه وسلم- يوم مات فمرّ بي جمع، آكل وأتوضّأ ما تذهب ريح المسك من يدي.
وفي حديث ابن عمر عند البلاذري أنه- صلى الله عليه وسلم- لما قبض سجّي بثوب، وقعدنا حوله، فبكى، انتهى، فأتاهم آت يسمعون حسّه ولا يرون شخصه فقال: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته.
وفي حديث ابن عمر عند البلاذري فرددنا عليه السلام فقال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [آل عمران ١٨٥] إلى قوله: مَتاعُ الْغُرُورِ انتهى، إنّ في الله خلفا من كلّ هالك، وعزاء عن كل مصيبة ودركا من كل ما فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا.
وفي حديث ابن عمر عند البلاذري نظركم في النبي ومصيبتكم، فإن المصاب من حرم الثّواب. انتهى.
وفي حديث ابن عمر عند البلاذري فظننا أنه جبريل جاء يعزّينا.
وفي حديث بقي بن مخلد عند الشّعبي وعند المدائني فقال عليّ: هذا الخضر يعزّيّكم عن نبيّكم.
وروى البخاري والطبراني وابن سعد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قالت فاطمة لما مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه من جنّة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل فنعاه، يا أبتاه من ربه ما أدناه.
وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي بردة قال: أخرجت لنا عائشة- رضي الله تعالى عنها- كساء ملبّدا وإزارا غليظا فقالت: قبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في هذين.
وروى الإمام أحمد والبيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: بين سحري ونحري وفي دولتي لم أظلم فيه أحدا. فمن سفهي وحداثة سنّي أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قبض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت مع النساء أبكي وألتدم.
وروى البزار وأبو الحسن بن الضحاك عنها قالت: رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوما في مرضه وقد عرق وجهه وجبينه فقال: «أقعديني» فأسندته إلي فوضعت يدي عليه، فقلب رأسه فرفعت يدي عنه، فظننت أنه يريد شيئا من رأسي، فوقعت من فمه نقطة باردة على صدري، ثم مال فسقط على الفراش فسجّيته بثوب ولم أكن رأيت الموت» .
تنبيهات
الأول: قوله: «إن الله قد اشتاق إلى لقائك» معناه: قد أراد لقاءك بأن يردك من دنياك إلى معادك. زيادة في قربك وكرامتك.
الثاني: روى البيهقي وأبو نعيم من طريق الواقدي عن شيوخه: شكوا في النبي- صلى الله عليه وسلم- قال بعضهم: مات وقال بعضهم: لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفي النبي- صلى الله عليه وسلم- فقالت قد رفع الخاتم من بين كتفيه فكان هذا عرف بعد موت النبي- صلى الله عليه وسلم- ورواه ابن سعد [ (١) ] عن الواقدي حدثني القاسم بن إسحاق عن أمّه عن أبيها القاسم بن محمد بن أبي بكر أو عن أم معاوية أنه لما شك فذكره. قال ابن كثير: والواقدي ضعيف وشيوخه لم يسمون، ثم هو منقطع بكل حال ومخالف لما صحّ، وفيه غرابة شديدة. قلت: وذكر في «الزهر» أن الحاكم رواه في تاريخ نيسابور عن عائشة فطلبت التاريخ لأنظر سنده فرأيت منه مجلدات فمررت عليه فلم أر ذلك فيه فليحرر حاله فإنه كثيرا ما يسأل عن ذلك.
الثالث: اشتهر على الألسنة أن جبريل لا ينزل إلى الأرض بعد موت النبي- صلى الله عليه وسلم-.
قال الشيخ في «فتاويه» وهذا شيء لا أصل له، ومن الدليل على بطلانه ما رواه الطبراني عن ميمونة بنت سعد قالت: قلت: يا رسول الله هل يرقد الجنب قال: «ما أحبّ أن يرقد حتّى يتوضّأ فإنّي أخاف أن يتوفّى فلا يجهزه جبريل» .
وما رواه أيضا نعيم بن حماد [في كتاب الفتن والطبراني] من حديث ابن مسعود عن النبي- صلى الله عليه وسلم- في وصف الدّجّال قال: «فيمرّ بمكة فإذا هو بخلق عظيم فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا ميكائيل بعثني الله لأمنعه من حرمه [ويمر بالمدينة فإذا هو بخلق عظيم فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا جبريل بعثني الله لأمنعه من حرمه]
[ (١) ] . وقال الضحاك: في قوله تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [القدر ٤] إن الروح هنا جبريل، وإنه ينزل مع الملائكة في ليلة القدر، ويسلمون على المسلمين في كل سنة.
الرابع: قول السيدة عائشة «ألتدم» . قال السهيلي وغيره: الالتدام: ضرب الخد باليد، واللّادم: المرأة التي تلدم والجمع: اللّدم بتحريك الدال وقد لدمت المرأة تلدم لدما ولم يدخل هذا في التحريم، لأن التحريم إنما وقع على الصّراخ والنّوح، ولعنت الخارقة والحالقة والصّالقة- وهي الرافعة لصوتها- ولم يذكر اللّدم لكنه وإن لم يذكر فإنه مكروه في حال المصيبة، وتركه أحمد إلا على أحمد- صلّى الله عليه وسلم-: فالصّبر يحمد في المصائب كلّها ... إلّا عليك فإنّه مذموم وقد كان يدعى لابس الصّبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع وهذا الحديث تفرد به ابن إسحاق، وهو حسن الحديث إذا صرح بالتحدث، وقد صرح به فقال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: سمعت عائشة إلخ.
وقول السّهيلي: إنه لا يدخل في التحريم خلاف الصحيح.
الخامس: في بيان غريب ما سبق «سجّيته» : بسين مهملة مفتوحة فجيم: غطيت سائر بدنه.
الباب الخامس والعشرون في إخبار أهل الكتاب بموته - صلى الله عليه وسلم - يوم مات وهم باليمن
روى البخاري عن جرير بن عبد الله- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت باليمن فلقيت رجلين من أهل اليمن ذا كناع وذا عمرو، فجعلت أحدثهم عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال لي: إن كان تقول حقا فقد مضى صاحبك إلى أجله منذ ثلاث، قال: فأقبلت وأقبل معي حتى إذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من قبل المدينة، فسألناهم فقالوا: قبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
[واستخلف أبو بكر، والناس صالحون. قال: فقال لي: أخبر صاحبك أنّا قد جئنا، ولعلنا سنعود- إن شاء الله- ورجع إلى اليمن، قال فأخبرت أبا بكر بحديثهم، فقال: أفلا جئت بهم، قال: فلما كان بعد، قال لي ذو عمر يا جرير، إنّ بك عليّ كرامة وإني مخبرك خبرا، إنكم معشر العرب، لم تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير، تأمرتم في آخر، فإذا كانت بالسيف، كانوا ملوكا يغضبون غضب الملوك، ويرضون رضى الملوك] .
وروى البيهقي من وجه آخر عنه قال: لقيني حبر باليمن فقال: إن كان صاحبكم نبيا فقد مات يوم الاثنين.
وروى عن كعب بن عدي قال: أقبلت في وفد من أهل الحيرة إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فعرض علينا الإسلام فأسلمنا ثم انصرفنا إلى الحيرة فلم نلبث أن جاءنا وفاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فارتدّ أصحابي وقالوا: لو كان نبيا لم يمت فقلت: قد مات الأنبياء قبله، وثبتّ على الإسلام، ثم خرجت أريد المدينة فمررت براهب كنا لا نقطع أمرا دونه فأخبرته فأخرج سفرا فتصفح فيه فإذا بصفة النبي- صلى الله عليه وسلم- كما رأيته وإذا هو يموت في الحين الذي مات فيه، فاشتدّت بصيرتي في إيماني، وقدمت على أبي بكر فأعلمته.
[فأقمت عنده، فوجهني إلى المقوقس، فرجعت، فوجهني أيضا عمر بن الخطاب، فقدمت عليه بكتابه، فأتيته وقعة اليرموك، ولم أعلم بها، فقال لي: علمت أنّ الروم قتلت العدو، وهزمتهم، قلت: كلّا، قال: ولما، قلت: إنّ الله وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن يظهره على الدين كله، وليس يخلف الميعاد، قال: إن نبيكم قد صدقكم، قتلت الروم، والله قتل عاد، ثم سألني عن وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأهدى إليّ، عمرو إليهم، وكان ممن أهدي إليه عليّ وعبد الرحمن والزبير، وأحسبه ذكر العباس، قال كعب: وكنت شريكا لعمر في اليمن في الجاهلية، فلما فرض الديوان، فرض لي في بني عدي بن كعب] .
وروى ابن سعد عن محمد بن عمرو الأسلمي عن شيوخه قالوا: كان عمرو بن العاص عاملا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- على عمان فجاءه يهودي فقال أرأيت إن سألتك عن شيء يخشى عليّ منك؟ قال: لا، قال اليهودي: أنشدك بالله من أرسلك إلينا؟ قال اللهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال اليهودي: الله إنك لتعلم أنه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال له عمرو: اللهم نعم، قال اليهودي: إن كان ما تقول حقا لقد مات اليوم، ثم بلغ عمرو وفاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وروى ابن سعد وأبو نعيم عن الحارث بن عبد الله الجهني قال: بعثني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن ولو أظن أنه يموت لم أفارقه فأتاني الحبر فقال إن محمدا قد مات قلت له: متى؟ قال: اليوم فلو أن عندي سلاحا لقتلته، فلم أمكث إلا يسيرا حتى أتى كتاب من أبي بكر بذلك فدعوت الحبر فقلت: من أين تعلم ذلك؟ فقال: إنه نبي نجده في الكتاب أنه يموت يوم كذا وكذا، قلت: وكيف، يكون بعده؟ قال: تستدير رحاكم إلى خمس وثلاثين سنة ما زاد يوما.
وروى ابن عساكر عن كعب الأحبار قال: خرجت أريد الإسلام فلقيت ذا قربات الحميري، فقال لي: أين تقصد فأخبرته فقال لي: لئن كان نبيا إنه الآن لتحت التراب، فخرجت فإذا أنا براكب فقال: مات محمد.
وروى ابن عساكر عن أبي ذؤيب خويلد وقيل: ابن الحارث الهذلي قال: بلغنا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عليل فاستشعرت حزنا، وبت بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها، ولا يطلع نورها فظللت أقاسي طولها حتى إذا كان قرب السّحر أغفيت فهتف بي هاتف وهو يقول: خطب أجلّ أناخ بالإسلام ... بين النّخيل ومعقد الآطام قبض النّبيّ محمّد فعيوننا ... تذري الدّموع عليه بالتّسجام فوثبت من نومي فزعا فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعد الذّابح فتفاءلت به ذبحا يقع في العرب، وعلمت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد قبض وهو ميّت من علّته، فركبت ناقتي وسرت، فلما أصبحت طلبت شيئا أزجر به فعنّ شيهم- يعني القنفذ- وقد قبض على صل يعني الحية فهي تلتوي عليه والشّيهم يقضمها حتى أكلها، فزجرت ذلك وقلت: الشيهم شيء مهم والتواء الصّل التواء الناس عن الحق على القائم بعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم أوّلت أكل الشيهم إياها غلبة القائم بعده على الأمر فحثثت ناقتي حتى إذا كنت بالغابة فزجرت الطائر، فأخبرني بوفاته ونعب غراب سانح، فنطق بمثل ذلك، فتعوذت بالله من شر ما عنّ لي في طريقي، وقدمت المدينة ولها ضجيج بالبكاء كضجيج الحاج إذا أهلّوا بالإحرام فقلت: مه؟ فقالوا: قبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فجئت إلى المسجد فوجدته خاليا فأتيت بيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأصبت بابه مرتجا، وقيل: هو مسجّى وقد خلا به أهله.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق
«الحيرة» : - بحاء مهملة مكسورة فمثناة تحتية فراء محلة بنيسابور.
السفر: بسين مهملة مكسورة ففاء ساكنة فراء المراد به هنا [جزء من أجزاء التوراة.
تنجاب: - بمثناة فوقية فنون فجيم فألف فباء ينكشف ولا يذهب.
الدّيجور: - بدال مهملة فتحتية فجيم- المراد به هنا] [ (١) ] الظلام الهاتف.
الخطب- بخاء معجمة فطاء مهملة فموحدة هنا الأمر العظيم.
معقد- بفتح القاف وكسرها- الآطام: - حصن مبني بحجارة.
بالتسجام: - بفتح التاء مصدر وبكسر اسم.
أزجر: - بهمزة فزاي فجيم فراء نظير.
شيهم: - بشين معجمة فمثناة تحتية فهاء القنفذ.
الصّل: بصاد مهملة فلام: الحية.
نعب: - بنون فعين مهملة فباء فموحدة: الغراب وغيره، ونعبانا: صاح وصوّت ومد عنقه وحرك رأسه [في صياحه] .
السّانح: - بسين مهملة فألف فنون فحاء مهملة المبارك، وفي المثل: «من لي بالسّانح بعد البارح» أي: المبارك بعد الشؤم.
الباب السادس والعشرون في بيان معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "حياتي خير لكم وموتي خير لكم"
روى مسلم عن أبي موسى- رضي الله تعالى عنه- عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا أراد الله بأمّة خيرا قبض نبيها قبلها فجعله فرطا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هلاك أمّة عذّبها، ونبيّها حيّ، فأهلكها وهو ينظر فيقرّ عينه بهلاكها حيث عذّبوه وعصوا أمره وإنما كان قبض النبي- صلى الله عليه وسلم- خيرا لأمته لأنهم إذا قبضوا قبله انقطعت أعمالهم وإذا أراد الله بهم خيرا جعل خيرهم مستمرا ببقائهم محافظين على ما أمروا به من العبادات وحسن المعاملات، نسلا بعد نسل، وعقبا بعد عقب» .
وروى ابن سعد وإسماعيل القاضي- بسند رجاله ثقات- عن بكر بن عبد الله المازني مرسلا قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خير لكم، تعرض عليّ أعمالكم، فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت شرا استغفرت لكم» . قال الشيخ: - رحمه الله تعالى- في «فتاويه» : ليس قوله (خيرا) أفعل تفضيل فإن (خيرا) لها
أحدهما
أن يراد بها معنى التفضيل لا الأفضلية، وضدها الشر وهي كلمة باقية على أصلها لم يحذف منها شيء.
والثاني
أن يراد بها معنى الأفضلية، وهي التي توصل ب «من» وهذه أصلها أخير حذفت همزتها تخفيفا، ويقابلها شر التي أصلها أشر. قال في «الصحاح» : الخير ضد الشر قال الشاعر: فما كنانة في خير بخائرة ... ولا كنانة في شرّ بأشرار وتأنيث هذه خيّرة وجمعها: خيرات وهن الفاضلات من كل شيء، قال تعالى: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ [الرحمن ٧٠] أُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ [التوبة ٨٨] ولم يريدوا بها معنى أفعل فلو أردت معنى التفضيل قلت: فلانة خير الناس ولم تقل: خيرة [وفلان خير الناس ولم تقل أخير] ولا تثنى ولا تجمع، لأنه في معنى أفعل انتهى كلام الصحاح.
وقال الراغب في «مفردات القرآن» الخير والشر يقالان على
وجهين أحدهما
أن يكونا اسمين كقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران ١٠٤] .
الثاني
أن يكونا وصفين وتقديرهما تقدير أفعل من نحو: هذا خير من ذاك وأفضل وقوله تعالى: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها [البقرة ١٠٦] ويحتمل الاسمية والوصفية معا كقوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة ١٨٤] . وقال أبو حيان في «البحر» في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ [البقرة ١٠٣] ليس «خير» هذا أفعل تفضيل بل هي للتفضيل لا للأفضلية كما في قوله تعالى: أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ [فصلت ٤٠] وخَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان ٢٤] .
وفي قول حسان: ............... ..... ... فشرّكما لخيركما الفداء وإذا عرفت ذلك «فخير» من الحديث من القسم الأوّل وهي التي يراد بها التفضيل لا الأفضلية، فلا توصل ب «من» وليست بمعنى أفعل وإنما المقصود إن في كل من حياته ومماته- صلى الله عليه وسلم- خيرا لا أن هذا خير من هذا، ولا أن هذا خير من هذا.
الباب السابع والعشرون في عظم المصيبة وما نزل بالمسلمين بموته - صلى الله عليه وسلم - والظلمة التي غشيت المدينة وتغير قلوب الناس وأحوالهم وبعض ما رثي به من الشعر
روى ابن ماجة عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: فتح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بابا بينه وبين الناس أو كشف سترا فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم ورجاء أن يخلفه الله فيهم بالذي رآهم فقال: يا أيها الناس أيّما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزّ بمصيبته بيّ عن المصيبة التي تصيبه بغيري فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي.
وروى ابن سعد وابن الجوزي عن عطاء مرسلا قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إذا أصابت أحدكم بمصيبة فليذكر مصابه بي، فإنّها من أعظم المصائب»
[ (١) ] .
وروى البيهقي عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت: يا لها من مصيبة ما أصبنا بعدها بمصيبة إلا هانت، إذا ذكرنا مصيبتنا به- صلى الله عليه وسلم-.
وروى ابن سعد عن سهل بن سعد- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «سيعزّي الناس بعضهم بعضا من بعدي التعزية بي»
[ (٢) ] فكان الناس يقولون: ما هذا؟ فلما قبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لقى الناس بعضهم بعضا يعزّي بعضهم برسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد ... واعلم بأنّ المرء غير مخلّد واصبر كما صبر الكرام فإنّها ... نوب تنوب اليوم تكشف في غد وإذا أتتك مصيبة تسجى بها ... فاذكر مصابك بالنّبيّ محمّد وقال القائل: تذكّرت لمّا فرّق الدّهر بيننا ... فعزّيت نفسي بالنّبيّ محمّد وقلت لها إنّ المنايا سبيلنا ... فمن لم يمت في يومه مات في غد قال ابن المنير: لما توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وسجّته الملائكة ودهش الناس واختلف أحوالهم في ذلك وأفحموا واختلطوا فمنهم من خبل ومنهم من أقعد ومنهم من أصمت فلم يطق الناس الكلام، ومنهم من أخبل فكان عمر فجعل يجلب ويصيح ما مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران حين غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم، وكان ممن أقعد وفي لفظ عقر علي فلم يستطع حراكا، وكان من أخرس عثمان بن عفان حتى جعل يذهب به ويجاء ولا يستطيع كلاما، وأما عبد الله بن أنيس فأضنى حتى مات كمدا.
وروى ابن سعد عن عكرمة قال: لما توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قالوا: عرج بروحه كما عرج بروح عيسى الحديث وقال العباس- رضي الله تعالى عنه-: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يأسن كما يأسن البشر وإن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد مات ... إلى آخره، فهذا مرسل كما ترى، ورواه إسحاق بن راهويه بسند رجاله رجال البخاري إلا أنّ عكرمة لم يسمع من العباس فإن كان الواسطة بينهما عبد الله بن عباس فهو صحيح، وقد رواه الطبراني من طريق ابن عيينة عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس عن العباس بنحوه وهو على شرط البخاري. قال الحافظ ابن حجر فما وجد بخطه: وهذا الذي قاله العباس لم ينقله عن توقيف بل اجتهادا على العادة ولا يستلزم أن يقع ذلك، ولما قبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تزيّنت الجنان لقدوم روحه الكريمة كزينة المدينة يوم قدومه إذا كان عرش الرّحمن قد اهتزّ بموت بعض أتباعه فرحا واستبشارا فكيف بقدوم روح الأرواح، وكادت الجمادات تتصدّع من ألم مفارقته- صلى الله عليه وسلم- فكيف بقلوب المؤمنين لما فقد الجذع الذي كان يخطب إليه قبل اتخاذ المنبر حنّ إليه وصاح، كان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى وقال: هذه خشبة تحن إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه. فلو ذاق من طعم الفراق رضوى ... لكان من وجده يميد فقد حمّلوني عذاب شوق ... يعجز عن حمله الحديد وقال غيره: وقد كان يدعى لابس الصّبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع وروى أبو علي بن شاذان عن سالم بن عبيد الأشجعي قال: لما مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان أجزع النّاس عليه عمر بن الخطاب.
وروى أبو الحسن البلاذري بسند جيد عن عروة قال: لما مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دخل عمر فأصابه خبل فأقبل يقول ما مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وروى أيضا عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: بكى الناس يوم مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى النساء في الخدور، وكادت البيوت تسقط من الصّراخ.
وروى ابن عساكر عن أبي ذؤيب الهذلي: أنه لما قدم المدينة يوم مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فإذا لها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلّوا بالإحرام.
وروى ابن سعد عن القاسم بن محمد أن رجلا من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذهب بصره فدخل عليه أصحابه يعودونه، فقال: إنما كنت أريدهما لأنظر بهما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأما إذ قبض الله نبيّه فما يسرني أن ما بهما بظبي من ظباء تبالة.
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى بسند صحيح وابن أبي شيبة والبزار والطبراني عن الزهري قال: أخبرني رجل من الأنصار من أهل الثقة، وأبو عبد الله بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعنا عثمان بن عفان يقول: لما مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وسوس رجال فإني كنت فيمن وسوس فمر عليّ عمر فسلّم فلم أردّ عليه ما علمت بتسليمه ... الحديث.
وروى ابن سعد وابن أبي شيبة والإمام أحمد وابن عدي والدارقطني في «الإفراد» والعقيلي والبيهقي في «شعب الإيمان» والضياء عن عثمان- رضي الله تعالى عنه- أن رجالا من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حزنوا عليه حتى كاد بعضهم يوسوس وكنت منهم فقلت لأبي بكر: توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قبل أن أسأله عن نجاة هذه الأمة، قال أبو بكر: قد سألته عن ذلك، فقال: من قبل مني الكلمة التي عرضتها على عمي فردها عليّ فهي له نجاة.
وروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه والبيهقي بسند قال ابن كثير: على شرط الشيخين عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: لما كان اليوم الذي [دخل فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي] [ (١) ] مات فيه أظلم من المدينة كل شيء.
وفي رواية: أظلمت المدينة حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض، وكان أحدنا يبسط يده فلا يبصرها، وفي رواية: فلم أر يوما أقبح منه فما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا انتهى.
وروى الإمام أحمد ومسلم والبيهقيّ عنه قال: إن أمّ أيمن بكت لما قبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقيل لها: ما يبكيك يا أم أيمن ما عند الله خير لرسوله- صلى الله عليه وسلم- قد أكرم الله نبيه- صلى الله عليه وسلم- وأدخله جنته، وأراحه من نصب الدنيا فقالت: والله ما أبكي، أن لا أكون أعلم أنّ ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء كان يأتينا غضّا جديدا كل يوم وليلة، فعجب الناس من قولها» .
وروى أبو الربيع بهذا اليوم- يعني يوم الاثنين- كم خير لست فيه إلى أهل الأرض وأي مصيبة نزلت فيه عشية ضاق عنها منفسح الطول والعرض: وهل عدلت يوما رزيئة هالك ... رزيئة يوم مات فيه محمّد فيا لها والله مصيبة أحرقت الأكباد ... وغمرت بالأسف والحزن الأبناء والآباء وزرا ثقيلا إلى كاهل الإيمان منه ما أباد ... وخطبا جليلا أودى بكلّ جميل أو كاد وأنشد بعض الأنصار عند موته- صلّى الله عليه وسلم-: فالصّبر يحمد في المصائب كلّها ... إلّا عليك فإنّه مذموم ولولا أن الله سبحانه وتعالى ربط على القلوب من بعده بأمر من عنده لأورث مكانها كمدا، ولما وجدت إلى البقاء مستلفا ولا عن وحي الغناء ملتحدا. وقال أبو الفتح: فيا له من خطب جلّ على الخطوب ... ومصاب دمع العين كيف يصوب؟ ورزّء عزيت له النّيران ... ولا تعلّل شروقها والغروب وجادت هجمة الموت فلا نجا ... منها هارب ولا فرار منه لمطلوب ولا صباح له فتجلو غياهبه الملمة ودياجيه المدلهمة، ولكل ليل إذا رجى صباح يؤوب، ومن شر أهل الأرض ثم بكى أنس، بكى بعيون سرفها وقلوب فإنا لله وإنا إليه راجعون. من نار حنت عليه الأضالع ... ولا تخبو ولا تخمد ومصيبة تستكّ منها المسامع ... فلا يبكّي على مرّ الجديد من حزنها المجدّد وهل عدلت يوما رزيئة هالك ... رزيئة يوم مات فيه محمّد وما فقد الماضون مثل محمّد ... ولا مثله حتّى القيامة يفقد وقال أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- فيما ذكره ابن سعد يرثيه- صلى الله عليه وسلم-: أجدّك ما لعينك لا تنام ... كأنّ جفونها فيها كلام بوقع مصيبة عظمت وجلّت ... فدمع العين أهونه انسجام فجعنا بالنّبيّ، وكان فينا ... مقدّمنا، وسيدنا الإمام وكان قوامنا، والرأس فينا ... فنحن اليوم ليس لنا قوام ننوح ونشتكي ما قد لقينا ... ويشكو فقده البلد الحرام كأنّ أنوفنا لاقين جدعا ... لفقد محمّد، فيها اصطلام لفقد أغرّ أبيض هاشميّ ... إمام نبوّة، ربه الختام أمين، مصطفى، للخير يدعو ... كضوء البدر زايله الظّلام سأتبع هديه ما دمت حيّا ... طوال الدّهر ما سجع الحمام كأنّ الأرض بعدك طار فيها ... فأشعلها لساكنها ضرام وفقد الوحي إذ ولّيت عنّا ... وودّعنا من الله الكلام سوى أن قد تركت لنا سراجا ... تواريه القراطيس الكرام لقد ورّثتنا مرآة صدق ... عليك به التّحيّة والسّلام من الرّحمن في أعلى جنان ... من الفردوس طاب بها المقام رفيق أبيك إبراهيم فيه ... وما في مثل صحبته ندام وإسحاق وإسماعيل فيه ... بما صلّوا لربّهم وصاموا وقال أيضاً- رضي الله تعالى عنه- ورحمه: يا عين فابكي ولا تسأمي، ... وحقّ البكاء على السّيّد! على خير خندف عند البلا ... ء أمسى يغيّب في الملحد فصلّى المليك وليّ العباد ... وربّ البلاد على أحمد فكيف الحياة لفقد الحبيب ... وزين المعاشر في المشهد؟ فليت الممات لنا كلّنا ... وكنّا جميعا مع المهتدي!
وقال أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- فيما ذكره ابن سعد: لمّا رأيت نبيّنا متجدّلا ... ضاقت عليّ بعرضهنّ الدّور وارتعت روعة مستهام واله، ... والعظم مني واهن مكسور أعتيق ويحك! إنّ حبّك قد ثوى ... وبقيت منفردا وأنت حسير يا ليتني من قبل مهلك صاحبي ... غيّبت في جدث عليّ صخور! فلتحدثنّ بدائع من بعده، ... تعيا بهنّ جوانح وصدور وقال أبو بكر أيضا: فيما ذكره ابن سعد: باتت تأوّبني هموم ... حشّد ... مثل الصّخور فأمست هدّت الجسدا يا ليتني حيث نبّئت الغداة به ... قالوا الرّسول قد امسى ميّتا فقدا ليت القيامة قامت بعد مهلكه، ... ولا نرى بعده مالا ولا ولدا! والله أثني علي شيء فجعت به ... من البريّة حتّى أدخل اللّحدا كم لي بعدك من همّ ينصّبني ... إذا تذكّرت أني لا أراك أبدا! كان المصفّاء في الأخلاق قد علموا، ... وفي العفاف فلم نعدل به أحدا نفسي فداؤك من ميت ومن بدن! ... ما أطيب الذّكر والأخلاق والجسدا!
وقال عبد الله بن أنيس- رضي الله تعالى عنه- فيما ذكره ابن سعد: تطاول ليلي واعترتني القوارع ... وخطب جليل للبلية جامع! عذاة نعى النّاعي إلينا محمّدا، ... وتلك الّتي تستكّ منها المسامع فلو ردّ ميتا قتل نفسي قتلتها! ... ولكنه لا يدفع الموت دافع فآليت لا أثني على هلك هالك ... من النّاس، ما أوفى ثبير وفارع ولكنّني باك عليه ومتبع ... مصيبته. إنّي إلى الله راجع! وقد قبض الله النّبيّين قبله، ... وعاد أصبيت بالرّزى والتّبابع فيا ليت شعري! من يقوم بأمرنا؟ ... وهل في قريش من إمام ينازع؟ ثلاثة رهط من قريش هم هم ... أزمّة هذا الأمر، والله صانع عليّ أو الصّدّيق أو عمر لها، ... وليس لها بعد الثّلاثة رابع! فإن قال منّا قائل غير هذه ... أبينا، وقلن: الله راء وسامع فيا لقريش! قلّدوا الأمر بعضهم، ... فإنّ صحيح القول للناس نافع ولا تبطئوا عنها فواقا فإنّها ... إذا قطعت لم يمن فيها المطامع وقال حسان بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- فيما ذكره ابن سعد: يا عين جودي بدمع منك إسبال! ... ولا تملّنّ من سحّ وإعوال! لا ينفدن لي بعد اليوم دمعكما، ... إنّي مصاب وإنّي لست بالسّالي فإنّ منعكما من بعد بذلكما ... إيّاي مثل الّذي قد غرّ بالآل! لكن أفيضي على صدري بأربعة، ... إنّ الجوانح فيها هاجس صالي سحّ الشّعيب وماء الغرب يمنحه ... ساق يحمّله ساق بإزلال حامي الحقيقة نسّال الوديقة فكّ ... اك العناة، كريم ماجد عال! على رسول لنا محض ضريبته، ... سمح الخليقة، عفّ غير مجهال! كشّاف مكرمة، مطعام مسغبة، ... وهّاب عانية وجناء شملال! عفّ مكاسبه، جزل مواهبه، ... خير البريّة سمح غير نكّال! واري الزّناد وقوّاد الجياد إلى ... يوم الطّراد، إذا شبّت بأجذال ولا أزكّي على الرّحمن ذا بشر ... لكنّ علمك عند الواحد العالي! إنّي أرى الدّهر والأيام يفجعني ... بالصّالحين، وأبقى ناعم البال! يا عين فابكي رسول الله إذ ذكرت ... ذات الإله، فنعم القائد الوالي! وقال فيما ذكره ابن سعد- رضي الله تعالى عنه-: يا عين فابكي بدمع ذرى ... لخير البريّة والمصطفى! وبكّي الرّسول! وحقّ البكاء ... عليه، لدى الحرب عند اللّقا! على خير من حملت ناقة، ... وأتقى البريّة عند التّقى على سيّد ماجد جحفل، ... وخير الأنام وخير اللها! له حسب فوق كلّ الأنا ... م من هاشم ذلك المرتجى نخصّ بما كان من فضله، ... وكان سراجا لنا في الدّجى! وكان بشيرا لنا منذرا، ... ونورا لنا ضوءه قد أضا فأنقذنا الله في نوره، ... ونجّى برحمته من لظى! وقالت عاتكة بنت عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما: عينيّ، جودا طوال الدّهر وانهمرا ... سكبا وسحّا بدمع غير تعذير! يا عين، فاسحنفري بالدّمع واحتفلي ... حتّى الممات بسجل غير منزور يا عين فانهملي بالدّمع واجتهدي ... للمصطفى، دون خلق الله، بالنّور بمستهلّ من الشّؤبوب ذي سيل، ... فقد رزئت نبيّ العدل والخير! وكنت من حذر للموت مشفقة، ... والّذي خطّ من تلك المقادير! من فقد أزهر ضافي الخلق ذي فخر ... صاف من العيب والعاهات والزّور! فاذهب حميدا! جزاك الله مغفرة، ... يوم القيامة، عند النّفخ في الصّور وقال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه فيما ذكره ابن إسحاق: بطيبة رسم للرّسول ومعهد ... منير وقد تعفو الرّسوم وتهمد ولا تمتحي الآيات من دار حرمة ... بها منبر الهادي الّذي كان يصعد وواضح آثار وباقي معالم ... وربع له فيه مصلّى ومسجد بها حجرات كان ينزل وسطها ... من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها ... أتاها البلى فالآي منها تجدّد عرفت بها رسم الرّسول وعهده ... وقبرا بها واراه في التّرب ملحد ظللت بها أبكي الرّسول فأسعدت ... عيون ومثلاها من الجفن تسعد يذكّرن آلاء الرّسول وما أرى ... لها محصيا نفسي فنفسي تبلّد مفجّعة قد شفّها فقد أحمد ... فظلّت لآلاء الرّسول تعدّد وما بلغت من كلّ أمر عشيره ... ولكن لنفسي بعد ما قد توجّد أطالت وقوفا تذرف العين جهدها ... على طلل القبر الّذي فيه أحمد فبوركت يا قبر الرّسول وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرّشيد المسدّد وبورك لحد منك ضمّن طيّبا ... عليه بناء من صفيح منضّد تهيل عليه التّرب أيد وأعين ... عليه وقد غارت بذلك أسعد لقد غيّبوا حلما وعلما ورحمة ... عشيّة علّوه الثّرى لا يوسّد وراحوا بحزن ليس فيهم نييّم ... وقد وهنت منهم ظهور وأعضد يبكون من تبكي السّماوات يومه ... ومن قد بكته الأرض فالنّاس أكمد وهل عدلت يوما رزيّة هالك ... رزيّة يوم مات فيه محمّد تقطّع فيه منزل الوحي عنهم ... وقد كان ذا نور يغور وينجد يدلّ على الرّحمن من يقتدى به ... وينقذ من هول الخزايا ويرشد إمامٌ لهم يهديهم الحقّ جاهداً ... معلّم صدقٍ إن يطيعوه يسعدوا عفوٌّ عن الزّلاّت يقبل عذرهم ... وإن يحسنوا فالله بالخير أجود وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله ... فمن عنده تيسير ما يتشدّد فبينا هم في نعمة الله بينهم ... دليل به نهج الطّريقة يقصد عزيز عليه أن يجورا عن الهدى ... حريص على أن يستقيموا ويهدوا
عطوفٌ عليهم لا يثني جناحه ... إلى كنفٍ يحنو عليهم ويمهد فبينا هم في ذلك النّور إذ غدا ... إلى نورهم سهم من الموت مقصد فأصبح محموداً إلى الله راجعاً ... يبكّيه حقّ المرسلات ويحمد وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها ... لغيبة ما كانت من الوحي تعهد قفارا سوى معمورة اللّحد ضافها ... فقيد يبكّيه بلاط وغرقد ومسجده فالموحشات لفقده ... خلاء له فيه مقام ومقعد وبالجمرة الكبرى له ثمّ أوحشت ... ديار وعرصات وربع ومولد فبكى رسول الله يا عين عبرة ... ولا أعرفنك الدّهر دمعك يجمد وما لك لا تبكين ذا النّعمة الّتي ... على النّاس منها سابغ يتغمّد فجودي عليه بالدّموع وأعولي ... لفقد الّذي لا مثله الدّهر يوجد وما فقد الماضون مثل محمّد ... ولا مثله حتّى القيامة يفقد أعفّ وأوفى ذمّة بعد ذمّة ... وأقرب منه نائلا لا ينكّد وأبذل منه للطّريف وتالد ... إذا ضنّ معطاء بما كان يتلد وأكرم صيتاً في البيوت إذا انتمى ... وأكرم جدّاً أبطحيّاً يسوّد وأمنع ذروات وأثبت في العلا ... دعائم عزّ شاهقات تشيّد وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا ... وعودا غذاه المزن فالعود أغيد ربّاه وليدا فاستتمّ تمامه ... على أكرم الخيرات ربّ ممجّد تناهت وصاة المسّلمين بكفّه ... فلا العلم محبوس ولا الرّأي يفند أقول ولا يلقى لقولي عائب ... من النّاس إلا عازب العقل مبعد وليس هواي نازعا عن ثنائه ... لعلّي به في جنّة الخلد أخلد مع المصطفى أرجوا بذاك جواره ... وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد وقال حسان بن ثابت أيضا [يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم] : ما بال عينك لا تنام كأنّما ... كحلت مآقيها بكحل الأرمد جزعاً على المهديّ أصبح ثاوياً ... يا خير من وطئ الحصى لا تبعد وجهي يقيك التّرب لهفي ليتني ... غيّبت قبلك في بقيع الغرقد بأبي وأمي من شهدتّ وفاته ... في يوم الاثنين النّبيّ المهتدي فظللت بعد وفاته متبلّدا ... متلدّدا يا ليتني لم أولد أأقيم بعدك بالمدينة بينهم ... يا ليتني صبّحت سمّ الأسود أو حلّ أمر الله فينا عاجلا ... في روحة من يومنا أو من غد فتقوم ساعتنا فنلقى طيّبا ... محضا ضرائبه كريم المحتد يا بكر آمنة المبارك بكرها ... ولدته محصنة بسعد الأسعد نورا أضاء على البريّة كلّها ... من يهد للنّور المبارك يهتدي يا ربّ فاجمعنا معا ونبيّنا ... في جنّة تثني عيون الحسّد في جنّة الفردوس فاكتبها لنا ... يا ذا الجلال وذا العلا والسّؤدد والله أسمع ما بقيت بهالك ... إلّا بكيت على النبيّ محمّدٍ يا ويح أنصار النّبيّ ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد ضاقت بالأنصار البلاد فأصبحوا ... سودا وجوههم كلون الإثمد ولقد ولدناه وفينا قبره ... وفضول نعمته بنا لا تجحد والله أهداه لنا وهدى به ... أنصاره في كل ساعة مشهد صلّى الإله ومن يحفّ بعرشه ... والطيّبون على المبارك أحمد وقال رضي الله عنه: نبّ المساكين أنّ الخير فارقهم ... مع النّبيّ تولّى عنهم سحرا من ذا الّذي عنده رحلي وراحلتي ... ورزق أهلي إذا لم يؤنسوا المطرا أم من نعاتب لا نخشى جنادعه ... إذا اللّسان عتا في القول أو عثرا كان الضّياء وكان النّور نتبعه ... بعد الإله وكان السّمع والبصرا فليتنا يوم واروه بملحدة ... وغيّبوه وألقوا فوقه المدرا لم يترك الله منّا بعده أحدا ... ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا ذلّت رقاب بني النّجّار كلّهم ... وكان أمرا من أمر الله قد قدرا واقتسم الفيء دون النّاس كلّهم ... وبدّدوه جهارا بينهم هدرا وقال حسان بن ثابت يبكي رسول الله- صلى الله عليه وسلم أيضا: آليت ما في جميع النّاس مجتهدا ... منّي أليّة برّ غير إفناد تالله، ما حملت أنثى ولا وضعت ... مثل الرّسول نبيّ الأمّة الهادي ولا برا الله خلقا من بريّته ... أوفى بذمّة جار أو بميعاد من الّذي كان فينا يستضاء به ... مبارك الأمر ذا عدل وإرشاد أمسى نساؤك عطّلن البيوت فما ... يضربن فوق قفا ستر بأوتاد مثل الرّواهب يلبسن المباذل قد ... أيقنّ بالبؤس بعد النّعمة البادي يا أفضل النّاس إنّي كنت في نهر ... أصبحت منه كمثل المفرد الصّادي وقال أيضاً- رضي الله تعالى عنه-: أن الرّزيّة لا رزيّة مثلها ... ميت بطيبة مثله لم يفقد ولقد أصيب جميع أمّته به ... من كان مولودا، ومن لم يولد والنّاس كلّهم بما قد عالهم ... يرجو شفاعته بذاك المشهد حتّى الخليل أبوه في أشياعه ... ونجيّه موسى النّبيّ المهتدي متواضعين لربّهم برقابهم ... تلك الفضيلة، واجتماع السّؤدد يا خير من شدّ المطيّة نحوه ... وفد لحاجته يروح ويغتدي أنت الّذي استنقذتنا من حفرة ... من يهو فيها من هواه يبعد فهديتنا بعد الضّلالة والرّدى ... بهدى الإله إلى السّبيل الأرشد فجزاك عنّا الله خير جزائه ... بمقام محمود المقام مسدّد وقالت عاتكة بنت عبد المطلب- رضي الله تعالى عنها-: يا عين، جودي- ما بقيت- بعبرة ... سحّا على خير البريّة أحمد يا عين، فاحتفلي وسحّي واسجمي ... وابكي على نور البلاد محمّد! أنّى، لك الويلات! مثل محمّد ... في كلّ نائبة تنوب ومشهد؟
فابكي المبارك والموفّق ذا التّقى، ... حامي الحقيقة ذا الرّشاد المرشد من ذا يفكّ عن المغلّل غلّه ... بعد المغيّب في الضّريح الملحد؟ أم من لكلّ مدفّع ذي حاجة، ... ومسلسل يشكو الحديد مقيّد؟ أم من لوحي الله يترك بيننا ... في كلّ ممسى ليلة أو في غد؟ فعليك رحمة ربّنا وسلامه، ... يا ذا الفواضل والنّدى والسّودد! هلّا فداك الموت كلّ ملعّن ... شكس خلائقه لئيم المحتد؟ وقالت أيضاً- رضي الله تعالى عنها-: أعينيّ، جودا بالدّموع السّواجم ... على المصطفى بالنّور من آل هاشمٍ على المصطفى بالحقّ والنّور والهدى ... وبالرّشد بعد المندبات العظائم وسحّا عليه وابكيا، ما بكيتما، ... على المرتضى للمحكمات العزائم على المرتضى للبرّ والعدل والتّقى، ... وللدّين والإسلام بعد المظالم على الطّاهر الميمون ذي الحلم والنّدى ... وذي الفضل والدّاعي لخير التّراحم أعينيّ، ماذا، بعد ما قد فجعتما ... به، تبكيان الدّهر من ولد آدم؟ فجودا بسجل واندبا كل شارق ... ربيع اليتامى في السّنين البوازم! وقالت أروى بنت عبد المطلب- رضي الله تعالى عنها-: ألا يا عين! ويحك أسعديني ... بدمعك، ما بقيت، وطاوعيني ألا يا عين ويحك! واستهلّي ... على نور البلاد وأسعديني! فإن عذلتك عاذلة فقولي: ... علام وفيم، ويحك! تعذليني؟ على نور البلاد معا جميعا ... رسول الله أحمد فاتركيني فإلّا تقصري بالعذل عنّي، ... فلومي ما بدا لك أو دعيني! لأمر هدّني وأذلّ ركني، ... وشيّب بعد جدّتها قروني! وقالت أيضاً- رضي الله تعالى عنها-: إلا يا رسول الله، كنت رجاءنا، ... وكنت بنا برّا ولم تك جافيا! وكنت بنا روفا رحيما نبيّنا، ... ليبك عليك اليوم من كان باكيا! لعمرك، ما أبكي النّبي لموته! ... ولكن لهرج كان بعدك آتيا كأنّ على قلبي لذكر محمّد، ... وما خفت من بعد النّبيّ المكاويا أفاطم، صلّى الله، ربّ محمّد، ... على جدث أمسى بيثرب ثاويا! أبا حسن، فارقته وتركته، ... فبكّ بحزن آخر الدّهر شاجيا! فدا لرسول الله أمّي وخالتي ... وعمّي ونفسي قصرة ثمّ خاليا صبرت وبلّغت الرّسالة صادقا، ... وقمت صليب الدّين أبلج صافيا! فلو أنّ ربّ النّاس أبقاك بيننا ... سعدنا، ولكن أمرنا كان ماضيا! عليك من الله السّلام تحيّة، ... وأدخلت جنّات من العدن راضيا! وقال كعب بن مالك- رضي الله تعالى عنه-: وباكية حرّاء تحزن بالبكا ... وتلطم منها خدّها والمقلّدا على هالك بعد النّبيّ محمّد ... ولو علمت لم تبك إلّا محمّدا فجعنا بخير النّاس حيّا وميّتا ... وأدناه من ربّ البريّة مقعدا وأفظعهم فقدا على كل مسلم ... وأعظمهم في النّاس كلّهم يدا لقد ورثت أخلاقه المجد والثّقى ... فلم تلقه إلّا رشيدا ومرشدا وقالت صفية بنت عبد المطلب- رضي الله تعالى عنها-: لهف نفسي! وبتّ كالمسلوب ... آرق اللّيل فعلة المحروب! من هموم وحسرة ردفتني، ... ليت أنّي سقيتها بشعوب! حين قالوا: إنّ الرّسول قد امسى ... وافقته منيّة المكتوب! إذ رأينا أنّ النّبيّ صريع، ... فأشاب القذال أيّ مشيب إذ رأينا بيوته موحشات، ... ليس فيهنّ بعد عيش حبيبي أورث القلب ذاك حزنا طويلا، ... خالط القلب، فهو كالمرعوب ليت شعري! وكيف أمسي صحيحا ... بعد أن بين بالرّسول القريب؟ أعظم الناس في البريّة حقّا، ... سيّد النّاس حبّه في القلوب فإلى الله ذاك أشكوا وحسبي، ... يعلم الله حوبتي ونحيبي! وقالت أيضاً- رضي الله تعالى عنها-: أفاطم، بكّي ولا تسأمي ... بصبحك، ما طلع الكوكب! هو المرء يبكى، وحقّ البكاء! ... هو الماجد السّيّد الطّيّب! فأوحشت الأرض من فقده، ... وأيّ البريّة لا ينكب؟ فما لي بعدك حتّى المما ... ت إلّا الجوى الدّاخل المنصب فبكّي الرّسول! وحقّت له ... شهود المدينة والغيّب! لتبكيك شمطاء مضرورة، ... إذا حجب النّاس لا تحجب ليبكيك شيخ أبو ولدة ... يطوف بعقوته أشهب ويبكيك ركب إذا أرملوا، ... فلم يلف ما طلب الطّلّب وتبكي الأباطح من فقده، ... وتبكيه مكّة والأخشب وتبكي وعيرة من فقده ... بحزن ويسعدها الميثب! فعيني ما لك لا تدمعين؟ ... وحقّ لدمعك يستكب! وقالت صفية بنت عبد المطلب- رضي الله تعالى عنها-: ما لعينيّ لا تجودان ريّا ... إذ فقدنا خير البريّة حيّا يوم نادى إلى الصّلاة بلال ... فبكينا عند النّداء مليّا لم أجد قبلها، ولست بلاق ... بعدها غصّة أمرّ عليّا جلّ يوم أصبحت فيه عليلا ... لا يردّ الجواب منك إليّا ليت يومي يكون قبلك يوما ... أنضج القلب للحرارة كيّا خلقا عاليا، ودينا كريما ... وصراطا يهدى إليه سويّا وسراجا يجلو الظّلام منيرا ... ونبيّا مسدّدا عربيّا حازما، عازما، حليما، كريما ... عائدا بالنّوال، برّا تقيّا إنّ يوما أتى عليك ليوم ... كوّرت شمسه وكانت جليّا فعليك السّلام منّا ومن ... ربّك بالرّوح بكرة وعشيّا وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن عبد المطلب- رضي الله تعالى عنها-: [أشاب ذؤابتي وأذلّ ركني ... بكاؤك، فاطم، الميت الفقيدا فأعطيت العطاء فلم تكدّر، ... وأخدمت الولائد والعبيدا وكنت ملاذنا في كلّ لزب، ... إذا هبّت شامية برودا]
وإنّك خير من ركب المطايا، ... وأكرمهم إذا نسبوا جدودا! [رسول الله فارقنا، وكنّا ... نرجّي أن يكون لنا خلودا] أفاطم! فاصبري فلقد أصابت ... رزيئتك التّهائم والنّجودا وأهل البرّ والأبحار طرّا، ... فلم تخطئ مصيبته وحيدا وكان الخير يصبح في ذراه، ... سعيد الجدّ قد ولد السّعودا! فموتي إن قدرتي أن تموتي ... فقدتّ الطّيّب الرّجل الحميدا رسول الله خير النّاس حقّا ... فلست أرى له أبدا مديدا وقال عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه-: ما زالت مذ وضع الفراش لجنبه ... وثوى مريضا خائفا أتوقّع شفقا عليه أن يزول مكانه ... عنّا، فنبقى بعده نتوجّع نفسي فداؤك من لنا في أمرنا ... أو من نشاوره إذا فترجّع وإذا تحدّثنا الحوادث: من لنا ... بالوحي من ربّ رحيم يسمع ليت السّماء تفطّرت أكنافها ... وتناثرت فيها النّجوم الطّلّع لمّا رأيت النّاس هدّ جميعهم ... صوت ينادي بالنّعيّ فيسمع وسمعت صوتا قبل ذلك هدّني ... عبّاس ينعاه بصوت يقطع فليبكه أهل المدائن كلّها ... والمسلمون بكلّ أرض تجدع وقال علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه-: ألا طرق النّاعي بليل فراعني ... وأرّقني لمّا استهلّ مناديا فقلت له لمّا رأيت الّذي أتى ... أغير رسول الله أصبحت ناعيا فحقّق ما أشفيت منه ولم يبل ... وكان خليلي عدّتي وجماليا فو الله، لا أنساك أحمد ما مشت ... بي العيس في أرض وجاوزت واديا وكنت متى أهبط من الأرض تلعة ... أجد أثرا منه جديدا وعافيا جواد تشظّى الخيل عنه كأنّما ... يرين به ليثا عليهنّ ضاريا من الأسد قد أحمي العرين مهابة ... تفادى سباع الأرض منه تفاديا شديد جريّ النّفس نهد مصدّر ... هو الموت مغدوّ عليه وغاديا [ (١) ]
تنبيهات
روى الإمام احمد وابن ماجه والحاكم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن المراثي وعند ابن أبي شيبة بلفظ: نهانا عن أن نتراثى.
الثاني: في بيان غريب ما سبق سجّي: أي غطّي [والمتسجّي: المتغطي من الليل الساجي، لأنه يغطي بظلامه وسكونه] .
يجلب: بمثناة تحتية فجيم فلام يقال: جلب عليه يجلب بضم اللام جلبا بالفتح صاح من خلفه وأجلب مثله.
عقر: بكسر القاف. دهش فلا يستطيع أن يتقدم أو يتأخر.
وقيل: سقط إلى الأرض من قامته وحكاه ابن السكّيت بالفاء من العفر وهو التراب وصوّب ابن كيسان الروايتين معا والعفر بفتحتين.
يأسن: [أي يتغير] .
حنّ: [أي نزع واشتاق وأصل الحنين ترجيع الناقة صوتها إثر ولدها] .
ضوى: ...
الخدور: ...
الصراخ: ...
الحجيج: ...
تبالة: ...
العض: ...
الأكباد: ...
الأسف: ...
الحزن: ...
الوزر: ...
الكاهل: ...
أودى: [أهلك] .
الكمد: [هم وحزن لا يستطاع إمضاؤه وقيل: الحزن المكتوم] . الدياجي: [ ... ] .
المدلهمة: [شديدة الظلمة] .
**** تستك: ...
روعة: [الروع الفزع] .
المستهام: [هام فلان خرج على وجهه في الأرض لا يدرى أين يتوجه] .
واله: [حزين] .
ثوى: [أقام] .
حسير: [حسر فلان يحسر حسرا: أسف] .
جدث: [قبر جمعه أجداث] .
صخور:
جوانح: [الجانحة: الضلع القصيرة مما يلي الصدر جمعها جوانح] .
صدور: ...
تأوّبني: ...
حشد: ...
أمسى: ...
فجعت: [يقال أمر فاجع: يفجع الناس بالدواهي] .
اللّحد: ...
ينصبني: [من نصب ينصب نصبا: أعيا وتعب] .
القوارع: [مفردها القارعة وهي المصيبة] .
البليّة: [المصيبة] .
قارع: ...
فيا ليت شعري: ...
إسبال: [يقال: أسبلت العين: سال دمعها] .
سحّ: [يقال: سح الماء ونحوه: سال من أعلى إلى أسفل وأيضا: سح الماء ونحوه: صبّه صبا متتابعا كثيرا] .
إعوال: [يقال: أعول إعوالا، وعوّل تعويلا إذا صاح وبكى] .
هاجس: [هجس الأمر في صدره: خطر بباله] .
صالي: ...
سحّ الشّعيب: ...
محصن ضريبته: ...
حامي الحقيقة: ...
تسّال الوديقة: سريع ومتقدم للقوم في شدة الحرّ ودنو الشمس.
العناة: الأسرى.
ماجد: الشريف الخيّر.
شملال: السريع الخفيف.
وجناء: الشديدة.
نكّال: المعاقب بما يردع، والمروع لغيره من إتيان مثل صنيع من نكّل به.
واري الزّناد: الذي إذا رام أمرا أنجح فيه وأدرك ما طلب.
جحفل: الجيش الكثير فيه الخيل.
الحسب: ما يعده المرء من مناقبه وشرف آبائه.
انهمر: انسكب بقوة.
السّجل: الدّلو الملأى ماء.
الشّؤبوب: الدّفعة من المطر.
العبرة: الدمعة.
الضّريح: القبر.
فجعتما: أولمتما إيلاما شديدا.
البوازم: الشدائد.
العذل: اللّوم.
قروني: القرن من رأس الإنسان، موضع القرون منه.
الشّعوب: ...
صريع: المصروع: أي صرعته المنية.
القذال: جماع مؤخر الرأس من الإنسان والفرس.
حوبة: ...
النّحيب: رفع الصوت بالبكاء.
الجوى: شدة الوجد من العشق أو الحزن.
شمطاء: المختلطة سواد شعرها ببياض.
الطوف: ...
أشهب: المخالط بياض شعره سواد، أو حال لونه وتلوّح من برد وحرّ.
أرملوا: ...
يلف: ...
الأباطح: الأمكنة المتسعة يمر بها السّيل، فيترك فيه الرمل والحصى الصغار.
الأخشب: جبل بمكة.
الباب الثامن والعشرون في بلوغ هذا الخطب الجسيم إلى الصديق الكريم وثبوته في هذا الأمر
روى البزّار والبلاذري وبقي بن مخلد عن أبي هريرة وابن عباس، وأبو يعلى وأحمد برجال ثقات والطيالسي والترمذي في «الشمائل» . - بإسناد حسن- عن عائشة والطبراني برجال ثقات عن عكرمة عن ابن عباس وإسحاق بن راهويه عن عكرمة وعبد بن حميد بسند صحيح عن سالم بن عبيد الصحابي، أن الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- أرسلوه خلف أبي بكر وفي لفظ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما خرج يوم الاثنين قال له أبو بكر: يا رسول الله وفي لفظ: «أصبح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين خفيفا فقال أبو بكر: يا رسول الله: أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما تحبّ، واليوم يوم ابنة خارجة يعني: امرأته أفآتها قال: نعم، ثم دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ورجع أبو بكر إلى أهله بالسّنح فلما مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سجّي بثوب وجاء عمر فاستأذن على عائشة ومعه المغيرة بن شعبة، فأذنت لهما ومدّت الحجاب، فقال عمر: يا رسول الله فقالت: عائشة غشي عليه مذ ساعة، فكشف عن وجهه وقال: وا غشياه ما أشدّ غشي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وفي لفظ: دخل أبو بكر على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فجعل يراوح بين حزنه ميلا وجعل يقول: وا نبيّاه وا صفيّاه ثم غطاه، ولم يتكلم المغيرة، فلما أن دنوا من عتبة الباب قال: مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يا عمر: فقال عمر: كذبت، ما مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والله لا يموت حتى يؤمر بقتال المنافقين، ولكنه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى إلى ربه، وغاب عن قومه أربعين ليلة، والله ليرجعنّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وليقطّعنّ أيدي رجال وأرجلهم وألسنتهم، وتكلم حتى أزبد شدقاه: بل أنت امرؤ تحوشك فتنة وابن أم مكتوم في مؤخّرة المسجد يقرأ ووَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران ١٤٤] والناس يموجون ويبكون ولا يسمعون، فخرج عباس بن عبد المطلب على الناس فقال: يا أيها الناس هل عند أحد منكم من عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فليحدثنا قالوا: لا. قال: هل عندك يا عمر من علم؟ قال: لا. فقال العباس: أشهد أيها الناس إن أحدا لا يشهد على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعهد عهده إليّ في وفاته، والله الذي لا إله إلا هو فقد ذاق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الموت، فادفنوا صاحبكم أيمت أحدكم إماتة ويميته إماتتين، هو أكرم على الله من ذلك فإن كان كما تقولون فليس على الله بعزيز أن عنه التراب فيخرجه إن شاء الله، ما مات حتى ترك السبيل نهجا واضحا، أحلّ الحلال، وحرّم الحرام، ونكح وطلق، وحارب وسالم، وما كان راعي غنم يتبع بها صاحبها رؤوس الجبال يخبط عليها العضاة بمخبطه يحدر حوضها بيده بأنصب ولا أدأب من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان فيكم، فذهب سالم بن عبيد وراء أبي بكر إلى السّنح فأعلمه بموت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما بلغ أبو بكر الخبر وهو بالسّنح أقبل على فرس حتى نزل على باب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بيت عائشة ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- مسجّى في ناحية البيت عليه برد حبرة.
زاد أبو الربيع وأبو اليمن بن عساكر في «إتحاف الزائر» وعيناه تهملان وزفراته تتردّد في صدره وعصصه ترتفع كقطع الحرة، وهو في ذلك جلد العقل والمقالة حتى دخل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكشف عن وجهه ومسح وقبل بين عينيه، وجعل يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي طبت حيّا وميتا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء، فعظمت عن الصفة، وجللت عن البكاء وحصصت حتى صرت مسلاة وعممت حتى صرت فينا سواء، ولولا أنّ موتك كان اختبارا لجدنا لموتك بالنّفوس، ولولا أنّك نهيت عن البكاء عليك ما الشئون، فأما ما لا نستطيع تقيه ففيه كمد وإدناف يتخالفان لا يبرحان، اللهم فأبلغه عنا، اذكرنا يا محمد عند ربك ولتكن من جاء لك فلولا ما خلقت من السكينة لم تعم لما خلقت من الوحشة، اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه ميتا ثم صرخ. انتهى.
وفي حديث عائشة عند ابن سعد وأبي يعلى وأحمد برجال ثقات أن أبا بكر لما رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: أنا لله وإنا إليه راجعون، مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم تحول من قبل رأسه فقال: وا نبيّاه، ثم حدر فمه وقبل وجهه ثم [قال: وا صفيّاه ثم] [ (١) ] رفع رأسه وحدر فمه وقبّل جبهته وقال: وا خليلاه، مات رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وفي حديث عائشة عند أبي يعلى وأحمد فقال: كيف ترين؟ قالت: غشي عليه فدنا منه فكشف عن وجهه فقال: يا غشياه ما أكون هذا الغشي، ثم كشف عن وجهه فعرف الموت فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون ثم بكى قالت عائشة: فقلت في سبيل الله انقطاع الوحي ودخول جبريل بيتي، ثم وضع يديه على صدغيه ووضع فاه على جبهته فبكى حتى سالت دموعه على وجه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وفي لفظ ثم أقبل عليه فقبّله ثم قال: بأبي وأمي أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متّها فلن يصيبك بعدها موتة أبدا، ثم ردّ البرد على وجه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم خرج إلى الناس.
زاد أبو الربيع: وهم في خطبهم غمراتهم وشديد سكراتهم، ثم خرج عمر يكلّم الناس فقال: على رسلك يا عمر أنصت ثلاث مرّات فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه.
زاد أبو الربيع وأبو اليمن، ثم خطب خطبة جلّها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وخاتم أنبيائه، وأشهد أن الكتاب كما نزّل، وأن الدين كما شرع وأن الحديث كما حدّث، وأن القول كما قال، وأن الله هو الحقّ المبين، في كلام طويل انتهى. ثم قال: أيها الناس إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلى هذه الآية: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران ١٤٤] .
زاد ابن عقبة وقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ [الزمر ٣٠] وقال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران ١٨٥] وقال: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص ٨٨] كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن ٢٦، ٢٧] زاد أبو الربيع وأبو اليمن: إن الله قد تقدم لكم في أمره فلا تدعوه جزعا، وأن الله تعالى قد اختار لنبيّه ما عنده على ما عندكم ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [النحل ٩٦] وقبضه إلى ثوابه، وخلّف فيكم كتابه وسنّة رسوله، فمن أخذ بهما عرف، ومن فرق بينهما أنكر، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ [النساء ١٣٥] لا يشغلنّكم الشيطان بموت نبيّكم ولا يلفتنكم عن دينكم، وعالجوا الشيطان بالخزي تعجزوه ولا تستنظروه فيلحق بكم، انتهى.
زاد ابن عقبة إنّ الله عمّر محمّدا وأبقاه حتى أقام دين الله وأظهر أمر الله وبلّغ رسالة الله وجاهد أعداء الله حتّى توفّاه الله صلوات الله وسلامه عليه وهو على ذلك وترككم على الطّريقة فلن يهلك هالك إلا من بعد البينة [والشفاء فمن كان الله ربّه فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمّدا وينزله إلها فقد هلك إلهه] فاتقوا الله أيها الناس واعتصموا بدينكم، وتوكلوا على ربكم، فإن دين الله قائم وكلمته باقية، وإن الله ناصر من نصره ومعزّ دينه وأن كتاب الله بين أظهرنا وهو النور والشفاء، وبه هدى الله محمداً صلى الله عليه وسلم وفيه حلال الله وحرامه والله لا نبالي من أجلب علينا من خلق الله، إنّ سيوف الله لمسلولة، ما وضعناها بعد ولنجاهدنّ من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلا يبقينّ أحد إلا على نفسه. انتهى.
وفي لفظ فو الله لكأن الناس لم يعلموا إن الآية نزلت [إلا] حين تلاها أبو بكر يومئذ فأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم، فلما تلاها أبو بكر أيقن الناس بموت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وتلقاها كثير من الناس من أبي بكر حتى تلاها. قال عمر- رضي الله تعالى عنه- فو الله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت وأنا قائم حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت حين تلاها أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد مات. زاد أبو الربيع فلما فرغ من خطبته التفت إلى عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- فقال: يا عمر أنت الذي تقول على باب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: والذي نفسي بيده ما مات رسول الله، أما علمت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال يوم كذا وكذا، أو قال يوم كذا كذا وكذا، وقال الله تعالى في كتابه إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر ٣٠] فقال عمر: لكأني والله لم أسمع بها في كتاب الله تعالى قبل ذلك لما نزل بنا، أشهد أن الكتاب كما نزّل، وأن الحديث كما حدّث، وأن الله تعالى حي لا يموت- صلوات الله وسلامه على رسوله- وعند الله تحتسب رسوله وقال عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- فيما كان منه يومئذ: لعمري لقد أيقنت أنّك ميّت ... ولكنّما أبدي الّذي قلته الجزع وقلت يغيب الوحي عنّا لفقده ... كما غاب موسى ثمّ يرجع كما رجع وكان هواي أن تطول حياته ... وليس لحيّ في بكا ميّت طمع فلمّا كشفنا البرد عن حرّ وجهه ... إذا الأمر بالجزع المرعب قد وقع فلم يك لي عند المصيبة حيلة ... أردّ بها أهل الشّماتة والقزع سوى إذن الله في كتابه ... وما أذن الله العباد به يقع وقد قلت من بعد المقالة قولة ... لها في حلوق الشّامتين به بشع ألا إنّما كان النّبيّ محمّد ... إلى أجل وافى به الموت فانقطع ندين على العلّات منّا بدينه ... ونعطي الّذي أعطى ونمنع ما منع وولّيت محزونا بعين سخينة ... أكفكف دمعي والفؤاد قد انصدع وقلت لعيني كلّ دمع دخرته ... فجودي به إنّ الشّجيّ له دفع وروى ابن إسحاق عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال له في خلافته: هل تدري ما حملني على مقالتي التي قلت حين توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين أنت أعلم قال: فإنه والله ما حملني على ذلك إلا أني كنت أقرأ هذه الآية: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة ١٤٣] فو الله إني كنت لا أظن أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سيبقى في أمته حتى تشهد عليها بآخر أعمالها، فإنّه الذي حملني على أن قلت ما قلت.
الأول
قول سيدنا أبي بكر- رضي الله تعالى عنه-: «لا يجمع الله عليك موتتين» .
قيل: هو على حقيقته، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم بأنه سيحيا ليقطع أيدي رجال، لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين كما جمع على غيره، كالّذين خرجوا من ديارهم ألوف أو كالذي مر على قرية. قال الحافظ: وهذا أوضح الأجوبة وأسلمها وقيل: أراد لا يموت موتة أخرى في القبر كغيره، إذ يحيا ليسأل ثم يموت، قاله الداودي.
وقيل: لاي يجمع الله موت نفسك وموت شريعتك.
وقيل: كنى بالموت الثاني عن الكرب أي: لا تلقي بعد كرب هذا الموت كربا آخر.
الثاني
في بيان غريب ما سبق «السّنّح» هنا بضم السين والنون.
وقيل: بسكونها أطم لجشم ومنازل بني الحارث على ميل من المسجد النبوي، وهو أدنى العالية، وسميت به الناحية، ووهم من جعله نجديا مساجد الفتح، لأن ذاك بالمثناة التحتية وكسر السين، قاله السيد نور الدين السمهودي في تاريخ المدينة.
«أزبد» «شدقاه» .
«تحوسك» بحاء وسين مهملتين بينهما واو أي: تخالطك وتحث على ارتكابها.
«يبرحون» .
مسلاة.
الباب التاسع والعشرون في اختيار الله تعالى له - صلى الله عليه وسلم - بأن يجمع له مع النبوة الشهادة
روى البخاري تعليقا والبيهقي مسندا عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة ما أزال أجد ألم الطّعام الّذي أكلت بخيبر وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السّمّ وفي رواية «ما زالت أكلة خيبر تعاودني» .
وروى ابن سعد بسند صحيح، والبيهقي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: لأن أحلف تسعا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قتل قتلا أحب إلي من أن أحلف واحدة، وذلك أنّ الله اتّخذه نبيّا، وجعله شهيدا» .
وروى ابن سعد عن ابن عباس- وجابر وأبي هريرة وغيرهم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عاش بعد أكلة الشّاة المسمومة بخيبر ثلاثة سنين حتى وجعه الذي توفي فيه، فجعل يقول في مرضه: ما زلت أجد من الأكلة التي أكلتها يوم خيبر عدادا حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري، وذلك عرق في الظّهر، وتوفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شهيدا.
وروى الإمام أحمد والحاكم عن أم معبد امرأة كعب أن أمّ مبشر دخلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في وجعه الذي قبض فيه فقالت: بأبي وأمّي أنت يا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما تتهم بنفسك؟ فإني لا أتّهم بابني إلا الطعام الذي أكل معك بخيبر، وكان ابنها مات قبل النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: وأنا لا أتّهم غيرها هذا أوان انقطاع أبهري» .
وروى ابن ماجه عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- قال: قالت: أم سلمة يا رسول الله لا يزال يصيبك كلّ عام وجع من الشاة المسمومة التي أكلت؟ قال: ما أصابني شيء منها إلا وهو مكتوب عليّ وآدم في طينته» .
وروى ابن سعد عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وابن عباس- رضي الله تعالى عنهم- وسعيد بن المسيّب- رحمه الله تعالى- حديث الشاة المسمومة، وفيه «واحتجم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على كاهله من أجل الذي أكل، حجمه أبو هند بالقرن والشّقرة، وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصحابه فاحتجموا أوساط رؤوسهم وعاش رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي قبض فيه، جعل يقول: هذا أوان انقطاع أبهري، وهو عرق في الظّهر وتوفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شهيدا» .
تنبيه في بيان غريب ما سبق
الأبهر بفتح الهاء عرق إذا قطع مات صاحبه وهما أبهران يخرجان من القلب، ثم يتشعب منهما سائر الشّرايين.
«الأكلة» بالضم اللّقمة التي أكل من الشاة، وبعض الرواة بفتح الألف وهو خطأ لأنه- صلى الله عليه وسلم- لم يأكل منها إلا لقمة واحدة. قال ابن الأثير: ومعنى الحديث أنه نقض سمّ الشّاة التي أهدتها له اليهودية وكان ذلك يثور عليه أحيانا.
تعاودني أي: تراجعني ويعاودني ألم سمّها، في أوقات معلومة ويقال به: عداد من ألم: أي: يعاوده في أوقات معلومة، والعداد- بعين مكسورة فدالين مهملات- اهتياج وجع اللديغ، وذلك إذا تمّت له سنة من يوم لدغ هاج به الألم.
الباب الثلاثون في تاريخ وفاته - صلى الله عليه وسلم -
روى الشيخان والبلاذري وابن جرير والبيهقي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يخرج ثلاثا وأبو بكر يصلي بالناس، وأن الناس بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر يصلي لهم لم يفجأهم إلا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، فما رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أحسن هيئة منه في تلك الساعة، وكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهم صفوف في الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف فظن أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يريد أن يخرج إلى الصّلاة، قال أنس: وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأشار إليهم أن أتمّوا صلاتكم فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشّرات النّبوّة إلا الرّؤيا الصالحة، يراها المسلم أو ترى له إلا وإنّي نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظّموا فيه الرّبّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» ، ثم دخل الحجرة وأرخى السّتر فتوفي من يومه ذلك.
وروى ابن سعد عن ابن شهاب قال: توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين حين زاغت الشمس.
وروى عنه أيضاً عن ابن شهاب قال: توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول» .
تنبيهات
الأول: قال السّهيلي وابن كثير والحافظ: لا خلاف أنه- صلى الله عليه وسلم- توفي يوم الاثنين في ربيع الأول. قال: ابن عقبة حين زاغت الشمس. قال في المنهل: والأكثر على أنّه حين اشتدّ الضّحى.
قال الأكثر في الثاني عشر منه وعند ابن عقبة، والليث والخوارزمي من هلال ربيع الأول.
وعند أبي مخنف والكلبي في ثانيه، وجزم به سليمان بن طرخان في «مغازيه» ورواه ابن سعد عن محمد بن قيس، ورواه ابن عساكر عن سعيد بن إبراهيم عن الزهري وعن أبي نعيم الفضل بن دكين ورجحه السهيلي.
وعلى القولين يتنزل ما نقله الرّافعيّ أنه عاش بعد حجته ثمانين يوما.
وقيل: إحدى وثمانين، وأما على ما جزم به النووي فيكون عاش بعد حجّته تسعين يوما، أو إحدى وتسعين يوما.
الثاني: استشكل السّهيليّ وتابعه غير واحد ما عليه الأكثر من كونه مات يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، وذلك أنهم اتفقوا على أن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة، وهو التاسع من ذي الحجة، فدخل ذي الحجة يوم الخميس، فكان المحرم إما الجمعة وإما السبت، فإن كان الجمعة فقد كان صفر إما السبت وإما الأحد، وإن كان السبت فقد كان ربيع الأول الأحد أو الاثنين، وكيفما دارت الحال على هذا الحساب فلم يكن الثاني عشر من ربيع الأول بوجه.
وقول أبي مخنف والكلبي وإن كان خلاف [أهل] الجمهور، فإنّه لا يبعد أن كانت الثلاثة الأشهر التي قبله كلّها تسعة وعشرين فتدبره، فإنه صحيح.
وقول ابن عقبة والخوارزمي أقرب في القياس من قول أبي مخنف ومن تابعه. قال ابن كثير: وقد حاول جماعة الجواب عنه، ولا يمكن الجواب عنه إلا بمسلك واحد، وهو اختلاف المطالع، بأن يكون أهل مكة رأوا هلال ذي الحجة ليلة الخميس، وأما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة الجمعة.
ويؤيد هذا قول عائشة وغيرها، خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لخمس بقين من ذي القعدة، يعني: من المدينة إلى حجة الوداع [ويتعين بما ذكرناه أنه خرج يوم السبت، وليس كما زعم ابن حزم أنه خرج يوم الخميس، لأنه قد بقي أكثر من خمس بلا شك، ولا جائز أن يكون خرج يوم الجمعة لأن أنسا قال: صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين فتعين أنه خرج يوم السبت لخمس بقين] .
فعلى هذا إنما رأى أهل المدينة هلال ذي الحجة ليلة الجمعة، وإذا كان هلال ذي الحجة عند أهل المدينة الجمعة، وحسبت الشّهور بعده كوامل يكون أوّل ربيع الأوّل يوم الخميس، فيكون ثاني عشر يوم الاثنين، والله تعالى أعلم.
الثالث: في بيان غريب ما سبق: لم يفجأهم: ... «السّتر: ... نكص» : ...
قمن: بقاف فميم مفتوحتين أي: خليق وحقيق وجدير لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإن كسرت الميم أو قلت: قمين ثنّيت وجمعت، وهذا مقمنة أي: مخلقة ومجدرة وتقمّنت موافقتك: توخيتها.
الباب الحادي والثلاثون في مبلغ سنه - صلى الله عليه وسلم -
روى مسلم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال: «قبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو ابن ثلاث وستّين سنة، وقبض أبو بكر وهو ابن ثلاث وستّين سنة، وقبض عمر وهو ابن ثلاث وستّين سنة» [ (١) ] .
وروى الإمام أحمد والشيخان عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنزل عليه وهو ابن أربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستّين سنة» [ (٢) ] .
وروى أبو داود الطيالسي ومسلم عن معاوية بن أبي سفيان- رضي الله تعالى عنهما- قال: قبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو ابن ثلاث وستّين وأبو بكر وعمر وأنا ابن ثلاث وستّين» [ (٣) ] .
وروى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو ابن ثلاث وستّين [ (٤) ] .
وروى الإمام أحمد ومسلم عن عمار بن أبي عمّار قال: قلت لابن عباس: «كم أتى لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم مات قال: أتحسب؟ قلت: نعم قال: أمسك أربعين. بعث لها خمس عشرة بمكّة، يأمن ويخاف وعشر من مهاجره إلى المدينة» [ (٥) ] .
وروى الحاكم في «الإكليل» عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو ابن خمس وستّين.
، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،