السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

الإسراء والمعراج

التاريخبعد البعثة باتفاق، والتاريخ مختلف فيه
عمره ﷺ٤٠-٥٣

بعد البعثة باتفاق، والتاريخ مختلف فيه، وعمره ﷺ بين ٤٠ و ٥٣

تقرأ في ابن القيم، ت ٧٥١هـ، ٥١ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: دار عطاءات العلم ودار ابن حزم، الطبعة الثالثة ١٤٤٠ هـ
١/٨٨١/٨٨

ثم أُسْرِي بجسده وروحه إلى المسجد الأقصى، ثم عُرِج به إلى فوق السماوات إلى الله عز وجل، فخاطبه، وفرض عليه الصلوات

وكان ذلك بعد المبعث بالاتفاق

المفاضلة بين ليلة القدر وليلة الإسراء

٢/٣٦٢/٣٦

الحجة إنما فُضِّل (١) باعتبار أيامه، إذ فيه يوم النحر ويوم عرفة ويوم التروية.

وأما السؤال الثاني (٢) ، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه عن رجل قال: ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، وقال آخر: بل ليلة القدر أفضل، فأيهما المصيب؟

فأجاب: الحمد لله. أما القائل: إنَّ ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، إن أراد بذلك أنَّ الليلة التي أسري فيها بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ونظائرها من كلِّ عام أفضلُ لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من ليلة القدر بحيث يكون قيامها والدعاء فيها أفضل منه في ليلة القدر؛ فهذا باطل لم يقله أحد من المسلمين، وهو معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام. هذا إذا كانت ليلة الإسراء تُعرَف عينُها، فكيف ولم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا عشرها، ولا عينها؛ بل النقول في ذلك منقطعة ليس فيها ما يقطع به. ولا يُشرَع للمسلمين تخصيص الليلة التي يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره، بخلاف ليلة القدر فإنه قد ثبت في «الصحيحين» (١) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» . وفي «الصحيحين» (٢) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» . وقد أخبر الله (٣) سبحانه أنها خير من ألف شهر (٤) ، وأنه أنزل فيها القرآن.

٢/٣٧٢/٣٧

وإن أراد أن الليلة المعيَّنة التي أُسري فيها بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حصل له فيها ما لم يحصل له في غيرها، من غير أن يُشرَع تخصيصُها بقيام ولا عبادة؛ فهذا صحيح. وليس إذا أعطى الله نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - فضله (٥) في مكان أو زمان يجب أن يكون ذلك المكان والزمان (٦) أفضل من جميع الأمكنة والأزمنة. هذا إذا قدِّر أنه قام دليل على أن إنعام الله تعالى على نبيِّه ليلة الإسراء كان أعظم من إنعامه عليه بإنزال القرآن ليلة القدر وغير ذلك من النعم التي أنعم عليه.

والكلام في مثل هذا يحتاج إلى علم بحقائق الأمور، ومقادير النعم التي لا تُعرَف إلا بوحي، ولا يجوز لأحد أن يتكلَّم فيها بلا علم. ولا يُعرَف عن أحد من المسلمين أنه جعل لليلة الإسراء فضيلةً على غيرها، لا سيما على ليلة القدر، ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها، ولهذا لا يُعرَف أي ليلة كانت. وإن كان الإسراء من أعظم فضائله - صلى الله عليه وسلم -، ومع هذا فلم يُشرَع تخصيصُ ذلك الزمان ولا ذلك المكان بعبادة شرعية. بل غار حراء الذي ابتدئ فيه بنزول الوحي وكان يتحرَّاه قبل النبوة لم يقصده هو ولا أحد من أصحابه بعد النبوة مدة مقامه بمكة، ولا خصَّ اليومَ الذي أنزل فيه الوحي بعبادة ولا غيرها، ولا خصَّ المكانَ الذي ابتدئ فيه بالوحي ولا الزمان بشيء. ومن خصَّ الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا لزمان أحوال المسيح مواسم وعبادات، كيوم الميلاد، ويوم التعميد، وغير ذلك من أحواله. وقد رأى عمر بن الخطاب جماعةً ينتابون مكانًا يصلون فيه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مكان صلَّى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟! إنما هلك من كان قبلكم بهذا، فمن أدركته فيه الصلاة فليصلِّ، وإلا فليمضِ (١) .

٢/٣٨٢/٣٨

وقد قال بعض الناس (٢) : إن ليلة الإسراء في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل من

٢/٨٨٢/٨٨

ثم أُسْرِي بجسده وروحه إلى المسجد الأقصى، ثم عُرِج به إلى فوق السماوات (١) إلى الله عز وجل، فخاطبه، وفرض عليه الصلوات. وكان ذلك مرةً واحدةً. هذا أصحُّ الأقوال.

وقيل: كان ذلك منامًا.

وقيل: بل يقال: أُسْري به، ولا يقال: يقظةً ولا منامًا.

وقيل: كان الإسراء إلى بيت المقدس يقظةً، وإلى السماء منامًا.

وقيل: كان الإسراء مرتين مرةً يقظةً ومرةً منامًا.

وقيل: بل أسري به ثلاث مرات.

وكان ذلك بعد المبعث بالاتفاق. وأما ما وقع في حديث شريك (٢) أنَّ ذلك كان قبل أن يوحى إليه، فهذا مما عُدَّ من أغلاط شريك الثمانية وسوء (٣) حفظه لحديث الإسراء. وقيل: إن هذا كان إسراء المنام قبل الوحي. وأما إسراء اليقظة فبعد النبوة. وقيل: بل الوحي هاهنا مقيَّد، وليس بالوحي المطلق الذي هو (١) مبدأ النبوة، والمراد: قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء، فأسري به فجأةً من غير تقدُّم إعلام. والله أعلم.

٢/٨٩٢/٨٩

فأقام - صلى الله عليه وسلم - بمكة ما أقام يدعو القبائل إلى الله تعالى، ويعرض نفسه عليهم في كلِّ موسم أن يُؤْوُوه حتى يبلِّغ رسالة ربِّه ولهم الجنة. فلم يستجب له قبيلة، وذَخَر الله ذلك كرامةً للأنصار. فلما أراد الله إظهار دينه، ونصرَ نبيِّه، وإنجاز وعده، وإعلاء كلمته، والانتقام من أعدائه= ساقه إلى الأنصار لِما أراد بهم من الكرامة، فانتهى إلى نفر منهم ستة، وقيل: ثمانية، وهم يحلقون رؤوسهم عند عقبة منًى في الموسم، فجلس إليهم، ودعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ورسوله، ورجعوا إلى المدينة، فدعوا قومهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فأول مسجد قرئ فيه القرآن بالمدينة مسجد بني زُرَيق.

ثم قدم مكة في العام القابل اثنا عشر رجلًا من الأنصار، خمسة منهم من الستة الأولين، فبايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعة النساء عند العقبة، ثم انصرفوا إلى المدينة.

فقدِم عليه في العام القابل منهم ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان، وهم أهل العقبة الأخيرة، فبايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأنفسهم، ويرحل هو وأصحابه إليهم. واختار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم اثني عشر نقيبًا. وأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه في الهجرة إلى المدينة فخرجوا أرسالًا متسلِّلين، أولهم فيما قيل: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقيل مصعب بن عمير. فقدِموا على الأنصار في دورهم، فآووهم، ونصروهم، وفشا الإسلام بالمدينة.

٢/٩٠٢/٩٠

ثم أذن الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة، فخرج من مكة يوم الاثنين في شهر ربيع الأول ــ وقيل في صفر ــ وله إذ ذاك ثلاث وخمسون سنةً، ومعه أبو بكر الصديق، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبد الله بن الأُريقط الليثي. فدخل غار ثور هو وأبو بكر، وأقاما (١) فيه ثلاثًا. ثم أخذا على طريق الساحل.

فلما انتهوا إلى المدينة وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الأول ــ وقيل غير ذلك ــ نزل (٢) بقباء في أعلى المدينة على بني عمرو بن عوف، ونزل على كلثوم بن الهِدْم. وقيل: على سعد بن خيثمة، والأول أشهر. فأقام عندهم أربعة عشر يومًا، وأسَّس مسجد قباء.

ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم، فجمَّع بهم فيمن كان معه من المسلمين وهم مائة.

ثم ركب ناقته، وسار. وجعل الناس يكلِّمونه في النزول عليهم، ويأخذون بخطام (٣) الناقة، فيقول: «خلُّوا سبيلها فإنها مأمورة» (٤) .

٢/٩١٢/٩١

فبركت عند مسجده اليوم، وكان مربدًا لسهل وسهيل غلامين من بني النجار، فنزل عنها على أبي أيوب الأنصاري. ثم بنى مسجده موضع المربد بيده هو وأصحابه بالجريد واللَّبِن، ثم بنى مساكنَه (١) ومساكن أزواجه إلى جنبه، وأقربُها إليه مسكن عائشة. ثم تحوَّل بعد سبعة أشهر من دار أبي أيوب إليها.

وبلغ أصحابَه بالحبشة هجرتُه إلى المدينة، فرجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلًا، فحُبِس منهم بمكة سبعة، وانتهى بقيتهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة. ثم هاجر بقيتهم في السفينة عام خيبر سنة سبع.

فصل: الإسراء والمعراج

٤/٤١٤/٤١

وأقام بنخلةَ أيامًا، فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك ــ يعني قريشًا ــ؟ فقال: «يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصرٌ دينَه ومظهر نبيَّه» (١) .

ثم انتهى إلى مكة (٢) فأرسل رجلًا من خزاعة إلى مطعم بن عدي: «أدخل في جوارك؟» فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه فقال: البَسوا السلاحَ وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدًا، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمدًا، فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الركن فاستلمه وصلَّى ركعتين وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدي وولده مُحدِقون به بالسلاح حتى دخل بيته (٣) .

فصل

ثم أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ــ بجسده على الصحيح (٤) ــ من المسجد الحرام إلى بيت المقدس راكبًا على البراق صُحبةَ (٥) جبريل ــ عليهما الصلاة والسلام ــ، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إمامًا وربط البراق بحلقة باب المسجد.

٤/٤٢٤/٤٢

وقد قيل: إنه نزل ببيت لحمٍ وصلى فيه (١) ، ولا يصحُّ عنه ذلك البتة.

ثم عُرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا فاستفتَحَ له جبريل ففتح لهما، فرأى هناك آدم أبا البشر فسلَّم عليه، فرحَّبَ به وردّ عليه السلام وأقر بنبوَّته، وأراه الله أرواحَ السُّعَداء من بنيه عن يمينه وأرواحَ الأشقياء عن يساره.

ثم عرج به إلى السماء الثانية فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم فلقيهما وسلَّم عليهما، فردَّا عليه ورحَّبا به وأقرَّا بنبوته.

ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف الصدِّيق (٢) فسلَّم عليه ورحَّب به وأقرَّ بنبوته.

ثم عرج به إلى السماء الرابعة فرأى فيها إدريس، فسلَّم عليه ورحَّب به وأقرَّ بنبوته.

ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فلقي فيها هارون بن عمران فسلَّم عليه ورحَّب به وأقر بنبوته.

٤/٤٣٤/٤٣

ثم عرج به إلى السماء السادسة، فلقي فيها موسى فسلَّم عليه ورحَّب به وأقرَّ بنبوته (١) ، فلما جاوزه بكى موسى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي أن (٢) غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثرُ مما يدخلها من أمتي.

ثم عرج به إلى السماء السابعة، فلقي فيها إبراهيم فسلَّم عليه ورحب به وأقر (٣) بنبوته.

ثم رُفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع له البيت المعمور، ثم عُرج به إلى الجبار جل جلاله، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى (٤) ، وفرض عليه خمسين صلاةً، فرجع حتى مر على موسى فقال: بم أُمرتَ؟ قال: بخمسين صلاةً، فقال: إن أمتك لا تطيق (٥) ذلك، ارجع إلى ربك فسَلْه التخفيف لأمتك، «فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار أن نعم إن شئتَ، فعلا به جبريل حتى أتى به الجبَّارَ تبارك وتعالى وهو في مكانه» ــ هذا لفظ البخاري في «صحيحه» في بعض الطرق (١) ــ فوضع عنه عشرًا، ثم نَزَل حتى مر بموسى فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك فَسَلْه التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين ربِّه (٢)

٤/٤٤٤/٤٤

تبارك وتعالى حتى جعلها خمسًا، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: قد استحييت من ربي ولكن أرضى وأسلِّم، فلما نَفَذ (٣) نادى منادٍ: «قد أمضيتُ فريضتي وخففت عن عبادي» (٤) .

فصل: إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - قريشا بالإسراء

٤/٤٧٤/٤٧

وأما قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] ، فهو غير الدنوّ والتدلّي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنوّ جبريل وتدليه كما قالت عائشة وابن مسعود، والسياق يدل عليه فإنه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ وهو جبريل ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٥ - ٨] ، فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المُعلِّم الشديد القُوى، وهو ذو المرة أي: القوة، وهو الذي استوى بالأفق الأعلى، وهو الذي دنا فتدلّى فكان من محمد - صلى الله عليه وسلم - قاب (١) قوسين أو أدنى.

وأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك وتعالى وتدلِّيه، ولا تعرُّض في سورة النجم لذلك، بل فيها أنه رآه نزلةً أخرى عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل؛ رآه محمد - صلى الله عليه وسلم - على صورته مرتين، مرةً في الأرض ومرةً عند سدرة المنتهى، والله أعلم.

فصل

فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قومه أخبرهم بما أراه الله عز وجل من آياته الكبرى، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم واستضراؤهم (٢) عليه، وسألوه أن يصف لهم بيتَ المقدس، فجلَّاه الله له حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئًا (٣) .

فصل: ما روي عن عائشة وغيرها أن الإسراء كان بروحه

٤/٤٨٤/٤٨

وأخبرهم عن عِيرهم في مَسْراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها وعن البعير الذي يَقْدُمُها (١) ، فكان الأمر كما قال، فلم يَزِدهم ذلك إلا نفورًا وأبى الظالمون إلا كفورًا (٢) .

فصل

وقد نقل ابن إسحاق (٣) عن عائشة ومعاوية أنهما قالا: إنما كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده، ونقل عن الحسن البصري نحو ذلك، ولكن ينبغي أن يعلم الفرق بين أن يقال: كان الإسراء منامًا وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم، وعائشة ومعاوية لم يقولا: كان منامًا، وإنما قالا: أُسرِي بروحه ولم يفقد جسده، وفرق بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالًا مضروبةً للمعلوم في الصور المحسوسة، فيرى كأنه قد عُرِج به إلى السماء أو ذهب به إلى مكة أو أقطار الأرض وروحُه لم تصعد ولم تذهب، وإنما مَلَكُ الرؤيا ضرب له المثال.

والذين قالوا: عُرِج برسول الله - صلى الله عليه وسلم - طائفتان: طائفة قالت: عرج بروحه وبدنه، وطائفة قالت: عرج بروحه ولم يفقد بدنه، وهؤلاء لم يريدوا أن المعراج كان منامًا، وإنما أرادوا أن الروح ذاتَها أسري بها وعرج بها حقيقةً، وباشرت من جنس ما تباشر بعد المفارقة، وكان حالها في ذلك كحالها بعد المفارقة في صعودها إلى السماوات سماءً سماءً حتى يُنتهى بها إلى السماء السابعة فتقف بين يدي الله عز وجل فيأمر فيها بما يشاء ثم تنزل إلى الأرض، والذي كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء أكمل مما يحصل للروح عند المفارقة.

٤/٤٩٤/٤٩

ومعلوم أن هذا أمر فوق ما يراه النائم، لكن لما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مقام خرق العوائد حتى يُشقَّ بطنه وهو حي لا يتألم بذلك= عُرِج بذات روحه المقدَّسة حقيقةً من غير إماتة، ومَن سواه لا تَنال ذاتُ روحه الصعودَ إلى السماء إلا بعد الموت والمفارقة، فالأنبياء إنما استقرَّت أرواحُهم هناك بعد مفارقة الأبدان، وروح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صعدت إلى هناك في حال الحياة ثم عادت، وبعد وفاته استقرت في الرفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء، ومع هذا فلها (١) إشرافٌ على البدن وإشراقٌ وتعلُّقٌ به بحيث يردّ السلام على من سلَّم عليه.

وبهذا التعلُّق رأى موسى قائمًا يُصلي في قبره (٢) ورآه في السماء السادسة، ومعلوم أنه لم يُعرَج بموسى من قبره ثم رُدَّ إليه، بل ذلك مقام روحه واستقرارها، وقبرُه مقام بدنه واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى أجسادها؛ فرآه يصلي في قبره ورآه في السماء السادسة، كما أنه هو - صلى الله عليه وسلم - في أعلى مكان في الرفيق الأعلى مستقِرًّا هناك وبدنُه في ضريحه غير مفقود، وإذا سلّم عليه المُسلِّم رد الله عليه روحه حتى يردَّ عليه السلام ولم يفارق الملأ الأعلى.

ومن كَثُف إدراكُه وغَلُظت طباعُه عن إدراك هذا فلينظر إلى الشمس في علو محلِّها، وتعلُّقها وتأثيرها في الأرض، وحياة النبات والحيوان بها؛ هذا

فصل: الإسراء كان مرة واحدة، والرد على من قال بخلافه

٤/٥٠٤/٥٠

وشأن الروح فوق هذا، فلها شأن وللأبدان شأن، وهذه النار تكون في محلِّها وحرارتُها تؤثر في الجسم البعيد عنها، مع أن الارتباط والتعلُّق الذي بين الروح والبدن أقوى وأكمل وأتم، فشأن الروح أعلى من ذلك وألطف. فقل للعيون الرُّمْدِ: إياكِ أن تَرَي ... سنا الشمس فاستغشِي ظلامَ اللياليا (١)

فصل

قال الزهري (٢) : عرج برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس وإلى السماء قبل خروجه إلى المدينة بسنة. وقال ابن عبد البر (٣) وغيره: كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران. انتهى.

وكان الإسراء مرةً واحدةً. وقيل: مرتين، مرةً يقظةً ومرةً منامًا، وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك (٤) وقوله: «ثم استيقظت» وبين سائر الروايات. ومنهم من قال: بل كان مرتين؛ مرةً قبل الوحي لقوله في حديث شريك: «وذلك قبل أن يوحى إليه» (٥) ، ومرةً بعد الوحي كما دلت عليه سائر الأحاديث. ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: مرةً قبل الوحي ومرتين بعده. وكل هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظةً تخالف سياق بعض الرواة (١) جعلوه مرةً أخرى، فكلما اختلف (٢) عليهم الرواة عدَّدوا هم الوقائعَ، والصواب الذي عليه أئمة النقل (٣) أن الإسراء كان مرةً واحدةً بمكة بعد البعثة.

٤/٥١٤/٥١

ويا عجبًا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارًا! كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تُفرَض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسًا فيقول: «أمضيت فريضتي (٤) وخففت عن عبادي»، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين ثم يحطها عشرًا عشرًا؟!

وقد غلَّط الحُفَّاظ شَريكًا في ألفاظٍ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه (٥) ثم قال: «فقدَّم وأخر وزاد ونقص» ولم يسرد الحديث، وأجاد - رحمه الله - (٦) .