السيرة النبوية
EN
السيرة ابحث في السيرة EN

الهجرة إلى الحبشة

التاريخرجب سنة ٥ من البعثة
الموضعالحبشة

رجب سنة ٥ من البعثة، وعمره ﷺ ٤٤

تقرأ في ناصر الدين الألباني، ت ١٤٢٠هـ، ١١١ نصًّا في هذا الحدث الطبعة: المكتبة الإسلامية، عمان، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ

باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله ﷺ من (مكة) إلى أرض الحبشة فرارا بدينهم من الفتنة

١/١٦٤١/١٦٤

قد تقدم ذكر أذية المشركين للمستضعفين من المؤمنين، وما كانوا يعاملونهم به من الضرب الشديد والإهانة البالغة.

وكان اللَّه عز وجل قد حجرهم عن رسول اللَّه ﷺ ، ومنعه بعمه أبي طالب؛ كما تقدم تفصيله، وللَّه الحمد والمنة.

وقد روى الإمام أحمد ١ بسنده عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول اللَّه ﷺ إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلًا، فيهم عبد اللَّه بن مسعود، وجعفر، وعبد اللَّه بن عرفطة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى، فأتوا النجاشي.

  1. ١في "المسند" (١/ ٤٦١)، وكذا الحاكم (٢/ ٦٢٣)، وابن سيد الناس في "عيون الأثر" (١/ ١١٨) من طريق حُديج بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد اللَّه بن عتبة عن ابن مسعود. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وقد أقره الذهبي، وذكر تبعًا للحاكم أنه مر عنده في "التفسير"، ولم أره فيه؛ علمًا بأن في نسختي العارية نقصًا ما بين صفحتي (٤٠٦ و ٤١٥)، وقد جود المؤلف إسناده كما يأتي، وحسنه الحافظ في "الفتح" (٧/ ١٨٩)، وهو الأقرب؛ لولا عنعنة أبي إسحاق -وهو عمرو بن عبد اللَّه السبيعي- ثم هو إلى ذلك كان اختلط، والراوي عنه حُديج صدوق يخطئ، وبه أعله الهيثمي فقال: "رواه الطبراني، وفيه حُديج ابن معاوية؛ وثقه أبو حاتم، وقال: في بعض حديثه ضعف، وضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات"، وفاته عزوه إلى "المسند".
١/١٦٥١/١٦٥

وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية.

فلما دخلا على النجاشي سجدا له، ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: إن نفرًا من بني عمنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنا وعن ملتنا. قال: فأين هم؟ قالا: في أرضك؛ فابعث إليهم.

فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم. فاتَّبَعُوه.

فسلَّم ولم يسجد، فقالواله: ما لك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا للَّه عز وجل . قال: وما ذاك؟ قال: إن اللَّه بعث إلينا رسولًا، ثم أمرنا أن لا نسجد لأحد إلا للَّه عز وجل ، وأمرنا بالصلاة والزكاة. قال عمرو: فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم. قال: فما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه؟ قال: نقول كما قال اللَّه: هو كلمته وروحه ألقاها بلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ١ ولد. قال: فرفع عودًا من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان! واللَّه؛ ما يزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا، مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول اللَّه، وأنه الذي نجد في الإنجيل، وأنه الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، واللَّه؛ لولا ما أنا فيه من الملك؛ لأتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه [وأوضئه] .

  1. ١[أي: لم يؤثّر فيها ولم يَحُزَّها؛ يعني: قبل المسيح عليه السلام . "نهاية"]. الناشر.
١/١٦٦١/١٦٦

وأمر بهدية الآخرين فردَّت إليهما.

ثم تعجل عبد اللَّه بن مسعود حتى أدرك بدرًا.

وزعم أن النبي ﷺ استغفر له حين بلغه موته.

وهذا إسناد جيد قوي، وسياق حسن، وفيه ما يقتضي أن أبا موسى كان فيمن هاجر من (مكة) إلى أرض الحبشة؛ إن لم يكن مدرجًا من بعض الرواة. واللَّه أعلم.

ورواه أبو نعيم في "الدلائل" ١ عن أبي موسى قال: أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي، فبيلغ ذلك قريشًا، فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدية.

  1. ١(ص ٨٤) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى. . . وهذا إسناد صحيح -كما يأتي في الكتاب- لولا ما ذكرناه آنفًا في أبي إسحاق السبيعي من التدليس والاختلاط، وهو من رواية أبي نعيم عن الطبراني، وقال الهيثمي (٦/ ٣١): "رواه الطبراني، ورجاله رجال (الصحيح) "، وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٠٩ - ٣١٠) وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي.
١/١٦٧١/١٦٧

وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية، فقبلها، وسجدا له. ثم قال عمرو بن العاص: إن ناسًا من أرضنا رغبوا عن ديننا، وهم في أرضك. قال لهم النجاشي: في أرضي؟!

قالا: نعم.

فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد؛ أنا خطيبكم اليوم.

فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه، وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره، والقسيسون جلوس سِماطين، وقد قال له عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك.

فلما انتهينا بدرنا مَنْ عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك. فقال جعفر: لا نسجد إلا للَّه عز وجل ١ . فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إن اللَّه بعث فينا رسولًا، وهو الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد اللَّه ولا نشرك به شيئًا، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر.

  1. ١هنا في الأصل زيادة: "فلما انتهينا إلى النجاشي قال: ما منعك أن تسجد؟ قال: لا نسجد إلا للَّه"، وقد بدا لي أنها زيادة لا معنى لها؛ مع عدم ورودها عند أبي نعيم ولا الطبراني والحاكم؛ فحذفتها.

فأعجب النجاشي قوله.

١/١٦٨١/١٦٨

فلما رأى ذلك عمرو بن العاص قال: أصلح اللَّه الملك، إنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم! فقال النجاشي: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول اللَّه؛ هو روح اللَّه وكلمته، أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر، ولم يفرضها ولد.

فتناول النجاشي عودًا من الأرض فرفعه، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان! ما يزيد هؤلاء على ما نقول في ابن مريم ولا وزن هذه، مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول اللَّه، وأنه الذي بشر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك؛ لأتيته حتى أقبل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم.

وأمر لنا بطعام وكسوة. وقال: ردوا على هذين هديتهما.

وكان عمرو بن العاص رجلًا قصيرًا، وكان عمارة رجلًا جميلًا، وكانا أقبلا في البحر، فشربا [يعني: خمرًا] ١ ، ومع عمرو امرأته، فلما شربا قال عمارة لعمرو: مر امرأتك فلتقبلني! فقال له عمرو: ألا تستحي؟! فأخذ عمارة عمرًا فرمى به في البحر، فجعل عمرو يناشد عمارة حتى أدخله السفينة.

  1. ١زيادة من الطبراني.

فحقد عليه عمرو في ذلك، فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلفك عمارة في أهلك. فدعا النجاشي بعمارة، فنفخ في إحليله، فطار مع الوحش.

١/١٦٩١/١٦٩

وهكذا رواه البيهقي في "الدلائل" إلى قوله: "فأمر لنا بطعام وكسوة" ١ ، قال: "وهذا إسناد صحيح، وظاهره يدل على أن أبا موسى كان بـ (مكة) ، وأنه خرج مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة.

  1. ١قلت: وكذلك هو عند الحاكم؛ لكن بزيادة قوله: "ردوا على هذين هديتهما". ولعله كذلك عند البيهقي.

والصحيح عن بُريد ١ بن عبد اللَّه بن أبي بُردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى: أنهم بلغهم مخرج رسول اللَّه ﷺ وهم باليمن، فخرجوا مهاجرين في بضع وخمسين رجلًا في سفينة، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بأرض الحبشة، فوافقوا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عندهم، فأمره جعفر بالإقامة، فأقاموا عنده حتى قدموا على رسول اللَّه ﷺ زمن (خيبر) . قال: وأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي، فأخبر عنه. قال: ولعل الراوي وهم في قوله: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن ننطلق ". واللَّه أعلم ٢ " .

  1. ١الأصل: "يزيد"، وهو تصحيف يقع كثيرًا من النساخ والمحققين الذي لا علم عندهم بالرواة، وقد تكرر في رواية البخاري الآتية؛ لكن المحقق تنبه هناك فصححه من "البخاري".
  2. ٢قلت: الوهم المذكور محتمل؛ لا سيما وفيه من كان اختلط كما سبق؛ لكن قال الحافظ في "الفتح": "ويمكن الجمع بأن يكون أبو موسى هاجر أولًا إلى (مكة) فأسلم، فبعثه النبي ﷺ مع من بعث إلى الحبشة، فتوجه إلى بلاد قومه مقابل الحبشة من الجانب الشرقي، فلما تحقق استقرار النبي ﷺ وأصحابه بـ (المدينة)؛ هاجر هو ومن أسلم من قومه إلى (المدينة)؛ فألقتهم السفينة لأجل هيجان الريح إلى الحبشة، فهذا محتمل، وفيه جمع بين الأخبار، فليعتمد، وعلى هذا فقوله: "بلغنا مخرج النبي ﷺ "؛ أي: إلى (المدينة)، وليس المراد: بلغنا مبعثه، ويؤيده أنه يبعد كل البعد أن يتأخر علم مبعثه إلى مضي نحو عشرين سنة .. ".
١/١٧٠١/١٧٠

وهكذا رواه البخاري في (هجرة الحبشة) ، ومسلم عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج النبي ونحن باليمن، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، فأقمنا معه حتى قدمنا، فوافينا النبي ﷺ حين افتتح (خيبر) ، فقال النبي ﷺ : "لكم أنتم أهل السفينة هجرتان" .

وروياه في موضع أخر مطولًا. واللَّه أعلم ١ . وقال ابن إسحاق: حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن حارث ابن هشام عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما ضاقت (مكة) ، وأوذي أصحاب رسول اللَّه ﷺ وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول اللَّه ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول اللَّه ﷺ في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه؛ فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل اللَّه لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه" .

  1. ١قلت: مسلم لم يروه إلا في موضع واحد، وهو (فضائل الصحابة) رقم (١٦٩) مطولًا، وكذا رواه البخاري في (الخمس) و (المغازي) (رقم ٣١٣٦ و ٤٢٣٠)، ورواه في (الهجرة) مختصرًا برقم (٣٨٧٦)، وسيأتي لفظه المطول في (غزوة خيبر).

فخرجنا إليها أرسالًا، حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلمًا.

١/١٧١١/١٧١

فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارًا وأمنًا غاروا منا، فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا؛ ليخرجنا من بلاده، وليردنا عليهم.

فبعثوا عمرو بن العاص وعبد اللَّه بن أبي ربيعة، فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يَدَعوا رجلًا إلا هيأوا له هدية على حدة، وقالوا لهما: ادفعو إلى كل بطريق هديته قبل أن تتكلموا فيهم، ثم ادفعوا إليه هداياه، فإن استطعتم أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا.

فقدما عليه، فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إليه هديته، فكلموه، فقالوا له: إنما قدمنا على هذا الملك في سفهائنا؛ فارقوا أقوامهم في دينهم، ولم يدخلوا في دينكم، فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم، فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل. فقالوا: نفعل.

ثم قدموا للنجاشي هداياه، وكان من أحب ما يهدون إليه من (مكة) الأدم. (وذكر موسى بن عقبة: أنهم أهدوا إليه فرسًا وجبة ديباج) .

فلما أدخلوا عليه هداياه قالوا له: أيها الملك! إن فتية منّا سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه، وقد لجؤوا إلى بلادك، وقد بعثنا إليك فيهم عشائرهم؛ آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم، فإنهم أعلى بهم عينًا، فإنهم لن يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك.

فغضب، ثم قال: لا لعمر اللَّه! لا أردهم عليهم حتى أدعوهم فأكلمهم وأنظر ما أمرهم؛ قوم لجؤوا إلى بلادي، واختاروا جواري على جوار غيري، فإن كانوا كما يقولون رددتهم عليهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم، ولم أدخل بينهم وبينهم، ولم أَنْعَم عينًا.

١/١٧٢١/١٧٢

(وذكر موسى بن عقبة: أن أمراءه أشاروا عليه بأن يردهم إليهم، فقال: لا واللَّه؛ حتى أسمع كلامهم، وأعلم على أي شيء هم عليه) .

فلما دخلوا عليه سلموا ولم يسجدوا له، فقال: أيها الرهط! ألا تحدثوني ما لكم لا تحيوني كما يحييني من أتانا من قومكم؟!

فأخبروني ماذا تقولون في عيسى؟ وما دينكم؟

أنصارى أنتم؟ قالوا: لا. قال: أفيهود أنتم؟ قالوا: لا. قال: فعلى دين قومكم؟ قالوا: لا. قال: فما دينكم؟ قالوا: الإسلام. قال: وما الإسلام؟ قالوا: نعبد اللَّه لا نشرك به شيئًا. قال: من جاءكم بهذا؟ قالوا: جاءنا به رجل من أنفسنا، قد عرفنا وجهه ونسبه، بعثه اللَّه إلينا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، فأمرنا بالبر والصدقة، والوفاء، وأداء الأمانة، ونهانا أن نعبد الأوثان، وأمرنا بعبادة اللَّه وحده لا شريك له، فصدقناه، وعرفنا كلام اللَّه، وعلمنا أن الذي جاء به من عند اللَّه، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا، وعادوا النبي الصادق، وكذبوه، وأرادوا قتله، وأرادونا على عبادة الأوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا. قال: واللَّه؛ إن هذا لمن المشكاة التي خرج منها أمر موسى. قال جعفر: وأما التحية؛ فإن رسول اللَّه ﷺ أخبرنا أن تحية أهل الجنة (السلام) ، وأمرنا بذلك، فحييناك بالذي يحيى بعضنا بعضًا.

١/١٧٣١/١٧٣

وأما عيسى ابن مريم؛ فعبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وابن العذراء البتول.

فأخذ عودًا، وقال: واللَّه؛ ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود. فقال عظماء الحبشة: واللَّه؛ لئن سمعت الحبشة لتخلعنك. فقال: واللَّه؛ لا أقول في عيسى غير هذا أبدًا، وما أطاع اللَّه الناس فيَّ حين رد عليّ ملكي؛ فأطيع الناس في دين اللَّه؟! معاذ اللَّه من ذلك! وقال يونس عن ابن إسحاق: فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم، ولم يكن شيء أبغض لعمرو بن العاص وعبد اللَّه بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم.

فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقالوا: ماذا تقولون؟ فقالوا: وماذا نقول؟! نقول -واللَّه- ما نعرف وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبينا ﷺ كائن من ذلك ما كان.

١/١٧٤١/١٧٤

فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه . فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم، ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية! فقال له جعفر: أيها الملك! كنا قومًا على الشرك نعبد الأوثان، ونأكل الميتة، ونسيء الجوار، يستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نُحلل شيئًا ولا نحرمه، فبعث اللَّه إلينا نبيًّا من أنفسنا، نعرف وفاءه وصدقه وأمانته، فدعانا بلى أن نعبد اللَّه وحده لا شريك له، ونصل الأرحام، ونحمي الجوار، ونصلي للَّه عز وجل ، ونصوم له، ولا نعبد غيره.

(وقال زياد ١ عن ابن إسحاق: فدعانا إلى اللَّه لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد اللَّه ولا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قال: فعدد عليه أمور الإسلام- فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من عند اللَّه، فعبدنا اللَّه وحده لا شريك له، ولم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا.

  1. ١هو زياد البكائي راوي "السيرة" عن ابن إسحاق، وهي التي اختصرها ابن هشام دون رواية يونس بن بكير عنه، وبين روايتهما عنه بعض الاختلاف، ولذلك نرى المؤلف يذكر الفرق بين روايتهما في هذا الحديث، وإن كان لم يفصح عن منتهى رواية زياد، فاستدركت ذلك بجعلها بين هلالين.
١/١٧٥١/١٧٥

فعدا علينا قومنا، فعذبونا ليفتنونا عن ديننا، ويردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللَّه، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث.

فلما قهرونا وظلمونا، وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا؛ خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك! قالت: فقال النجاشي: هل معك شيء مما جاء به؟

فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾، فبكى -واللَّه- النجاشي حتى اخضَلَّتْ لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم [حين سمعوا ما تلا عليهم] ) ١ . ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى؛ انطلقوا راشدين، لا واللَّه؛ لا أردهم عليكم، ولا أنعمكم عينًا.

  1. ١إلى هنا تنتهى رواية زياد، وهي في "سيرة ابن هشام" (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، والزيادة منه.

فخرجنا من عنده، وكان أبقى الرجلين فينا عبد اللَّه بن [أبي] ربيعة، فقال عمرو بن العاص: واللَّه؛ لآتينه غدًا بما أستأصل به خضراءهم، ولأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد -عيسى ابن مريم- عبد! فقال له عبد اللَّه بن [أبي] ربيعة: لا تفعل؛ فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحمًا، ولهم حقًّا. فقال: واللَّه لأفعلن.

١/١٧٦١/١٧٦

فلما كان الغد دخل عليه، فقال: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فسلهم عنه.

فبعث -واللَّه- إليهم، ولم ينزل بنا مثلها. فقال بعضنا لبعض: ماذا تقولون في عيسى إن هو سألكم ١ عنه؟ فقالوا: نقول -واللَّه- الذي قاله اللَّه فيه، والذي أمرنا نبينا أن نقوله فيه.

  1. ١الأصل: "يسألكم".

فدخلوا عليه وعنده بطارقته، فقال: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر: نقول: هو عبد اللَّه ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

فدلى النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ عودًا بين إصبعيه، فقال: ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العويد.

فتناخرت بطارقته، فقال: وإن تناخرتم واللَّه!

اذهبوا فأنتم شيوم في الأرض (الشيوم: الآمنون في الأرض) ، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم (ثلاثًا) ، ما أحب أن لي دَبْرًا وأني آذيت رجلًا منكم. (والدبر بلسانهم: الذهب) .

(وقال زياد عن ابن إسحاق: ما أحب لي دبرًا من الذهب. قال ابن هشام: ويقال: زبرًا، وهو الجبل بلغتهم) . ثم قال النجاشي: فواللَّه؛ ما أخذ اللَّه مني الرشوة حين رد عليّ ملكي، ولا أطاع الناس فيّ؛ فأطيع الناس فيه؟! ردوا عليهما هداياهم، فلا حاجة لي بها، واخرجا من بلادي.

١/١٧٧١/١٧٧

فخرجا مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به. قالت: فأقمنا مع خير جار في خير دار.

فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه الملك.

فواللَّه؛ ما علمتنا حزنَّا حزنًا قط هو أشد منه فرقًا من أن يظهر ذلك الملك عليه، فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه.

فجعلنا ندعوا اللَّه ونستنصره للنجاشي، فخرج إليه سائرًا. فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ بعضهم لبعض: من يخرج فيحضر الوقيعة حتى ينظر على من تكون. فقال الزبير -وكان من أحدثنا سنًا-: أنا.

فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة.

فهزم اللَّه ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه.

فجاءنا الزبير، فجعل يليح لنا بردائه ويقول: ألا فأبشروا؛ فقد أظهر اللَّه النجاشي. قالت: فواللَّه؛ ما علمتنا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي.

١/١٧٨١/١٧٨

ثم أقمنا عنده حتى خرج مَنْ خرج منا إلى (مكة) ، وأقام من أقام ١ . قال الزهري: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة، فقال عروة: أتدري ما قوله: "ما أخذ اللَّه مني الرشوة حين رد عليّ ملكي، فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس فيّ؛ فأطيع الناس فيه؟! " فقلت: لا؛ ما حدثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة. فقال عروة: فإن عائشة حدثتني: أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلًا، ولم يكن لأبي النجاشي ولد غير النجاشي، فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: لو أنا قتلنا أبا النجاشي، وملكنا أخاه؛ فإن له اثني عشر رجلًا من صلبه؛ فتوارثوا الملك؛ لبقيت الحبشة عليهم دهرًا طويلًا لا يكون بينهم اختلاف.

  1. ١قلت: إلى هنا أخرجه أحمد أيضًا (١/ ٢٠١ و ٥/ ٢٩٠ - ٢٩٢).

فعدوا عليه فقتلوه، وملَّكوا أخاه.

فدخل النجاشي بعمه حتى غلب عليه، فلا يدير أمره غيره، وكان لبيبًا حازمًا من الرجال.

فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا: قد غلب هذا الغلام على أمر عمه، فما نأمن أن يملكه علينا، وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفًا إلا قتله، فكلموه فيه فليقتله، أو ليخرجه من بلادنا.

١/١٧٩١/١٧٩

فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه، وإنا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا؛ فإما أن تقتله؛ وإما أن تخرجه من بلادنا. قال: ويحكم! قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم؟! بل أخرجه من بلادكم.

فخرجوا به، فوقفوه في السوق، وباعوه من تاجر من التجار قذفه في سفينة بستمائة درهم، أو بسبعمائة فانطلق به.

فلما كان العشي هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمه يتمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته.

ففزعوا إلى ولده؛ فإذا هم مُحمقون ليس في أحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فقال بعضهم لبعض: تعلمون واللَّه أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره لَلَّذي بعتم الغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة؛ فأدركوه قبل أن يذهب.

فخرجوا في طلبه، فأدركوه فردوه، فعقدوا عليه تاجه، وأجلسوه على سريره وملكوه. فقال التاجر: ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي. فقالوا: لا نعطيك. فقال: إذًا واللَّه لأكلمنه.

فمشى إليه فكلمه، فقال: أيها الملك! إنى ابتعت غلامًا، فقبض مني الذين باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي، ولم يردوا علي مالي.

فكان أول ما خبر من صلابة حكمه وعدله أن قال: لتردن عليه ماله، أو لتجعلن يد غلامه في يده، فليذهبن به حيث شاء. فقالوا: بل نعطيه ماله. فأعطوه إياه.

١/١٨٠١/١٨٠

فلذلك يقول: ما أخذ اللَّه مني الرِّشوة؛ فآخذ الرشوة حين رد عليّ ملكي؟! وما أطاع الناس فيّ؛ فأطيع الناس فيه ١ ؟!

  1. ١قلت: الحديث بطوله في "سيرة ابن هشام" من روايته عن زياد البكائي عن ابن إسحاق -كما تقدم (ص ١٧٤) - مع تقديم وتأخير في بعض الجمل، ونقص في بعضها، وكذلك رواه أبو نعيم في "الدلائل" (ص ٨١ - ٨٤) من طريق أخرى عن ابن إسحاق به. ورواه أحمد دون حديث الزهري عن عروة عن عائشة -كما ذكرت (ص ١٧٨) - وإسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين، وقال الهيثمي (٦/ ٢٧): "رواه أحمد ورجاله رجال "الصحيح"؛ غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع".

والذي وقع في سياق ابن إسحاق إنما هو ذكر عمرو بن العاص وعبد اللَّه بن أبي ربيعة.

والذي ذكره موسى بن عقبة والأموي وغيرهما أنهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة ١ -وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسول اللَّه ﷺ حين تضاحكوا يوم وضع سلا الجزور على ظهره ﷺ وهو ساجد عند الكعبة ٢ -وهكذا تقدم في حديث ابن مسعود وأبي موسى الأشعري ٣ .

  1. ١قلت: وكذلك وقع في حديث عروة المرسل عند أبي نعيم (ص ٨٠).
  2. ٢تقدم ذلك (ص ١٤٦).
  3. ٣تقدم حديثهما في أول الجزء (ص ١٦٤ و ١٦٦).

والمقصود أنهما حين خرجا من (مكة) كانت زوجة عمرو معه، وعمارة كان شابًا حسنًا، فاصطحبا في السفينة، وكأن عمارة طمع في امرأة عمرو بن العاص؛

١/١٨١١/١٨١

فألقى عمرًا في البحر ليهلكه، فسبح حتى رجع إليها، فقال له عمارة: لو أعلم أنك تحسن السباحة لما ألقيتك ١ . فحقد عمرو عليه.

  1. ١قول عمارة هذا لم يتقدم في شيء من الروايات السابقة، فتنبه.

فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي، وكان عمارة قد توصل إلى بعض أهل النجاشي، فوشى به عمرو، فأمر به النجاشي فسحر حتى ذهب عقله، وساح في البرية مع الوحوش.

وقد ذكر الأموي ١ قصته مطولة جدًّا، وأنه عاش إلى زمن إمارة عمر بن الخطاب، وأنه تقصَّده بعض الصحابة ومسكه، فجعل يقول: أرسلني أرسلني وإلا متُّ. فلما لم يرسله مات من ساعته. فاللَّه أعلم.

  1. ١هو يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الكوفي الحافظ الملقب بـ (الجمل)، توفي سنه (١٩٤) أربع وتسعين ومائة، وقوله في "الرسالة المستطرفة" (ص ٨٢): "ومائتين" خطأ؛ ذكره فيمن ألف في المغازي، وفي "تاريخ بغداد" (١٤/ ١٣٢) أنه روى عن محمد بن إسحاق "المغازي"، فلا أدري هو هذا أم غيره؟!

لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور ١ .

  1. ١سيرة ابن هشام (١/ ٣٦٤)، وإسناده حسن.

ورواه أبو داود عن ابن إسحاق ١ .

  1. ١أخرجه أبو داود في (الجهاد) بلفظ: ". . . كنا نتحدث. . "، وهو عنده من طريق سلمة ابن الفضل عن ابن إسحاق، وسلمة قال فيه الحافظ ابن حجر: "صدوق كثير الخطأ".
١/١٨٢١/١٨٢

وقد ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول اللَّه ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربع تكبيرات ١ .

  1. ١قلت: وهو مخرج في كتابي "أحكام الجنائز" (ص ٨٩ - ٩٠).

وروى البخاري في (موت النجاشي) ١ بسنده عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ حين مات النجاشي: "مات اليوم رجل صالح؛ فقوموا فصلوا على أخيكم (أصحمة) " .

  1. ١رقم (٣٨٧٧)، ورواه مسلم أيضًا (٩٥٢) نص، وهو مخرج في "الأحكام".

وروي ذلك من حديث أنس بن مالك، وابن مسعود، وغير واحد.

وفي بعض الروايات تسميته (أصحمة) ١ ، وفي رواية (مصحمة) ، وهو (أصحمة بن بحر) ، وكان عبدًا صالحًا لبيبًا ذكيًّا، وكان عادلًا عالمًا، رضي الله عنه وأرضاه. وقال يونس عن ابن إسحاق: اسم النجاشي (مصحمة) ، وفي نسخة صححها البيهقي: (أصحم) ، وهو بالعربية: (عطية) . قال: وإنما النجاشي اسم الملك؛ كقولك: (كسرى) ، (هرقل) ٢ . قلت: كذا، ولعله يريد به (قيصر) ؛ فإنه علم لكل من ملك الشام مع الجزيرة من بلاد الروم. و (كسرى) علم على من ملك الفرس. و (فرعون) علم لمن ملك مصر كافة. و (المقوقس) لمن ملك الإسكندرية. و (تُبَّع) لمن ملك اليمن والشحْر. و (النجاشي) لمن ملك الحبشة. و (بطليموس) لمن ملك اليونان، وقيل: الهند. و (خاقان) لمن ملك الترك. وقال بعض العلماء ٣ : إنما صلى عليه؛ لأنه كان يكتم إيمانه من قومه، فلم يكن عنده يوم مات من يصلي عليه، فلهذا صلى عليه. قالوا: فالغائب إن كان قد صُلِّي عليه ببلده لا تشرع الصلاة عليه ببلد أخرى، ولهذا لم يُصَلَّ على النبي ﷺ في غير (المدينة) ؛ لا أهل (مكة) ولا غيرهم. وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة؛ لم ينقل أنه صُلِّي على أحد منهم في غير البلدة التي صُلِّيَ عليه فيها. فاللَّه أعلم.

  1. ١وهي الصحيحة لاتفاق الشيخين عليها من حديث أبي هريرة وجابر؛ كما تراه مخرجًا هناك، وأما الرواية التي بعدها فلا تصح؛ كما سأبينه.
  2. ٢قلت: أخرجه الحاكم (٢/ ٦٢٣) عن يونس؛ كما في النسخة الأولى، وهو إسناد معضل ضعيف كما لا يخفى، والصحيح في اسمه (أصحمة)؛ كما تقدم آنفًا.
  3. ٣هو الإمام الخطابي في "معالم السن"، فراجع كلامه في ذلك مع كلام ابن تيمية وابن القيم في "أحكام الجنائز"؛ يتبين لك أن الصواب ما ذكره المؤلف عن العلماء.

[المستدرك]

١/١٨٣١/١٨٣

قال جعفر: يا رسول اللَّه! ائذن لي أن آتي أرضًا أعبد اللَّه فيها؛ لا أخاف أحدًا. قال: قال: فأذن له فيها، فأتى النجاشي. قال عمير: حدثني عمرو بن العاص قال: لما رأيت جعفرًا وأصحابه آمنين بأرض الحبشة حسدته؛ لأستقبلن لهذا وأصحابه، فأتيت النجاشي فقلت: ائذن لعمرو بن العاص. فأذن لي، فدخلت فقلت: إن بأرضنا ابن عم لهذا يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنا -واللَّه- إن لم تُرِحنا منه وأصحابه؛ لا قطعت بليك هذه النطفة ١ ولا أحد من أصحابي أبدًا. فقال: وأين هو؟ قلت: إنه يجيء مع رسولك؛ إنه لا يجيء معي.

  1. ١يريد: ماء البحر.
١/١٨٤١/١٨٤

فأرسل معي رسولًا، فوجدناه قاعدًا بين أصحابه، فدعاه، فجاء، فلما أتيت الباب ناديت: ائذن لعمرو بن العاص. ونادى خلفي: ائذن لحزب اللَّه عز وجل . فسمع صوته، فأذن له قبلي، فدخل ودخلت، فإذا النجاشي على السرير، قال: فذهبت حتى قعدت بين يديه، وجعلته خلفي، وجعلت بين كل رجلين من أصحابه رجلًا من أصحابي، [قال: فسكت وسكتنا، وسكت وسكتنا، حتى قلت في نفسي: ألعن هذا العبد الحبشي؛ ألا يتكلم؟! ثم تكلم] ، فقال النجاشي: نجروا. قال عمرو: يعني: تكلموا. قلت: إن بأرضك رجلًا ابن عمه بأرضنا، ويزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنك إن لم تقطعه وأصحابه، لا أقطع إليك هذه النطفة أنا ولا أحد من أصحابي أبدًا. [قال: يا حزب اللَّه! نجر] . قال جعفر: صدق ابن عمي وأنا على دينه. قال: فصاح صياحًا، وقال: أوه. حتى قلت: ما لابن الحبشية لا يتكلم. وقال: أَنَامُوسٌ كَنَامُوسِ موسى؟ قال: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ قال: أقول: هو روح اللَّه وكلمته. قال: فتناول شيئًا من الأرض، فقال: ما أخطأ في أمره مثل هذا، فواللَّه؛ لولا ملكي لاتبعتكم. وقال لي: ما كنت أبالي أن لا تأتيني أنت ولا أحد من أصحابك أبدًا، أنت آمن بأرضي، من ضربك قتلته، ومن سبك غرمته. وقال لآذنه: متى أستأذنك هذا فائذن له؛ إلا أن أكون عند أهلي، فإن أبى ١ فائذن له. قال: فتفرقنا، ولم يكن أحد أحب إليّ أن ألقاه من جعفر. قال: فاستقبلني من طريق مرة، فنظرت خلفه فلم أر أحدًا، فنظرت خلفي فلم أر أحدًا، فدنوت منه وقلت: أتعلم أني أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله؟ قال: فقد هداك اللَّه فاثبت. فتركني وذهب.

  1. ١الأصل: "أتى"، والتصويب من رواية البزار في "كشف الأستار" (٢/ ٢٩٧)، والزيادات منه.
١/١٨٥١/١٨٥

فأتيت أصحابي، فكأنما شهدوه معي، فأخذوا قطيفة أو ثوبًا، فجعلوه عليّ حتى غموني بها. قال: وجعلت أخرج رأسي من هذه الناحية مرة، ومن هذه الناحية مرة، حتى أفلت وما علي قشرة ١ ، [ولم يدعوا لي شيئًا إلا ذهبوا به] ، فمررت على حبشية، فأخذت قناعها فجعلته على عورتي.

  1. ١أي: ثوبًا.
١/١٨٦١/١٨٦

فأتيت جعفرًا، فدخلت عليه، فقال: ما لك؟ فقلت: أخذ كل شيء لي، ما ترك عليّ قشرة، فأتيت حبشية، فأخذت قناعها فجعلته على عورتي. [فقال:]

فانطلق وانطلقت معه حتى أتى إلى باب الملك، فقال جعفر لآذنه: استأذن لي. قال: إنه عند أهله. [فقال: استأذن لي عليه. فاستأذن له،] فأذن له، فقال: إن عمرًا تابعني على ديني. قال: كلا. قال: بلى. فقال لإنسان: اذهب معه؛ فإن فعل؛ فلا يقل شيئًا إلا كتبته. قال: فجاء فقال: نعم. فجعلت أقول، وجعل يكتب، حتى كتب كل شيء حتى القدح ١ . قال: ولو شئت آخذ شيئًا من أموالهم إلى مالي فعلت.

  1. ١أي: مما سلبه أصحابه منه ليعاد إليه؛ بيَّن ذلك رواية البغوي: "وبلغ ذلك أصحابي، فغنموني وسلبوني كل شيء، فذهب إلى جعفر، فذهبت معي إلى النجاشي، فردّوا على كل شيء أخذوه".

[قال: ثم كنت بعد من الذين أقبلوا في السفن مسلمين] .

رواه الطبراني والبزار، وصدر الحديث في أوله والزيادة في آخره له ١ .

  1. ١كذا في "مجمع الزوائد" (٦/ ٢٩)، وقال: "وعمير بن إسحاق وثقه ابن حبان وغيره، وفيه كلام لا يضر، وبقية رجاله رجال (الصحيح) "، ومن طريقه أخرجه البغوي -كما في "الإصابة"- وقال: "إسناده جيد عنه، أحد التابعين".

وعن أبي مالك الأشجعي قال: كنت جالسًا مع محمد بن حاطب فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إني قد رأيت أرضًا ذات نخل فاخرجوا" .

١/١٨٧١/١٨٧

فخرج حاطب وجعفر في البحر قِبَلَ النجاشي. قال: فولدت أنا في تلك السفينة.

رواه أحمد (٤/ ٢٥٩) ، وسنده صحيح.

وفي رواية له (٣/ ٤١٨ و ٦/ ٣٣٧) من طريق أخرى عن محمد بن حاطب عن أمه أم جميل بنت المجلل قالت: أقبلت بك من أرض الحبشة، حتى إذا كنت من (المدينة) على ليلة أو ليلتين طبخت لك طبيخًا، ففني الحطب، فخرجت أطلبه، فتناولت القدر، فانكفأت على ذراعك، فأتيت بك النبي ﷺ ، فقلت: بأبي وأمي يا رسول اللَّه! هذا محمد بن حاطب، [وهو أول من سمي بك] . فتفل في فيك، ومسح على رأسك ودعا لك، وجعل يتفل على يدك ويقول: "أذهب الباس رب الناس! واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا" . فقالت: فما قمت بك من عنده حتى برأت يدك ١ [انتهى المستدرك] .

  1. ١قلت: وأخرجه البخاري -يعني: في "التاريخ"؛ كما في "الاستيعاب"- والزيادة له، وكذا الطبراني؛ كما في "المجمع" (٦/ ٢٨)، وعنه أبو نعيم في "الدلائل" (ص ١٦٨)، وإسناده ضعيف؛ لكن ذكر له في "الإصابة" طريقًا أخرى، فلعله يتقوى بها؛ لا سيما ولقصة القدر والتفل والدعاء طريق أخرى عن محمد بن حاطب عند أحمد وغيره، وإسناده صحيح.

ذكر عزم الصديق على الهجرة إلى أرض الحبشة

١/٢١٢١/٢١٢

قال ابن إسحاق: وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه -كما حدثني محمد بن مسلم الزهري عن عروة عن عائشة- حين ضاقت عليه (مكة) ، وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول اللَّه ﷺ وأصحابه ما رأى؛ استأذن رسول اللَّه ﷺ في الهجرة؛ فأذن له.

فخرج أبو بكر رضي الله عنه مهاجرًا؛ حتى إذا سار من (مكة) يومًا أو يومين لقيه ابن الدَّغِنَة -أخو بني الحارث بن يزيد؛ أحد بني بكر بن عبد مناة بن كنانة- وهو يومئذ سيد الأحابيش.

[قال ابن إسحاق: و (الأحابيش) : بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، والهُون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة. قال ابن هشام: تحالفوا جميعًا، فسموا الأحابيش؛ لأنهم تحالفوا بوادٍ يقال له: (الأحبش) بأسفل (مكة) للحلف]. فقال [ابن الدغنة] : إلى أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي، وآذوني، وضيقوا عليّ. قال: ولم؟ واللَّه؛ إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتُكسب المعدوم، ارجع فإنك في جواري.

فرجع معه، حتى إذا دخل (مكة) قام معه ابن الدَّغِنة فقال: يا معشر قريش! إني قد أجرت ابن أبي قحافة، فلا يعرض له أحد إلا بخير. قال: فكفوا عنه. قالت: وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جُمَح، فكان يصلي فيه، وكان رجلًا رقيقًا؛ إذا قرأ القرآن استبكى. قالت: فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء؛ يعجبون لما يرون من هيئته. قال: فمشى رجال من قريش إلى ابن الدَّغنة، فقالوا: يا ابن الدَّغنة! إنك لم تُجِر هذا الرجل ليؤذينا! إنه رجل إذا صلى وقرأ يرقّ وكانت له هيئة، ونحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يفتنهم، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء. قالت: فمشى ابن الدَّغِنَة إليه فقال: يا أبا بكر! إني لم أجرك لتؤذي قومك، وقد كرهوا مكانك الذي أنت به، وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال: أو أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار اللَّه. قال: فاردد عليّ جواري. قال: قد رددته عليك. قال: فقام ابن الدَّغنة فقال: يا معشر قريش! إن ابن أبي قحافة قد رد عليّ جواري، فشأنكم بصاحبكم ١ .

  1. ١قلت: إسناده جيد، ويقويه رواية البخاري التي بعده.
١/٢١٣١/٢١٣

وقد روى الإمام البخاري هذا الحديث منفردًا به ١ ، وفيه زيادة حسنة، أخرجه عن عُقيل: قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول اللَّه ﷺ طرفي النهار: بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ (بَرك الغِماد) ٢ لقيه ابن الدَّغنة، وهو سيد (القارة) ٣ ، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. فقال ابن الدَّغنة: فإن مثلك يا أبا بكر! لا يَخْرُجُ، ولا يُخْرَجُ مِثْلُهُ، إنك تُكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتَقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلدك.

  1. ١أي: ولم يروه مسلم، وهو كما قال، أخرجه البخاري (٤٧٦ و ٢١٣٨ و ٢٢٦٣ و ٢٢٦٤ و ٢٢٩٧ و ٣٩٠٥ و ٤٠٩٣ و ٥٨٠٧ و ٦٠٧٩) مختصرًا ومطولًا، وروى أحمد (٦/ ١٩٨) بعضه.
  2. ٢موضع وراء (مكة) بخمس ليال مما يلي البحر.
  3. ٣قبيلة مشهورة، يضرب بهم المثل في قوة الرمي، فيقال: قد أنصف القارة من راماها.
١/٢١٤١/٢١٤

فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، وطاف ابن الدغنة في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ ولا يُخْرَجُ، أتخرجون رجلًا يُكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكَلَّ، ويَقْرِي الضيف، ويعين على نوائب الحق؟!

فلم تكذب قريش بجوار ابن الدَّغِنة، وقالوا لابن الدَّغِنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، وليصلَّ فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يَفْتِنَ نساءنا وأبناءنا.

فقال ابن الدَّغِنة ذلك لأبي بكر.

١/٢١٥١/٢١٥

فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره.

ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدأ بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذف [عليه] ١ نساء المشركين وأبناؤهم؛ يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكَّاءًا لا يملك عينه إذا قرأ القرآن.

  1. ١قلت: وفي لفظ: "فيتقصّف"؛ أي: يزدحمون عليه حتى يسقط بعضهم على بعض فيكاد ينكسر، وأطلق (يتقصف) مبالغة، قال الخطابي: "هذا هو المحفوظ". كذا في "الفتح" (٧/ ٢٣٤).

فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدَّغِنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك؛ فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن الصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتتن أبناؤنا ونساؤنا، فانْهَهُ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك؛ فسله أن يرد عليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدَّغِنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي قد عاقدتك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إليّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أنى أُخفرتُ في رجل عقدتُ له. فقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار اللَّه عز وجل .

ثم ذكر تمام الحديث في هجرة أبي بكر رضي الله عنه مع رسول اللَّه ﷺ ؛ كما سيأتي مبسوطًا.

فصل

١/٢١٦١/٢١٦

وقد ذكر محمد بن إسحاق رحمه الله قصة الطفيل بن عمرو الدوسي مرسلة بدون إسناد.

وكان سيدًا مطاعًا شريفًا في (دَوْس) ، وكان قد قدم (مكة) ، فاجتمع به أشراف قريش، وحذروه عن رسول اللَّه ﷺ ، ونهوه أن يجتمع به، أو يسمع كلامه.

لما قدم الطفيل وأصحابه على رسول اللَّه ﷺ قال: إن دوسًا قد استعصت [وأبت، فادع اللَّه عليهم. فاستقبل رسول اللَّه ﷺ القبلة، ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا] ، قال: "اللهم! اهد دوسًا، وائت بهم، [اللهم! اهد دوسًا، وائت بهم] " .